صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
حالاً من مفعول { يُصَيبُ } أي يصيب بها من يشاء في حال جداله أو من مفعول { يَشَاء } على ما قيل وهو كما ترى ، ولا يعين سبب النزول الحالية كما لا يخفى { وَهُوَ } سبحانه وتعالى { شَدِيدُ المحال } أي المماحلة وهي المكايدة من محل بفلان بالتخفيف إذا كاده وعرضه للهلاك ، ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه فهو مصدر كالقتال ، وقيل : هو اسم لا مصدر من المحل بمعنى القوة وحمل على ذلك قول الأعشى : (9/227)
فرع نبل يهتز في غصن المج ... د عظيم الندى شديد المحال
وقول عبد المطلب :
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك
وكأن أصله من المحل بمعنى القحط ، وكلا التفسيرين مروي على ابن عباس ، وقيل : هو مفعل لأفعال من الحول بمعنى القوة ، وقال ابن قتيبة : هو كذلك من الحيلة المعروفة وميمه زائدة كميم مكان ، وغلطه الأزهري بأنه لو كان مفعلاً لكان كمرود ومحور ، واعتذر عن ذلك بأنه أعل على غير قياس ، وأيد دعوى الزيادة بقراءة الضحاك . والأعرج { المحال } بفتح الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال لأن الأصل توافق القراءتين ، ويقال للحيلة أيضاً المحالة؛ ومنه المثل المرء يعجز لا المحالة ، وقال أبو زيد : هو بمعنى النقمة وكأنه أخذه من المحل بمعنى القحط أيضاً ، وقال ابن عرفة : هو الجدال يقال : ما حل عن أمره أي جادل ، وقيل : هو بمعنى الحقد وروي عن عكرمة وحملوه على التجوز .
وجوز أن يكون { المحال } بالفتح بمعنى الفقار وهو عمود الظهر وقوامه ، قال في الأساس : يقال فرس قوي المحال أي الفقار الواحدة محالة والميم أصلية ، ويكون ذلك مثلاً في القوة والقدرة كما جاء في الحديث الصحيح « فساعد الله تعالى أسد وموساه أحد » لأن الشخص إذا اشتد محاله كان منعوتاً بشدة القوة والاضطلاع بما يعجز عنه غيره ، ألا ترى إلى قولهم : فقرته الفواقر وهو مثل لتوهين القوى ، وبهذا الحمل لا يلزم إثبات الجسمية له تعالى ، والجملة الاسمية في موضع الحال من الاسم الجليل .
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)
{ لَهُ } أي لله تعالى { دَعْوَةُ الحق } أي الدعاء والتضرع الثابت الواقع في محله المجاب عند وقوعه ، والإضافة للإيذان بملابسة الدعوة للحق واختصاصها به وكونها بمعزل من شائبة البطلان والضلال والضياع كما يقال : كلمة الحق؛ والمراد أن إجابة ذلك له تعالى دون غيره ، ويؤيده ما بعد كما لا يخفى وقيل : المراد بدعوة الحق الدعاء عند الخوف فإنه لا يدعي فيه إلا الله تعالى كما قال سبحانه : { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } [ الإسراء : 67 ] وزعم الماوردي أن هذا أشبه بسياق الآية ، وقيل : الدعوة بمعنى الدعاء أي طلب الإقبال ، والمراد به العبادة للاشتمال ، والإضافة على طرز ما تقدم ، وبعضنم يقول : إن هذه الإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة والكلام فيها شهير ، وحاصل المعنى أن الذي يحق أن يعبد هو الله تعالى دون غيره . (9/228)
ويفهم من كلام البعض على ما قيل أن الدعوة بمعنى الدعاء ومتعلقها محذوف أي للعبادة ، والمعنى أنه الذي يحق أن يدعي إلى عبادته دون غيره ، ولا يخفى ما بين المعنيين من التلازم فإنه إذا كانت الدعوة إلى عبادته سبحانه حقاً كانت عبادته جل شأنه حقاً وبالعكس ، وعن الحسن أن المراد من الحق هو الله تعالى ، وهو كما في «البحر» ثاني الوجهين اللذين ذكرهما الزمخشري ، والمعنى عليه كما قال : له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ، والأول ما أشرنا إليه أولاً وجعل الحق فيه مقابل الباطل .
وبين صاحب الكشف حاصل الوجهين بأن الكلام مسوق لاختصاصه سبحانه بأن يدعي ويعبد رداً لمن يجادل في الله تعالى ويشرك به سبحانه الأنداد ولا بد من أن يكون في الإضافة إشعار بهذا الاختصاص ، فإن جعل الحق في مقابل الباطل فهو ظاهر ، وإن جعل اسماً من أسمائه تعالى كان الأصل لله دعوته تأكيداً للاختصاص من اللام والإضافة ثم زيد ذلك بإقامة الظاهر مقام المضمر معاداً بوصف ينبىء عن اختصاصها به أشد الاختصاص فقيل : له دعوة المدعو الحق والحق من أسمائه سبحانه يدل على أنه الثابت بالحقيقة وما سواه باطل من حيث هو وحق بتحقيقه تعالى إياه فيتقيد بحسب كل مقام للدلالة على أن مقابله لا حقيقة له ، وإذا كان المدعو من دونه بطلانه لعدم الاستجابة فهو الحق الذي يسمع فيجيب انتهى . وبهذا سقط ما قاله أبو حيان في الاعتراض على الوجه الثاني من أن مآله إلى الله دعوة الله وهو نظير قولك : لزيد دعوة زيد ولا يصح ذلك ، واستغنى عما قال العلامة الطيبي في تأويله : من أن المعنى ولله تعالى الدعوة التي تليق أن تنسب وتضاف إلى حضرته جل شأنه لكونه تعالى سميعاً بصيراً كريماً لا يخيب سائله فيجيب الدعاء فإن ذلك كما ترى قليل الجدوى .
ويعلم مما في «الكشف» وجه تعلق هذه الجملة بما تقدم ، وقال بعضهم : وجه تعلق هذه الجملة التي قبلها أعني قوله تعالى : { وَهُوَ شَدِيدُ المحال } [ الرعد : 13 ] إن كان سبب النزول قصة أربد . وعامر أن إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من الله تعالى وإجابة لدعوة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : " اللهم احبسهما عني بما شئت " أو دلالة على رسوله صلى الله عليه وسلم على الحق ، وإن لم يكن سبب النزول ذلك فالوجه أن ذلك وعيد للكفرة على مجادلتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وتهديد بإجابة دعائه عليه الصلاة والسلام أن دعا عليهم أو بيان ضلالتهم وفساد رأيهم في عبادة غير الله تعالى ، ويعلم مما ذكر وجه التعلق على بعض التفاسير إذا قلنا : إن سبب النزول قصة اليهودي أو الجبار فتأمل . (9/229)
{ والذين يَدْعُونَ } أي الأصنام الذين يدعونهم أي المشركون ، وحذف عائد الموصول في مثل ذلك كثير ، وجوز أن يكون الموصول عبارة عن المشركين وضمير الجمع المرفوع عائد إليه ومفعول { يَدَّعُونَ } محذوف أي الأصنام وحذف لدلالة قوله تعالى : { مِن دُونِهِ } عليه لأن معناه متجاوزين له وتجاوزه إنما هو بعبادتها ويؤيد الوجه الأول قراءة البزدوي عن أبي عمرو { تَدْعُونَ } بتاء الخطاب ، وضمير { لا } عليه عائد على { يَتَذَكَّرُونَ الذين } وعلى الثاني عائد على مفعول { يَدَّعُونَ } وعلى كل فالمراد لا يستجيب الأصنام { لَهُمْ } أي للمشركين { بِشَىْء } من طلباتهم { إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ إِلَى الماء } أي لا يستجيبون شيئاً من الاستجابة وطرفاً منها إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد يطلبه ويدعوه { لِيَبْلُغَ } أي الماء بنفسه من غير أن يؤخذ بشيء من إناء ونحوه { فَاهُ وَمَا هُوَ } أي الماء { بِبَالِغِهِ } أي ببالغ فيه أبداً لكونه جماداً لا يشعر بعطشه وبسط يديه إليه ، وجوز أبو حيان كون { هُوَ } ضمير الفم والهاء في { *بالغه } ضمير الماء أي وما فوه ببالغ الماء لأن كلاً منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحال .
وجوز بعضهم كون الأول ضمير { وَكَلْبُهُمْ باسط } والثاني ضمير «الماء» قال أبو البقاء : ولا يجوز أن يكون الأول عائداً على «باسط» والثاني عائداً على الفم لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له لزم إبراز الفاعل فكان يجب على ذلك أن يقال : وما هو ببالغه الماء ، والجمهور على ما سمعت أولاً ، والغرض كما قال بعض المدققين نفي الاستجابة على البت بتصوير أنهم أحوج ما يكونون إليها لتحصيل مباغيهم أخيب ما يكون أحد في سعيه لما هو مظطر إليه ، والحاصل أنه شبه آلهتهم حين استكفائهم إياهم ما أهمهم بلسان الاضطرار في عدم الشعور فضلاً عن الاستطاعة للاستجابة وبقائهم لذلك في الخسار بحال ماء بمرأى من عطشان باسط كفيه إليه يناديه عبارة وإشارة فهو لذلك في زيادة الكباد والبوار ، والتشبيه على هذا من المركب التمثيلي في الأصل أبرز في معرض التهكم حيث أثبت أنهما استجابتان زيادة في التخسير والتحسير ، فالاستثناء مفرغ من أعم عام المصدر كما أشرنا إليه ، والظاهر أن الاستجابة هناك مصدر من المبنى للفاعل وهو الذي يقتضيه الفعل الظاهر ، وجوز أن يكون من المبني للمفعول ويضاف إلى الباسط بناءاً على استلزام المصدر من المبني للفاعل للمصدر من المبني للمفعول وجوداً وعدماً فكأنه قيل : لا يستجيبون لهم بشيء فلا يستجاب لهم استجابة كائنة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء كما في قول الفرزدق :
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مجلف (9/230)
أي لم يدع فلم يبق إلا مسحت أو مجلف . وأبو البقاء يجعل الاستجابة مصدر المبني للمفعول وإضافته إلى { باسط } من باب إضافة المصدر إلى مفعوله كما في قوله تعالى : { لاَّ يَسْئَمُ الانسان مِن دُعَاء الخير } [ فصلت : 49 ] والفاعل ضمير { الماء } على الوجه الثاني في الموصول ، وقد يراد من بسط الكفين إلى الماء بسطهما أي نشر أصابيعهما ومدها لشربه لا للدعاء ، والإشارة إليه كما أشرنا إليه فيما تقدم ، وعلى هذا قيل : شبه الداعون لغير الله تعالى بمن أراد أن يغرف الماء بيديه فبسطهما ناشراً أصابعه في أنهما لا يحصلان على طائل ، وجعل بعضهم وجه الشبه قلة الجدوى ، ولعله أراد عدمها لكنه بالغ بذكر القلة وإرادة العدم دلالة على هضم الحق وإيثار الصدق ولإشمام طرف من التهكم ، والتشبيه على هذا من تشبيه المفرد المقيد كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء : هو كالراقم على الماء؛ فإن المشبه هو الساعي مقيداً بكون سعيه كذلك والمشبه به هو الراقم مقيداً بكونه على الماء كذلك فيما نحن فيه ، وليس من المركب العقلي في شيء على ما توهم . نعم وجه الشبه عقلي اعتباري والاستثناء مفرغ عن أعم عام الأحوال أي لا يستجيب الآلهة لهؤلاء الكفرة الداعين إلا مشبهين أعني الداعين بمن بسط كفيه ولم يقبضهما وأخرجهما كذلك فلم يحصل على شيء لأن الماء يحصل بالقبض لا بالبسط . وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أن ذلك تشبيه بعطشان على شفير بئر بلا رشاء ولا يبلغ قعر البئر ولا الماء يرتفع إليه ، وهو راجع إلى الوجه الأول وليس مغايراً له كما قيل ، وعن أبي عبيدة أن ذلك تشبيه بالقابض على الماء في أنه لا يحصل على شيء ، ثم قال : والعرب تضرب المثل في الساعي فيما لا يدركه بذلك ، وأنشد قول الشاعر :
فأصبحت فيما كان بيني وبينها ... من الود مثل القابض الماء باليد (9/231)
وقوله :
وإني وإياكم وشوقاً إليكم ... كقابض ماء لم تسعه أنامله
وهو راجع إلى الوجه الثاني خلا أنه لا يظهر من { باسط } معنى قابض فإن بسط الكف ظاهر في نشر الأصابيع ممدودة كما في قوله :
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... أراد انقباضاً لم تطعه أنامله
وكيفما كان فالمراد بباسط شخص باسط أي شخص كان ، وما يقتضيه ظاهر ما روي عن بكير بن معروف من أنه قابيل حيث أنه لما قتل أخاه جعل الله تعالى عذابه أن أخذ بناصيته في البحر ليس بينه وبين الماء إلا إصبع فهو يريده ولا يناله مما لا ينبغي أن يعول عليه . وقرىء { كباسط كَفَّيْهِ } بالتنوين أي كشخص يبسط كفيه { وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِى ضلال } أي في ضياع وخسار وباطل ، والمراد بهذا الدعاء إن كان دعاء آلهتهم فظاهر أنه كذلك لكنه فهم من السابق وحينئذٍ يكون مكرراً للتأكيد ، وإن كان دعاءهم الله تعالى فقد استشكلوا ذلك بأن دعاء الكافرين قد يستجاب وهو المصرح به في الفتاوى ، واستجابة دعاء إبليس وهو رأس الكافر نص في ذلك . وأجيب بأن المراد دعاؤهم الله تعالى بما يتعلق بالآخرة ، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن أصوات الكفار محجوبة عن الله تعالى فلا يسمع دعاؤهم ، وقيل : يجوز أن يراد دعاؤهم مطلقاً ولا يقيد بما أجيبوا به .
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (15)
{ وَللَّهِ } وحده { يَسْجُدُ } يخضع وينقاد لا لشيء غيره سبحانه استقلالاً ولا اشتراكاً ، فالقصر ينتظم القلب والإفراد { مَن فِى * السموات والارض } من الملائكة والثقلين كما يقتضيه ظاهر التعبير بمن ، وتخصيص انقياد العقلاء مع كون غيرهم أيضاً كذلك لأنهم العمدة وانقيادهم دليل انقياد غيرهم على أن فيما سيأتي إن شاء الله تعالى بياناً لذلك ، وقيل : المراد ما يشمل أولئك وغيرهم ، والتعبير بمن للتغليب { طَوْعًا وَكَرْهًا } نصب على الحال ، فإن قلنا بوقوع المصدر حالاً من غير تأويل فهو ظاهر وإلا فهو بتأويل طائعين وكارهين أي أنهم خاضعون لعظمته تعالى منقادون لإحداث ما أراد سبحانه فيهم من أحكام التكوين والإعدام شاؤوا أو أبوا من غير مداخلة حكم غيره جل وعلا بل غير حكمه تعالى في شيء من ذلك . (9/232)
وجوز أن يكون النصب على العلة فالكره بمعنى الإكراه وهو مصدر المبني للمفعول ليتحد الفاعل بناءً على اشتراط ذلك في نصب المفعول لأجله وهو عند من لم يشترط على ظاهره ، وما قيل عليه من أن اعتبار العلية في الكره غير ظاهر لأنه الذي يقابل الطوع وهو الإباء ولا يعقل كونه علة للسجود فمدفوع بأن العلة ما يحمل على الفعل أو ما يترتب عليه لا ما يكون غرضاً له وقد مر عن قرب فتذكره ، وقيل : النصب على المفعولية المطلقة أي سجود طوع وكره { وظلالهم } أي وتنقاد له تعالى ظلال من له ذلك منهم وهم الإنس فقط أو ما يعمهم وكل كثيف .
وفي «الحواشي الشهابية» ينبغي أن يرجع الضمير لمن في الأرض لأن من في السماء لا ظل له إلا أن يحمل على التغليب أو التجوز ، ومعنى انقياد الظلال له تعالى أنها تابعة لتصرفه سبحانه ومشيئته في الامتداد والتقلص والفىء والزوال ، وأصل الظل كما قال الفراء مصدر ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم ، وهو إما معكوس أو مستو ويبني على كل منهما أحكام ذكروها في محلها { بالغدو والاصال } ظرف للسجود المقدر والباء بمعنى في وهو كثير ، والمراد بهما الدوام لأنه يذكر مثل ذلك للتأبيد ، قيل : فلا يقال لم خص بالذكر؟ وكذا يقال : إذا كانا في موضع الحال من الظلال ، وبعضهم يعلل ذلك بأن امتدادها وتقلصها في ذينك الوقتين أظهر .
