صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)
{ فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } تثبيت له صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه من الثقة بالله سبحانه والتيقن بانجاز وعده تعالى بتعذيب الظالمين المقرون بالأمر بانذارهم كما يفصح عنه الفاء ، وقال الطيبي : واستحسنه التلميذ أنه يجوز أن يحمل الوعد على المفاد بقوله تعالى : { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } [ إبراهيم : 46 ] وقد جعله وجهاً آخر لما ذكره الزمخشري من تفسير له بقوله تعالى : { أَنَاْ * جَاءتْ رُسُلُنَا } [ غافر : 51 ] و { كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [ المجادلة : 21 ] وفيه نظر لأنه لا اختصاص لذلك كما قيل بالعذيب لا سيما الأخروي ، وإضافة { مُخْلِفَ } إلى الوعد عند الجمهور من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول الثاني كقولهم : هذا معطى درهم زيداً ، وهو لما كان يتعدى إلى اثنين جازت إضافته إلى كل منهما فينصب ما تأخر ، وأنشد بعضهم نظيراً لذلك قوله : (9/415)
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع
وذكر أبو البقاء أن هذا قريب من قولهم : يا سارق الليلة أهل الدار . وفي «الكشاف» أن تقديم الوعد ليعلم أنه تعالى لا يخلف الوعد أصلاً كقوله سبحانه : { لاَ يُخْلِفُ الميعاد } [ آل عمران : 9 ] ثم قال جل شأنه : { رُسُلَهُ } ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً وليس من شأنه إخلاف المواعيد كيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته .
ونظير فيه ابن المنير بأن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع احتمال إطلاقه وهو هنا كذلك فليس تقديم الوعد دالاً على إطلاق الوعد بل على العناية والاهتمام به لأن الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد سبحانه على ألسنة رسله عليهم السلام فالمهم ذكر الوعد وكونه على ألسنة الرسل عليهم السلام لا يتوقف عليه التهديد والتخويف . وقال «صاحب الإنصاف» : أن هذا النظر قوى إلا أن ما اعترض عليه هو القاعدة عند أهل البيان ، كما قال الشيخ عبد القاهر في قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } [ الأنعام : 100 ] أنه قدم { شُرَكَاء } للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ لله تعالى شركاء مطلقاً ثم ذكر { الجن } تحقيراً أي إذا لم يتخذ من غير الجن فالجن أحق بأن لا يتخذوا .
وتعقب بأنه لا يدفع السؤال بل يؤيده ، وكذا ما ذكره الفاضل الطيبي فإنه مع تطويله لم يأت بطائل فالوجه ما في «الكشف» من أن ذلك الإعلام إنما نشأ من جعل الاهتمام بشأن الوعد فهو ما سيق له الكلام وما عداه تبع ، وإفادة هذا الأسلوب الترقي كإفادة { اشرح لِى صَدْرِى } [ طه : 5 ] الإجمال والتفصيل . نعم أن الظاهر من حال «صاحب الكشاف» أنه أضمر فيما قرره اعتزالاً وهذه مسألة أخرى ، وقيل : { مُخْلِفَ } هنا متعد إلى واحد كقوله تعالى : { لاَ يُخْلِفُ الميعاد }
[ آل عمران : 9 ] فأضيف إليه وانتصب { رُسُلَهُ } بوعده إذ هو مصدر ينحل إلى أن والفعل وقرأت فرقة { مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } بنسب { وَعْدَهُ } وإضافة { مُخْلِفَ } إلى { رُسُلَهُ } ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ، وهذه القراءة تؤيد إعراب الجمهور في القراءة الأولى وأنه مما يتعدى { مُخْلِفَ } هنا إلى مفعولين { أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالب لا يماكر وقادر لا يقادر { ذُو انتقام } من أعدائه لأوليائه فالجملة تعليل للنهي المذكور وتذييل له ، وحيث كان الوعد عبارة عن تعذيبهم خاصة كما مرت إليه الإشارة لم يذيل كما قال بعض المحققين بأن يقال : { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } [ آل عمران : 9 ] بل تعرض لوصف العز والانتقام المشعرين بذلك؛ والمراد بالانتقام ما أشير إليه بالفعل وعبر عنه بالمكر . (9/416)
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)
{ يَوْمَ تُبَدَّلُ الارض غَيْرَ الارض } ظرف لمضمر مستأنف ينسحب عليه النهي المذكور أي ينجزه يوم إلى آخره أو معطوف عليه نحو { فارتقب يَوْمَ } [ الدخان : 10 ] إلى آخره ، وجعله بعض الفضلاء معمولاً لا ذكر محذوفاً كما قيل في شأن نظائره ، وقيل : ظرف للانتقام وهو { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } [ إبراهيم : 44 ] بعينه ولكن له أحوال جمة يذكر كل مرة بعنوان مخصوص ، والتقييد مع عموم انتقامه سبحانه للأوقات كلها للإفصاح عما هو المقصود من تعذيب الكفرة المؤخر إلى ذلك اليوم بموجب الحكمة المقتضية له . (9/417)
وجوزأبو البقاء تعلقه بلا يخلف الوعد مقدراً بقرينة السابق ، وفيه الوجه قبله من الحاجة إلى الاعتذار .
وقال الحوفي : هو متعلق بمخلف و { إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام } [ إبراهيم : 47 ] جملة اعتراضية ، وفيه رد لما قيل : لا يجوز تعلقه بذلك لأن ما قبل إنّ لا يعمل فيما بعدها لأن لها الصدارة ، ووجهه أنها لكونها وما بعدها اعتراضاً لا يبالي بها فاصلاً .
وجوز الزمخشري انتصابه على البدلية من { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ } [ إبراهيم : 44 ] وهو بدل كل من كل ، وتبعه بعض من منع تعلقه بمخلف لمكان ماله الصدر . والعجب أن العامل فيه حينئذ أنذر فيلزم عليه ما لزم القائل بتعلقه بما ذكر فكأنه ذهب إلى البدل له عامل مقدر وهو ضعيف ، وقوله تعالى : { *وَالسَّمَوَاتُ } عطف على المرفوع أي وتبدل السموات غير السموات ، والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير ومنه قوله تعالى : { جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } [ النساء : 56 ] وقد يكون في الصفات كما في قولك : بدلت الحلقة خاتماً إذا غيرت شكلها ، ومنه قوله سبحانه : { يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } [ الفرقان : 70 ] والآية الكريمة ليست بنص في أحد الوجهين نص ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال تبدل الأرض يزاد فيها وينقص منها وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها وتمد مد الأديم العكاظي وتصير مستوية لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً . وتبدل السموات بذهاب شمسها وقمرها ونجومها وحاصله يغير كل عما هو عليه في الدنيا . وأنشد :
وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعلم
وقال ابن الأنباري : تبدل السموات بطيها وجعلها مرة كالمهل ومرة وردة كالدهان .
وأخرج ابن أبي الدنيا . وابن جرير . وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه تكون الأرض كالفضة والسموات كذلك . وصح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : تبدل الأرض أرضاً بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة . وروى ذلك مرفوعاً أيضاً ، والموقوف على ما قيل البيهقي أصح .
وقد يحمل قول الإمام كرم الله تعالى وجهه على التشبيه . (9/418)
وقال الإمام : لا يبعد أن يقال المراد بتبديل الأرض جعلها جهنم وبتبديل السموات جعلها الجنة ، وتعقب بأنه بعيد لأنه يلزم أن تكون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن والثابت في الكلام والحديث خلافه ، وأجيب بأن الثابت خلقهما مطلقاً لا خلق كلهما فيجوز أن يكون الموجود الآن بعضهما ثم تصير السموات والأرض بعضاً منهما ، وفيه أن هذا وإن صححه لا يقر به ، والاستدلال على ذلك بقوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّ كتاب الابرار لَفِى عِلّيّينَ } [ المطففين : 18 ] وقوله سبحانه : { كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ } [ المطففين : 7 ] في غاية الغرابة من الإمام فإن في إشعار ذلك بالمقصود نظراً فضلاً عن كونه دالاً عليه . نعم جاء في بعض الآثار ما يؤيد ما قاله ، فقد أخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب أنه قال في الآية : تصير السموات جناناً ويصير مكان البحر نار أو تبدل الأرض غيرها .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال : الأرض كلها نار يوم القيامة؛ وجاء في تبديل الأرض روايات آخر .
فقد أخرج ابن جرير عن ابن جبير أنه قال : تبدل الأرض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن تحد قدميه .
وأخرج عن محمد بن كعب القرظي مثله .
وأخرج البيهقي في البعث عن عكرمة كذلك .
وأخرج ابن مردويه عن أفلح مولى أبي أيوب أن رجلاً من يهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما الذي تبدل به الأرض؟ فقال : خبزة فقال اليهودي : در مكة بأبي أنت فضحك صلى الله عليه وسلم ثم قال : قاتل الله تعالى يهود هل تدرون ما الدر مكة؟ لباب الخبز .
وقد تقدم خبر أن الأرض تكون يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة وهو في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكى بعضهم أن التبديل يقع في الأرض ولكن تبدل لكل فريق بما يقتضيه حاله ، ففريق من المؤمنين يكونون على خبز يأكلون منه وفريق يكونون على فضة؛ وفريق الكفرة يكونون على نار ، وليس تبديلها بأي شيء كان بأعظم من خلقها بعد إن لم تكن .
وذكر بعضهم أنها تبدل أولاً صفتها على النحو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ثم تبدل ذاتها ويكون هذا الأخير بعد أن تحدث أخبارها ، ولا مانع من أن يكون هنا تبديلات على أنحاء شتى .
وفي «صحيح مسلم» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً أن الناس يوم تبدل على الصراط ، وفيه من حديث ثوبان : " أن يهودياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال عليه الصلاة والسلام : هم في الظلمة دون الجسر "
ولعل المراد من هذا التبديل نحو خاص منه ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال . وتقديم تبديل الأرض لقربها منا ولكون تبديلها أعظم أمراً بالنسبة إلينا . (9/419)
{ وَبَرَزُواْ } أي الخلائق أو الظالمون المدلول عليهم بمعونة السياق كما قيل ، والمراد بروزهم من أجداثهم التي في بطون الأرض .
وجوز أن يكون المراد ظهورهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سراً ويزعمون أنها لا تظهر أو يعملون عمل من يزهم ذلك ، ووجه إسناد البروز إليهم مع أنه على هذا لأعمالهم بأنه للإيذان بتشكلهم بأشكال تناسبها . وأنت تعلم أن الظاهر ظهورهم من أجداثهم ، والعطف على { تُبَدَّلُ } والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع .
وجوز أبو البقاء أن تكون الجملة مستأنفة وأن تكون حالاً من { الارض } بتقدير قد والرابط الواو .
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما { وَبَرَزُواْ } بضم الباء وكسر الراء مشددة ، جعله مبنياً للمفعول على سبيل التكثير باعتبار المفعول لكثرة المخرجين { لِلَّهِ } أي لحكمه سبحانه ومجازاته { الواحد } الذي لا شريك له { القهار } الغالب على كل شيء ، والتعرض للوصفين لتهويل الخطب وتربية المهابة لأنهم إذا كانوا واقفين عند ملك عظيم قهار لا يشاركه غيره كانوا على خطر إذ لا مقاوم له ولا مغيث سواه وفي ذلك أيضاً تحقيق إتيان العذاب الموعود على تقدير كون { يَوْمَ تُبَدَّلُ } بدلاً من { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } [ إبراهيم : 44 ] .
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)
{ وَتَرَى المجرمين } عطف على { بَرَزُواْ } [ إبراهيم : 48 ] . والعدول إلى صيغة المضارع لاستحضار الصورة أو للدلالة على الاستمرار ، وأما البروز فهو دفعي لا استمرار فيه وعلى تقدير حالية { بَرَزُواْ } فهو معطوف على { تُبَدَّلُ } [ إبراهيم : 48 ] وجوز عطف على عامل الظرف المقدم على تقدير كونه ينجزه مثلاً { يَوْمَئِذٍ } يوم إذ برزوا لله تعالى أو يوم إذ تبدل الأرض أو يوم إذ ينجز وعده ، والرؤية إذا كانت بصرية فالمجرمين مفعولها وقوله تعالى : { مُقْرِنِينَ } حال منه ، وإن كانت علمية فالمجرمين مفعولها الأول { مُقْرِنِينَ } مفعولها الثاني . (9/420)
والمراد قرن بعضهم مع بعض وضم كل لمشاركه في كفره وعمله كقوله تعالى : { وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ } [ التكوير : 7 ] على قول ، وفي المثل إن الطيور على أشباهها تقع ، أو قرنوا مع الشياطين الذين أغووهم كقوله تعالى : { فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين } [ مريم : 68 ] الخ أو قرنوا مع ما اقترفوا من العقائد الزائغة والملكات الرديئة والأعمال اليئة غب تصورها وتشكلها بما يناسبها من الصور الموحشة والأشكال الهائلة ، أو قرنوا مع جزاء ذلك أو كتابه فلا حاجة إلى حديث التصور بالصور ، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم وجاء ذلك في بعض الآثار والظاهر أنه على حقيقته .
ويحتمل على ما قيل أن يكون تمثيلاً لمؤاخذتهم على ما تقرفته أيديهم وأرجلهم ، وأصل المقرن بالتشديد من جمع في قرن بالتحريك وهو الوثاق الذي يربط به { فِى الاصفاد } جمع صفد ويقال فيه صفاد وهو القيد الذي يوضع في الرجل أو الغل الذي يكون في اليد والعنق أو ما يضم به اليد والرجل إلى العنق ويسمى هذا جامعة؛ ومن هذا قول سلامة بن جندل :
وزيد الخيل قد لا قى صفادا ... يعض بساعد وبعظم ساق
وجاء صفد بالتخفيف وصفد بالتشديد للتكثير وتقول : أصفدته إذا أعطيته فتأتي بالهمزة في هذا المعنى ، وقيل : صفد وأصفد معاً في القيد والإعطاء ، ويسمى العطاء صفداً لأنه يقيد .
ومن وجد الإحسان قيدا تقييداً .
والجار والمجرور متعلق بمقرنين أو بمحذوف وقع حالاً من ضميره أي مصفدين ، وجوز أبو حيان كونه في موضع الصفة لمقرنين :
سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50)
{ سَرَابِيلُهُم } أي قمصانهم سربال { مّن قَطِرَانٍ } هو ما يحلب من شجر الأبهل فيطبخ وتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بما فيه من الحدة الشديدة وقد تصل حرارته إلى الجوف وهو أسود منتن يسرع فيه اشتعال النار حتى قيل : إنه أسرع الأشياء اشتعالاً . وفي التذكرة أنه نوعان غليظ براق حاد الرائحة ويعرف بالبرقى ، ورقيق كمد ويعرف بالسائل والأول من الشربين خاصة والثاني من الأرز والسدر ونحوهما والأول أجود وهو حار يابس في الثالثة أو الثانية ، وذكر في الزفت أنه من أشجار كالأرز وغيره ، وأنه إن سال بنفسه يقال زفت وإن كان بالصناعة فقطران ، ويقال فيه : قطران بوزن سكران . (9/421)
وروى عن عمر . وعلى رضي الله تعالى عنهما أنهما قرآبه ، وقطران بوزن سرحان ولم نقف على من قرأ بذلك ، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع النصب على الحالية من المجرمين أو من ضميرهم في { مُقْرِنِينَ } [ إبراهيم : 49 ] أو من { مُقْرِنِينَ } نفسه على ما قيل رابطها الضمير فقط كما في كلمته فوه إلى في أو مستأنفه ، وأياً ما كان ففي { سَرَابِيلُهُم } تشبيه بليغ وذلك أن المقصود أنه تطلى جلود أهل النار بالقطران حتى يعود طلاؤه كالسرابيل وكأن ذلك ليجتمع عليهم الألوان الأربعة من العذاب لذعه وحرقه وإسراع النار في جلودهم واللون الموحش والنتن على أن التفاوت بين ذلك القطران وما نشاهده كالتفاوت بين النارين فكان ما نشاهده منهما أسماء مسمياتها في الآخرة فبكرمه العميم نعوذ وبكنفه الواسع نلوذ ، وجوز أن تكون في الكلام استعارة تمثيلية بأن تشبه النفس الملتبسة بالملكات الرديئة كالكفر والجهل والعناد والغباوة بشخص لبس ثياباً من زفت وقطران ، ووجه الشبه تحلى كل منهما بأمر قبيح مؤذ لصاحبه يستكره عند مشاهدته ، ويستعار لفظ أحدهما للآخر ، ولا يخفى ما في توجيه الاستعارة التمثيلية بهذا من المساهلة وهو ظاهر ، على أن القول بهذه الاستعارة هنا أقرب ما يكون إلى كلام الصوفية ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون القطران المذكور عين ما لابسوه في هذه النشأة وجعلوه شعاراً لهم من العقائد الباطلة والأعمال السيئة المستجلبة لفنون العذاب قد تجسدت في النشأة الآخرة بتلك الصورة المستتبعة لاشتداد العذاب ، عصمنا الله تعالى من ذلك بلطفه وكرمه . وأنت تعلم أن التشبيه البليغ على هذا على حاله . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . وأبو هريرة . وعكرمة . وقتادة . وجماعة من { قُرْءانَ } على أنهما كلمتان منونتان أولاهما { *قطر } بفتح القاف وكسر الطاء وهي النحاس مطلقاً أو المذاب منه وثانيتهما { حَمِيمٍ ءانٍ } بوزن عان بمعنى شديد الحرارة .
