صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
وقوله في الجواب عن السادس : إنه إنما دام لئلا يقدح انقطاعه في خبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطلان الكهانة فإنه مستلزم للدور إذ الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام إنما أخبر بذلك لعلمه بدوام القذف المانع من تحقق ما تتوقف عليه الكهانة . وقوله في الجواب عن الخامس : إن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فتبطلها ظاهر في أن الشياطين نار صرفة وليس كذلك بل الحق أنهم يغلب عليهم العنصر الناري وقد حصل لهم بالتركيب ولو مع غلبة هذا العنصر ما ليس للنار الصرفة وهو ظاهر . (9/467)
هذا ثم أعلم أنه يجوز أن يكون استراق السمع من الملائكة الذي عند السماء لا من الملائكة الذين بين كل سماء وسماء ليجيء حديث الثخن واستبعاد السماع معه ، ويشهد لهذا ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنهم قالت : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضى في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون مع الكلمة مائة كذبة من عند أنفسهم " ولا ينافيه ما رواه أيضاً عن عكرمة أنه قال : «سمعت أبا هريرة يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله سبحانه كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع " الخبر ، إذ ليس فيه أكثر من سماع المسترق الكلمة بعد قول الملائكة عليهم السلام بعضهم لبعض ، وعدم منافاة هذا لذك ظاهر عند من ألقى السمع وهو شعيد ، وأنه ليس في الآيات ما هو نص في أن ما نراه من الشهب لا يكون إلا لرمي شيطان يسترق بل غاية ما فيها أنه إذا استرق شيطان أتبعه شهاب ورمى بنجم وأين هذا من ذاك؟ نعم في خبر الزخري ما يحتاج معه إلى تأمل ، وعلى هذا فيجوز أن يكون حدوث بعض ما نراه من الشهب لتصاعد البخار حسبما تقدم عن الفلاسفة ، وكذا يجوز أن يكون صعود الشياطين للاستراق في كل سنة مثلاً مرة ، ولا يخفى نفع هذا في الجواب عن السؤال الثاني .
ومن الناس من أجاب عنه بأنه لا يبعد أن يكون المسترقون صنفاً من الشياطين تقتضي ذواتهم التصاعد نظير تصاعد الأبخرة ، بل يجوز أن يكون أولئك الشياطين أبخرة تعلقت بها أنفس خبيثة على نحو ما ذكر الفلاسفة من أنه قد يتعلق بذوات الأذناب نفس فتغيب وتطلع بنفسها وفيه بحث .
ونقل الإمام عن الجبائي أنه قال في الجواب عن ذلك : إن الحالة التي تعتريهم ليس لها موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المضير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة فربما صاروا إلى موضع فتصيبهم الشهب وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا يصيبهم شيء فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعضها جاز أن يصيروا إلى موضع يغلب على ظنونهم أنها لا تصيبهم فيه كما يجوز فيمن يسلك البحر إن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة فيه . (9/468)
وتعقبه بقوله : ولقائل أن يقول : إنهم إن صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة أو إلى غيهرا فإن وصلوا إلى الأول احترقوا وأن إلى الثاني لم يظفروا بمقصود أصلاً ، فعلى كلا التقديرين المقصود غير حاصل فإذا حصلت هذه التجربة وثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محقق وجب أن يمتنعوا ، وهذا بخلاف حال المسافر في «البحر» فإن الغالب على المسافرين فيه الفوز بالمقصود ، ثم قال : فالأقرب في الجواب أن نقول : هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة فيما بين الشياطين اه .
وأنت تعلم أن هذا لا يكاد يتم إلا مع القول بأنه ليس كل ما نراه من الشهب يحرق به الشياطين والأمر مع هذا القول سهل كما لا يخفى .
وذكر البيضاوي أن استراق السمع خطفتهم اليسيرة من قطان السموات لما بينهم من المناسبة في الجوهر . أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها ، وذكر عند قوله تعالى : { إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ } [ الشعراء : 212 ] أن السمع مشروط بمشاركتهم في صفات الذات وقبول فيضان الحق والانتقاش بالصورة الملكوتية ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك ، ولا يخفى ما فيه ، فإنه ظاهر في أن الاستراق يقتضي مناسبة الجوهر والسمع التام يقتضي المشارع المذكورة وهو لا يتمشى على أصول الشرع ، وفي أن تلقيهم يكون من الأوضاع الفلكية وهو مخالف لصريح النظم والأحاديث مع أنه يقتضي أن يكون قطان السماء بمعنى الكواكب وشموال { مِنْ } شياطين الإنس من المنجمين وهو كما ترى .
وذكر هو . وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها اه .
ومن الناس من ذهب أخذاً ببعض الظواهر إلى أن المنع عند البعثة والله تعالى أعلم بقي ههنا إشكال : ذكره الإمام مع جوابه فقال : ولقائل أن يقول : إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السماء ويسمع أخبار الغيوب من الملائكة عليهم السلام ثم يلقيها إلى الكهنة وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً دالاً على الصدق لأن كل غيب يخبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام يقوم فيه هذا الاحتمال ، ولا يقال : إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولده صلى الله عليه وسلم لأنا نقول : هذا المعجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكونه عليه الصلاة والسلام رسولاً وبكون القرآن حقاً والقطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز ، وكون الأخبار عن الغيوب معجزاً لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو محال . ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كونه صلى الله عليه وسلم رسولاً بسائر المعجزات ثم بعد العلم بثبوت ذلك نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الاخبار عن الغيوب معجزاً ولا يلزم الدور اه فتدبر والله سبحانه ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق .
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)
{ والارض مددناها } بسطناها ، قال الحسن : أخذ الله تعالى طينة فقال لها : انبسطي فانبسطت ، وعن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن أم القرى مكة ونها دحيت الأرض وبسطت ، وعن ابن عباس أنه قال : بسطناها على وجه الماء ، وقيل : يحتمل أن يكون المراد جعلناها ممتدة في الجهات الثلاث الطول والعرض والعمق ، والظاهر أن المراد بسطها وتوسعتها ليحصل بها الانتفاع لمن حلها ولا يلزم من ذلك نفي كرويتها لما أن الكرة العظيمة لعظمها ترى كالسطح المستوي ، ونصب { الارض } على الحذف على شرطية التفسير وهو في مثل ذلك أرجح من الرفع على الابتداء للعطف على الجملة الفعلية أعني قوله تعالى : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا } [ الحجر : 16 ] الخ وليواقف ما بعده أعني قوله سبحانه : { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي } أي جبالاً ثوابت جمع راسية جمع رأس على ما قيل ، وقد بين حكمة إلقاء ذلك فيها في قوله سبحانه : { وألقى فِى الارض رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } [ النحل : 15 ] . (9/469)
قال ابن عباس : إن الله تعالى لما بسط الأرض على الماء مالت كالسفينة فأرساها بالجبال الثقال لئلا تميل بأهلها ، وقد تقدم الكلام في ذلك .
وزعم بعضهم أنه يجوز أن يكون المراد أنه تعاى فعل ذلك لتكون الجبال دالة على طرق الأرض ونواحيها فلا تميد الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال ، ثم قال؛ وهذا الوجه ظاهر الاحتمال . وأنت تعلم أنه لا يسوغ الذهاب إليه مع وجود أخبار تأباه كالجبال { وَأَنبَتْنَا فِيهَا } أي في الأرض ، وهي إما شاملة للجبال لأنها تعد منها أو خاصة بغيرها لأن أكثر النبات وأحسنه في ذلك .
وجوز أن يكون الضمير للجبال والأرض بتأويل المذكورات مثلاً أو للأرض بمعنى ما يقابل السماء بطريق الاستخدام ، وعوده على الرواسي لقربها وحمل الانبات على إخراج المعادن بعيد { مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } أي مقدر بمقدار معين تقتضيه الحكمة فهو مجاز مستعمل في لازم معناه أو كناية أو من كل شيء مستحسن متناسب من قولهم : كلام موزون ، وأنشد المرتضى في درره لهذا المعنى قول عمر بن أبي ربيعة .
وحديث ألذه وهو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزناً
وقد شاع استعمال ذلك في كلام العجم والمولدين فيقولون : قوام موزون أي متناسب معتدل ، أو ما له قدر واعتبار عند الناس في أبواب النعمة والمنفعة ، وقال ابن زيد : المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة وغيرهما ، و { مِنْ } كما في البحر للتبعيض ، وقال الأخفش : هي زائدة أي كل شيء .
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)
{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } ما تعيشون به من المطاعم والمشارب والملابس وغيرها مما يتعلق به البقاء وهي بياء صريحة . وقرأ الأعرج . وخارجة عن نافع بالهمز ، قال ابن عطية : والوجه تركه لأن الياء في ذلك عين الكلمة ، والقياس في مثله أن لا يبدل همزة وإنما يبدل إذا كان زائداً كياء شمائل وخبائث . لكن لما كان الياء هنا مشابهاً للياء هناك في وقوعه بعد مدة زائدة في الجمع عومل معاملته على خلاف القياس { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين } عطف على معايش أي وجعلنا لكم من لستم برازقيه من العيال والمماليك والخدم والدواب وما أشبهها على طريقة التغليب كما قال الفراء وغيره ، وذكرهم بهذا العنوان لرد حسبان بعض الجهلة أنهم يرتزقون منهم أو لتحقيق أن الله تعالى يرزقهم وإياهم مع ما في ذلك من عظيم الامتنان ، ويجوز عطفه على محل { لَكُمْ } وجوز الكوفيون ويونس . والأخفش . وصححهع أبو حيان العطف على الضمير المجرور إن لم يعد الجار ، والمعنى على التقديرين سواء أي وجعلنا لكم معايش ولمن لستم له برازقين ، وقال الزجاج : إن { مِنْ } في محل نصب بفعل محذوف والتقدير وأعشنا من لستم الخ أي أمما غيركم لأن المعنى أعشناكم ، وقيل : إنه في محل رفع على الابتداء وخبره محذوف لدلالة المعنى عليه أي ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش وهو خلاف الظاهر ، وقال أبو حيان : لا بأس به فقد أجازوا ضربت زيداً وعمرو بالرفع على الابتداء أي وعمرو ضربته فحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه . (9/470)
وأخرج ابن المنذر . وغيره عن مجاهد أن المراد { بِمَنِ * لَسْتُمْ } الخ الدواب والأنعام ، وعن منصور الوحش ، وعن بعضهم ذاك والطير فمن على هذه الأقوال لما لا يعقل .
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)
{ وَإِن مّن شَىْء } { ءانٍ } نافية و { مِنْ } مزيدة للتأكيد و { شَىْء } في محل الرفع على الابتداء أي ما شيء من الأشياء الممكنة فيدخل فيها ما ذكر دخولاً أولياً والاقتصار عليه قصور . وزعم ابن جريج . وغيره أن الشيء هنا المطر خاصة . (9/471)
{ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } الظرف خبر للمبتدأ و { خَزَائِنُهُ } مرتفع به على أه فاعل لاعتماده أو مبتدأ والظرف خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول ، والخزائن جمع خزانة ولا تفتح وهي اسم للمكان الذي يحفظ فيه نفاس الأموال لا غير غلبت على ما قيل في العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن أرزاق الناس ، شبهت مقدوراته تعالى الغائبة للحصر المندرجة تحت قدرته الشاملة في كونها مستورة عن علوم العالمين ومصونة عن وصول أيديهم مع وفور رغبتهم فيها وكونها متهيأة متأتية لإيجاده وتكوينه بحيث متى تعلقت الإرادة بوجودها وجدت بلا تأخر بنفائس الأموال المخزونة في الخزائن السلطانية فذكر الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية قاله غير واحد ، وجوز أن يكون قد شبه اقتداره تعالى على كل شيء وإيجاده لما يشاء بالخزائن المودعة فيها الأشياء المعدة لأن يخرج منها ما شاء فذكر ذلك على سبيل الاستعارة التمثيلية ، والمراد ما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه ، وقيل : الأنسب أنه مثل لعلمه تعالى بكل معلوم ، ووجه على ما قيل أنه يبقى { شَىْء } على عمومه لشموله الواجب والممكن بخلاف القدرة ولأن { عِندَ } أنسب بالعلم لأن المقدور ليس عنده إلا بعد الوجود . وتعقب بأن كون المقدورات في خزان القدرة ليس باعتبار الوجود الخارجي بل الوجود العلمي ، وقال قوم : الخزائن على حقيقتها وهي الأماكن التي تحفظ فيها الأشياء وإن للريح مكاناً وللمطر مكاناً ولكل مكان حفظة من الملائكة عليهم السلام ، ولا يخفى أنه لا يمكن مع تعميم الشيء { وَمَا نُنَزّلُهُ } أي نوجد وما نكون شيئاً من تلك الأشياء ملتبساً بشيء من الأشياء { إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } أي إلا ملتبساً بمقدار معين تقتضيه الحكمة وتستدعيه المشيئة التابعة لها من بين المقدورات الغير المتناهية فإن تخيص كل شيء بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون ما عدا ذلك مع استواء الكل في الأشكال وصحة تعلق القدرة به لا بد له من حكمة تقتضي اختصاص كل من ذلك بما اختص به .
وهذا لبيان سر عدم تكون الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في الخزائن ، وهو إما عطف على مقدر أي ننزله وما ننزله إلا بقدر إلى آخره أو حال مما سبق أي عندنا خزائن كل شيء والحال إنا ما ننزله إلا بقدر إلى آخره ، فالأول : لبيان سعة القدرة ، والثاني : لبيان بالغ الحكمة قاله مولانا شيخ الإسلام .
وقرأ الأعمش { وَمَا * مُّجْرِمِينَ * إِلا } إلى رخره ، وهي على ما في «البحر» قراءة تفيسر لمخالفتها لسواد المصحف ، والأولى في التفسير ما ذكرنا ، وإنما عبر عن إيجاد ذلك وإنشائه بالتنزيل لما أنه بطريق التفضل من العالم العلوي إلى العالم السفلي وقيل : لما أن فيه إخراج الشيء مما تميل إليه ذاته من العدم إلى ما لا تميل إليه ذاته من الوجود ، وهذا كما في قوله تعالى : { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج } [ الزمر : 6 ] وقوله سبحانه : { وَأَنزْلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } [ الحديد : 25 ] وكأن من حمل الشيء على المطر غره ظاهر التنزيل فارتكب خلاف ظاهره جداً ، وكأنه لما كان ذلك بطريق التدريج عبر عنه بالتنزيل ، وجيء بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار . واستدل بعض القائلين بشيئية المعدوم على ذلك بهذه الآية ، وقد بين وجهه والجواب عنه الإمام ونحن مع القائلين بالشيئية . (9/472)
وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)
{ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ } عطف على { جَعَلْنَا لَكُمْ * فِيهَا معايش } وما بينهما اعتراض لتحقيق ما سبق وترشيح ما لحق ، واللواقح جمع لاقح بمعنى حامل يقال : ناقة لاقح أي حامل ، ووصف الرياح بذلك على التشبيه البليغ ، شبهت الريح التي بالسحاب الماطر بالناقة الحامل لأنها حاملة لذلك السحاب أو للماء الذي فيه ، وقال الفراء : إنها جمع لاقح على النسب كلابن وتامر أي ذات لقاح وحمل ، وذهب إليه الراغب ، ويقال لضدها ريح عقيم ، وقال أبو عبيدة : { لَوَاقِحَ } أي ملاقح جمع ملقحة كالطوائح في قوله : (9/473)
ليبك يزيد ضارع لخصومة مختبط مما تطيح الطوائح ... أي المطاوح جمع مطيحة ، وهو من ألقح الفحل الناقة إذا ألقى ماءه فيها لتحمل ، والمراد ملقحات للسحاب أو الشجر فيكون قد استعير اللقح لصب المطر في السحاب أو الشجر ، وإسناده إليها على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز إذ الملقى في الشجر ، وإسناده إليها على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز إذ الملقى في الشجر السحاب لا الريح والرياح اللواقح هي ريح الجنوب كما رواه ابن أبي الدنيا عن قتادة مرفوعاً ، وروى الديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة نحوه ، وأخرج ابن جرير وغيره عن عبيد بن عمير قال : يبعث الله تعالى المبشرة فتقم الأرض قما ثم يبعث المثيرة السحاب فتجعله كسفاً ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاماً ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر . وقرأ حمزة { وَأَرْسَلْنَا * الريح } بالإفراد على تأويل الجنس فتكون في معنى الجمع فلذا صح جعل { لَوَاقِحَ } حالاً منها وذلك كقولهم : أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض ، ولا تخالف هذه القراءة ما قالوه في حديث [ اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ] من أن الرياح تستعمل للخير والريح للشر لما قال الشهاب من أن ذلك ليس من الوضع وإنما هو من الاستعمال وهو أمر أغلبي لا كلي فقد استعملت الريح في الخير أيضاً نحو قوله تعالى : { وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } [ يونس : 22 ] أو هو محمول على الإطلاق بأن لا يكون معه قرينة كالصفة والحال ، وأما كون المراد بالخير الدعاء بطول العمر ليرى رياحاً كثيرة فلا وجه له .
{ فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء } بعد ما أنشأنا بتلك الرياح سحاباً ماطراً { مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } جعلناه لكم سقيا تسقون به مزارعكم ومواشيكم وهو على ما قيل أبلغ من سقيناكم لما فيه من الدلالة على جعل الماء معداً لهم ينتفعون به متى شاؤا ، وقد فرق بين اسقي وسقى غير واحد فقد قال الأزهري : العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام أو من السماء أو من نهر جار اسقيته أي جعلت شرباً له وجعلت له منه مسقى فإذا كان للشفة قالوا سقى ولم يقولوا أسقى ، وقال أبو علي : يقال سقيته حتى روى وأسقيته نهراً جعلته شرباً له ، وربما استعملوا سقى بلا همزة كأسقى كما في قول لبيد يصف سحاباً :
أقول وصوته مني بعيد ... يحط اللث من قلل الجبال سقى قومي بني نجد وأسقى (9/474)
نميراً والقبائل من هلال ... فإنه لا يريد بسقي قومي ما يروى عطاشهم ولكن يريد رزقهم سقياً لبلادهم يخصبون بها وبعيد أن يسأل لقومه ما يروى ولغيرهم ما يخصبون به ، ولا يرد على قول الأزهري أنه لا يقال أسقى في سقيا الشفعة قول ذي الرمة :
وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... يكلمني أحجاره وملاعبه
قال الإمام : لأنه أراد بأسقيه أدعو له بالسقيا ولا يقال في ذلك كما قال أبو عبيد سوى أسقى ، هذا وقد جاء الضمير هنا متصلاً بعد ضمير منصوب متصل أعرف منه ومذهب سيبويه في مثلك ذلك وجوب الاتصال .
{ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين } نفي سبحانه عنهم ما أثبته لجنابة بقوله جل جلاله : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } [ الحجر : 21 ] قيل : نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله ، وما أنتم على ذلك بقادرين ، وقيل : المراد نفي حفظه أي وما أنتم له بحافظين في مجاريه عن أن يغور فلا تنتفعون به وعن سفيان أن المعنى وما أنتم له بمانعين لإنزاله من السماء .
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)
{ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ } بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها { وَنُمِيتُ } بإزالتها عنها فالحياة صفة وجودية وهي كما قيل صفة تقتضي الحس والحركة الإرادية والموت زوال تلك الصفة ، وقال بعضهم : إنه صفة وجودية تضاد الحياة لظاهر قوله تعالى : { الذى خَلَقَ الموت } [ الملك : 2 ] وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك ، وقد يعمم الأحياء والإماتة بحيث يشمل الحيوان والنبات مثل أن يقال : المراد إعطاء قوة النماء وسلبها ، وتقديم الضمير للحصر ، وهو إما توكيد للأول ومبتدأ خبره الجملة بعده والمجموع خبر لأنا ، وجوز كونه ضمير فصل ورده أبو البقاء بوجهين : (9/475)
أحدهما : أنه لا يدخل على الخبر الفعلي والثاني : أن اللام لا تدخل عليه ، وتعقب ذلك في «الدر المصون» بأن الثاني غلط فإنه ورد دخول اللام عليه في قوله تعالى : { إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق } [ آل عمران : 62 ] ودخوله على المضارع مما ذهب إليه الجرجاني وبعض النحاة ، وجعلوا من ذلك قوله تعالى : { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ } [ البروج : 13 ] ولعل ذلك المجوز ممن يرى هذا الرأي والعجب من أبي البقاء فإنه رد ذلك هنا وجوزه في قوله تعالى : { وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } [ فاطر : 10 ] كما نقله في «المغني» .
{ وَنَحْنُ الوارثون } أي الباقون بعد فناء الخلق قاطبة لمالكون للملك عند انقضاء زمان الملك المجازي ، الحاكمون في الكل أولاً وآخراً وليس لأحد إلا التصرف الصوري والملك المجازي وفي هذا تنبيه على أن المتأخر ليس بوارث للمتقدم كما يتراآى من ظاهر الحال ، وتفسير الوارث بالباقي مروي عن سفيان وغيره ، وفسر بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام : " اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا " وهو من باب الاستعارة .
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)
{ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ } من مات { وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستخرين } من هو حي لم يمت بعد أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه المستقدمين آدم عليه السلام ومن مضى من ذريته والمستأخرين من في أصلاب الرجال ، وروى مثله عن قتادة ، وعن مجاهد المستقدمين من مضي من الأمم و { المستخرين } أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : من تقدم ولادة وموتاً ومن تأخر كذلك مطلقاً وهو من المناسبة بمكان وروى عن الحسن أنه قال : من سبق إلى الطاعة ومن تأخر فيها ، وروى عن معتمر أنه قال : بلغنا أن الآية في القتال فحدثت أبي فقال لقد نزلت قبل أن يفرض القتال ، فعلى هذا أخذ الجهاد في عموم الطاعة ليس بشيء ، على أه ليس في تفسير ذلك بالمستقدمين والمستأخرين فيها كمال مناسبة ، والمراد من علمه تعالى بهؤلاء علمه سبحانه بأحوالهم ، والآية لبيان كمال علمه جل وعلا بعد الاحتجاج على كمال قدرته تعالى فإن ما يدل عليها دليل عليه ضرورة أن القادرة على كل شيء لا بد من علمه بما يصنعه وفي تكرير قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْنَا } ما لا يخفى من الدلالة على التأكيد . وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» . وجماعة من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس قال : كانت امرأة تصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله تعالى الآية ، وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن أبي الجوزاء أنه قال في الآية ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة ولم يذكر من حديث المرأة شيئاً ، قال الترمذي : هذا أشبه أن يكون أصح ، وقال الربيع بن أنس : حرض النبي صلى الله عليه وسلم على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه وكان بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد فقالوا : نبيع دورنا ونشتري دوراً قريبة من المسجد فأنزل الله تعالى الآية ، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومن هنا قال بعضهم : الأولى الحمل على العموم أي علمنا من اتصف بالتقدم والتأخر في الولادة والموت والإسلام وصفوف الصلاة وغير ذلك . (9/476)
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)
{ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ } للجزاء ، وتوسيط الضمير قيل للحصر أي هو سبحانه يحشرهم لا غير ، وقيل عليه : إنه في مثل ذلك يكون الفعل مسلم الثبوت والنزاع في الفاعل وههنا ليس كذلك فالوجه جعله لإفادة التقوى . وتعقب بأن هذا في القصر الحقيقي غير مسلم وتصدير الجملة بإن لتحقيق الوعد والتنبيه على ما سبق يدل على صحة الحكم ، وفي الالتفات والتعرض لعنوان الربوبية إشعار بعلته ، وفي الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم دلالة على اللطف به عليه الصلاة والسلام . (9/477)
وقرأ الأعمش { يَحْشُرُهُمْ } بكسر الشين { إِنَّهُ حَكِيمٌ } بالغ الحكمة متقن في أفعاله . والحكمة عندهم عبارة عن العلم بالأشياء على ما هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ينبغي { عَلِيمٌ } وسع علمه كل شيء ، ولعل تقديم وصف الحكمة للإيذان باقتضائها للحشر والجزاء ، وقد نص بعضهم على أن الجملة مستأنفة للتعليل .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } أي هذا النوع بأن خلقنا أصله وأول فرد من أفراده خلقاً بديعاً منطوياً على خلق سائر أفراده انطواءً إجمالياً . (9/478)
{ مِن صلصال } أي طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر . أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة ونقله في «الدر المصون» عن أبي عبيدة ونقل عنه أبو حيان أنه قال : هو الطين المخلوط بالرمل وهو رواية عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه أنه الطين المرقق الذي يصنع منه الفخار ، وفي أخرى نحو الأول ، وقيل : هو من صلصل إذ أنتن تضعيف صل يقال : صل اللحم وأصل إذا أنتن وهذا النوع من المضعف مصدر يفتح أوله ويكسر كالزلزال ووزنه عند جمهور البصريين فعلال ، وقال الفراء : وكثير من النحويين فعفع كررت الفاء والعين ولا لام ، وغلطهم في «الدر المصون» لأن أقل الأصول ثلاثة فاء وعين ولام ، وقال بعض البصريين والكوفيين : فعفل ونسب أيضاً إلى الفراء بل قيل هو المشهور عنه ، وعن بعض آخر من الكوفيين أن وزنه فعل بتشديد العين والأصل صلل مثلاً فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس الفاء ، وخص بعضهم هذا الخلاف بما إذا لم يختل المعنى بسقوط الثالث كلملم وكبكب فإنك تقول لم وكب فلو لم يصح المعنى بسقوطه نحو سمسم فلا خلاف في أصالة الجميع ، وقال اليمني : ليس معنى قولهم : إن الأصل صلل أنه زيد فيه صاد بل هو ربقاعي كزلزل والاشتراك في أصل المعنى لا يقتضي أن يكون منه إذ الدليل دال على أن الفاء لا تزاد لكن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى ، وذكر في «البحر» أن صلصال بمعنى مصلصل كالقضاض بمعنى المقضقض فهو مصدر بمعنى الوصف ومثله كثير .
{ مّنْ حَمَإٍ } من طين تغير واسود من مجاورة الماء ويقال للواحدة حمأة ، قال الليث : بتحريك الميم ووهم في ذلك وقالوا : لا نعرف الحمأة في كلام العرب إلا ساكنة الميم وعلى هذا أبو عبيدة والأكثرون ، والجار والمجرور في موضع الصفة لصلصال كما هو السنة الشائعة في الجار والمجرور بعد النكرة أي من صلصال كائن من حمإ ، وقال الحوفي : هو بدل مما قبله بإعادة الجار فكأنه قيل خلقناه من حمإ { مَّسْنُونٍ } أي مصور من سنة الوجه وهي صورته ، وأنشد لذلك ابن عباس قول عمه حمزة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :
أغر كأن البدر سنة وجهه ... جلا الغيم عنه ضوؤه فتبددا
وأنشد غيره قول ذي الرمة :
تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب
أو مصبوب من سن الماء صبه ويقال شن بالشين أيضاً أي مفرغ على هيئة الإنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذابة في القوالب ، وقال قتادة .
ومعمر : المسنون المنتن ، قيل : وهو من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل بينهما سنين ولا يكون إلا منتناً ، وقيل : هو من سننت الحديدة على المسن إذا غيرتها بالتحديد ، وأصله الاستمرار في جهة من قولهم : هو على سنن واحد وهو صفة لحمإ ، ويجوز أن يكون صفة لصلصال ولا ضير في تقدم الصفة الغير الصريحة على الصريحة ، فقد قال الرضي : إذا وصفت النكرة بمفرد أو ظرف أو جملة قدم المفرد في الأغلب وليس بواجب خلافاً لبعضهم ، والدليل عليه قوله تعالى : { وهذا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أنزلناه } [ الأنبياء : 50 ] لكنه يحتاج إلى نكتة لا سيما في كلام الله تعالى لأنه لا يعدل عن الأصل لغير مقتض ، ولعل النكتة ههنا مناسبة المقدم لما قبله في أن كلاً منهما من جنس المادة ، وقيل : إنما أخرت الصفة الصريحة تنبيهاً على أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالاً بل في حال كونه حمأ كأنه سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صوت ثم غيره طوراً بعد طور حتى نفخ فيه من روحه فتبارك الله أحسن الخالقين ، وقيل : المسنون المنسوب أي نسب إليه ذريته وهو كما ترى . (9/479)
وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)
{ والجآن } هو أبو الجن كما روي عن ابن عباس ويجمع على جنان كحائط وحيطان وراع ورعيان قاله الطبرسي ، وقيل : هو إبليس وروي عن الحسن . وقتادة لكن في «الدر المصون» أنه هو أبو الجن ، وقال ابن بحر : هو اسم لجنس الجن وتشعب الجنس لما كان من فرد واحد مخلوق من مادة واحدة كان الجنس مخلوقاً منها . وقرأ الحسن . وعمرو بن عبيد { والجآن } بالهمز وانتصابه بفعل يفسره { خلقناه } وهو هنا أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية { مِن قَبْلُ } أي من قبل خلق الإنسان ، قيل : ومن هنا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله تعالى : { مّنكُمْ } [ الحجر : 24 ] للكل وهو بعيد غاية البعد . (9/480)
{ مِن نَّارِ السموم } أي الريح الحارة التي تقتل . وروي ذلك عن ابن عباس ، وأكثر ما تهب في النهار وقد تهب ليلاً . وسميت سموماً لأنها بلطفها تنفذ في مسام البدن ومنه السم القاتل ، ويقال : سم يومنا يسم إذا هبت فيه تلك الريح ، وقيل : السموم نار لا دخان لها ومنها تكون الصواعق ، وروى ذلك أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس فالإضافة من إضافة العام إلى الخاص ، وقيل : السموم إفراط الحر والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة ، والمراد من النار المفرطة الحرارة ، وقد جاء في بعض الآثار ما يدل على أن النار التي خلق منها الجان أشد حرارة من النار المعروفة . فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رؤيا المسلم جزء من سبعين جزأً من النبوة وهذه النار جزء من سبعين جزأً من السموم التي خلق منها الجان وتلا عليه الصلاة والسلام الآية " واستشكل الخلق من النار بأنه كيف تخلق الحياة فيها وهي بسيطة ليست متركبة من أجزاء مختلفة الطبع والحياة كالمزاج لا تكون إلا في المركبات وقد اشترط الحكماء فيها البنية المركبة .
وأجيب بمنع ذلك لأنها إذا خلقت في المجردات كالملائكة على قول والعقول التي أثبتها الفلاسفة فبالطريق الأولى البسائط بل لا مانع أيضاً أن تخلق في الأجزاء الفردة خلافاً للمعتزلة حيث اشترطوا البينة المركبة .
وأجيب بمنع ذلك لأنها إذا خلقت في المجردات كالملائكة على قول والعقول التي أثبتها الفلاسفة فبالطريق الأولى البسائط بل لا مانع أيضاً أن تخلق في الأجزاء الفردة خلافاً للمعتزلة حيث اشترطوا البنية المركبة من الجواهر وليس لهم سوى شبه أو هن من بيت العنكبوت على أن ذلك غير وارد رأساً لأن معنى كون الجن مخلوقة من نار أنها الجزء الأعظم الغالب عليها كالتراب في الإنسان فليست بسيطة ، وقال بعضهم : إن الجن أجسام هوائية أو نارية بمعنى أنهم يغلب عليهم ذلك وهم مركبون من العناصر الأربعة كالملائكة عليهم السلام على قول .
ثم إن النقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكار الجن وليس ذلك مذهب جميعهم فقد ذهب جمع عظيم من قدمائهم إلى وجودهم وهو مذهب جمهور أرباب الملل وأصحاب الروحانيات ويسمونهم بالأرواح السفلية وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنها أضعف . نعم اختلف المثبتون فمنهم من زعم أنهم ليسوا أجساماً ولا حالين فيها بل هم جواهر قائمة بأنفسها لكنها أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الاعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها كريمة حرة محبة للخيرات وبعضها دنية خسيسة محبة للشرور ولا يعلم عدد أنواعهم إلا الله تعالى ولا يبعد أن يكون في أنواعها من يقدر على أفعال شاقة يعجز عنها قدرة البشر وكذا لا يبعد لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم . ومن الناس من زعم أن هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق حدوث بدن مشابه للبدن الذي فارقته فبسبب تلك المشابهة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن وتصير معاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً ، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة ، ومنهم من قال : إنهم أجسام لكن اختلفوا فقال بعضهم : هي مختلفة الماهية وإن اشتركت في صفة ، وقال آخرون : إنها متساوية في تمام الماهية ، وقد أطال الكلام في ذلك الإمام في تفسير سورة الجن ، وذكر في تفسير هذه الآية أنهم اختلفوا في الجن فقال بعضهم : إنهم جنس غير الشياطين ، والأصح أن الشياطين قسم من الجن ، فكل من كان منهم مؤمناً فإنه لا يسمى بالشيطان ، وكل من كان منهم كافراً سمي بهذا الاسم ، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار فكل من كان كذلك كان من الجن اه ، وما ذكره من الأصح هو الذي ذهب إليه المعظم لكن ما ذكره من الدليل ضعيف . (9/481)
وقال وهب : إن من الجن من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين ، ومنهم من هو بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين . وذكر ابن عربي أن تناسل الجن بإلقاء الهواء في رحم الأنثى كما أن التناسل في البشر بإلقاء الماء في الرحم ، وأنهم محصورون في اثنتي عشرة قبيلة أصولاً ثم يتفرعون إلى أفخاذ ، ويقع بينهم حروب وبعض الزوابع يكون عند حربهم ، فإن الزوبعة تقابل ريحين تمنع كل صاحبتها أن تخترقها فيؤدي ذلك إلى الدور وما كل زوبعة حرب .