والغدو جمع غداة كقنى وقناة ، والآصال جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب ، وقيل : هو جمع أصل جمع أصيل ، وأصله أأصال بهمزتين فقلبت الثانية ألفاً ، وقيل : الغدو مصدر وأيد بقراءة ابن مجلز { *الإيصال } بكسر الهمة على أنه مصدر آصلنا بالمد أي دخلنا في الأصيل كما قاله ابن جني هذا ، وقيل : إن المراد حقيقة السجود فإن الكفرة حالة الاضطرار وهو المعنى بقوله تعالى : { طَوْعًا وَكَرْهًا } يخصون السجود به سبحانه قال تعالى :
{ فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ العنكبوت : 65 ] ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال أفهاماً وعقولاً بها تسجد لله تعالى شأنه كما خلق جل جلاله ذلك للجبال حتى اشتغلت بالتسبيح وظهرت فيها آثار التجلي كما قاله ابن الأنباري ، وجوز أن يراد بسجودها ما يشاهد فيها من هيئة السجود تبعاً لأصحابها ، وهذا على ما قيل : مبني على ارتكاب عموم المجاز في السجود المذكور في الآية بأن يراد به الوقوع على الأرض فيشمل سجود الظلال بهذا المعنى أو تقدير فعل مؤد ذلك رافع للظلال أو خبر له كذلك أو التزام أن إرادة ما ذكر لا يضر في الحقيقة لكونه بالتبعية والعرض أو أن الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز ولا يخفى ما في بعض الشقوق من النظر . وعن قتادة أن السجود عبارة عن الهيئة المخصوصة وقد عبر بالطوع عن سجود الملائكة عليهم السلام والمؤمنين وبالكره عن سجود من ضمه السيف إلى الإسلام فيسجد كرهاً إما نفاقاً أو يكون الكره أول حالة فيستمر عليه الصفة وإن صح إيمانه بعد ، وقيل : الساجد طوعاً من لا يثقل عليه السجود والساجد كرهاً من يثقل عليه ذلك . وعن ابن الأنباري الأول من طالت مدة إسلامه فألف السجود والثاني من بدأ بالإسلام إلى أن يألف ، وأياً ما كان فمن عام أريد به مخصوص إذ يخرج من ذلك من لا يسجد ، وقيل : هو عام لسائر أنواع العقلاء والمراد بيسجد يجب أن يسجد لكن عبر عن الوجوب بالوقوع مبالغة . (9/233)
واختار غير واحد في تفسير الآية ما ذكرناه أولاً ، ففي «البحر» والذي يظهر أن مساق الآية إنما هو أن العالم كله مقهور لله تعالى خاضع لما أراد سبحانه منه مقصور على مشيئته لا يكون منه إلا ما قدر جل وعلا فالذين تعبدونهم كائناً ما كانوا داخلون تحت القهر لا يستطيعون نفعاً ولا ضراً ، ويدل على هذا المعنى تشريك الظلال في السجود وهي ليست أشخاصاً يتصور منها السجود بالهيئة المخصوصة ولكنها داخلة تحت مشيئته تعالى يصرفها سبحانه حسبما أراد إذ هي من العالم والعالم جواهره وأعراضه داخلة تحت قهر إرادته تعالى كما قال سبحانه : { أَوَ لَمْ * يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَىْء * يَتَفَيَّأُ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّدًا لِلَّهِ } [ النحل : 48 ] وكون المراد بالظلال الأشخاص كما قال بعضهم ضعيف وأضعف منه ما قاله ابن الأنباري ، وقياسها على الجبال ليس بشيء لأن الجبل يمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة وأما الظل فعرض لا يتصور قيام الحياة به وإنما معنى سجودها ميلها من جانب إلى جانب واختلاف أحوالها كما أراد سبحانه وتعالى . وفي إرشاد العقل السليم بعد نقل ما قيل أولاً وأنت خبير بأن اختصاص سجود الكافر حالة الاضطرار والشدة لله تعالى لا يجدي فإن سجوده للصنم حالة الاختيار والرخاء مخل بالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور ، فالوجه حمل السجود على الانقياد ولأن تحقيق انقياد الكل في الإبداع والإعدام له تعالى ادخل في التوبيخ على اتخاذ أولياء من دونه سبحانه وتعالى من تحقيق سجودهم له تعالى اه؛ وفي تلك الأقوال بعد ما لا يخفى على الناقد البصير .
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)
{ قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والارض } تحقيق كما قال بعض المحققين لأن خالقهم ومتولي أمرهما مع ما فيهما على الإطلاق هو الله تعالى ، وقيل : إنه سبحانه بعد أن ذكر انقياد المظروف لمشيئته تعالى ذكر ما هو كالحجة على ذلك من كونه جل وعلا خالق هذا الظرف العظيم الذي يبهر العقول ومدبره أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دونه أولياء من رب هذه الأجرام العظيمة العلوية والسفلية؟ { قُلِ الله } أمر صلى الله عليه وسلم بالجواب إشعاراً بأنه متعين للجوابية فهو عليه الصلاة والسلام والخصم في تقريره سواء ، ويجوز أن يكون ذلك تلقيناً للجواب ليبين لهم ما هم عليه من مخالفتهم لما علموه ، وقيل : إنه حكاية لاعترافهم والسياق يأباه . (9/234)
وقال مكي : إنهم جعلوا الجواب فطلبوه من جهته صلى الله عليه وسلم فأمر بإعلامهم به ، ويبعده أنه تعالى قد أخبر بعلمهم في قوله سبحانه : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والارض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] وحينئذٍ كيف يقال : إنهم جعلوا الجواب فطلبوه؟ نعم قال البغوي : روي أنه لما قال صلى الله عليه وسلم ذلك للمشركين عطفوا عليه فقالوا : أجب أنت فأمره الله تعالى بالجواب ، وهو بفرض صحته لا يدل على جهلهم كما لا يخفى { قُلْ } الزاماً لهم وتبكيتاً { أفاتخذتم } لأنفسكم { مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } عاجزين { لاَ يَمْلِكُونَ لانْفُسِهِمْ } وهي أعز عليهم منكم { نَفْعاً } يستجلبونه { وَلاَ ضَرّا } يدفعونه عنها فضلاً عن القدرة على جلب النفع للغير ودفع الضرر عنه ، والهمزة للإنكار ، والمراد بعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء في غاية العجز عن نفعكم فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم سبب الإشراك ، فالفاء عاطفة للتسبب والتفريع دخلت الهمزة عليه لأن المنكر الاتخاذ بعد العلم لا العلم ولا هما معاً ، ووصف الأولياء بما ذكر مما يقوي الإنكار ويؤكده ، ويفهم على ما قيل من كلام البعض أن هذا دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن ينفعوهم ، واختلف في الدليل الأول فقيل : هو ما يفهم من قوله تعالى : { قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء } وقيل : هو ما يفهم من قوله سبحانه : { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } [ الرعد : 14 ] الخ فتدبر .
{ قُلْ } تصويراً لآراثهم الركيكة بصورة المحسوس { هَلْ يَسْتَوِى الاعمى } الذي هو المشرك الجاهل بالعبادة ومستحقها { والبصير } الذي هو الموحد العالم بذلك وإلى هذا ذهب مجاهد ، وفي الكلام عليه استعارة تصريحية ، وكذا على ما قيل : إن المراد بالأول الجاهل بمثل هذه الحجة وبالثاني العالم بها ، وقيل : إن الكلام على التشبيه والمراد لا يستوي المؤمن والكافر كما لا يستوي الأعمى والبصير فلا مجاز .
ومن الناس من فسر الأول بالمعبود الغافل والثاني بالمعبود العالم بكل شيء وفيه بعد { أَمْ هَلْ تَسْتَوِى } التي هي عبارة عن الكفر والضلال { وَرَسُولِهِ والنور } الذي هو عبارة عن الإيمان والتوحيد وروي ذلك عن مجاهد أيضاً ، وجمع الظلمات لتعدد أنواع الكفر ككفر النصارى وكفر المجوس وكفر غيرهم ، وكون الكفر كله ملة واحدة أمر آخر . (9/235)
و { أَمْ } كما في «البحر» منقطعة وتقدر ببل والهمزة على المختار ، والتقدير بل أهل تستوي ، وهل وإن نابت عن الهمزة في كثير من المواضع فقد جامعتها أيضاً كما في قوله :
أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم ... وإذا جامعتها مع التصريح بها فلأن تجامعها مع أم المتضمنة لها أولى ، ويجوز فيها بعد { أَمْ } هذه أن يؤتى بها لشبهها بالأدوات الاسمية التي للاستفهام في عدم الأصالة فيه كما في قوله تعالى : { أَمَّن يَمْلِكُ السمع والابصار } [ يونس : 31 ] ويجوز أن لا يؤتى بها لأن { أَمْ } متضمنة للاستفهام ، وقد جاء الأمران في قوله :
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم
وقرأ الإخوان . وأبو بكر { أَمْ هَلْ * يَسْتَوِى } بالباء التحتية ، ثم إنه تعالى أكد ما اقتضاه الكلام السابق من تخطئة المشركين فقال سبحانه : { أَمْ جَعَلُواْ } أي بل أجعلوا { لِلَّهِ } جل وعلا { شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } سبحانه وتعالى ، والهمزة لإنكار الوقوع وليس المنكر هو الجعل لأنه واقع منهم وإنما هو الخلق كخلقه تعالى ، والمعنى أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاء خلقوا كخلقه { فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ } بسبب ذلك وقالوا : هؤلاء خلقوا كخلق الله تعالى واستحقوا بذلك العبادة كما استحقها سبحانه ليكون ذلك منشأ لخطئهم بل إنما جعلوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلاً عما يقدر عليه الخالق ، والمقصود بالإنكار والنفي هو القيد والمقيد على ما نص عليه غير واحد من المحققين . وفي الانتصاف أن { خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } في سياق الإنكار جىء به للتهكم فإن غير الله تعالى لا يخلق شيئاً لا مساوياً ولا منحطاً وقد كان يكفي في الإنكار لولا ذلك أن الآلهة التي اتخذوها لا تخلق .
وتعقبه الطيبي بأن إثبات التهكم تكلف فإنه ذكر الشيء وإرادة نقيضه استحقاراً للمخاطب كما في قوله تعالى : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] وههنا { كَخَلْقِهِ } جيء به مبالغة في إثبات العجز لآلهتهم على سبيل الاستدراج وارخاء العنان ، فإنه تعالى لما أنكر عليهم أولا اتخاذهم من دونه شركاء ووضفها بأنها لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً فكيف تملك ذلك لغيرها أنكر عليهم ثانياً على سبيل التدرج وصف الخلق أيضاً ، يعني هب أن أولئك الشركاء قادرون على نفع أنفسهم وعلى نفع عبدتهم فهل يقدرون على أن يخلقوا شيئاً ، وهب أنهم قادرون على خلق بعض الأشياء فهل يقدرون على ما يقدر عليه الخالق من خلق السموات والأرض ا ه .
والحق أن الآية ناعية عليهم متهكمة بهم فإن من لا يملك لنفسه شيئاً من النفع والضر أبعد من أن يفيدهم ذلك ، وكيف يتوهم فيه أنه خالق وأن يشتبه على ذي عقل فينبه على نفيه ، وهذا المقدار يكفي في الغرض فافهم { قُلْ } تحقيقاً للحق وارشاداً لهم { والله * خالق كُلّ شَىْء } من الجواهر والاعراض ، ويلزم هذا أن لا خالق سواه لئلا يلزم التوارد وهو المقصود ليدل على المراد وهو نفي استحقاق غيره تعالى للعبادة والألوهية أي لا خالق سواه فيشاركه في ذلك الاستحقاق . (9/236)
وبعموم الآية استدل أهل السنة على أن افعال العباد مخلوقة له تعالى ، والمعتزلة تزعم التخصيص بغير أفعالهم . ومن الناس من يحتج أيضاً لما ذهب إليه أهل الحق بالآية الأولى وهو كما ترى { وَهُوَ الواحد } المتوحد بالألوهية المنفرد بالربوبية { القهار } الغالب على كل ما سواه ومن جملة ذلك آلهتهم فيكف يكون المغلوب شريكاً له تعالى ، وهذا على ما قيل كالنتيجة لما قبله ، وهو يحتمل أن يكون من مقول وأن يكون جملة مستأنفة .
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)
{ أَنزَلَ مِنَ السماء } أي من جهتها على ما هو المشاهد ، وقيل : منها نفسها ولا تجوز في الكلام . واستدل له بآثار الله تعالى أعلم بصحتها ، وقيل : انزل منها نفسها { مَاء } أي كثيراً أو نوعاً منه وهو ماء المطر باعتبار أن مباديه منها وذلك لتأثير الإجرام الفلكية في تصاعد البخار فيتجوز في { مِنْ } { فَسَالَتْ } بذلك { أَوْدِيَةٌ } دافعة في مواقعه لا جميع الأودية إذ الأمطار لا تستوعب الأقطار وهو جمع واد . (9/237)
قال أبو علي الفارسي : ولا يعلم أن فاعلاً جمع على افعلة ، ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم وشاهد وشهيد وناصر ونصير . ثم ان وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب وطائر وأطيار . ووزن فعيل بجمع على أفعلة كجريب وأجربة ، ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع فاعل جمع فعيل فيقال : واد وأودية ويجمع فعيل فاعل يتيم وأيتام وشريف وأشراف ا ه . ونظير ذلك ناد وأندية وناج وأنجية قيل . ولا رابع لها . وفي شرح التسهيل ما يخالفه . والوادي الموضع الذي يسيل فيه المار بكثيرة ، وبه سميت الفرجة بين الجبلين ويطلق على المار الجاري فيه ، وهو اسم فاعل من ودي إذا سأل فإن أريد الأول فالإسناد مجازي لو الكلام على تقدير مضاف كما قال الإمام أي مياه أودية ، وإن أريد الثاني وهو معنى مجازي من باب اطلاق اسم المحل على الحال فالإسناد حقيقي ، وإيثار التمثيل بالأودية على الأنهار المستمرة الجريات لوضوح المماثلة بين شأنها وما مثل بها كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى { بِقَدَرِهَا } أي بمقدارها الذي عينه الله تعالى واقتضته حكمته سبحانه في نفع الناس ، أو بمقدارها المتفاوت قلة وكثرة بحسب تفاوت محالها صغراً وكبراً لا بكونها مالئة لها منطبقة عليها بل بمجرد قلتها بصغرها المستلزم لقلة موارد الماء وكثرتها بكبرها المستدعى لكثرة الموارد ، فإن موارد السيل الجاري في الوادي الصغير أقل من موارد السيل الجاري في الوادي الكبير ، هذا إذا أريد بالأودية ما يسيل فيها أما أن أريد بها المعنى الحقيقي فالمعنى سالت مياهها بقدر تلك الأودية على نحو ما عرفته آنفاً أو يراد بضميرها مياهها بطريق الاستخدام ويراد بقدرها ما ذكر أولا من المعنيين قاله شيخ الإسلام ، والجار والمجرور على ما نقل عن الحوفي متعلق بسالت ، وقال أبو البقاء : إنه في موضع الصفة لأودية ، وجوز أن يكون متعلقاً بأنزل . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . والاشهب العقيلي . وأبو عمرو في رواية { بِقَدَرِهَا } بسكون الدال وهي لغة في ذلك .
{ فاحتمل } أي حمل وجاء افتعل بمعنى المجرد كاقتدر وقدر { السيل } أي المار الجاري في تلك الأودية والتعريف لكونه معهوداً مذكوراً بقوله تعالى : { أَوْدِيَةٌ } ولم يجمع لأنه كما قال الراغب مصدر بحسب الأصل ، وفي البحر أنه إنما عرف لأنه عنى به ما فهم من الفعل والذي يتضمن الفعل من المصدر وإن كان مكرة إلا أنه إذا عاد في الظاهر كان معرفة كما كان لو صرح به نكرة ، وكذا يضمر إذا عاد على ما دل عليه الفعل من المصدر نحو من كذب كان شراً له أي الكذب ، ولو جاء هنا مضمراً لكانجائزاً عائداً على المصدر المفهوم من سالت ا ه .