قال الحسن : قد سعرت عليه جنهم منذ خلقت فتناهى حره { وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } أي تعلوها وتحيط بها النار التي تسعر بأجسادهم المسربلة بالقطران ، ويتخصيص الوجوه بالحكم المذكورة مع عمومه لسائر أعضائهم لكونها أعز الأعضاء الظاهرة وأشرفها كقوله تعالى :
{ أَفَمَنِ * بِهِ مِن سُوء العذاب يَوْمَ القيامة } [ الزمر : 24 ] ولكونها مجمع الحواس والمشاعر التي لم يستعملوها فيما خلقت له من إدراك الحق وتدبره ، وهذا كما تطلع على أفئدتهم لأنها أسرف الأعضاء الباطنة ومحل المعرفة وقد ملؤها بالجهالات أو لخلوها كما قيل : عن القطران المغني عن ذكر غشيان النار ، ووجه تخليتها عنه بأن ذلك لعله ليتعارفوا عند انكشاف اللهب أحياناً ويتضاعف عذابهم بالخزي على رؤوس الأشهاد . وقرىء برفع الوجوه ونصب { النار } كأنه جعل ورود الوجوه على النار غشياناً لها مجازاً . وقرىء { *تغشى } أي تتغشى بحذف إحدى التاءين ، والجملة كما قال أبو البقاء نصب على الحال كالجملة السابقة . (9/422)
وفي الكشف وأفاد العلامة الطيبي أن مقرنين سرابيلهم من قطران تغشى أحوال من مفعول { تَرَى } [ إبراهيم : 49 ] جيء بها كذلك للترقي؛ ولهذا جيء بالثانية جملة اسمية لأن سرابيل القطران الجامعة بين الأنواع الأربعة أفظع من الصفد ، ، وأما تغشى فلتجديد الاستحضار المقصود في قوله تعالى : { وَتَرَى } لأن الثاني أهول؛ والظاهر أن الثانيين منقطعان من حكم الرؤية لأن الأول في بيان حالهم في الموقف إلى أن يكب بهم في النار ، والأخيرين لبيان حالهم بعد دخولها ، وكأن الأول حرك من السامع أن يقول : وإذا كان هذا شأنهم وهم في الموقف فكيف بهم وهم في جهنم خالدون؟ فأجيب بقوله سبحانه : { سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } وأوثر الفعل المضارع في الثانية لاستحضار الحال وتجدد الغشيان حالاً فحالاً ، وأكثر المعربين على عدم الانقطاع .
لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)
{ لّيَجْزِىَ الله } متعلق بمضمر أي يفعل بهم ذلك ليجزي سبحانه { كُلُّ نَفْسٍ } أي مجرمة بقرينة المقام { مَّا كَسَبَتْ } من أنواع الكفر والمعاصي جزاءاً وفاقاً ، وفيه إيذان بأن جزاءهم مناسب لأعمالهم ، وجوز على هذا الوجه كون النفس أعم من المجرمة والمطيعة لأنه إذا خص المجرمون بالعقاب علم اختصاص المطيعين بالثواب ، مع أن عقاب المجرمين وهم أعداؤهم جزاء لهم أيضاً كما قيل : (9/423)
من عاش بعد عدوه ... يوماً فقد بلغ المنا
ويجوز على اعتبار العموم تعلق اللام ببرزوا على تقدير كونه معطوفاً على { تُبَدَّلُ } [ إبراهيم : 48 ] والضمير للخلق ويكون ما بينهما اعتراضاً فلا اعتراض أي برزوا للحساب ليجزي الله تعالى كل نفس مطيعة أو عاصية ما كسبت من خير أو شر { إِنَّ الله سَرِيعُ * الحساب } لأنه لا يشغله سبحانه فيه تأمل وتتبع ولا يمنعه حساب عن حساب حتى يستريح بعضهم عند الاشتغال بمحاسبة الآخرين فيتأخر عنهم العذاب ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد سريع الانتقام ، وذكر المرتضى في درره وجوهاً أخر في ذلك .
هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)
{ هذا بلاغ } أي ما ذكر من قوله سبحانه : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا } [ إبراهيم : 42 ] إلى هنا ، وجوز أن يكون الإشارة إى القرآن وهو المروى عن ابن زيد أو إلى السورة والتذكير باعتبار الخبر وهو { بَلاَغٌ } والكلام على الأول أبلغ فكأنه قيل : هذا المذكور آنفاً كفاية في العظة والتذكير من غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورة الكريمة أو كل القرآن المجيد من فنون العظات والقوارع ، وأصل البلاغ مصدر بمعنى التبليغ وبهذا فسره الراغب في الآية ، وذكر مجيئه بمعنى الكفاية في آية أخرى { لِلنَّاسِ } للكفار خاصة على تقدير اختصاص الإنذار بهم في قوله سبحانه : { وَأَنذِرِ الناس } [ إبراهيم : 44 ] أو لهم وللمؤمنين كافة على تقدير شمولهم أيضاً وإن كان ما شرح مختصاً بالظالمين على ما قيل : { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } عطف على محذوف أي لينصحوا أو لينذروا به أو نحو ذلك فتكون اللام متعلقة بالبلاغ ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف وتقديره ولينذروا به أنزل أو تلى ، وقال الماوردي : الواو زائدة ، وعن المبرد هو عطف مفرد على مفرد أي هذا بلاغ وإنذار ، ولعله تفسير معنى لا إعراب . وقال ابن عطية : أي هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به فجعل ذلك خبراً لهو محذوفاً ، وقيل . اللام لام الأمر ، قال بعضهم : وهو حسن لولا قوله سبحانه : { وَلِيَذَّكَّرَ } فإنه منصوب لا غير ، وارتضى ذلك أبو حيان وقال : إن ما ذكر لا يخدشه إذ لا يتعين عطف { *ليذكر } على الأمر بل يجوز أن يضمر له فعل يتعلق به ، ولا يخفى أنه تكلف . وقرأ يحيى بن عمارة الذراع عن أبيه . وأحمد بن يزيد السلمي { لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ } بفتح الياء والذال مضارع نذر بالشيء إذا علم به قاستعد له قالوا : ولم يعرف لنذر بمعنى علم مصدر فهو كعسى وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها ، وقيل : إنهم استغنوا بأن والفعل عن صريح المصدر ، وفي القاموس نذر بالشيء كفرح علمه فحذره وأنذره بالأمر إنذاراً ونذراً ونذيراً أعلمه وحذره . (9/424)
وقرأ مجاهد . وحميد بتاء مضمومة وكسر الذال { وَلِيَعْلَمُواْ } بالنظر والتأمل بما فيه من الدلائل الواضحة التي هي اهلاك الأمم وإسكان آخرين مساكنهم وغيرهما مما تضمنه ما أشار إليه { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } لا شريك له أصلاً ، وتقديم الإنذار لأنه داع إلى التأمل المستتبع للعلم المذكور { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الالباب } أي ليتذكروا شؤون الله تعالى ومعاملته مع عباده ونحو ذلك فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التي يتصف بها الكفار ويتدرعوا بما يحظيهم لديه عز وجل من العقائد الحقة والأعمال الصالحة . وفي تخصيص التذكر بأولي الألباب اعلاء لشأنهم .
وفي إرشاد العقل السليم أن في ذلك تلويحاً باختصاص العلم بالكفار ودلالة على أن المشار إليه بهذا القوارع المسوقة لشأنهم لا كل السورة المشتملة عليها وعلى ما سيق للمؤمنين أيضاً فإن فيه ما يفيدهم فائدة جديدة ، وللبحث فيه مجال ، وفيه أيضاً أنه حيث كان ما يفيده البلاغ من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة أمراً حادثاً وبالنسبة إلى أولي الألباب الثبات على ذلك عبر عن الأول بالعلم وعن الثاني بالتذكر وروعي ترتيب الوجود مع ما فيه من الختم بالحسنى .
وذكر القاضي بيض الله تاعلى غرة أحواله أنه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب . تكميل الرسل عليهم السلام للناس المشار إليه بالانذار . واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كما لها ما يتعلق بمعرفة الله تعالى المشار إليه بالعلم ، واستصلاح القوة التي هي التدرع بلباس التقوى المشار إليه بالتذكر ، والظاهر أن المراد بأولي الألباب أصحاب العقول الخالصة من شوائب الوهم مطلقاً ، ولا يقدح في ذلك ما قيل : إن الآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وقد ناسب مختتم هذه السورة مفتتحها وكثيراً ما جاء ذلك في سور القرآن حتى زعم بعضهم أن قوله تعالى : { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } معطوف على قوله سبحانه : { لّتُخْرِجَ * الناس } [ إبراهيم : 1 ] وهو من البعد بمكان ، نسأله سبحانه عز وجل أن يمن علينا بشآبيب العفو والغفران . (9/425)
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا } قال ابن عطاء : أراد عليه السلام أن يجعل سبحانه قلبه آمناً من الفراق والحجاب ، وقيل : اجعل بلد قلبي ذا أمن بك عنك { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام } [ إبراهيم : 35 ] من المغوبات الدنية والمشتهيات الحسية .
وقال جعفر رضي الله تعالى عنه : أراد عليه السلام لا تردني إلى مشاهدة الخلة ولا ترد أولادي إلى مشاهدة النبوة ، وعنه أنه قال : أصنام الخلة خطرات الغفلة ولحظات المحبة ، وفي رواية أخرى أنه عليه السلام كان آمناً من عبادة الأصنام في كبره وقد كسرها في صغره لكنه علم أن هوى كل إنسان ضمنه فاستعاذ من ذلك .
وقال الجنيد قدس سره : أي امنعني وبنى أن نرى لأنفسنا وسيلة إليك غير الافتقار ، وقيل : كل ما وقف العارف عليه غير الحق سبحانه فهو صنمه ، وجاء النفس هو الصنم الأكبر { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس * نَّعْبُدَ الاصنام * رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِى } في طريق المجاهدة والخلة ببذل الروح بين يديك { فَإِنَّهُ مِنّى } طينته من طينتي وقلبه من قلبي وروحه من روحي وسره من سري ومشربه في الخلة من مشربي { وَمَنْ عَصَانِى } وفعل ما يقتضي الحجاب عنك { فإنك غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ إبراهيم : 36 ] فلا أدعو عليه وأفوض أمره إليك . قيل : إن هذا منه عليه السلام دعاء للعاصي بستر ظلمته بنوره تعالى ورحمته جل شأنه إياه بإفاضة الكمال عليه بعد المغفرة .
ومن كلام نبينا صلى الله عليه وسلم : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " (9/426)
وفي أسرار التأويل أنه عليه السلام أشار بقوله : { وَمَنْ عَصَانِى } إلى مقام الجمع ولذا لم يقل : «ومن عصاك» ويجوز أن يقال : إنما أضاف عصيانهم إلى نفسه لأن عصيان الخلق للخالق غير ممكن ، وما من دابة الأوربي آخذ بناصيتها فهم في كل أحوالهم مجيبون لداعي ألسنة مشيئته سبحانه وإرادته القديمة ، وسئل عبد العزيز المكي لم لم يقل الخليل ومن عصاك؟ فقال لأنه عظم ربه عز وجل وأجله من أن يثبت أن أحداً يجترىء على معصيته سبحانه وكذا أجله سبحانه من أن يبلغ أحد مبلغ ما يليق بشأنه عز شأنه من طاعته حيث قال { فمن تبعني } { ربنا اني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } قيل : إن من عادة الله تعالى أن يبتلى خليله بالعظائم لينزعه عن نفسه وعن جميع الخليقة لئلا يبقى بينه وبينه حجاب من الحدثان ، فلذا أمر جل شأنه هذا الخليل أن يسكن من ذريته في وادي الحرم بلا ماء ولا زاد لينقطع إليه ولا يعتمد إلا عليه عز وجل ، وناداه باسم الرب طمعا في تربية عياله وأهله بألطافه وايوائهم إلى جوار كرامته { ربنا ليقيموا الصلاة } التي يصل العبد بها إليك ويكون مرآة تجليك { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم } تميل بوصف الإرادة والمحبة ليسلكوهم إليك ويدلوهم عليك ، قال ابن عطاء من انقطاع عن الخلق بالكلية صرف الله تعالى إليه وجوه الخلق وجعل مودته في صدورهم ومحبته في قلوبهم ، وذلك من دعاء الخليل عليه السلام لم قطع أهله عن الخلق والأسباب قال : { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وارزقهم مّنَ الثمرات } قيل : أي ثمرات طاعتك وهي المقامات الرفيعة والدرجات الشريفة .
وقال الواسطي : ثمرات القلوب وهو أنواع الحكمة ورئيس الحكمة رؤية المنة والعجز عن الشكر على النعمة وهو الشكر الحقيقي ولذلك قال : { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } [ إبراهيم : 37 ] أي يعلمون أنه لا يتهيأ لأحد أن يقوم بشكرك وتمرة الحكمة تزيل الأمراض عن القلوب كما أن ثمرة الاشجار تزيل أمراض النفوس . وقيل : أي أرزقهم الأولاد الأنبياء والصلحاء ، وفيه إشارة إلى دعوته بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم المعنى له بقوله : { ربنا وابعث فيهم رسولاً } [ البقرة : 129 ] وأي الثمرات أشهى من أصفى الأصفياء وأتقى الأتقياء وأفضل أهل الأرض والسماء وحبيب ذي العظمة والكبرياء فهو عليه الصلاة والسلام ثمرة الشجرة الإبراهيمية وزهرة رياض الدعوة الخليلية بل هو صلى الله عليه وسلم ثمرة شجرة الوجود . ونور حديقة الكرم واجلود . ونور حدقة كل موجود صلى الله عليه وسلم عليه إلى اليوم المشهود { ربنا انك تعلم ما نخفي وما نعلن } قال الخواص : ما نخفي من حبك وما نعلن من شكرك .
وقال ابن عطاء : ما نخفي من الأحوال وما نعلن من الآداب ، وقيل : ما نخفي من التضرع في عبوديتك وما نعلن من ظاهر طاعتك في شريعتك ، وأيضاً ما نخفى من أسرار معرفتك وما نعلن من وظائف عبادتك ، وأيضاً ما نخفى من حقائق الشوق إليك في قلوبنا وما نعلن في غلبة مواجيدنا بإجراء العبرات وتصعيد الزفرات : (9/427)
وارحمتا للعاشقين تكلفوا ... ستر المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دمائهم ... وكذا دماء البائحين تباح
وإن همو كتموا تحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السحاح
وقال السيد على البندنيجي قدس سره :
كتمت هوى حبيه خوف إذاعة ... فلله كم صب أضربه الذيع
ولكن بدت آثاره من تأوهى ... إذا فاح مسك كيف يخفى له ضوع
{ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَىْء فَى الارض وَلاَ فِى السماء } [ إبراهيم : 38 ] فيعلم ما خفى وما علن { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الابصار } [ إبراهيم : 42 ] قيل : الظالم من تجاوز طوره وتبختر على بساط الأنانية زاعماً أنه قد تضلع من ماء زمزم المحبة واستغرق في لجي بحر الفناء ، توعده الله تعالى بتأخير فضيحته إلى يوم تشخص فيه أبصار سكارى المعرفة والتوحيد وهو يوم الكشف الأكبر حين تبدو أنوار سطوات العزة فيستغرقون في عظمته بحيث لا يقدرون على الالتفات إلى غيره فهناك يتبين الصادق من الكاذب :
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
وقوله سبحانه : { مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء } [ إبراهيم : 43 ] شرح لأحوال أصحاب الأبصار الشاخصة وهم سكارى المبحة على الحقيقة ، قال ابن عطاء في : { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } هذه صفة قلوب أهل الحق متعلقة بالله تعالى لا تقر إلا معه سبحانه ولا تسكن إلا إليه وليس فيها محل لغيره { وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب فَيَقُولُ الذين ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل } طلبوا تدارك ما فات وذلك بتهذيب الباطن والظاهر والانتظام في سلوك الصادقين وهيهات ثم هيهات ، ثم أجيبوا بما يقصم الظهر ويفصم عرى الصبر وهو قوله سبحانه : { أَوَ لَمْ * تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ } [ إبراهيم : 44 ] الآية { يَوْمَ تُبَدَّلُ الارض غَيْرَ الارض والسماوات وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } [ إبراهيم : 48 ] وذلك عند انكشاف أنوار حقيقة الوجود فيظهر هلاك كل شيء إلا وجهه .
