صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

: إن المروءة والسماحة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
فإن وقوع العذاب في اليوم كوجود الأوصاف في القبة ، وجعل اليوم محيطاً بالمعذب كضب القبة على الممدوح فكما أن هذا كناية عن ثبوت تلك الأوصاف له كذلك ذاك كناية عن ثبوت أنواع العذاب للمعذب ، وأما وصف العذاب بالإحاطة ففيه استعارة إحاطته لاشتماله على المعذب فكما أن المحيط لا يفوته شيء من أجزاء المحاط لا يفوت العذاب شيء من أجزاء المعذب ، وهذه الاستعارة تفيد أن العذاب لكل المعذب؛ وتلك الكناية تفيد أن كل العذاب له ، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت في الأبلغية ، وجوز أن يكون { مُحِيطٌ } نعتاً لعذاب وجر للجوار ، وقيل : هو نعت ليوم جار على غير من هو له ، والتقدير عذاب يوم محيط عذابه وليس بشيء كما لا يخفى ، وأياً مّا كان فالمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال في الدنيا ، وأخرج ابن جرير . وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الخير برخص السعر . والعذاب بغلائه .

(8/330)


وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)

{ وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان } أي أتموهما ، وفائدة التصريح بذلك مع أن الانتهاء المطلوب من النهي السابق لا يتحقق بدون الاتمام فيكون مطلوباً تبعاً ، وهذا مسلم على المذاهب جعل النهي عن الشيء عين الأمر بالضد أو مستلزماً له تضمناً أو التزاماً لأن الخلاف في مقتضى اللفظ لا أن التحريم أو الوجوب ينفك عن مقابلة الضد غير واحدة النعي بما كانوا عليه من القبيح وهو النقص مبالغة في الكف ، ثم الأمر بالصد مبالغة في الترغيب وإشعاراً بأنه مطلوب أصالة وتبعاً مع الأشعار بتبعية الكف عكسا ، وتقييده بقوله سبحانه : { بالقسط } أي بالعدل من غير زيادة ولا نقصان ، ثم إدماج أن المطلوب من الاتمام العدل ، ولهذا قد يكون الفضل محرماً كما في الربويات ، وإلى هذا يشير كلام الزمخشري ، وظاهره حمل المكيال والميزان على ما يكال ويوزن ، وحملهما بعضهم في الموضعين على الآلتين المعروفتين ، وفسر القسط بما ذكرنا ثم قال : إن الزيادة في الكيل والوزن وإن كانت تفضلاً مندوباً إليه لكنها في الآلة محظورة كالنفص . فلعل الزائد للاستعمال عن الاكتيال والناقص للاستعمال عند الكيل .
وفائدة الأمر بتسوية الآلتين وتعديلهما بعد النهي عن نقصهما المبالغة في الحمل على الإيفاء والمنع والبخس ، والتنبيه على أنه لا يكفيهم مجرد الكف عن النقص والبخس بل يجب عليهم إصلاح ما أفسدوه وجعلوه معياراً لظلمهم وقانوناً لعدوانهم ، وفيه حمل اللفظ على المتبادر منه ، فإن الحمل على المعنى الآخر مجاز كما أشرنا إليه ، وادعى الفاضل الجلبي أن هذا الأمر بعد النهي السابق ليس من باب التكرار في شيء ، فقال : إن النهي قد كان عن نقص حجم المكيال وصنجات الميزان ، والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقهما بأن لا ينقص في الكيل والوزن ، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال والميزات للمعهود فلا تكرار كيف ولو كان تكريراً للتأكيد والمبالغة لم يكن موضع الواو لكمال الاتصال بين الجملتين انتهى .
وتعقب بأن حمل هذين اللفظين وقد تكررا في أحد الموضعين على أحد معنيين متغايرين خلاف الظاهر ، وأن في التكرار من الفوائد ما جعله أقوى من التأسيس فلا ينبغي الهرب منه ، وأما العطف فلأن اختلاف المقاصد في ذينك المتعاطفين جعلهما كالمتغايرين فحسن لذلك ، وقد صرح به أهل المعاني في قوله سبحانه : { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } [ إبراهيم : 6 ] انتهى .
وفي ورود ما تعقب به أولاً تأمل فتأمل ، وقوله تعالى : { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } يحتمل أن يكون تعميماً بعد تخصيص فإنه يشمل الجودة والرداءة وغير المكيل والموزون أيضاً فهو تذييل وتتميم لما تقدم ، وكذا قوله سبحانه : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض مُفْسِدِينَ } فإن العثى يعم تنقيص الحقوق وغيره لأنه عبارة عن مطلق الفساد ، وفعله من باب رمي .

