صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وتعقب بأن الخبر لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الثابت في عدة روايات « ما لبث في السجن طول ما لبث » وهو لا يدل على المدعى . وروى ابن أبي حاتم عن طاوس والضحاك تفسير البضع ههنا بأربع عشرة سنة وهو خلاف المعروف في تفسيره ، والأولى أن لا يجزم بمقدار معين كما قدمنا . وكون هذا اللبث مسبباً عن القول هو الذي تظافرت عليه الأخبار كالخبر السابق والخبر الذي روي عن أنس قال : « أوحى الله تعالى إلى يوسف عليه السلام من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن
يقتلوك ، قال : أنت يا رب ، قال : فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه ، قال : أنت يا رب ، قال : فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك ، قال : أنت يا رب ، قال : فما بالك نسيتني وذكرت آدمياً ، قال : يا رب كلمة تكلم بها لساني ، قال : وعزتي لأدخلنك في السجن بضع سنين » وغير ذلك من الأخبار . ولا يشكل على هذا أن الاستعانة بالعباد في كشف الشدائد مما لا بأس به ، فقد قال سبحانه : { وتعاونوا على البر والتقوى } [ المائدة : 2 ] فكيف عوتب عليه السلام في ذلك لأن ذلك مما يختلف باختلاف الأشخاص ، واللائق بمناصب الأنبياء عليهم السلام ترك ذلك والأخذ بالعزائم ، واختار أبو حيان أن يوسف عليه السلام إنما قال للشرابي ما قال ليتوصل بذلك إلى هداية الملك وإيمانه بالله تعالى كما توصل إلى إيضاح الحق لصاحبيه ، وإن ذلك ليس من باب الاستعانة بغير الله تعالى في تفريج كربه وخلاصه من السجن ، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر ، وموجب للطعن في غير ما خبر ، نعم إنه اللائق بمنصبه عليه الصلاة والسلام . وجوز بعضهم كون ضمير - أنساه - و { ربه } عائدين على يوسف عليه السلام ، وإنساء الشيطان ليس من الإغواء في شيء بل هو تك الأولى بالنسبة لمقام الخواص الرافعين للأسباب من البين ، وأنت تعلم أن الأول هو المناسب لمكان الفاء ، ولقوله تعالى الآتي : { وادّكر بعد أمّة } [ يوسف : 45 ] .

(9/28)


وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)

{ وَقَالَ الْمَلكُ } وهو الريان وكان كافراً ، ففي إطلاق ذلك عليه دلالة على ما قيل : على جواز تسمية الكافر ملكاً ، ومنعه بعضهم ، وكذا منع أن يقال له أمير احتجاجاً بأنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل « عظيم الروم » ولم يكتب ملك الروم أو أميرهم لما فيه من إيهام كونه على الحق ، وجعل هذا حكاية اسم مضى حكمه وتصرم وقته ، ومثله لا يضر أي قال لمن عنده : { إنِّي أَرَى } أي رأيت ، وإيثار صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية { سَبْعَ بَقَرَات سمَان } ممتلئات لحماً وشحماً
من سمن كسمع سمانة بالفتح وسمناً كعنباً فهو سامن وسمين ، وذكر أن سميناً وسمينة تجمع على سمان ، فهو ككرام جمع كريم وكريمة ، يقال : رجال كرام ونسوة كرام { يَأْكُلُهُنَّ } أي أكلهن ، والعدول إلى المضارع لاستحضار الصورة تعجيباً . والجملة حال من البقرات أو صفة لها { سَبْعٌ عجَافٌ } أي سبع بقرات مهزولة جداً من قولهم : نصل أعجف أي دقيق وهو جمع عجفاء على خلاف القياس ، والقياس عجف كحمراء وحمر ، فإن فعلاء وأفعل لا يجمع على فعال لكنهم بنوه على سمان وهم قد يبنون الشيء على ضده كقولهم : عدوة بالهاء لمكان صديقة ، وفعول بمعنى فاعل لا تدخله الهاء ، وأجري ( سمان ) على المميز فجر على أنه وصف له ، ولم ينصب على أن يكون صفة للعدد المميز لأن وصف تمييزه وصف له معنى ، وقد ذكروا أنه إذا وصف التمييز كان التمييز بالنوع وإذا وصف المميز كان التمييز بالجنس ، ولا شك أن الأول أولى وأبلغ لاشتمال النوع على الجنس فهو أزيد في رفع الإبهام المقصود من التمييز ، فلهذا رجح ما في النظم الكريم على غيره . ولم يقل : / { سبع عجاف } بالإضافة ، وجعله صفة للتمييز المقدر على قياس ما قبله لأن التمييز لبيان الجنس والحقيقة والوصف لا يدل عليه بل على شيء ما له حال وصفة ، فلذا ذكروا أن التمييز يكون باسم الجنس الجامد ولا يكون بالوصف المشتق في فصيح الكلام ، فتقول : عندي ثلاثة قرشيون ولا تقول قرشيين بالإضافة ، وأما قولك : ثلاثة فرسان وخمسة ركبان فلجريان الفارس والراكب مجرى الأسماء لاستعمالها في الأغلب من غير موصوف .
واعترض صاحب « الفرائد » بأن الأصل في العدد التمييز بالإضافة فإذا وصف السبع بالعجاف فلا بد من تقدير المضاف غليه ، وكل واحد من الوصف وتقدير المضاف إليه خلاف الأصل أما إذا أضيف كانت الصفة قائمة مقام الموصوف فقولنا : { سبع عجاف } في قوة قولنا : سبع بقرات عجاف ، فالتمييز المطلوب بالإضافة حاصل بالإضافة إلى الصفة لقيامها مقام الموصوف ، فكما يجوز سبع بقرات عجاف يجوز سبع عجاف ، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات وهي موصوفة بعجاف فكانت من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة وهي غير جائزة إلا بتأويل .

(9/29)


وتعقب ذلك القطب بأنه هب أن الأصل في العدد التمييز بالإضافة لكن لما سبق ذكر { سبع بقرات سمان } تبين أن السبع العجاف بقرات فهذا السبع مميز بما تقدم فقد حصل التمييز بالإضافة فلو أضيف إلى العجاف لكان العجاف قائماً مقام البقرات في التمييز فيكون التمييز بالوصف وهو خلاف الأصل ، وأما أن السبع قائم مقام البقرات فإنما يكون إذا وصف بالعجاف أما إذا أضيف بكون العجاف قائمة مقام البقرات فلا يلزم إضافة الموصوف إلى الصفة اه وفيه تأمل .
وذكر العلامة الطيبي في هذا المقام أنه يمكن أن يقال : إن المميز إذا وصف ثم رفع به الإبهام والإجمال من العدد آذن بأنهما مقصودان في الذكر بخلافه إذا ميز ثم وصف بل الوصف أدعى لأن المميز إنما استجلب للوصف ، ومن ثمّ ترك التمييز في القرائن الثلاث والمقام يقتضي ذلك لأن المقصود بيان الابتلاء بالشدة بعد الرخاء ، وبيان الكمية بالعدد والكيفية بالبقرات تابع فليفهم ، ويعلم من ذلك وجه العدول إلى ما في النظم الكريم عن أن يقال : إني أرى سبع بقرات عجاف يأكلن سبعاً سماناً الأخصر منه . وقيل : إن التعبير بذلك بأنه أول ما رأى السمان ، فقد روي أنه رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس ثم خرج عقيبهنّ سبع بقرات عجاف فابتلعت السمان ولم يتبين عليها منهن شيء .
{ وَسَبْعَ سُنْبُلاَت خُضْر } قد انعقد حبها { وَأُخَرَ } أي وسبعاً أخر { يَابسَات } قد أدركت والتوت على الخضر حتى غلبتها ولم يبق من خضرتها شيء على ما روي ، ولعل عدم التعرض لذكر العدد للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات ، ولا يجوز عطف أخر على سنبلات لأن العطف على المميز يقتضي أن يكون المعطوف والمعطوف عليه بياناً للمعدود سواء قيل : بالانسحاب أو بتكرير العامل لأن المعنى على القولين لا يختلف؛ وإنما الاختلاف في التقدير اللفظي؛ وحينئذٍ يلزم التدافع في الآية لأن العطف يقتضي أن تكون السنبلات خضرها ويابسها سبعاً ، ولفظ { أخر } يقتضي أن يكون غير السبع وذلك لأن تباينها في الوصف أعني الخضرة واليبس منطوق ، واشتراكهما في السنبلية فيكون مقتضى لفظ { أخر } تغايرهما في العدد ولزم التدافع ، وعلى هذا يصح أن تقول : عندي سبعة رجال قيام وقعود بالجر لأنك ميزت سبعة رجال موصوفين بالقيام والقعود على أن بعضهم كذا وبعضهم كذا ، ولا يصح سبعة رجال قيام وآخرين قعود لما علمت ، فالآية والمثال في هذا المبحث على وزان واحد كما يقتضيه كلام « الكشاف » ، ونظر في ذلك صاحب « الفرائد » فقال : إن الصحيح / أن العطف في حكم تكرير العامل لا الانسحاب فلو عطف آخرين على رجال قيام لكان سبعة مكررة في المعطوف أي وسبعة آخرين أي رجال آخرين قعود ، ويفسد المعنى لأن المفروض أن الرجال سبعة ، وأما الآية فلو كرر فيها وقيل : وسبع أخر أي وسبع سنبلات أخر استقام لأن الخضر سبع واليابسات سبع ، نعم لو خرج ذلك على المرجوح وهو الانسحاب أدى إلى أن السبع المذكورة مميزة بسنبلات خضر وسنبلات أخر يابسات ، وفسد إذ المراد أن كلاً منهما سبعة لا أنها سبعة ، فالمثال والآية ليسا على وزان إذ هو على تكرير العامل يفسد وعلى الانسحاب يصح ، والآية بالعكس ، ثم بنى على ما زعمه من أن الصحيح قول التكرير جواز العطف .

(9/30)


وادعى أن الأولى أن يكون العطف على { خضر } لا على { يابسات } ليدل على موصوف آخر ، وهو سنبلات ولا يقدر موصوفها بقرينة السياق ، ولا يخفى أن الكلام إنما هو على تقدير أن يكون مميز السبع ما علمت ، وعلى ذلك يلزم التدافع ، ولا يبنى على فرض أنهم سبعة أو أربعة عشر فيصح في الآية ولا يصح في المثال فإنه وهم . ومن ذلك يظهر نه لا مدخل للتكرير والانسحاب في هذا الفرض ، ثم إن المختار قول الانسحاب على ما نص عليه الشيخ ابن الحاجب وحققه في غير موضع ، وأما الاستدلال بالآية على الانسحاب لا التقدير وإلا لكان لفظ { أخر } تطويلاً يصان كلام الله تعالى المعجز عنه فغير سديد على ما في « الكشف » لأن القائل بالتقدير يدعي الظهور في الاستقلال ، وكذلك القائل بالانسحاب يدعي الظهور في المقابل على ما نص عليه أئمة العربية فلا يكون التأكيد - بأخر - لإرادة النصوص تطويلاً بل إطناباً يكون واقعاً في حاق موقعه هذا .
{ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ } خطاب للأشراف ممن يظن به العلم . يروى أنه جمع السحرة والكهنة والمعبرين فقال لهم يا أيها الملأ { أَفْتُوني في رُءيَايَ } هذه أي عبروها وبينوا حكمها وما تؤول إليه من العاقبة . وقيل : هو خطاب لجلسائه وأهل مشورته ، والتعبير عن التعبير بالإفتاء لتشريفهم وتفخيم أمر رؤياه { إن كُنتُمْ للرُّءْيَا تَعْبُرُونَ } أي تعلمون عبارة جنس الرؤيا علماً مستمراً وهي الانتقال من الصورة المشاهدة في المنام إلى ما هي صورة ومثال لها من الأمور الآفاقية والأنفسية الواقعة في الخارج من العبور وهو المجاوزة ، تقول : عبرت النهر إذا قطعته وجاوزته ، ونحوه أولتها أي ذكرت ما تؤول غليه وعبرت الرؤيا بالتخفيف عبارة أقوى وأعرف عند أهل اللغة من عبرت بالتشديد تعبيراً حتى أن بعضهم أنكر التشديد ، ويرد عليه ما أنشده المبرد في « الكامل »
لبعض الأعراب وهو :
رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا
والجمع بين الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار كما أشير إليه . واللام قيل : متعلقة بمحذوف والمقصود بذاك البيان كأنه لما قيل : { تعبرون } قيل : لأي شيء؟ فقيل : للرؤيا فهي للبيان كما في سقيا له إلا أن تقديم البيان على المبين لا يخلو عن شيء .

(9/31)


وقيل - واختاره أبو حيان - إنها لتقوية الفعل المذكور لأنه ضعف بالتأخير ، ويقال لها : لام التقوية وتدخل في الفصيح على المعمول إذا تقدم على عامله مطلقاً وعلى معمول غير الفعل إذا تأخر كزيد ضارب لعمرو ، وفي كونها زائدة أو لا خلاف ، وقيل : إنه جئ بها لتضمين الفعل المتعدي معنى فعل قاصر يتعدى باللام أي إن كنتم تنتدبون لعبارتها ، وجوز أن يكون { للرؤيا } خبر كان كما تقول : كان / فلان لهذا الأمر إذا كان مستقبلاً به متمكناً منه ، وجملة { تعبرون } خبر آخر أو حال ، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف ، وكذا فيما قبله . وقرأ أبو جعفر بالإدغام في الرؤيا وبابه بعد قلب الهمزة واواً ثم قلب الواو ياءاً لسبقها إياها ساكنة ، ونصوا على شذوذ ذلك لأن الواو بدل غيرلازم .

(9/32)


قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44)

{ قَالُوا } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال الملأ للملك إذ قال لهم ذلك؟ فقيل : قالوا : هي { أَضْغَاثُ أَحْلاَم } أي هي أضغاث الخ ، وهي جمع ضغث وهو أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من أخلاط النبات ، وقد يطلق على ما كان من جنس واحد كما في قوله :
خود كأن فراشها وضعت به ... أضغاث ريحان غداة شمال
وجعل من ذلك ما في قوله تعالى : { وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به } [ ص : 44 ] فقد روي أن أيوب عليه السلام أخذ عثكالاً من النخل فضرب به . وفي « الكشاف » ( ( أن أضغاث الأحلام تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان ، وقد استعيرت لذلك ، وأصلها ما جمع من أخلاط النبات وحزم وإضافتها على معنى نم أي أضغاث من أحلام ) ) وأورد عليه أن الأضغاث إذا استعيرت للأحلام الباطلة والأحلام مذكورة ، ولفظ هي المقدر عبارة عن رؤيا مخصوصة فقد ذكر المستعار والمستعار له ، وذلك مانع ن الاستعارة على الصحيح عندهم ، وقد أجاب الكثير عن ذلك بما لا يخلو عن بحث . وذكر بعض المحققين في تقرير ذاك وجهين : الأول : أنه يريد أن حقيقة الأضغاث أخلاط النبات فشبه به التخاليط والأباطيل مطلقاً سواء كانت أحلاماً أم غيرها ، ويشهد له قول « الصحاح » و « الأساس » : ضغث الحديث خلطه ، ثم أريد هنا بواسطة الإضافة أباطيل مخصوصة فطرفا الاستعارة أخلاط النبات والأباطيل الملفقات ، فالأحلام ورؤيا الملك خارجان عنهما فلا يضر ذكرهما كما إذا قلت : رايت أسد قريش فهو قرينة أو تجريد ، وقوله : تخاليطها تفسير له بعد التخصيص ، وقوله : وقد استعيرت لذلك إشارة إلى التخاليط . الثاني : أن الأضغاث استعيرت للتخاليط الواقعة في الرؤيا الواحدة فهي أجزاؤها لا عينها فالمستعار منه حزم النبات والمستعار له أجزاء الرؤيا ، وهذا كما إذا استعرت الورد للخد ، ثم قلت : شممت ورد هند مثلاً فإنه لا يقال : إنه ذكر فيه الطرفان اه ، ولا يخفى ما فيه من التكلف وارتكاب غير الظاهر . واستظهر بعضهم كون { أضغاث أحلام } من قبيل لجين الماء ، ولا يخفى أنه سالم عما أورد على الزمخشري إلا أن صاحب « الأساس » قد صرح بأن ذلك من المجاز ، والمتبادر منه المجاز المتعارف الذي لا يطلق على ما ذكر ، ولعل الأمر في ذلك سهل .
والأحلام جمع حلم بضمة وبضمتين المنامات الباطلة على ما نص عليه جمع ، وقال بعضهم : الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم مطلقاً لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن ، وغلب الحلم على خلافه ، وفي الحديث « الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان » وقال التوربشتي : الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع صلى الله عليه وسلم للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح لما فيها من الدلالة على مشاهدة الشيء بالبصر والبصيرة ، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان لأن أصل / الكلمة لم تستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة بما لا حقيقة له اه وهو كلام حسن .