وأخرج البيهقي في الأسماء . وأبو نعيم . والديلمي . وغيرهم بإسناد صحيح كما قال العراقي عن أبي ثعلبة مرفوعاً الجن ثلاثة أصناف . فصنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء . وصنف حيات وكلاب . وصنف يحلون ويظعنون ، وفي هذه القسمة عندي إشكال يظهر بالتدبر ، ولعل حاصلها أن صنفاً منهم يغلب عليهم الطيران في الهواء ، وصنف يغلب عليهم الحل والارتحال ، وصنف يغلب عليهم المكث والتوطن ببعض المواطن ، وعبر عنهم بالحيات والكلاب لكثرة تشكلهم بذلك دون الصنفين الآخرين ، فإنهم وإن جاز عليهم التشكل بالأشكال المختلفة لأنهم من الجن ، وقد قالوا : إنهم قادرون على ذلك وإن نوزع فيه بأنه يستلزم أن لا تبقى ثقة بشيء . ورد بأن الله تعالى قد تكلف لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يترتب عليه الريبة في الدين ورفع الثقة بعالم وغيره فاستحال شرعاً الاستلزام المذكور إلا أنهم لا يكثر تشكلهم بذلك ، وربما يقال : إن القدرة على التشكل إنما هي لصنف المتوطنين ، وإثباتها في كلامهم للجن يكفي فيه صحتها باعتبار بعض الأصناف لكنه بعيد جداً فليتدبر حقه ، وقد قال الهيتمي : إن رجال هذا الحديث وثقوا في بعضهم ضعف ، فإن كان الحديث لذلك ضعيفاً فلا قيل ولا قال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال ، وسيأتي إن شاء الله تعالى استيفاء الكلام في هذا المقام بعون الله تعالى الملك العلام ، ثم إن مساق الآية الكريمة على ما قيل كما هو للدلالة على كمال قدرته تعالى شأنه وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على مقدمة يتوقف عليها إمكان الحشر وهي قبول المواد للجمع والإحياء فتدبر . (9/482)
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28)
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } نصب بإضمار اذكر ، وتذكير الوقت لما مر مراراً من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه ، وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام إشعار بعلة الحكم وتشريف له صلى الله عليه وسلم أي اذكر وقت قوله تعالى : { للملائكة } الظاهر أن المراد بهم ملائكة السماء والأرض ، وزعم بعض الصوفية أن المراد بهم ملائكة الأرض ولا دليل له عليه { إِنّى * خُلِقَ } فيما سيأتي؛ وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل لذلك البتة من غير صارف ولا عاطف { بَشَرًا } أي إنساناً ، وعبر به عنه اعتباراً بظهور بشرته وهي ظاهر الجلد عكس الأدمة خلافاً لأبي زيد حيث عكس وغلطه في ذلك أبو العباس . وغيره من الصوف والوبر ونحوهما ، ولبعض أكابر الصوفية وجه آخر في التسمية سنذكره إن شاء الله تعالى في باب الإشارة ، ويستوي فيه الواحد والجمع . (9/483)
وذكر الراغب أنه جاء جمع البشرة بشراً وأبشاراً ، وقيل : أريد جسماً كثيفاً يلاقي ويباشر أو جسماً بادي البشرة ولم يرد إنساناً وإن كان هو إياه في الواقع ، وبعض من قال إنه المراد قال : ليس هذا صيغة عين الحادثة وقت الخطاب بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم : إني خالق خلقاً من صفته كيت وكيت ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم { مِن صلصال } متعلق بخالق أو بمحذوف وقع صفة { بَشَرًا } { مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } تقدم تفسيره وإعرابه فتذكر فما في العهد من قدم .
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } فعلت فيه ما يصير به مستوياً معتدلاً مستعداً لفيضان الروح وقيل : صوته بالصور الإنسانية والخلقة البشرية { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } النفخ في العرف إجراء الريح من الفم أو غيره في تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها ، والمراد هنا تمثيل إفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها وليس هناك نفخ حقيقة . (9/484)
وقال حجة الإسلام : عبر بالنفخ الذي يكون سبباً لاشتعال فتيلة القابل من الطين الذي تعاقبت عليه الأطوار حتى اعتدل واستوى واستعد استعداداً تاماً بنور الروح كما يكون سبباً لاشتعال الحطب القابل مثلاً بالنار عن نتيجته ومسببه وهو ذلك الاشتعال ، وقد يكنى بالسبب عن الفعل المستفاد الذي يحصل منه على سبيل المجاز وإن لم يكن الفعل المستفاد على صورة الفعل المستفاد منه ، ثم هذا الروح عنده وكذا عند جماعة من المحققين ليس بجسم يحل البدن حلول الماء في الإناء مثلاً ، ولا هو عرض يحل القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالم بل هو جوهر مجرد ليس داخل البدن ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ، ولهم على ذلك عدة أدلة .
الدليل الأول : أن الإنسان يمكنه إدراك الأمور الكلية وذلك بارتسام صور المدركات في المدرك فمحل تلك الصور إن كان جسماً فإما أن يحل غير منقسم أو منقسماً ، والأول محال لأن الذي لا ينقسم من الجسم طرف نقطي والنقطة تمتنع أن تكون محلاً للصور العقلية لأنها مما لا يعقل حصول المزاج لها حتى يختلف حال استعدادها في القابلية وعدمها بل إن كانت قابلة للصور المذكورة وجب أن يكون ذلك القبول حاصلاً أبداً ولو كان كذلك لكان المقبول حاصلاً أبداً لما أن المبادىء الفعالة المفارقة عامة الفيض فلا يتخصص إلا لاختلاف أحوال القوابل فلو كان القابل تام الاستعداد لكان المقبول واجب الحصول وحينئذٍ يكون جميع الأجسام ذوات النقط عاقلة ، ويجب أيضاً أن يبقى البدن بعد الموت عاقلاً لبقاء محل الصور على استعداده وليس كذلك ، والثاني أيضاً محال لأن الحال في المنقسم منقسم فيلزم أن تكون تلك الصورة منقسمة أبداً وذلك محال لوجوه مقررة فيما بينهم .
الدليل الثاني : ما عول عليه الشيخ وزعم أنه أجل ما عنده في هذا الباب وهو أنه يمكننا أن نعقل ذواتنا وكل من عقل ذاتاً فله ماهية ذلك الذات فإذاً لنا ماهية ذاتنا فلا يخلو إما أن يكون تعقلنا لذاتنا لأجل صورة إلى الجمع بين المثلين فتعين الثاني ، وكل ما ذاته حاصل لذاته كان قائماً بذاته ، فإذن القوة العاقلة وهي الروح والنفس الناطقة قائمة بنفسها ، وكل جسم أو جسماني فإنه غير قائم بنفسه ، وأكثر تلامذته من الاعتراضات وأجاب عنها .
الدليل الثالث : ما عول عليه أفلاطون وهو أنا نتخيل صوراً لا وجود لها في الخارج ونميز بينها وبين غيرها فهذه الصور أمور وجودية ومحلها يمتنع أن يكون جسمانياً فإن جملة بدننا بالنسبة إلى الأمور المتخيلة لنا قليل من كثير فكيف ينطبق الصور العظيمة على المقادير الصغيرة؟ وليس يمكن أن يقال : إن بعض تلك الصور منطبعة في أبداننا وبعضها في الهواء المحيط بنا إذ الهواء ليس من جملة أبداننا ولا آلة لنفوسنا في أفعالها أيضاً وهو ظاهر ، فإذن محل هذه الصور شيء غير جسماني وذلك هو النفس الناطقة . (9/485)
الدليل الرابع : لو كان محل الإدراكات شيئاً جسمانياً لصح أن يقوم ببعض ذلك الجسم علم وبالبعض الآخر جهل فيكون الشيء الواحد عالماً جاهلاً بشيء واحد في حالة واحدة .
الدليل الخامس : أن الروح لو كان منطبعاً في جسم مثل قلب أو دماغ لكان إما أن يعقل دائماً ذلك الجسم أو لا يعقله كذلك أو يعقله في وقت دون وقت والأقسام باطلة فالقول بانطباعه باطل ، وبيان ذلك أن تعقل الروح لذلك الجسم إما أن يكون لأجل أن الآلة حاضرة عنده أو لأن صورة أخرى من تلك الآلة تحصل له فإن كان الأول فالروح إن أمكنه إدراك تلك الآلة وإدراك نفس مقارنتها له فما دامت الآلة مقارنة وجب أن يعقلها الروح فيكون دائم الإدراك لتلك الآلة وإن امتنع على الروح إدراك الآلة وجب أن لا يدركها أبداً فظاهر أنه لو كان تعقل الروح لتلك الآلة لأجل المقارنة لوجب أن يعقلها دائماً أو لا يعقلها كذلك وكلا القسمين باطل ، وأما إن كان تعقله لها لأجل حصول صورة أخرى منها فالروح إن كانت في تلك الآلة والصورة الثانية حاصلة فيه يكون الصورة الثانية للآلة حالة أيضاً في الآلة لأن الحال في الحال في الشيء حال في ذلك الشيء فيلزم الجمع بين المثلين وإن لم يكن الروح في تلك الحالة بل مجردة فذلك المطلوب واستدل بغير ذلك أيضاً .
وقد ذكر الإمام في المباحث من الأدلة اثني عشر دليلاً منها ما ذكر وأطال الكلام في ذلك جرحاً وتعديلاً وعول في إثبات هذا المطلب على غير ذلك فقال : والذي نعول عليه أن نقول : إن كل عاقل يجد من نفسه أنه الذي كان قبل فهويته إما أن تكون جسماً وإما أن تكون قائمة بالجسم وإما أن لا تكون شيئاً من الأمرين والأول بالباطل ، أما أولاً فلأن الإنسان قد يكون عالماً بهويته عند ذهوله عن جملة أعضائه الظاهرة والباطنة ، وأما ثانياً فلأن الأبعاض الجسمانية دائمة التحلل والتبدل لأن الأسباب المحالة من الحرارة الخارجية الداخلية والحركات النفسانية والبدنية مما لا تختص بجزء دون جزء والبدن مركب من الأعضاء المركبة وهي مركبة من الأعضاء البسيطة مثل اللحم والعظم فيكون كل جزء من اللحم مثل الآخر في الاستعداد للتحلل فإذا كانت الأجزاء كلها متساوية في ذلك كانت نسبة المحللات إلى كل واحد من الأجزاء كنسبته إلى الجزء الآخر فلم يكن عروض التحلل لبعض أولى من عروضه للبعض الآخر فثبت أن هوية الإنسان ليست جسماً وليست أيضاً قائمة بالجسم لأن القائم به يجب أن يتبدل عند تبدله لاستحالة انتقال الأعراض فكان يلزم أن لا يجد الإنسان من نفسه أنه الذي كان موجوداً قبل ، ولما كان هذا العلم من العلوم البديهية علمنا أن هوية الإنسان ليست جسماً ولا محتاجة إليه فهو جوهر مجرد وهو المطلوب .
ولا يلزم أن يكون لسائر الحيوانات هذا الجوهر لأنا وإن عرفنا أنها تعلم هويات أنفسها لكن لا نعرف أنها تعلم من أنفسها أنها هي التي كانت موجودة قبل ويمكن أن يحتج أيضاً على هذا المطلب بأنا قد دللنا على أن المدرك بجميع أصناف الإدراكات لجميع المدركات شيء واحد في الإنسان فنقول ذلك المدرك إما أن يكون جسماً أو قائماً به أو لا ولا ، والأول ظاهر الفساد لأن الجسم من حيث هو جسم لا يمكن أن يكون مدركاً ، والثاني أيضاً باطل لأن تلك الصفة إما أن تكون قائمة بجميع أجزاء البدن أو ببعض دون بعض والأول باطل وإلا لكان كل جزء من أجزاء البدن مبصراً سامعاً متخيلاً متفكراً عاقلاً وليس كذلك ، وبطل أيضاً أن يقال : إن بعض الأعضاء قامت به القوة المدركة لجميع هذه المدركات لأنه يلزم أن يكون في البدن عضو واحد سامع مبصر متخيل متفكر عاقل ولسنا نجد ذلك فينا ، وبهذا ظهر أيضاً فساد ما قيل : لعل القوة المدركة لجميع المدركات قائمة بجسم لطيف محصور في بعض الأعضاء لظهور أنا لا نجد من أبداننا موضعاً مشتملاً على هذا الجسم اللطيف السامع المبصر المتخيل المتفكر العاقل ، وليس لأحد أن يقول : هب أنكم لا تعرفون هذا الموضع لكن ذلك لا يدل على عدمه لأنا نقول إنا قد دللنا على أنا السامعون المبصرون المتخيلون العاقلون فلو كان بعض الأجسام سواء كان جزأً من البدن أو محصوراً في جزء منه موصوفاً بالقوة المتعلقة بجميع هذه المدركات لم يكن حقيقتنا وهويتنا إلا ذلك الجسم فلو لم نعرفه لكنا لا نعرف حقيقة أنفسنا وذلك باطل فثبت أن الموصوف بالقوة المدركة لجميع المدركات ليس جسماً أصلاً ولا قائماً به فهو جوهر مجرد وهو المطلوب ، وذكر هؤلاء الذاهبون إلى التجرد أنه متعلق بالبدن كتعلق العاشق عشقاً جبلياً إلهامياً بالمعشوق حتى أنه لا ينقطع ذلك التعلق ما دام البدن مستعداً لأن يتعلق به بل تعلق الروح أقوى من هذا التعلق بكثير وهو تعلق التدبير والتصريف وإضافته إلى ضميره تعالى في الآية لأنه سبحانه وتعالى خلقه من غير واسطة تجري مجرى الأصل والمادة أو للتشريف ، وسئل حجة الإسلام عن ذلك فقال : لو نطقت الشمس وقالت : أفضت على الأرض من نوري يكون ذلك صدقاً ويكون معنى النسبة أن النور الحاصل للأرض من جنس نور الشمس بوجه من الوجوه . (9/486)
وإن كان في غاية من الضعف بالنسبة إليه وقد عرفت أن الروح منزه عن الجهة والمكان وفي قوته العلم بجميع الأشياء وذلك مضاهاة ومناسبة ولذلك خص بالإضافة وهذه المضاهاة ليست للجسمانيات أصلاً ، وليس لأحد أن يقول : إن في تنزيه الروح عن المكان وصفاً له بصفة الله تعالى شأنه وتقدست صفاته بل بأخص صفاته سبحانه ويلزم من ذلك عدم التميز فقد قالوا : كما يستحيل اجتماع جسمين في مكان واحد يستحيل أن يجتمع اثنان لا في مكان لأنه إنما استحال اجتماع جسمين في مكان لأنه لو اجتمعا لم يتميز أحدهما عن الآخر فكذلك لو وجد اثنان كل واحد منهما ليس في مكان لم يحصل التميز والفرق بينهما ولذا قالوا لا يجتمع سوادان في محل واحد حتى قيل المثلان كالضدين لأنا نقول : التميز غير منحصر بالمكان بل يكون به لجسمين في مكانين وبالزمان كسوادين في جوهر واحد في زمانين وبالحد والحقيقة كالأعراض المختلفة في محل واحد مثل الطعم واللون والبرودة والرطوبة في جسم واحد فإن تميز كل منها عن الآخر بذاته لا بمكان ولا زمان ومثل ذلك العلم والإرادة والقدرة فإن تميز كل أيضاً بذاته وإن كان الجميع لشيء واحد فإذا تصور أعراض مختلفة الحقائق في محل واحد فبأن يتصور أشياء مختلفة الحقائق بذواتها في غير مكان أولى ، وكون الوجود لا في مكان أخص صفاته سبحانه في حيز المنع بل الأخص أنه جل شأنه قيوم أي قائم بذاته وكل ما سواه قائم به وأنه تبارك وتعالى موجود بذاته وكل ما سواه تعالى موجود لا بذاته بل ليس للأشياء من ذواتها إلا العدم وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية ، والوجود له سبحانه ذاتي غير مستعار فالقيومية ليس إلا لله عز وجل انتهى . (9/487)
وهذا الذي قالوه من تجرد الروح خلاف ما عليه جمهور أهل السنة . قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي : قد خاض سائر الفرق غمرة الكلام في الروح فما ظفروا بطائل ولا رجعوا بنائل وفيها أكثر من ألف قول وليس فيها على ما قال ابن جماعة قول صحيح بل كلها قياسات وتجليات عقلية ، وجمهور أهل السنة على أنها جسم لطيف يخالف الأجسام بالماهية والصفة متصرف في البدن حال فيه حلول الزيت في الزيتون والنار في الفحم يعبر عنه بأنا وأنت . وإلى ذلك ذهب إمام الحرمين ، وقال اللقاني : جمهور المتكلمين على أنها جسم مخالف بالماهية للجسم الذي تتولد منه الأعضاء نوراني علوي خفيف حي لذاته نافذ في جوهر الأعضاء سار فيه سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم لا يتطرق إليه تبدل ولا انحلال بقاؤه في الأعضاء حياة وانفصاله عنها إلى عالم الأرواح موت .