وأورد عليه أنه كيف يجوز أن يعني به ما فهم من الفعل وهو حدث والمذكور المعرف عين كما علمت . وأجيب بأنه بطريق الاستخدام . ورد بأن الاستخدام أن يذكر لفظ بمعنى ويعاد عليه ضمير بمعنى آخر حقيقياً كان أو مجازياً وهذا ليس كذلك لأن الأول مصدر أي حدث في ضمن الفعل وهذا اسم عين ظاهر يتص بتلك فكيف يتصور فيه الاستخدام . نعم ما ذكروه أغلبي لا يختص بما ذكر فإن مثل الضمير اسم الإشارة وكذا الاسم الظاهر ا ه . وانظر هل يجوز أن يراد من السيل المعنى المصدري فلا يحتاج إلى حديث الاستخدام أم لا ، وعلى الجواز يكون المعنى فاحتمل الماء المنزل من السماء بسبب السيل { زَبَدًا } هو الغثاء الذي يطرحه الوادي إذا جاش مائه واضطربت أمواجه على ما قاله أبو الحجاج الأعلم ، وهو معنى قول ابن عيسى : إنه وضر الغليان وخبثه ، قال الشاعر : (9/238)
وما الفرات إذا جاشت غواربه ... ترمي أواذيه العبرين بالزبد
{ رَّابِيًا } أي عالياً منتفخاً فوق الماء ، ووصف الزبد بذلك قيل : بياناً لما أريد بالاحتمال المحتمل لكون المحمول غير طاف كالأشجار الثقيلة ، وإنما لم يدفع ذلك بأن يقال فاحتمل السيل زبداً فوقه للإيذان بأن تلك الفوقية مقتضى شأن الزبد لا من جهة المحتمل تحقيقاً للمماثلة بينه وبين ما مثل به من الباطن الذي شأنه الظهور في مبادىء الرأي من غير مداخلة في الحق { وَمِمَّا يُوقِدُونَ } ابتداء جملة كما روي عن مجاهد معطوفة على الجملة الأولى لضرب مثل آخر أي ومن الذي يفعلون الايقاد { عَلَيْهِ } وضمير الجمع للناس أضمر مع عدم السبق لظهوره ، وقرأ أكثر السبعة . وأبو جعفر . والأعرج . وشيبة { تُوقِدُونَ } بتاء الخطاب ، والجار متعلق بما عنده وكذا قوله تعالى : { فِى النار } عند أبي البقاء . والحوفي ، قال أبو علي : قد يوقد على الشيء وليس في النار كقوله تعالى : { فَأَوْقِدْ لِى ياهامان ياهامان عَلَى الطين } [ القصص : 38 ] فإن الطين الذي أمر بالوقد عليه ليس في النار وإنما يصيبه لهبها ، وقال مكي . وغيره : إن { فِى النار } متعلق بمحذوف وقع حالاً من الموصول أي كائناً أو ثابتاً فيها ، ومنعوا تعلقه بتوقدون قالوا : لأنه لا يوقد على شيء إلا وهو في النار والتعليق بذلك يتضمن تخصيص حال من حال أخرى ، وقال أبو حيان : لو قلنا : إنه لا يوقد على شيء إلا وهو في النار لجاز أيضاً التعليق على سبيل التوكيد كما قالوا في قوله تعالى :
{ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] وقيل : إن زيادة ذلك للأشعار بالمبالغة في الاعتمال للاذابة وحصول الزبد؛ والمراد بالموصول نحو الذهب . والفضة . والحديد . والنحاس . والرصاص ، وفي عدم ذكرها بأسمائها والعدول إلى وصفها بالايقاد عليها المشعر بضربها بالمطارق لأنه لأجله وبكونها كالحطب الخسيس تهاون بها إظهاراً لكبريائه جل شأنه على ما قيل ، وهو لا ينافي كون ذلك ضرب مثل للحق لأن مقام الكبرياء يقتضي التهاون بذلك مع الإشارة إلى كونه مرغوباً فيه منتفعاً به بقوله تعالى : { ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع } فوفي كل من المقامين حقه فما قيل : إن الحل على التهاون لا يناسب المقام لأن المقصود تمثيل الحق بها وتحقيرها لا يناسبه ساقط فتأمل . (9/239)
ونصب { ابتغاء } على أنه مفعول له كما هو الظاهر ، وقال الحوفي : إنه مصدر في موضع الحال أي مبتغين وطالبين اتخاذ حلية وهي ما يتزين ويتجمل به كالحلى المتخذ من الذهب والفضة واتخاذ متاع وهو ما يتمتع به من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والرصاص وغير ذلك من الفلزات { زَبَدٌ } خبث { مّثْلِهِ } أي مثل ما ذكر من زبد الماء في كونه رابياً فوقه رفع { زَبَدٌ } على أنه مبتدأ خبره { مّمَّا * تُوقِدُونَ } و { مِنْ } لابتداء الغاية دالة على مجرد كونه مبتدأ وناشئاً منه . واستظهر أبو حيان كونها للتبعيض لأن ذلك الزبد بعض ما يوقد عليه من تلك المعادن ولم يرتضه بعض المحققين لإخلاله على ما قال بالتمثيل ، وإنما لم يتعرص لإخراج ذلك من الأرض كما تعرض لعنوان انزال الماء من السماء لعدم دخل ذلك العنوان في التمثيل على ما ستعمله إن شاء الله تعالى كما أن للعنوان السابق دخلاً فيه بل له إخلال بذلك { كذلك } أي مثل ذلك الضرب البديع المشتمل على نكت رائقة : { يَضْرِبُ الله الحق والباطل } أي مثل الحق ومثل الباطل ، والحذف للابناء على كمال التمثال بين الممثل والممثل به كأن المثل المضروب عين الحق والباطل { فَأَمَّا الزبد } من كل من السيل وما يوقدون عليه ، وأفردو لم يثن وإن تقدم زبدان لاشتراكهما في مطلق الزبدية فهما واحد باعتبار القدر المشترك { فَيَذْهَبُ } مرمياً به يقال : جفا الماء بالزبد إذا قذفه ورمى به ، ويقال : أجفأ أيضاً بمعناه ، وقال ابن الأنباري : جفاء أي متفرقاً من جفأت الريح الغيم إذا قطعته وفرقته وجفأت الرجل صرعته ، ويقال : جفأ الوادي وأجفأ إذا نشف ، وقرىء { *جفالاً } باللام بدل الهمزة وهو بمعنى متفرقاً أيضاً أخذاً من جفلت الريح الغيم كفأت ونسبت هذه القراءة إلى رؤبة ، قال ابن أبي حاتم : ولا يقرأ بقراءته لأنه كان يأكل الفأر يعني أنه كان إعرابياً جافياً ، وعنه لا تعتبر قراءة الأعراب في القرآن ، والنصب على الحالية { جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس } أي من الماء الصافي الخالص من الغثاء والجوهر المعدني الخالص من الخبث { فَيَمْكُثُ } يبقى { فِى الارض } أما الماء فيبقى بعضه في مناقعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون ونحوها؛ وأما الجوهر المعدني فيصاغ من بعضه أنواع الحلى ويتخذ من بعضه أصناف الآلات والأدوات فينتفع بكل من ذلك أنواع الانتفاعات مدة طويلة فالمراد بالمكث في الأرض ما هو أعم من المكث في نفسها ومن البقاء في أيدي المتقلبين فيها ، وتغيير ترتيب اللف الواقع في الفذلكة الموافق للترتيب الواقع في التمثيل قيل لمراعاة الملاءمة بين حالتي الذهاب والبقاء وبين ذكرهما فإن المعتبر إنما هو بقاء الباقي بعد ذهاب الذاهب لا قبله ، وقيل : النكتة في تقديم الزبد على ما ينفع أن الزبد هو الظاهر المنظور أو لا وغيره باق متأخر في الوجود لاستمراره ، والآية من الجمع والتقسيم كما لا يخفى .
وحاصل الكلام في الآيتين أنه تعالى مثل الحق وهو القرآن العظيم عند الكثير في فيضانه من جناب القدس على قلوب خالية عنه متفاوتة الاستعداد وفي جريانه عليها ملاحظة وحفظاً وعلى الألسنة مذاكرة وتلاوة مع كونه ممدا لحياتها الروحانية وما يتلوها من الملكات السنية والأعمال المرضية بالماء النازل من السماء السائل في أودية يابسة لم تجر عادتها بذلك سيلاناً مقدراً بمقدار اقتضته الحكمة في إحياء الأرض وما عليها الباقي فيها حسبما يدور عليه منافع الناس وفي كونه حلية تتحلى بها النفوس وتصل إلى البهجة الأبدية ومتاعاً يتمتع به في المعاش والمعاد بالذهب والفضة وسائر الفلزات التي يتخذ منها أنواع الآلات والأدوات وتبقى منتفعاً بها مدة طويلة ، ومثل الباطل الذي ابتلى به الكفرة لقصور نظرهم بما يظهر فيهما من غير مداخلة له فيهما واخلال بصفائهما من الزبد الرابي فوقهما المضمحل سريعاً . (9/240)
وصح عن أبي موسى الأشعري أنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم مثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أحادب اكتسبت الماء نفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به »
وقال ابن عطية : صدر الآية تنبيه على قدرة الله تعالى وإقامة الحجة على الكفرة فلما فرغ من ذلك جعله مثالاً للحق والباطل والإيمان والكفر واليقين في الشرع والشك فيه ، وكأنه أراد بعطف الإيمان وما بعده التفسير للمراد بالحق والباطل . وعن ابن عباس جعل الزبد إشارة إلى الشك والخالص منه إشارة إلى اليقين { كذلك } أي مثل ذلك الضرب العجيب { يَضْرِبُ الله الامثال } في كل باب إظهار الكمال اللطف والعناية في الإرشاد ، وفيه تفخيم لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله سبحانه : { يَضْرِبُ الله الحق والباطل } إما باعتبار ابتناء هذا على التمثيل الأول أو بجعل ذلك إشارة إليهما جميعاً . وبعد ما بين تعالى شأنه شأن كل من الحق والباطل حالاً ومآلا أكمل بيان شرع في بيان حال أهل كل منهما مآلا تكميلا للدعوة ترغيباً وترهيباً فقال سبحانه : (9/241)
لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)
{ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ } إذ دعاهم إلى الحق بفنون الدعوة التي من جملتها ضرب الأمثال فإن له لما فيه من تصوير المعقول بصورة المحسوس تأثيراً بليغاً في تسخير والنفوس ، والجار والمجرور خبر مقدم ، وقوله سبحانه : { الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة كما قال قتادة . وغيره ، وعن مجاهد الحياة الحسنى أي الطيبة التي لا يشوبها كدر أصلا . وعن ابن عباس أن المراد جزاء الكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله وفيه من البعد ما لا يخفى مبتدأ مؤخر { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ } سبحانه وعاندوا الحق الجلي { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الارض } من أصناف الأموال { جَمِيعاً } بحيث لم يشذ منه شاذ في أقطارها أو مجموعاً غير متفرق بحسب الأزمان { وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } أي بالمذكور مما في الأرض ومثله معه جميعاً ليتخلصوا عما بهم ، وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا يحيط به البيان ، والموصول مبتدأ والجملة الشرطية خبره وهي على ما قيل واقعة موقع السوأي المقابلة للحسنى الواقعة في القرينة الأولى فكأنه قيل : وللذين لم يستجيبوا له السوأى . وتعقب بأن الشرطية وان دلت على سوء حالهم لكنها بمعزل عن القيام مقام لفظ السوأى مصحوباً باللام الجارة الداخلة على الموصول أو ضميره وعليه يدور حصول المرام؛ فالذي ينبغي أن يعول عليه أن الواقع في تلك المقابلة سوء الحساب في قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب } وحيث كان اسم الإشارة الواقع مبتدأ في هذه الجملة عبارة عن الموصول الواقع مبتدأ في الجملة السابقة كان خبره أعني الجملة الظرفية خبراً عن الموصول في الحقيقة ومبيناً لإبهام مضمون الشرطية الواقعة خبراً عنه أولا ولذلك ترك العطف فكأنه قيل : والذين لم يستجيبوا له لهم سوء الحساب وذلك في قوة أن يقال : وللذين لم يستجيبوا له سوء الحساب مع زيادة تأكيد فتم حسن المقابلة على أبلغ وجه وآكده . واعتذر بأنه يمكن أن يكون المراد أن { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الارض جَمِيعاً } إلى آخر الآية واقع موقع ذلك على معنى أن رعاية حسن المقابلة لقوله تعالى : { لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى } تقتضي أن يقال : وللذين لم يستجيبوا له السوأى ولا يزاد على ذلك لكنه جيىء بقوله سبحانه : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ بدل ما ذكر ، ولعل في كلام الطيبي ما يستأنس به لذلك . وإلى اعتبار السوأى في المقابلة ذهب أيضاً صاحب الكشف قال : إن قوله تعالى : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } في مقابلة الحسنى يدل السوأى مع زيادة تصوير وتحسير ، وأوثر الأجمال في الأول دلالة على أن جزاء المستجيبين لا يدخل تحت الوصف فتدبر ، والمراد بسوء الحساب أي الحساب السيء على ما روي عن إبراهيم النخعي . (9/242)
والحسن أن يحاسبوا بذنوبهم كلها لا يغفر لهم منها شيء وهو المعنى بالمناقشة . وعن ابن عباس هو أن يحاسبوا فلا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيآتهم { وَمَأْوَاهُمُ } أي مرجعهم { جَهَنَّمَ } بيان لمؤدي ما تقدم وفيه نوع تأييد لتفسير الحسنى بالجنة { وَبِئْسَ المهاد } أي المستقر ، والمخصوص بالذم محذوف أي مهادهم أو جهنم . (9/243)
وقال الزمخشري : اللام في قوله تعالى : { لِلَّذِينَ استجابوا } متعلقة { يَضْرِبُ الله الامثال } [ الرعد : 17 ] وقوله سبحانه : { الحسنى } صفة للمصدر أي استجابوا الاستجابة الحسنى ، وقوله عز وجل : { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ } معطوف على الموصول الأول ، وقوله جل وعلا : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ كلام مستأنف مسوق لبيان ما أعد لغير المستجيبين من العذاب ، والمعنى كذلك يضرب الله تعالى الأمثال للمؤمنين المستجيبين والكافرين المعاندين أي هما مثلا الفريقين انتهى ، قال أبو حيان : والتفسير الأول أولى لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين ، والله تعالى قد ضرب أمثالاً كثيرة في هذين وفي غيرهما ولأن فيه ذكر ثواب المستجيبين بخلاف هذا ولأن تقدير الاستجابة الحسنى مشعر بتقييد الاستجابة ومقابلها ليس نفي الاستجابة مطلقاً وإنما هو نفى الاستجابة الحسنى والله تعالى قد نفى الاستجابة مطلقاً ولأنه حينئذ يكون { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ كلاماً مفلتاً أو كالمفلت إذ يصير المعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين لو أن لهم الخ ، ولو كان هناك حرف يربط { لَوْ } بما قبلها زال التفلت ، وأيضاً أنه يوهم الإشراك في الضمير وإن كان تخصيص ذلك بالكافرين معلوماً : وتعقب بأنه لا كلام في أولوية التفسير الأول لكن كون ما ذكر وجهاً لها محل كلام إذ لا مقتضى في التفسير الثاني لتقييد الأمثال عموماً بمثل هذين ، ألا ترى قوله تعالى : { كذلك } ثم إن فيه تفهيم ثواب المستجيبين أيضاً ألا يرى إلى القصر المستفاد من تقديم الظرف ، وأيضاً قوله تعالى : { الحسنى } صفة كاشفة لا مفهوم لها فإن الاستجابة لله تعالى لا تكون إلا حسنى وكيف يكون قوله سبحانه : { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } الخ مفلتاً وقد قالوا : إنه كلام مبتدأ لبيان حال المستجيبين يعنون انه استئناف بياني جواب للسؤال عن مآل حالهم ثم كيف يتوهم الإشتراك مع كون تخصيصه بالكافرين معلوماً انتهى . قال بعض المحققين : إن ما ذكر متوجه بحسب بادىء الرأي والنظرة الأولى أما إذا نظر بعين الانصاف بعد تسليم أن ذاك أولى وأقوى علم أن ما قاله أبو حيان وارد فإن قوله تعالى : { كذلك } يقتضي أن هذا شأنه وعادته عز شأنه في ضرب الأمثال فيقتضي أن ما جرت به العادة القرآنية مقيد بهؤلاء وليس كذلك ، وما ذكره المتعقب ولو سلم فهو خلاف الظاهر .
وأما قوله : إن المستجيبين معلوم مما ذكره ففرق بين العلم ضمناً والعلم صراحة ، وأما أن الصفة مؤكدة أو لا مفهوم لها فخلاف الأصل أيضاً ، وكون الجملة غير مرتبطة بما قبلها ظاهر ، والسؤال عن حال أحد الفريقين مع ذكرهما ملبس ، وعود الضمير على ما قبله مطلقاً هو المتبارد وما ذكر لا يدفع الإيهام . وفي إرشاد العقل السليم بعد نقل التفسير الأخير وحمل الأمثال فيه على الأمثال السابقة : وأنت خبير بأن عنوان الاستجابة وعدمها لا مناسبة بينه وبين ما يدور عليه أمر التمثيل وأن الاستعمال المستفيض دخول اللام على من يقصد تذكيره بالمثل . نعم قد يستعمل في هذا المعنى أيضاً كما في قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ * امرأة فِرْعَوْنَ إِذْ } [ التحريم : 11 ] ونظائره ، على أن بعض الأمثال المضروبة لا سيما المثل الأخير الموصول بالكلام ليس مثل الفريقين بل مثل للحق والباطل ولا مساغ لجعل الفريقين مضروباً لهم أيضاً بأن يجعل في حكم أن يقال : كذلك يضرب الله الأمثال للناس إذ لا وجه حينئذ لتنويعهم إلى المستجيبين وغير المستجيبين؛ ويؤيد هذا ما في الكشف حيث قال : إن جعل { لِلَّذِينَ استجابوا } من تتمة الأمثال لا من صلة يضرب متكلف لأنهما مثلا الحق والباطل بالاصالة ومن صلة { يَضْرِبُ } [ الرعد : 17 ] أبعد لأن الأمثال إنما ضربت لمن يعقل . (9/244)
ثم إن كون المراد بالأمثال الأمثال السابقة مبني على أن ما تقدم كان أمثالاً والمشهور أنه مثلان ، نعم أخرج ابن جرير . وغيره عن قتادة أنه قال في الآية : هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد ، وبعد هذا كله لا شك في سلامة التفسير الأول من القيل والقال وانه الذي يستدعيه النظم الجليل لأن تمام حسن الفاصلة أن تكون كاسمها ولهذا انحط قول امرىء القيس :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما إلا صباح منك بأمثل
عن قول المتنبي :
إذا كان مدحاً فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعراً متيم
وهو الذي فهمه السلف من الآية ، ومن هنا كان أكثر الشيوخ يقفون على الأمثال ويتبدءون بقوله تعالى : { لِلَّذِينَ استجابوا } وقال صاحب المرشد : إنه وقف تام والوقف على { الحسنى } حسن وكذا على { لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } والعجب من الزمخشري كيف اختار خلاف ذلك مع وضوحه والله تعالى أعلم .