(9/33)


ومما يشهد له في دعوى كون الحلم يستعمل عند العرب استعمال الرؤيا البيت السابق الذي أنشده المبرد كما لا يخفى . وإنما قالوا { أضغاث أحلام } بالجمع مع أن الرؤيا ما كانت إلا واحدة للمبالغة في وصف ذلك بالبطلان ، وهذا كما يقال : فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز لمن لا يركب إلا فرساً واحداً وما له إلا عمامة فردة .
وفي « الفرائد » لما كانت { أضغاث أحلام } مستعارة لما ذكر وهي تخاليطها وأباطيلها وهي متحققة في رؤيا واحدة بحسب أنها متركبة من أشياء كل منها حلم فكانت أحلاماً ، قال الشهاب : وهو واه وإن استحسنه العلامة الطيبي ، نعم ليس هذا من إطلاق الجمع على الواحد لوجود ذلك في هذا الجنس إذ الإضافة على معنى في ، ثم نقل عن الرضي أنه قال في « شرح الشافية » إن جمع القلة ليس بأصل في الجمع لأنه لا يذكر إلا حيث يراد بيان القلة فلا يستعمل لمجرد الجمعية والجنسية كما يستعمل له جمع الكثرة ، يقال : فلان حسن الثياب في معنى حسن الثوب ولا يحسن حسن الثوب وكم عندك من الثوب أو من الثياب ولا يحسن من الأثواب اه ، ثم قال : وقد ذكره الشريف في « شرح المفتاح » وهو مخالف لما ذكروه هنا فتأمله ، ولعل ما ذكر بعد تسليمه إنما هو في جمع القلة الذي معه جمع كثرة كما ذكره في المثال لا في ذلك وجمع القلة الذي ليس معه جمع كثرة كماهنا ، فإنا لم نجد في « كتب اللغة » جمعاً لمفرد هذا الجمع غير هذا الجمع ، وقد ذكر غير واحد أن جمع القلة إذا لم يوجد معه جمع كثرة يستعمل استعمال جمع الكثرة ، ثم لا يخفى حسن موقع الأضغاث مع السنابل ، فيالله در شأن التننزيل ما أبدع رياض بلاغته .
{ وَمَا نَحْنُ بتَأْويل الأَحْلاَم } أي المنامات الباطلة { بعَالمينَ } لأنها لا تأويل لها وإنما التأويل للمنامات الصادقة ، وهذا إما لشيوع الأحلام في أباطيلها وإما لكون اللام للعهد والمعهود الأضغاث منها ، والكلام وارد على أسلوب :
على لا حب لا يهتدى بمنارهرضي الله عنR ... وهو إشارة إلى كبرى قياس ساقوه للعذر عن جهلهم كأنهم قالوا هذه رؤيا باطلة وكل رؤيا كذلك لا نعلم تأويلها أي لا تأويل لها حتى نعلمه ينتج هذه رؤيا لا تأويل لها .

(9/34)


وجوز أن يكون المراد من الأحلام الرؤى مطلقاً ، وأل فيه للجنس ، والكلام اعتراف منهم بقصور علمهم وأنهم ليسوا بنحارير في تأويل الرؤى مع أن لها تأويلاً ، واختاره ابن المنير وادعى أنه الظاهر ، وأن قول الملك لهم أولاً { إن كنتم للرؤيا تعبرون } [ يوسف : 43 ] دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها لأنه أتى بكلمة الشك فجاء اعترافهم بالقصور مطابقاً لشك الملك الذي أخرجه مخرج استفهامهم عن كونهم عالمين ، وأن قول الفتى : { أنا أنبئكم بتأويله } [ يوسف : 45 ] إلى قوله : { لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } [ يوسف : 46 ] دليل على ذلك أيضاً .
وذكر بعض المحققين أنه يشعر به عدولهم عما وقع في كلام الملك من العبارة المعربة عن مجرد الانتقال من الدال إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير الأحلام أو عبارتها إلى التأويل المنبئ عن التصرف ، والتكلف في ذلك لما بين الآيل والمآل من البعد . واعترض بأنه على هذا يبقى قولهم : { أضغاث أحلام } ضائعاً إذ لا دخل له في العذر ، وأجيب بأنه يمكن أن يكون المقصود منه إزالة خوف الملك من تلك الرؤيا فلا يبقى ضائعاً .
وقال صاحب « الكشف » : إن وجه ذلك أن يجعل الأول جواباً مستقلاً والثاني كذلك أي ههنا أمران : أحدهما من جانب الرائي والثاني من جانب المعبر ، ووجه تقديم الظرف علىعامله أنا أصحاب الآراء والتدابير / وعلمنا بذلك رصين لا بتأويل الرؤى ، ووجهه على الأول ظاهر ، وادعى أن المقام يطابقه ، ووروده على ذلك الأسلوب مقوله لا موهن خلافاً لما في « الانتصاف » ويقوى عند اختيار الوجه الثاني إذا كان الخطاب لجلسائه وأهل مشورته من أهل الحل والعقد لأن الأغلب على أمثالهم الجهل بمثل هذا العلم الذي لا يعلمه إلا أفراد من الناس .

(9/35)


وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45)

{ وَقَالَ الَّذي نَجَا منْهُمَا } أي صاحبي يوسف عليه السلام وهو الشرابي { وَادَّكَرَ } بالدال غير المعجمة عند الجمهور ، وأصله اذتكر أبدلت التاء دالاً وأدغمت الدال فيها . وقرأ الحسن غ- اذكر - بإبدال التاء ذالاً معجمة وإدغام الذال المعجمة فيها ، والقراءة الأولى أفصح ، والمعنى على كليهما تذكر ما سبق له مع يوسف عليه السلام { بَعْدَ أُمَّة } أي طائفة من الزمان ومدة طويلة . وقرأ الأشهب العقيلي { إمة } بكسر الهمزة وتشديد الميم أي نعمة عليه بعد نعمة ، والمراد بذلك خلاصه من القتل والسجن وإنعام ملكه عليه ، وعلى هذا جاء قوله :
ألا لا أرى ذا ( إمة ) أصبحت به ... فتتركه الأيام وهي كما هي
وقال ابن عطية ( ( المراد بعد نعمة أنعم الله تعالى بها على يوسف عليه السلام وهي تقريب إطلاقه ) ) ولا يخفى بعده . وقرأ ابن عباس وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم - وأمة - وأمه بفتح الهمزة والميم المخففة وهاء منونة من أمه يأمه أمهاً إذا نسي ، وجاء في المصدر - أمه - بسكون الميم أيضاً فقد روي عن مجاهد وعكرمة وشبيل بن عزرة الضبعي أنهم قرأوا بذلك ولا عبرة بمن أنكر . والجملة اعتراض بين القول والمقول ، وجوز أن تكون حالاً من الموصول أو من ضميره في الصلة ، ويحتاج ذلك إلى تقدير قد على المشهور ، وقيل : معطوفة على ( نجا ) وليس بشيء - كما قال بعض المحققين - لأن حق كل من الصلة والصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصول والموصوف عند المخاطب كما عند المتكلم ، ومن هنا قيل : الأوصاف قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها أوصاف ، وأنت تعلم أن تذكره بعد أمة إنما علم بهذه الجملة فلا معنى لنظمه مع نجاته المعلومة من قبل في سلك الصلة .
{ أَنا أُنَبِّئُكُم بتَأْويله } أي أخبركم بتأويل ذلك الذي خفي أمره بالتلقي ممن عنده علمه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أفتيكم في ذلك ، وعقبه بقوله : { فَأَرْسلُون } إلى من عنده علمه ، وأراد به يوسف عليه السلام وإنما لم يصرح به حرصاً على أن يكون هو المرسل إليه فإنه لو ذكره فلربما أرسلوا غيره وضمير الجمع إما لأنه أراد الملك وحده لكن خاطبه بذلك على سبيل التعظيم كما هو المعروف في خطاب الملوك ، ويؤيده ما روي أنه لما سمع مقالة القوم جثى بين يدي الملك وقال : إن في السجن رجلاً عالماً يعبر الرؤيا فابعثوني إليه فبعثوه وكان السجن - على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - في غير مدينة الملك ، وقيل : كان فيها ، قال أبو حيان ( ( ويرسم الناس اليوم سجن يوسف عليه لاسلام في موضع على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أميال ) ) والله تعالى أعلم بحقيقة الحال . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه كان يقرأ - أنا آتيكم - مضارع أتى من الإتيان فقيل له : إنما هو أنا أنبئكم فقال : أهو كان ينبئهم؟! ، وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبيّ أنه قرأ أيضاً كذلك . / وفي « البحر » أنه كذا في الإمام أيضاً .

(9/36)


يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)

{ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدّيقُ } في الكلام حذف اي فأرسلوه فأتاه فقال : يا يوسف . ووصفه بالمبالغة في الصدق حسبما علمه وجرب أحواله في مدة إقامته معه في السجن لكونه بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره ، فهو من باب براعة الاستهلال . وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للمستفتي أن يعظم المفتي ، واستدل بذلك على أنهما لم يكذبا على يوسف في منامهما وأنهما كذبا في قولهما : كذبنا إن ثبت .
{ أَفْتنَا في سَبْع بَقَرَات سمَان يَأكُلُهُنَّ سَبْعٌ عجَافٌ وَسَبْع سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات } أي في رؤيا ذلك ، وإنما لم يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون الحادثة عليه حيث إن مثله لا يقع في عالم الشهادة ، والمعنى بين لنا مآل ذلك وحكمه . وعبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولاً { نبئنا بتأويله } [ يوسف : 36 ] تفخيماً لشأنه عليه السلام حيث عاين رتبته في الفضل ، ولم يقل : أفتني مع أنه المستفتي وحده إشعاراً بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور ا لعامة وأنه في ذلك معبر وسفير ، ولذا لم يغير لفظ الملك ، ويؤذن بهذا قوله : { لَّعَلِّي أَرْجعُ إلَى النَّاس } أي غلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد فأنبئهم بما أفتيت { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلص منه . والجملة عند أبي حيان على الأول كالتعليل للرجوع وعلى الثاني كالتعليل لأفتنا - وإنما لم يبت القول بل قال : { لعلي } و { لعلهم } مجاراة معه عليه السلام على نهج الأدب واحترازاً عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع :
فبينما المرء في الأحياء مغبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه إما لعدم فهمهم أو لعدم اعتمادهم .

(9/37)


قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47)

{ قَالََ } مستأنف على قياس ما مر غير مرة { تَزْرَعُونَ سَبْعَ سنينَ دَأَباً } قرأ حفص بفتح الهمزة والجمهور بإسكانها ، وقرئ - داباً - بألف من غير همز على التخفيف ، وهو في كل ذلك مصدر لدأب وأصل معناه التعب ، ويكنى به عن العادة المستمرة لأنها تنشأ من مداومة العمل اللازم له التعب ، و انتصابه على الحال من ضمير { تزرعون } أي دائبين أو ذوي دأب ، وأفرد لأن المصدر الأصل فيه الإفراد أو على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أي تدأبون دأباً . والجملة حالة أيضاً ، وعند المبرد مفعول مطلق - لتزرعون - وذلك عنده نظير قعد القرفصاء وليس بشيء . وقد أول عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، فأخبرهم بأنهم يوظبون على الزراعة سبع سنين ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخصب الذي هو مصداق البقرات السمان وتأويلها ، و قيل : المراد الأمر بالزراعة كذلك ، فالجملة خبر لفظاً أمر معنى ، وأخرج على صورة الخبر مبالغة في إيجاب إيجاده حتى كأنه وقع وأخبر عنه .
وأيد بأن قوله تعالى : { فَمَا حَصَدتُّمْ } أي في كل سنة { فَذَرُوهُ في سُنبُله } ولا تذروه كيلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها إذا مضى عليها نحو عامين ، ولعله استدل على ذلك بالسنبلات الخضر يناسب كونه أمراً مثله ، قيل : لأنه لو لم يؤوّل ذلك بالأمر لزم عطف الإنشاء على الخبر لأن - ما - إما شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط ، وعلى كل حال فلكون الجزاء إنشاء / تكون إنشائية معطوفة على خبرية . وأجيب بأنا لا نسلم أن الجملة الشرطية ا لتي جوابها إنشائي إنشائية ، ولو سلم فلا نسلم العطف بل الجملة مستأنفة لنصحهم وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يفعلوه حيث لم يكن معتاداً لهم كما كان الزرعكذلك ، أو هي جواب شرط مقدر أي إن زرعتم فما حصدتم الخ ، وأيضاً يحتمل الأمر عكس ما ذكروه بأن يكون ذروه بمعنى تذروه ، وأبرز في صورة الأمر لأنه بإرشاده فكأنهم أمرهم به . والتحقيق ما في « الكشف » من أن الأظهر أن { تزرعون } على أصله لأنه تأويل المنام بدليل قوله الآتي : { ثم يأتي } [ يوسف : 48 ] وقوله : { فما حصدتم فذروه } اعتراض اهتماماً منه عليه السلام بشأنهم قبل تتميم التأويل ، وفيه ما يؤكد أمر السابق واللاحق كأنه قد كان فهو يأمرهم بما فيه صلاحهم وهذا هو النظم المعجز انتهى . وذكر بعضهم أن - ما حصدتم - الخ على تقدير كون { تزرعون } بمعنى ازرعوا داخل في العبارة فإن أكل السبع العجاف السبع السمان وغلبة السنبلات اليابسات الخضر دال على أنهم يأكلون في السنين المجدبة ما حصل في السنين المخصبة ، وطريق بقائه تعلموه من يوسف عليه السلام فبقي لهم في تلك المدة . وقيل : إن تزرعون على هذا التقدير وكذا ما بعده خارج عن العبارة ، والكل كما ترى .
{ إلاَّ قَليلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ } أي اتركوا ذلك في السنبل إلا ما لا غنى عنه من القليل الذي تأكلونه في تلك السنين ، وفيه إرشاد إلى التقليل في الأكل . وقرأ السلمي ( مما يأكلون ) بالياء على الغيبة أي يأكل الناس ، والاقتصار على استثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوماً من قوله عليه السلام : { تزرعون سبع سنين }

(9/38)


ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)

{ ثُمَّ يَأتي من بَعْد ذَلكَ } أي من بعد السنين السبع المذكورات ، وإنما لم يقل من بعدهن قصداً غلى تفخيم شأنهن { سَبْعٌ شدَادٌ } اي سبع سنين صعاب على الناس ، وحذف التمييز لدلالة الأول عليه { يَأكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } أي ما ادخرتم في تلك السنين من الحبوب المتروكة في سنابلها لأجلهن . وإسناد الأكل إليهن مع أنه حال الناس فيهن مجازي كما في قوله تعالى : { والنهار مبصراً } [ يونس : 67 ] واللام في { لهن } ترشيح لذلك ، وكان الداعي إليه التطبيق بين المعبر والمعبر به ، ويجوز أن يكون التعبير بذلك للمشاكلة لما وقع في الواقعة . وفسر بعضهم الأكل بالإفناء كما في قولهم : أكل السير لحم الناقة أي أفناه وذهب به { إلاَّ قَليلاً مِّمَّا تُحْصنُونَ } أي تحرزونه وتخبئونه لبزور الزراعة مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ .

(9/39)


ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)

{ ثُمَّ يَأتي من بَعْد ذَلكَ } أي السنين الموصوفة بما ذكر من الشدة وأكل المدخر من الحبوب { عَامٌ } هو كالسنة لكن كثيراً ما يستعمل فيما فيه الرخاء والخصب ، والسنة فيما فيه الشدة والجدب ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة ، وكأنه تحاشياً عن ذلك وتنبيهاً من أول الأمر على اختلاف الحال بينه وبين السوابق عبر به دون السنة { فيه يُغَاثُ النَّاسُ } أي يصيبهم غ يث أي مطر كما قال ابن عباس ومجاهد والجمهور فهو من غاث الثلاثي اليائي ، ومنه قول الأعرابية : / غثنا ما شئنا؛ وقول بعضهم أذى البراغيث إذا البُرُّ أُغيث ، وقيل : هو من الغوث أي الفرج ، يقال : أغاثنا الله تعالى إذا أمدّنا برفع المكاره حين أظلتنا فهو رباعي واوي { وَفيه يَعْصرُونَ } من العصر المعروف أي يعصرون ما من شأنه أن يعصر من العنب والقصب والزيتون و السمسم ونحوها من الفواكه لكثرتها . والتعرض لذكره كما قال بعض المحققين مع جواز الاكتفاء عنه بذكر الغيث المستلزم له عادة كما اكتفى به عن ذكر تصرفهم في الحبوب : إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب إذ المذكورات يتوقف صلاحها على أمور أخرى غير المطر ، وإما لمراعاة جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصة به بشارة له ، وهي التي يدور عليها حسن موقع تغليبه على الناس في قراءة حمزة والكسائي بالفوقانية . وعن ابن عباس تفسير ذلك بيحلبون وكأنه مأخوذ من العصر المعروف لأن في الحلب عصر الضرع ليخرج الدر . وتكرير ( فيه ) إما كما قيل : للإشعار باختلاف [ أوقات ] ما يقع فيه زماناً وعنواناً ، وإما لأن المقام مقام تعداد منافع ذلك العام ، ولأجله قدم في الموضعين على العامل فإن المقام بيان أنه يقع في ذلك العام هذا وذاك لا بيان أنهما يقعان في ذلك العام كما يفيده التأخير ، وجوز أن يكون التقديم للقصر علىمعنى أن غيثهم في تلك السنين كالعدم بالنسبة إلى عامهم ذلك وأن يكون ذلك في الأخير لمراعاة الفواصل ، وفي الأول لرعاية حاله .
وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما والأعرج وعيسى البصرة ( يعصرون ) على البناء للمفعول ، وعن عيسى - تعصرون - بالفوقانية مبنياً للمفعول أيضاً من عصره الله تعالى إذا أنجاه أي ينجيهم الله سبحانه مما هم فيه من الشدة ، وهو مناسب لقوله : { يغاث الناس } وعن أبي عبيدة بالضم بالمنجاة وأنشد قول أبي زبيد في عثمان رضي الله تعالى عنه :
صادياً يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود
وقال ابن المستنير معناه يمطرون من أعصرت السحابة عليهم أي حان وقت عصر الرياح لها لتمطر فعلي صلة الفعل كما في عصرت الليمون على الطعام فحذفت وأوصل الفعل بنفسه أو تضمن أعصرت معنى مطرت فتعدى تعديته .