وقيل : الإشارة في الآية إلى تبدل أرض قلوب العارفين من صفات البشرية إلى الصفات الروحانية المقدسة بنور شهود جمال الحق وتبدل سموات الأرواح من عجز صفات الحدوث وضعفها عن أنوار العظمة بافاضة الصفات الحقة ، وقيل : تبدل أرض الطبيعة بأرض النفس عند الوصول إلى مقام القلب ، وسماء القلب بسماء السر ، وكذا تبدل أرض النفس بارض القلب ، وسماء السر بسماء الروح ، وكذا كل مقام يعبره السالك يتبدل ما فوقه وما تحته كتبدل سماء التوكل في توحيد الأفعال بسماء الرضا في توحيد الصفات ، ثم سماء الرضا بسماء التوحيد عند كشف الذات
{ وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد } [ إبراهيم : 49 ] بسلاسل السهوات { سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } وهو قطران أعمالهم النتنة { وتغشى } تستر { وُجُوهَهُمْ النار } [ إبراهيم : 50 ] في جهنم الحرمان وسعير الإذلال والاحتجاب عن رب الارباب . { هذا بلاغ لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الالباب } [ إبراهيم : 52 ] وهم علماء الحقيقة وأساطين المعرفة وعشاق الحضرة وأمناء خزائن المملكة ، جعلنا الله تعالى وإياكم ممن ذكر فتذكر وتحقق في مقر التوحيد وتقرر بمنه سبحانه وكرمه . (9/428)
الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1)
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الر } قد تقدم الكلام فيه { تِلْكَ } اختار غير واحد أنه إشارة إلى السورة أي تلك السورة العظيمة الشأن { ءايات الكتاب } الكامل الحقيقي باختصاص اسم الكتاب به على الإطلاق كما يشعر به التعريف أي بعض منه مترجم مستقل باسم خاص فالمراد به جميع القرآن أو جميع المنزل إذ ذاك { وَقُرْءانَ } عظيم الشأن كما يشعر به التنكير { مُّبِينٌ } مظهر في تضاعيفه من الحكم والأحكام أو لسبيل الرشد والغي أو فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام أو ظاهر معانيه أو أمر إعجازه ، فالمبين إما من المتعدي أو اللازم ، وفي جمع وصفي الكتابية والقرآنية من تفخيم شأن القرآن ما فيه حيث أشير بالأول إلى اشتماله على صفات كمال جنس الكتب الإلهية فكأنه كلها ، وبالثاني إلى كونه ممتازاً عن غيره نسيج وحده بديعاً في بابه خارجاً عن دائرة البيان قرآناً غير ذي عوج ونحو هذا فاتحة سورة النمل خلا أنه أخر ههنا الوصف بالقرآنية عن الوصف بالكتابية لما أن الإشارة إلى امتيازه عن سائر الكتب بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيره منها أدخل في المدح لئلا يتوهم من أول الأمر أن امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصة به من غير اشتماله على نعوت كمال سائر الكتب الكريمة وعكس هناك نظراً إلى حال تقدم القرآنية على حال الكتابية قاله بعض المحققين . (9/429)
وجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ؛ وذكر أن تقديمه هنا باعتبار الوجود وتأخيره هناك باعتبار تعلق علمنا لأنا إنما نعلم ثبوت ذلك من القرآن . وتعقب بأن إضافة الآيات إليه تعكر على ذلك إذ لا عهد باشتماله على الآيات . والزمخشري جعل هنا الإشارة إلى ما تضمنته السورة والكتاب وما عطف عليه عبارة عن اسورة . وذكر هناك أن الكتاب إما اللوح وإما السورة . وإما القرآن فآثر ههنا أحد إلا وجه هناك .
قال في الكشف : لأن الكتاب المطلق على غير اللوح أظهر ، والحمل على السورة أوجه مبالغة كما دل عليه أسلوب قوله تعالى : { والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ الحق } [ الرعد : 1 ] وليطابق المشار إليه فإنه إشارة إلى آيات السورة ثم قال : وإيثار الحمل على اتحاد المعطوف والمعطوف عليه في الصدق لأن الظاهر من إضافة الآيات ذلك .
ولما كان في التعريف نوع من الفخامة وفي التنكير نوع آخر وكان الغرض الجمع عرف الكتاب ونكر القرآن ههنا وعكس في النمل وقدم المعرف في الموضعين لزيادة التنويه ولما عقبه سبحانه بالحديث عن الخصوص هنالك قدم كونه قرآناً لأنه أدل على خصوص المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز ، وتعقب تفسير ذلك بالسورة دون جميع القرآن أو المنزل إذ ذاك بأنه غير متسارع إلى الفهم والمتسارع إليه عند الإطلاق ما ذكر وعليه يترتب فائدة وصف الآيات بنعت ما أضيفت إليه من نعوت الكمال لا على جعله عبارة عن السورة إذ هي في الاتصاف بذلك ليست بتلك المرتبة من الشهرة حتى يستغني عن التصريح بالوصف على أنها عبارة عن جميع آياتها فلا بد من جعل تلك إشارة إلى كل واحدة منها ، وفيه من التكلف ما لا يخفى .
ثم إن الزمخشري بعد أن فسر المتعاطفين بالسورة أشار إلى وجه التغاير بينهما بقوله كأنه قيل : الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان ورمز إلى أنه لما جعل مستقلاً في الكمال والغرابة قصد قصدهما فعطف أحدهما على الآخر فالغرض من ذكر الذات في الموضعين الوصفان ، وهذه فائدة إيثار هذا الأسلوب ، ومن هذا عده من عده من التجريد قاله في الكشف . (9/430)
وقال الطيبي بعد أن نقل عن البغوي توجيه التغاير بين المتعاطفين بأن الكتاب ما يكتب والقرآن ما يجمع بعضه إلى بعض ، فإن قلت : رجع المآل إلى أن { الكتاب وَقُرْءانٍ } وصفان لموصوف واحد أقيما مقامه فما ذلك الموصوف وكيف تقديره؟ فإن قدرته معرفة رفعه { الرَ تِلْكَ } وإن ذهبت إلى أنه نكرة أباه لفظ { الكتاب } قلت : أقدره معرفة { الرَ تِلْكَ } في تأويل المعرفة لأن معناه البالغ في الغرابة إلى حد الإعجاز فهو إذاً محدود بل محصور إلى آخر ما قاله ، وهو كلام خال عن التحقيق كما لا يخفى على أربابه ، وقيل : المراد بالكتاب التوراة والإنجيل وبالقرآن الكتاب المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ذلك ابن جرير عن مجاهد . وقتادة ، وأمر العطف على هطا طظاهر جداً إلا أن ذلك نفسه غير ظاهر ، والمراد بالإشارة عليه خفاء أيضاً .
وفي «البحر» أن الإشارة على هذا القول إلى آيات الكتاب وهو كما ترى ثم إنه سبحانه لما بين شأن الآيات لتوجيه المخاطبين إلى حسن تلقي ما فيها من الأحكام والقصص والمواعظ شرع جل شأنه في بيان المتضمن
رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)
{ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ } بما يجب الايمان به { لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } مؤمنين بذلك ، وقيل : المراد كفرهم بالكتاب والقرآن وبكونه من عند الله تعالى وودادتهم الانقياد لحكمه والإذعان لأمره ، وفيه إيذان بأن كفرهم إنما كان بالجحود ، وفيه نظر ، وهذه الودادة يوم القيامة عند رؤيتهم خروج العصاة من النار . (9/431)
أخرج ابن المبارك . وابن أبي شيبة . والبيهقي . وغيرهم عن ابن عباس . وأنس رضي الله تعالى عنهم أنهما تذاكرا هذه الآية فقالا : هذا حيث يجمع الله تعالى بين أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار فيقول المشكرون : ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون فيغضب الله تعالى لهم فيخرجهم بفضل رحمته .
وأخرج الطبراني . وابن مردويه . بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ناساً من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله تعالى أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون : ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم فلا يقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من الناس ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية }
وأخرج غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه . وأبي موسى الأشعري . وأبي سعيد الخدري نحو ذلك يرفعه كل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وروى ذلك عن كثير من السلف الصالح ، فقول الزمخشري : إن القول به باب من الودادة بيت من السفاهة قعيدته عقيدته الشوهاء ، وقال الضحاك : إن ذلك في الدنيا عند الموت وانكشاف وخامة الكفر لهم ، وعن ابن مسعود أن الآية في كفار قريش ودوا ذلك يوم بدر حين رأوا الغلبة للمسلمين ، وفي رواية عنه وعن أناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن ذلك حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار .
وذكر ابن الأنباري أن هذه الودادة من الكفار عند كل حالة يعذب فيها الكافر ويسلم المسلم ، { وَرَبُّ } على كثرة وقوعها في كلام العرب لم تقع في القرآن إلا في هذه الآية ، ويقال فيها رب بضم الراء وتشديد الباء وفتحها ورب بفتح الراء ورب بضمهما وربت بالضم وفتح الباء والتاء وربت بسكون التاء وربت بفتح الثلاثة وربت بفتح الأولين وسكون التاء وتخفيف الباء من هذه السبعة وربتا بالضم وفتح الباء المشددة ورب بالضم والسكون ورب بالفتح والسكون فهذه سبع عشرة لغة حكاها ما عدا ربتا ابن هشام في «المغنى» وحكى أبو حيان إحدى عشر منها ربتا وإذا اعتبر ضم الاتصال بما والتجرد منها بلغت اللغات ما لا يخفى ، وزعم ابن فضالة في الهوامل والعوامل أنها ثنائية الوضع كقد وأن فتح الباء مخففة دون التاء ضرورة وأن فتح الراء مطلقاً شاذ ، وهي حرف جر خلافاً للكوفية .
والأخفش في أحد قوليه . وابن الطراوة زعموا أنها اسم مبني ككم واستدلوا على اسميتها بالأخبار عنها في قوله : (9/432)
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عاراً عليك ورب قتل عار
فرب عندهم مبتدا وعار خبره ، وتقع عندهم مصدراً كرب ضربة ضربت ، وظرفاً كرب يوم سرت ، ومفعولاً به كرب رجل ضربت ، واختار الرضى أسميتها إلا أن إعرابها عنده رفع أبداً على أنها مبتدأ لا خبر له كما اختار ذلك في قولهم : أقل رجل يقول ذلك إلا زيداً ، وقال : إنها إن كفت بما فلا محل لها حينئذ لكونها كحرف النفي الداخل على الجملة ومنع ذلك البصريون بأنها لو كانت اسماً لجاز أن يتعدى إليها الفعل بحرف الجر فيقال برب رجل عالم مررت ، وأن يعود عليها الضمير ويضاف إليها وجميع علامات الاسم منتفية عنها ، وأجيب عن البيت بأن المعروف وبعض بدل رب ، وإن صحت تلك الرواية فعار خبر مبتدأ محذوف أي هو عار كما صرح به في قوله :
يا رب هيجا هي خير من دعه ... والجملة صفة المجرور أو خبره إذ هو في موضع مبتدأ ، ويردّ قياسها على كم كما قال أبو علي : إنهم لم يفصلوا بينها وبين المجرور كما فصلوا بين كم وما تعمل فهي وفي مفادها أقوال . أحدها : أنها للتقليل دائماً وهو قول الأكثرين ، وعد في البسيط منهم الخليل . وسيبويه ، والأخفش . والمازني . والفارسي . والمبرد . والكسائي . والفراء . وهشام . وخلق آخرون . ثانيها : أنها للتكثير دائماً وعليه صاحب العين . وابن درستويه . وجماعة ، وروى عن الخليل . ثالثها : واختاره الجلال السيوطي وفاقاً للفارابي وطائفة أنها للتقليل غالباً والتكثير نادراً . رابعها : عكسه جزم به في التسهيل واختاره ابن هشام في «المغنى» . وخامسها : أنها لهما من غير غلبة لأحدهما نقله أبو حيان عن بعض المتأخرين . سادسها : أنها لم توضع لواحد منهما بل هي حرف إثبات لا يدل على تكثير ولا تقليل وإنما يفهم ذلك من خارج واختاره أبو حيان . سابعها : أنها للتكثير في المباهاة وللتقليل فيما عداه وهو قول لا علم . وابن السيد . ثامنها : أنها لمبهم العدد وهو قول ابن الباذش وابن طاهر وتصدر وجوباً غالباً ، ونحو قوله :
تيقنت أن رب امرىء خيل خائنا ... أمين وخوان يخال أمينا
وقوله :
ولو علم الأقوام كيف خلفتهم ... لرب مفد في القبور وحامد
يحتمل أن يكون كما قال الشمني ضرورة ، وقال أبو حيان : المراد تصدرها على ما تتعلق به فلا يقال : لقيت رب رجل عالم ، وذكروا أنها قد تسبق بألا كقوله :
ألا رب مأخوذ باجرام غيره ... فلا تسأمن هجران من كان أجرما
وبيا صدر جواب شرط غالباً كقوله :
فإن أمس مكروباً فيا رب فتية ...
ومن غير الغالب يا رب كاسية الحديث ولا تجر غير نكرة وأجاز بعضهم جرها المعروف بأل احتجاجاً بقوله : (9/433)
ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بينهن المهار
وأجاب الجمهور بأن الرواية بالرفع وإن صح الجر فأل زائدة ، وفي وجوب نعت مجرورها خلف فقال المبرد . وابن السراج . والفارسي . وأكثر المتأخرين وعزى للبصريين يجب لإجرائها مجرى حرف النفي حيث لا تقع إلا صدراً ولا يقدم عليها ما يعمل في الاسم بعدها ، وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة فالأقيس في مجرورها أن يوصف بجملة لذلك ، وقد يوصف بما يجري مجراها من ظرف أو مجرور أو اسم فاعل أو مفعول وجزم به ابن هشام في «المغني» وارتضاه الرضى ، وقال الأخفش . والفراء . والزجاج . وابن طاهر . وابن خروف . وغيرهم لا يجب وتضمنها القلة أو الكثرة يقوم مقام الوصف واختاره ابن مالك وتبعه أبو حيان ونظر في الاستدلال المذكور بما لا يخفى ، وتجر مضافاً إلى ضمير مجرورها معطوفاً بالواو كرب رجل وأخيه ولا يقاس على ذلك عند سيبويه ، وما حكاه الأصمعي من مباشرة رب للمضاف إلى الضمير حيث قال لأعرابية ألفلان أب أو أخ؟ فقالت : رب أبيه رب أخيه تريد رب أب له رب أخ له تقديراً للانفصال لكون أب وأخ من الأسماء التي يجوز الوصف بها فلا يقاس عليه اتفاقاً ، وتجر ضميراً مفرداً مذكراً يفسره نكرة منصوبة مطابقة للمعنى الذي يقصده المتكلم غير مفصولة عنه؛ وسمع جره في قوله :
وربه عطب أنقذت من عطبه ... على نية من وهو شاذ ، وجوز الكوفية مطابقة الضمير للنكرة المفسرة تثنية وجمعاً وتأنيثاً كما في قوله :
ربها فتية دعوت إلى ما ... يورث الحمد دائماً فأجابوا
والأصح أن هذا الضمير معرفة جرى مجرى النكرة ، واختار ابن عصفور تبعاً لجماعة أنه نكرة وإن جرها إياه ليس قليلاً ولا شاذاً خلافاً لابن مالك ، وإنها زائدة في الإعراب لا المعنى ، وإن محل مجرورها على حسب العامل لا لازم النصب بالفعل الذي بعد أو بعامل محذوف خلافاً للزجاج ومتابعيه في قولهم : بذلك لما يلزم عليه من تعدي الفعل المتعدي بنفسه إلى مفعوله بالواسطة وهو لا يحتاج إليها فيعطف على محله كما يعطف على لفظه كقوله :
وسن كسنيق سناء وسنما ... ذعرت بمد لاح الهجير نهوض
وأنها تتعلق كمسائر حروف الجر وقال الرماني وابن طاهر لا تتعلق كالحرف الزائدة وأن التعلق بالعامل الذي يكون خبر لمجرورها أو عاملاً في موضعه أو مفسراً له قاله أبو حيان ، وقال ابن هشام قول الجمهور أنها معدية للعامل أن أرادوا المذكور فخطأ إنه يتعدى بنفسه أو محذوفاً يقدر بحصل ونحوه كما صرح به جماعة ففيه تقدير ما معنى الكلام مستغنى عنه ولم يلفظ به في وقت ، ثم على التعليق قال لكذة : حذفه لحن ، والخليل وسيبويه نادر كقوله :
ودوية قفر تمشي نعامها ... كمشي النصارى في خفاف اليرندج (9/434)
أي قطعتها ويرد ليكذة هذا وقولهم : رب رجل قائم ورب ابنة خير من ابن ، وقوله :
ألا رب من تغتشه لك ناصح ... وموتمن بالغيب غير أمين
والفارسي . والجزولي كثير وبه جزم ابن الحاجب . ورابعها : واجب كما نقله صاحب البسيط عن بعضهم وخامسها : ونقل عن ابن أبي الربيع يجب حذفه إن قامت الصفة مقامه وإلا جاز الأمر أن سواء كان دليل أم لا؟ ويجب عند المبرد . والفارسي . وابن عصفور ، وهو المشهور كما قال أبو حيان : ورأى الأكثرين كونه ماضياً معنى ، وقال ابن السراج : يأتي حالاً ، وابن مالك يأتي مستقبلاً واختاره في «البحر» إلا أنه قال بقلته وكثرة وقوع الماضي ، وأنشد له قول سليم القشيري :
ومعتصم بالجبن من خشية الردى ... سيردى وغاز مشفق سيؤب
وقول هند :
يا رب قائلة غدا ... يا لهف أم معاوية
وجعل كابن مالك الآية من ذلك وتأولها الأكثرون بأنه وضع فيها المضارع موضع الماضي على حد { ونفخ في الصور } [ الكهف : 99 ] وتعقبه ابن هشام بأن فيه تكلفاً لاقتضائه أن الفعل المستقبل عبر به عن ماض متجوز به عن المستقبل ، وأجاب الشمني بأنه لا تكلف فيه لأنهم قالوا : إن هذه الحالة المستقبلة جعلت بمنزلة الماضي المتحقق فاستعمل معها ربما المختصة بالماضي وعدل إلى لفظ المضارع لأنه كلام من لا خلاف في اخباره فالمضارع عنده بمنزلة الماضي فهو مستقبل في التحقيق ماض بحسب التأويل وهو كما ترى ، وعن أبي حيان أنه أجاب عن بيت هند بأنه من باب الوصف بالمستقبل لا من باب تعلق ربما بما بعدها وهو نظير قولك ، رب مسيء اليوم يحسن غداً أي رب رجل يوصف بهذا الوصف وتأول الكوفيون كما في المطول الآية بأنها بتقدير كان أي ربما كان يود الذين كفروا فحذف لكثرة استعمال كان بعد ربما ، وضعف ذلك أبو حيان بأن هذا ليس من مواضع إضمار كان ، وفي «جمع الجوامع» وشرحه أن ما تزاد بعد رب فالغالب الكف وإيلائها حينئذ الفعل الماضي لأن التكثير أو التقليل إنما يكون فيما عرف حده والمستقبل مجهول كقوله :
ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات
وقد يليها المضارع { أَشْرَكُواْ يَوَدُّ } الآية وقد يليها الجملة الاسمية نحو :
ربما الجامل المؤبل فيهم ... وقد لا تكف نحو :
ربما ضربة بسيف صقيل ... بين بصري وطعنة نجلاء
وقيل : يتعين بعدها الفعلية إذا كفت وإليه ذهب الفارسي وأول البيت على أن ما نكرة موصوفة بجملة حذف مبتدأها أي رب شيء هو الجامل ، وقد يحذف الفعل بعدها كقوله :
فذلك أن يلق الكريهة يلقها ... حميداً وأن يستغن يوماً فربما
وقد تلحق بها ما ولا تكف كقوله :
ماوى يا ربتما غارة ... شعواء كالكية بالميسم (9/435)
انتهى .