ومن باب الإشارة : { المر } أي الذات الأحدية واسمه العليم واسمه الأعظم ومظهره الذي هو الرحمة { تِلْكَ ءايات } علامات { الكتاب } [ الرعد : 1 ] الجامع الذي هو الوجود المطلق { الله الذى رَفَعَ * السموات *بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } أي بغير عمد مرئية بل بعمد غير مرئية ، وجعل الشيخ الأكبر قدس سره عمادها الإنسان الكامل ، وقيل : النفس المجردة التي تحركها بواسطة النفس المنطبعة وهي قوة جسمانية سارية في جميع أجزاء الفلك لا يختص بها جزء دون جزء لبساطته وهي بمنزلة الخيال فينا وفيه ما فيه ، وقيل : رفع سموات الأرواح بلا مادة تعمدها بل مجردة قائمة بنفسها { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } بالتأثير والتقويم ، وقيل : عرش القلب بالتجلي { وَسَخَّرَ الشمس } شمس الروح بإدراك المعارف الكلية واستشراف الأنوار العالية { والقمر } قمر القلب بإدراك ما في العالمين والاستمداد من فوق ومن تحت ثم قبول تجليات الصفات { كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى } وهو كما له بحسب الفطرة { يُدَبّرُ الامر } في البداية بتهيئة الاستعداد وترتيب المبادي { يُفَصّلُ الآيات } في النهاية بترتيب الكمالات والمقامات { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ } عند مشاهدة آيات التجليات
{ تُوقِنُونَ } [ الرعد : 2 ] عين اليقين . (9/245)
وقال ابن عطاء : يدبر الأمر بالقضاء السابق ويفصل الآيات بأحكام الظاهر لعلكم توقنون أن الله تعالى الذي يجري تلك الأحوال لا بد لكم من الرجوع إليه سبحانه { وَهُوَ الذى مَدَّ الارض } أي أرض قلوب أوليائه ببسط أنوار المحبة { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } المعرفة لئلا تتزلزل بغلبة هيجان المواجيد وجعل فيها { أَنْهَاراً } من علوم الحقائق { وَمِن كُلّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين } وهي ثمرات أشجار الحكم المتنوعة { يغشى * وَهُوَ الذى } تجلى الجلال وتجلى الجمال { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ الرعد : 3 ] في آيات الله تعالى ، قال أبو عثمان : الفكر إراحة القلب من وساوس التدبير ، وقيل : تصفيته لوارد الفوائد ، وقيل : الإشارة في ذلك إلى مد أرض الجسد وجعل رواسي العظام فيها وأنهار العروق وثمرات الأخلاق من الجود والبخل والفجور والعفة والجبن والشجاعة والظلم والعدل وأمثالها والسواد والبياض والحرارة والبرودة والملاسة والخشونة ونحوها ، وتغشية ليل ظلمة الجسمانيات نهار الروحانيات وفي ذلك آيات لقوم يتفكرون في صنع الله تعالى وتطابق عالميه الأصغر والأكبر { وَفِى الارض قِطَعٌ متجاورات } فقلوب المحبين مجاورة لقلوب المشتاقين وهي لقول العاشقين وهي لقلوب الوالهين وهي لقلوب الهائمين وهي لقلوب العارفين وهي لقلوب الموحدين ، وقيل : في أرض القلوب قطع متجاورات قطع النفوس وقطع الأرواح وقطع الأسرار وقطع العقول والأولى تنبت شوك الشهوات والثانية زهر المعارف والثالثة نبات كواشف الأنوار والرابعة أشجار نور العلم وفيها { جنات مّن * أعناب } أي أعناب العشق { وَزَرْعٌ } أي زرع دقائق المعرفة { وَنَخِيلٌ } أي نخل الإيمان { صنوان } في مقام الفرق { وَنَخِيلٌ صنوان } في مقام الجمع ، وقيل : صنوان إيمان مع شهود وغير صنوان إيمان بدونه { يسقى بِمَاء واحد } وهو التجلي الذي يقتضيه الجود المطلق { وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الاكل } [ الرعد : 4 ] في الطعم الروحاني ، وقيل : أشير أيضاً إلى أن في أرض الجسد قطعاً متجاورات من العظم واللحم والشحم والعصب وجنات من أشجار القوى الطبيعية والحيوانية والإنسانية من أعناب القوى الشهوانية التي يعصر منها هوى النفس والقوى العقلية التي يعصر منها هوى النفس والقوى العقلية التي يعصر منها خمر المحبة والعشق وزرع القوى الإنسانية ونخيل سائر الحواس الظاهرة والباطنة صنوان كالعينين والاذنين وغير صنوان كاللسان وآلة الفكر والوهم يسقى بماء واحد وهو ماء الحياة ونفضل بعضها على بعض في أكل الإدراكات والملكات كتفضيل مدركات العقل على الحس والبصر على اللمس وملكة على العفة وهكذا { وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } بعد ظهور الآيات { مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } ولم يعلموا أن القادر على ذلك قادر على أن يحيي الموتى .
وقيل : إن منشأ التعجب أنهم أنكروا الخلق الجديد يوم القيامة مع أن الإنسان في كل ساعة في خلق آخر جديد بل العالم بأمره في كل لحظة يتجدد بتبدل الهيآت والأحوال والأوضاع والصور ، وإلى كون العالم كل لحظة في خلق جيديد ذهب الشيخ الأكبر قدس سره فعنده الجوهر وكذا العرض لا يبقى زمانين كما أن العرض عند الأشعري كذلك ، وهذا عند الشيخ قدس سره مبني على أن الجواهر والإعراض كلها شؤنه تعالى عما يقوله الظالمون علواً كبيراً وهو سبحانه كل يوم أي وقت في شأن ، وأكثر الناس ينكرون على الأشعري قوله بتجدد الاعراض ، والشيخ قدس سره زاد في الشطرنج جملاً ولا يكاد يدرك ما يقوله بالدليل بل هو موقوف على الكشف والشهود ، وقد اغتر كثير من الناس بظاهر كلامه فاعتقدوه من غير تدبر فضلوا وأضلوا { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } فلم يعرفوا عظمته سبحانه { وَأُوْلَئِكَ الاغلال فِى أعناقهم } فلا يقدرون أن يرفعوا رؤوسهم المنتكسة إلى النظر في الآيات { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ الرعد : 5 ] لعظم ما أتوا به { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } بمناسبة استعدادهم للشر { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } عقوبة أمثالهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } أنفسهم باكتساب الأمور الحاجبة لهم عن النور ولم ترسخ فيهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } [ الرعد : 6 ] لمن رسخت فيه { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ } لعمى بصائرهم عن مشاهدة الآيات الشاهدة بالنبوة { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ } تشهد له صلى الله عليه وسلم بذلك { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } ما عليك إلا انذارهم لا هدايتهم { وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } [ الرعد : 7 ] هو الله تعالى ، وقيل : لكل طائفة شيخ يعرفهم طريق الحق { الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } فيعلم ما تحمل أنثى النفس من ولد الكمال أي ما في قوة كل استعداد { وَمَا تَغِيضُ الارحام } أي تنقص أرحام الاستعداد بترك النفس وهواها { وَمَا تَزْدَادُ } بالتزكية وبركة الصحبة { وَكُلَّ شىْء } من الكمالات { عِندَهُ } سبحانه { بِمِقْدَارٍ } [ الرعد : 8 ] معين على حسب القابلية { سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول } في مكمن استعداده { وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } بإبرازه إلى الفعل { وَمَنْ هو مستخف بالليل } ظلمة ظلمة نفسه (9/246)
{ وَسَارِبٌ بالنهار } [ الرعد : 10 ] بخروجه من مقام النفس وذهابه في نهار نور الروح { لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } إشارة إلى سوابق الرحمة الحافظة له من خاطفات الغضب أو الإمدادات الملكوتية الحافظة له من جن القوى الخيالية والوهمية والسبعية والبهيمية وإهلاكها أياه { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعم الظاهرة أو الباطنة { حتى يُغَيّرُواْ * مّمَّا * بِأَنفُسِهِمْ } من الاستعداد وقوة القبول؛ قال النصر أبادي : إن هذا الحكم عام لكن مناقشة الخواص فوقة مناقشة العوام ، وعن بعض السلف أنه قال : إن الفأرة مزقت خفى وما أعلم ذلك إلا بذنب أحدثته وإلا لما سلطها على وتمثل بقول الشاعر : (9/247)
لو كنت من مازن لم تستبح إبلى ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
{ وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } [ الرعد : 11 ] إذ الكل تحت قهره سبحانه ، قال القاسم : إذا أراد الله تعالى هلاك قوم حسن موارده في أعينهم حتى يمشون إليها بتدبيرهم وأرجلهم ، ولله تعالى در من قال :
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجنى عليه اجتهاده
/ { هُوَ الذى يُرِيكُمُ البرق } أي برق لوامع الأنوار القدسية { خَوْفًا } خائفين من سرعة انقضائه أو بطء رجوعه { وَطَمَعًا } طامعين في ثباته أو سرعة رجوعه { وَيُنْشِىء السحاب الثقال } [ الرعد : 12 ] برق المكاشف وينشيء للعارفين سحاب العظمة الثقال بماء الهيبة فيمطر عليهم ما يحييهم به الحياة التي لا تشبهها حياة ، وأنشدوا للشبلى :
أظلت علينا منك يوماً غمامة ... أضاءت لنا رقاً وأبطا رشاشها
فلا غيمها يصحو فييأس طامع ... ولا غيثها يأتي فيروى عطاشها
وعن بعضهم أن البرق إشارة إلى التجليات البرقية التي تحصل لأرباب الأحوال وأشهر التجليات في تشبيهه بالبرق التجلي الذاتي ، وأنشدوا :
ما كان ما أوليت من وصلنا ... إلا سراجاً لاح ثم انطفى
وذكر الإمام الرباني قدس سره في المكوتبات أن التجلي الذاتي دائمي للكاملين من أهل الطريقة النقشبندية لا برقى وأطال الكلام في ذلك مخالفاً لكبار السادة الصوفية كالشيخ محيى الدين قدس سه . وغيره ، والحق أن ما ذكره من التجلي الذاتي ليس هو الذي ذكروا أنه برقى كما لا يخفى على من راجع كلامه وكلامهم { وَيُسَبّحُ الرعد } أي رعد سطوة التجليات الجلالية ويمجد الله تعالى عما يتصوره العقل ملتبساً { بِحَمْدِهِ } وإثبات ما ينبغي له عن شأنه { والملئكة } وتسبح ملائكة القوى الروحانية { مِنْ خِيفَتِهِ } من هيبتة جلاله جل جلاله { وَيُرْسِلُ الصواعق } هي صواعق السبحات الإلهية عند تجلي القهر الحقيقي المتضمن للطف الكلى { فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء } فيحرقه عن بقية نفسه ، وفي «الخبر» إن لله تعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» وقال ابن الزنجاني : الرعد صعقات الملائكة والبرق ذفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم ، وجعل الزمخشري هذا من بدع المتصوفة ، وكأني بك تقول : إن أكثر ما ذكر في باب الإشارة من هذا الكتاب من هذا القبيل .
والجواب إنا لا ندعي إلا الإشارة وأما أن ذلك مدلول اللفظ أو مراد الله تعالى فمعاذ الله تعالى من أن يمر بفكري ، واعتقاد ذلك هو الضلال البعيد والجهل الذي ليس عليه مزيد ، وقد نص المحققون من الصوفية على أن معتقد ذلك كافر والعياذ بالله تعالى ، ولعلك تقول : كان الأولى مع هذا ترك ذلك . فنقول : قد ذكر مثله من هو خير منا والوجه في ذكره غير خفي عليك لو أنصفت { وَهُمْ يجادلون فِى الله } بالتفكر في ذاته والنظر للوقوف على حقيقة صفاته { وَهُوَ } سبحانه { شَدِيدُ المحال } [ الرعد : 13 ] في دفع الأفكار والأنظار عن حرم ذاته وحمى صفاته جل جلاله : (9/248)
هيهات أن تصطاد عنقاء البقا ... بلعابهن عناكب الأفكار
{ لَهُ دَعْوَةُ * الحق } أي الحقة الحقيقة بالإجابة لا لغيره سبحانه { والذين يَدْعُونَ } الأصنام { لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ إِلَى الماء لِيَبْلُغَ فَاهُ } أي إلا استجابة كاستجابة من ذكر لأن ما يدعونه بمعزل عن القدرة { وَمَا دُعَاء الكافرين } المحجوبين { إِلاَّ فِى ضلال } [ الرعد : 14 ] أي ضياع لأنهم لا يدعون الإله الحق وإنما يدعون إلها توهموه ونحتوه في خيالهم { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } ينقاد { مَن فِى * السموات والارض } من الحقائق الروحانيات { طَوْعًا وَكَرْهًا } شاؤا أم أبوا { وظلالهم } هياكلهم { بالغدو والاصال } [ الرعد : 15 ] أي دائماً؛ وقيل : يسجد من في السموات وهو الروح والعقل والقلب وسجودهم طوعاً ومن في الأرض النفس وقواها وسجودهم كرهاً .
/ وقيل : الساجدون طوعاً أهل الكشف والشهود والساجدون كرهاً أهل النظر والاستدلال { أَنزَلَ مِنَ السماء } من سماء روح القدس { مَاء } أي ماء العلم { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ } أي أودية القلوب { بِقَدَرِهَا } بقدر استعدادها { فاحتمل السيل زَبَدًا } من خبث صفات أرض النفس { رَّابِيًا } طافياً على ذلك { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النار } نار العشق من المعارف والكشوف والحقائق والمعاني التي تهيج العشق { ابتغاء حِلْيَةٍ } طلب زينة النفس لكونها كمالات لها { أَوْ متاع } من الفضال الخلقية التي تحصل بسببها فإنها مما تتمتع به النفس ما { زَبَدٌ } خبث { مّثْلِهِ } كالنظر إليها ورؤيتها والإعجاب بها وسائر ما يعد من آفات النفس { فأما الزبد فيذهب جفاء } منفياً بالعلم { وأما ما ينفع الناس } من المعاني الحقة والفضائل الخالصة { فيمكث في الأرض } [ الرعد : 17 ] أرض النفس ، وقال بعضهم : أنه تعالى شبه ما ينزل من مياه بحار ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله إلى قلوب الموحدين والعارفين والمكاشفين والمريدين بما ينزل من السماء إلى الأودية ، فكما تحمل الأودية حسب اختلافها ماء المطر تحمل تلك القلوب مياه هاتيك البحار حسب اختلاف حواصلها وأقدار استعداداتها في المحبة والمعرفة والتوحيد ، وكما أن قطرات الأمطار تكون في الأودية سيلاً فيحتمل السيل زبداً وحثالة وما يكون مانعاً من الجريان يكون تواتر أنوار الحق سبحانه سيل المعارف والكشوفات فيسيل في أودية القلوب فيحتمل من أوصاف البشرية وما دون الحق الذي يمنع القلوب من رؤية الغيوب ما يحتمله فيذهب جفاء فتصير حينئذ مقدسة عن زبد الرياء والسمعة والنفاق والخواطر المذمومة وتبقى سائحة في أنوار الأزل والأبد بلا مانع من العرش إلى الثرى ، وشبه سبحانه أعمال الظاهر والباطن وما ينفتح بمفاتيحها من الغيب بجواهر الأرض والفضة وغيرهما إذا أذيبا للانتفاع بهما وبين تعالى أن لهما زبداً مثل زبد السيل وأنه يذهب ويمكث أصلهما الصافي ، فكذلك أعمال الظاهر والباطن تدخل في بودقة الإخلاص ويوقد عليهما نيران الامتحان فيذهب ما فيه حظ النفس ويبقى ما هو خالص لله تعالى ، وهكذا الخواطر يبقى منها خاطر الحق ويضمحل سريعاً خاطر الباطل ، وعن بعضهم القلوب أوعية وفيها أودية فقلب يسيل فيه ماء التوبة وقلب يسيل فيه ماء الرحمة وقلب يسيل فيه ماء الخوف وقلب يسيل فيه ماء الرجاء وقلب يسيل فيه ماء المعرفة وقلب يسيل فيه ماء الإنس وكل ماء من هذه المياه ينبت في القلب نوعاً من القربة والقرب من الله عز وجل ومن القلوب ما حرم ذلك والعياذ بالله تعالى ، وقال ابن عطية : روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : { أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء } الخ يريد بالماء الشرع والدين وبالأودية القلوب ومعنى سيلانها بقدرها أخذ النبيل بحظه والبليد بحظه ، ثم قال : وهذا قول لا يصح والله تعالى أعلم عن ابن عباس لأنه ينحو إلى قول أصحاب الرموز ، وقد تامسك به الغزالي وأهل ذلك الطريق ، وفيه إخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب بغير داع إلى ذلك ، وإن صح ذلك عن ابن عباس فيقال فيه : إنما قصد رضي الله تعالى عنه أن قوله تعالى :
{ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل } [ الرعد : 17 ] معناه الحق الذي يتقرر في القلوب والباطل الذي يعتريها اه ونحن نقول : إن صح ذلك فمقصود الحبر منه الإشارة وإن كان يريد غير ظاهر فيه ، وحجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة أشد الناس على أهل الرموز القائلين بأن الظاهر ليس مراد الله تعالى كما لا يخفى على متتبعي كلامه ، وسمعت من بعض الناس أن أهل الكيمياء تكلموا في هذه الآية على ما يوافق غرضهم ولم أقف على ذلك { للذين استجابوا لربهم } بتصفية الاستعداد عن كدورات صفات النفس { الحسنى } المثوبة الحسنى وهو الكمال الفائض عليهم عند الصفاء { والذين لم يستجيبوا له } تعالى وبقوا في الرذائل البشرية والكدورات الطبيعية { لو أن لهم ما في الأرض } الجهة السفلية من الأموال والأسباب التي انجذبوا إليها بالمحبة فأهلكوا أنفسهم بها { ومثله معه لافتداو به } ما ينالهم من الحجاب والحرمان { أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب } لوقوفهم مع الأفعال في مقام النفس { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } الحرمان { وَبِئْسَ المهاد } [ الرعد : 18 ] جهنم والعياذ بالله تعالى ونسأله العفو والعافية . (9/249)
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)
{ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا إِلَيْكَ مِن رَبّكَ } من القرآن الذي مثل بالماء المنزل من السماء والإبريز الخالص في المنفعة والجدوى هو { الحق } الذي لا حق وراءه أو الحق الذي أشير إليه بالأمثال المضروبة فيستجيب له { كَمَنْ هُوَ أعمى } عمى القلب لا يدركه ولا يقدر قدره وهو هو فيبقى حائراً في ظلمات الجهل وغياهب الضلال ولا يتذكر بما ضرب من الأمثال ، والمراد كمن لا يعلم ذلك إلا أنه أريد زيادة تقبيح حاله فعبر عنه بالأعمى ، والهمزة للإنكار وإيراد الفاء بعدها لتوجيه الإنكار إلى ترتب توهم المماثلة على ظهور حال كل منهما بما ضرب من الأمثال وما بين من المصير والمآل كأنه قيل : أبعد ما بين حال كل من الفريقين وما لهما يتوهم المماثلة بينهما . (9/250)
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما { أَوْ مِن * يَعْلَمْ } بالواو مكاناً الفاء { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } بما ذكر من المذكرات فيقف على ما بينهما من التفاوت والتنائي { أُوْلُواْ الالباب } أي العقول الخالصة المبرأة من متابعة الألف ومعارضة الوهم ، فاللب أخص من العقل وهو الذي ذهب إليه الراغب ، وقيل : هما مترادفات والقصد بما ذكر دفع ما يتوهم من أن الكفار عقلاء مع أنهم غير متذكرين ولو نزلوا منزلة المجانين حسن ذلك .