(9/40)


وفي « الصحاح » عصر القوم أي أمطروا ، ومنه قراءة بعضهم { وفيه يعصرون } وظاهره أن اللفظ موضوع لذلك فلا يحتاج إلى التضمين عليه . وحكى النقاش أنه قرئ { يعصرون } بضم الياء وكسر الصاد وتشديدها من عصر مشدداً للتكثير ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { وفيه تعصرون } بكسر التاء والعين والصاد وتشديدها ، وأصله تعتصرون فأدغم التاء في الصاد ونقل حركتها إلى العين ، وأتبع حركة التاء لحركة العين ، واحتمل أن يكون من اعتصر العنب ونحوه أو من اعتصر بمعنى نجا ، ومن ذلك قوله :
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
ثم إن أحكام هذا العام المبارك كما أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة علم آتاه الله تعالى علمه لم يكن فيما سئل عنه ، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وعنيا أن ذلك بالوحي وهو الظاهر . ولقد أتى عليه السلام بما يدل على فضله في آخر فتواه على عكس ما فعل بالوحي وهو الظاهر . ولقد أتى عليه السلام بما يدل على فضله في آخر فتواه على عكس ما فعل أولاً عند الجواب عن رؤيا صاحبيه حيث أتى بذلك في أولها ووجه ذلك ظاهر . وقيل : إن هذه البشارة منه عليه السلام لم تكن عن وحي بل لأن العادة جارية بأن انتهاء الجدب الخصب ، أو لأن السنة الإلهية على أن يوسع على عباده سبحانه بعد ما ضيق عليهم ، / وفيه أنه لو كان كذلك لأجمل في البشارة ، وإن حصر الجدب يقتضي تغييره بخصب مّا لا على ما ذكره خصوصاً على ما تقتضيه بعض القراءات من إغاثة بعضهم بعضاً فإنها لا تعلم إلا بالوحي . ثم إنه عليه السلام بعد أن أفتاهم وأرشدهم وبشرهم كان يتوقع وقوع ما أخبر به ، فقد أخرج ابن أب يحاتم عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كان بعد ذلك يصنع لرجل طعام اثنين فيقربه إلى الرجل فيأكل نصفه ويدع نصفه حتى إذا كان يوم قربه له فأكله كله ، فقال عليه السلام : هذا أول يوم من الشداد . واستدل البلخي بتأويله لذلك على بطلان قول من يقول : إن الرؤيا على ما عبرت أولاً فإنهم كانوا قد قالوا :
{ أضغاث أحلام } [ يوسف : 44 ] فلو كان ما قالوه مؤثراً شيئاً لأعرض عليه السلام عن تأويلها وفيه بحث ، فقد روى أبو داود وابن ماجه عن أبي رزين « الرؤيا على جناح طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ، ولا تقصها إلا على وادّ وذي رأي » ، ولعله إذا صح هذا يلتزم القول بأن الحكم على الرؤيا بأنها أضغاث أحلام وأنها لا ذيل لها ليس من التعبير في شيء ، وإلا فالجمع بين ما هنا وبين الخبر مشكل .
وقال ابن العربي : إنه ينبغي أن يخص ذلك بما يحتمل من الرؤيا وجوهاً فيعبر بأحدها فيقع عليه . واستدلوا بذلك أيضاً على صحة رؤيا الكافر وهو ظاهر . وقد ذكروا للاستفتاء عن الرؤيا آداباً : منها أن لا يكون ذلك عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو في الليل ، وقالوا : إن تعبيرها مناماً هو تعبيرها في نفس الأمر فلا تحتاج إلى تعبير بعد ، وأكثروا القول فيما يتعلق بها ، وأكثر ما قيل مما لا يظهر لي سره ولا أرى بعض ذلك إلا كأضغاث أحلام .

(9/41)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)

{ وَقَالَ الْمَلكُ } بعد ما جاء السفير المعبر بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقطمير . { ائْتُوني به } لما رأى من علمه وفضله وإخباره عما لا يعلمه إلا اللطيف الخبير { فَلَمَّا جَاءَهُ } أي يوسف عليه السلام { الرَّسُولُ } وهو صاحبه الذي استفتاه ، وقال له : إن الملك يريد أن تخرج إليه . { قَالَ ارْجعْ إلَى رَبِّكَ } أي سيدك وهو الملك { فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَة اللاَّتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ } أي فتشه عن شأنهن وحالهن ، وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثاً للملك على الجد في التفتيش لتتبين براءته وتتضح نزاهته فإن السؤال عن شيء ما يهيج الإنسان ويحركه للبحث لأنه يأنف من الجهل ، ولو قال : سله أن يفتش لكان تهييجاً له عن الفحص عن ذلك ، وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه ولم يلتفت إليه . وإنما لم يتعرض عليه السلام لامرأة العزيز مع أنها الأصل الأصيل لما لاقاه تأدباً وتكرماً ، ولذا حملها ذلك على الاعتراف بنزاهته وبراءة ساحته ، وقيل : احترازاً عن مكرها حيث اعتقدها باقية في ضلالها القديم ، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم ، ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرح بمراودتهن له واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله : { إنَّ رَبِّي بكَيْدهنَّ عَلِيمٌ } مجاملة معهن واحترازاً عن سوء مقالتهن وانتصابهن عند رفعهن إلى الملك للخصومة عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد . وفي « الكشاف » أنه عليه السلام أراد بهذا أنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله تعالى ، أو استشهد بعلم الله تعالى على أنهن كدنه وأنه برئ مما قرف به ، أو أراد الوعيد لهن أي عليم بكيدهن فمجازيهن عليه انتهى . وكان الحصر على الأول من قربه من زيد يعلم وصلوحه لإفادته عنده أو من اقتضاء المقام لأنه إذا / حمله على السؤال ثم أضاف علمه إلى الله تعالى دل به على عظمته ، وأن الكنه غير مأمول الوصول لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله ، وهذا هو الوجه ، وفيه زيادة تشويق وبعث إلى تعرف الأمر ، فالجملة عليه تتميم لقوله : { فاسأله } الخ والكيد اسم لما كدنه به ، وعلى الوجه الثاني تكون تذييلاً كأنه قيل : احمله على التعرف يتبين له براءة ساحتي فإن الله سبحانه يعلم أن ذلك كان كيداً منهن وإذا كان كيداً يكون لا محالة بريئاً ، والكيد هو الحدث؛ وعلى الثالث تحتملهما؛ والمعنى بعث الملك على الغضب له والانتقام منهن ، وإلا لم يتلاءم الكلام ولا يطابق كرم يوسف عليه السلام الذي عجب منه نبينا عليه الصلاة والسلام؛ فقد أخرج غير واحد عن ابن عباس وابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(9/42)


« لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال : { ارجع إلى ربك } ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر أن كان حليماً ذا أناة » ودعاؤه له صلى الله عليه وسلم قيل : إشارة إلى ترك العزيمة بالرخصة وهي تقديم حق الله تعالى بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه ، وجعله العلامة الطيبي من قبيل قولك لمن تعظمه : رضي الله تعالى عنك ما جوابك عن كلامي . وقيل : يمكن أن يقال : إن في براءته النفس من حق الله تعالى ما فيها فإنها إذا تحققت عندهم وقع ما تلاها موقع القبول . وقد ذكر أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم » وأخرج مسلم من رواية أنس « أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان مع إحدى نسائه فمرّ به رجل فدعاه ، وقال : هذه زوجتي ، فقال : يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم « وكأنه لهذا كان الزمخشري وكان ساقط الرجل قد أثبت على القضاة أن رجله لم تقطع في جناية ولا فساد بل سقطت من ثلج أصابها في بعض الأسفار ، وكان يظهر مكتوب القضاة في كل بلد دخله خوفاً من تهمة السوء ، فلعله عليه السلام خشي أن يخرج ساكتاً عن أمر ذنبه غير متضحة براءة ساحته عما سجن فيه وقرف به من أن يتسلق بهالحاشدون إلى تقبيح أمره ويجعلوه سلماً إلى حط قدره ونظر الناس إليه بعين الاحتقار فلا يعلق كلامه في قلوبهم ولا يترتب على دعوته قبولهم ، وفي ذلك من تعري التبليغ عن الثمرة ما فيه ، وما ذكره صلى الله عليه وسلم » ولو كنت مكانه « الخ كان تواضعاً منه عليه الصلاة والسلام لا أنه لو كان مكانه بادر وعجل وإلا فحلمه صلى الله عليه وسلم وتحمله واهتمامه بما يترتب عليه قبول الخلق أوامر الحق سبحانه وتعالى أمر معلوم لدى الخواص والعموم . وزعم ابن عطية أنه يحتمل أن يكون عليه السلام أراد بالرب العزيز كما قيل في قوله : { إنه ربي أحسن مثواي } [ يوسف : 23 ] ففي ذلك استشهاد به وتقريع له وليس بشيء ، ومثله ما قيل : إن ضمير ( كيدهن ) ليس عائداً على النسوة المذكورات بل عائد على الجنس فافهم . وقرأ أبو حيوة وأبو بكر عن عاصم في رواية { النسوة } بضم النون ، وقرأت فرقة اللائي - بالياء وهو كاللاء / جمع التي .

(9/43)


قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)

{ قَالَ } استئناف مبني على السؤال كما سبق كأنه قيل : فما كان بعد ذلك؟ فقيل : قال الملك إثر ما بلغه الرسول الخبر وأحضرهن : { مَا خَطْبُكُنَّ } أي شأنكن ، وأصله الأمر العظيم الذي يحق لعظمته أن يكثر فيه التخاطب ويخطب له { إذْ راوَدتُّنَّ يُوسُفَ } وخادعتنه { عَن نَّفْسه } ورغبتنه في طاعة مولاته هل وجدتن فيه ميلاً إليكن؟ { قلْنَ حَاشَى لله } تنزيهاً له وتعجيباً من نزاهته عليه السلام وعفته { مَا عَلمْنَا عَلَيْه من سُوء } بالغن في نفي جنس السوء عنه بالتنكير وزيادة { من } . وفي « الكشف » في توجيه كون السؤال المقدر في نظم الكلام عن وجدانهن فيه الميل ، وذلك لأنه سؤال عن شأنهن معه عند المراودة ، وأوله الميل ثم ما يترتب عليه ، وحمله على السؤال يدعي النزاهة الكلية فيكون سؤال الملك منزلاً عليه إذ لا يمكن ما بعده إلا إذا سلم الميل ، وجوابهن عليه ينطبق لتعدبهن عن نزاهته بسبب التعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفيف مثله ليكون التعجب منها على سبيل الكناية فيكون أبلغ وأبلغ ، ثم نفيهن العلم مطلقاً وطرفاً أي طرف دهم من سوء أن سوء فضلاً عن شهود الميل معهن اه ، وهو من الحسن بمكان . وما ذكره ابن عطية - من أن النسوة قد أجبن بجواب جيد يظهر منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف عليه السلام بعض براءة وذلك أن الملك لما قررهن أنهن راودنه قلن جواباً عن ذلك وتنزيهاً لأنفسهن : { حاش لله } ويحتمل أن يكون في جهته عليه السلام ، وقولهن : { ما علمنا } الخ ليس بإبرام تام ، وإنما هو شرح القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في جهتهن - ناشئ عن الغفلة عما قرره المولى صاحب « الكشف » . { قَالَت امْرَأَتُ الْعَزيز } وكانت حاضرة المجلس ، قيل : أقبلت النسوة عليها يقررنها ، وقيل : خافت أن يشهدن عليها بما قالت يوم قطعن أيديهن فاقرت قائلة : { الآن حَصْحَصَ الْحَقُّ } أي ظهر وتبين بعد خفاء قاله الخليل ، وهو مأخوذ من الحصة وهي القطعة من الجملة أي تبينت حصة الحق من حصة الباطل ، والمراد تميز هذا عن هذا ، وإلى ذلك ذهب الزجاج أيضاً ، وقيل : هو من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه ، وعلى ذلك قوله :
قد حصت البيضة راسي فما ... أطعم نوماً غير تهجاع
ويرجع هذا إلى الظهور أيضاً ، وقيل : هو من حصحص البعير إذا ألقى مباركه ليناخ ، قال حميد بن ثور الهلالي يصف بعيراً :
فحصحص في صم الصفا ثفناته ... وناء بسلمى نوءة ثم صمما
والمعنى الآن ثبت الحق واستقر . وذكر الراغب وغيره أن حص وحصحص ككف وكفكف وكب وكبكب . وقرئ بالبناء للمفعول على معنى أقر الحق في مقره ووضع في موضعه .

(9/44)


و { الآن } من الظروف المبنية في المشهور وهو اسم للوقت الحاضر جميعه كوقت فعل الإنشاء حال النطق به و الحاضر بعضه كما في هذه الآية وقوله سبحانه : { الآن خفف الله عنكم } [ الأنفال : 66 ] وقد يخرج عند ابن مالك عن الظرفية كخبر « فهو يوهي في النار الآن حين انتهى إلى مقرها » فإن الآن فيه في موضع رفع على الابتداء ، و « حين » خبره وهو مبني لإضافته إلى جملة صدرها ماض وألفه منقلبة عن واو لقولهم في معناه : الأوان ، وقييل : عن ياء لأنه من / آن يئين إذا قرب ، وقيل : أصله أوان قلبت الواو ألفاً ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد والسواد ، وقيل : حذفت الألف وغيرت الواو إليها كما في راح وراح استعملوه مرة على فعل وأخرى على فعال كزمن وزمان . واختلفوا في علة بنائه فقال الزجاج : بني لتضمنه معنى الإشارة لأن معناه هذا الوقت ، وردّ بأن المتضمن معنى الإشارة بمنزلة اسم الإشارة وهو لا تدخله أل ، وقال أبو علي : لتضمنه معنى لام التعريف لأنه استعمل معرفة وليس علماً وأل فيه زائدة ، وضعف بأن تضمن اسم معنى حرف اختصاراً ينافي زيادة ما لا يعتد به هذا مع كون المزيد غير المضمن معناه فكيف إذا كان إياه ، وقال المبرد وابن السراج : لأنه خالف نظائره إذ هو نكرة في الأصل استعمل من أول وضعه باللام ، وبابها أن تدخل على النكرة وإليه ذهب الزمخشري ، ورده ابن مالك بلزوم بناء الجماء الغفير ونحوه مما وقع في أول وضعه باللام ، وبأنه لو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحرف واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره وهو باطل بإجماع ، واختار أنه بني لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد لأنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر بخلاف حين ووقت وزمان ومدة ، وردّه أبو حيان بما ردّ هو به على من تقدم ، وقال الفراء : إنما بني لأنه نقل من فعل ماض وهو آن بمعنى حان فبقي على بنائه استصحاباً على حد « أنهاكم عن قيل وقال » وردّ بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه أل كما لا تدخل على ما ذكر ، وجاز فيه الإعراب كما جاز فيه . وذهب بعضهم غلى أنه معرب منصوب على الظرفية ، واستدل بقوله :
كأنهما ملآن لم يتغيرا ... بكسر النون أي من الآن فحذفت النون والهمزة وجر فدل على أنه معرب وضعف باحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء ويكون في بناء الآن لغتان : الفتح والكسر كما في شتان إلا أن الفتح أكثر وأشهر ، وفي « شرح الألفية » لابن الصائغ أن الذي قال : إن أصله أوان يقول بإعرابه كما أن وأنا معرب .