وبنحو تأويل الفارسي البيت أول بعضهم الآية فقال : إن { مَا } نكرة موصوفة بجملة { يَوَدُّ } إلى آخره والعائد محذوف ، والفعل المتعلق به رب محذوف أي رب شيء يوده الذين كفروا تحقق وثبت ونحوه قول ابن أبي الصلت :
ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال
والتزم كون المتعلق محذوفاً لأنها حينئذ لا يجوز تعلقا بيود ولا بد لها من فعل تتعلق به على ما صححه جمع ، وأما على ما اختاره الرضى من كونها مبتدأ لا خبر هل والمعنى قليل أو كثير وداد الذين كفروا فلا حاجة إليه ، وهذا التأويل على ما قال السمرقندي أحد قولي البصريين ، وتعقبه العلامة التفتازاني بأنه لا يخفى ما فيه من التعسف وبتر النظ الكريم أي قطع { لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } عما قبله ، ووجه التعسف أن المعنى على تقليل أو تكثير ودادهم لا على تقليل أو تكثير شيء إلا أن يراد رب شيء يودونه من حيث إنهم يودونه ، والمختر عندي ما اختاره أبو حيان وكذا صاحب اللب من أن رب تدخل على الماضي والمضارع إلا أن دخولها على الماضي أكثر ، ومن تتبع أشعار العرب رأى فيها مما دخلت فيه على المضارع ما يبعد ارتكاب التأويل معه كما لا يخفى على المنصف المتتبع واختلفوا في مفادها هنا فذهب جمع كثير إلى أنه التقليل وهو ظاهر أكثر الآثار حيث دلت على أن ودادهم ذلك عند خروج عصاة المسلمين من جهنم وبقائهم فيها . نعم زعم بعضهم أن الحق أن ما فيها محمول على شدة ودادهم إذ ذاك وأن نفس الوداد ليس مختصاً بوقت دون وقت بل هو متقرر مستمر في كل آن يمر عليهم .
ووجه الزمخشري الاتيان بأداة التقليل على هذا بأنه وارد على مذهب العرب في قولهم : لعلك ستندم على فعلك وربما ندم الإنسان على ما فعل ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكاً فيه أو قليلاً لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المطنون كما يتحرزون من التعرض للغم المتيقن ومن القليل منه كما من الكثير ، وكذلك المعنى في الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة بالبحري أن يسارعوا إليه فكيف وهم يودونه في كل ساعة اه .
والكلام عليه على ما قيل من الكناية الإيمامية وفي لك من المبالغة ما لا يخفى ، قال ابن المنير : لا شك أن العرب تعبر عن المعنى بما يؤدي عكس مقصوده كثيراً ، ومنه والله تعالى أعلم { قَدْ * تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ } [ الصف : 5 ] المقصود منه توبيخهم على أذاهم لموسى عليه السلام على توفر علمهم برسالته ومناصحته لهم ، وقوله :
قد أترك القرن مصفراً أنامله ... / فإنه إنما يتمدح بالإكثار من ذلك وقد عبر بقد المفيدة للتقليل ، وقد اختلف توجيه علماء البيان لذلك فمنهم من وجهه بما ذكر عن الزمخشري من التنبيه بالأدنى على الأعلى ، ومنهم من وجهه بأن المقصود في ذلك الإيذان بأن المعنى قد بلغ الغاية حتى كاد أن يرجع إلى الضد وذلك شأن كل ما بغل نهايته أن يعود إلى عكسه ، وقد أفصح المتنبي عن ذلك بقوله : (9/436)
ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمنتهى ومن السرور بكاء
وكلا الوجهين يحمل الكلام على المبالغة بنوع من الإيقاظ إليها ، والعمدة في ذلك على سياق الكلام لأنه إذا اقتضى مثلاً تكثيراً فدخلت فيه عبارة يشعر ظاهرها بالتقليل استيقظ السامع لأن المراد المبالغة على إحدى الطريقتين المذكورتين ، وقال في الكشف : الأصل في هذا الباب أن استعارة أحد الضدين للآخر تفيد المبالغة للتعكيس ولا تختص بالتهكم والتمليح على ما يوهمه ظاهر لفظ صاحب المفتاح في موضع فهو الذي عد المفازة من هذا القبيل لقصد التفاؤل قم قد يختص موقعها بفائدة زائدة كما ذكره الزمخشري في هذا المقام ، وليس في ذلك كناية إيمائية وإنما ذلك من فوائد هذه الاستعارة وسيجيء إن شاء الله تعالى فيه كلام أتم بسطاً في سورة التكوير اه .
والحق أنه لا مانع من القول بالكناية الإيمائية كما لا يخفى ، وقيل؛ إن التقليل بالنسبة إلى زمان ذهاب عقلهم من الدهشة بمعنى أنه تدهشهم أهوال القيامة فيبهتون فإن وجدت منهم إفاقة ما تمنوا ذلك ، وظاهر صنيع العلامة التفتازاني في المطول اختياره ، وجوز أن تكو مستعارة للتكثير والقول بالاستعارة له لا يحتاج إليه على القول المحكي عن صاحب العين ومن معه حسبما سمعت ، وذكر ابن الحاجب أنها نقلت من التقليل إلى التحقيق كما نقلوا قد إذا دخلت على المضارع منه إليه . ومفعول { يَوَدُّ } محذوف أي الإسلام بدلالة { لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } بناءاً على أن { لَوْ } للتمني والجملة في موقع الحال أي قائلين لو كانوا مسلمين ، وتقدير المفعول ما ذكرنا هو الذي ذهب إليه غير واحد ، وقال الشهاب : تقديره النجاة ولا ينبغي تقديره الإسلام لأنه يصير تقديره يودوا الإسلام لو كانوا مسلمين وهو حشو وفيه نظر .
وقال صاحب الفرائد : إن { لَّوْ كَانُواْ } إلى آخره منزل منزلة المفعول . وتعقب بأنه غير ظاهر إذ ليس ذلك مما يعمل في الجمل إلا أن يكون بمعنى ذكروا التمني ويجري مجرى القول على مذهب بعض النحاة . والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك : حلف بالله تعالى ليفعلن ولو قلت لأفعلن لجاز ، وعلى ذلك جاز قوله تعالى : { تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيّتَنَّهُ } [ النمل : 49 ] بالنون والياء وإيثار الغيبة أكثر لئلا يلبس والتعليل بقلة التقدير ليس بشيء كما كشف ذلك في الكشف ، وأنكر قوم ورود { لَوْ } للتمني ، وقالوا ليست قسماً برأسها وإنما هي الشرطية أشربت معنى التمني وعلى الأول الأصح لا جواب لها على الأصح .
وقد نص على ذلك ابن الضائع وابن هشام الخضراوي ، ونقل أنهما قالا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط سهو؛ وذكر أبو حيان أن الذي يظهر أنها لا بد لها من جواب لكنه التزم حذفه لإشرابها معنى التمني لأنه متى أمكن تقليل القواعد وجعل الشيء من باب المجاز كان أولى من تكثير القواعد وادعاء الاشتراك لأنه يحتاج إلى وضعين والمجاز ليس فيه إا وضع واحد وهو الحقيقة ، وقيل : إنها هنا امتناعية شرطية والجواب محذوف تقديره لفازوا ومفعول { يَوَدُّ } ما علمت ، وزعم بعضهم مصدريتها فيما إذا وقعت بعدما يدل على التمني فالمصدر حينئذٍ هو المفعول وهو على القول بأن { مَا } نكرة موصوفة بدل منها كما في «البحر» . وقرأ عاصم . ونافع { رُّبَمَا } بتخفيف الباء وعن أبي عمرو التخفيف والتشديد ، وقرأ طلحة بن مصرف وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ربتما بزيادة تاء هذا ، وإنما أطنبت الكلام في هذه الآية لا سيما فيما يتعلق برب لما أنه قد جرى لي بحث في ذلك مع بعض العظاميين فأبان عن جهل عظيم وحمق جسيم ، ورأيته ورب الكعبة أجهل من رأيت من صغار الطلبة برب نعم له من العظاميين أمثال أصمهم الله تعالى وأعمى بالهم وقللهم ولا أكثر أمثالهم . (9/437)
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)
{ ذَرْهُمْ } أي اتركهم وقد استغنى غالباً عن ماضيه بماضيه وجاء قليلاً وذر ، وفي الحديث " ذروا الحبشة ما وذروكم " والمراد من الأمر التخلية بينهم وبين شهواتهم إذ لم تنفعهم النصيحة والأنذار كأنه قيل : خلهم وشأنهم { يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } بدنياهم ، وفي تقديم الأكل إيذان بأن تمتعهم إنما هو من قبيل تمتع البهائم بالمآكل والمشارب ، والفعل وما عطف عليه مجزوم في جواب الأمر ، وأشار في الكشاف أن المراد المبالغة في تخليتهم حتى كأنه عليه السلام أمر أن يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندماً ، ووجهه المدقق صاحب الكشف فقال : أريد الأمر من حيث المعنى لأنه جعل أكلهم وتمتعهم الغاية المطلوبة من الأمر بالتخلية ، والغايات المطلوبة إن صح الأمر بها كانت مأموراً بها بنفس الأمر وأبلغ من صريحه فإذا قلت : لازم سدة العالم تعلم منه ما ينجيك في الآخرة كان أبلغ من قولك : لازم وتعلم لأنك جعلت الأمر وسيلة الثاني فهو أشد مطلوبية وإن لم يصح جعلت مأموراً بها مجازاً كقولك : اسلم تدخل الجنة ، وما نحن فيه لما جعل غاية الأمر على التجوز صار مأموراً به على ما أرشدت إليه اه ، وهو من النفاسة بمكان ، وظن أن انفهام الأمر من تقدير لامه قبل الفعل من بعض الأمر ، وما في «البحر» من أنه إذا جعل { ذَرْهُمْ } أمراً بترك نصيحتهم وشغل باله صلى الله عليه وسلم بهم لا يترتب عليه الجواب لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء ترك نصيحتهم أم لا وقوف في ساحل التحقيق كما لا يخفى على من غاص في لجة المعاني فاستخرج درر الأسرار واستظهر أنه أمر بترك قتالهم وتخلية سبيلهم وموادعتهم ثم قال : ولذلك صح أن يكون المذكور جواباً لأنه عليه الصلاة والسلام لو شغلهم بالقتال ومصالتة السيوف وإيقاع الحروب ما هنأهم أكل ولا تمتع ويدل على ذلك أن السورة مكية وهو كما ترى . (9/438)
ثم المراد على ما قيل دوامهم على ما هم عليه لا إحداث ما ذكر أو تمتعهم بلا استمتاع ما ينغص عيشهم والتمتع كذلك أمر حادث يصلح أن يكون مرتباً على تخليتهم وشأنهم فتأمل { وَيُلْهِهِمُ الامل } ويشغلهم التوقع لطول الأعمار وبلوغ الأوطار واستقامة الأحوال وأن لا يلقوا إلا خيراً في العاقبة والمآل عن الإيمان والطاعة أو عن التفكر فيما يصيرون إليه { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه وخامة عاقبته أو حقيقة الحال التي ألجأتهم إلى التمني .
وظاهر كلام الأكثرين أن المراد علم ذلك في الآخرة ، وقيل : المراد سوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدنيا من الذل والقتل والسبي وفي الآخرة من العذاب السرمدي ، وهذا كما قيل مع كونه وعيداً أيما وعيد وتهديد غب تهديد تعليل للأمر بالترك ، وفيه إلزام الحجة ومبالغة في الإنذار إذ لا يتحقق الأمر بالضد حسبما علمت إلا بعد تكرر الإنذار وتقرر الجحود والإنكار ومن أنذر فقد أعذر ، وكذلك ما ترتب عليه من الأكل وما بعده ، وفي الآية إشارة إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للآخرة والتأهب لها ليس من أخلاق من يطلب النجاة ، وجاء عن الحسن ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل .
/ وأخرج أحمد في الزهد . والطبراني في الأوسط . والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا أعلمه إلا رفعه قال : صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك أخرها بالبخل والأمل . (9/439)
وفي بعض الآثار عن علي كرم الله تعالى وجهه إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمر واتباع الهوى فإن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق .
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4)
{ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ } أي قرية من القرى بالخسف بها وبأهلها الكافرين كما فعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها بعد إهلاكهم كما فعل بآخرين { إِلاَّ وَلَهَا } في ذلك الشأن { كِتَابٌ } أجل مقدر مكتوب في اللوح { مَّعْلُومٌ } لا ينسى ولا يغفل عنه حتى يتصور التخلف عنه بالتقدم والتأخر ، وهذا شرع في بيان سر تأخير عذابهم . و { كِتَابٌ } مبتدأ خبره الظرف والجملة حال من { قَرْيَةٌ } ولا يلزم تقدمها لكون صاحبها نكرة لأنها واقعة بعد النفي وهو مسوغ لمجىء الحال لأنه في معنى الوصف لا سيما وقد تأكد بكلمة { مِنْ } والمعنى ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا حال أن يكون لها كتاب معلوم لا نهلكها قبل بلوغه ولا نغفل عنه ليمكن مخالفته ، أو مرتفع بالظرف والجملة كما هي حال أيضاً أي ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها في حق إهلاكها أجل مقدر لا يغفل عنه . (9/440)
وقال الزمخشري الجملة صفة لقرية والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } [ الشعراء : 208 ] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال : جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب ، ووافقه على ذلك أبو البقاء ، وتعقبه في «البحر» بأنا لا نعلم أحداً قاله من النحاة ، وهو مبني على أن ما بعد إلا يجوز أن يكون صفة ، وقد صرح الأخفش . والفارسي بمنع ذلك ، وقال ابن مالك : إن جعل ما بعد إلا صفة لما قبلها مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي فلا يلتفت إليه وأبطل القول بأن الواو توسطت لتأكيد اللصوق .
ونقل عن منذر بن سعيد أن هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو ، ومنه قوله تعالى : { حتى إِذَا * جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها } [ الزمر : 73 ] واعتذر السكاكي بأن ذلك سهو ولا عيب فيه ، ولم يرض بذلك صاحب الكشف وانتصر للزمخشري فقال : قد تكرر هذا المعنى منهم في هذا الكتاب فلا سهو كما اعتذر صاحب المفتاح ، وإذا ثبت إقحام الواو كما عليه الكوفيون والقياس لا يدفعه لثبوته في الحال وفيما أضمر بعده الجار في نحو بعت الشاء شاة ودرهما وكم وكم ، وهذه تدل على أن الاستعارة شائعة في الواو نوعية بل جنسية فلا نعتبر النقل الخصوصي ولا يكون من إثبات اللغة بالقياس لثبوت النقل عن نحارير الكوفة واعتضاده بالقياس ، والمعنى ولا يبعد من صاحب المعاني ترجيح المذهب الكوفي إذا اقتضاه المقام كما رجحوا المذهب التميمي على الحجازي في باب الاستثناء عنده ، ولا خفاء أن المعنى على الوصف أبلغ وأن هذا الوصف ألصق بالموصوف منه في قوله تعالى :
{ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } [ الشعراء : 208 ] لأنه لازم عقلي وذلك عادي جرى عليه سنة الله تعالى اه . (9/441)
وفي «الدر المصون» أنه قد سبق الزمخشري إلى ما قاله ابن جني وناهيك به من مقتدي .