والآية على ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حمزة رضي الله تعالى عنه . وأبي جهل وقيل : في عمر رضي الله تعالى عنه . وأبي جهل ، وقيل : في عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه . وأبي جهل ، وقد أشرنا إلى وجه اتصالها بما قبلها ، والعلامة الطيبي بعد أن قرر وجه الاتصال بأن { فَمَنْ * يَعْلَمْ } عطف على جملة { لِلَّذِينَ استجابوا } [ الرعد : 8 ] الخ والهمزة مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وذكر من معنى الآية على ذلك ما ذكر قال : ثم إنك إذا أمعنت النظر وجدتها متصلة بفاتحة السورة يعني بقوله تعالى : { والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ الحق ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الرعد : 1 ] وهو كما ترى .
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)
{ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله } بما عقدوا على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته تعالى حين قالوا : بلى ، أو بما عهد الله تعالى عليهم في كتبه من الأحكام فالمراد به ما يشمل جميع الأمم ، وإضافة العهد إلى الاسم الجليل من باب إضافة المصدر إلى مفعوله على الوجه الأول ومن باب إضافة المصدر إلى الفاعل على الثاني ، وإذا أريد بالعهد ما عقده الله تعالى عليهم يوم قال سبحانه : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } [ الأعراف : 172 ] كانت الإضافة مطلقاً من باب إضافة المصدر إلى الفاعل وهو الظاهر كما في «البحر» ، وحكى حمل العهد على عهد { أَلَسْتَ } عن قتادة ، وحمله على ما عهد في الكتب عن بعضهم ، ونقل عن السدي حمله على ما عهد إليهم في القرآن ، وعن القفال حمله على ما في جبلتهم وعقولهم من دلائل التوحيد والنبوات إلى غير ذلك واستظهر حمله على العموم { وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق } ما وثقوا من المواثيق بين الله تعالى وبينهم من الإيمان به تعالى والأحكام والنذور وما بينهم وبين العباد كالعقود وما ضاهاها ، وهو تعميم بعد تخصيص وفيه تأكيد للاستمرار المفهوم من صيغة المستقبل . (9/251)
/ وقال أبو حيان : الظاهر أن هذه الجملة تأكيد للتي قبلها لأن العهد هو الميثاق ويلزم من إيفاء العهد انتفاء نقضه ، وقال ابن عطية : المراد بالجملة الأولى يوفون بجميع عهود الله تعالى وهي أوامره ونواهيه التي وصى الله تعالى بها عبيده ويدهل في ذلك التزام جميع الفروض وتجنب جميع المعاصي ، والمراد بالجملة الثانية أنهم إذا عقدوا في طاعة الله تعالى عهداً لم ينقضوه اه ، وعليه فحديث التعميم بعد التخصيص لا يتأتى كما لا يخفى ، وقد تقدم الله سبحانه إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه بضع وعشرين آية من كتابه كما روى عن قتادة ، ومن أعظم المواثيق على ما قال ابن العربي أن لا يسأل العبد سوى مولاه جل شأنه .
وفي قصة أبي حمزة الخراساني ما يشهد لعظم شأنه فقد عاهد ربه أن لا يسأل أحداً سواه فاتفق أن وقع في بئر فلم يسأل أحداً من الناس المارين عليه إخراجه منها حتى جاء من أخرجه بغير سؤال ولم ير من أخرجه فهتف به هاتف كيف رأيت ثمرة التوكيل؟ فينبغي الاقتداء به في الوفاء بالعهد على ما قال أيضاً . وقد أنكر ابن الجوزي فعل هذا الرجل وبين خطأه وأن التوكل لا ينافي الاستغاثة في تلك الحال ، وذكر أن سفيان الثوري وغيره قالوا : لو أن إنساناً جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار ، ولا ينكر أن يكون الله تعالى قد لطف بأبي حمزة الجاهل . نعم لا ينبغي الاستغاثة بغير الله تعالى على النحو الذي يفعله الناس اليوم مع أهل القبور الذين يتخيلون فيهم ما يتخيلون فآها ثم آها مما يفعلون .
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)
{ والذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } الظاهر العموم في كل ما أمر الله تعالى به في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقال الحسن : المراد صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان به ، وروى نحوه عن ابن جبير ، وق لقتادة : المراد صلة الأرحام ، وقيل : الإيمان بالعمل ، وقيل : صلة قرابة الإسلام بإفشاء السلام وعيادة المرضى وشهود الجنائز ومراعاة حق الجيران والرفقاء والخدم ، ومن ذهب إلى العموم أدخل في ذلك الأنبياء عليهم السلام ووصلهم أن يؤمن بهم جميعاً ولا يفرق بين أحد منهم والناس على اختلاف طبقاتهم ووصلهم بمراعاة حقوقهم بل سائر الحيوانات ووصلها بمراعاة ما يطلب في حقها وجوباً أو ندباً ، وعن الفضيل بن عياض أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال : من أين أنتم؟ قالوا : من أهل خراسان قالوا : اتقوا الله تعالى وكونوا من حيث شئتم واعلموا أن العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن محسناً ، ومفعول { أَمْرٍ } محذوف والتقدير ما أمرهم الله به ، و { أَن يُوصَلَ } بدل من الضمير المجرور أي ما أمر الله بوصله { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي وعيده سبحانه والظاهر أن المراد به مطلقاً ، وقيل : المراد وعيده تعالى على قطع ما أمروا بوصله { وَيَخَافُونَ سُوء * الحساب } فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ، وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام ، والخشية والخوف قيل بمعنى ، وفي فروق العسكري أن الخوف يتعلق بالمكروه ومنزله تقول خفت زيداً وخفت المرض والخشية تتعلق بالمنزل دون المكروه نفسه ، ولذا قال سبحانه : { يَخْشَوْنَ } أولاً { وَيَخَافُونَ } ثانياً ، وعليه فلا يكون اعتبار الوعيد في محله ، لكن هذا غير مسلم لقوله تعالى : { خَشْيَةَ إملاق } [ الإسراء : 31 ] و { لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ } [ النساء : 25 ] وفرق الراغب بينهما فقال : الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم ولذلك خص العلماء بها في قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] . (9/252)
وقال بعضهم : الخشية أشد الخوف لأنها مأخوذة من قولهم : شجرة خشية أي يابسة ولذا خصت بالرب في هذه الآية ، وفرق بينهما أيضاً بأن الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قوياً والخوف من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمراً يسيراً ، يدل على ذلك أن تقاليب الخاء والشين والياء تدل على الغفلة وفيه تدبر ، والحق أن مثل هذه الفروق أغلبي لا كلي وضعي ولذا لم يفرق كثير بينهما ، نعم اختار الإمام أن المراد من { يَخْشَوْنَ رَبَّهُم } أنهم يخافونه يخوف مهابة وجلالة زاعماً أنه لولا ذلك يلزم التكرار وفيه ما فيه .
وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)
{ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ } على كل ما تكرهه النفس من المصائب المالية والبدنية وما يخالفه هوى النفس كالانتقام ونحوه ويدخل فيما ذكر التكاليف { ابتغاء وَجْهِ رَبّهِمْ } طلباً لرضاه تعالى من غير أن ينظروا إلى جانب الخلق رياء أو سمعة ولا إلى جانب أنفسهم زينة وعجباً ، وقيل : المراد طالبين ذلك فنصب { ابتغاء } على الحالية وعلى الأول هو منصوب على أنه مفعول له ، والكلام في مثل الوجه منسوباً إليه تعالى شهير . (9/253)
وفي «البحر» أن الظاهر منه ههنا جهة الله تعالى أي الجهة التي تقصد عنده سبحانه بالحسنات ليقع عليها المثوبة كما يقال : خرج زيد لوجه كذا ، وفيه أيضاً أنه جات الصلة هنا بلفظ الماضي وفيما تقدم بلفظ المضارع على سبيل التفنن في الفصاحة لأن المبتدأ في معنى اسم الشرط والماضي كالمضارع في اسم الشرط فكذلك فيما أشبهه ، ولذا قال النحويون : إذا وقع الماضي صلة أو صفة لنكرة عامة احتمل أن يراد به المضي وإن يراد به الاستقبال ، فمن الأول { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } [ آل عمران : 173 ] ومن الثاني { إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } [ المائدة : 34 ] ويظهر أيضاً أن اختصاص هذه الصلة بالماضي وما تقدم بالمضارع أن ما تقدم قصد به الاستصحاب . والالتباس وأما هذه فقد قصد بها تقدمها على ذلك لأن حصول تلك الصلات إنما هي مترتبة على حصول الصبر وتقدمه عليها ولذا لم يأت صلة في القرآن إلا بصيغة الماضي إذ هو شرط في حصول التكاليف وإيقاعها . وإرشاد العقل السليم حيث كان الصبر ملاك الأمر في كل ما ذكر من الصلات السابقة واللاحقة أورد بصيغة الماضي اعتناء بشأنه ودلالة على وجوب تحققه فإن ذلك مما لا بد منه إما في نفس الصلات كما فيما عدا الأولى والرابعة والخامصة أو في إظهار أحكامها كما في الصلات الثلاث المذكورات فإنها وإن استغنت عن الصبر في أنفسها حيث لا مشقة على النفس في الاعتراف بالربوبية والخشية والخوف لكن إظهار أحكامها والجري على موجبها غير خال عن الاحتياج إليه وهو لا يخلو عن شيء ، والأولى على ما قيل الاقتصار في التعليل على الاعتناء بشأنه ، وعطف قوله سحانه : { وَأَقَامُواْ الصلاة } وكذا ما بعده على ذلك على ما نص عليه غير واحد من باب عطف الخاص العام ، والمراد بالصلاة قيل الصلاة المفروضة وقيل مطلقاً وهو أولى ، ومعنى إقامتها إتمام إركانها وهيآتها { وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } بعض ما أعطيناهم وهو الذي وجب عليهم إنفاقه كالزكاة وما ينفق على العيال والمماليك أو ما يشمل ذلك والذي نذب { سِرّا } حيث يحسن السر كما في إنفاق من لا يعرف بالمال إذا خشي التهمة في الإظهار أو من عرف به لكن لو أظهره ربما داخله الرياء والخيلاء ، وكما في الإعطاء لمن تمنعه المروءة من الأخذ ظاهراً { وَعَلاَنِيَةً } حيث تحسن العلانية كما إذا كان الأمر على خلاف ما ذكر ، وقال بعضهم : إن الأول مخصوص بالتطوع والثاني بأداء الواجب ، وعن الحسن أن كلا الأمرين في الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سراً وإلا فالأولى أداؤها علانية ، وقيل : السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الإمام والأولى الحمل على العموم ، ولعل تقديم السر للإشارة إلى فضل صدقته ، وجاء في الصحيح عد المتصدق سراً من الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة { وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة } أي يدفعون الشر بالخير ويجازون الإساءة بالإحسان على ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد ، وعن ابن جبير يردون معروفاً على من يسيء إليهم فهو كقوله تعالى :
{ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً } [ الفرقان : 63 ] وقال الحسن : إذا حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفواً ، وإذا قطعوا وصلوا . وقيل : يتبعون السيئة بالحسنة فتمحوها . وفي الحديث أن معاذاً قال : أوصني يا رسول الله قال : " إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية " وعن ابن كيسان يدفعون بالتوبة معرفة الذنب . وقيل : بلا إله إلا الله شركهم ، وقيل : بالصدقة العذاب . وقيل : إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ، وقيل وقيل ، ويفهم صنيع بعض المحققين اختيار الأول فهم كما قيل : (9/254)
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحساناً
وهذا بخلاف خلق بعض الجهلة :
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعاً وإن لا يبد بالظلم يظلم
وقال في «الكشف» : الأظهر التعميم أي يدرؤون بالجميل السيء سواء كان لأذاهم أو لا مخصوصاً بهم أو لا طاعة أو معصية مكرمة أو منقصة ولعل الأمر كما قال ، وتقديم المجرور على المنصوب لإظهار كمال العناية بالحسنة { أولئك } أي المنعوتون بالنعوت الجليلة والملكات الجميلة ، وليس المراد بهم أناساً بأعيانهم وإن كانت الآية نازلة على ما قيل في الأنصار ، واسم الإشارة مبتدأ خبره الجملة الظرفية أعني قول سبحانه : { لَهُمْ عقبى الدار } أي عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أمر أهلها وهي الجنة ، فتعريف الدار للعهد والعاقبة المطلقة تفسر بذلك وفسرت به في قوله تعالى : { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } [ الأعراف : 128 ] وفسرها الزمخشري أيضاً بالجنة إلا أنه قال : لأنها التي أردا الله تعالى أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها ، وفيه على ما قيل شائبة اعتزال .
وجوز أن يراد بالدار الآخرة أي لهم العقبى الحسنة في الدار الآخرة ، وقيل : الجار والمجرور خبر اسم الإشارة و { عقبى } فاعل الاستقرار ، وأياماً كان فليس فيه قصر حتى يرد أن بعض ما في حيز الصلة ليس من العزائم التي يخل إخلالها بالوصول إلى حسن العاقبة .