(9/45)


واختار الجلال السيوطي القول بإعرابه لأنه لم يثبت لبنائه علة معتبرة فهو عنده منصوب على الظرفية ، وإن دخلت من جرّ وخروجه عن الظرفية غير ثابت ، وفي الاستدلال بالحديث السابق مقال ، وأياً مّا كان فهو هنا متعلق - بحصحص - أي حصحص الحق في هذا الوقت .
{ أَنا راودَتُّهُ عَن نَّفْسه } لا أنه راودني عن نفسي ، وإنما قالت ذلك بعد اعترافها تأكيداً لنزاهته
عليه السلام ، وكذا قولها : { وَإنَّهُ لَمنَ الصَّادقِينَ } أي في قوله حين افتريت عليه { هي راودتني عن نفسي } [ يوسف : 26 ] . قيل : إن الذي دعاها لذلكك كله التوخي لمقابلة الاعتراف حيث لا يجدي الإنكار بالعفو ، وقيل : إنها لما تناهت في حبه لم تبال بانتهاك سترها وظهور سرها . وفي « إرشاد العقل السليم » أنها لم ترد بقولها : { الآن } الخ مجرد ظهور ما ظهر بشهادة النسوة من مطلق نزاهته عليه السلام فيما أحاط به علمهن من غير تعرض لنزاهته في سائر ا لمواطن خصوصاً فيما وقع فيه التشاجر بمحضر العزيز ولا بحث عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت
ظهور ما هو متحقق في نفس الأمر وثبوته من نزاهته عليه السلام في محل النزاع وخيانتها ، ولهذا قالت : { أنا راودته } الخ ، وأرادت - بالآن - زمان تكلمها بهذا الكلام لا زمان شهادتهن اه فافهم وتأمل هل ترى فوق هذه المرتبة نزاهة حيث لم يتمالك الخصماء من الشهادة بها على أتم وجه .
والفضل ما شهدت به الخصماء ... وليت من نسب إليه السوء - وحاشاه - كان عنده عشر معشار ما كان / عند أولئك النسوة الشاهدات من الإنصاف .

(9/46)


ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)

{ ذَلكَ ليَعْلَمَ } الذي ذهب إليه غير واحد أن ( ذلك ) إشارة إلى التثبت مع ما تلاه من القصة أجمع فهو من كلام يوسف عليه السلام جعله فذلكة منه لما نهض له أولاً من التشمر لطهارة ذيله وبراءة ساحته ، وقد حكى الله تعالى ما وقع من ذلك طبق الوجود مع رعاية ما عليه دأب القرآن من الإيجاز كحذف فرجع إلى ربه فأنهاه مقالة يوسف فأحضرهن سائلاً قال : ما خطبكن الخ؛ وكذلك كما قيل في { قالت امرأة العزيز } [ يوسف : 51 ] الخ ، وكذلك هذا أيضاً لأن المعنى فرجع إليه الرسول قائلاً فتش الملك عن كنه الأمر وبان له جلية الحق من عصمتك وأنك لم ترجع في ذلك المقام الدحض بمس ملام فعند ذلك قال عليه السلام : ذلك ليعلم العزيز { أنِّي لَمْ أَخُنْهُ } في حرمته { بالْغيْب } أي بظهر الغيب ، وقيل : ضمير { يعلم } للملك ، وضمير { أخنه } للعزيز ، وقيل : للملك أيضاً لأن خيانة وزيره خيانة له ، والباء إما للملابسة أو للظرفية ، وعلى الأول هو حال من فاعل { أخنه } أي تركت خيانته وأنا غائب عنه ، أو من مفعوله أي وهو غائب عني وهما متلازمان ، وجوز أن يكون حالاً منهما وليس بشيء ، وعلى الثاني فهو ظرف لغو لما عنده أي لم أخنه بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة ، ويحتمل الحالية أيضاً .
{ وَأَنَّ اللهَ } اي وليعلم أن الله تعالى { لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائنينَ } أي لا ينفذه ولا يسدّده بل يبطله ويزهقه فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه ، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم فأوقع الهداية المنفية على لاكيد وهي واقعة عليهم تجوزاً للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى . وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعدما رأوا الآيات الدالة على نزاهته عليه السلام ، ويجوز أن يكون مع ذلك تأكيداً لأمانته عليه السلام على معنى لو كنت خائناً لما هدى الله تعالى كيدي ولا سدّده ، وتوهم عبارة بعضهم عدم اجتماع التأكيد والتعريض ، والحق أنه لا مانع من ذلك؛ وأراد بكيده تشمره وثباته ذلك ، وتسميته كيداً على فرض الخيانة على بابها حقيقة كما لا يخفى ، فما في « الكشف » من أنه سماه كيداً استعارة أو مشاكلة ليس بشيء . وقيل : إن ضمير { يعلم } و { لم أخنه } لله تعالى أي ذلك ليعلم الله تعالى أني لم أعصه أي ليظهر أني غ ير عاص ويكرمني به ويصير سبب رفع منزلتي وليظهر أن كيد الخائن لا ينفذ وأن العاقبة للمطيع لا للعاصي فهو نظير قوله تعالى : { لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب } [ البقرة : 143 ] وله نظائر أخر في القرآن كثيرة إلا أن الله تعالى أخبر عن نفسه بذلك وأما غيره فلم يرد في الكتاب العزيز ، وفيه نوع إيهام التحاشي عنه أحسن على أن المقام لما تقدم أدعى .

(9/47)


وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)

{ وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } أي لا أنزهها عن السوء قال ذلك عليه السلام : هضما لنفسه البرية عن كل سوء وتواضعاً لله تعالى وتحاشياً عن التزكية والإعجاب بحالها على أسلوب قوله صلى الله عليه وسلم : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» أو تحديثاً بنعمة الله تعالى وإبرازاً لسره المكنون في شأن أفعال العباد أي لا أنزهها من حيث هي هي ولا أسند هذه الفضيلة إليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من الله سبحانه بل إنما ذلك بتوفيقه جل شأنه ورحمته ، وقيل : إنه أشار بذلك إلى أن عدم التعرض لم يكن لعدم الميل الطبيعي بل لخوف الله تعالى : { أَنَّ النفس } البشرية التي من جملتها نفسي في حد ذاتها { لامَّارَةٌ } لكثيرة الأمر { بالسوء } أي بجنسه ، والمراد أنها كثيرة الميل إلى الشهوات مستعملة في تحصيلها القوى والآلات . وفي كثير من التفاسير أنه عليه السلام حين قال : { لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } [ يوسف : 52 ] قال له جبريل عليه السلام : ولا حين هممت؟ فقال : { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } الخ ، وقد أخرجه الحاكم في تاريخه . وابن مردويه بلفظ قريب من هذا عن أنس مرفوعاً ، وروي ذلك عن ابن عباس . وحكيم بن جابر . والحسن . وغيرهم ، وهو إن صح يحمل الهم فيه على الميل الصادر عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق العزم والقصد ، وقيل : لا مانع من أن يحمل على الثاني ويقال : إنه صغيرة وهي تجوز على الأنبياء عليهم السلام قبل النبوة ، ويلتزم أنه عليه السلام لم يكن إذا ذاك نبياً .
والزمخشري جعل ذلك وما أشبهه من تلفيق المبطلة وبهتهم على الله تعالى ورسوله ، وارتضاه وهو الحرى بذلك ابن المنير وعرض بالمعتزلة بقوله : وذلك شأن المبطلة من كل طائفة { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } قال ابن عطية : الجمهور على أن الاستثناء منقطع و { مَا } مصدرية أي لكن رحمة ربي هي التي تصرف عنها السوء على حد ما جوز في قوله سبحانه : { وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا } [ يس : 43 ، 44 ] وجوز أن يكون استثناء من أعم الأوقات و { مَا } مصدرية ظرفية زمانية أي هي أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت رحمة ربي وعصمته ، والنصب على الظرفية لا على الاستثناء كما توهم ، لكن فيه التفريغ في الإثبات والجمهور على أنه لا يجوز إلا بعد النفي أو شبهه . نعم أجازه بعضهم في الإثبات إن استقام المعنى كقرأت إلا يوم الجمعة . وأورد على هذا بأنه يلزم عليه كون نفس يوسف وغيره من الأنبياء عليهم السلام مائلة إلى الشهوات في أكثر الأوقات إلا أن يحمل ذلك على ما قبل النبوة بناءاً على جواز ما ذكر قبلها أو يراد جنس النفس لا كل واحدة .

(9/48)


وتعقب بأن الأخير غير ظاهر لأن الاستثناء معيار العموم ولا يرد ما ذكر رأساً لأن المراد هضم النوع البشري اعترافاً بالعجز لولا العصمة على أن وقت الرحمة قد يعم العمر كله لبعضهم اه ، ولعل الأولى الاقتصار على ما في حيز العلاوة فتأمل ، وأن يكون استثناءً من النفس أو من الضمير المستتر في أمارة الراجع إليها أي كل نفس أمارة بالسوء إلا التي رحمها الله تعالى وعصمها عن ذلك كنفسي أو من مفعول أمارة المحذوف أي أمارة صاحبها إلا ما رحمه الله تعالى ، وفيه وقوع { مَا } على من يعقل وهو خلاف الظاهر ، ولينظر الفرق في ذلك بينه وبين انقطاع الاستثناء { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } عظيم المغفرة فيغفر ما يعتري النفس بمقتضى طباعها ومبالغ في الرحمة فيعصمها من الجريان على موجب ذلك ، والإظهار في مقام الإضمار مع التعرض لعنوان الربوبية لتربية مبادىء المغفرة والرحمة ، ولعل تقديم ما يفيد الأولى على ما يفيد الثانية لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وذهب الجبائي واستظهره أبو حيان إلى أن { ذلك لِيَعْلَمَ } [ يوسف : 52 ] إلى هنا من كلام امرأة العزيز ، والمعنى ذلك الإقرار والاعتراف بالحق ليعلم يوسف إني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال غيبته وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت ما قلت وفعلت به ما فعلت إن كل نفس أمارة بالسوء إلا نفساً رحمها الله تعالى بالعصمة كنفس يوسف عليه السلام إن ربي غفور لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيم له . وتعقب ذلك صاحب الكشف بأنه ليس موجبه إلا ما توهم من الاتصال الصوري وليس بذاك ، ومن أين لها أن تقول : { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } بعد ما وضح ولا كشية الأبلق أنها أمها يرجع إليها طمها ورمها .
ومن الناس من انتصر له بأن أمر التعليل ظاهر عليه ، وهو على تقدير جعله من كلامه عليه السلام غير ظاهر لأن علم العزيز بأنه لم يكن منه ما قرف به إنما يستدعي التفتيش مطلقاً لا خصوص تقديمه على الخروج حين طلبه الملك والظاهر على ذلك التقدير جعله له . وأجيب بأن المراد ليظهر علمه على أتم وجه وهو يستدعي الخصوص ، ويساعد على إرادة ظهور العلم أن أصل العلم كان حاصلاً للعزيز قبل حين شهد شاهد من أهلها وفيه نظر ، ويمكن أن يقال : إن في التثبت وتقديم التفتيش على الخروج من مراعاة حقوق العزيز ما فيه حيث لم يخرج من جنسه قبل ظهور بطلان ما جعله سبباً له مع أن الملك دعاه إليه ، ويترتب على ذلك علمه بأنه لم يخنه في شيء من الأشياء أصلاً فضلاً عن خيانته في أهله لظهور أنه عليه السلام إذا لم يقدم على ما عسى أن يتوهم أنه نقض لما أبرمه مع قوة الداعي وتوفر الدواعي فهو بعدم الإقدام على غيره أجدر وأحرى ، فالعلة للتثبت مع ما تلاه من القصة هي قصد حصول العلم بأنه عليه السلام لم يكن منه ما يخون به كائناً ما كان مع ما عطف عليه ، وذلك العلم إنما يترتب على ما ذكر لا على التفتيش ولو بعد الخروج كما لا يخفى ، أو يقال : إن المراد ليجري على موجب العلم بما ذكر بناءً على التزام أنه كان قبل ذلك عالماً به لكنه لم يجر على موجب علمه وإلا لما حبسه عليه السلام فيتلافى تقصيره بالإعراض عن تقبيح أمره أو بالثناء عليه ليحظى عند الملك ويعظمه الناس فتينع من دعوته أشجارها وتجري في أودية القلوب أنهارها ، ولا شك أن هذا مما يترتب على تقديم التفتيش كما فعل ، وليس ذلك مما لا يليق بشأنه عليه السلام بل الأنبياء عليهم السلام كثيراً ما يفعلون مثل ذلك في مبادىء أمرهم؛ وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعطي الكافر إذا كان سيد قومه ما يعطيه ترويجاً لأمره ، وإذا حمل قوله عليه السلام لصاحبه الناجي

(9/49)


{ اذكرنى عِندَ رَبّكَ } [ يوسف : 42 ] على مثل هذا كما فعل أبو حيان تناسب طرفا الكلام أشد تناسب ، وكذا لو حمل ذاك على ما اقتضاه ظاهر الكلام وتظافرت عليه الأخبار .
وقيل : هنا : إن ذلك لئلا يقبح العزيز أمره عند الملك تمحلاً لإمضاء ما قضاه ، ويكون ذلك من قبيل السعي في تحقيق المقتضى لخلاصه وهذا من قبيل التشمير لرفع المانع لكنه مما لا يليق بجلالة شأنه عليه السلام .
/ ولعل الدعاء بالمغفرة في الخبر السالف على هذا إشارة إلى ما ذكر ، ويقال : إنه عليه السلام إنما لم يعاتب عليه كما عوتب على الأول لكونه دونه مع أنه قد بلغ السيل الزبى ، ولا يخفى أن عوده عليه السلام لما يستدعي أدنى عتاب بالنسبة إلى منصبه بعد أن جرى ما جرى في غاية البعد ، ومن هنا قيل : الأولى أن يجعل ما تقدم كما تقدم ويحمل هذا على أنه عليه السلام أراد به تمهيد أمر الدعوة إلى الله تعالى جبراً لما فعل قبل واتباعاً لخلاف الأولى بالنظر إلى مقامه بالأولى ، وقيل : في وجه التعليل غير ذلك ، وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أن هذا من تقديم القرآن وتأخيره وذهب إلى أنه متصل بقوله : { فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [ يوسف : 50 ] الخ ويرد على ظاهره ما لا يخفى فتأمل جميع ما ذكرناه لتكون على بصيرة من أمرك . وفي رواية البزي عن ابن كثير . وقالون عن نافع أنهما قرآ { *بالسو } على قلب الهمزة واواً والإدغام .

(9/50)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)

{ رَّحِيمٌ وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ } أجعله خالصاً { لِنَفْسِى } وخاصاً بي { فَلَمَّا كَلَّمَهُ } في الكلام إيجاز أي فأتوا به فلما الخ ، وحذف ذلك للإيذان بسرعة الإتيان فكأنه لم يكن بينه وبين الأمر بإحضاره عليه السلام والخطاب معه زمان أصلاً ، ولم يكن حاضراً مع النسوة في المجلس كما زعمه بعض وجعل المراد من هذا الأمر قربوه إلى ، والضمير المستكن في { كَلَّمَهُ } ليوسف عليه السلام والبارز للملك أي فلما كلم يوسف عليه السلام الملك أثر ما أتاه فاستنطقه ورأى حسن منطقه بما صدق الخبر الخبر ، واستظهر في البحر كون الضمير الأول للملك والثاني ليوسف أي فلما كلمه الملك ورأى حسن جوابه ومحاورته { قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ } ذو مكانة ومنزلة رفيعة { أَمِينٌ } مؤتمن على كل شيء ، وقيل : آمن من كل مكروه ، والوصف بالأمانة هو الأبلغ في الإكرام ، و { اليوم } ليس بمعيار للمكانة والأمانة بل هو آن التكلم ، والمراد تحديد مبدئهما احترازاً عن كونهما بعد حين ، وفي اختيار لدى على عند ما لا يخفى من الاعتناء بشأنه عليه السلام ، وكذا في اسمية الجملة وتأكيدها . روى أن الرسول جاءه فقال له : أجب الملك الآن بلا معاودة وألق عنك ثياب السجن واغتسل والبس ثياباً جدداً ففعل فلما قام ليخرج دعا لأهل السجن اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الإخبار فهم أعلم الناس بالإخبار في كل بلد ثم خرج فكتب على الباب هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء ، فلما وصف إلى باب الملك قال : حسبي ربي من دنياي وحسبي ربي من خلقه عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ، فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره ثم سلم عليه بالعربية فقال له الملك : ما هذا اللسان؟ فقال : لسان عمي إسماعيل ، ثم دعا له بالعبرانية فقال له : وما هذا اللسان أيضاً؟ فقال : هذا لسان آبائي ، وكان الملك يعرف سبعين لساناً فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه وقال : أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك فحكاها عليه السلام له طبق ما رأى لم يخرم منها حرفاً ، فقال الملك : أعجب من تأويلك إياها معرفتك لها فأجلسه معه على السرير وفوض إليه أمره؛ وقيل : إنه أجلسه قبل أن يقص الرؤيا . وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال : ذكروا أن قطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك زوج يوسف امرأته راعيل فقال لها حين أدخلت عليه : أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت : أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جملاء ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله تعالى في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت له رجلين أفراثيم وميشا .