قال بعض المحققين : إن الموصوف ليس القرية المذكورة وإنما هو قرية مقدرة وقعت بدلاً من المذكورة على المختار فيكون ذلك بمنزلة كون الصفة لها أي ما أهلكنا قرية من القرى إلا قرية لها كتاب معلوم كما في قوله تعالى : { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } [ الغاشية : 6 ، 7 ] فإن { لاَّ يُسْمِنُ } الخ صفة لكن لا للطعام المذكور لأنه إنما يدل على انحصار طعامهم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في الضريع ، وليس المراد ذلك بل للطعام المقدر بعد { إِلا } أي ليس لهم طعام من شيء من الأشياء إلا طعام لا يسمن الخ فليس هناك الفصل بين الموصوف والصفة بإلا ، وأما توسيط الواو وإن كان القياس عدمه فللإيذان بكمال الاتصال انتهى . ولا يخفى أنه لم يأت في أمر التوسيط بما يدفع عنه القال والقيل ، وما ذكره من تقدير الموصوف بعد إلا يدفع حديث الفصل لكن نقل أبو حيان عن الأخفش أنه قال بعد منع الفصل بين الصفة والموصوف بإلا : ونحو ما جاءني رجل إلا راكب تقديره إلا رجل راكب ، وفيه قبح لجعلك الصفة كالاسم ، ولعل الجواب عن هذا سهل . وقرأ ابن أبي عبلة { إِلاَّ لَهَا } بإسقاط الواو ، وهو على ما قيل يؤيد القول بزيادتها ، ولما بين سبحانه أن الأمم المهلكة كان لكل منهم وقت معين لهلاكهم وأنه لم يكن إلا حسبما كان مكتوباً في اللوح بين جل شأنه أن كل أمة من الأمم منهم ومن غيرهم لهم كتاب لا يمكن التقدم عليه ولا التأخر عنه فقال عز قائلاً :
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5)
{ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ } من الأمم المهلكة وغيرهم فمن مزيدة للاستغراق ، وقيل : إنها للتبعيض وليس بذاك { أَجَلُهَا } المكتوب في كتابها أي لا يجىء هلاكها قبل مجىء كتابها أو لا تمضي أمة قبل مضي أجلها ، فإن السبق كما نقل الإمام عن الخليل إذا كان واقعاً على زماني فمعناه المجاوزة والتخليف فإذا قلت : سبق زيد عمراً فمعناه أنه جاوزه وخلفه وراءه وإن عمراً قصرا عنه ولم يبلغه وإذا كان واقعاً على زمان كان على عكس ذلك فإذا قلت سبق فلان عام كذا كان معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه؛ والسر في ذلك على ما في إرشاد العقل السليم أن الزمان يعتبر فيه الحركة والتوجه فما سبقه يتحقق قبل تحققه وأما الزماني فإنما يعتبر فيه الحركة والتوجه إلى ما سيأتي من الزمان فالسابق ما تقدم إلى المقصد ، وإيراده بعنوان الأجل باعتبار ما يقتضيه من السبق كما أن إيراده بعنوان الكتاب باعتبار ما يوجبه من الإهلاك { وَمَا يَسْتَخِرُونَ } أي وما يتأخرون . (9/442)
وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له ، وإيثار صيغة المضارع في الفعلين بعدما ذكر نفي الإهلاك بصيغة الماضي لأن المقصود بيان دوامهما فيما بين الأمم الماضية والباقية ، وله نظائر في كتاب الكريم وإسنادهما إلى الأمة بعد إسناد الإهلاك إلى القرية لما أن السبق والاستئخار حال الأمة بدون القرية مع ما في الأمة من العموم لأهل تلك القرى وغيرهم ممن أخرت عقوباتهم إلى الآخرة ، وتأخير عدم سبقهم مع كون المقام مقام المبالغة في بيان تحقق عذابهم إما باعتبار تقدم السبق في الوجود وإما باعتبار أن المراد بيان سر تأخير عذابهم مع استحقاقهم لذلك ، وأورد الفعل على صيغة جمع المذكر رعاية لمعنى { أُمَّةٍ } مع التغليب كما روعي لفظها أولاً مع رعاية الفواصل ولهذا حذف الجار والمجرور ، والجملة مبينة لما سبق ولذا فصلت ، والمعنى أن تأخير عذابهم إلى يوم الودادة حسبما أشير إليه إنما هو لتأخير أجلهم المقدر لما يقتضيه من الحكم ومن جملة ذلك ما علم الله تعالى من إيمان بعض من يخرج منهم قاله شيخ الإسلام . واستدل بالآية على أن كل من مات أو قتل فإنما هو ميت بأجله وقد بين ذلك الإمام .
وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)
{ وَقَالُواْ } شروع في بيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب المتضمن للكفر به وبيان ما يؤول إليه حالهم ، والقائل أهل مكة قال مقاتل : نزلت الآية في عبد الله بن أمية . والنضر بن الحرث . ونوفل بن خويلد . والوليد بن المغيرة وهم الذين قالوا له صلى الله عليه وسلم : { وَقَالُواْ يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } أي القرآن ، وخاطبوه عليه الصلاة والسلام بذلك مع أنهم الكفرة الذين لا يعتقدون نزول شيء استهزاءً وتهكماً وإشعاراً بعلة حكمهم الباطل في قولهم : { إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } يعنون يا من يدعي مثل هذا الأمر العظيم الخارق للعادة إنك بسبب تلك الدعوى متحقق جنونك على أتم وجه ، وهذا كما يقول الرجل لمن يسمع منه كلاماً يستبعده : أنت مجنون ، وقيل : حكمهم هذا لما يظهر عليه عليه الصلاة والسلام من شبه الغشي حين ينزل عليه الوحي بالقرآن ، والأول على ما قيل هو الأنسب بالمقام ، وذهب بعضهم إلى أن المقول الجملة المؤكدة دون النداء أما هو فمن كلام الله تعالى تبرئة له عليه الصلاة والسلام عما نسبوه إليه من أول الأمر . وتعقب بأنه لا يناسب قوله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر : 9 ] الخ فإنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى رد لإنكارهم واستهزائهم ، وقد يجاب بأن ذلك على هذا رد لما عنوه في ضمن قولهم المذكور لكن الظاهر كون الكل كلامهم . وقد سبقهم إلى نظيره فرعون عليه اللعنة بقوله في حق موسى عليه السلام : { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء : 27 ] وتقديم الجار والمجرور على نائب الفاعل كما قيل لأن إنكارهم متوجه إلى كون النازل ذكراً من الله تعالى لا إلى كون المنزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تسليم كون النازل منه تعالى كما في قوله سبحانه : { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] فإن الإنكار هناك متوجه إلى كون المنزل عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام . (9/443)
وإيراد الفعل على صيغة المجهول لإيهام أن ذلك ليس بفعل له فاعل أو لتوجيه الإنكار إلى كون التنزيل عليه لا إلى إسناده إلى الفاعل . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما نزل عليه الذكر بتخفيف { نَزَّلَ } مبنياً للفاعل ورفع { الذكر } على الفاعلية ، وقرىء { وَقَالُواْ يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } . قال أبو حيان : وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسيراً لمخالفتها سواد المصحف .
لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7)
{ أَوْ تَأْتِينَا } كلمة { *لوما } كلولا تستعمل في أحد معنيين امتناع الشيء لوجود غيره والتحضيض وعند إرادة الثاني منها لا يليها إلا فعل ظاهر أو مضمر وعند إرادة الأول لا يليها إلا اسم ظاهر أو مقدر عند البصريين ، ومنه قول ابن مقبل : (9/444)
لوما الحياة ولوما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى
وعن بعضهم أن الميم في { *لوما } بدل من اللام في لولا ، ومثله استولى واستومى وخاللته وخالمته فهو خلي وخلمي أي صديقي . وذكر الزمخشري أن { عَلَيْهِمْ لَوْ } تركب مع لا وما لمعنيين وهل لا تركب إلا مع لا وحدها للتحضيض ، واختار أبو حيان فيهما البساطة وأن الميم ليست بدلاً من اللام ، وقال المالقي : أن { *لوما } لا ترد إلا للتحضيض وهو محجوج بالبيت السابق ، وأياً ما كان فالمراد هنا التحضيض أي هلا تأتينا { بالملئكة } يشهدون لك ويعضدونك في الإنذار كقوله تعالى حكاية عنهم : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } [ الفرقان : 7 ] أو يعاقبون على تكذيبك كما كانت تأتي الأمم المكذبة لرسلهم { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في دعواك أن قدرة الله تعالى على ذلك مما لا ريب فيه وكذا احتياجك إليه في تمشية أمرك إذ لا نصدقك في ذلك الأمر الخطير بدونه أو إن كنت من جملة تلك الرسل الصادقين الذين عذبت أممهم المكذبة لهم .
مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8)
{ مَا نُنَزّلُ الملائكة } بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة من التنزيل ، وهي قراءة حفص . والأخوين . وابن مصرف ، وقرأ أبو بكر عن عاصم . ويحيى بن وثاب { تَنَزَّلُ الملائكة } بضم التاء وفتح النون والزاي مبنياً للمفعول ورفع { الملائكة } على النيابة عن الفاعل وقرأ الحرميان وباقي السبعة { تَنَزَّلُ الملائكة } بفتح التاء والزاي على أن الأصل { تَتَنَزَّلُ } بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفاً ورفع الملائكة على الفاعلية وإبقاء الفعل على ظاهره أولى من جعله بمعنى تنزل الثلاثي . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { مَّا نَزَّلَ } ماضياً مخففاً مبنياً للفاعل ورفع الملائكة على الفاعلية . والبيضاوي بنى تفسيره على أن الفعل ينزل بالياء التحتية مبنياً للفاعل وهو ضمير الله تعالى و { الملائكة } بالنصب على أنه مفعوله ، واعترض عليه أنه لم يقرأ بذلك أحد من العشرة بل لم توجد هذه القراءة في الشواذ وهو خلاف ما سلكه في تفسيره ، ولعله رحمه الله تعالى قدسها . وهذا الكلام مسوق منه سبحانه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم جواباً لهم عن مقالتهم المحكية ورداً لاقتراحهم الباطل الصادر عن محض التعصب والعناد ، ولشدة استدعاء ذلك للجواب قدم رده على ما هو جواب عن أولها أعني قوله سبحانه : { إِنَّا نَحْنُ } [ الحجر : 9 ] الخ والعدول عن تطبيقه لظاهر كلامهم بصدد الاقتراح بأن يقال مثلاً ما تأتيهم بهم للإيذان بأنهم قد أخطأوا في الاقتراح وأن الملائكة لعلو رتبتهم أعلى من أن ينسب إليهم مطلق الإتيان الشامل للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها بل من الأسفل إلى الأعلا وأن يكون مقصد حركاتهم أولئك الكفرة وأن يدخلوا تحت ملكوت أحد من البشر وإنما الذي يليق بشأنهم النزول من مقامهم العالي وكون ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل قاله شيخ الإسلام . (9/445)
وقيل : لعل هذا جواب لما عسى أن يخطر بخاطره الشريف عليه الصلاة والسلام حين طلبوا منه الإتيان بالملائكة من سؤال التنزيل رغبة في إسلامهم فيكون وجه ذكر التنزيل ظاهراً وهو غير ظاهر كما لا يخفى .
{ إِلاَّ بالحق } أي إلا تنزيلاً ملتبساً بالوجه الذي اقتضته الحكمة فالباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الصفة للمصدر المحذوف مستثنى استثناءً مفرغاً ، وجوز فيه الحالية من الفاعل والمفعول . وجوز أبو البقاء أن تكون الباء للسببية متعلقة بننزل وإليه يشير كلام ابن عطية الآتي إن شاء الله تعالى والأول أولى ومقتضى الحكمة التشريعية والتكوينية على ما قيل أن تكون الملائكة المنزلون بصور البشر وتنزيلهم كذلك يوجب اللبس كما قال الله تعالى : { وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } [ الأنعام : 9 ] وهذا إشارة إلى نفي ترتب الغرض وعدم النفع في ذلك ، وقوله تعالى : { وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } إشارة إلى حصول الضرر وترتب نقيض المطلوب وكأنه عطف على مقدر يقتضيه الكلام السابق كأنه قيل : ما ننزل الملائكة عليهم إلا بصور الرجال لأنه الذي تقتضيه الحكمة فيحصل اللبس فلا ينتفعون وما كانوا إذا أنزلناهم منظرين أي ويتضررون بتنزيلهم لأنها نهلكهم لا محالة ولا نؤخرهم لأنه قد جرت عادتنا في الأمم قبلهم أنا لم نأتهم بآية اقترحوها إلا والعذاب في أثرها إن لم يؤمنوا وقد علمنا منهم ذلك؛ والمقصود نفى أن يكون لاقتراحهم الإتيان بهم وجه على أتم وجه بالإشارة إلى عدم نفعه أولاً والتصريح بضرره ثانياً ، وقيل : يقدر المعطوف عليه لا يؤمنون كأنه قيل : ما ننزل الملائكة إلا بصور البشر لاقتضاء الحكمة ذلك فلا يؤمنون وما كانوا إذاً منظرين ، وفي النفس من هذا ومما قبله شيء .
وقال بعض المحققين : إن المعنى ما ننزل الملائكة إلا ملتبساً بالوجه الذي يحق ملابسة التنزيل به مما تقتضيه الحكمة وتجري به السنة الإلهية ، والذي اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم هم ومنزلتهم في الحقائق منزلتهم مما لا يكاد يدخل تحت الصحة والحكمة أصلاً فإن ذلك من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يفتح على غير الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من أفراد كل المؤمنين فكيف على أمثال أولئك الكفرة اللئام ، وإنما الذي يدخل في حقهم تحت الحكمة في الجملة هو التنزيل للتعذيب والاستئصال كما فعل بأضرابهم من الأمم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة وما كانوا إذاً مؤخرين كدأب سائر الأمم المكذبة المستهزئة ، ومع استحقاقهم لذلك قد جرى قلم القضاء بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة حسبما أجمل في الآيات قبل ، وحال حائل الحكمة بينهم وبين استئصالهم لتعلق العلم بازديادهم عذاباً وبإيمان بعض ذراريهم ، ونظم إيمان بعضهم في سمط الحكمة يأباه تماديهم في الكفر والعناد فما كانوا الخ جواب لشرط مقدر أي ولو أنزلناهم ما كانوا الخ . (9/446)
واعترض بأن الأوفق بقوله تعالى : { وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } [ الأنعام : 9 ] أن يكون الوجه الذي يحق ملابسة التنزيل به لمثل غرضهم كونهم بصور الرجال وذلك ليس من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يكون لهم أصلاً فلا يتم كلامه ، وفيه بحث كما لا يخفى ، وقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وغيرهما عن مجاهد تفسير { الحق } هنا بالرسالة والعذاب ، ووجهت الآية على ذلك نحو هذا التوجيه فقيل : المعنى ما ننزل الملائكة إلا بالرسالة والعذاب ولو نزلناهم عليهم ما كانوا منظرين لأن التنزيل عليهم بالرسالة مما لا يكاد فتعين أن يكون التنزيل بالعذاب ، وذكر الماوردي الاقتصار على الرسالة ، وروي عن الحسن الاقتصار على العذاب ، وفي معنى ذلك ما روي عن ابن عباس من أن المعنى ما ننزل الملائكة إلا بالحق الذي هو الموت الذي لا يقع فيه تقديم ولا تأخير .