وقال بعضهم : إن المراد مآل أولئك الجنة من غير تخلل بدخول النار فلا بأس لو قيل بالقصر ، ولا يلزم عدم دخول الفاسق المعذب الجنة ، والقول إنه موصوف بتلك الصفات في الجملة كما ترى . والجملة خبر للموصولات المتعاطفة إن رفعت بالابتداء أو استئناف نحوي أو بياني في جواب ما بال الموصوفين بهذه الصفات؟ إنجعلت الموصولات المتعاطفة صفات لأولي الألباب على طريقة المدح من غير أن يقصد أن يكون للصلات المذكورة مدخل في التذكر ، والأول أوجه لما في الكشف من رعاية التقابل بين الطائفتين ، وحسن العطف في قوله تعالى : { والذين يَنقُضُونَ } [ الرعد : 25 ] وجريهما على استئناف الوصف للعالم ومن هو كأعمى . (9/255)
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)
وقوله سبحانه : / { جنات عَدْنٍ } بدل من { عقبى الدار } [ الرعد : 22 ] كما قال الزجاج بدل كل من كل ، وجوز أبو البقا . ء وغيره أن يكون مبتدأ خبره قوله تعالى : { يَدْخُلُونَهَا } وتعقب بأنه بعيد عن المقام ، والأولى أن يكون مبتدأ محذوف كما ذكر في «البحر» ورد بأنه لا وجه له لأن الجملة بيان لعقبى الدار فهو مناسب للمقام ، والعدن الإقامة والاستقرار يقال : عدن بمكان كذا إذا استقر ، ومنه المعدن لمستقر الجواهر أي جنات يقيمون فيها ، وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال : { جنات عَدْنٍ } بطنان الجنة أي وسطها ، وروى نحو ذلك عن الضحاك إلا أنه قال : هي مدينة وسط الجنة فيها الأنبياء والشهداء وأئمة الهدى ، وجاء فيها غير ذلك من الأخبار ، ومتى أريد منها مكان مخصوص من الجنة كان البدل بدل بعض من كل . وقرأ النخعي { جَنَّةُ } بالأفراد ، وروى عن ابن كثير وأبي عمرو { يَدْخُلُونَهَا } مبنياً للمفعول { وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ } جمع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل : من آبائهم وأمهاتهم { وأزواجهم وذرياتهم } وهو كما قال أبو البقاء عطف على المرفوع في يدخلون وإنما ساغ ذلك مع عدم التأكيد للفصل بالضمير الآخر ، وجوز أن يكون مفعولاً معه . واعترض بأن واو المعية لا تدخل إلاعلى المتبوع . ورد بأن هذا إنما ذكر في مع لا في الواو وفيه نظر ، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهليهم وأن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعاً لهم تعظيماً لشأنهم . أخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ عن ابن جرير قال : يدخل الرجل الجنة فيقول : أين أمي أين ولدي أين زوجتي؟ فيقال : لم يعملوا مثل عملك فيقول : كنت أعمل لي ولهم ثم قرأ الآية ، وفسر { مِنْ * صالح } بمن آمن وهو المروي عن مجاهد وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وفسر ذلك الزجاج بمن آمن وعمل صالحاً ، وذكر أنه تعالى بين بذلك أن الأنساب لا تنفع إذا لم يكن معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذرية لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة . ورد عليه الواحدي فقال : الصحيح ما روى عن ابن عباس لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة ، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة فلو دخلوها بأعمالهم لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان مصلحاً في عمله فهو يدخل الجنة . وضعف ذلك الإمام بأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزويه سروراً وبهجة فإذا بشر الله تعالى المكلف بأنه إذا دخل الجنة يحضر معه أهله يعظم سروره وتقوى بهجته . (9/256)
ويقال : إن من أعظم سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكرون الله تعالى على الخلاص منها ، ولذلك حكى سبحانه عن بعض أهل الجنة أنه يقول : { قَالَ ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبّى وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين } [ يس : 26 ، 27 ] وعلى هذا لا تكون الآية دليلاً على أن الدرجة تعلو بالشفاعة . ومنهم من استدل بها على ذلك على المعنى الأول لها . (9/257)
وتعقب بأنها أيضاً لا دلالة لها على ما ذكر . وأجيب بأنه إذا جاز أن تعلو بمجرد التبعية للكاملين في الإيمان تعظيماً لشأنهم فالعلو بشفاعتهم معلوم بالطريق الأولى . وقال بعضهم : إنهم لما كانوا بصلاحهم مستحقين لدخول الجنة كان جعلهم في درجتهم مقتضى طلبهم وشفاعتهم لهم بمقتضى الإضافة . والحق أن الآية لا تصلح دليلاً على ذلك خصوصاً إذا كانت الواو بمعنى مع فتأمل ، والظاهر أنه لا تمييز بين زوجة وزوجة وبذلك صرح الإمام ثم قال : ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه . وما روى عن سودة أنها لما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت : دعني يا رسول الله أحشر في جملة نسائك كالدليل على ما ذكر . واختلف في المرأة ذات الأزواج إذا كانوا قد ماتوا عنها فقيل : هي في الجنة لآخر أزواجها . ويؤيده كون أمهات المؤمنين زوجاته صلى الله عليه وسلم فيها مع كون أكثرهن كن قد تزوجن قبل بغيره عليه الصلاة والسلام . وقيل : هي لأول أزواجها كامرأة أخبرها ثقة أن زوجها قد مات ووقع في قلبها صدقه فتزوجت بعد انقضاء عدتها ثم ظهرت حياته فإنها تكون له . وتعقب بأن هذا ليس من هذا القبيل بل هو يشبه ما لو مات رجل وأخبر معصوم كالنبي بموته فتزوجت امرأته بعد انقضاء العدة ثم أحياه الله تعالى وقد قالوا في ذلك : إن زوجته لزوجها الثاني . وقيل : إن الزوجة تخير يوم القيامة بين أزواجها فمن كان منهم أحسنهم خلقاً معها كانت له وارتضاه جمع . وقرأ ابن أبي عبلة { صالح } بضم اللام والفتح أفصح؛ وعيسى الثقفي { ذُرّيَّتُهُم } بالتوحيد { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ } من أبواب المنازل .
أخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك أنه قرأ الآية حتى ختمها ثم قال : إن المؤمن لفي خيمة من درة مجوفة ليس فهيا جذع ولا وصل طولها في الهواء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل ومال لها أربعة آلاف مصراع من ذهب يقوم على كل باب منها سبعون ألفاً من الملائكة مع كل ملك هدية من الرحمن ليس مع صاحبه مثلها لا يصلون إليه إلا بإذن بينه وبينهم حجاب» وروى عن ابن عباس ما هو أعظم من ذلك .
وقال أبو الأصم : أريد من كل باب من أبواب البر ك باب الصلاصة وباب الزكاة وباب الصبر ، وقيل : من أبواب الفتوح والتحف ، قيل : فعلى هذا المراد بالباب النوع و { مِنْ } للتعليل ، والمعنى يدخلون لاتحافهم بأنواع التحف ، وتعقب بأن في كون الباب بمعنى النوع كالبابة نظراً فإن ظاهر كلام اوساس وغيره يقتضي أن يكون مجازاً أو كناية عما ذكر لأن الدار التي لها أبواب إذا أتاها الجم الغفير يدخلونها من كل باب فأريد به دخول الأرزاق الكثيرة عليهم وأنها تأتيهم من كل جهة وتعدد الجهات يشعر بتعدد المائتيات فإن لكل جهة تحفة .
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)
{ سلام عَلَيْكُمُ } أي قائلين ذلك وهو بشارة بدوام السلامة ، فالجملة مقول لقول محذوف واقع حالاً من فاعل { يَدْخُلُونَ } [ الرعد : 23 ] وجوز كونها حالاً من غير تقدير أي مسلمين ، وهي في الأصل فعلية أي يسلمون سلاماً ، وقوله تعالى : { بِمَا صَبَرْتُمْ } متعلق كما قال أبو البقاء بما تعلق به { عَلَيْكُمْ } أو به نفسه لأنه نائب عن متعلقه ، ومنع هذا كما قال السيوطي السفاقسي وقال : لا وجه له ، والصحيح أنه متعلق بما تعلق به { عَلَيْكُمْ } وجوز الزمخشري تعلقه بسلام على معنى نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم؛ ومنعه أبو البقاء بأن فيه الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبي وهو الخبر ، ووجه ذلك في الدر المصون بأن المنع إنما هو في المصدر المؤول بحرف مصدري وهذا ليس منه مع أن الرضي جوز ذلك مع التأويل أيضاً وقال : لا أراه مانعاً لأن كل مؤول بشيء لا يثبت له جميع أحكامه ، وجوز لهذه العلة العلامة الثاني تقديم معمول المصدر المؤول بأن والفعل عليه في نحو قوله تعالى : { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } [ النور : 2 ] وقال في «الكشف» : إن { عَلَيْكُمْ } نظراً إلى الأصل غير أجنبي فلذلك جاز أن يفصل به ، على أن الزمخشري لم يصرح بأنه معموله بل من مقتضاه ولذا قال : أي نسلم الخ فدل على أن التعلق معنوي يقدر ما يناسبه ، ولوجعل معمولاً للظرف المستقر أعني { عَلَيْكُمْ } فيكون متعلقاً معنى بسلام ضرورة لكان وجهاً خالياً عن التكليف ، وجعله أبو حيان خبر مبتدأ محذوف و { مَا } مصدرية والباء سببية أو بدلية أي هذا الثواب الجزيل بسبب صبركم في الدنيا على المشاق أو بدله . وعن أبي عمران بما صبرتم على دينكم ، وعن الحسن عن فضول الدنيا ، وعن محمد بن النصر على الفقر ، والتعميم أولى ، وتخصيص الصبر بالذكر من بين الصلات السابقة لما أنه ملاك الأمر والأمر المعنى به كما علمت { فَنِعْمَ عقبى الدار } أي فنعم عاقبة الدنيا الجنة ، وقيل : المراد بالدار الآخرة ، وقال بعضهم : المراد أنهم عقبوا الجنة من جهنم ، قال ابن عطية : وهذا مبني على ما ورد من أن كل رجل من أهل الجنة قد كان له مقعد من النار فصرفه الله تعالى عنه إلى النعيم فيعرض عليه ويقال له : هذا مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى بالجنة بإيمانك وصبرك . وقرأ ابن يعمر { فَنِعْمَ } بفتح النون وكسر العين وذلك هو الأصل ، وابن وثاب { فَنِعْمَ } بفتح النون وسكون العين وتخفيف فعل لغة تميم ، وجاء فيها كما في «الصحاح» { نِعْمَ } بكسر النون واتباع العين لها؛ وأشهر استعمالاتها ما عليه الجمهور . (9/258)
وأخرج ابن جرير عن محمد بن إبراهيم قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبول الشهداء على رأس كل حول فيقول : { سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } وكذا كان يفعل أبو بكر . وعمر . وعثمان رضي الله تعالى عنهم ، وتمسك بعضهم بالآية على أن الملك أفضل من البشر فقالوا : إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم والسلام فكانوا أجل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجباً علو درجاتهم وشرف مراتبهم ، ولا شك أن من عاد من سفره إلى بيته فإذا قيل في معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير . والوزير . والقاضي . والمفتي دل على أن درجة المزور أقل وأدنى من درجات الزائرين فكذا ههنا ، وهو من الركاكة بمكان . (9/259)
ولم لا يجوز أن يكون ما هنا نظير ما إذا أتى السلطان بشخص من عماله الممتازين عنده قد أطاعه في أوامره ونواهيه إلى محل كرامته ثم بعد أن أنزله المنزل اللائق به أرسل خدمه إليه بالهدايا والتحف والبشارة بما يسره فهل إذا قيل : إن فلاناً قد أحله السلطان محل كرامته ودار حكومته وأنزله المنزل اللائق به وأرسل خدمه إليه بما يسره كان ذلك دليلاً على أن أولئك الخدم أعلى درجة منه؟ لا أظنك تقول ذلك . نعم جاء في بعض الأخبار ما يؤيد بظاهره ما تقدم ، فقد أخرج أحمد . والبزار . وابن حبان . والحاكم وصححه . وجماعة عن عبد الله بن عمرو قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يدخل الجنة من خلق الله تعالى فقراء المهاجرين الذين تسد بهم الثغور وتتقي بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم فتقول الملائكة : ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم فيقول الله تعالى : إن هؤلاء عباد لي كانوا يعبدوني ولا يشركون بي شيئاً وتسد بهم الثغور وتتقي بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار » ومن أنصف ظهر له أن هذا لا يدل على أن الملائكة مطلقاً أفضل من البشر مطلقاً كما لا يخفى ، وذكر الإمام الرازي في تفسير الآية على الوجه المروى عن الأصم في تفسير دخول الملائكة من كل باب أن الملائكة طوائف منهم روحانيون ومنهم كروبيون فالعبد إذا راض نفسه بأنواع الرياضات كالصبر والشكر والمراقبة والمحاسبة ولكل مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي وروح علوى مختص بتلك الصفة مزيد اختصاص فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من الأرواح السماوية ما يناسبها من الصفات المخصوصة فيفيض عليها من ملائكة الصبر كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر ومن ملائكة الشكر كمالات روحانية لا تتجلى إلا في مقام الشكر وهكذا القول في جميع المراتب اه . وتعقبه أبو حيان بأنه كلام فلسفي لا تفهمه العرب ولا جاءت به الأنبياء عليهم السلام فهو مطروح لا يلتفت إليه المسلمون . وأنت تعلم أن مثل هذا كلام كثير من الصوفية .
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)
{ والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله } أريد بهم من يقابل الأولين ويعاندهم بالاتصاف بنقائص أوصافهم { مِن بَعْدِ ميثاقه } الاعتراف به ، قيل : المراد بالعهد قوله سبحانه : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } [ الأعراف : 172 ] وبالميثاق ما هو اسم آلة أعني ما يوثق به الشيء وأريد به الاعتراف بقول : { بلى } وقد يسمى العهد من الطرفين ميثاقاً لتوثيقه بين المتعاهدين؛ وفسر الإمام عهد الله تعالى بما ألزمه عباده بواسطة الدلائل العقلية لأن ذلك أوكد كل عهد وكل أيمان إذ الأيمان إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها توجب الوفاء بمقتضاها ، ثم قال : والمراد من نقضها أن لا ينظر المرء فيها فلا يمكنه حينئذٍ العمل بموجبها أو بأن ينظر ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعلمه أو بأن ينظر في الشبه فلا يعتقد الحق ، والمراد بقوله سبحانه : { مِن بَعْدِ ميثاقه } من بعد أن أوثق إليه تلك الأدلة وأحكامها لأنه لا شيء أقوى مما دل الله تعالى على وجوبه في أنه ينفع فعله ويضر تركه . (9/260)
وأورد أنه إذا كان العهد لا يكون إلا بالميثاق فما فائدة { مِن بَعْدِ ميثاقه } ؟ وأجاب بأنه لا يمتنع أن يكون المراد مفارقة من تمكن من معرفته بالحلف لمن لم يتمكن أو لا يمتنع أن يكون المراد الأدلة المؤكدة لأنه يقال : قد تؤكد إليك بدلائل أخرى سواء كانت عقلية أو سمعية اه ولا يخفى أنه إذا أريد بالعهد ذلك القول وبالميثاق الاعتراف به لم يحتج إلى القيل والقال ، وحمل بعضهم العهد هنا على سائر ما وصى الله تعالى به عباده كالعهد فيما سبق والميثاق على الإقرار والقبول . والآية كما روي عن مقاتل نزلت في أهل الكتاب { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } من الإيمان بجميع الأنبياء عليهم السلام المجتمعين على الحق حيث يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ومن حقوق الأرحام وموالاة المؤمنين وغير ذلك ، وإنما لم يتعرض كما قال بعض المحققين لنفي الخشية والخوف عنهم صريحاً لدلالة النقض والقطع على ذلك . وأما عدم التعرض لنفي الصبر المذكور فلأنه إنما اعتبر تحققه في ضمن الحسنات المعدودة ليقعن معتداً بهن فلا وجه لنفيه عمن بينه وبين الحسنات بعد المشرقين لا سيما بعد تقييده بكونه ابتغاء وجهه تعالى ، كما لا وجه لنفي الصلاة والإنفاق بناءً على أن المراد منه إعطاء الزكاة ممن لا يحوم حول الإيمان بالله تعالى فضلاً عن فروع الشرائع ، وإن أريد بالإنفاق ما يشمل ذلك وغيره فنفيه مندرج تحت قطع ما أمر الله تعالى بوصله بل قد يقال باندراج نفي الصلاة أيضاً تحت ذلك ، وأما درء السيئة بالحسنة فانتفاؤه عنهم ظاهر مما سبق ولحق فإن من يجازي إحسانه عز وجل بنقض عهده سبحانه ومخالفة الأمر ويباشر الفساد حسبما يحكيه قوله عز وجل : { وَيُفْسِدُونَ فِى الارض } بالظلم لأنفسهم وغيرهم وتهييج الفتن بمخالفة دعوة الحق وإثارة الحرب على المسلمين كيف يتصور منه الدرء المذكور ، على أنه قيل : إن ذلك يشعر بأن له دخلاً في الإفضاء إلى العقوبة التي ينبىء عنها قوله سبحانه : { أولئك } الخ أي أولئك الموصوفون بتلك القبائح { لَهُمْ } بسبب ذلك { اللعنة } أي الإبعاد من رحمة الله تعالى { وَلَهُمْ } مع ذلك { سُوء الدار } أي سوء عاقبة الدار ، والمراد بها الدنيا وسوء عاقبتها عذاب جهنم أو جهنم نفسها ، ولم يقل : سوء عاقبة الدار تفادياً أن يجعلها عاقبة حيث جعل العاقبة المطلقة هي الجنة ، وجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ، والأول أوجه لرعاية التقابل ولأن المبادر إلى الفهم من الدار الدنيا بقرينة السابق ولأنها الحاضر في أذهانهم ولما ذكر من النكتة السرية وذلك لأن ترتيب الحكم على الموصول يشعر بعلية الصلة له ، ولا يخفى أنه لا دخل له في ذلك على أكثر التفاسير فإن مجازاة السيئة بمثلها مأذون فيها ، ودفع الكلام السيء بالحسن وكذا الإعطاء عند المنع والعفو عند الظلم والوصل عند القطع ليس مما يورث تركه تبعة؛ وأما ما اعتبر اندراجه تحت الصلة الثانية من الإخلال ببعض الحقوق المندوبة فلا ضير في ذلك لأن اعتباره من حيث أنه من مستتبعات الإخلال بالعزائم كالكفر ببعض الأنبياء عليهم السلام وعقوق الوالدين وترك سائر الحقوق الواجبة ، وقيد بالأكثر لأنه على الكثير مما ذكرناه في تفسيره المدخلية ظاهرة ، وقيل : إنه سلك في وصف الكفرة وذمهم وذكر مالهم في مآلهم ما لم يسلك في وصف المؤمنين ومدحهم وشرح ما أعد لهم وما ينتهي إليه أمرهم فأتى في أحدهما بموصولات متعددة وصلات متنوعة إلى غير ذلك ولم يؤت بنحو ذلك في الآخر تنبيهاً على مزيد الاعتناء بشأن المؤمنين قولاً وفعلاً وعدم الاعتناء بشأن أضدادهم فإنهم أنجاس يتمضمض من ذكرهم هذا ، مع الجزم بأن مقتضى الحال هو هذا ، وقيل : إن المسلكين من آثار الرحمة الواسعة فتأمل ، وتكرير { لَهُمْ } للتأكيد والإيذان باختلافهما واستقلال كل منهما في الثبوت .