(9/51)


أخرج الحكيم الترمذي عن وهب قال : أصابت امرأة العزيز حاجة فقيل لها : لو أتيت يوسف بن يعقوب فسألتيه فاستشارت الناس في ذلك فقالوا : لا تفعلي فإنا نخافه عليك قالت : كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله تعالى فأدخلت عليه فرأته في ملكه فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته ثم نظرت إلى نفسها فقالت : الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته فقضى لها جميع حوائجها ثم تزوجها فوجدها بكراً الخبر .
وفي رواية أنها تعرضت له في الطريق فقالت ما قالت فعرفها فتزوجها فوجدها بكراً وكان زوجها عنيناً ، وشاع عند القصاص أنها عادت شابة بكراً إكراماً له عليه السلام بعدما كانت ثيباً غير شابة ، وهذا مما لا أصل له ، وخبر تزوجها أيضاً مما لا يعول عليه عند المحدثين؛ وعلى فرض ثبوت التزوج فظاهر خبر الحكيم أنه إنما كان بعد تعيينه عليه السلام لما عين له من أمر الخزائن ، قيل : ويعرب عنه قوله تعالى :

(9/52)


قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)

{ قَالَ اجعلنى على خَزَائِنِ الارض } أي أرض مصر ، وفي معناه قول بعضهم أي أرضك التي تحت تصرفك ، وقيل : أراد بالأرض الجنس وبخزائنها الطعام الذي يخرج منها ، و { على } متعلقة على ما قيل بمستول مقدر ، والمعنى ولني على أمرها من الإيراد والصرف { إِنّى حَفِيظٌ } لها ممن لا يستحقها { عَلِيمٌ } بوجوه التصرف فيها ، وقيل : بوقت الجوع ، وقيل : حفيظ للحساب عليم بالألسن ، وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جهل أمره ، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة وإن كان من يد الجائر أو الكافر ، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلاً وكان متعيناً لذلك ، وما في «الصحيحين» من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الرحمن لا تسأل الأمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها " وارد في غير ما ذكر . وعن مجاهد أنه أسلم الملك على يده عليه السلام ، ولعل إيثاره عليه السلام لتلك الولاية خاصة إنما كان للقيام بما هو أهم أمور السلطنة إذ ذاك من تدبير أمر السنين لكونه من فروع تلك الولاية لا لمجرد عموم الفائدة كما قيل .
وجاء في رواية أن الملك لما كلمه عليه السلام وقص رؤياه وعبرها له قال : ما ترى أيها الصديق؟ قال : تزرع في سنى الخصب زرعاً كثيراً فإنك لو زرعت فيها على حجر نبت وتبنى الخزائن وتجمع فيها الطعام بقصبه وسنبله فإنه أبقى له ويكون القصب علفاً للدواب فإذا جاءت السنون بعت ذلك فيحصل لك مال عظيم ، فقال الملك : ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه لي ويكفيني العمل فيه؟ فقال : { اجعلنى على خَزَائِنِ الارض } الخ ، والظاهر أنه أجابه لذلك حين سأله ، وإنما لم يذكر إجابته له عليه السلام إيذاناً بأن ذلك أمر لا رمد له غني عن التصريح به لا سيما بعد تقديم ما تندرج تحته أحكام السلطنة جميعها . وأخرج الثعلبي عن ابن عباس قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل : { اجعلنى على خَزَائِنِ الارض } لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة " ثم أنه كما روي عن ابن عباس . وغيره توجه وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرة أذرع ووضع عليه الفرش وضرب عليه حلة من استبرق فقال عليه السلام : أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي فقال : قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك ، فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض إليه الملك أمره وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء ، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق منها شيء ، وفي الثانية بالحلي والجواهر ، وفي الثالثة بالدواب والمواشي ، وفي الرابعة بالعبيد والجواري ، وفي الخامسة بالضياع والعقار ، وفي السادسة بالأولاد ، وفي السابعة بالرقاب حتى استرقهم جميعاً وكان ذلك مما يصح في شرعهم .

(9/53)


فقالوا : ما رأينا كاليوم ملكاً أجل وأعظم منه . فقال للملك : كيف رأيت صنع الله تعالى فيما خولني فما ترى في هؤلاء؟ فقال الملك : الرأي رأيك ونحن لك تبع فقال : إني أشهد الله تعالى وأشهدك إني قد أعتقتهم ورددت إليهم أملاكهم .
ولعل الحكمة في ذلك إظهار قدرته وكرمه وانقيادهم بعد ذلك لأمره حتى يخلص إيمانهم ويتبعوه فيما يأمرهم به فلا يقال : ما الفائدة في تحصيل ذلك المال العظيم ثم إضاعته؟ وكان عليه السلام في تلك المدة فيما يروى لا يشبع من الطعام فقيل له : أتجوع وخزائن الأرض بيدك؟ فقال : أخاف إن شبعت أنسي الجائع وأمر عليه السلام طباخي الملك أن يجعلوا غذاءه نصف النهار وأراد بذلك أن يذوق طعم الجوع فلا ينسى الجياع ، قيل : ومن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار ، وقد أشار سبحانه إلى ما آتاه من الملك العظيم بقوله جل وعلا :

(9/54)


وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)

{ وكذلك } أي مثل التمكين البديع { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } أي جعلنا له مكاناً { فِى الارض } أي أرض مصر ، روى أنها كانت أربعين فرسخاً في أربعين ، وفي التعبير عن الجعل المذكور بالتمكين في الأرض مسنداً إلى ضميره تعالى من تشريفه عليه السلام والمبالغة في كمال ولايته والإشارة إلى حصول ذلك من أول الأمر لا أنه حصل بعد السؤال ما لا يخفى ، واللام في { لِيُوسُفَ } على ما زعم أبو البقاء يجوز أن تكون زائدة أي مكنا يوسف وأن لا تكون كذلك والمفعول محذوف أي مكنا له الأمور ، وقد مر لك ما يتضح منه الحق { تَّرَكْنَا مِنْهَا } ينزل من قطعها وبلادها { حَيْثُ يَشَاء } ظرف ليتبوأ ، وجوز أن يكون مفعولاً به كما في قوله تعالى : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124 ] و { مِنْهَا } متعلق بما عنده ، وقيل : بمحذوف وقع حالاً من حيث . وتعقب بأن { حَيْثُ } لا يتم إلا بالمضاف إليه وتقديم الحال على المضاف إليه لا يجوز ، والجملة في موضع الحال من يوسف وضمير { يَشَاء } له ، وجوز أن يكون لله تعالى ففيه التفات ، ويؤيده أنه قرأ ابن كثير . والحسن . وبخلاف عنهم أبو جعفر . وشيبة . ونافع { نَشَاء } بالنون فإن الضمير على ذلك لله تعالى قطعاً { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا } بنعمتنا وعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم ، وقيل : المراد بالرحمة النبوة وليس بذاك { مَّن نَّشَاء } بمقتضى الحكمة الداعية للمشيئة { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } بل نوفي لهم أجورهم في الدنيا لإحسانهم ، والمراد به على ما قيل : الإيمان والثبات على التقوى فإن قوله سبحانه :

(9/55)


وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)

{ وَلاَجْرُ الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } قد وضع فيه الموصول موضع ضمير { المحسنين } [ يؤسف : 56 ] وجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل تنبيهاً على ذلك ، والمعنى ولأجرهم في الآخرة خير ، والإضافة فيه للملابسة ، وجعل في تعقيب الجملة المثبتة بالجملة المنفية إشعار بأن مدار المشيئة المذكورة إحسان من تصيبه الرحمة المذكورة ، وفي ذكر الجملة الثالثة المؤكدة بعد دفع توهم انحصار ثمرات الإحسان فيما ذكر من الأجر العاجل ، ويفهم من ذلك أن المراد ممن نشاء من نشاء أن نصيبه بالرحمة من عبادنا الذين آمنوا واستمروا على التقوى . وتعقب بأنه خلاف الظاهر ، ولعل الظاهر حمل { مِنْ } [ يوسف : 56 ] على ما هو أعم مما ذكر وحينئذٍ لا يبعد أن يراد بالرحمة النعمة التي لا تكون في مقابلة شيء من الأعمال وبالأجر ما كان في مقابلة شيء من ذلك ، ويبقى أمر وضع الموصول موضع الضمير على حاله كأنه قيل : نتفضل على من نشاء من عبادنا كيف كانوا وننعم عليهم بالملك والغنى وغيرهما لا في مقابلة شيء من الأعمال وبالأجر ما كان في مقابلة شيء من ذلك ، ويبقى أمر وضع الموصول موضع الضمير على حاله كأنه قيل : نتفضل على من نشاء من عبادنا كيف كانوا وننعم عليهم بالملك والغنى وغيرهما لا في مقابلة شيء ونوفي أجور المؤمنين المستمرين على التقي منهم ونعطيهم في الدنيا ما نعطيهم في مقابلة إيمانهم واستمرارهم على التقوى وما نعطيهم في مقابلة ذلك في الآخرة من النعيم العظيم المقيم خير لهم مما نعطيهم في الدنيا لعظمه ودوامه .
واعترض بأن فيه إطلاق الرحمة على ما يصيب الكافر من نحو الملك والغنى مع أنه ليس برحمة كما يشعر به كثير من الآيات ويقتضيه قولهم : ليس لله تعالى نعمة على كافر . وأجيب بأن قولهم : في { الرحمن } أنه الذي يرحم المؤمن والكافر في الدنيا ظاهر في صحة ءطلاق الرحمة على ما يصيب الكافر من ذلك ، وكذا قوله تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] ظاهر في صحة القول بكون الكافر مرحوماً في الجملة وأمر الإشعار سهل ، وقولهم : ليس لله تعالى نعمة على كافر إنما قاله البعض بناءاً على أخذ يحمد عاقبتها في تعريفها . وإن أبيت ولا أظن فلم لا يجوز أن يقال : إنه عبر عما ذكر بالرحمة رعاية لجانب من اندرج في عموم { مِنْ } من المؤمنين .
نعم يرد على تفسير الرحمة هنا بالنعمة التي لا تكون في مقابلة شيء من الأعمال والأجر بما كان ما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال : المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق وتلا الآية فإنه ظاهر في أن ما يصيب الكافر مما تقدم في مقابلة عمل له وأن في الآية ما يدل على ذلك وليس هو إلا

(9/56)


{ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } [ يوسف : 56 ] وقد يجاب بأنه لعله حمل { المحسنين } [ يوسف : 56 ] على ما يشمل الكفار الفاعلين لما يحسن كصلة الرحم ونصرة المظلوم وإطعام الفقير ونحو ذلك ، فحصر الدلالة فيما ذكر ممنوع نعم إن هذا الأثر يعكر على التفسير السابق عكراً بيناً إذ الآية عليه لا تعرض فيها للكافر أصلاً فلا معنى لتلاوتها إثر ذلك الكلام .
وعمم بعضهم الأوقات في { نَّصِيبٍ * وَلاَ نُضِيعُ } فقال نصيب في الدنيا والآخرة ولا نضيع أجر المحسنين بل نوفي أجورهم عاجلاً وآجلاً ، وأيد بأنه لا موجب للتخصيص وأن خبر سفيان يدل على العموم وتعقب بأن من خص ذلك بالدنيا فإنما خصه ليكون ما بده تأسيساً وبأنه لا دلالة للخبر على ذلك لأنه مأخوذ من مجموع الآية وفيه ما فيه . وعن ابن عباس تفسير { المحسنين } بالصابرين ، ولعله رضي الله تعالى عنه على تقدير صحة الرواية رأى ذلك أوفق بالمقام . وأياً ما كان في الآية إشارة إلى أن ما أعد الله تعالى ليوسف عليه السلام من الأجر والثواب في الآخرة أفضل مما أعطاه في الدنيا من الملك .

(9/57)


وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58)

{ وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ } ممتارين لما أصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب مصر ، وقد كان حل بآل يعقوب عليه السلام ما حل بأهلها فدعا أبناءه ما عدا بنيامين فقال لهم : يا بني بلغني أن بمصر ملكاً صالحاً يبيع الطعام فتجهزوا إليه واقصدوه تشتروا منه ما تحتاجون إليه فخرجوا حتى قدموا مصر { فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ } عليه السلام وهو في مجلس ولايته { فَعَرَفَهُمْ } لقوة فهمه وعدم مباينة أحوالهم السابقة أحوالهم يوم المفارقة لمفارقته إياهم وهم رجال وتشابه هيآتهم وزيهم في الحالين ، ولكون همته معقودة بهم وبمعرفة أحوالهم لا سيما في زمن القحط ، ولعله عليه السلام كان مترقباً مجيئهم إليه لما يعلم من تأويل رؤياه . وروى أنهم انتسبوا في الاستئذان عليه فعرفهم وأمر بإنزالهم ، ولذلك قال الحسن : ما عرفهم حتى تعرفوا إليه . وتعقب ذلك في الانتصاف بأن توسيط الفاء بين دخولهم عليه ومعرفته لهم يأبى كلام الحسن ويدل على أن مجرد دخولهم عليه استعقبه المعرفة بلا مهلة وفيه تأمل .
{ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } أي والحال أنهم منكرون له لنسيانهم له بطول العهد وتباين ما بين حاليه في نفسه ومنزلته وزيه ولاعتقادهم أنه هلك ، وقيل : إنما لم يعرفوه لأنه عليه السلام أوقفهم موقف ذوي الحاجات بعيداً منه وكلمهم بالواسطة؛ وقيل : إن ذلك لمحض أنه سبحانه لم يخلق العرفان في قلوبهم تحقيقاً لما أخبر أنه سينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون فكان ذلك معجزة له عليه السلام ، وقابل المعرفة بالإنكار على ما هو الاستعمال الشائع ، فعن الراغب المعرفة والعرفان معرفة الشيء بتفكر في أثره فهو أخص من العلم ، وأصله من عرفت أي أصبت عرفه أي رائحته ويضاد المعرفة الإنكار والعلم والجهل ، وحيث كان إنكارهم له عليه السلام أمراً مستمراً في حالتي المحضر والمغيب أخبر عنه بالجملة الاسمية بخلاف عرفانه عليه السلام إياهم .

(9/58)


وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)

{ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ } أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله ، ولعله عليه السلام إنما باع كل واحد منهم حمل بعير لما روى أنه عليه السلام كان لا يبيع أحداً من الممتارين أكثر من ذلك تقسيطاً بين الناس وفيما يأتي إن شاء الله تعالى من قولهم : { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } [ يوسف : 65 ] ما يؤيده ، وأصل الجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع ، وجهاز العروس ما تزف به إلى زوجها ، والميت ما يحتاج إليه في دفنه . وقرىء بكسر الجيم { قَالَ ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } ولم يقل بأخيكم مبالغة في إظهار عدم معرفته لهم كأنه لا يدري من هو ولو أضافه اقتضى معرفته لإشعار الإضافة به ، ومن هنا قالوا في أرسل غلاماً لك : الغلام غير معروف وفي أرسل غلامك معروف بينك وبين مخاطبك عهد فيه ، ولعله عليه السلام إنما قال ذلك لما قيل : من أنهم سألوه حملاً زائداً على المعتاد لبنيامين فأعطاهم ذلك وشرط عليهم أن يأتوه به مظهراً لهم أنه يريد أن يعلم صدقهم ، وقيل : إنهم لما رأوه فكلموه بالعبرية قال لهم : من أنتم فإني أنكركم؟ فقالوا : نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال : لعلكم جئتم عيوناً تنظرون عورة بلادي قالوا : معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب قال : كم أنتم؟ قالوا : كنا اثني عشر فهلك منا واحد ، فقال : كم أنتم ههنا؟ قالوا : عشرة . قال : فأين الحادي عشر؟ ، قالوا : هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك . قال : فمن يشهد لكم أنكم لستم عيوناً وإن ما تقولون حق؟ قالوا : نحن ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم فاقترعوا فأصاب القرعة شمعون ، وقيل : إنه عليه السلام هو الذي اختاره لأنه كان أحسنهم رأياً فيه ، والمشهور أن الأحسن يهوذا فخلفوه عنده ، ومن هذا يعلم سبب هذا القول . وتعقب بأنه لا يساعده ورود الأمر بالإتيان به عند التجهيز ولا الحث عليه بإيفاء الكيل ولا الإحسان في الإنزال ولا الاقتصار على منع الكيل من غير ذكر الرسالة على أن استبقاء شمعون لو وقع لكان ذلك طامة ينسى عندها كل قيل ، وقال بعضهم : إنه يضعف الخبر اشتماله على بهت إخوته بجعلهم جواسيس إلا أن يقال : إن ذلك كان عن وحي .
وقال ابن المنير : إن ذلك غير صحيح لأنه إذا ظنهم جواسيس كيف يطلب منهم واحداً من إخوتهم وما في النظم الكريم يخالفه وأطال في ذلك . وتعقب بأنه ليس بشيء لأنهم لما قالوا له : إنهم أولاد يعقوب عليه السلام طلب أخاهم وبه يتضح الحال .