وقال ابن عطية : الحق ما يجب ويحق من الوحي والمنافع التي أرادها الله تعالى لعباده ، والمعنى ما ننزل الملائكة إلا بحق واجب من وحي ومنفعة لا باقتراحكم ، وأيضاً لو نزلنا لم تنظروا بعد ذلك بالعذاب لأن عادتنا إهلاك الأمم المقترحة إذا آتيناهم ما اقترحوه ، وفيه ما فيه ، وقال الزمخشري . المعنى إلا تنزلاً ملتبساً بالحكمة والمصلحة ولا حكمة في أن تأتيكم عيناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم لأنكم حينئذٍ مصدقون عن اضطرار ، وهو مبني على أن الإنزال بصورهم الحقيقية ، ومنه أخذ صاحب القيل المذكور أولاً قيله . والبيضاوي جعل المنافي للحكمة إنزالهم بصور البشر حيث قال : لا حكمة في أن تأتيكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لبساً . (9/447)
وقال بعضهم : أريد أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وحصول الفائدة بإنزالهم وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفرة أنه لو أنزل إليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً ولا يكون حقاً ، وتعقب الأقوال الثلاثة البعض من المحققين بأنه مع إخلال كل من ذلك بفظيعة الآتي لا يلزم من فرض وقوع شيء من ذلك تعجيل العذاب الذي يفيده قوله سبحانه : { وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } ومن الناس من تكلف لتوجيه اللزوم على بعض هذه الأقوال بما تكلف ، واختار بعضهم كون المراد من { الحق } الهلاك والجملة بعد جواب سؤال مقدر فكأنه لما قيل : ما ننزل الملائكة إلا بالهلاك إذ هو الذي يحق لأمثالهم من المعاندين قيل : فليكن ذلك فأجيب بأنه لو فعلنا ما كانوا منظرين أي وهم قد كانوا منظرين كما أجمل فيما قبل من قوله سبحانه : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الامل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [ الحجر : 3 ] وحاصل الجواب حينئذٍ على ما قيل أن ما طلبوه من الإتيان بالملائكة ليشهدوا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم مما لا يكون لهم لأن ما اقتضته حكمتنا وجرت به عادتنا مع أمثالهم ليس إلا التنزيل بالهلاك دون الشهادة فإن الحكمة لا تقتضيه والعادة لم تجر فيه لأنه إن كان والملائكة بصورهم الحقيقية لم يحصل الإيمان بالغيب ولم يتحقق الاختيار الذي هو مدار التكليف وإن كان وهم بصور البشر حصل اللبس فكان وجوده كعدمه ولزم التسلسل ، ويمنع من التنزيل بالهلاك كما فعل مع أضرابهم من المعاندين أنا جعلناهم منظرين فلو نزلنا الملائكة وأهلكناهم عاد ذلك بالنقض لما أبرمناه حسبما نعلم فيه من الحكم ، وقيل : في توجيه الآية على تقدير كون اقتراحهم لإتيان الملائكة لتعذيبهم : إن المعنى إنا ما ننزل الملائكة للتعذيب إلا تنزيلاً ملتبساً بما تقتضيه الحكمة ولو نزلناهم حسبما اقترحوا ما كان ذلك ملتبساً بما تقتضيه لأنها اقتضت تأخير عذابهم إلى يوم القيامة ، وحيث كان في نسبة تنزيلهم للتعذيب إلى عدم موافقة الحكمة نوع إيهام لعدم استحقاقهم التعذيب عدل عما يقتضيه الظاهر إلى ما عليه النظم الكريم فكأنه قيل : لو نزلناهم ما كانوا منظرين وذلك غير موافق للحكمة ، فتدبر جميع ذاك والله تعالى يتولى هداك ، هذا ولفظة { إِذَا } قال في «الكشاف» : جواب وجزاء لأن الكلام جواب لهم وجزاء لشرط مقدر أي ولو نزلنا ، وصرح بإفادتها هذا المعنى سيبويه إلا أن الشلوبين حمل ذلك على الدوام وتكلف له ، وأبو علي على الغالب ، وقد تتمحض للجواب عنده ، وهي حرف بسيط عند الجمهور ، وذهب قوم إلى أنها اسم ظرف وأصلها إذاً الظرفية لحقها التنوين عوضاً من الجملة المضاف إليها ونقلت إلى الجزائية فبقي فيها معنى الربط والسبب؛ وذهب الخليل إلى أنها حرف تركب من إذ وإن غلب عليها حكم الحرفية ونقلت حركة الهمزة إلى الذال ثم حذفت والتزم هذا النقل فكان المعنى إذا قال القائل أزورك فقلت إذا أزورك قلت حينئذٍ زيارتي واقعة ولا يتكلم بهذا .
وذهب أبو علي عمر بن عبد المجيد الزيدي إلى أنها مركبة من إذا وإن وكلاهما يعطي ما يعطي كل واحدة منهما فيعطي الربط كإذا والنصب كان ثم حذفت همزة إن ثم ألف إذا لالتقاء الساكنين ، والظاهر أنه لو قدر في الكلام شرط كانت لمجرد التأكيد ، وجعلوا من ذلك قوله تعالى : { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَا } [ البقرة : 145 ] الخ ، ونقل عن الكافيجي أنه قال في مثل ذلك : ليست إذاً هذه الكلمة المعهودة وإنما هي إذاً الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في يومئذٍ ، وله سلف في ذلك فقد قال الزركشي في البرهان بعد ذكره : لإذا معنيين وذكر لها بعض المتأخرين معنى ثالثاً وهو أن تكون مركبة من إذا التي هي ظرف زمان ماض ومن جملة بعدها تحقيقاً أو تقديراً لكنها حذفت تخفيفاً وأبدل منها التنوين كما في قولهم حينئذٍ ، وليست هذه الناصبة للمضارع لأن تلك تختص به وهذه لا بل تدخل على الماضي نحو { إِذًا لأمْسَكْتُمْ } [ الإسراء : 100 ] وعلى الاسم نحو { وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين } [ الشعراء : 42 ] ثم قال : وهذا المعنى لم يذكره النحويون لكنه قياس ما قالوه في إذ ، وفي التذكرة لأبي حيان ذكر لي علم الدين أن القاضي تقي الدين بن رزين كان يذهب إلى أن تنوين إذاً عوض من الجملة المحذوفة وليس قول نحوي ، وقال الجوني : وأنا أظن أنه يجوز أن تقول لمن قال : أنا آتيك إذا أكرمك بالرفع على معنى إذا أتيتني أكرمك فحذفت أتيتني وعوضت التنوين فسقطت الألف لالتقاء الساكنين والنصب الذي اتفق عليه النحاة لحملها على غير هذا المعنى وهو لا ينفي الرفع إذا أريد بها ما ذكر . (9/448)
وذكر الجلال السيوطي أن الإجماع في القرآن على كتابتها بالألف والوقف عليه دليل على أنها اسم منون لا حرف آخره نون خصوصاً إذا لم تقع ناصبة للمضارع ، فالصواب إثبات هذا المعنى لها كما جنح إليه شيخنا الكافيجي ومن سبق النقل عنه ، وعلى هذا فالأولى حملها في الآية على ما ذكر ، وقد ذكرنا فيما مضى بعضاً من هذا الكلام فتذكر ، ثم إنه تعالى رد إنكارهم التنزيل واستهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلاه عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } أي نحن بعظم شأننا وعلو جانبنا نزلنا الذي أنكروه وأنكروا نزوله عليك وقالوا فيك لادعائه ما قالوا وعملوا منزله حيث بنو الفعل للمفعول إيماءً إلى أنه أمر لا مصدر له وفعل لا فاعل له { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } أي من أكل ما يقدح فيه كالتحريف والزيادة والنقصان وغير ذلك حتى أن الشيخ المهيب لو غير نقطة يرد عليه الصبيان ويقول له من كان : الصواب كذا ويدخل في ذلك استهزاء أولئك المستهزئين وتكذيبهم إياه دخولاً أولياً ، ومعنى حفظه من ذلك عدم تأثيره فيه وذبه عنه ، وقال الحسن : حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة ، وجوز غير واحد أن يراد حفظه بالإعجاز في كل وقت كما يدل عليه الجملة الإسمية من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل ، ولم يحفظ سبحانه كتاباً من الكتب كذلك بل استحفظها جل وعلا الربانيين والأحبار فوقع فيها ما وقع وتولى حفظ القرآن بنفسه سبحانه فلم يزل محفوظاً أولاً وآخراً ، وإلى هذا أشار في «الكشاف» ثم سأل بما حاصله أن الكلام لما كان مسوقاً لردهم وقد تم الجواب بالأول فما فائدة التذييل بالثاني؟ وإنما يحسن إذا كان الكلام مسوقاً لإثبات محفوظية الذكر أولاً وآخراً ، وأجاب بأنه جيءَ به لغرض صحيح وأدمج فيه المعنى المذكور أما ما هو أن يكون دليلاً على أنه منزل من عند الله تعالى آية ، فالأول وإن كان رداً كان كمجرد دعوى فقيل ولولا أن الذكر من عندنا لما بقي محفوظاً عن الزيادة والنقصان كما سواه من الكلام ، وذلك لأنه نظمه لما كان معجزاً لم يمكن زيادة عليه ولا نقص للإخلال بالإعجاز كذا في «الكشف» : ، وفيه إشارة إلى وجه العطف وهو ظاهر . (9/449)
وأنت تعلم أن الإعجاز لا يكون سبباً لحفظه عن إسقاط بعض السور لأن ذلك لا يخل بالإعجاز كما لا يخفى ، فالمختار أن حفظ القرآن وإبقاءه كما نزل حتى يأتي أمر الله تعالى بالإعجاز وغيره مما شاء الله عز وجل ، ومن ذلك توفيق الصحابة رضي الله تعالى عنهم لجمعه حسبما علمته أول الكتاب . واحتج القاضي بالآية على فساد قول بعض من الإمامية لا يعبأ بهم إن القرآن قد دخله الزيادة والنقصان ، وضعفه الإمام بأنه يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه لأن للقائلين بذلك أن يقولوا : إن هذه الآية من جملة الزوائد ودعوى الإعجاز في هذا المقدار لا بد لها من دليل . واحتج بها القائلون بحدوث الكلام اللفظي وهي ظاهرة فيه ومن العجيب ما نقله عن أصحابه حيث قال : قال أصحابنا في هذه الآية دلالة على كون البسملة آية من كل سورة لأن الله تعالى قد وعد حفظ القرآن والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصوناً من الزيادة والنقصان فلو لم تكن البسملة آية من القرآن لما كان مصوناً عن التغيير ولما كان محفوظاً عن الزيادة ، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لجاز أن يظن بهم أنهم نقصوا وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة اه ، ولعمري أن تسمية مثل هذا بالخبال أولى من تسميته بالاستدلال ، ولا يخفى ما في سبك الجملتين من الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة وعلى فخامة شأن التنزيل ، وقد اشتملتا على عدة من وجوه التأكيد { وَنَحْنُ } ليس فصلاً لأنه لم يقع بين اسمين وإنما هو إما مبتدأ أو توكيد لاسم إن ، ويعلم مما قررنا أن ضمير { لَهُ } للذكر وإليه ذهب مجاهد .
وقتادة . والأكثرون وهو الظاهر ، وجوز الفراء وذهب إليه النزر أن يكون راجعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي وأنا للنبي الذي أنزل عليه الذكر لحافظون من مكر المستهزئين كقوله تعالى : { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة : 67 ] والمعول عليه الأول ، وأخر هذا الجواب مع أنه رد لأول كلامهم الباطل لما أشرنا إليه فيما مر ولارتباطه بما يعقبه من قوله تعالى : (9/450)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10)
{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا } أي رسلاً كما روي عن ابن عباس وإنما لم يذكر لظهور الدلالة عليه { مِن قَبْلِكَ } متعلق بأرسلنا أو بمحذوف وقع نعتاً لمفعوله المحذوف أي رسلاً كائنة من قبلك { فِى شِيَعِ الاولين } أي فرقهم كما قال الحسن . والكلبي ، وإليه ذهب الزجاج ، وهو وكذا أشياع جمع شيعة وهي والفرقة الجماعة المتفقة على طريقة ومذهب مأخوذ من شاع المتعدي بمعنى تبع لأن بعضهم يشايع بعضاً ويتابعه ، وتطلق الشيعة على الأعوان والأنصار ، وأصل ذلك على ما قيل من الشياع بالكسر والفتح صغار الحطب يوقد به الكبار ، والمناسبة في ذلك نظراً للإطلاق الثاني ظاهرة وللإطلاق الأول أن التابع من حيث أنه تابع أصغر ممن يتبعه ، وإضافته إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند الفراء ومن حذف الموصوف عند البصريين أي شيع الأمم الأولين ، والجار والمجرور متعلق بأرسلنا . (9/451)
ومعنى إرسال الرسل في الشيع جعل كل منهم رسولاً فيما بين طائفة منهم ليتابعوه في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين وكأنه لو قيل إلى بدل { فِى } لم يظهر إرادة هذا المعنى ، وقيل : إنما عدل عن إلى إليها للإعلام بمزيد التمكين ، وزعم بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف هو صفة للمفعول المقدر أو حال ولا يخفى بعده .
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11)
{ وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ } حكاية حال ماضية كما قال الزمخشري لأن { مَا } لا تدخل على مضارع إلا وهو في موضع الحال ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال وهو قول الأكثرين ، وقال بعضهم : إن الأكثر دخول { مَا } على المضارع مراداً به الحال وقد تدخل عليه مراداً به الاستقبال ، وأنشد قول أبي ذؤيب : (9/452)
أودي بني وأودعوني حسرة ... عند الرقاد وعبرة ما تقلع
وقول الأعشى يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :
له نافلات ما يغب نوالها ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا
وقال تعالى : { مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى } [ يونس : 15 ] ولعله المختار وان كان ماهنا على الحكاية ، والمراد نفي أتيان كل رسول لشيعته الخاصة به لا نفي اتيان كل رسول لكل واحدة من تلك الشيع جميعاً أو على سبيل البدل أي ما أتى شيعة من تلك الشيع رسول خاص بها { إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } كما يفعله هؤلاء الكفرة ، والجملة كما قال أبو البقاء في محل النصب على أنها حال من ضمير المفعول في يأتيهم إن كان المراد بالإتيان حدوثه أو في محل الرفع أو الجر على أنها صفة رسول على لفظه أو موضعه لأنه فاعل ، وتعقب جعلها صفة له باعتبار لفظه بأنه يفضي إلى زيادة من الاستغراقية في الإثبات لمكان { إِلا } وتقدير العمل في النعت بعدها .
وجوز أن تكون نصباً على الاستثناء وان كان المختار الرفع على البدلية ، وهذا كما ترى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذه شنشنة جهال الأمم مع المرسلين عليهم السلام قبل ، وحيث كان الرسول مصحوباً بكتاب من عند الله تعالى تضمن ذكر استهزائهم بالرسول استهزاءهم بالكتاب ولذلك قال سبحانه :
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)
{ كذلك } أي مثل السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاؤوا به { نَسْلُكُهُ } أي ندخله يقال : سلكت الخيط في الإبرة والسنان في المطعون أي أدخلت : وقرىء { نَسْلُكُهُ } وسلك وأسلك كما ذكر أبو عبيدة بمعنى واحد ، والضمير عند جمع ومنهم الحسن على ما ذكره الغزنوي للذكر { فِى قُلُوبِ المجرمين } أي أهل مكة أو جنس المجرمين فيدخلون فيه دخولاً أولياً ، ومعنى المثلية كونه مقرورناً بالاستهزاء غير مقبول لما تقتضيه الحكمة ، وحاصلة انه تعالى يلقي القرآن في قلوب المجرمين مستهزأ به غير مقبول لأنهم من أهل الخذلان ليس لهم استحقاق لقبول الحق كما ألقى سبحانه كتب الرسل عليهم السلام في قلوب شيعهم مستهزأ بها غير مقبولة لذلك ، وصيغة المضارع لكون المشبه به مقدماً في الوجود وهو السلك الواقع في شيع الأولين . (9/453)
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13)
{ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الضمير للذكر أيضاً ، والجملة في موضع الحال من مفعول { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] أي غير مؤمن به ، وهي إما مقدرة وإما مقارنة على معنى أن الالقاء وقع بعده الكفر من غير توقف فهما في زمان واحد عرفا ، ويجوز أن تكون بياناً للجملة السابقة فلا محل لها من الإعراب ، قال في الكشف : وهو الأوجه لأن في طريقة الإبهام والتفسير لا سيما في هذا المقام ما يجل موقع الكلام . وفي إرشاد العقل السليم أنه قد جعل ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] للاستهزاء المفهوم من { يَسْتَهْزِئُونَ } [ الحجر : 11 ] فتتعين البيانية إلا أن يجعل ضمير { بِهِ } له أيضاً على أن الباء للملابسة أي يسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم غير مؤمنين بملابسة الاستهزاء ، وقد ذهب إلى جواز ارجاع الضميرين إلى الاستهزاء ابن عطية إلا أنه جعل الباء للسببية ، وكذا الفاضل الجلبي ، ولا يخفى أن بعد ذلك يغنى عن رده . وذهب البيضاوي إلى كون الضمير الأول للاستهزاء وضمير { بِهِ } للذكر وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة إذا دل الدليل عليه ليس ببدع في القرآن ، وجوز على هذا كون الجملة حالاً من { المجرمين } [ الحجر : 12 ] ولا يتعين كونها حالاً من الضمير ليتعين رجوعه للذكر ، وذكر أن عوده على الاستهزاء لا ينافي كونها مفسرة بل يقوبه إذ عدم الإيمان بالذكر أنسب بتمكن الاستهزاء في قلوبهم ، وجعل الآية دليلاً على أنه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم ففيها رد على المعتزلة في قولهم : إنه قبيح فلا يصدر منه سبحانه ، وكأنه رحمه الله تعالى ظن أن ما فعله الزمخشري من جعل الضميرين للذكر كان رعاية لمذهبه ففعل ما فعل ، ولا يخفى أنه لم يصب المحز وغفل عن قولهم : الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال . (9/454)
وفي الكشف بعد كلام ان رجع الضمير إلى الاستهزاء أو الكفر مع ما فيه من تنافر النظم لا ينكره أهل الاعتزال إلا كإنكار سلك الذكر بصفة التكذيب والتأويل ، وكأنهم غفلوا عما ذكره جار الله في الشعراء حيث أجاب عن سؤال إسناد سلك الذكر بتلك الصفة إلى نفسه جل وعلا بأن المراد تمكنه مكذوباً في قلوبهم أشد التمكن كشيء جبلوا عليه؛ ولخص المعنى ههنا بأنه تعالى يلقيه في قلوبهم مكذباً لا أن التكذيب فعله سبحانه .