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)
{ الله يَبْسُطُ الرزق } أي يوسعه { لِمَن يَشَاء } من عباده { وَيَقْدِرُ } أي يضيق ، وقيل : يعطي بقدر الكفاية ، والمراد بالرزق الدنيوي لا ما يعم الأخروي لأنه على ما قيل غير مناسب للسياق ، وقال صاحب الكشف : إنه شامل للرزقين الحسي والمعنوي الدنيوي والأخروي وذكر في بيان ربط الآية على ذلك ما ذكر ، وهي كما روي عن ابن عباس نزلت في أهل مكة ثم إنها وإن كانت كذلك عامة وكأنها دفع لما يتوهم من أنه كيف يكونون مع ما هم عليه من الضلال في سعة من الرزق فبين سبحانه أن سعة رزقهم ليس تكريماً لهم كما أن تضييق رزق بعض المؤمنين ليس لإهانة لهم وإنما كل من الأمرين صادر منه تعالى لحكم إلهية يعلمها سبحانه وربما وسع على الكافر إملاءً واستدراجاً له وضيق على المؤمن زيادة لأجره . (9/261)
وتقديم المسند إليه في مثل هذه الآية للتقوى فقط عند السكاكي ، والزمخشري يرى أنه لا مانع من أن يكون للتقوى والتخصيص ولذا قال : أي الله وحده هو يبسط ويقدر دون غيره سبحانه ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { وَيَقْدِرُ } بضم الدال حيث وقع { وَفَرِحُواْ } استئناف ناع قبح أفعالهم مع ما وسعه عليه .
والضمير قيل لأهل مكة وإن لم يسبق ذكرهم واختاره جماعة ، وقال أبو حيان : للذين ينقضون ، وزعم بعضهم أن الجملة معطوفة على صلة { الذين } وفي الآية تقديم وتأخير ومحل هذا بعد { يُفْسِدُونَ فِى الارض } ولا يخفى بعده للاختلاف عموماً وخصوصاً واستقبالاً ومضياً أي فرحوا فرح أشر وبطر لا فرح سرور بفضل الله تعالى .
{ ياأيها الذين } أي بما بسط لهم فيها من النعيم لأن فرحهم ليس بنفس الدنيا فنسبة الفرح إليها مجازية أو هناك تقدير أي ببسط الحياة أو الحياة الدنيا مجاز عما فيها { وَمَا الحياة الدنيا فِى الاخرة } أي كائنة في جنب نعيمها ، فالجار والمجرور في موضع الحال وليس متعلقاً بالحياة ولا بالدنيا كما قال أبو البقاء لأنهما ليسا فيها .
و { فِى } هذه معناها المقايسة وهي كثيرة في الكلام كما يقال : ذنوب العبد في رحمة الله تعالى كقطرة في بحر وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق وهي الظرفية المجازية لأن ما يقاس بشيء يوضع بجنبه ، وإسناد { متاع } في قوله تعالى : { إِلاَّ متاع } إلى الحياة الدنيا يحتمل أن يكون مجازياً ويحتمل أن يكون حقيقياً ، والمراد أنها ليست إلا شيئاً نزراً يتمتع به كعجالة الراكب وزاد الراعي يزوده أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق أو نحو ذلك ، والمعنى أنهم رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة والحال أن ما أشروا به في جنب ما أعرضوا عنه نزر النفع سريع النفاد ، أخرج الترمذي وصححه عن عبد الله بن مسعود قال :
" نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا : يا رسول الله لو اتخذنا لك فقال : ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " ، وقيل : معنى الآية كالخبر «الدنيا مزرعة الآخرة» يعني كان ينبغي أن يكون ما بسط لهم في الدنيا وسيلة إلى الآخرة كمتاع تاجر يبيعه بما يهمه وينفقه في مقاصده لا أن يفرحوا بها ويعدوها مقاصد بالذات والأول أولى وأنسب . (9/262)
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)
{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ } أي أهل مكة عبد الله بن أبي أمية . وأصحابه ، وإيثار هذه الطريقة على الإضمار مع ظهور إرادتهم عقيب ذكر فرحهم بناءاً على أن ضمير { فَرِحُواْ } [ الرعد : 26 ] لهم لذمهم والتسجيل عليهم بالكفر فيما حكى عنهم من قولهم : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } فإن ذلك في أقصى مراتب المكابرة والعناد كأن ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات العظام الباهرة ليست عندهم بآية حتى اقترحوا ما لا تقتضيه الحكمة من الآيات كسقوط السماء عليهم كسفاً وسير الأخشبين وجعل البطاح محالرث ومفترساً كالأردن وإحياء قضى لهم إلى غير ذلك { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } إضلاله مشيئة تابعة للحكمة الداعية إليها ، وهو كلام جار مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أويتها صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها كان ذلك موضعاً للتعجب والإنكار ، وكان الظاهر أن يقال في الجواب : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على الكفر ونحوه إلا أنه وضع هذا موضعه للإشارة إلى أن المتعجب منه يقول : { إِنَّ الله يُضِلُّ } الخ أي أنه تعالى يخلق فيمن يشاء الضلال بصرف اختياره إلى تحصيله ويدعه منهمكاً فيه لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد لسوء استعداده كمن كان على صفتكم في المكابرة والعناد وشدة الشكيمة والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءته كل آية . { وَيَهْدِى إِلَيْهِ } أي إلى جانبه العلي الكبير . (9/263)
وقال أبو حيان : أي إلى دينه وشرعه سبحانه هداية مواصلة إليه لا دلالة مطلقة إلى ما يوصل فإن ذلك غير مختص بالمهتدين وفيه من تشريفهم ما لا يوصف ، وقيل : الضمير للقرآن أو للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خلاف الظاهر جداً { مَنْ أَنَابَ } أي أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة وحقيقة الإنابة الرجوع إلى نوبة الخير ، وإيثارها في الصلة على إيراد المشيئة كما في الصلة الأولى على ما قال مولانا شيخ الإسلام للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى من المكابرة ، وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد ، وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية السابقة كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة حسب استمرار مكابرتهم ، والآية صريحة في مذهب أهل السنة في نسبة الخير والشر إليه عز وجل وأولها المعتزلة فقال أبو علي الجبائي : المعنى يضل من يشاء عن ثوابه ورحمته عقوبة له على كفرة فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب ويهدي إلى جنته من تاب وآمن ، ثم قال : وبهذا تبين أن الهدى هو الثواب من حيث علق بقوله تعالى : { مَنْ أَنَابَ } والهدى الذي يفعله سبحانه بالمؤمن هو الثواب لأنه يستحقه على إيمانه ، وذلك يدل على أنه تعالى يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا اه ولا يخفى ما فيه .
الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)
{ الذين ءامَنُواْ } بدل من { مَنْ أَنَابَ } [ الرعد : 27 ] بدل كل من كل فإن أريد بالهداية الهداية المستمرة فالأمر ظاهر لظهور كون الإيمان مؤدياً إليها ، وإن أريد إحداثها فالمراد بالذين آمنوا الذين صار أمرهم إلى الإيمان كما قالوا في { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] أي الصائرين إلى التقوى وإلا فالإيمان لا يؤدي إلى الهداية نفسها ، ويجوز أن يكون عطف بيان على ذلك أو منصوباً على المدح أو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا { وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ } أي تستقر وتسكن { بِذِكْرِ الله } أي بكلامه المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو المروى عن مقاتل ، وإطلاق الذكر على ذلك شائع في الذكر ، ومنه قوله تعالى : { وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } [ الأنبياء : 50 ] و { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر : 9 ] وسبب اطمئنان قلوبهم بذلك علمهم أن لا آية أعظم ومن ذلك لا يقترحون الآيات التي يقترحها غيرهم ، والعدول إلى صيغة المضارع لإفادة دوام الاطمئنان وتجدده حسب تجدد المنزل من الذكر { أَلاَ بِذِكْرِ الله } وحده { تَطْمَئِنُّ القلوب } لله دون غيره من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنياويات ، وإذا أريد سائر المعجزات فالقصر من حيث أنها ليست في إفادة الطمأنينة بالنسبة إلى من لم يشاهدها بمثابة القرآن المجيد فإنه معجزة باقية إلى يوم القيامة يشاهدها كل أحد وتطمئن به القلوب كافة؛ وفيه إشعار بأن الكفرة لا قلوب لهم وأفئدتهم هواء حيث لم يطمئنوا به ولم يعدوه آية وهو أظهر الآيات وأبهرها ، وقيل : في الكلام مضاف مقدر أي لتطمئن قلوبهم بذكر رحمته تعالى ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته تعالى كقوله تعالى : { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } [ الزمر : 23 ] وهذا مناسب على ما في «الكشف» للإنابة إليه تعالى ، والمصدر عليه مضاف إلى الفاعل؛ وقيل : المراد بذكر الله دلائله سبحانه الدالة على وحدانيته عز وجل والاطمئنان عن قلق الشك والتردد ، وهذا مناسب لذكر الكفر ووقوعه في مقابلته ، وقيل : المراد بذكره تعالى أنساً به وتبتلاً إليه سبحانه فالمراد بالهداية دوامها واستمرارها . قيل : وهذا مناسب أيضاً حديث الكفر لأن الكفرة إذا ذكر الله تعالى وحده اشمأزت قلوبهم ، والمصدر على القولين مضاف إلى المفعول . والوجه الأول أشد ملاءمة للنظم لا سيما لقوله تعالى : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } [ الرعد : 27 ] والمصدر فيه بمعنى المفعول . (9/264)
ومن الغريب ما نقل في تفسير الخازن أن هذا في الحلف بالله وذلك أن المؤمن إذا حلف له بالله تعالى سكن قلبه ، وروي نحو ذلك أبو الشيخ عن السدي فإن الحمل عليه هنا مما لا يناسب المقام ، وأما ما روي عن أنس من أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين نزلت هذه الآية :
« هل تدرون ما معنى ذلك؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : من أحب الله تعالى ورسوله وأحب أصحابي » ومثله ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه من أنه عليه الصلاة والسلام قال حين نزلت : « ذاك من أحب الله تعالى ورسوله وأحب أهل بيتي صادقاً غير كاذب وأحب المؤمنين شاهداً وغائباً » فليس المراد منه تفسير المراد بذكر الله بل بيان أن الموصوفين بما ذكر من أحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الخ ، وهو كذلك إذ لا يكاد يتحقق الانفكاك بين هاتيك الصفات فليتأمل ، ولا تنافي بين هذه الآية على سائر الأوجه وقوله تعالى : { إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال : 2 ] لأن المراد هناك وجلت من هيبته تعالى واستعظامه جلت عظمته . وذكر الإمام في بيان اطمئنان القلب بذكره تعالى وجوهاً فقال : إن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يتأثر . ومتأثر لا يؤثر وموجود يؤثر ويتأثر فالأول : هو الله تعالى . والثاني : هو الجسم فإنه ليس له خاصية إلا القبول للآثار المتنافية والصفات المختلفة . والثالث : الموجودات الروحانية فإنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عليها منها وإذا توجهت إلى أعلام الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام فإذا عرف هذا فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليه والتصرف فيه وإذا توجه إلى مطالعة الحضرة الإلهية وحصلت فيه الأنوار الصمدية فهناك يكون ساكناً مطمئناً ، وأيضاً أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى أمر آخر أشرف منه لأنه لا سعادة في عالم الجسم إلا وفوقها مرتبة أخرى أما إذا انتهى إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والأنوار القدسية ثبت واستقر فلم يقدر على الانتقال من ذلك ألبتة لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منه وأكمل ، وأيضاً إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهباً باقياً على ممر الدهور صابراً على الذوبان الحاصل بالنار فاكسير نور الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهراً باقياً صافياً نورانياً لا يقبل التغير والتبدل ، ولهذه الأوجه قال سبحانه : { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } اه ، والأولى أن يقال : إن سبب الطمأنينة نور يفيضه الله تعالى عن قلب المؤمنين بسبب ذكره فيذهب ما فيها من القلق والوحشة ونحو ذلك ، وللمناقشة فيما ذكره مجال وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة ما يشبه ذلك . (9/265)
الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (29)
{ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } بدل من { القلوب } [ الرعد : 28 ] أي قلوب الذين آمنوا ، والأظهر أنه بدل الكل لأن القلوب في الأول قلوب المؤمنين المطمئنين وكذلك لو عمم القلب على معنى أن قلوب هؤلاء الأجلاء كل القلوب لأن الكفار أفئدتهم هواء ، وأما الحمل على بدل البعض ليعمم القلب من غير الملاحظة المذكورة واستنباط هذا المعنى من البدل فبعيد ، وأما احتماله لبدل الاشتمال وإن استحسنه الطيبي فكلاً أو مبتدأ خبره الجملة الدعائية على التأويل أعني قوله سبحانه : { طوبى لَهُمْ } أي يقال لهم ذلك ، أو لا حاجة إلى التأويل والجملة خبرية أو خبر مبتدأ مضمر أو نصب على المدح فطوبى لهم حال مقدرة والعامل فيها الفعلان . (9/266)
وقال بعض المدققين : لعل الأشبه وجه آخر وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى : { مَنْ أَنَابَ } [ الرعد : 27 ] ثم قيل : { الذين ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ } [ الرعد : 28 ] في مقابلة { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ } [ الرعد : 27 ] وقوله سبحانه : { أَلاَ بِذِكْرِ الله } [ الرعد : 28 ] جملة اعتراضية تفيد كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان للقلب بغيره ، وقوله عز وجل : { الذين كَفَرُواْ } بدل من الأول ، وفيه إشارة إلى أن ذكر الله تعالى أفضل الأعمال الصالحة بل هو كلها و { طوبى لَهُمْ } خبر الأول فيتم التقابل بين القرينتين { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ } [ الرعد : 27 ] و { الذين ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ } [ الرعد : 28 ] وبين جزئي التذييل : { يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } [ الرعد : 27 ] ومن الناس من زعم أن الموصول الأول مبتدأ والموصول الثاني خبره و { أَلاَ بِذِكْرِ الله } [ الرعد : 28 ] اعتراض و { طوبى لَهُمْ } دعاء وهو كما ترى ، { *وطوبى } قيل مصدر من طاب كبشرى وزلفى والواو منقلبة من الياء كموسر وموقن ، وقرأ مكوزة الأعرابي { *طيبي } ليسلم الياء ، وقال أبو الحسن الهنائي : هي جمع طيبة كما قالوا في كيسة كوسى . وتعقبه أبو حيان بأن فعلى ليست من أبنية الجموع فلعله أراد أنه اسم جمع ، وعلى الأول فلهم في المعنى المراد عبارات . فأخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس أن المعنى فرح وقرة عين لهم ، وعن الضحاك غبطة لهم ، وعن قتادة حسنى لهم . وفي رواية أخرى عنه أصابوا خيراً ، وعن النخعي خير كثير لهم . وفي رواية أخرى عنه كرامة لهم ، وعن سميط بن عجلان دوام الخير لهم ويرجع ذلك إلى معنى العيش الطيب لهم . وفي رواية عن ابن عباس . وابن جبير أن { الصالحات طوبى } اسم للجنة بالحبشية وقيل بالهندية ، وقال القرطبي : الصحيح أنها علم لشجرة في الجنة ، فقد أخرج أحمد . وابن جرير . وابن أبي حاتم . وابن حبان . والطبراني . والبيهقي في البعث والنشور ، وصححه السهيلي . وغيره عن عتبة ابن عبد قال : « جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أفني الجنة فاكهة؟ قال : نعم فيها شجرة تدعى طوبى هي نطاق الفردوس قال : أي شجر أرضنا تشبه؟ قال : ليس تشبه شيئاً من شجر أرضك ولكن أتيت الشام؟ قال : لا قال : فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها قال : ما عظم أصلها؟ قال : لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرماً قال : فهل فيها عنب؟ قال : نعم . قال : ما عظم العنقود منه؟ قال : مسيرة شهر للغراب إلا بقع »
والأخبار المصرحة بأنها شجرة في الجنة منتشرة جداً ، وحينئذٍ فلا كلام في جواز الابتداء بها وإن كانت نكرة فمسوغ الابتداء بها ما ذهب إليه سيبويه من أنه ذهب بها مذهب الدعاء كقولهم : سلام عليك إلا أنه ذهب ابن مالك إلى أنه التزم فيها الرفع على الابتداء ، ورد عليه بأن عيسى الثقفي قرأ { وَحُسْنُ مَئَابٍ } بالنصب ، وخرج ذلك ثعلب على أنه معطوف على طوبى وأنها في موضع نصب ، وهي عنده مصدر معمول لمقدر أي طاب واللام للبيان كما في سقيا له ، ومنهم من قدر جعل { طوبى لَهُمْ } وقال صاحب اللوامح : إن التقدير يا طوبى لهم ويا حسن مآب فحسن معطوف على المنادي وهو مضاف للضمير واللام مقحمة كما في قوله : (9/267)
يا بؤس للجهل ضرار الأقوام ... ولذلك سقط التنوين من بؤس وكأنه قيل : يا طوباهم ويا حسن مآبهم أي ما أطيبهم وأحسن مآبهم كما تقول : يا طيبها ليلة أي ما أطيبها ليلة ولا يخفى ما فيه من التكلف . وأجاب السفاقسي عن ابن مالك بأنه يجوز نصب { حُسْنُ } بمقدر أي ورزقهم حسن مآب وهو بعيد .