وزعم بعضهم أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس وروحه عرض قائم به وعزاه بعض المتأخرين من المعاصرين إلى جمهور المتكلمين وجعله وامتناع اتحاد القابل والفاعل دليلاً على إبطال كون العبد خالقاً لأفعاله ، وقد رد الإمام في التفسير ذلك الزعم وارتضى ما نقلناه عن الجمهور فقال : إنهم قالوا لا يجوز أن يكون الإنسان عبارة عن هذا الهيكل المحسوس لأن أجزاءه أبداً في الذبول والنمو والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو هو أمر باق من أول عمره إلى آخره وغير الباقي غير الباقي فالمشار إليه عند كل أحد بقوله أنا وجب أن يكون مغايراً لهذا الهيكل . (9/488)
ثم اختلفوا عند ذلك في أن المشار إليه بأنا أي شيء هو؟ والأقوال فيه كثيرة إلى أن أسدها تحصيلاً وتلخيصاً أنها أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان الماء في الورد والدهن في السمسم ثم إن المحققين منهم قالوا إن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخره مخالفة بالماهية لما تركب منه الهيكل وهي حية لذاتها مدركة لذاتها نورانية لذاتها فإذا خالطت ذلك وصارت سارية فيه صار مستنيراً بنورها متحركاً بتحريكها ثم إنه أبداً في الذوبان والتحلل والتبدل وتلك الأجزاء لمخالفتها له بالماهية باقية بحالها وإذا فسد انفصلت عنه إلى عالم القدس إن كانت سعيدة أو عالم الآفات إن كانت شقية اه ، ومنه يعلم بطلان الاستدلال على تجرد الروح بإبطال كون الإنسان عبارة عن الهيكل المحسوس كما يقتضيه كلام صاحب الهياكل حسبما يدل عليه كلام شارحه الجلال حيث قال في الهيكل الثاني : أنت لا تغفل عن ذاتك أبداً وما جزء من أجزاء بدنك ألا تنساه أحياناً ولا يدرك الكل إلا بأجزائه فلو كنت أنت هذه الجملة ما كان يستمر شعورك بذاتك مع نسيانها فأنت وراء هذا البدن وقال الجلال : فلا تكون النفس جسماً أصلاً لأن غاية ذلك إثبات أن النفس وراء هذا البدن لا إثبات أنها مع ذلك مجردة لجواز أن تكون جسماً لطيفاً كما علمت . وزعم القاضي أن مذهب أكثر المتكلمين أن الروح عرض وأنها هي الحياة واختاره الأستاذ أبو إسحاق ولم يبال بلزوم قيام العرض بالعرض . واعترض هذا الزاعم القول بالجسمية بأنها لو كانت جسماً لجاز عليها الحركة والسكون كسائر الأجسام فيلزم أن تكون كلها أرواحاً ولوجب أن يكون للروح روح أخرى لا إلى نهاية ، وفيه أنه إنما يلزم ما ذكر أن لو كان الجسم إنما كان روحاً لكونه جسماً وليس فليس فإنه إنما كان روحاً لمعنى خصه الله تعالى به وقد علمت أن القائل بالجسمية يقول : إنه حي لذاته فلا يلزم التسلسل وبينه وبين الجسم عنده علاقة بحسب بخار لطيف يعبر عنه بالروح الحيواني ، وعرفه في الهياكل بأنه جسم لطيف بخاري يتولد من لطائف الأخلاط وينبعث من التجويف الأيسر من القلب وينبث في البدن بعد أن يكتسب السلطان النوري من النفس الناطقة ولولا لطفه لما سرى وهو مطية تصرفات النفس ومتى انقطع انقطع تصرفها ، وقال بعضهم : إنه اعتدال مزاج دم القلب والأمر في ذلك سهل ، وذهب بعض المحققين إلى أن الروح تطلق على الروح التي ذكر أنها جسم لطيف سار في البدن سريان ماء الورد في الورد وهو غير الروح الحيواني وعلى أمر رباني شريف له إشراق على ذلك الجسم اللطيف ولعل ذلك هو سبب حياة الروح بالمعنى الأول وإدراكها ونورانيتها ويعبر عنه بالروح الأمري وهو المراد من الروح في قوله تعالى :
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ * الروح } [ الإسراء : 85 ] الآية ، ويطلقون كثيراً على الروح بالمعنى الأول النفس الإنسانية وعليها بالمعنى الثاني النفس الناطقة والذي يقال فيه : إنه جوهر مجرد ليس جسماً ولا جسمانياً ولا متصلاً ولا منفصلاً ولا داخل العالم ولا خارجه وأنه نور من أنوار الله تعالى القائمة لا في أين من الله عز وجلب مشرقه وإليه سبحانه مغربه هو الروح بهذا الإطلاق ، واختلفوا في أن حدوثها هل هو قبل الأبدان أو بعدها فقال حجة الإسلام : الحق أن الأرواح حدثت عند استعداد الجسد للقبول كما حدثت الصورة في المرآة بحدوث الصقالة وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقيل ، وقد قال بذلك من الفلاسفة أرسطو ومتبعوه ، واستدلوا عليه بأنه لو كانت موجودة قبل الأبدان فأما أن تكون واحدة أو كثيرة وعلى الأول إما أن تتكثر عند التعلق بالبدن أولا فإن لم تتكثر كانت الروح الواحدة روحاً لكل بدن ولو كان كذلك لكان ما علمه إنسان علمه الكل وما جهله جهلة وذلك محال ، وإن تكثرت لزم انقسام ما ليس له حجم وهو أيضاً محال ، وعلى الثاني لا بد أن يمتاز كل واحدة منها عن صاحبتها إما بالماهية أو لوازمها أو عوارضها ، والأولان محالان لأن الأرواح متحدة بالنوع والواحد بالنوع يتساوى جميع أفراده بالذاتيات لوازمها ، وأما العوارض فحدوثها إنما هو بسبب المادة وهي هنا البدن فقبله لا مادة فلا يمكن أن يكون هناك عوارض مختلفة وبعد أن ساق حجة الإسلام الدليل على هذا الطرز قيل له : ما تقول في خبر « إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام » ؟ وقوله صلى الله عليه وسلم : « أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وكنت نبياً وآدم بين الماء والطين » (9/489)
فقال رحمه الله تعالى : نعم هذا يدل بظاهره على تقدم وجود الروح على الجسد ولكن أمر الظواهر هين لسعة باب التأويل ، وقد قالوا : إن البرهان القاطع لا يدرأ بالظاهر بل يؤول له الظاهر كما في ظواهر الكتاب والسنة في حق الله تعالى المنافية لما يدل عليه البرهان القطعي ، وحينئذ يقال : لعل المراد من الأرواح في الخبر الأول الملائكة عليهم السلام وبالأجساد أجساد العالم من العرش والكرسي والسموات ونحوها ، وإذا تفكرت في عظم هذه الأجساد لم تكد تستحضر أجساد الآدميين ولم تفهمها من مطلق لفظ الأجساد ، ونسبة أرواح البشر إلى أرواح الملائكة عليهم السلام كنسبة أجسادهم إلى أجساد العالم ولو انفتح عليك باب معرفة أرواح الملائكة لرأيت الأرواح البشرية كسراج قتبس من نار عظيمة طبقت العالم وتلك النار هي الروح الأخير من أرواح الملائكة . (9/490)
وأما قوله عليه الصلاة والسلام : « أنا أول الأنبياء خلقاً » فالخلق فيه بمعنى التقدير دون الإيجاد فإنه صلى الله عليه وسلم قبل أن يولد لم يكن مخلوقاً موجوداً ولكن الغايات سابقة في التقدير ولاحقة في الوجود ، وهو معنى قول الحكيم : أول الفكر آخر العمل ، فالدار الكاملة أول الأشياء في حق المهندس مثلاً تقديراً وآخرها وجوداً وما يتقدم على جودها من ضرب اللبن ونحوه وسيلة إليها ومقصود لأجلها ، ولما كان المقصود من فطرة الآدميين إدراكهم لسعادة القرب من الحضرة الإلهية ولم يمكنهم ذلك إلا بتعريف الأنبياء عليهم السلام كانت النبوة مقصودة والمقصود كمالها وغايتها لا أولها وتمهيد أولها وسيلة إلى ذلك وكمالها به صلى الله عليه وسلم فلذلك كان أولا في التقدير وآخراً في الوجود ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « كنت نبياً وآدم بين الماء والطين » إشارة إلى هذا أيضاً وانه لم يشأ سبحانه خلق آدم إلا لينتزع الصافي من ذريته ولم يزل يستصفى تدريجاً إلى أن بلغ كمال الصفاء ، ولا يفهم هذا إلا بأن يعلم أن للدار مثلاً وجودين وجوداً في ذهن المهندس حتى كأنه ينظر إلى صورتها ووجوداً خارج الذهن مسبباً عن الوجود الأول فهو سابق عليه لا محالة .
وحينئد يقال : إن الله تعالى يقدر أولا ثم يوجد على وفق التقدير ثانياً ، والتقدير يرسم في اللوح المحفوظ كما يرسم تقدير المهندس أولا في لوح أو قرطاس فتصير الدار موجودة بكمال صورتها نوعاً من الوجود يكون سبباً للوجود الحقيقي ، وكما أن هذه الصورة ترتسم في لوح المهندس بواسطة القلم والقلم يجري على وفق العلم بل العلم يجريه كذلك تقدير صور الأمور الإلهية ترتسم أولاً في اللوح المحفوظ بواسطة القلم الإلهي والقلم يجري على وفق العلم السابق الأزلي ، واللوح عبارة عن موجود قابل لنقش الصور ، والقلم عبارة عن موجود منه تفيض الصور على اللوح وليس من شرطهما أن يكونا جسمين ولا يبعد أن يكون قلم الله تعالى ولوحة لائقين لأصبعه ويده وكل ذلك على ما يليق بذاته الإلهية ويقدس عن حقيقة الجسمية ، وقد يقال إنهما جوهران روحانيان أحدهما متعلم وهو اللوح والآخر معلم وهو القلم ، وقد أشير إلى ذلك ذلك بقوله سبحانه :
{ عَلَّمَ بالقلم } [ العلق : 4 ] فإذا فهمت معنيي الوجود فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بالمعنى الأول منهما دون المعنى الثاني اه . (9/491)
واعترض على الاستدلال من وجوه منها ما هو جار على رأي الفلاسفة المستدلين بذلك أيضاً ومنها ما لا اختصاص له برأيهم . الأول لم لا يجوز أن يقال : إنها كانت قبل الأبدان واحدة ثم تكثرت ولا يقال : الكل لو كان واحداً وكان قابلاً للانقسام يلزم أن تكون وحدته اتصالية فيكون جسماً لأنا نقول : مسلم أن كل ما وحدته اتصالية فإنه واحد قابل للإنقسام ولا نسلم أن كل واحد قابل للانقسام فوحدته اتصالية لأن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها .
الثاني سلمنا أنها كانت متكثرة لكن لم قلتم لا بد أن يختص كل بصفة مميزة لأنه لو كان التميز للاختصاص بأمر ما لكان ذلك الأمر أيضاً متميزاً عن غيره فأما أن يكون تميزه بما به تميزه فيلزم الدور أو يثالث فيلزم التسلسل ولأن التميز لا يختص بشيء بعينه إلا بعد تميزه فلو كان تميز الشيء عن غيره باختصاصه بشيء لزم الدور .
الثالث سلمنا أنه لا بد من ميز فلم لا يجوز أن يكون بذاتي ، وبيانه ما بينوه من اختلاف النفوس بالنوع .
الرابع سلمان أنها لا تتميز بشيء من الذاتيات فلم لا يجوز أن تتميز بالعوارض؛ قولكم : إن حدوثها بسبب المادة وهي هنا البدن ولا بدن فنقول لم لا يجوز أن يكون هناك بدن تتعلق به وقبله آخر وهكذا ولا مخلص من هذا إلا بابطال التناسح فتوقف حجة إثبات حدوث الأرواح على ذلك الإبطال مع أن الحكماء بنوا ذلك على الحدوث حيث قالوا بعد الفراغ من دليله : إذا ثبت حدوث النفس فلا بد وأن يكون لحدوثها سبب وذلك هو حدوث البدن فإذا حدث البدن وتعلقت به نفس على سبيل التناسخ وثبت أن حدوث النفس سبب لأن يحدث عن المبادىء المفارقة نفس أخرى فحينئذ يلزم اجتماع نفسين في بدن فيجيء الدور .
الخامس سلمنا عدم تعلقها ببدن قبل لكن لم لا يجوز أن تكون موصوفة بعارض باعتباره كانت متميزة ثم يكون كل عارض بسبب عارض آخر لا إلى أول .
السادس : المعارض وهي أن الأرواح عند الفريقين باقية بعد المفارقة ولا يكون تمايزها بالماهية ولوازمها بل بالعوارض لكن الأرواح الهيولانية التي لم تكتسب شيئاً من العوارض إذا فارقت لا يكون فيما شيء من العوارض سوى أنها كانت متعلقة بأبدان فإن كفى هذا القدر في وقوع التمايز فلكيف أيضاً كونها بحيث يحدث لها بعد التعلق بأبدان متمايزة ، قولهم : لم لا يجوز أن تكون قبل واحدة فتكسرت ، قلنا : لا يجوز لأن كل ما انقسم وجب أن يكون جزؤه مخالفاً لكله ضرورة أن الشيء مع غيره ليس هو لامع غيره فتلك المخالفة إن كانت باملاهية أو لوازمها وجب أن يكون كل واحد من الأجزاء مخالفاً للآخر بالماهية فتكون تلك الأجزاء قد كانت متميزة أبداً وكانت موجودة قبل التعلق .
فهذه الأمور المتعلقة الآن بالأبدان كانت متميزة قبل التعلق بها وإن كانت المخالفة لا بالماهية ولا بلوازمها فلا بد أن يكون الجزء أصغر مقداراً من الكل وإلا لم يكن أحدهما أولى بأن يكون جزء الآخر من العكس ، فثبت أن كل واحد قابل للانقسام فلا بد أن يكون ذا مقدار . سلمان أن المجرد لا يمكن أن ينقسم بعد وحدته لكن تعينات تلك الأجزاء إنما تحدث بعد الانقسام الحاصل بعد التعلق بالبدن فيكون تعين كل واحد من تلك الأجزاء بعد التعلق بالبدن فيكون تعين كل واحدة من تلك النفوس من حيث هي حادثاً وهو المطلوب . (9/492)
وقولهم : لم قلتم إن الامتياز لا يوجد إلا عند الاختصاص بوصف ، قلنا : يجاب بنحو ما ذكروه في تشخص التشخص ، وقولهم لم قلتم : إن النفوس لا يجوز أن تتمايز بالصفات المقومة؟ قلنا : هب أن لأمر كما قلتموه إلا أنا لا نعرف بالبديهة أن كل نوع من أنواعها فإنها مقولة على أشخاص عدة بالضرورة فانا نعلم أنه ليس يجب أن يكون كل إنسان مخالفاً لجميع الناس في الماهية ، وإذا وجد في كل نوع من أنواعها شخص فقد تمت الحجة .
وقولهم : إن هذه الحجة مبنية على إبطال التناسخ . قلنا : ليس كذلك . لأنا إذا وجدنا من النوع الواحد شخصين علمنا أن تلك الشخصية ليست معلولة لتلك الماهية لأن كل ما كان كذلك كان نوعه في شخصه ، ولما لم يكن كذلك علمان أن شخصيته ليست من لوازم ماهيته فهي إذن لعلة خارجية ، وقد عرفت أن العلة هي المادة ومادة النفس هي البدن فاذن تعينها لا بد وأن يكون للتعلق ببدن معين فتكون لا محالة غير متعينة قبل ذلك البدن فهي معدومة قبله .
وبهذا يظهر أن كل ما نوعه مقول على كثيرين بالفعل فهو محدث ، فاتضح من هذا أنه متى سلم كون النفوس متحدة في النوع يلزم حدوثها وأنه لا يحتاج في ذلك إلى إبطال التناسخ ليجيء الدور السابق . قولهم : لم لا يجوز أن تكون موصوفة بعارض الخ؟ قلنا : لا يجوز أن يكون امتيازها بذلك لأن تميز النفس المعينة عن غيرها حكم معين لا بد له من علة معينة ، وتلك العلة لا يمكن أن تكون حالة فيها لأن ذلك متوقف على امتيازها عن غيرها فلو توقف ذلك الامتياز على حلول ذلك الحال لزم الدور ، فاذن تلك العلة أمر عائد إلى القابل وقيل البدن لا قابل فلا تميز .