(9/59)


وأخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس أنهم لما دخلوا عليه عليه السلام فعرفهم وهم له منكرون جاء بصواع الملك الذي كان يشرب فيه فوضعه على يده فجعل ينقره ويطن وينقره ويطن فقال : إن هذه الجام ليخبرني خبراً هل كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وكان أبوه يحبه دونكم وإنكم انطلقتم به فالقيتموه في الجب وأخبرتم أباكم أن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب؟ قال : فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويعجبون أن الجام يخبر بذلك ، وفيه مخالفة للخبر السابق ، وفي الباب أخبار أخرْ وكلها مضطربة فليقصر على ما حكاه الله تعالى مما قالوا ليوسف عليه السلام وقال : { أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل } أتمه لكم ، وإيثار صيغة الاستقبال مع كون هذا الكلام بعد التجهيز للدلالة على أن ذلك عادة مستمرة { وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين } جملة حالية أي ألا ترون أني أوف الكيل لكم إيفاء مستمراً والحال أني في غاية الإحسان في إنزالكم وضيافتكم وكان الأمر كذلك ، ويفهم من كلام بعضهم التعميم في الجملتين بحيث يندرج حينئذ في ذلك المخاطبون ، وتخصيص الرؤية بالإيفاء لوقوع الخطاب في أثنائه ، وأما الإحسان في الإنزال فقد كان مستمراً فبما سبق ولحق ولذلك أخبر عنه بالجملة الإسمية ، ولم يقل ذلك عليه السلام بطريق الامتنان بل لحثهم على تحقيق ما أمرهم به ، والاقتصار في الكيل على ذكر الإيفاء لأن معاملته عليه السلام معهم في ذلك كمعاملته مع غيرهم في مراعاة مواجب العدل ، وأما الضيافة فليس للناس فيها حق فخصهم في ذلك بما يشاء قاله شيخ الإسلام .

(9/60)


فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60)

{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } إيعاد لهم على عدم الإتيان به ، والمراد لا كيل لكم في المرة الأخرى فضلاً عن إيفائه { وَلاَ تَقْرَبُونِ } أي لا تقربوني بدخول بلادي فضلاً عن الإحسان في الإنزال والضيافة ، وهو إما نهى أو نفي معطوف على التقديرين على الجزاء ، وقيل : هو على الأول استئناف لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر . وأجيب بأن العطف مغتفر فيه لأن النهي يقع جزاء ، وفيه دليل على أنهم كانوا على نية الامتياز مرة بعد أخرى وأن ذلك كان معلوماً له عليه السلام ، والظاهر أن ما فعله معهم كان بوحي وإلا فالبر يقتضي أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه لكن الله سبحانه أراد تكميل أجر يعقوب في محنته وهو الفعال لما يريد في خليقته .

(9/61)


قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)

{ قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ } أي سنخادعه ونستميله برفق ونجتهد في ذلك ، وفيه تنبيه على عزة المطلب وصعوبة مناله { وَإِنَّا لفاعلون } أي إنا لقادرون على ذلك لا نتعايا به أو إنا لفاعلون ذلك لا محالة ولا نفرط فيه ولا نتوانى ، والجملة على الأول تذييل يؤكد مضمون الجملة الأولى ويحقق حصول الموعود من إطلاق المسبب أعني الفعل على السبب أعني القدرة ، وعلى الثاني هي تحقيق للوفاء بالوعد وليس فيه ما يدل على أن الموعود يحصل أولاً .

(9/62)


وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

{ وَقَالَ } يوسف عليه السلام { لِفِتْيَانِهِ } لغلمانه الكيالين كما قال قتادة . وغيره أو لأعوانه الموظفين لخدمته كما قيل ، وهو جمع فتى أو اسم جمع له على قول وليس بشيء ، وقرأ أكثر السبعة ( لفتيته ) وهو جمع قلة له ، ورجحت القراءة الأولى بأنها أوفق بقوله : { اجعلوا بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ } فإن الرحال فيه جمع كثرة ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد فينبغي أن يكون في مقابلة صيغة جمع الكثرة ، وعلى القراءة الأخرى يستعار أحد الجمعين للآخر . روى أنه عليه السلام وكل بكل رحل رجلاً يعبى فيه بضاعتهم التي اشتروا بها الطعام وكانت نعالاً وادماً؛ وأصل البضاعة قطعة وافرة من المال تقتني للتجارة والمراد بها هنا ثمن ما اشتروه .
والرحل ما على ظهر المركوب من متاع الراكب وغيره كما في البحر ، وقال الراغب : هو ما يوضع على البعير للركوب ثم يعبر به تارة عن البعير وأخرى عما يجلس عليه في المنزل ويجمع في القلة على أرحلة ، والظاهر أن هذا الأمر كان بعد تجهيزهم ، وقيل : قبله ففيه تقديم وتأخير ولا حاجة إليه ، وإنما فعل عليه السلام ذلك تفضلاً عليهم وخوفاً أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به مرة أخرى وكل ذلك لتحقيق ما يتوخاه من رجوعهم بأخيهم كما يؤذن به قوله : { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } أي يعرفون حق ردها والتكرم بذلك فلعل على ظاهرها وفي الكلام مضاف مقدر ، ويحتمل أن يكون المعنى لكي يعرفوها فلا يحتاج إلى تقدير وهو ظاهر التعلق بقوله : { إِذَا انقلبوا } أي رجعوا { إلى أَهْلِهِمْ } فإن معرفتهم لها مقيدة بالرجوع وتفريغ الأوعية قطعاً ، وأما معرفة حق التكرم في ردها وإن كانت في ذاتها غير مقيدة بذلك لكن لما كان ابتداؤها حينئذ قيدت به { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } حسبما طلبت منهم ، فإن التفضل بإعطاء البدلين ولا سيما عند إعواز البضاعة من أقوى الدواعي إلى الرجوع ، وقيل : إنما فعله عليه السلام لما أنه لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً وهو الكريم ابن الكريم وهو كلام حق في نفسه ولكن يأباه التعليل المذكور ، ومثل في هذا ما زعمه ابن عطية من وجوب صلتهم وجبرهم عليه عليه السلام في تلك الشدة إذ هو ملك عادل وهم أهل إيمان ونبوة ، وأغرب منه ما قيل : إنه عليه السلام فعل ذلك توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك ليتبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة ، ووجه بعضهم علية الجعل المذكور للرجوع بأن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة لاحتمال أنه لم يقع ذلك قصداً أو قصداً للتجربة فيرجعون على هذا إما لازم وإما متعد ، والمعنى يرجعونها أي يردونها ، وفيه أن هيئة التعبية تنادي بأن ذلك بطريق التفضل فاحتمال غيره في غاية البعد ، أنهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك دليلاً على التفضلات السابقة كما ستحيط به خبراً إن شاء الله تعالى .

(9/63)


فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)

{ فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا * أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكيل } أي حكم بمنعه بعد اليوم إن لم نذهب بأخينا بنيامين حيث قال لنا الملك { فإِن لَّمْ * تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ * كَيْفَ * لَكُمْ عِندِى } [ يوسف : 60 ] والتعبير بذلك عما ذكر مجاز والداعي لارتكابه أنه لم يقع منع ماض ، وفيه دليل على كون الامتيار مرة بعد أخرى كان معهوداً بينهم وبينه عليه السلام ، وقيل : إن الفعل على حقيقته والمراد منع أن يكال لأخيهم الغائب حملاً آخر ورد بغيره غير محمل بناء على رواية أنه عليه السلام لم يعط له وسقاً { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا } بنيامين إلى مصر ، وفيه إيذان بأن مدار المنع على عدم كونه معهم { نَكْتَلْ } أي من الطعام ما نحتاج إليه ، وهو جواب الطلب ، قيل : والأصل يرفع المانع ونكتل فالجواب هو يرفع إلا أنه رفع ووضع موضع يكتل لأنه لما علق المنع من الكيل بعدم إتيان أخيهم كان أرساله رفعاً لذلك المانع ، ووضع موضعه ذلك لأنه المقصود ، وقيل : إنه جيء بآخر الجزأين ترتباً دلالة على أولهما مبالغة ، وأصل هذا الفعل نكتيل على وزن نفعيل قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين . ومن الغريب أنه نقل السجاوندي أنه سأل المازني ابن السكيت عند الواثق عن وزن نكتل فقال : نفعل فقال المازني : فإذاً ماضيه كتل فخطأه على أبلغ وجه .
وقرأ حمزة . والكسائي { *يكتل } بياء الغيبة على إسناده للأخ مجازاً لأنه سبب للاكتيال أو يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا ، وقوي أبو حيان بهذه القراءة القول ببقاء منع على حقيقته ومثله الإمام { وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لحافظون } من أن يصيبه مكروه ، وهذا سد لباب الاعتذار وقد بالغوا في ذلك كما لا يخفى ، وفي بعض الأخبار ولا يخفى حاله أنهم لما دخلوا على أبيهم عليه السلام سلموا عليه سلاماً ضعيفاً فقال لهم : يا بني ما لكم تسلمون علي سلاماً ضعيفاً وما لي لا أسمع فيكم صوت شمعون فقالوا : يا أبانا جئناك من عند أعظم الناس ملكاً ولم ير مثله علماً وحكماً وخشوعاً وسكينة ووقاراً ولئن كان لك شبه فإنه يشبهك ولكنا أهل بيت خلقنا للبلاء إنه اتهمنا وزعم أنه لا يصدقنا حتى ترسل معنا بنيامين برسالة منك تخبره عن حزنك وما الذي أحزنك وعن سرعة الشيب إليك وذهاب بصرك وقد منع منا الكيل فيما يستقبل إن لم نأته بأخينا فأرسله معنا نكتل وإنا له لحافظون حتى نأتيك به .

(9/64)


قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)

{ قَالَ هَلْ * وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ } استفهام إنكاري و { امَنُكُمْ } بالمد وفتح الميم ورفع النون مضارع من باب علم وأمنه وائتمنه بمعنى أي ما ائتمنكم عليه { إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ } أي إلا ائتماناً مثل ائتماني إياكم { مِنْ أَخِيهِ } يوسف { مِن قَبْلُ } وقد قلتم أيضاً في حقه ما قلتم ثم فعلتم به ما فعلتم فلا أثق بكم ولا بحفظكم وإنما أفوض أمري إلى الله تعالى { فالله خَيْرٌ حافظا وَهُوَ أَرْحَمُ * الرحمين } فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمع على مصيبتين ، وهذا كما ترى ميل منه عليه السلام إلى الإذن والإرسال لما رأى فيه من المصلحة ، وفيه أيضاً من التوكل على الله تعالى ما لا يخفى ، ولذا روى أن الله تعالى قال : وعزتي وجلالي لأردهما عليك إذ توكلت علي ، ونصب { حافظا } على التمييز نحو لله دره فارساً ، وجوز غير واحد أن يكون على الحالية . وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بجيد لما فيه من تقييد الخيرية بهذه الحالة . ورد بأنها حال لازمة مؤكدة لا مبينة ومثلها كثير مع أنه قول بالمفهوم وهو غير معتبر ولو اعتبر ورد على التمييز وفيه نظر ، وقرأ أكثر البسعة { حافظا } ونصبه على ما قال أبو البقاء على التمييز لا غير . وقرأ الأعمش { خَيْرٌ حافظا } على الإضافة وإفراد { حَافِظٌ } وقرأ أبو هريرة { خَيْرٌ } على الإضافة والجمع ، ونقل ابن عطية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ { فالله خَيْرٌ حافظا وَهُوَ * خَيْرٌ } قال أبو حيان : وينبغي أن تجعل جملة { بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ } الخ تفسيراً للجملة التي قبلها لا أنها قرآن وقد مر تعليل ذلك .

(9/65)


وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)

{ وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم } قال الراغب : المتاع كل ما ينتفع به على وجه ، وهو في الآية الطعام ، وقيل : الوعاء وكلاهما متاع وهما متلازمان فإن الطعام كان في الوعاء ، والمعنى على أنهم لما فتحوا أوعية طعامهم { وَجَدُواْ بضاعتهم } التي كانوا أعطوها ثمناً للطعام { رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } أي تفضلاً وقد علموا ذلك بما مر من دلالة الحال ، وقرأ علقمة . ويحيى بن وثاب . والأعمش { رُدَّتْ } بكسر الراء ، وذلك أنه نقلت حركة الدال المدغمة إلى الراء بعد توهم خلوها من الضمة وهي لغة لبني ضبة كما نقلت العرب في قيل وبيع ، وحكى قطرب النقل في الحرف الصحيح غير المدغم نحو ضرب زيد .
{ قَالُواْ } استئناف بياني كأنه قيل : ماذا قالوا حينئذ؟ فقيل : قالوا لأبيهم ولعله كان حاضراً عند الفتح { قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِى } إذا فسر البغي بمعنى الطلب كما ذهب إليه جماعة فما يحتمل أن تكون استفهامية منصوبة المحل على أنها مفعول مقدم لنبغي فالمعنى ماذا نطلب وراء ما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الداعي إلى امتثال أمره والمراجعة إليه في الحوائج وقد كانوا أخبروه بذلك على ما روى أنهم قالوا له عليه السلام : إنا قدمنا على خير رجل وأنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته ، وقوله تعالى : { هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا } جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ اللطف غايته كأنهم قالوا : كيف لا وهذه بضاعتنا ردها إلينا تفضلاً من حيث لا ندري بعدما من علينا بما يثقل الكواهل من الممنن العظام وهل من مزيد على هذا فنطلبه ، ومرادهم به أن ذلك كاف في استيجاب الامتثال لأمره والالتجاء إليه في استجلاب المزيد ، ولم يريدوا أنه كاف مطلقاً فينبغي التقاعد عن طلب نظائره وهو ظاهر .
وجملة { رُدَّتْ } في موضع الحال من { بضاعتنا } بتقدير قد عند من يرى وجوبها في أمثال ذلك والعامل معنى الإشارة ، وجعلها خبر { هذه } و بضاعتنا بياناً له ليس بشيء ، وإيثار صيغة البناء للمفعول قيل : للإيذان بكمال الإحسان الناشيء عن كمال الإخفاء المفهوم من كمال غفلتهم عنه بحيث لم يشعروا به ولا بفاعله ، وقيل : للإيذان بتعين الفاعل وفيه من مدحه أيضاً ما فيه ، وقوله تعالى : { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي نجلب لهم الميرة ، وهي بسكر الميم وسكون الياء طعام يمتاره الإنسان أي يجلبه من بلد إلى بلد ، وحاصله نجلب لهم الطعام من عند الملك معطوف على مقدر ينسحب عليه رد البضاعة أي فنستظهر بها ونمير أهلنا { وَنَحْفَظُ أَخَانَا } من المكاره حسبما وعدنا ، وتفرعه على ما تقدم باعتباره دلالته على إحسان الملك فإنه مما يعين على الحفظ { وَنَزْدَادُ } أي بواسطته ولذلك وسط الإخبار به بين الأصل والمزيد { كَيْلَ بَعِيرٍ } أي وسق بعير زائداً على أوساق أباعرنا على قضية التقسيط المعهود من الملك ، والبعير في المشهور مقابل الناقة ، وقد يطلق عليها وتكسر في لغة باؤه ويجمع على أبعرة وبعران وأباعر ، وعن مجاهد تفسيره هنا بالحمار وذكر أن بعض العرب يقول للحمار بعير وهو شاذ .

(9/66)


وقوله تعالى : { ذلك كَيْلٌ } أي مكيل { يَسِيرٌ } أي قليل لا يقوم بأودنا يحتمل أن يكون إشارة إلى ما كيل لهم أولاً ، والجملة استئناف جيء بها للجواب عما عسى أن يقال لهم : قد صدقتم فيما قلتم ولكن ما الحاجة إلى التزام ذلك وقد جئتم بالطعام؟ فكأنهم قالوا : إن ما جئنا به غير كاف لنا فلا بد من الرجوع مرة أخرى وأخذ مثل ذلك مع زيادة ولا يكون ذلك بدون استصحاب أخينا ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تحمله أباعرهم ، والجملة استئناف وقع تعليلاً لما سبق من الازدياد كأنه قيل : أي حاجة إلى الازدياد؟ فقيل : إن ما تحمله أباعرنا قليل لا يكفينا ، وقيل : المعنى أن ذلك الكيل الزائد قليل لا يضايقنا فيه الملك أو سهل عليه لا يتعاظمه ، وكأن الجملة على هذا استئناف جيء به لدفع ما يقال : لعل الملك لا يعطيكم فوق العشرة شيئاً ويرى ذلك كثيراً أو صعباً عليه وهو كما ترى ، وجوز أن يكون ذلك إشارة إلى الكيل الذي هم بصدده وتضمنه كلامهم وهو المنضم إليه كيل البعير الحاصل بسبب أخيهم المتعهد بحفظه كأنهم لما ذكروا ما ذكروا صرحوا بما يفهم منه مبالغة في استنزال أبيهم فقالوا : ذلك الذي نحن بصدده كيل سهل لا مشقة فيه ولا محنة تتبعه ، وقد يبقى الكيل على معناه المصدري والكلام على هذا الطرز إلا يسيراً .
وجوز بعضهم كون ذلك من كلام يعقوب عليه السلام والإشارة إلى كيل البعير أي كيل بعير واحد شيء قليل لا يخاطر لمثله بالولد ، وكان الظاهر على هذا ذكره مع كلامه السابق أو اللاحق ، وقيل : معنى { مَا نَبْغِى } أي مطلب نطلب من مهماتنا ، والجمل الواقعة بعده توضيح وبيان لما يشعر به الإنكار من كونهم فائزين ببعض المطالب أو متمكنين من تحصيله فكأنهم قالوا : هذه بضاعتنا حاضرة فنستظهر بها ونمير أهلنا ونحفظ أخانا من المكروه ونزداد بسببه غير ما نكتاله لأنفسنا كيل بعير فأي شيء نبغي وراء هذه المباغي ، وما ذكرنا من العطف على المقدر هو المشهور . وفي «الكشف» لك أن تقول : إن { *نمير } وما تلاه معطوف على مجموع { يأَبَانَا مَا نَبْغِى } والمعنى اجتماع هذين القولين منهم في الوجود ولا يحتاج إلى جامع وراء ذلك لكونهما محكيين قولاً لهم على أنه حاصل لاشتراك الكل في كونه لاستنزال يعقوب عليه السلام عن رأيه وأن الملك إذا كان محسناً كان الحفظ أهون شيء ، والاستفهام لرجوعه إلى المنفي لا يمنع العطف ووافقه في ذلك بعضهم .