نعم أخرج ابن أبي حاتم عن أنس . والحسن تفسير ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] إلى الشرك ، وإخراج هو . وابن جرير عن ابن زيد أنه قال في الآية : هم كما قال الله تعالى هو أضلهم ومنعهم الإيمان لكن هذا أمر وما نحن فيه آخر ، واعترض بعضهم رجوع الضمير إلى { الذكر } [ الحجر : 9 ] بأن نون العظمة لا تناسب ذلك فإنها إنما تحسن إذا كان فعل المعظم نفسه فعلاً يظهر له أثر قوى وليس كذلك هنا فإنه تدافع وتنازع فيه .
وأجاب بأن المقام إذا كان للتوبيخ يحسن ذلك ، ولا يلزم أن تكون العظمة باعتبار القهر والغلبة فقد تكون باتعبار اللطف والإحسان . وتعقب ذلك الشهاب بقوله : لا يخفى أنه باعتبار القهر والغلبة يقتضي أن يؤثر ذلك في قلوبهم وليس كذلك لعدم إيمانهم به ، وكذا باعتبار اللطف والإحسان يقتضي أن يكون سلكه في قلوبهم إنعاماً عليهم فأي إنعام عليهم بما يقتضي الغضب فلا وجه لما ذكر ، وأنت تعلم أنه إذا كان المراد سلك ذلك وتمكينه في قلوبهم مكذباً به غير مقبول فكون الإسناد باعتبار القهر والغلبة مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ، والأثر الظاهر القوي لذلك بقاؤهم على الكفر والإصرار على الضلال ولو جاءتهم كل آية ، ولا يخفى ما في { كذلك } [ الحجر : 12 ] مما يناسب نون العظمة أيضاً وقد مر التنبيه عليه غير مرة . { وَقَدْ خَلَتِ } مضت { سَنَةٍ } طريقة { الاولين } والمراد عادة الله تعالى فيهم على أن الإضافة لأدنى ملابسة لا على الإضافة بمعنى في ، والمراد بتلك العادة على تقدير أن يكون ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] للاستهزاء الخذلان وسلك الكفر في قلوبهم أي قد مضت عادته سبحانه وتعالى في الأولين ممن بعث إليهم الرسل عليهم السلام أن يخذلهم ويسلك الكفر والاستهزاء في قلوبهم ، وعلى تقدير أن يكون للذكر الإهلاك ، وعلى هذا قول الزمخشري أي مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في اهلاكهم حين كذبوا برسلهم والمنزل عليهم ، وذكر أنه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم ، وإلى الأول ذهب الزجاج ، وادعى الإمام أنه الاليق بظاهر اللفظ؛ وبين ذلك الطيبي قائلاً : ان التعريف في { المجرمين } [ الحجر : 12 ] للعهد ، والمراد بهم المكذبون من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم المذكورون بعد أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين المكذبين للرسل الماضين نسلكه في قلوب هؤلاء المجرمين فلك أسوة بالرسل الماضية مع أممهم المكذبة ، ولست بأوحدى في ذلك وقد خلت سنة الأولين ، والمقام يقتضي التقرير والتأكيد فيكون في هذا مزيد تسلية للرسول عليه السلاة والسلام ، والوعيد بعيد لأنه لم يسبق لإهلاك الأمم ذكر ، وإيثار ذلك لأنه أقرب إلى مذهب الاعتزال اه . (9/455)
وفيه غفلة عن نغزى الزمخشري ، وقد تفطن لذلك صاحب الكشف ولله تعالى دره حيث قال : أراد أن موقع { قَدْ خَلَتْ } إلى آخره موقع الغاية في الشعراء ( 201 ) أعني قوله تعالى هنالك { حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } فانهم لما شبهوا بهم قيل : لا يؤمنون وقد هلك من قبلهم ولم يؤمنوا فكذلك هؤلاء ، ومنه يظهر أن الكلام على هذا الوجه شديد الملاءمة ، وأما أن الوعيد بعيد لعدم سبق ذكر لإهلاك الأمم ففيه أن لفظ السنة مضافاً إلى ما أضيف إليه ينبىء عن ذلك أشد الأنباء ، ثم إنه ليس المقصود منه الوعيد على ما قررناه ، وقد صرح أيضاً بعض الأجلة أن الجملة استئنافية جيء بها تكملة للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد ، ثم ما ذهب إليه الزمخشري منالمراد بالسنة مروى عن قتادة . فقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وغيرهما عنه أنه قال في الآية : قد خلت وقائع الله تعالى فيمن خلا من الأمم . وعن ابن عباس أن المراد سنتهم في التكذيب ، ولعل الإضافة على هذا على ظاهرها .
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)
{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم } أي على هؤلاء المقترحين المعاندين { بَاباً مِنَ السماء } ظاهره بابا ما لا بابا من أبوابها المعهودة كما قيل : { فَظَلُّواْ فِيهِ } أي في ذلك الباب { يَعْرُجُونَ } يصعدون حسبما نيسره لهم فيرون ما فيها من الملائكة والعجائب طول نهارهم مستوضحين لما يرونه كما يفيده ظلوا لأنه يقال ظل يعمل كذا إذا فعله في النهار حيث يكون للشخص ظل ، وجوز في البحر كون ظل بمعنى صار وهو مع كونه خلاف الأصل مما لا داعي إليه ، وأياماً كان فضمير الجمع للمقترحين ، وهو الظاهر المروى عن الحسن وإليه ذهب الجبائي . وأبو مسلم ، وأخرج ابن جريج عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه للملائكة وروى ذلك عن قتادة أيضاً أي فظل الملائكة الذين اقترحوا اتيانهم يعرجون في ذلك الباب وهم يرونهم على أتم وجه . وقرأ الأعمش . وأبو حيوة { يَعْرُجُونَ } بكسر الراء وهي لغة هذيل في العروج بمعنى الصعود . (9/456)
لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
{ لَقَالُواْ } لفرط عنادهم وغلوهم في المكابرة وتفاديهم عن قبول الحق : { إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا } أي سدت ومنعت من الأبصار حقيقة وما نراه تحيل لا حقيقة له ، أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن مجاهد ، وروى أيضاً عن ابن عباس . وقتادة فهو من السكر بالفتح ، وقال أبو حيان : بالكسر السد والحبس ، وقال ابن السيد : السكر بالفتح سد الباب والنهر وبالكسر السد نفسه ويجمع على سكور ، قال الرفاء : (9/457)
غناؤنا فيه ألحان السكور إذا ... قل الغناء ورنات النواعير
ويشهد لهذا المعنى قراءة ابن كثير . والحسن . ومجاهد { سُكّرَتْ أبصارنا } بتخفيف الكاف مبنياً للمفعول لأن سكر المخفف المتعدي اشتهر في معنى السد ، وعن عمرو بن العلاء أن المراد حيرت فهو من السكر بالضمر ضد الصحو ، وفسروه بأنه حالة تعرض بين المرء وعقله ، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب وقد يعتري من الغضب والعشق ، ولذا قال الشاعر :
سكران سكر هوى وسكر مدامة ... أني يفيق فتى به سكران
والتشديد في ذلك للتعدية لأن سكر كفرح لازم في الأشهر وقد حكى تعديه فيكون للتكثير والمبالغة ، وأرادوا بذلك أنه فسدت أبصارنا واعتراها خلل في احساسها كما يعتري عقل السكران ذلك فيختل إدراكه ففي الكلام على هذا استعارة وكذا على الأول عند بعض ويشهد لهذا المعنى قراءة الزهري { سُكّرَتْ } بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنياً للفاعل لأن الثلاثي اللازم مشهور فيه ولأن سكر بمعنى سد المعروف ففيه فتح الكاف .
واختار الزجاج أن المعنى سكنت عن أبصار الحقائق من سكرت الريح تسكر سكراً إذا ركدت ويقال : ليلة ساكرة لا ريح فيها والتضعيف للتعدية ولهم أقوال أخر متقاربة في المعنى . وقرأ أبان بن تغلب وحملت لمخالفتها سواد المصحف على التفسير سحرت أبصارنا { بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } قد سحرنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوا ذلك عند ظهور سائر الآيات الباهرة ، والظاهر على ما قال القطب انهم أرادوا أولا سكرت أبصارنا لا عقولنا فنحن وأن تخيلنا هذه الأشياء بأبصارنا لكن نعلم بعقولنا أن الحال بخلافه ثم أضربوا عن الحصر في الأبصار وقالوا : بل تجاوز ذلك إلى عقولنا ، وفسر الزمخشري الحصر بأن ذلك ليس إلا تسكيراً فأورد عليه بأن { إِنَّمَا } إنما تفيد الحصر في المذكور آخراً وحينئذ يكون المعنى ما نقدم وهو مبني على أن تقديم المقصور على المقصور عليه لازم وخلافه ممتنع ، وقد قال المحقق في شرح التخليص انه يجوز إذا كان نفس التقديم يفيد الحصر كما في قولنا : إنما زيداً ضربت فإنه لقصر الضرب على زيد ، وقال أبو الطيب :
صفاته لم تزده معرفة ... لكنها لذة ذكرناها
أي ما ذكرناها إلا لذة إلا أن هذا لا ينفع فيما نحن فيه . نعم نقل عن عروس الأفراح أن حكم أهل المعاني غير مسلم فإن قولك : إنما قمت معناه لم يقع إلا القيام فهو لحصر الفعل وليس بآخر ولو قصد حصر الفاعل لا نفصل ، ثم أورد عدة أمثلة من كلام المفسرين تدل على ما ذكروه في المسألة ، فالظاهر أن الزمخشري لا يرى ما قالوه مذرداً وهم قد غفلوا عن مراده هنا قاله الشهاب ، وما نقله عن عروس الأفراح في إنما قمت من أنه لحصر الفعل ولو كان لحصر الفاعل لانفصل يخالفه ما في شرح المفتاح الشريفي من أنه إذا أريد حصر الفعل في الفاعل المضمر فإن ذكر بعد الفعل شيء من متعلقاته وجب انفصال الفاعل وتأخيره كما في قولك : إنما ضرب اليوم أنا ، وكما في قول الفرزدق : (9/458)
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وان لم يذكر احتمل الوجوب طرداً للباب وعدمه بأن يجوز الانفصال نظراً إلى المعنى والاتصال نظراً إلى اللفظ إذ لا فاصل لفظياً اه فإنه صريح في أن إنما قمت لحصر الفاعل وان لم يجب الانفصال لكن اختار السعد في شرحه وجوب الانفصال مطلقاً وحكم بأن الظاهر أن معنى إنما أقوم ما أنا إلا أقوم كما نقله السمرقندي . وأبو حيان مع طائفة يسيرة من انلحاة أنكروا إفادة إنما للحصر أصلا وليس بالمعول عليه عند المحققين لكنهم قالوا : إنها قد تأتي لمجرد التأكيد وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله . ووجه الشهاب الاضراب بعد أن قال هو جعل الأول في حكم المسكوت عنه دون النفي ويحتمل الثاني بأنه اضراب لأن هذا ليس بواقع في نفس الأمر بل بطريق السحر أو هو باعتبار ما تفيده الجملة من الاستمرار الذي دلت عليه الاسمية أي مسحوريتنا لا تختص بهذه الحالة بل نحن سترون عليها في كل ما يرينا من الآيات ، هذا وفي هذه الآية من وصفهم بالعناد وتواطئهم على ما هم فيه من التكذيب والفساد ما لا يخفى ، وفي ذلك تأكيد لما يفهم من الآية الأولى ، وقد ذكر بن المنير في المراد منها وجهاً بعيداً جداً فيما أرى فقال : المراد والله تعالى أعلم إقامة الحجة على المكذبين بأن الله تعالى سلك القرآن في قلوبهم وأدخله في سويدائها كما سلك في قلوب المؤمنين المصدقين فكذب به هؤلاء وصدق به هؤلاء كل على علم وفهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولئلا يكون للكفار على الله تعالى حجة بأنهم ما فهموا وجه الاعجاز كما فهمها من آمن فأعلمهم الله تعالى وهم في مهلة وإمكان أنهم ما كفروا إلا على علم معاندين باغين غير معذورين ولذلك عقبه سبحانه بقوله تعالى : { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم } الخ أي هؤلاء فهموا القرآن وعلموا وجوه إعجازه وولج ذلك في قلوبهم ووقر ولكنهم قوم سجيتهم العناد وسمتهم اللداد حتى لو سلك بهم أوضح السبل وأدعاها إلى الإيمان لقالوا بعد الإيضاح العظيم : إنما سكرت أبصارنا وسحرنا وما هذه إلا خيالات لا حقائق تحتها فأسجل سبحانه عليهم بذلك أنهم لا عذر لهم بالتكذيب من عدم سماع ووعى ووصول إلى القلوب وفهم كما فهم غيرهم من المصدقين لأن ذلك كان حاصلاً لهم وليس بهم إلا العناد والإصرار لا غير اه فليتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ، ثم أنه تعالى لما ذكر حال منكري النبوة وكانت مفرعة على التوحيد ذكر دلائله السماوية والأرضية فقال عز قائلاً :
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16)
{ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السماء بُرُوجًا } الخ وإلى هذا ذهب الإمام وغيره في وجه الربط . (9/459)
وق ابن عطية : انه سبحانه لما ذكر أنهم لو رأوا الآية المطلوبة في السماء لعاندوا وبقوا على ما هم فيه من الضلال عقب ذلك بهذه الآية كأنه جل شأنه قال : وإن في السماء لعبرا منصوبة غير هذه المذكورة وكفرهم بها وإعراضهم عنها اصرار منهم وعتو اه؛ والظاهر أن الجعل بمعنى الخلق والإبداع فالجار والمجرور متعلق به ، وجوز أن يكون بمعنى التصيير فهو متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثان له وبروجاً مفعوله الأول ، والبروج جمع برج وهو لغة القصر والحصن وبذلك فسره هنا عطية ، فقد أخرج عنه ابن أبي حاتم أنه قال : جعلنا قصوراً في السماء فيها الحرس ، وأخرج عن أبي صالح أن المراد بالبروج الكواكب العظام .
وفي البحر عنه الكواكب السيارة وروى غير واحد عن مجاهد . وقتادة أنها الكواكب من غير قيد ، وروي عن ابن عباس تفسير ذلك بالبروج الأثنى عشر المشهورة وهي ستة شمالية ثلاثة ربيعية وثلاثة صيفية وأولها الحمل وستة جنوبية ثلاثة خريفية وثلاثة شتائية وأولها الميزان وطول كل برج عندهم لدرجة وعرضه قف درجة ص منها في جهة الشمال ومثلها في جهة الجنوب وكأنها إنما سميت بذلك لأنها كالحصن أو القصر للكوكب الحال فيها وهي في الحقيقة أجزاء الفلك الأعظم وهو المحدد المسمى بلسانهم الفلك الأطلسي وفلك الأفلاك وبلسان الشرع بعكسه ولهذا يسمى الشيخ الأكبر قدس سره الفلك الأطلس بفلك البروج والمشهور تسمية الفلك الثامن وهو فلك الثوابت به لاعتبارهم الانقسام فيه وكأن ذلك لظهور ما تتعين به الأجزاء من الصور فيه وان كان كل منها منتقلاً عما عينه إلى آخر منها لثبوت الحركة الذاتية للثوابت على خلاف التوالي وان لم يثبتها لها لعدم الإحساس بها قدماء الفلاسفة كما لم يثبت الأكثرون حركتها على نفسها وأثبتها الشيخ أبو علي ومن تبعه من المحققين ، وقد صرحوا بأن هذه الصور المسماة بالأسماء المعلومة توهمت على المنطقة وما يقرب منها من الجانبين من كواكب ثابتة تنظمها خطوط موهومة وقعت وقت القسمة في تلك الأقسام ونقل ذلك في الكفاية عن عامة المنجمين وانهم إنما توهموا لكل قسم صورة ليحصل التفهيم والتعليم بأن يقال : الدبران مثلا عين الأسد .
وتعقب ذلك بقوله : وهذا ليس بسديد عندي لأن تلك الصور لو كانت وهمية لم يكن لها أثر في أمثالها من العالم السفلى مع أن الأمر ليس كذلك فقد قال بطليموس في الثمرة . الصور التي في عالم التركيب مطيعة للصور الفلكية إذ هي في ذواتها على تلك الصور فأدركتها الأوهام على ما هي عليه وفيه بحث ثم هذه البروج مختلفة الآثار والخواص بل لكل جزء من كل منها وإن كان أقل من عاشرة بل أقل الأقل آثار تخالف آثار الجزء الآخر وكل ذلك آثار حكمة الله تعالى وقدرته عز وجل .