والمتكلمون يبطلون مثل ما ذكر بلزوم التسلسل الذي يبطله برهان التطبيق . (9/493)
وأما المعاوضة فالجواب عنها بأن النفوس الهيولانية يتميز بعضها عن البعض أولا بسبب تعلقها بالقابل المعين ثم إنه يلزم من تعين كل واحد منها شعورها بذاتها الخاصة وقد بين أن شعور الشيء بذاته حالة زائدة على ذاته ثم إن ذلك الشعور يستمر فلا جرم يبقى الامتياز .
والحاصل أن الامتياز لا بد وأن يحصل أولا بسبب آخر حتى يحصل لكل من النفوس شعور بذاته الخاص وذلك السبب في النفوس الهيولانية تعلقها بالأبدان ، وأما التي قبل الأبدان فلو تميزت لكان المميز سوى الشعور حتى يترتب هو عليه ، وقد بين أنه ليس هناك مميز فلا جرم استحال حصول التميز وظهر الفرق والله تعالى الموفق .
وقد استدل صاحب المعتبر على حدوثها بأنها لو كانت موجودة قبل الأبدان لكانت إما متعلقة بأبدان أخر أولا والأول باطل لأنه قول بالتناسخ وهو باطل لأن أنفسنا لو كانت من قبل في بدن آخر لكنا نعلم الآن شيئاً من الأحوال الماضية ونتذكر ذلك البدن وليس فليس ، والثاني كذلك لأنها تكون حينئذ معطلة ولا معطل في الطبيعة وهو دليل بجميع مقدماته ضعيف جداً فلا تعتبره ، وزعم قوم من قدماء الفلاسفة قدمها وأوردوا لذلك أموراً .
الأول : أن كل ما يحدث فلا بد أن يكون له مادة تكون سبباً لأن يصير أولى بالوجود بعد أن كان أولى بالعدم فلو كانت النفوس حادثة لكانت مادية وليس فليس .
الثاني : أنها لو كانت حادثة لكان حدوثها لحدوث الأبدان لكن الابدان الماضية غير متناهية فالنفوس الآن غير متناهية لكن ذلك محال لكونها قابلة للزيادة والنقصان والقابل لهما متناه فهي الآن متناهية ، فاذن ليس حدوث الأبدان علة لحدوثها فلا يتوقف صدورها عن عللها على حدوث أمر فتكون قديمة .
الثالث : أنها لو لم تكن أزلية لم تكن أبدية لما ثبت أن كل كائن فاسد لكنها أبدية إجماعاً فهي أزلية ، ويرد عليهم أنه إن أريد بكونها مادية أن حدوثها يكون متوقفاً على حدوث البدن فالأمر كذلك ، وإن أريد به أنها تكون منطبعة في البدن فلم قلتم : إنه لو توقف حدوثها على حدوث البدن وجوب أن تكون منطبعة فيه ، وأيضاً لمانع أن يمنع فساد لزوم كون النفوس الآن غير متناهية ، والمقدمة القائلة إن كل قابل للزيادة والنقصان متناه ليس من الأوليات قطعاً كما هو ظاهر فإذن لا تصح إلا ببرهان وهو لا يتقرر إلا فيما يحتمل الانطباق على ما بين في محله ، وقولهم : لو لم تكن أزلية لم تكن أبدية قضية لا حجة لهم على تصحيحها فلا تقبل ، ثم ان كون النفوس متحدة بالنوع مما قد صرح به جماعة من المتكلمين كالغزالي وغيره ، وإليه ذهب الشيخ من الفلاسفة إلا أنه لم يأت لذلك بشبهة فضلاً عن حجة واستدل غيره بأمور .
الأول : أن النفوس مشتركة في أنها نفوس بشرية فلو انفصل بعضها عن بعض بمقوم ذاتي مع هذا الاشتراك لزم التركيب فكانت جسمانية . (9/494)
الثاني أنا نرى الناس مشتركين في صحة العلم بالمعلومات ، وفي صحة التخلق بالأخلاق فالنفوس متساوية في صحة اتصافها بالأفعال الإدراكية والتحريكية ، وذلك يوجب أن تكون متساوية مطلقاً لأن نعقل من صفاتها إلا كونها مدركة ومتحركة بالإدارة وهي متساوية فيهما فهي إذن متساوية في جميع صفاتها المعقولة فلو اختلفت بعد ذلك لكان اختلافها في صفات غير معقولة ، ولو فتحنا هذا الباب لزم تعذر الحكم بتماثل شيئين لجواز اختلافهما في غير معقول عندنا وذلك يؤدي إلى القدح في تماثل المتماثلات .
الثالث : أنه بين في محله أن كل ماهية مجردة لا بد وأن تكون عاقلة لحقيقة ذاتها لكن نفس زيد مثلاً مجردة فهي عاقلة لذلك ثم إنها لا تعقل إلا ماهية قوية على الإدراك والتحريك فإذن ماهيته هذا القدر وهو مشترك بينه وبين سائر النفوس بالأدلة التي ذكروها في بيان أن الوجود مشترك فيكون حينئذ تمام ماهيته مقولا على سائر النفوس ، ويمتنع أن يكون هذا المشترك فصل مقوم في غيره إذ هو غير محتاج إليه في زيد إلى فصل يميزه عن غيره فلا يجتاج في غيره أيضاً إلى فصل فإن الطبيعة الواحدة لا تكون محتاجة غنية معا ، فثبت الاتفاق في النوع وهي أدلة واهية .
أما الأول فلقائل أن يقول : لم لا يجوز أن هذه النفوس وإن كانت مختلفة بالنوع فهي غير متشاركة في الجنس فلا يلزم من ذلك الاختلاف كونها مركبة؟ والاشتراك في كونها نفوساً بشرية ونحوه يجوز أن يكون اشتراكاً في أمور لازمة لجوهرها ولا تكون مقومة لها فتكون مختلفة في تمام ماهيتها ، ومشتركة في اللوازم الخارجية مثل اشتراك الفصول المقومة لأنواع جنس واحد في ذلك الجنس فلا يلزم التركيب ، ولو سلمنا أن هذه الأوصاف ذاتية فلم لا يجوز أن تكون النفوس مركبة في ماهياتها مع عدم كونها جسمانية فالسواد والبياض مثلاً مندرجان تحت جنس وهو اللون فيكون كل منهما مركباً لا تركيباً جسمانياً ، ومثل هذا يقال هنا كيف لا ويقد قالوا : الجوهر مقول على النفس والجسم .
وأما الثاني فمداره الاستقراء ، ويضعف ذلك لوجهين . أحدهما : أنه لا يمكننا أن نحكم على كل إنسان بكونه قابلاً لجميع المدركات . وثانيهما أنه لا يمكننا أيضاً أن نحكم على النفس التي علمنا قبولها لصفة أنها قابلة لجميع الصفات كيف وضبط الصفات غير ممكن .
وأما الثالث : فهو يقتضي أن يكون جميع المفارقات نوعاً واحداً وهو مما لا سبيل إليه ، وذهب شرذمة إلى اختلافها بالنوع ، وهذا المعتبر عند صاحب المعتبر وطول الكلام في ذلك ، وأحسن ما عول عليه في الاستدلال له اختلاف الناس في العلم والجهل والقوة والضعف والغضب والتحمل وغير ذلك فقال : ليس ذلك لاختلاف المزاج لما أنا نجد متساويين مزاجاً مختلفين أخلاقاً وبالعكس ، وأيضاً أن نفس النبي عليه الصلاة والسلام تبلغ قوتها إلى حيث تكون قوية على التصرف في هيولي هذا العالم ومعلوم أن ذلك ليس لقوة مزاجه فليس ذلك الاختلاف إلا لاختلاف الجواهر ، وأنت تعلم أن هذا ليس في الحقيقة من البراهين بل هو من الاقناعات الضعيفة فتدبر جميع ما ذكرناه وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة للكلام في هذا المقام وهو لعمر الله تعالى طويل الذيل ، وبالجملة ان الوقوف على حقيقة الروح أمر عسر والطريق إليه وعر ، وقد جعل الله سبحانه ذلك من أعظم آياته الدالة على جلال ذاته وكمال صفاته فسبحانه من إله ما أجله ومن رب ما أكمله . (9/495)
{ فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } أمر للملائكة عليهم السلام بالسجود لآدم عليه السلام على وجه التحية والتعظيم أو لله تعالى وهو عليه السلام بمنزلة القبلة حيث ظهرت فيه تعاجيب آثار قدرته عز وجل كقوله حسان :
أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وفي أمرهم بالوقوع أي السقوط دليل على أن ليس المأمور به مجرد الانحناء كما قيل بل السجود بالمعنى المتبادر .
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)
{ فَسَجَدَ الملائكة } أي فخلقه فسواه فنفخ فيه من روحه فسجد له الملائكة { كُلُّهُمْ } بحيث لم يشذ منهم أحد { أَجْمَعُونَ } بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد بل أوقعوا الفعل مجتمعين في وقت واحد ، هذا على ما ذهب إليه الفراء والمبرد من دلالة أجميع على الاجتماع في وقت الفعل ، وقال البصريون : انها ككل لافادة العموم مطلقاً . (9/496)
ومن هنا منع تعاطفما فلا يقال جاء القوم كلهما وأجمعون وردوا على ذلك بقوله تعالى حكاية عن إبليس : { لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 39 ] لظهور أن لا اجتماع هناك . ورده في الكشف بأن الاشتقاق من الجمع يقتضيه لأنه ينصرف إلى أكمل الأحوال فإذا فهمت الاحاطة من لفظ آخر وهو كل ملم يكن بد من كونه في وقت واحد وإلا كان لغواً ، والرد بالآية منشؤه عدم تصور وجه الدلالة ، ومنه يعلم وجه فساد النظر بأنه لو كان الأمر كذلك لكان حالاً لا تأكيداً ، فالحق في المسألة مع الفراء . والمبرد وذلك هو الموافق لبلاغة التنزيل ، وزعم البصريون أنه إنما أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص .
وزعم غير واحد أنه لا يؤكد بأجمع دون كل اختياراً والمختار وفاقاً لأبي حيان جوازه لكقرة وروده في الفصيح ففي القرآن عدة آيات من ذلك؛ وفي الصحيح « فله سلبه أجمع . فصلوا جلوساً أجمعون » ولعل منشأ الزعم وجوب تقديم كل عند الاجتماع ، ويرده أن النفس يجب تقديمها على العين إذا اجتمعا مع جواز التأكيد بالعين على الانفراد ، وما ذكروه من وجوب تقديم كل إنما هو بناء على ما علمت من الحق لرعاية البساطة والتركيب هذا . ثم إنه قد تقدم الكلام في تحقيق أن سجودهم هذا هل ترتب على ما حكى من الأمر التعليقي كما يقتضيه هذه الآية الكريمة أو على الأمر النتجيزي كما يستدعيه بعض الآيات فتذكر .
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)
{ إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناء متصل ما لأنه كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة فعد منهم تغليباً واما لأن من الملائكة جنساً يتوالدون يقال لهم جن وهو منهم وإما لأنه ملك لا جنى ، وقوله تعالى : { كَانَ مِنْ الجن } [ الكهف : 50 ] مؤول كما ستعلمه إن شاء الله تعالى ، وقوله سبحانه : { إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين } استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستنثناء بناء على أنه من الاثبات نفي ومن النفي إثبات وهو الذي تميل إليه النفس فإن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد وبه علم أنه مع الإباء والاستكبار ، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً فجملة { أَبِى } الخ متصلة بما قبلها ، ووجه ذلك بأن إلا بمعنى لكن وإبليس اسمها ، والجملة خبرها كذا قيل : وفي الهمع أن البصريين يقدرون المنقطع بلكن المشددة ويقولون : إنما يقدر بذلك لأنه في حكم جملة منفصلة عن الأولى فقولك : ما في الدار أحد الاحمارا في تقدير لكن فيها حماراً على أنه استدراك يخالف ما بعد لكن فيها ما قبلها غير أنهم اتسعوا فأجروا إلا مجرى لكن لكن لما كانت لا يقع بعدها إلا المفرد بخلاف لكن فإنه لا يقع بعدها إلا كلام تام لقبوه بالاستثناء تشبيهاً بها إذا كانت استثناء حقيقة وتفريقاً بينها وبين لكن ، والكوفيون يقدرونه بسوى ، وقال قوم منهم ابن يسعون : إلا مع الاسم الواقع بعدها في المنقطع يكون كلاماً مستأنفاً ، وقال في قوله : وما بالربع من أحد . الا الأواري إلا فيه بمعنى لكن والأواري اس ملها منصوب بها والخبر محذوف كأنه قال : لكن الأواري بالربع وحذف خبر إلا كما حذف خبر لكن في قوله : (9/497)
ولكن زنجياً عظيم المشارف ... اه .
والظاهر منه أن البصريين وإن قدروه بلكن لا يعربونه هذا الإعراب فهو تقدير معنى لا تقدير إعراب ، ولعل التوجيه السابق مبني على مذهب ابن يسعون إلا أنه لم يصرح فيه بورود الخبر مصرحاً به ، نعم صرح بعضهم بذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا المبحث في هذه السورة فافهم ، ووجه الانقطاع ظاهر لأن المشهور أنه ليس من جنس الملائكة عليهم السلام ، والانقطاع على ما قال غير واحد يتحقق بعدم دخوله في المستثنى منه أو في حكمه ، وما قيل : إنه حينئذ لا يكون مأموراً بالسجود فلا يلزم والاعتذار عنه بأن الجن كانوا مأمورين أيضاً واستغنى بذكر الملائكة عليهم السلام عنهم وأنه معنى الانقطاع وتوجه اللوم من ضيق العطن .
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32)
{ قَالَ } استئناف مبني على سؤال من قال : فماذا قال الرب تعالى عند آبائه؟ فقيل قال سبحانه : يَا ابْليسُ مَالَكَ } أي أي سبب لك كما يقتضيه الجواب ، وقوله تعالى : { ما منعك } [ الأعراف : 12 ] { أَلاَّ تَكُونَ } أي في أن لا تكون { مَعَ الساجدين } لما خلقت مع أنهم هم ومنزلتهم في الشرفق منزلتهم ، وكأن في صيغة الاستقبال إيماء إلى مزيد قبح حاله ، ولعل التوبيخ ليس لمجرد تخلفه عن أولئك الكرام بل لأمور حكيت متفرقة أشعاراً بأن كلاً منها كاف في التوبيخ وإظهار بطلان ما ارتكبه وشناعته ، وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في غير سورة اكتفاء بحكايتها في موضع آخر ، والظاهر أن قول الله تعالى له ذلك لم يكن بواسطة وهو منصب عال إذا كان على سبيل الاعظام والاجلال دون الإهانة والإذلال كما لا يخفى . (9/498)
قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33)
{ قَالَ } استئناف على نحو ما تقدم { لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ } اللام لتأكيد النفي أي ينافي حالي ولا يستقيم مني أن أسجد { لِبَشَرٍ } جسماني كثيف { خَلَقْتَهُ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } إشارة إجمالية إلى ادعاء خيريته وشرف مادته ، وقد نقل عنه لعنه الله تعالى التصريح بذلك في آية أخرى ، وقد عنى اللعين بهذا الوصف بيان مزيد خسة أصل من لم يسجد له وحاشاه وقد اكتفى في غير موضع بحكاية بعض ما زعمه موجباً للخسة ، وفي عدوله عن تطبيق جوابه على السؤال روم للتفصي عن المناقشة وأني له ذلك كأنه قيل : لم أمتنع عن الانتظام في سلك الساجدين بل عما لا يليق بشأني من السجود للمفضول ، وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله باعتبار المادة وما درى أنه يكون باعتبار الفاعل وباعتبار الصورة وباعتبار الغاية بل إن ملاك الفضل والكمال هو التخلي عن الملكات الردية والتحلي بالمعارف الربانية : (9/499)
فشمال والكاس فيها يمين ... ويمين لا كاس فيها شمال
ولله تعالى در من قال :
كن ابن من شئت واكتسب أكدبا ... يغنيك مضمونه عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
على أن فيما زعمه من فضل النار على التراب منعاً ظاهراً وقد تقدم الكلام في ذلك .