(9/67)


وقرأ ابن مسعود . وأبو حيوة { مَا * تَبْغِى } بتاء الخطاب؛ وروت عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والخطاب ليعقوب عليه السلام ، والمعنى أي شيء وراء هذه المباغي المشتملة على سلامة أخينا وسعة ذات أيدينا أو وراء ما فعل معنا الملك من الإحسان داعياً إلى التوجه إليه ، والجملة المستأنفة موضحة أيضاً لذلك أو أي شيء تبغي شاهداً على صدقنا فيما وصفنا لك من إحسانه ، والجملة المذكورة عبارة عن الشاهد المدلول عليه بفحوى الإنكار ، ويحتمل أن تكون { مَا } نافية ومفعول { نَبْغِى } محذوف أن ما نبغي شيئاً غير ما رأيناه من إحسان الملك في وجوب المراجعة إليه أو ما نبغي غير هذه المباغي ، والقول بأن المعنى ما نبغي منك بضاعة أخرى نشتري بها ضعيف ، والجملة المستأنفة على كل تقدير تعليل للنفي ، وإما إذا فسر البغي بمجاوزة الحد فما نافية فقط ، والمعنى ما نبغي في القول ولا نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الموجب لما ذكر ، والجملة المستأنفة لبيان ما ادعوا من عدم البغي ، وقوله : { وَنَمِيرُ } الخ عطف على { مَا نَبْغِى } أي لا نبغي فيما نقول ونمير ونفعل كيف وكيت فاجتمع أسباب الإذن في الإرسال ، والأول كالتمهيد والمقدمة للبواهي والتناسب من هذا الوجه لأن الكل متشاركة في أن المطلوب يتوقف عليها بوجه ما ، على أنه لو لم يكن غير الاجتماع في المقولية لكفى على ما مر آنفاً عن الكشف .
وجوز كونه كلاماً مبتدأ أي جملة تذييلية اعتراضية كقولك : فلان ينطق بالحق والحق أبلج كأنه قيل : وينبغي أن نمير ، ووجه التأكيد الذي يقتضيه التذييل أن المعنى أن الملك محسن ونحن محتاجون ففيم التوقف في الإرسال وقد تأكد موجباه؟ ، وقال العلامة الطيبي : إنما صح التأكيد والتذييل لأن الكلام في الامتيار وكل من الجمل بمعناه أو المعنى { مَا نَبْغِى } في الرأي وما نعدل عن الصواب فيما نشير به عليه من إرسال أخينا معنا ، والجمل كلها للبيان أيضاً إلا أن ثم محذوفاً ينساق إليه الكلام أي بضاعتنا حاضرة نستظهر بها ونمير أهلنا ونصنع كيت وذيت وهو على ما قيل : وجه واضح حسن يلائم ما كانوا فيه مع أبيهم فتأمل هذا . وقرأت عائشة . وأبو عبد الرحمن { وَنَمِيرُ } بضم النون ، وقد جاء مار عياله وأمارهم بمعنى كما في القاموس .
[ 66 { قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ الله لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } .

(9/68)


{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ } بعد أن عاينت منكم ما أجرى المدامع { حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ الله } أي حتى تعطوني ما أوتوثق به من جهته ، فالموثق مصدر ميمي بمعنى المفعول ، وأراد عليه السلام أن يحلفوا له بالله تعالى وإنما جعل الحلف به سبحانه موثقاً منه لأنه مما تؤكد العهود به وتشدد وقد أذن الله تعالى بذلك فهو إذن منه تعالى بذلك فهوإذن منه تعالى شأنه { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جواب قسم مضمر إذ المعنى حتى تحلفوا بالله وتقولوا والله لنأتينك به .
وفي مجمع البيان نقلاً عن ابن عباس أنه عليه السلام طلب منهم أن يحلفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين ، والظاهر عدم صحة الخبر . وذكر العمادي أنه عليه السلام قال لهم : قولوا بالله رب محمد صلى الله عليه وسلم لنأتينك به { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعاً وكلاهما مروي عن مجاهد ، وأصله من إحاطة العدو واستعماله في الهلاك لأن من أحاط به العدو فقد هلك غالباً ، والاستثناء قيل مفرغ من أعم الأحوال والتقدير لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم . ورد بأن المصدر من { ءانٍ } والفعل لا يقع موقع الحال كالمصدر الصريح فيجوز جئتك ركضاً أي راضاً دون جئتك أن تركض وإن كان في تأويله لما أن الحال عندهم نكرة و { ءانٍ } مع ما في حيزها معرفة في رتبة الضمير . وأجيب بأنه ليس المراد بالحال الحال المصطلح عليها بل الحال اللغوية ، ويؤل ذلك إلى نصب المصدر المؤول على الظرفية وفيه نظر . وفي «البحر» أنه لو قدر كون { ءانٍ } والفعل في موقع المصدر الواقع ظرف زمان أي لتأتنني به في كل وقت إلا إحاطة بكم أي إلا وقت إحاطة بكم لم يجز عند ابن الأنباري لأنه يمنع وقوع المصدر المؤول ظرفاً ويشترط المصدر الصريح فيجوز خرجنا صياح الديك دون خرجنا أن يصيح الديك أو ما يصيح الديك ، وجاز عند ابن جني المجوز لذاك كما في قول أبي ذؤيب الهذلي :
وتالله ما إن شهلة أم واحد ... بأوجد مني أن يهان صغيرها
وقيل : من أعم العلل على تأويل الكلام بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتنني ولا تمتنعن من الإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم : أقسمت عليك إلا فعلت أي ما أطلب إلا فعلك ، والظاهر اعتبار التأويل على الوجه الأول أيضاً فإن الاستثناء فيه مفرغ كما علمت ، وهو لا يكون في الإثبات إلا إذا صح وظهر إرادة العموم فيه نحو قرأت إلا يوم الجمعة لإمكان القراءة في كل يوم غير الجمعة وهنا غير صحيح لأن لا يمكن لإخوة يوسف عليه السلام أن يأتوا بأخيهم في كل وقت وعلى كل حال سوى وقت الإحاطة بهم لظهور أنهم لا يأتون به له وهو في الطريق أو في مصر اللهم إلا أن يقال : إنه من ذلك القبيل وأن العموم والاستغراق فيه عرفي أي في كل حال يتصور الاتيان فيها ، وتعقب المولى أبو السعود تجويز الأول بلا تأويل بقوله : وأنت تدري أنه حيث لم يكن الاتيان من الأفعال الممتدة الشاملة للأحوال على سبيل المعية كما في قولك : لألزمنك إلا أن تقضيني حقي ولم يكن مراده عليه السلام مقارنته على سبيل البدل لما عدا الحال المستثناة كما إذا قلت : صل إلا أن تكون محدثاً بل مجرد تحققه ووقوعه من غير إخلال به كما في قولك : لأحجن العام إلا أن أحصر فإن مرادك إنما هو الإخبار بعدم منع ما سوى حال الإحصار عن الحج لا الإخبار بمقارنته لتلك الأحوال على سبيل البدل كما هو مرادك في مثال الصلاة كان اعتبار الأحوال معه من حيث عدم منعها منه ، فآل المعنى إلى التويل المذكور اه .

(9/69)


وبحث فيه واحد من الفضلاء بثلاثة أوجه . الأول : أنه لو كان المراد من قوله : { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } الإخبار بمجرد تحقق الإتيان ووقوعه من غير إخلال به لم يحتج إلى التأويل المذكور أعني التأويل بالنفي كما لا يخفى على المتأمل فكلامه يفيد خلاف مراده . الثاني : أنا سلمنا أن ليس مراد القائل من قوله : لأحجن الخ الإخبار بمقارنة الحج لما عدا حال الإحصار على سبيل البدل لكن لا نسلم أن ليس مراده منه إلا الإخبار بعدم منع ما سوى حال الإحصار عنه غايته أن بينهما ملازمة وذاك لا يستلزم الاحتياج إلى التأويل بالنفي . الثالث : أنه إن أراد من قوله : كان اعتبار الأحوال الخ أن الاتيان به لم يكن معه اعتبار الأحوال كما هو الظاهر فممنوع ، وإن أراد أن اعتبار الأحوال معه يستلزم حيثية عدم منعها منه فمسلم لكن لا يلزم منه الاحتياج إلى التأويل المذكور أيضاً وليس المدعي إلا ذاك اه وهو كما ترى فتبصر ، ثم إنهم أجابوه عليه السلام إلى ما أراد { فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } عهدهم من الله تعالى حسبما أراد عليه السلام { قَالَ } عرضاً لثقته بالله تعالى وحثاً لهم على مراعاة حلفهم به عز وجل { الله على مَا نَقُولُ } في أثناء طلب الموثق وإيتائه من الجانبين ، وإيثار صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة المؤدى إلى تثبتهم ومحافظتهم على تذكره ومراقبته { وَكِيلٌ } أي مطلع رقيب ، فإن الموكل بالأمر يراقبه ويحفظه ، قيل : والمراد أنه سبحانه مجاز على ذلك .

(9/70)


وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)

{ وَقَالَ } ناصحاً لهم لما عزم على إرسالهم جميعاً { الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ } مصر { مِن بَابٍ وَاحِدٍ } نهاهم عليه السلام عن ذلك حذراً من إصابة العين فإنهم كانوا ذوي جمال وشارة حسنة وقد اشتهروا بين أهل مصر بالزلفى والكرامة التي لم تكن لغيرهم عند الملك فكانوا مظنة لأن يعانوا إذا دخلوا كوكبة واحدة ، وحيث كانوا مجهولين مغمورين بين الناس لم يوصهم بالتفرق في المرة الأولى ، وجوز أن يكون خوفه عليه السلام عليهم من العين في هذه الكرة بسبب أن فيهم محبوبه وهو بنيامين الذي يتسلى به عن شقيقه يوسف عليه السلام ولم يكن فيهم في المرة الأولى فأهمل أمرهم ولم يحتفل بهم لسوء صنيعهم في يوسف ، والقول أنه عليه السلام نهاهم عن ذلك أن يستراب بهم لتقدم قول أنتم جواسيس ليس بشيء أصلاً ، ومثله ما قيل : إن ذلك كان طمعاً أن يتسمعوا خبر يوسف عليه السلام؛ والعين حق كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح أيضاً بزيادة " ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين " و " إذا استغسلتم فاغتسلوا " وقد ورد أيضاً : «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر» وقد كان صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسنين رضي الله عنهما بقوله : " أعوذ بكلمات الله تعالى التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " وكان يقول : " كان أبوكما يعوذ بهما إسماعيل وإسحق عليهم السلام "
ولبعضهم في هذا المقام كلام مفصل مبسوط لا بأس بإطلاعك عليه ، وهو أن تأثير شيء في آخر إما نفساني أو جسماني وكل منهما إما في نفساني أو جسماني ، فالأنواع أربعة يندرج تحتها ضروب الوحي والمعجزات والكرامات والإلهامات والمنامات وأنواع السحر والأعين والنيرنجات ونحو ذلك . أما النوع الأول : أعني تأثير النفساني في مثله فكتأثير المبادى العالية في النفوس الإسلامية بإفاضة العلوم والمعارف ، ويندرج في ذلك صنفان :
أحدهما : ما يتعلق بالعلم الحقيقي بأن يلقى إلى النفس المستعدة لذلك كمال العلم من غير واسطة تعليم وتعلم حتى تحيط بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية كما ألقى إلى نبينا صلى الله عليه وسلم علوم الأولين والآخرين مع أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يتلوه من قبل كتاباً ولا يخطه بيمينه .
وثانيهما : ما يتعلق بالتخيل القوي بأن يلقى إلى من يكون مستعداً له ما يقوى به على تخيلات الأمور الماضية والإطلاع على المغيبات المستقبلة ، والمنامات الإلهامات داخلة أيضاً تحت هذا النوع ، وقد يدخل تحته نوع من السحر وهو تأثير النفوس البشرية القوية فيها قوتا التخيل والوهم في نفوس بشرية أخرى ضعيفة فيها هاتان القوتان كنفوس البله والصبيان والعوام الذين لم تقوقوتهم العقلية فتتخيل ما ليس بموجود في الخارج موجوداً فيه وما هو موجود فيه على ضد الحال الذي هو عليها؛ وقد يستعان في هذا القسم من السحر بأفعال وحركات يعرض منها للحس حيرة وللخيال دهشة ومن ذلك الاستهتار في الكلام والتخليط فيه .

(9/71)


وأما النوع الثاني : أعني تأثير النفساني في الجسماني فكتأثير النفوس الإنسانية في الأبدان من تغذيتها وإنمائها وقيامها وقعودها إلى غير ذلك ومن هذا القبيل صنف من المعجزات وهو ما يتعلق بالقوة المحركة للنفس بأن تبلغ قوتها إلى حيث تتمكن من التصرف في العالم تمكنها من التصرف في بدنها كتدمير قوم بريح عاصفة أو صاعقة أو زلزلة أو طوفان وربما يستعان فيه بالتضرع والابتهال إلى المبادي العالية كأن يستسقى للناس فيسقون ويدعو عليهم فيهلكون ولهم فينجون ، ويندرج في هذا صنف من السحر أيضاً كما في بعض النفوس الخبيثة التي تقوى فيها القوة الوهمية بسبب من الأسباب كالرياضة والمجاهدة مثلاً فيسلطها صاحبها على التأثير فيمن أراده بتوجه تام وعزيمة صادقة إلى أن يحصل المطلوب الذي هو تأثره بنحو مرض وذبول جسم ويصل ذلك إلى الهلاك ، وأما النوع الثالث : وهو تأثير الجسماني في الجسماني فكتأثير الأدوية والسموم في الأبدان ويدخل فيه أنواع النيرنجات والطلسمات فإنهما بتأثير بعض المركبات الطبيعية في بعض بسبب خواص فيها كجذب المغناطيس للحديد واختطاف الكهرباء التبن ، وقد يستعان في ذلك بتحصين المناسبات بالأجرام العلوية المؤثرة في عالم الكون والفساد كما يشاهد في أشكال موضوعة في أوقات مخصوصة على أوضاع معلومة في مقابلة بعض الجهات ومسامتة بعض الكواكب يستدفع بها كثير من أذية الحيوانات . وأما النوع الرابع : وهو تأثير الجسماني في النفساني فكتأثير الصور المستحسنة أو المستقبحة في النفوس الإنسانية من استمالتها إليها وتنفيرها عنها وعد من ذلك تأثير أصناف الأغاني والرقص والملاهي في بعض النفوس وتأثير البيان فيمن له ذوق كما يشير إليه قوله عليه الصلاة السلام : « إن من البيان لسحراً » إذا تمهد هذا فاعلم أنهم اختلفوا في إصابة العين فأبو علي الجبائي أنكرها إنكاراً بليغاً ولم يذكر لذلك شبهة فضلاً عن حجة وأثبتها غيره من أهل السنة . والمعتزلة . وغيرهم إلا أنهم اختلفوا في كيفية ذلك فقال الجاحظ : إنه يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه تأثير السم في الأبدان فالتأثير عنده من تأثير الجسماني في الجساني .
وضعف ذلك القاضي بأنه لو كان الأمر كما قال لوجب أن تؤثر العين في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيرها فيما يستحسن . وتعقبه الإمام بأنه تضعيف ضعيف ، وذلك لأنه إذا استحسن العائن شيئا فأما أن يحب بقاءه كما استحسن ولده مثلاً وإما أن يكره ذلك كما إذا أحس بذلك المستحسن عند عدوه الحاسد هو له ، فإن كان الأول فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله وهو يوجب انحصار الروح في داخل القلب ، فحينئذ يسخن القلب والروح جداً ويحصل في الروح الباصر كيفية قوية مسخنة ، وإن كان الثاني فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان هم شديد وحزن عظيم بسبب حصول ذلك المستحسن لعدوه ، وذلك أيضاً يوجب انحصار الروح وحصول الكيفية القوية المسخنة ، وفي الصورتين يسخن شعاع العين فيؤثر ولا كذلك في عدم الاستحسان فبان الفرق ، ولذلك السبب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء ومن أصيب بالاغتسال ا ه .