(8/331)


وسعي . ورضى ، وجاء واوياً . ويائياً ، ويحتمل أن يكون نهياً عن بخس المكيل والموزون بعد النهي عن نقص المعيار والأمر بإيفائه أي لا تنقصوا الناس بسبب نقص المكيال والميزان وعدم اعتدالهما أشياءهم التي يشترونها بهما ، والتصريح بهذا انلهي بعد ما علم في ضمن النهي ، والأمرين السابقين للاهتمام بشأنه والترغيب في إيفاء الحقوق بعد الترهيب والزجر عن نقصها ، وإلى كل من الاحتمالين ذهب بعض ، وهو مبني على ما علمت من الاختلاف السابق في تفسير ما سبق ، وقيل : المراد بالبخس المكس كأخذ العشور على نحو ما يفعل اليوم ، و العثى السرقة وقطع الطريق والغارة ، و { مُفْسِدِينَ } حال من ضمير { تَعْثَوْاْ } ، وفائدة ذلك إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعل الخضر عليه السلام من قتل الغلام . وخرق السفينة فهو حال مؤسسة ، وقيل : ليس الفائدة الاخراج المذكور فإن المعنى لا تعثوا في الأرض بتنقيص الحقوق مثلاً مفسدين مصالح دينكم وأمر آخرتكم ومآل ذلك على ما قيل : إلى تعليل النهي كأنه قيل : لا تفسدوا في الأرض فإنه مفسد لدينكم وآخرتكم .

(8/332)


بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)

{ بَقِيَّتُ الله } قال ابن عباس : أي ما أبقاه سبحانه من الحلال بعد الإيفاء { خَيْرٌ لَّكُمْ } مما تجمعون بالبخس . فإن ذلك هباء منثور بل هو شر محض وإن زعمتم أنه خير { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي بشرط أن تؤمنوا إذ مع الكفر لا خير في شيء أصلاً ، أو إن كنتم مصدقين بي في مقالتي لكم ، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه فسر البقية بالرزق .
وقال الربيع هي وصيته تعالى ، وقال مقاتل : ثوابه في الآخرة ، وقال الفراء : مراقبته عز وجل ، وقال قتادة : ذخيرته ، وقال الحسن : فرائضه سبحانه .
وزعم ابن عطية أن كل هذا لا يعطيه لفظ الآية وإنما معناه الإبقاء وهو مأخوذ مما روي عن ابن جريج أنه قال : المعنى إبقاء الله تعالى النعيم عليكم خير لكم مما يحصل من النقص بالتطفيف ، وأياً مّا كان فجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله على ما ذهب إليه جمهور البصريين وهو الصحيح ، وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة { بَقِيَّتُ } بتخفيف الياء قال ابن عطية : وهي لغة ، قال أبو حيان : إن حق وصف فعل اللازم أن يكون على وزن فاعل نحو شجيت المرأة فهي شجية فإذا شددت الياء كان على وزن فعيل للمبالغة ، وقرأ الحسن تقية الله بالتاء والمراد تقواه سبحانه ومراقبته الصارفة عن المعاصي { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أحفظكم من القبائح . أو أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم بها وإنما أنا ناصح مبلغ وقد أعذرت إذ أنذرت ولم آل جهداً . وأو ما أنا بحافظ عليكم نعم الله تعالى لو لم تتركوا سوء صنيعكم .

(8/333)


قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)