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34)
{ قَالَ } استئناف كما تقدم أيضاً { فاخرج مِنْهَا } قيل : الظاهر أن الضمير للسماء وإن لم يجر لها ذكر ، وأيد بظاهر قوله تعالى : { فاهبط مِنْهَا } [ الأعراف : 13 ] وقيل لزمرة الملائكة عليهم السلام ويلزم خروجه من السماء إذ كونه بانزاوئه عنهم في جانب لا يعد خروجاً في المتبارد وكفى به قرينة ، وقيل : للجنة لقوله تعالى : { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } [ الأعراف : 19 ] ولوقوع الوسوسة فيها ورد بأن وقوعها كان بعد الأمر بالخروج { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مطرود من كل خير وكرامة فإن من يطرد يرجم بالحجارة فالكلام من باب الكناية ، وقيل : أي شيطان يرجم بالشهب وهو وعيد بالرجم بها ، وقد تضمن هذا الكلام الجواب عن شبهته حيث تضمن سوء حاله ، فكأنه قيل : إن المانع لك عن السجود شقاوتك وسوء خاتمتك وبعدك عن الخير لا شرف عنصرك الذي تزعمه ، وقيل : تضمنه ذلك لأنه علم منه أن الشرف بتشريف الله تعالى وتكريمه فبطل ما زعمه من رجحانه إذ أبعده الله تعالى وأهانه وقرب آدم عليه الصلاة والسلام وكرمه ، وقيل : تضمنه للجواب بالسكوت كما قيل : جواب ما لا يرتضي السكوت ، وفي تفسير الرجيم بالمرجوم بالشهب إشارة لطفية إلى أن اللعين لما افتخر بالنار عذب بها في الدنيا فهو : (9/500)
كعابد النار يهواها وتحرقه ...
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35)
{ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة } الأبعاد على سبيل السخط وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة وفي الدنيا انقطاع من قبول فيضه تعالى وتوفيقه سبحانه ، ومن الإنسان دعاء بذلك والظاهر أن المراد لعنة الله تعالى لقوله سبحانه : { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى } [ ص : 78 ] { إلى يَوْمِ الدين } إلى يوم الجزاء ، وفيه اشعار بتأخير جزائه إليه وإن اللغنة مع كمال فظاعتها ليست جزاء لفعله وإنما يتحقق ذلك يومئذ ، وفيه من التهويل ما فيه ، وجعل ذلك غاية أمد اللعنة قيل ليس لأنها تنقطع هنالك بل لأنه عند ذلك يعذب بما ينسى به اللعنة من افانين العذاب فتصير هي كالزائل ، وقيل : إنما غيا بذلك لأنه أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم فهو نظير قوله تعالى : { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ * السموات والارض } [ هود : 107 ] على قول . (10/1)
وقال بعضهم : إن المراد باللعنة لعن الخلائق له لعنة الله تعالى عليه وذلك منقطع إذا نفخ في الصور وجاء يوم الدين دون لعن الله تعالى له وابعاده إياه فإنه متصل إلى الأبد .
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)
{ قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى } أمهلني وأخرني ولا تمتني والفاء متعلقة بمحذوف مفهوم من الكلام أي إذ جعلتني رجيما فامهلني { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي آدم عليه السلام وذريته للجزاء وأراد بذلك أن يجد فسحة لا غوائهم ويأخذ منهم ثاره ، قيل : ولينجوا من الموت إذ لا موت بعد البعث وهو المروى عن ابن عباس . والسدى ، وكأنه عليه اللعنة طلب تأخير موته لذلك ولم يكتف بما أشار إليه سبحانه في التغيى من التأخير لما أنه يمكن كون تأخير العقوبة كسائر من أخرت عقوباتهم إلى الآخرة من الكفرة . (10/2)
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37)
{ قَالَ } الرب سبحانه { فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين } أي من جملتهم ومنتظم في سلكهم قال بعض الأجلة : إن في ورود الجواب جملة اسمية مع التعرض لشمول ما سأله الآخرين على وجه يؤذن بكون السائل تبعاً لهم في ذلك دليل على أنه اخبار بالانظار المقدر لهم لا لانشاء انظار خاص به وقع إجابة لدعائه أي أنك من جملة الذين أخرت آجالهم ازلا حسبما تقتضيه حكمة التكوين ، فالفاء لربط الأخبار بالانظار بالاستنظار كما في وقوله : (10/3)
فإن ترحم فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يرحم سواكا
لا لربط نفس الانظار به وأن استنظاره لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه من جملتهم لا لتأخير العقوبة كما قيل ، ونظمه في سلك من أخرت عقوبتهم إلى الآخرة في علم الله تعالى ممن سبق من الجن ولحق من الثقلين لا يلائم مقام الاستنظار مع الحياة ولأن ذلك التأخير معلوم من إضافة اليوم إلى الدين مع إضافته في السؤال إلى البعث انتهى ، وقيل : إن الفاء متعلقة كالفاء الأولى بمحذوف والكلام إجابة له في الجملة أي إذ دعوتني فإنك من المنظرين
إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)
{ إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } وهو وقت النفخة الأولى كما روى عن ابن عباس ، وعليه الجمهور . (10/4)
ووصفه بالمعلوم اما على معنى أن الله تعالى استأثر بعلمه أو على معنى معلوم حاله وأنه يصعق فيه من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله تعالى ، وقال آخرون : إنه عليه اللعنة أعطى مسؤوله كملا وليس إلا البقاء إلى وقت النفخة الأولى وهو آخر أيام التكليف والوقت المشارف للشيء المتصل به معدود منه فأول يوم الدين وأول يوم البعث كأنه من ذلك الوقت ، واستظهر ذلك بأن الملعون عالم فلا يسأل ما يعلم أنه لا يجاب إليه وبأن ما في الأعراف لعدم ذكر الغاية فيه يدل على الإجابة؛ واعترض على الأول بأنه غير بين ولا مبين وكونه على غالب الظن لا يجدي في مثله ، وعلى الثاني بأن ترك الغاية في سورة الأعراف يحتمل أن يكون كترك الفاء في الاستنظار والانظار تعويلاً على ما ذكر ههنا وفي سورة ص فإن أيراد كلام واحد على أساليب متعددة غير عزيز في الكتاب العزيز . ومن الناس القائلين بالمغايرة من قال : إن المراد باليوم المعلوم اليوم الذي علم الله تعالى فيه انقضاء أجله وهو يوم خروج الدابة فإنها هي التي تقتله ، وقد قدمنا نقل هذا القول عن بعض السلف وهو من الغرابة بمكان ، وأغرب منه ما قيل : أنه هلك في بعض غزواته صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا قبل أن هذا مما لا يكاد يقبل بظاهره أصلاً ، والمشهور المعول عليه عند الجمهور هو ما ذكرناه من أنه يموت عند النفخة الأولى وبينها وبين النفخة الثانية التي يقوم فيها الخلق لرب العالمين أربعون سنة ، ونقل عن الأحنف بن قيس عليه الرحمة أنه قال : قدمت المدينة أريد أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه فإذا أنا بخلقة عظيمة وكعب الأحبار فيها وهو يقول : لما حضر آدم عليه السلام الوفاة قال : يا رب سيشمت بي عدوي إبليس إذا رآني ميتاً وهو منتظر إلى يوم القيامة فأجيب أن يا آدم إنك سترد إلى الجنة ويؤخر اللعين إلى النظرة ليذوق ألم الموت بعدد الأولين والآخرين ، ثم قال لملك الموت : صف لي كيف تذيقه الموت؟ فلما وصفه قال : يا رب حسبي فضج الناس وقالوا : يا أبا إسحق كيف ذلك؟ فأبى وألحوا فقال : يقول الله سبحانه لملك الموت عقيب النفخة الأولى قد جعلت فيك قوة أهل السموات وأهل الأرضين السبع وإني اليوم ألبستك ثواب السخط والغضب كلها فابرز بغضبي وسطوتي على رجيمي إبليس فأذقه الموت وأحمل عليه فيه مرارة الأولين والآخرين من الثقلين أضعافاً مضاعفة وليكن معك من الزبانية سبعون ألفاً قد امتلأوا غيظاً وغضباً وليكن مع كل منهم سلسلة من سلاسل جهنم وغل من أغلالها وانزع روحه المنتن بسبعين ألف كلاب من كلاليبها وناد مالكاً ليفتح أبواب النيران فينزل الملك بصورة لو نظر إلهيا أهل السموات والأرضين لماتوا بغتة من هولها فينتهي إلى إبليس فيقول : قف لي يا خبيث لأذيقنك الموت كم من عمر أدركت وقرن أضللت وهذا هو الوقت المعلوم قال : فيهرب اللعين إلى المشرق فإذا هو بملك الموت بين عينيه فيهرب إلى المغرب فإذا هو به بين عينيه فيغوص البحاري فيثير منها البخاري فلا تقبله فلا يزال يهرب في الأرض ولا محيص له ولا ملاذ ثم يقوم في وسط الدنيا عند قبر آدم عليه السلام ويتمرغ في التراب من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق حتى إذا كان في الموضع الذي أهبط فيه آدم عليه السلام وقد نصبت له الزبانية الكلاليب وصارت الأرض كالجمرة احتوشته الزبانية وطعنوه بالكلاليب فيبقى في النزع والعذاب إلى حيث يشاء الله تعالى ، ويقال : آدم وحواء عليهما السلام اطلعا اليوم على عدو كما يذوق الموت فيطلعان فينظران إلى ما هو فيه من شدة العذاب فيقولان ربنا أتممت علينا نعمتك ، وجاء في بعض الأخبار أنه حين لا يجد مفراً يأتي قبر آدم عليه السلام فيحثو التراب على رأسه وينادي يا آدم أنت أصل بليتي فيقال له : يا إبليس اسجد الآن لآدم عليه السلام فيرتفع عنك ما ترى فيقول : كلا لم أسجد له حياً فكيف أسجد له ميتاً ، وهذا إن صح يدل على أن اللعين من العناد بمكان لا تصل إلى غايته الأذهان .
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)
{ قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } أي بسبب إغوائك إياي { لازَيّنَنَّ } أي أقسم لأزينن { لَهُمْ } أي لذريته وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر له ذكر ، وقد جاء مصرحاً به في قوله تعالى حكاية عن اللعين أيضاً : { لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } [ الإسراء : 62 ] ومفعول { *أزينن } محذوف أي المعاصي { ضَلَلْنَا فِى الارض } أي هذا الجرم المدحو وكأن اللعين أشار بذلك إلى أني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة في السماء فإنا على التزيين لذريته في الأرض أقدر ، ويجوز أنه أراد بالأرض الدنيا لأنها محل متاعها ودارها ، وذكر بعضهم أن هذا المعنى عرفى للأرض وأنها إنما ذكرت بهذا اللفظ تحقيراً لها ، ولعل التقييد على ما قيل للإشارة إلى أن للتزين محلاً يقوي قبوله أي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور ، وجوز أن يكون يراد بها هذا المعنى وينزل الفعل منزلة اللازم ثم يعدى بفي ، وفي ذلك دلالة على أنها مستقر التزيين وأنه تمكن المظروف في ظرفه ، ونحوه قول ذي الرمة : (10/5)
فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
والمعنى لأحسنن الدنيا وأزيننها لهم حتى يشتغلوا بها عن الآخرة ، وجوز جعل الباء للقسم و { مَا } مصدرية أيضاً أي أقسم بإغوائك إياي لازينن ، وأقسامه بعزة الله تعالى المفسرة بسلطانه وقهره لا ينافي أقسامه بهذا فإنه فرع من فروعها وأثر من آثارها فلعله أقسم بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بهذا وأخرى بذاك ، وزعم بعضهم أن السببية أولى لأنه وقع في مكان آخر { فَبِعِزَّتِكَ } [ ص : 82 ] والقصة واحدة والحمل على محاورتين لا موجب له ولأن القسم بلإغواء غير متعارف انتهى ، وفيه نظر ظاهر فإ قوله : { فَبِعِزَّتِكَ } [ ص : 82 ] يحتمل القسمية أيضاً ، وقد صرح الطيبي بأن مذهب الشافعية أن القسم بالعزة والجلال يمين شرعاً فالآية على الزاعم لا له . نعم أن دعواه عدم تعارف القسم بالأغواء مسلمة وهو عندي يكفي لأولوية السببية ولعدم التعارف مع عدم الإشعار بالتعظيم لا يعد القسم بها يميناً شرعاً فإن القائلين بانعقاد القسم بصفة له تعالى يشترطون أن تشعر بتعظيم ويتعارف مثلها ، وفي نسبة الأغواء إليه تعالى بلا إنكار منه سبحانه قول بأن الشر كالخير من الله عز وجل ، وأول المعتزلة ذلك وقالوا : المراد النسبة إلى الغي كفسقته نسبته إلى الفسق لأفعلته أو أن المراد فعل به فعلاً حسناً أفضى به لخبثه إلى الغي حيث أمره سبحانه بالسجود فأبى واستكبر أو أضله عن طريق الجنة وترك هدايته واللطف به واعتذروا عن إنظار الله تعالى إياه مع أنه مفض إلى الاغواء القبيح بأنه تعالى قد علم منه وممن اتبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أنظر أم لم ينظر وأن في إنظاره تعريضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب .
وأنت تعلم أن في إنظار إبليس عليه اللعنة وتمكينه من الاغواء وتسليطه على أكثر بني آدم ما يأبى القول : وجوب رعاية الأصلح المشهور عن المعتزلة ، وأيضاً من زعم أن حكيماً أو غيره يحصر قوماً في دار ويرسل فيها النار العظيمة والأفاعي القاتلة الكثيرة ولم يرد أذى أحد من أولئك القوم بالإحراق أو اللسع فقد خرج عن الفطرة البشرية . (10/6)
فحينئذ الذي تحكم به الفطرة أن الله تعالى أراد بالإنظار إضلال بعض الناس فسبحانه من إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وتمسك بعض المعتزلة في تأويل ما تقدم بقوله : { وَلاغْوِيَنَّهُمْ } حيث أفاد أن الاغواء فعله فلا ينبغي أن ينسب إلى الله تعالى ، وأجيب بأن المراد به هنا الحمل على الغواية لا إيجادها وتأويل اللاحق للسابق أولى من العكس ، وبالجملة ضعف الاستدلال ظاهر فلا يصلح ذلك متمسكاً لهم { أَجْمَعِينَ } أي كلهم فهو لمجرد الإحاطة هنا .
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)
{ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } بفتح اللام وهو قراءة الكوفيين . ونافع . والحسن . والأعرج أي الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من كل ما ينافي ذلك ، وكان الظاهر وأن منهم من لا أغويه مثلاً ، وعدل عنه إلى ما ذكر لكون الإخلاص والتمحض لله تعالى يستلزم ذلك فيكون من ذكر السبب وإرادة مسببه ولازمه على طريق الكناية وفيه اثبات الشيء بدليله فهو من التصريح به ، وقرأ باقي السبعة والجمهور بكسر اللام أي الذين أخلصوا العمل لك ولم يشركوا معك فيه أحداً . (10/7)
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41)
{ قَالَ } الله سبحانه وتعالى : { هَذَا صراط عَلَىَّ } أي حق لا بد أن أراعيه { مُّسْتَقِيمٍ } لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره ، والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخلص المخلصين من إغوائه وكلمة { عَلَىَّ } تستعمل للوجوب والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح عليه تعالى ، وقال أهل السنة : إن ذلك وإن كان تفضلاً منه سبحانه إلا أنه شبه بالحق الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه بمقتضى وعده جل وعلا فنجيء بعلي لذلك أو إلى ما تضمنه { المخلصين } [ الحجر : 40 ] بالكسر من الإخلاص على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إلى من غير إعوجاج وضلال وهو على نحو طريقك على إذا انتهى المرور عليه ، وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة باستعلاء من ثبت عليه فهو أدل على التمكن من الوصول ، وهو تمثيل فلا استعلاء لشيء عليه سبحانه وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وليست { عَلَىَّ } فيه بمعنى إلى . نعم أخرج ابن جرير عن الحسن أنه فسرها بها ، وأخرج عن زياد بن أبي مريم . وعبد الله بن كثير أنهما قرآ { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } وقالا : { على } هي إلى وبمنزلتها والأمر في ذلك سهل ، وهي متعلقة بيمر مقدراً و { صراط } متضمن له فيتعلق به . (10/8)
وقال بعضهم : الإشارة إلى انقسامهم إلى قسمين أي ذلك الانقسام إلى غاو وغيره أمر مصيره إلى وليس ذلك لك ، والعرب تقول : طريقك في هذا الأمر على فلان على معنى إليه يصير النظر في أمرك ، وعن مجاهد . وقتادة . إن هذا تهديد للعين كما تقول لغيرك افعل ما شئت فطريقك على أي لا تفوتني ، ومثله على ما قال الطبرسي قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } [ الفجر : 14 ] والمشارك على هذا إليه ما أقسم مع التأكيد عليه ، وأظهر هذه الأوجه على ما قيل هو الأول ، واختار في «البحر» كونها إلى الإخلاص ، وقيل : الأظهر أن الإشارة لما وقع في عبارة إبليس عليه اللعنة حيث قال : { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } [ الأعراف : 16 ، 17 ] الخ ، ولا أدري ما وجه كونه أظهر .