وقد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في بعض كتبه أن آثار النجوم وأحكامها مفاضة عليها من تلك البروج المعتبرة في المحدد . (9/460)
وفي الفصل الثالث من الباب الحادي والسبعين والثلثمائة من فتوحاته ما منه إن الله تعالى قسم الفلك الأصلس اثنى عشر قسماً سماها بروجاً وأسكن كل برج منها ملكاً وهؤلاء الملائكة أئمة العالم وجعل لكل منهم ثلاثين خزانة تحتوي كل منها على علوم شتى يهبون منها للنازل بهم قدر ما تعطيه رتبته وهي الخزائن التي قال الله تعالى فيها : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر : 21 ] وتسمى عند أهل التعاليم بدرجات الفلك والنازلون بها هم الجوارى والمنازل وعيوقاتها من الثوابت والعلوم الحاصلة من تلك الخزائن الإلهية هي ما يظهر في عام الأركان من التأثيرات بل ما يظهر في مقعر فلك الثوابت إلى الأرض إلى آخر ما قال ، وقد قدس سره الكلام في هذا الباب وهو بمعزل عن اعتقاد المحدثين نقلة الدين عليهم الرحمة ، ثم إن في اختلاف خواص البروج حسبما تشهد به التجربة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة السماء أدل دليل على وجود الصانع المختار جل جلاله .
{ وزيناها } أي السماء بما فيها من الكواكب السيارات وغيرها وهي كثيرة لا يعلم عددها إلا الله تعالى . نعم المرصود منها ألف ونيف وعشرون ورتبوها على ست مراتب وسموها اقداراً متزايدة سدساً حتى كان قطر ما في القدر الأول ستة أمثال ما في القدر السادس وجعلوا كل قدر على ثلاث مراتب وما دون السادس لم يثبتوه في المراتب بل إن كان كقطعة السحاب يسمونه سحابياً وإلا فمظلماً ، وذكر في الكفاية إن ما كان منها في القدر الأول فجرمه مائة وستة وخمسون مرة ونصف عشر الأرض . وجاء في بعض الآثار أن أصغر النجوم كالجبل العظيم واستظهر أبو حيان عود الضمير للبروج لأنها المحدث عنها والأقرب في اللفظ والجمهور على ما ذكرنا حذراً من انتشار الضمائر { للناظرين } أي بأبصارهم إليها كما قاله بعضهم لأنه المناسب للتزيين ، وجوز أن يراد بالتزيين ترتيبها على نظام بديع مستتبعاً للآثار الحسنة فيراد بالناظرين المتفكرون المستدلون بذلك على قدرة مقدرها وحكمة مدبرها جل شأنه .
وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17)
{ وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ } مطرود عن الخيرات ، ويطلق الرجم على الرمي بالرجام وهي الحجارة ، فالمراد بالرجيم المرمي بالنجوم ، ويطلق أيضاً على الإهلاك والقتل الشنيع ، والمراد بحفظها من الشيطان اما منعه عن التعرض لها على الإطلاق والوقوف على ما فيها في الجملة فالاستثناء في قولبه تعالى : (9/461)
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18)
{ إِلاَّ مَنْ * استرق السمع } متصل ، وإما المنع عن دخولها والاختلاط مع أهلها على نحو الاختلاط مع أهل الأرض فهو حينئذ منقطع ، وعلى التقديرين محل { مِنْ } النصب على الاستثناء ، وجوز أبو البقاء . والحوفي كونه في محل جر على أنه بدل { مِن كُلّ شيطان } [ الحجر : 17 ] بدل بعض من كل واستغنى عن الضمير الرابط بالا . (9/462)
واعترض بأنه يشترط في البدلية أن تكون في كلام غير موجب وهذا الكلام مثبت .
ودفع بأنه في تأويل المنفى أي لم نمكن منها كل شيطان أو نحوه وأورد أن تأويل المثبت في غير أبي ومتصرفاته غير مقيس ولا حسن فلا يقال مات القوم إلا زيد بمعنى لم يعيشوا ، ولعل القائل بالبدلية لا يسلم ذلك ، وقد أولوا بالمنفي قوله تعالى : { فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً } [ البقرة : 249 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : " الناس هلكى إلا العالمون " والخبر وغير ذلك مما ليس فيه أبى ولا شيء من متصرفاته لكن «الانصاف» ضعف هذه البدلية كما لا يخفى .
وجوز أبو البقاء أيضاً أن يكون في محل رفع على الابتداء والخبر جملة قوله تعالى : { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } وذكر أن الفاء من أجل ان { مِنْ } موصول أو شرط والاستراق افتعال من السرقة وهو أخذ الشيء بخفية شبه به خطفتهم اليسيرة من الملا الأعلى وهو المذكور في قوله تعالى : { إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة } [ الصافات : 10 ] والمراد بالسمع المسموع ، والشهاب على ما قال الراغب الشعلة الساطعة من النار الموقدة ومن العارض في الجو ويطلق على الكوكب لبريقه كشعلة النار .
وأصله من الشهبة وهي بياض مختلط بسواد وليست البياض الصافي كما يغلط فيه العامة فيقولون فرس أشهب للقرطاسي ، والمراد بمبين ظاهر أمره للمبصرين ومعنى اتبعه تبعه عند الأخفش نحو ردفته وأردفته فليست الهمزة فيه للتعدية ، وقيل : اتبعه أخص من تبعه لما قال الجوهري تبعت القوم تبعاً وتباعة بالفتح إذا مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم وأتبعت القوم على أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم واستحسن الفرق بينهما الشهاب ، ولما كان الاتباع محتملاً للاهلاك وغيره اختلف العلماء في ذلك فحكى القرطبي عن ابن عباس أن الشهاب يجرح ويحرق ولا يقتل ، وعن الحسن وطائفة أنه يقتل ، وادعى أن الأول أصح ، ونقل غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إن الشياطين يركب بعضهم بعضاً إلى السماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة عليهم السلام فيرمون بالكواكب فلا تخطىء أبداً فمنهم من تقتله ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء الله تعالى ومنهم من تخبله فيصير غولاً فيضل الناس في البراري ، ومما لا يعول عليه ما يروى من أن منهم من يقع في البحر فيكون تمساحاً؛ ومن الناس من طعن كما قال الإمام في أمر هذا الاستراق والرمي من وجوه .
أحدها أن انقضاص الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة وذكروا فيه أن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس فإذا بلغ كرة النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هي الشهاب . وقد يبقى زماناً مشتعلاً إذا كان كثيفاً وربما حميت الأدخنة في برد الهواء للتعاقب فانضغط مشتعلة ، وجاء أيضاً في شعر الجاهلية قال بشر بن أبي حازم : (9/463)
والعير يلحقها الغبار وجحشها ... ينقض خلفهما انقضاض الكوكب
وقال أوس بن حجر :
وانقض كالدرى يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
إلى غير ذلك .
وثانيها ان هؤلاء الشياطين كيف يجوز فيهم أن يشاهدوا ألوفاً من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ثم انهم مع ذلك يعودون لصنيعهم فإن من له أدنى عقل إذا رأى هلاك أبناء جنسه من تعاطى شيء مراراً امتنع منه .
وثالثها أن يقال : إن ثخن السماء خمسمائة عام فهؤلاء الشياطين إن نفذوا في جرمها وخرقوها فهو باطل لنفى أن يكون لها فطور على ما قال سبحانه : { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } [ الملك : 3 ] وإن كانوا لا ينفذون فكيف يمكنهم سماع أسرار الملائكة عليهم السلام مع هذا البعد العظيم .
ورابعها ان الملائكم عليهم السلام إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة إما لأنهم طالعوها من اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها بالوحي ، وعلى التقديرين لم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا تتمكن الشياطين من الوقوف عليها؟
وخامسها أن الشياطين مخلوقون من النار والنار لا تخرق النار بل تقويها فكيف يعقل زجرهم بهذه الشهب؟
وسادسها أنكم قلتم : إن هذا القذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟
وسابعها أن هذه الشهب إنما تحدث بقرب الأرض بدليل أنا نشاهد حركاتها ولو كانت قريبة من الفلك لما شاهدناها كما لم نشاهد حركات الأفلاك والكواكب ، وإذا ثبت أنها تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال : إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك؟
وثامنها أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة عليهم السلام عن المغيبات إلى الكهنة فلم لم ينقلوا أسرار المؤمنين إلى الكفار حتى يتوصلوا بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى الحلق الضرر بهم؟
وتاسعها لم لم يمنعهم الله تعالى من الصعود ابتداء حتى لا يحتاج في دفعهم إلى هذه الشهب؟ وقال بعضهم : أيضاً : أن السماع إنما يفيدهم إذا عرفوا لغة الملائكة فلم لم يجعلهم الله سبحانه جاهلين بلغتهم لئلا يفيدهم السماع شيئاً ، وأيضاً ان انقطع الهواء دون مقعر فلك القمر لم يحدث هناك صوت إذ هو من تموج الهواء والمفروض عدمه وإن لم ينقطع كان دون ذلك أصوات هائلة من تموج الهواء بحركة الأجرام العظيمة وهي تمنع من سماع أصوات الملائكة عليهم السلام في محاوراتهم ولا يكاد يظن أن أصواتهم في المحاورات تغلب هاتيك الأصوات لتسمع معها ، وأيضاً ليس في السماء الدنيا إلا القمر ولا نراه يرمي به وسائر السيارات فوق
{ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء : 33 ] والثوابت في الفلك الثامن والرمي بشيء من ذلك يستدعي خرق السماء وتشققها ليصل الشهاب إلى الشيطان وهو مما لا يكاد يقال . وأجاب الإمام عن الأول . أولا بأن الشهب لم تكن موجودة قبل البعثة وهذا قول ابن عباس ، فقد روى عنه أنه قال : «كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها أشياء من عند أنفسهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم ولم يكن النجوم يرمي بها قبل ذلك فقال لهم إبليس : ما هذا إلا لأمر حدث» الخبر . (9/464)
وروى عن أبي كعب أنه قال : «لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه السلام حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بها فرأت قريش ما لم تر قبل فجعلوا يسيبون أنهامهم ويعتقون رقابهم يظنون أنه الفناء فبلغ ذلك كبيرهم فقال : لم تفعلون؟ فقالوا : رمى بالنجوم فقال : اعتبروا فإن تكن نجوم معروفة فهو وقت فناء الناس وإلا فهو أمر حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال : في الأمر مهلة وهذا عند ظهور نبي» الخبر ، وكتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعناً في هذه المعجزة ، وكذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلفة عليهم . وثانياً : وهو الحق بأنها كانت موجودة قبل البعثة لأسباب أخر ولا ننكر ذلك إلا أنه لا ينافي أنها بعد البعثة قد توجد بسبب دفع الشياطين وزجرهم . يروى أنه قيل للزهري : أكان يرمي في الجاهلية؟ قال : نعم قيل : أفرأيت قوله تعالى : { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الان يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } [ الجن : 9 ] قال : غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى نحو هذا يخرج ما روى عن ابن عباس . وأبى رضي الله تعالى عنهم إن صح .
وعن الثاني : بأنه إذا جاء القدر عمى البصر فإذا قضى الله تعالى على طائفة منهم الحرق لطغيانهم وضلالهم قيض لها من الدواعي ما تقدم معه على الفعل المفضي إلى الهلاك .
وعن الثالث : بأن البعد بين الأرض والسماء خمسمائة عام فأما ثخن الفلك فإنه لا يكون عظيماً .
وعن الرابع : بأنه روى عن الزهري عن علي بن الحسين بن عليّ كرم الله تعالى وجهه عن ابن عباس قال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمى بنجم فاستنار فقال عليه الصلاة والسلام : " ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟ "
قالوا : كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم قال عليه الصلاة والسلام : « فإنها لا ترمي لموت أحد ولا لحيات ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ولا يزال ينتهي الخبر إلى هذه السماء فيتخطفه الجن فيرمون فما جاءوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه » (9/465)
وعن الخامس : بأن النار قد تكون أقوى من نار أخرى فالأقول تبطل ما دونها .
وعن السادس : بأنه إنما دام لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ببطلان الكهانة فلو لم يدم هذا القذف لعادت الكهانة وذلك يقدح في خبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن بطلانها .
وعن السابع : بأن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع فلعله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة عليهم السلام .
وعن الثامن : بأنه لعل الله تعالى أقدرهمعلى استماع الغيوب من الملائكة وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكفار .
وعن التاسع : بأنه عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وبهذا يجاب عن الأول فيما قيل .
وأجيب عن الثاني : بأنا نختار انقطاع الهواء والسماع عندنا بخلق الله تعالى ولا يتوقف على وجود الهواء وتموجه ، وقد يختار عدم الانقطاع ويقال : إنه تعالى شأنه قادر على منع الهواء من التموج بحركة هاتيك الإجرام ، وكذا هو سبحانه قادر على أسماعهم مع هاتيك الأصوات الهائلة السر وأخفى .
وعن الثالث : بأن كون الثوابت في الفلك الثامن هو الذي ذهب إليه الفلاسفة واحتجوا عليه بأن بعضها فيه فيجب أن يكون كلها كذلك ، أما الأول : فلأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بالسيارات فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة؛ وأما الثاني : فلأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة أو أقل على الخلاف درجة فلا بد أن تكون مركوزة في كرة واحدة ، وهو احتجاج ضعيف لأنه لا يلزم من كون بعض الثواب فوق السيارات كون كلها هناك لأنه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر وتكون في البطء مساوية لكرة الثوابت وتكون الكواكب المركوزة فيما يقارب القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة ، وعلى هذا لا يمتنع أن تكون هذه النجوم في السماء الدنيا ، وقد ذكر الجلال السيوطي وغيره أنه جاء في بعض الآثار أن الكواكب معلقة بسلاسل من نور بأيدي ملائكة في السماء الدنيا يسيرونها حيث شاء الله تعالى وكيف شاء إلا أن في صحة ذلك ما فيه ، على أن ما ذكر في السؤال من أن ذلك يستلزم الخرق وهو مما لا يكاد يقال إما أن يكون مبنياً على القول بامتناع الخرق والالتئام على الفلك المحدد وغيهر فقد تقرر فساد ذلك وحقق إمكان الخرق والالتئام بما لا مزيد عليه في غير كتاب من كتب الكلام ، وإما أن يكون مبنياً على مجرد الاستبعاد فهو مما لا يفيد شيئاً لأن أكثر الممكنات مستبعدة وهي واقعة ولا أظنك في مرية من ذلك بل قد يقال : نحن لا نلتزم أن الكوكب نفسه يتبع الشيطان فيحرقه ، والشهاب ليس نصاً في الكوكب لما علمت ما قيل في معناه وإن قيل : إنه بنفسه ينقض ويرمي الشيطان ثم يعود إلى مكانه لظاهر إطلاق الرجوم على النجوم وقولهم رمى بالنجم مثلاً .
وكذا لا نلتزم القول بأنه ينفصل عن الكوكب شعلة كالقبس الذي يؤخذ من النار فيرمي بها كما قاله غير واحد لنحتاج في الجواب عن السؤال بما تقدم إذ يجوز أن يقال : إنه يؤثر حيث كان بإذن الله تعالى هذه الشعلة المسماة بالشهاب ويحرق بها من شاء الله تعالى من الشياطين ، وإطلاق الرجوم على النجوم وقولهم : رمى بالنجم يحتمل أن يكون مبنياً على الظاهر للرائي كما في قوله تعالى في الشمس : { تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } [ الكهف : 86 ] وقال الإمام : إن هذه الشهب ليست هي الثوابت المركوزة في الفلك وإلا لظهر نقصان كثير في أعدادها مع أنه لم يوجد نقصان أصلاً . وأيضاً إن في جعلها رجوماً ما يوجب النقصان في زينة السماء بل هي جنس آخر غيرها يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين ، ولا يأباه قوله تعالى : { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين } حيث أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها لأنا نقول : كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن المصابيح منها باقية على وجه الدهر أمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك والشهب من هذا القسم وحينئذ يزول الإشكال انتهى . (9/466)
والجرح والتعديل بين القولين مفوضان إلى شهاب ذهنك الثاقب ، وفي أجوبته السابقة رحمه الله تعالى ما لا يخفى ضعفه ، وكذا شاهدة عليه بقلة الإطلاع على الأخبار الصحيحة المشهورة ، ألا ترى قوله في الجواب عن ثالث الأسئلة التسعة : إن البعد بين السماء والأرض خمسمائة عام وأما ثخن الفلك فإنه لا يكون عظيماً فإنه مخالف لما نطقت به الشريعة وهذت به الفلسفة ، أما مخالفته للأول فلأنه قد صح أن سمك كل سماء خمسمائة عام كما صح أن بين السماء والأرض كذلك ، وأما مخالفته للثاني فلأنه لم يقل أحد من الفلاسفة : أن بين السماء والأرض هذه المسافة التي ذكرها ، والأفلاك عندهم مختلفة في الثخن ، وقد بينوا ثخن كل بالفراسخ حسبما ذكر في كتب الأجرام والأبعاد ، وذكروا في ثخن المحدد ما يشهد بمزيد عظمة الله جل جلاله لكن لا مستند لهم قطعي في ذلك بل إن قولهم : لا فضل في الفلكيات مع كونه أشبه شيء بالخطابيات يعكر عليه .