وقرىء { حُسْنُ * مَئَابٍ } بفتح النون ورفع { مَئَابٍ } وخرج ذلك على أن { حُسْنُ } فعل ماض أصله حسن نقلت ضمة السين إلى الحاء ومثله جائز في فعل إذا كان للمدح أو الذم كما قالوا : حسن ذا أدبا .
كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)
{ كذلك } أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المصحوب بالمعجزة الباهرة ، ويجوز أن يراد مثل إرسال الرسل قبلك { أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ } فيكون قد شبه إرساله صلى الله عليه وسلم بإرسال من قبله وإن لم يجر لهم ذكر لدلالة قوله تعالى : { قَدْ خَلَتْ } أي مضت { مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } كثيرة قد أرسل إليهم رسل عليهم وروي هذا عن الحسن ، وقيل : الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } [ الرعد : 27 ] الخ أي كما أنفذنا ذلك أرسلناك ونقل نحوه عن الحوفي؛ وقال ابن عطية : الذي يظهر أن المعنى كما أجرينا العادة في الأمم السابقة بأن نضل ونهدي بوحي لا بالآيات المقترحة كذلك أيضاً فعلنا في هذه الأمة وأرسلناك إليهم بوحي لا بالآيات المقترحة فنضل من نشاء ونهدي من أناب ، وقال أبو البقاء : التقدير الأمر كذلك ، والحسن ما قدمناه وما روي عن الحسن . (9/268)
و { فِى } بمعنى إلى كما في قوله تعالى : { فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } [ إبراهيم : 9 ] وقيل : هي على ظاهرها ، وفيها إشارة إلى أنه من جملتهم وناشىء بينهم ولا تكون بمعنى إلى إذ لا حاجة لبيان من أرسل إليهم وفيه نظر ظاهر ، وهي متعلقة بالفعل المذكور ، وقول الزمخشري : في تفسير الآية يعني أرسلنا إرسالاً له شأن وفضل على الإرسالات ثم فسر كيف أرسله بقوله : { فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } أي أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء لم يرد به أنها لا تتعلق بالمذكور بل أراد أن المشار إليه المبهم لما كان ما بعده تفخيماً كان بيانه بصلة ذلك الفعل حتى يزول الإبهام ، ويجوز أن يريد ذلك فيقدر أرسلناك ثانياً ويكون قوله : أي أرسلناك في أمة إظهاراً للمحذوف أيضاً لا بياناً لحاصل الآية وهو الذي آثره العلامة الطيبي ، والتعلق بالمذكور هو الظاهر ، وجملة { قَدْ خَلَتْ } الخ في موضع الصفة لأمة وفائدة الوصف بذلك قيل : ما أشار إليه الزمخشري .
واعترض بأنه لا يلزم من تقدم أمم كثيرة قبل أن لا يكون أمة يرسل إليها بعد حتى يلزم أن يكون صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء عليهم السلام ، وبحث فيه الشهاب بأن المراد بكون إرساله عليه الصلاة والسلام عجيباً أن رسالته أعظم من كل رسالة فهي جامعة لكل ما يحتاج إليه فيلزم أن لا نسخ إذ النسخ إنما يكون للتكميل والكامل أتم كمال غير محتاج لتكميل كما قال تعالى : { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] اه ولعمري أن الاعتراض قوي والبحث في غاية الضعف إذ لا يلزم من كون إرساله صلى الله عليه وسلم عجيباً ما ادعاه ، ولو سلمنا ذلك لا يلزم منه أيضاً كونه عليه الصلاة والسلام خاتماً إذ بعثه مقرر دينه الكامل كما بعث كثير من أنبياء بني إسرائيل لتقرير دين موسى عليه السلام لا يأبى ما ذكر من جامعية رسالته عليه الصلاة والسلام ولزوم عدم النسخ لذلك كما لا يخفى ، ولعله لهذا اختار بعضهم ما روي عن الحسن وقال : منبهاً على فائدة الوصف يعني مثل إرسال الرسل قبلك أرسلناك إلى أمم تقدمتها أمم أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليها { *لتَتْلُوَا } لتقرأ { لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي الكتاب العظيم الشأن ، ويشعر بهذا الوصف ذكر الموصول غير جار على موصوف ، وإسناد الفعل في صلته إلى ضمير العظمة وكذا الإيصال إلى المخاطب المعظم بدليل سابقه على ما سمعت أولاً ، وتقديم المجرور على المنصوب من قبيل الإبهام ثم البيان كما في قوله تعالى :
{ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } [ الشرح : 2 ] وفيه ما لا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرد وحسن قبولها له عند وروده عليها ، وضمير الجمع للأمة باعتبار معناها كما روعي في ضمير { خَلَتِ } لفظها . (9/269)
{ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } أي بالبليغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته فلم يشكروا نعمه سبحانه لا سيما ما أنعم به عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مدار المنافع الدينية والدنيوية عليهم بل قابلوا رحمته ونعمه بالكفر ومقتضى العقل عكس ذلك ، وكان الظاهر بنا إلا أنه التفت إلى الظاهر وأوثر هذا الاسم الدال على المبالغة في الرحمة للإشارة إلى أن الإرسال ناشيء منها كما قال سبحانه : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] وضمير الجمع للأمة أيضاً ، والجملة في موضع الحال من فاعل { أَرْسَلْنَا } لا من ضمير { عَلَيْهِمْ } إذ الإرسال ليس للتلاوة عليهم حال كفرهم ، ومنهم من جوز ذلك والتلاوة عليهم حال الكفر ليقفوا على إعجازه فيصدقوا به لعلمهم بأفانين البلاغة ولا ينافي تلاوته عليهم بعد إسلامهم ، وجوز في الجملة أن تكون مستأنفة الضمير حسبما علمت ، وقيل : أنه يعود على الذين قالوا : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } [ الرعد : 27 ] وقيل : يعود على { أُمَّةٍ } وعلى { أُمَمٌ } ويكون في الآية تسلية له صلى الله عليه وسلم ، وعن قتادة . وابن جريج . ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية وقد كتب فيه علي كرم الله تعالى وجهه { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } فقال : سهيل بن عمرو : ما نعرف الرحمة إلا مسيلمة ، وقيل : سمع أبو جهل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا الله يا رحمن فقال إن محمداً ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إليهن فنزلت ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما قيل لكفار قريش :
{ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن } [ الفرقان : 60 ] ؟ فنزلت ، وضعف كل ذلك بأنه غير مناسب لأنه يقتضي أنهم يكفرون بهذا الاسم وإطلاقه عليه سبحانه وتعالى والظاهر أن كفره بمسماه { قُلْ } حين كفروا به سبحانه ولم يوحدوه { هُوَ } أي الرحمن الذي كفرتم به { رَبّى } خالقي ومتولي أمري ومبلغي إلى مراتب الكمال ، وإيراد هذا قبل قوله تعالى : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } أي لا مستحق للعبادة سواه تنبيه على أن استحقاق العبادة منوط بالربوبية ، والجملة داخلة في حيز القول وهي خبر بعد خبر عند بعض ، وقال بعض آخر : إنه تعالى بعد أن نعى على الكفرة حالهم وعكسهم مقتضى العقل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن ينبههم على خاصة نفسه ووظيفته من الشكر ومآل أمره تأنيباً لهم فقال : هو ربي الذي أرسلني إليكم وأيدني بما أيدني ولا رب لي سواه { عَلَيْهِ } لا على أحد سواه { تَوَكَّلْتُ } في جميع أموري لا سيما في النصرة عليكم { وَإِلَيْهِ } خاصة { مَتَابِ } أي مرجعي فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم ، وقوله سبحانه : { لاَ إله إِلاَّ الله * هُوَ } اعتراض أكد به اختصاص التوكل عليه سبحانه وتفويض الأمور عاجلاً وآجلاً إليه ، ومثله قوله تعالى : { اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لا إله إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } [ الأنعام : 106 ] اه وإلى القول بالاعتراض ذهب «صاحب الكشف» حيث ذكر بعد { هُوَ رَبّى } الواحد المتعالي عن الشركاء فقال : جعله فائدة الاعتراض بلا إله إلا هو أي هذا البليغ الرحمة ولا إله إلا هو فهو بليغ الانتقام كما هو بليغ الرحمة يرحمني وينتقم لي منكم ، وهو تمهيد أيضاً لقوله : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } ولم يجعل خبراً بعد خبر إذ ليس المقصود الأخبار بأنه تعالى متوحد بالإلهية بل المقصود أن المتوحد بها ربي وذلك يفيده الاعتراض؛ وأما أن المفهوم من كلامه أنه حال ولذلك أجرى مجرى الوصف فكلا إلا أن يجعل حالاً مؤكدة ولا يغاير الاعتراض إذاً كثير مغايرة لكن الأول أملأ بالفائدة اه ولا يخفى ما في توجيه كلام الكشاف بذلك من الخفاء ، وفي كون المقصود أن المتوحد بالإلهية ربي دون الأخبار بأنه تعالى متوحد بها على ماقيل تأمل . ولعل مبناه أن ما أثبته أوفق بالغرض الذي يشير كلامه إلى اعتباره مساقاً للآية ، وفيه من المبالغة في وصفه تعالى بالتوحد ما لا يخفى . (9/270)
نعم قيل للقول بالاعتراض وجه وأنه حينئذ لا يبعد أن يقال : إنه تعالى بعد أن ذكر إرساله صلى الله عليه وسلم إليهم وأن حالهم أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة ولا يقابلون رحمته بالشكر فيؤمنوا به ويوحدوه أمره بالإخبار بتخصيص توكله واعتماده على ذلك البليغ الرحمة ورجوعه في سائر أموره إليه إيماء إلى أن إصرارهم على الكفر لا يضره شيئاً وأن له عليه الصلاة والسلام عاقبة محمودة وأنه سبحانه سينصره عليهم ، وفي ذلك من تسفيه رأيهم في الإصرار على الكفر واستنهاضهم إلى اتباعه ما فيه إلا أنه عز شأنه أمره أولاً أن يقول : { هُوَ رَبّى } توطئة لذلك وجيء بلا إله إلا هو اعتراضاً للتأكيد ، والذي يميل إليه الطبع بعد التأمل وملاحظة الأسلوب القول بالاعتراض ، ثم لا يخفى أن حمل { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } على إليه رجوعي في سائر أموري خلاف الظاهر وأنه على ذلك يكون كالتأكيد لما قبله ، وقال شيخ الإسلام في تفسيره : أي إليه توبتي كقوله تعالى :
{ واستغفر لِذَنبِكَ } [ غافر : 55 ] أمر عليه الصلاة والسلام بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى وأنها صفة الأنبياء وبعثاً للكفرة على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجه وألطفه ، فإنه عليه الصلاة والسلام حيث أمر بها وهو منزه عن شائبة اقتراف ما يوجبها من الذنب وإن قل فتوبتهم وهم عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلاً اه . وفيه أن هذا إنما يصلح باعثاً للإقلاع عن الذنب على أبلغ وجهه وألطفه لو كان الكلام مع غير الكفرة الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، ولعل ذلك ظاهر عند المنصف ، وقال العلامة البيضاوي ، في ذلك : أي إليه مرجعي ومرجعكم وكأنه أراد أيضاً فيرحمني وينتقم منكم ، والانتقام من الرحمن أشد كما قيل : أعوذ بالله تعالى من غضب الحليم . (9/271)
وتعقب بأنه إنما يتم لو كان المضاف إليه المحذوف ضمير المتكلم ومعه غيره أي متابنا إذ يكون حينئذ مرجعي ومرجعكم تفصيلاً لذلك ولا يكاد يقول به أحد مع قوله بكسر الباء فإنه يقتضي أن يكون المحذوف الياء على أن ذلك الضمير لا يناسب ما قبله ، ولعل العلامة اعتبر أن في الآية اكتفاء على ما قيل : أي متابي ومتابكم أو أن الكلام دال عليه التزاماً وهذا أولى على ما قيل فتأمل .
وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)
{ وَلَوْ أَنَّ قُرْءاناً } أي قرآناً ما ، والمراد به المعنى اللغوي ، وهو اسم أن والخبر قوله تعالى شأنه : { سُيّرَتْ بِهِ الجبال } وجواب { لَوْ } محذوف لانسياق الكلام إليه كما في قوله : (9/272)
فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعاً
والمقصود إما بيان عظم شأن القرآن العظيم وفساد رأي الكفرة حيث لم يقدروا قدره ولم يعدوه من قبيل الآيات واقترحوا غيره؛ وإما بيان غلوهم في المكابرة والعناد وتماديهم في الضلالة والفساد ، والمعنى على الأول لو أن كتاباً سيرت بإنزاله أو بتلاوته الجبال وزعزعت عن مقارها كما فعل ذلك بالطور لموسى عليه السلام { أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الارض } أي شققت وجعلت أنهاراً وعيوناً كما فعل بالحجر حين ضربه موسى عليه السلام بعصاه أو جعلت قطعاً متصدعة { أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى } أي كلم أحد به الموتى بأن أحياهم بقراءته فتكلم معهم بعد ، بعد ، وذلك كما وقع الأحياء لعيسى عليه السلام لكان ذلك هذا القرآن لكونه الغاية القصوى في الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى وهيبته عز وجل كقوله تعالى : { لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله } [ الحشر : 21 ] قاله بعض المحققين ، وقيل : في التعليل لكونه الغاية في الإعجاز والنهاية في التذكير والإنذار .
وتعقب بأنه لا مدخل للإعجاز في هذه الآثار والتذكير والإنذار مختصان بالعقلاء مع أنه لا علاقة لذلك بتكليم الموتى واعتبار فيض العقول ليها مخل بالمبالغة القصودة ، وبحث فيه بأن ما ذكر أولاً من مزيد الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى أمر يرجع إلى الهيبة وهي أيضاً مما لا يترتب عليها تكليم الموتى بل لعلها مانعة من ذلك لأنها حيث اقتضت تزعزع الجبال وتقطع الأرض فلأن تقتضي موت الأحياء دون إحياء الأموات الذي يكون التكليم بعده من باب أولى وفيه نظر ، والباء في المواضع الثلاثة للسببية وجوز في الثالث منها أن تكون صلة ما عندها وتقديم المجرور فيها على المرفوع لقصد الإبهام ، ثم التفسير لزيادة التقرير على ما مر غير مرة .
و { أَوْ } في الموضعين لمنع الخلو لا الجمع ، والتذكير في { كلام } لتغليب المذكر من الموتى على غيره ، واقتراحهم وإن كان متعلقاً بمجرد ظهور مثل هذه الأفاعيل العجيبة على يده صلى الله عليه وسلم لا بظهورها بواسطة القرآن لكن ذلك حيث كان مبنياً على عدم اشتماله في زعمهم على الخوارق نيط ظهورها به مبالغة في شأن اشتماله عليها وأنه حقيق بأن يكون مصدراً لكل خارق وإبانة لركاكة رأيهم في شأنه الرفيع كأنه قيل : لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه من مقتضيات الحكمة لكان مظهرها هذا القرآن الذي لم يعدوه آية ، وفيه من تفخيم شأنه العزيز ووصفهم بركاكة العقل ما لا يخفى كذا حققه بعض الأجلة وهو من الحسن بمكان ، وعلى الثاني لو أن قرآناً فعلت به هذه الأفاعيل العجيبة لما آمنوا به كقوله تعالى :