وقرأ الضحاك . وإبراهيم ، وأبو رجاء . وابن سيرين . ومجاهد . وقتادة . وحميد . وأبو شرف مولى كندة . ويعقوب ، وخلق كثير { عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ } برفع { عَلَىَّ } وتنوينه أي عال لارتفاع شأنه .
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)
{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ * سلطان } أي تسلط وتصرف بالاغواء والمراد بالعباد المشار إليهم بالمخلصين فالإضافة للعهد ، والاستثناء على هذا في قوله تعالى : (10/9)
{ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } منقطع واختار ذلك غير واحد ، واستدل عليه بسقوط الاستثناء في الإسراء ، وجوز أن يكون المراد بالعباد العموم والاستثناء متصل والكلام كالتقرير لقوله : { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ الحجر : 40 ] ولذا لم يعطف على ما قبله ، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء .
وفي الآية دليل لمن جوز استثناء الأكثر وإلى ذلك ذهب أبو عبيد . والسيرافي . وأكثر الكوفية ، واختاره ابن خروف . والشلوبين . وابن مالك ، وأجاز هؤلاء أيضاً استثناء النصف ، وذهب بعض البصرية إلى أنه لا يجوز كون المستثنى قدر نصف المستثنى منه أو أكثر ويتعين كونه أقل من النصف واختاره ابن عصفور . والآمدي وإليه ذهب أبو بكر الباقلاني من الأصوليين ، وذهب البعض الآخر من علماء البلدين إلى أنه يجوز أن يكون المخرج النصف لما دونه ولا يجوز أن يكون أكثر وإليه ذهب الحنابلة ، واتفق النحويون كما قال أبوحيان وكذا الأصوليون عند الإمام . والآمدي خلافاً لما اقتضاه نقل القرافي عن المدخل لابن طلحة على أنه لا يجوز أن يكون المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه ، ومن الغريب نقل ابن مالك عن الفراء وجواز له على الف إلا ألفين ، وقيل : إن كان المستثنى منه عدداً صريحاً يمتنع فيه النصف والأكثر وإن كان غير صريح لا يمتنعان ، وتحقيق هذه المسألة في الأصول ، والمذكور في بعض كتب العربية عن أبي حيان أه قال : المستقرأ من كلام العرب إنما هو استثناء الأقل وجميع ما استدل به على خلافه محتمل التأويل؛ وأنت تعلم أن الآية تدفع مع ما تقدم قول من شرط الأقل لما يلزم عليه من الفساد لأن استثناء الغاوين هنا يستلزم على ذلك أن يكونوا أقل من المخلصين الذين هم الباقون بعد الاستثناء من جنس العباد ، واستثناء المخلصين هناك يستلزم أن يكونوا أقل من الغاوين الذي هم الباقون بعد الاستثناء من ذلك فيكون كل من المخلصين والغاوين أقل من نفسه وهو كما ترى .
وأجاب بعضهم بأن المستثنى منه هنا جنس العباد الشامل للمكلفين وغيرهم ممن مات قبل أن يكلف ولا شك أن الغاوين أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء وهم المخلصون ومن مات غير مكلف والمستثنى منه هناك المكلفون إذ هم الذين يعقل حملهم على الغواية والضلال إذ غير المكلف لا يوصف فعله بذلك والمخلصون أقل من الباقي منهم بعد الاستثناء أيضاً ولا محذور في ذلك ، وذكر بعضهم أن الكثرة والقلة الإدعائيتين تكفيان لصحة الشرط فقد ذكر السكاكي في آخر قسم الاستدلال وكذا لا تقول لفلان على ألف إلا تسعمائة وتسعين إلا وأنت تنزل ذلك الواحد منزلة الألف بجهة من الجهات الخطابية مع أنه ممن يشترط كون المستثنى أقل من الباقي اه ، وظاهر كلام الأصوليين ينافيه ، وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً على تقدير إرادة الجنس أيضاً ويكون الكلام تكذيباً للملعون فيما أوهم أن له سلطاناً على من ليس بمخلص من عباده سبحانه فإن منتهى قدرته أن يغرهم ولا يقدر على جبرهم على اتباعه كما قال :
{ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } [ إبراهيم : 22 ] . (10/10)
فحاصل المعنى أن من اتبعك ليس لك عليهم سلطان وقهر بل أطاعوك في الإغواء واتبعوك لسوء اختيارهم ولا يضر في الانقطاع دخول الغاوين في العباد بناء على ما قالوا من أن المعتبر في الاتصال والانقطاع الحكم ، ويفهم كلام البعض أنه يجوز أن تكون الآية تصديقاً له عليه اللعنة في صريح الاستثناء وتكذيباً في جعل الإخلاص علة للخلاص حسبما يشير إليه كلامه فإن الصبيان والمجانين خلصوا من إغوائه مع فقد هذه العلة .
{ وَمِنْ } على جميع الأوجه المذكورة لبيان الجنس أي الذين هم الغاوون . واستدل الجبائي بنفي أن يكون له سلطان على العباد على رد قول من يقول : إن الشيطان يمكنه صرع الناس وإزالة عقولهم ، وقد تقدم الكلام في إنكار المعتزلة تخبط الشيطان والرد عليهم
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43)
{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } الضمير لمن اتبع أو للغاوين ورجح الثاني بالقرب وظهور ملاءمته للضمير ، والأول بأن اعتباره ادخل في الزجر عن اتباعه مع أن الثاني جيء به لبيانه و { أَجْمَعِينَ } توكيد للضمير ، وجوز أن يكون حالاً منه ويجعل على هذا الموعد مصدراً ميمياً ليتحقق شرط مجيء الحال من المضاف إليه وهو كون المضاف مما يعمل عمل الفعل فإنهم اشترطوا ذلك أو كون المضاف جزء المضاف إليه أو كجزئه على ما ذكره ابن مالك وغيره ليتحد عامل الحال وصاحبها حقيقة أو حكماً لكن يقدر حينئذ مضاف قبله لأن جهنم ليست عين الموعد بل محله فيقدر محل وعدهم أو مكانه ، وليس بتأويل اسم المفعول كما وهم ، وجوز أن يكون الموعد اسم مكان ، وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير المضاف إلا أن في جواز الحالية بحثاً لأن اسم المكان لا يعمل عمل فعله كما حقق في النحو ، وكون العامل معنى الإضافة وهو الاختصاص على القول بأنه الجار للمضاف إليه غير مقبول عند المحققين لأن ذلك من المعاني التي لا تنصب الحال ، ولا يخفى ما في جعل جهنم موعداً لهم من التهكم والاستعارة فكأنهم كانوا على ميعاد ، وفيه أيضاً إشارة إلى أن ما أعد لهم فيها مما لا يوصف في الفضاعة . (10/11)
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45)
{ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } أي سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في الغواية والمتابعة روى ذلك عن عكرمة . وقتادة ، وأخرج أحمد في الزهد . والبيهقي في البعث . وغيرهما من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : «أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض فيملأ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تملأ كلها» . (10/12)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها جهنم والسعير ولظي والحطمة وسقر والجحيم والهاوية وهي أسفلها ، وجاء في ترتيبها عن الأعمش . وابن جريج . وغيرهما غير ذلك ، وذكر السهيلي في كتاب الإعلام أنه وقع في كتب الرقائق أسماء هذه الأبواب ولم ترد في أثر صحيح وظاهر القرآن والحديث يدل على أن منها ما هو من أوصاف النار نحو السعير والجحيم والحطمة والهاوية ومنها ما هو علم للنار كلها نحو جهنم وسقر ولظى فلذا أضربنا عن طكرها اه ، وأقرب الآثار التي وقفنا عليها إلى الصحة فيما أظن ما روى عن علي كرم الله تعالى وجهه لكثرة مخرجيه ، وتحتاج جميع الآثار إلى التزام أن يقال : إن جهنم تطلق على طبقة مخصوصة كما تطلق على النار كلها ، وقيل : الأبواب على بابها والمراد أن لها سبعة أبواب يدخلونها لكثرتهم والإسراع بتعذيبهم .
والجملة كما قال أبو البقاء يجوز أن تكون خبراً ثانياً ويجوز أن تكون مستأنفة ولا يجوز أن تكون حالاً من جهنم لأن إن لا تعمل في الحال { لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ } من الاتباع والغواة { جُزْء مَّقْسُومٌ } فريق معين مفروز من غيره حسبما يقتضيه استعداده ، فياب للموحدين العصاة وباب لليهود وباب للنصارى وباب للصابئين وباب للمجوس وباب للمشركين وباب للمنافقين ، وروى هذا الترتيب في بعض الآثار ، وعن ابن عباس أن جهنم لمن ادعى الربوبية ولظى لعبدة النار والحطمة لعبدة الأصنام وسقر لليهود والسعير للنصارى والجحيم للصابئين والهاوية للموحدين العاصين ، وروى غير ذلك ، وبالجملة في تعيين أهلها كترتيبها اختلاف في الروايات .
ولعل حكمة تخصيص هذا العدد انحصار مجامع المهلكات في المحسوسات بالحواس الخمس ومقتضيات القوة الشهوانية الغضبية أو أن أصول الفرق الداخلين فيها سبعة ، وقرأ ابن القعقاع ( جز ) بتشديد الزاي من غير همزة ووجهه أنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي ثم وقف بالتشديد ثم أجرى الوصل مجرى الوقف ، وقرأ ابن وثاب { جُزْء } بضم الزاي والهمز { وَمِنْهُمُ } حال من { جُزْء } وجاء من النكرة لتقدمه ووصفها أو حال من ضميره في الجال والمجرور الواقع خبراً له ، ورجح بأن فيه سلامة مما في وقوع الحال من المبتدأ ، والتزم بعضهم لذلك كون المرفوع فاعلاً بالظرف ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في { مَّقْسُومٌ } لأنه صفة { جُزْء } فلا يصح عمله فيما قبل الموصوف ، وكذا لا يجوز أن يكون صفة { بَابٍ } لأنه يقتضي أن يقال منها ، وتنزيل الأبواب منزلة العقلاء لا وجه له هنا كما لا يخفى والله تعالى أعلم .
ومن باب الإشارة : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الامل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [ الحجر : 3 ] فيه إشارة إلى ذم من كان همه بطنه وتنفيذ شهواته ، قال أبو عثمان : أسوأ الناس حالاً من كان همه ذلك فإنه محروم عن الوصل إلى حرم القرب { وَقَالُواْ يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } [ الحجر : 6 ] رموه وحاشاه صلى الله عليه وسلم بالجنون مشيرين إلى أن سببه دعواه عليه الصلاة والسلام نزول الذكر الذي لم تتسع له عقولهم ، والإشارة في ذلك أنه لا ينبغي لمن لم يتسع عقله لما من الله سبحانه به على أوليائه من الأسرار أن يبادروهم بالإنكار ويرموهم بما لا ينبغي كما هو عادة كثير من المنكرين اليوم على الأولياء الكاملين حيث نسبوهم فيما تكلموا به من الأسرار الإلهية والمعارف الربانية إلى الجنون؛ وزعموا أن ما تكلموا به من ذلك ترهات وأباطيل خيلت لهم من الرياضات ، ولا أعني بالأولياء الكاملين سوى من تحقق لدى المنصفين موافقتهم للشرع فيما يأتون ويذرون دون الذين يزعمون انتظامهم في سلكهم وهم أولياء الشيطان وحزبهم حزبه كبعض متصوفة هذا الزمان فإن الزنادقة بالنسبة إليهم أتقياء موحدون كما لا يخفى على من سبر أحوالهم { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر : 9 ] قال ابن عطاء : أي إنا نزلنا هذا الذكر شفاء ورحمة وبياناً للهدى فينتفع به من كان موسوماً بالسعادة منوراً بتقديس السر عن دنس المخالفة { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } في قلوب أوليائنا فهي خزائن أسرارنا { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السماء بُرُوجًا وزيناها للناظرين } [ الحجر : 16 ] إشار سبحانه إلى سماء الذات وبروج الصفات والجلال فيسير في ذلك القلب والسر والعقل والروح فيحصل للروح التوحيد والتجريد والتفريد وللعقل المعارف والكواشف وللقلب العشق والمحبة والخوف والرجاء والقبض والبسط والعلم والخشية والأنس والانبساط وللسر الفناء والبقاء والسكر والصحو { وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ } [ الحجر : 17 ] إشارة إلى منع كشف جمال صفاته سبحانه وجلاله ذاته عز وجل عن أبصار البطالين والمدعين والمبطلين الزائغين عن الحق { إِلاَّ مَنِ استرق السمع } اختلس شيئاً من سكان هاتيك الحضائر القدسية من الكاملين { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } [ الحجر : 18 ] نار التحير فهلك في بوادي التيه أو صار غولاً يضل السائرين السالكين لتحصيل ما ينفعهم ، وقيل الإشارة في ذلك : إنا جعلنا في سماء العقل بروج المقامات ومراتب العقول من العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد وزيناها بالعلوم والمعارف للناظرين المتفكرين وحفظانا من شياطين الأوهام الباطلة إلا من اختطف الحكم العقلي باستراق السمع لقربه من أفق العقل فأتبعه شهاب البرهان الواضح فطرده وأبطل حكمه اه ولا يخفى مافي تزيين كل مرتبة من مراتب العقول المذكورة بالعلوم والمعارف للمتفكرين من النظر على من تفكر ، وقيل : الإشارة إلى أنه تعالى جعل في سماء القلوب بروج المعارف تسير فيها سيارات الهمم ، وجعلها زينة للناظرين إليها المطلعين عليها من الملائكة والروحانيين وحفظها من الشياطين فلودنا إبليس أو جنوده من قلب عارف احترق بنور معرفته ورد خاسئاً . (10/13)
{ والارض مددناها وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } [ الحجر : 19 ] إشارة إلى أنه تعالى بسط بأنوار تجلى جماله وجلاله سبحانه أرض قلوب أولياه حتى أن العرش وما حوى بالنسبة إليها كحلقة في فلاة بل دون ذلك بكثير ، وفي الخبر : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن » ثم أنه تعال لما تجلى عليها تزلزلت من هيبته فألقى عليها رواسي السكينة فاستقرت وأنبت فيها بمياه بحار زلال نور غيبه من جميع نباتات المعارف والكواشف والمواجيد والحالات والمقامات والآداب وكل من ذلك موزون بميزان علمه وحكمته . (10/14)
وقال بعضهم : نفوس العابدين أرض العبادة وقلوب العارفين أرض المعرفة وأرواح المشتاقين أرض المحبة ، والرواسي الرجاء والخوف والرغبة والرهبة ، والأزهار الأنوار التي أشرقت فيها من نور اليقين ونور العرفان ونور الحضور ونور الشهود ونور التوحيد إلى غير ذلك ، وقيل : أشير بالأرض إلى أرض النفس أي بسطنا أرض النفس بالنور القلبي وألقينا فيها رواسي الفضائل وأنبتنا فيها كل شيء من الكمالات الخلقية والأفعال الإرادية والملكان الفاضلة والإدراكات الحسية معين مقدر بميزان الحكمة والعدل { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } بالتدابير الجزئية { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين } [ الحجر : 20 ] ممن ينسب إليكم ويتعلق بكم ، قال بعضهم : إن سبب العيش مختلف فعيش المريدين بيمن إقباله تعالى وعيش العارفين بلظف جماله سبحانه وعيش الموحدين بكشف جلاله جل جلاله .
{ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } أي ما من شيء إلا له عندنا خزانة في عالم القضاء { وَمَا نُنَزّلُهُ } في عالم الشهادة { إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر : 21 ] من شكل وقدر ووضع ووقت ومحل حسبما يقتضيه استعداده ، قيل : إن الإشارة في ذلك إلى دعوة العبادة إلى حقائق التوكل وقطع الأسباب والإعراض عن الأغيار ، ومن هنا قال حمدون : إنه سبحانه قطع أطماع عبيده جل وعلا بهذه الآية فمن رفع بعد هذا حاجة إلى غيره تعالى شأنه فهو جاهل ملوم ، وكان الجنيد قدس سره إذا قرأ هذه الآية يقول فأين تذهبون؟ ويقال : خزائنه تعالى في الأرض قلوب العارفين وفيها جواهر الأسرار ، ومنهم من قال : النفوس خزائن التوفيق والقلوب خزائن التحقيق والألسنة خزائن الذكر إلى غير ذلك { وَأَرْسَلْنَا } على القلوب { الرياح } النفحات الإلهية { لَوَاقِحَ } بالحكم والمعارف ، قال ابن عطاء : رياح العناية تلقح الثبات على الطاعات ورياح الكريم تلقح في القلوب معرفة المنعم ورياح التوكل تلقح في النفوس الثقة بالله تعالى والاعتماد عليه ، وكل من هذه الرياح تظهر في الأبدان زيادة وفي القلوب زيادة وشقى من حرمها { فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء } أي سماء الروح { مَاء } من العلوم الحقيقية { فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } وأحييناكم به { وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ } أي لذلك الماء
{ بخازنين } [ الحجر : 22 ] لخلوكم عن العلوم قبل أن نعلمكم { وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ } القلوب بماء العلم والمشاهدة { وَنُمِيتُ } النفوس بالجد والمجاهدة ، وقيل : نحيي بالعلم ونميت بالإفناء في الوحدة؛ وقيل : نحيي بمشاهدتنا قلوب المطيعين من موت الفراق ونميت نفوس المريدين بالخوف منا وقهر عظمتنا عن حياة الشهوات ، وقال الواسطي : نحيي من نشاء بنا ونميت من نشاء عنا ، وقال الوراق : نحيي القلوب بنور الايمان ونميت النفوس باتباع الشيطان؛ وقيل وقيل : { وَنَحْنُ الوارثون } [ الحجر : 23 ] للوجود والباقون بعد الفناء { وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ } وهم المشتاقون الطالبون للتقدم { وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستخرين } [ الحجر : 24 ] وهم المنجذبون إلى عالم الحس باستيلاء صفات النفس الطالبون للتأخر عن عالم القدس وروضات الأنس ، ومن هنا قال ابن عطاء : من القلوب قلوب همتها مرتفعة عن الأدناء والنظر إلى الأكوان ومنها ما هي مربوطة بها مقترنة بنجاستها لا تنفك عنها طرفة عين ، وقيل : المستقدمين الطالبون كشف أنوار الجمال والجلال والمستأخرين أهل الرسوم الطالبون للحظوظ والاعراض ، وقيل : الأولون هم أرباب الصحو الذين يتسارعون إذا دعوا إلى الطاعة والآخرون سكارى التوحيد والمعرفة والمحبة ، وقيل : الأولون هم الآخذون بالعزائم والآخرون هم الآخذون بالرخص ، وقيل : غير ذلك { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّى خالق بَشَرًا مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [ الحجر : 28 ] فيه إشارة إلى عظم شأن آدم عليه السلام حيث أخبر سبحانه بخلقه قبل أن يخلقه ، وسماء بشراً لأنه جل شأنه باشر خلقه بيديه ، ولم يثن سبحانه اليد لأحد الإله ، وهو النسخة الإلهية الجامعة لصفات الجمال والجلال { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } [ الحجر : 29 ] أضاف سبحانه الروح إلى نسه تشريفاً لها وتعظيماً لقدرها لماأنها سر خفي من أسراره جل وعلا ، ولذا قيل : من عرف نفسه عرف ربه ، وعلق تبارك شأنه الأمر بالسجود بالتسوية والنفخ لما أن أنوار الأسماء والصفات وسناء سبحات الذات إنما تظهر إذ ذاك ، ولذا لما تم الأمر وجلدت النسخة فظهرت أنوار الحق وقرئت سطور الأسرار استصغروا أنفسهم { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [ الحجر : 30 ] إلا إبليس لما أعمى الله تعالى عينه عن مشاهدة ما شاهدوه { أبى أَن يَكُونَ مع الساجدين } [ الحجر : 31 ] ولو شاهد ذلك لسجد كما سجدوا { قَالَ لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [ الحجر : 33 ] غلط اللعين في زعمه أنه خير من آدم عليه السلام ولم يخطر في باله أيضاً أن المحب الصادق يمتثل أمر محبوبه كيف كان ، ومن هنا قيل : (10/15)
لو قال تيها قف على جمر الغضى ... لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف
وقال بعض أهل الوحدة : إن الملعون ظن أنه مستحكم في توحيده حيث لم يسجد لغيره تعالى ، وقد أخطأ أيضاً لأنه لا غير هناك لأن في حقيقة جمع الجمع ترتفع الغيرية وتزول الإثنينية . وأنت تعلم أن هذا بمراحل عما يدل عليه كلامه وأن الغيرية إذا ارتفعت في هذا المقام ترتفع مطلقاً فلا تبقى غيرية بين آدم وإبليس بل ولا بينهما وبين شخص من الأشخاص الخارجية والذهنية ، ومن هنا قال قائلهم : (10/16)
ما آدم في الكون ما إبليس ... ما ملك سليمان وما بلقيس
الكل عبارة وأنت المعنى ... يا من هو للقلوب مغناطيس
وقال الحسين بن منصور :
جحودي لك تقديس ... وعقلي فيك منهوس
فمن آدم الاك ... ومن في البين إبليس
وقد انتشر مثل هذا الكلام اليوم في الأسواق ومجالس الجهلة والفساق واتسع الخرق على الواقع وتفاقم الأمر وما له سوى الله تعالى من دافع { قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } [ الحجر : 34 ] طريد عن ساحة القرب إذ القرب يقتضي الامتثال وكلما ازداد العبد قرباً من ربه ازداد خضوعاً وخشوعاً { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين } [ الحجر : 35 ] لم يد سبحانه أنه بعد ذلك يحصل له القرب خلافاً لبعض أهل الوحدة بل أراد جل وعلا بعض ما قدمناه .
{ قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لازَيّنَنَّ لَهُمْ فِى الارض } أي لأزينن لهم الشهوات في الحهة السفلية { وَلاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 39 ] { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ الحجر : 40 ] الذين أخلصتهم لك واصطفيتهم لمحبتك أو المخلصين في طاعتهم لك ولا يلتفتون وحد سواك ، وفيه من مدح الإخلاص ما فيه ، وفي «الخبر» «العالم هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا العاملون والعاملون هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر» أي شرف عظيم كما ذكره السيد السند في بعض تعليقاته .
{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } [ الحجر : 42 ] أي الذي يناسبونك في الغوايم والبعد { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 43 ] { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } عدد الحواس الخمس والقوتين الشهوية والغضبية وهاتان القوتان بابان عظيمان للضلالة المفضية إلى النار . أخرج ابن جرير عن يزيد بن قسيط قال : كانت للأنبياء عليهم السلام مساجد خارجة من قراهم فإذا أراد أحدهم أن يستنبىء ربه عن شيء خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله تعالى ثم سأل ما بدا له فبينما نبي في مسجده إذ جاء إبليس حتى جلس بينه وبين القبلة فقال النبي : أعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ثلاثاً فقال إبليس : أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ قال النبي : بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم فأجد كل واحد منهما على صاحبه فقال النبي : إن الله تعالى يقول : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } [ الحجر : 42 ] قال إبليس : قد سمعت هذا قبل أن تولد قال النبي : ويقول الله تعالى :
{ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله } [ الأعراف : 200 ] وإني والله تعالى ما أحسست بك قط إلا اسعذت بالله تعالى منك قال إبليس : صدقت بهذا تنجو مني فقال النبي : أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم قال : آخذه عند الغضب وعند الهوى { لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ } [ الحجر : 44 ] فيكون لكل باب فرقة تغلب عليها قوة ذلك الباب ، نسأل الله تعالى أي يجيرنا منها بحرمة سيد ذوي الألباب صلى الله عليه وسلم . (10/17)
{ إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ } أي مستقرون في ذلك خالدون فيه ، والمراد بهم على ما في الكشاف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الذين اتقوا الكفر والفواحش ولهم ذنوب تكفرها الصلوات وغيرها ، وفيه أن المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه ، ونقل الإمام عن جمهور الصحابة والتابعين وذكر أنه المنقول عن الحبر أن المراد بهم الذين اتقوا الشرك ثم قال : وهذا هو الحق الصحيح ، والذي يدل عليه أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة فليس من شرط صدق الوصف بكونه متقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى ، والذي يقرر ذلك أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى فإن الفرد مشتمل على الماهية بالضرورة وكل آت بالتقوى يجب أن يكون متقياً فالآتي بفرد يجب كونه متقياً ، ولهذا قالوا : ظاهر الأمر لا يفيد التكرار فظاهر الآية يقتضي حصول الجنات والعيون لكل من اتقى عن ذنب واحد إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم ، وأيضاً هذه الآية وردت عقيب قول إبليس : { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ الحجر : 40 ] وعقيب قوله تعالى : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } [ الحجر : 42 ] فلذا اعتبر الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزاد فيه قيد آخر لأن تخصيص العام لما كان خلاف الظاهر ، فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق بمقتضى الأصل والظاهر فثبت أن الحكم المذكور يتناول جميع القائلين لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كانوا من أهل المعصية ، وهذا تقرير بين وكلام ظاهر اه .
وقد يقال : لا شبهة في أن السياق يدل على أن المتقين هم المخلصون السابق ذكرهم وأن المطلق يحمل على الكامل والكامل ما أشار إليه الزمخشري ولا بأس بالحمل عليه وقيل إنه الأنسب .
وإخراج العصاة من النار ثابت بنصوص أخر ، وكذا إدخال التائبين الجنة بل غيرهم أيضاً فلا يلزم القائل بذلك القول بما عليه المعتزلة من تخليد أصحاب الكبائر كما لا يخفى ، وأل للاستغراق وهو إما مجموعي فيكون لكل واحد من المتقين جنة وعين أو إفرادي فيكون لكل جنات وعيون ، والمراد بالعيون يحتمل كما قيل أن يكون الأنهار المذكورة في قوله تعالى : { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } [ محمد : 15 ] الآية ، ويحتمل أن يكون منابع مغايرة لتلك الأنهار وهو الظاهر ، وهل كل من المتقين مختص بعيونه أو ليس مختصاً بل تجري من بعض إلى بعض احتمالان فإنه يمكن أن يكون لكل واحد عين وينتفع بها من في معيته ، ويمكن أن تجري العين من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد ، وضم العين من { *عيون } هو الأصل وبه قرأ نافع . وأبو عمرو . وحفص . وهشام وقرأ الباقون بالعكس وهو لمناسبة الياء .
ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46)
{ وَعُيُونٍ ادخلوها } أمر لهم بالدخول من قبله تعالى ، وهو بتقدير القول على أنه حال أي وقد قيل لهم ادخلوها ، فلا يرد أنه بعد الحكم بأنهم في الجنة كيف يقال لهم ادخلوها ، وجوز أن يقدر مقولاً لهم ذلك والمقارنة عرفية لاتصالهما ، وقيل : يقدر يقال لهم فيكون مستأنفاً ، ووجه ذكر هذا الأمر بعد الحكم السابق بأنهم لما ملكوا جنات كثيرة كانوا كلما خرجوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها إلى آخره ، وهو إنما يجري على تقدير أن يكون لكل جنات وبغير ذلك مما فيه دخل . وقرأ الحسن { ادخلوها } على أنه ماض مبني للمفعول من باب الأفعال والهمزة فيه للقطع ، وأصل القياس أن لا يكسر التنوين قبلها إلا أن الحسن كسره على أصل التقاء الساكنين إجراءً لهمزة القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط . وقرأ يعقوب في رواية رويس كذلك إلا أنه ضم التنوين بإلقاء حركة همزة القطع عليه ، وعنه { ادخلوها } بفتح الهمزة عليه وكسر الخاء على أنه أمر للملائكة بإدخالهم إياها ، وفتح في هذه القراءة التنوين بإلقاء فتحة الهمزة عليه وعلى القراءة بصيغة الماضي لا حاجة إلى تقدير القول ، والفاعل عليها هو الله تعالى أي أدخلهم الله سبحانه إياها { بِسَلامٍ } أي ملتبسين به أي سالمين أو مسلماً عليكم وعلى الأول يراد سلامتهم من الآفة والزوال في الحال ، ويراد بالأمن في قوله سبحانه : { ءامِنِينَ } الأمن من طرو ذلك في الاستقبال فلا حاجة إلى تخصيص السلامة بما يكون جسمانياً والأمن بغيره . (10/18)
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)
{ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } أي حقد ، وأصله على ما قيل من الغلالة وهو ما يلبس بين الثوبين الشعار والدثار وتستعار للدرع كما يستعار الدرع لها ، وقيل : قيل للحقد غل أخذاً له من انغل في كذا وتغلل إذا دخل فيه ، ومنه قيل للماء الجاري بين الشجر غلل ، وقد يستعمل الغل فيما يضمر في القلب مما يذم كالحسد والحقد وغيرهما ، وهذا النزع قيل في الدنيا ، فقد أخرج ابن أبي حاتم . وابن عساكر عن كثير النوّا قال : قلت لأبي جعفر إن فلاناً حدثني عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية نزلت في أبي بكر . وعمر . وعلي رضي الله تعالى عنهم { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } قال : والله إنها لفيهم أنزلت وفيمن تنزلا إلا فيهم؟ قلت : وأي غل هو؟ قال : غل الجاهلية إن بني تيم وبني عدي وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا فأخذت أبا بكر الخاصرة فجعل علي كرم الله تعالى وجهه يسخن يده فيكوي بها خاصرة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فنزلت هذه الآية ، ويشعر بذلك على ما قيل ما أخرجه سعيد بن منصور . وابن جرير . وابن المنذر . والحاكم . وغيرهم من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال لابن طلحة : إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى : { وَنَزَعْنَا } الآية فقال رجل من همذان : إن الله سبحانه أعدل من ذلك فصاح علي كرم الله تعالى وجهه عليه صيحة تداعى لها القصر ، وقال : فمن إذن إن لم نكن نحن أولئك؟ وقيل : إن ذلك في الآخرة بعد دخول الجنة ، فقد أخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم . وابن مردويه من طريق القاسم عن أبي أمامة قال : يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن حتى إذا تدانوا وتقابلوا على السر ونزع الله تعالى ما في صدورهم في الدنيا من غل . (10/19)
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم بن رشيد قال : ينتهي أهل الجنة إلى باب الجنة وهم يتلاحظون تلاحظ الفيران فإذا دخلوها نزع الله تعالى ما في صدورهم من الغل ، وقيل : فيها قبل الدخول ، فقد أخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا ويدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل »
وهذا ونحوه يؤيد ما قاله الإمام في المتقين ، وقيل : معنى الآية طهر الله تعالى قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع سبحانه منها كل غل وألقى فيها التواد والتحاب ، والآية ظاهرة في وجود الغل في صدورهم قبل النزع فتأمل .
{ إِخْوَانًا } حال من الضمير في { فِي جنات } [ الحجر : 45 ] وهي حال مترادفة أن جعل { ادخلوها } حالاً من ذلك أيضاً أو حال من فاعل { ادخلوها } وهي مقدرة إن كان النزع في الجنة أو من ضمير { ءامِنِينَ } [ الحجر : 46 ] أو الضمير المضاف إليه في { صُدُورُهُمْ } وجاز لأن المضاف بعض من ذلك وهي حال مقدرة أيضاً ، ويقال نحو ذلك في قوله تعالى : { على سُرُرٍ متقابلين } ويجوز أن يكون صفتين لإخوانا أو حالين من الضمير المستتر فيه لأنه في معنى المشتق أي متصافيين ، ويجوز أن يكون { متقابلين } حالاً من المستتر في { على سُرُرٍ } سواء كان حالاً أو صفة ، وأبو حيان لا يرى جواز الحال من المضاف إليه إذا كان جزأه أو جزئه ويخصه فيما إذا كان المضاف مما يعمل في المضاف إليه الرفع أو النصب ، وزعم أن جواز ذلك في الصورتين السابقتين مما تفرد به ابن مالك ، ولم يقف على أنه نقله في فتاويه عن الأخفش . وجماعة وافقوه فيه ، واختار كون { إِخْوَانًا } منصوباً على المدح؛ والسرر بضمتين جمع سرير وهو معروف وأخذه من السرور إذ كان ذلك لأولي النعمة ، وإطلاقه على سرير الميت للتشبيه في الصورة وللتفاؤل بالسرور الذي يلحق الميت برجوعه إلى جوار الله عز وجل وخلاصه من سجنه المشا إليه بما جاء في بعض الآثار «الدنيا سجن المؤمن» . وكلب . وبعض بني تميم يفتحون الراء وكذا كل مضاعف فعيل ، ويجمع أيضاً على أسرة ، وهي على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من ذهب مكللة باليواقيت والزبرجد والدر ، وسعة كل كسعة ما بين صنعاء إلى الجابية . وفي كونهم على سرر إشارة إلى أنهم في رفعة وكرامة تامة . (10/20)
وروي عن مجاهد أن الأسرة تدور بهم حيثما داروا فهم في جميع أحوالهم متقابلون لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ، فالتقابل التواجه وهو نقيض التدابر ، ووصفهم بذلك إشارة إلى أنهم على أشرف أحوال الاجتماع .
وقيل : هو إشارة إلى أنهم يجتمعون ويتنادمون ، وقيل : معنى { متقابلين } متساوين في التواصل والتزاور .
وفي بعض الأخباء إن المؤمن في الجنة إذا أراد أن يلقى أخاه المؤمن سار كل واحد منهم إلى صاحبه فيلتقيان ويتحدثان .