(9/72)


وما أشار إليه من أن العائن قد يصيب ولده مثلاً مما شهدت له التجربة ، لكن أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة ، وقال الهيثمى : رجاله رجال الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال : " العين حق يضرها الشيطان وحسد ابن آدم " وظاهره يقتضي خلاف ذلك ، وأما ما ذكره من الأمر بالوضوء والاغتسال فقد جاء في بعض الروايات ، وكيفية ذلك أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره أي ما يلي جسده من الإزار ، وقيل وركيه : وقيل : مذاكيره ويصب الغسالة على رأس المعين وقد مر «إذا استغسلتم فاغسلوا» وهو خطاب للعائنين أي إذا طلب منكم ما اعتيد من الغسل فافعلوا والأمر للندب عند بعض ، وقال الماوردي تبعاً لجماعة : للوجوب فيجب على العائن أن يغسل ثم يعطي الغسالة للمعين لأنه الذي يقتضيه ظاهر الأمر ولأنه قد جرب ذلك وعلم البرء به ففيه تخليص من الهلاك كاطعام المضطر ، وذكر أن ذلك أمر تعبدي وهو مخالف لما أشار إليه الإمام من كون الحكمة فيه تبريد تلك السخونة ، وهو مأخوذ من كلام ابن القيم حيث قال في تعليل ذلك : لأنه كما يؤخذ درياق لسم الحية من لحمها يؤخذ علاج هذا الأمر من أثر الشخص العائن ، وأثر تلك العين كشعلة نار أصابت الجسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة ، وهو على علاته أوفى من كلام الإمام . ويرد على ما قرره في الانتصار للجاحظ أنه لا يسد عنه باب الاعتراض على ما ذكره في كيفية إصابة العين ، إذ يرد عليه ما ثبت من أن بعض العائنين قد يصيب ما يوصف له ويمثل ولو كان بينه وبينه فراسخ ، والتزام امتداد تلك الأجزاء إلى حيث المصاب مما لا يكاد يقبل كما لا يخفى على ذلك عين . وقال الحكماء واختاره بعض المحققين من أهل السنة : إن ذلك من تأثير النفساني بالجسماني وبنوه على أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسياً محضاً كما يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل عرض إذا كان موضوعاً على الأرض يقدر كل إنسان على المشي عليه ولو كان موضوعاً بين جدارين مرتفعين لم يقدر كل أحد على المشي عليه وما ذاك إلا لأن الخوف من السقوط منه يوجب السقوط وأيضاً إن الإنسان إذا تصور أن فلاناً مؤذياً له حصل في قلبه غضب وتسخن مزاجه ، فمبدأ ذلك ليس إلا التصور النفساني بل مبدأ الحركات البدنية مطلقاً ليس إلا التصورات النفسانية ، ومتى ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضاً أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان ، وأيضاً جواهر النفوس مختلفة فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث تؤثر في تغير بدن حيوان آخر بشرط أن تراه أو ترى مثاله على ما نقل وتتعجب منه ، ومتى ثبت أن ذلك غير ممتنع وكانت التجارب شاهدة بوقوعه وجب القول به من غير تلعثم ، ولأن وقوع ذلك أكثرى عند أعمال العين والنظر بها إلى الشيء نسب التأثير إلى العين وإلا فالمؤثر إنما هو النفس ، ونسبة التأثير إليها كنسبة الإحراق إلى النار والري إلى الماء ونحو ذلك ، والفاعل للآثار في الحقيقة هو الله عز سلطانه بالإجماع ، لكن جرت عادته تعالى على خلقها بالأسباب من غير توقف عقلي عليها كما يظن جهلة الفلاسفة على ما نقل عن السلف أو عند الأسباب من غير مدخلية لها بوجه من الوجوه على ما شاع عن الأشعري .

(9/73)


فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام : «العين حق» أن اصابة النفس بواسطتها أمر كائن مقضى به في الوضع الالهي لا شبهة في تحققه وهو كسائر الآثار المشاهدة لنحو النار والماء والأدوية مثلاً . وأنت تعلم أن مدار كل شيء المشيئة الإلهية فما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ يكن ، وحكمة خلق الله تعالى التأثير في مسألة العين أمر مجهول لنا . وزعم أبو هاشم . وأبو القاسم البلخي أن ذلك مما يرجع إلى مصلحة التكليف قالا : لا يمتنع أن تكون العين حقاً على معنى أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحساناً كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله تعالى ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقاً به ، ثم لا يبعد أيضاً أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه سبحانه بقاء ذلك مما تتغير المصلحة فيبقيه الله تعالى ولا يفنيه وهو كما ترى ، ثم ان ما أشار إليه من نفع ذكر الله تعالى والالتجاء إليه سبحانه حق ، فقد صرحوا بأن الأدعية والرقي من جملة الأسباب لدفع أذى العين بل إن من ذلك ما يكون سبباً لرد سهم العائن إليه . فقد أخرج ابن عساكر أن سعيد الساحي قيل له : احفظ ناقتك من فلان العائن فقال : لا سبيل له إليها فعانها فسقطت تضطرب فأخبر الساحي فوقف عليها فقال : حبس حابس وشهاب قابس رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه وعلى كبده وكليتيه رشيق وفي ماله يليق

(9/74)


{ فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } [ الملك : 3 ] الآية فخرجت حدقتا العائن وسلمت الناقة .
ويدل على نفع الرقية من العين مشروعيتها كما تدل عليه الآثار ، وقد جاء في بعضها أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا رقية إلا من عين أو حمة " والمراد منه أنه لا رقية أولى وأنفع من رقية العين والحمة وإلا فقد رقى صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه من غيرهما . وينبغي لمن علم من نفسه أنه ذو عين أن لا ينظر إلى شيء نظر إعجاب وأن يذكر الله تعالى عند رؤية ما يستحسن . فقد ذكر غير واحد من المجربين أنه إذا فعل ذلك لا يؤثر ، ونقل الأجهوري أنه يندب أنه يعوذ المعين فيقول اللهم بارك فيه ولا تضره ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، وفي تحفة المحتاج أن من أدويتها أي العين المجربة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أن يتوضأ العائن إلى آخر ما ذكرناه آنفاً وأن يدعو للمعين وأن يقول المعين ما شاء الله لا قوة إلا بالله حصنت نفسي بالحي القيوم الذي لا يموت أبداً ودفعت عنها السوء بألف لا حول ولا قوة إلا بالله ، ويسن عند القاضي لمن رأى نفسه سليمة وأحواله معتدلة أن يقول ذلك . وفي شرح مسلم عن العلماء أنه على السلطان منع من عرف بذلك من مخالطة الناس ويرزقه من بيت المال إن كان فقيراً فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر رضي الله تعالى عنه من مخالطة الناس . ورأيت لبعض أصحابنا أيضاً القول بندب ذلك ، وأنه لا كفارة على عائن قيل : لأن العين لا تعد مهلكاً عادة على أن التأثير يقع عندها لا بها حتى بالنظر للظاهر ، وهذا بخلاف الساحر فإنهم صرحوا بأنه يقتل إذا أقرأن سحره يقتل غالباً . ونقل عن المالكية أنه لا فرق بين الساحر والعائن فيقتلان إذا قتلا؛ ثم إن العين على ما نقل عن الرازي لا تؤثر ممن له نفس شريفة لما في ذلك من الاستعظام للشيء . وفيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ما يؤيد المدعى ، واعترض بما رواه القاضي أن نبياً استكثر قومه فمات منهم في ليلة مائة ألف فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال له سبحانه وتعالى : «إنك ستكثرتهم فعنتهم هلا حصنتهم إذا استكثرتهم فقال : يا رب كيف أحصنهم؟ قال : تقول حصنتكم بالحي القيوم إلى آخر ما تقدم» وقد يجاب بأن ما ذكر الرازي هو الأغلب بل يتعين تأويل هذا إن صح بأن ذلك النبي عليه السلام لما غفل عن الذكر عند الاستكثار عوتب فيهم ليسأل فيعلم فهو كالإصابة بالعين لا أنه عان حقيقة هذا والله تعالى أعلم ، ثم إنه عليه السلام لم يكتف بالنهي عن الدخول من باب واحد بل ضم إليه قوله : { وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } بيانا للمراد به وذلك لأن عدم الدخول من باب واحد غير مستلزم للدخول من أبواب متفرقة وفي دخولهم من بابين أو ثلاثة بعض ما في الدخول من باب واحد من نوع اجتماع مصحح لوقوع المحذور ، وإنما لم يكتف بهذا الأمر مع كونه مستلزماً للنهي السابق إظهاراً لكمال العناية وبه وإيذاناً بأنه المراد بالأمر المذكور لا تحقيق شيء آخر { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ } أي لا أنفعكم ولا أدفع عنكم بتدبيري { مّنَ الله مِن شَىْء } أي من قضائه تعالى عليكم شيئاً فإنه لا يغني حذر من قدر ، ولم يرد بهذا عليه السلام كما قيل الغاء الحذر بالمرة كيف وقد قال سبحانه :

(9/75)


{ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } [ النساء : 71 ] وقال عز قائلاً : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 195 ] بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة بل هو تدبير وتشبث بالأسباب العادية التي لا تؤثر إلا بإذنه تعالى وإن ذلك ليس بمدافعة للمقدر بل هو استعانة بالله تعالى وهرب منه إليه { إِنِ الحكم } أي ما الحكم مطلقاً { أَلاَ لِلَّهِ } لا يشاركه أحد ولا يمانعه شيء { عَلَيْهِ } سبحانه دون غيره { تَوَكَّلْتُ } في كل ما آتى به وأذر ، وفيه دلالة على أن ترتيب الأسباب غير مخل بالتوكل ، وفي الخبر «اعقلها وتوكل» .
{ وَعَلَيْهِ } عز سلطانه دون غيره { فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } أي المريدون للتوكل ، قيل : جمع بين الواو والفاء في عطف الجملة على الجملة مع تقديم الصلة للاختصاص ليفيد بالواو عطف فعل غيره من تخصيص التوكل بالله تعالى شأنه على فعل نفسه وبالفاء سببية فعله لكونه نبياً لفعل غيره من المقتدين به ، وهي على ما صرح به بعضهم زائدة حيث قال : ولا بد من القول بزيادة الفاء وإفادتها السببية ، ويلتزم أن الزائد قد يدل على معنى غير التوكيد ، وذكر أنه لو اكتفى بالفاء وحدها وقيل : فعليه فليتوكل الخ أفاد تسبب الاختصاص لا أصل التوكل وهو المقصود ، وكل ذلك لا يخلو عن بحث . واختار بعضهم أنه جيىء بالفاء إفادة للتأكيد فقط كما هو الأمر الشائع في الحروف الزائدة فتدبر ، وأياً ما كان فيدخل بنوه عليه السلام في عموم الأمر دخولاً أولياً ، وفي هذا الأسلوب ما لا يخفى من حسن هدايتهم وإرشادهم إلى التوكل فيما هم بصدده على الله تعالى شأنه غير معتمدين على ما وصاهم به من التدبير .

(9/76)


وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)

{ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } من الأبواب المتفرقة من البلد ، قيل : كانت له أربعة أبواب فدخلوا منها ، وإنما اكتفى بذكره لاستلزامه الانتهاء عما نهوا عنه ، وحاصله لما دخلوا متفرفين { مَا كَانَ } ذلك الدخول { يُغْنِى عَنْهُمْ مّنَ الله } من جهته سبحانه { مِن شَىْء } أي شيئاً مما قضاه عليهم جل شأنه ، والجمل قيل : جواب { لَّمّاً } والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل لتحقق المقارنة الواجبة بين جواب { لَّمّاً } ومدخولها ، فإن عدم الاغناء بالفعل إنما يتحقق عند نزول المحذور لا وقت الدخول وإنما المتحقق حينئذ ما أفاده الجمع المذكورة من عدم كون الدخول مغنياً فيما سيأتي ، وليس المراد بيان سببية الدخول المذكور لعدم الإغناء كما في قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إلا نفوراً } [ فاطر : 42 ] فإن مجيىء النذير هناك سبب لزيادة نفورهم بل بيان عدم سببيته للاغناء مع كونها متوقعة في بادىء الرأي حيث أنه وقع حسبما وصاهم به عليه السلام ، وهو نظير قولك : حلف أن يعطيني حقي عند حلول الأجل فلما حل لم يعطيني شيئاً ، فإن المراد بيان عدم سببية حلول الأجل للإعطاء مع كونها مرجوة بموجب الحلف لا بيان سببيته لعدم الإعطاء ، فالمآل بيان عدم ترتب الغرض المقصود على التدبير المعهود مع كونه مرجو الوجود لا بيان ترتب عدمه عليه ، ويجوز أن يراد ذلك أيضاً بناء على ما ذكره عليه السلام في تضاعيف وصيته من أنه لا يغنى عنهم تدبيره من الله تعالى شيئاً فكأنه قيل : ولما فعلوا ما وصاهم به لم يفدهم ذلك شيئاً ووقع الأمر حسبما قال عليه السلام فلقوا ما لقوا فيكون من باب وقوع المتوقع اه ، وإلى كون الجواب ما ذكر ذهب أبو حيان وقال : إن فيه حجة لمن زعم أن لما حرف وجوب لوجوب لا ظرف زمان بمعنى حين إذ لو كان كذلك ما جاز أن يكون معمولاً لما بعد { فِى مَا } النافية ، ولعل من يذهب إلى ظرفيتها يجوز ذلك بناء على أن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره ، وقال أبو البقاء : في جواب ( لما ) وجهان . أحدهما أنه { آوى } [ يوسف : 69 ] وهو جواب ( لما ) الأولى والثانية كقولك : لما جئتك وكلمتك أجبتني وحسن ذلك أن دخولهم على يوسف عليه السلام تعقب دخولهم من الأبواب . والثاني أنه محذوف أي امتثلوا أو قضوا حاجة أبيهم وإلى الوجه الأخير ذهب ابن عطية أيضاً ولا يخفى أنه عليه وعلى ما قبله ترتفع غائلة توجيه أمر الترتب ، وما أشار إليه صاحب القيل في ثاني وجهيه هو الذي يقتضيه ظاهر كلام كثير من المفسرين حيث ذكروا أن هذا منه تعالى تصديق لما أشار إليه يعقوب عليه السلام في قوله :

(9/77)


{ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله * شَيْئاً } [ يوسف : 67 ] .
واعترض القول بعدم ترتب الغرض على التدبير بأن الغرض ليس إلا دفع إصابة العين لهم وقد تحقق بدخولهم متفرقين وهو وارد أيضاً على ما ذكر في الوجه الأخير كما لا يخفى . وأجيب بأن المراد بدفع العين أن لا يمسهم سوء ما ، وإنما خصت إصابة العين لظهورها ، وقيل : إن ما أصابهم من العين أيضاً فلم يترتب الغرض على التدبير بل تخلف ما أراده عليه السلام عن تدبيره ، وتعقب بأنه تكتلف ، واستظهر أن المراد أنه عليه السلام خشى عليهم شر العين فأصابهم شر أخر لم يخظر بباله فلم يفد دفع ما خافه شيئاً ، وحينئذ يدعي أن دخولهم من حيث أمرهم أبوهم كان مفيداً لهم من حيث أنه دفع العين عنهم إلا أنه لما أصابهم ما أصابهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك مع أخيهم بوجدان الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم لم يعد ذلك فائدة فكأن دخولهم لم يفدهم شيئاً . واعترض أيضاً ما ذكر في توجيه الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل بأن المشهور أن الغرض منه إفادة الاستمرار كما مرت الإشارة إليه غير مرة وظاهر ذلك لا يدل عليه ، قيل : وإذا كان الغرض هنا ذاك احتمل الكلام وجهين نفى استمرار الاغناء واستمرار نفيه وفيه تأمل متأمل جدا . هذا وما أشرنا إليه من زيادة { مِنْ } في المنصوب هو أحد وجهين ذكرهما الرازي في الآية . ثانيهما جواز كونها زائدة في المرفوع وحينئذ ليس في الكلام ضمير الدخول كما لا يخفى ، قيل : ولو اعتبر على هذا الوجه كون مرفوع { كَانَ } ضمير الشأن لم يبعد أي ما كان الشأن يغني عنهم من الله تعالى شيء { إِلاَّ حَاجَةً } استثناء منقطع أي ولكن حاجة { فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } أي أظهرها ووصاهم بها دفعا للخطرة غير معتقد أن للتدبير تأثيراً في تغيير التقدير ، والمراد بالحاجة شفقته عليه السلام وحرازته من أن يعانوا .
وذكر الراغب أن الحاجة إلى الشيء الفقر إليه مع محبته وجمعه حاج وحاجات وحوائج ، وحاج يحوج احتاج ثم ذكر الآية . وأنكر بعضهم مجيء الحوائج جمعاً لها وهو محجوج بوروده في الفصيح ، وفي التصريح باسمه عليه السلام إشعار بالتعطف والشفقة والترحم لأنه عليه السلام قد اشتهر بالحزن والرقة ، وجوز أن يكون ضمير { قَضَاهَا } للدخول على معنى أن ذلك الدخول قضى حاجة في نفس يعقوب عليه السلام وهي إرادته أن يكون دخولهم من أبواب متفرقة ، فالمعنى ما كان ذلك الدخول يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئاً لكن قضى حاجة حاصلة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته ، والاستثناء منقطع أيضاً ، وجملة { قَضَاهَا } صفة { حَاجَةً } وجوز أن يكون خبر { إِلا } لأنها بمعنى لكن وهي يكون لها اسم وخبر فإذا أولت بها فقد يقدر خبرها وقد يصرح به كما نقله القطب .

(9/78)