{ قَالُواْ ياشعيب أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } من الأصنام أجابوا بذلك أمره عليه السلام إياهم بعبادة الله تعالى وحده المتضمن لنهيهم عن عبادة الأصنام وغرضهم منه إنكار الوحي الآملا لكنهم بالغوا في ذلك إلى حيث أنكروا أن يكون هناك آمر من العقل وزعموا أن ذلك من أحكام الوسوسة والجنون قاتلهم الله أني يؤفكون ، وعلى هذا بنوا استفهامهم وأخرجوا كلامهم وقالوا بطريق الاستهزاء : { *أصلاتك } التي هي من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين تأمرك بأن نترك ما استمر على عبادته آباؤنا جيلاً بعد جيل من الأوثان والتماثيل . وإنما جعلوه عليه السلام لم يكن يأمرهم من تلقاء نفسه بل من جهة الوحي وأنه كان يعلمهم بأنه مأمور بتبليغه إليهم ، وتخصيصهم إسناد الأمر إلى الصلاة من بين سائر أحكام النبوة لأنه عليه السلام كان كثير الصلاة معروفاً بذلك ، بل أخرج ابن عساكر عن الأحنف أنه عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكوم فكانت هي من بين شعائر الدين ضحكة لهم ، وقيل : إن ذلك لأنه عليه السلام كان يصلي ويقول لهم : إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر ، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإلى الأول ذهب غير واحد ، وهذا الإسناد حقيقي لا مجازي غاية ما في الباب أنهم قصدوا الحقيقة تهكماً ، واختيار المضارع ليدل على العموم بحسب الزمان ، وقوله سبحانه : { تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ } على تقدير بتكليف أن نترك فحذف المضاف وهو تكليف ، فدخل الجار على { ءانٍ } ثم حذف وحذفه قبلها مطرد ، وعرف التخاطب في مثله يقتضي ذلك ، وقيل : إن الداعي إليه أن الشخص لا يكلف بفعل غيره لأنه غير مقدور له أصلاً ، وقيل : لا تقدير ، والمعنى أصلاتك تأمرك بما ليس في وسعك وعهدتك من أفاعيل غيرك وغرضهم من ذلك التعريض بركاكة رأيه وحاشاه عليه السلام ، والاستهزاء به من تلك الجهة ، وتعقب بأنه يأباه دخول الهمزة على الصلاة دون الأمر ، ويستدعي أن يصدر عنه عليه السلام في أثناء الدعوة ما يدل على ذلك أو يوهمه ، وأني ذلك؟ فتأمل ، وقرأ أكثر السبعة أصلواتك بالجمع ، وأمر الجمع بين القراءتين سهل ، وقوله تعالى : { أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى * أموالنا *مَا نَشَؤُا } أجابوا به أمره عليه السلام بإيفاء الحقوق ونهيه عن البخس والنقص وهو عطف على { مَا } وأو بمعنى الواو أي وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا من التطفيف وغيره ، ولا يصح عطفه على { أَن نَّتْرُكَ } لاستحالة المعنى إذ يصير حينئذ تأمرك بفعلنا في أموالنا ما نشاء من التطفيف وغيره وهم منهيون عن ذلك لا مأمورون به ، وحمل { مَا } على ما أشرنا إليه هو الظاهر ، وقيل : كانوا يقرضون الدراهم والدنانير ويجرونها مع الصحيحة على جهة التدليس فنهوا عن ذلك فقالوا ما قالوا ، وروي هذا عن محمد بن كعب ، وأدخل بعضهم ذلك الفعل في العثى في الأرض فيكون انلهي عنه نهياً عنه .

(8/334)


ولا مانع من اندراجه في عموم { مَا } ، وقرأ الضحاك بن قيس . وابن أبي عبلة . وزيد بن علي بالتاء في الفعلين على الخطاب فعالعطف على مفعول { تَأْمُرُكَ } أي أصلاتك تأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء أي من إيفاء المكيال والميزان كما هو الظاهر ، وقيل : من الزكاة ، فقد كان عليه السلام يأمرهم بها كما روي عن سفيان الثوري ، قيل : وفي الآية على هذا مع حمل الصلاة على ما يتبادر منها دليل على أنه كان في شريعته عليه السلام صلاة وزكاة ، وأيد بما روي عن الحسن أنه قال : لم يبعث الله تعالى نبياً إلا فرض عليه الصلاة والزكاة ، وأنت تعلم أن حمل { مَا * تَشَاء } على الزكاة غير متعين بل هو خلاف ظاهر السوق ، وحمل الصلاة على ذلك وإن كان ظاهراً إلا أنه روى ابن المنذر . وغيره عن الأعمش تفسيرها بالقراءة ، ونقل عن غيره تفسيرها بالدعاء الذي هو المعنى اللغوي لها .
وعن أبي مسلم تفسيرها بالدين لأنها من أجل أموره ، وعلى تقدير أن يراد منها الصلاة بالمعنى الآخر لا تدل الآية على أكثر من أن يكون له عليه السلام صلاة ، ولا تدل على أنها من الأمور المكلف بها أحد من أمته فيمكن أن يكون ذلك من خصوصياته عليه السلام ، وما وري عن الحسن ليس نصاً في الغرض كما لا يخفى ، هذا وجوز أن يكون العطف على هذه القراءة على { مَا } وتعقب بأنه يستدعي أن يحمل الترك على معنيين مختلفين ولا يترك على ما يتبادر منه .
وقرأ أبو عبد الرحمن . وطلحة بالنون في الأول والتاء في الثاني ، والعطف على مفعول { تَأْمُرُكَ } والمعنى ظاهر مما تقدم { إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد } وصفوه عليه السلام بهذين الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التهكمية ، فالمراد بهما ضد معناهما ، وهذا هو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإليه ذهب قتادة . والمبرد .
وجوز أن يكونوا وصفوه بذلك بناءاً على الزعم ، والجملة تعليل لما سبق من استبعاد ما ذكروه كأنهم قالوا : كيف تكلفنا بما تكلفنا مع أنك أنت الحليم الرشيد بزعمك؛ وقيل : يجوز أن يكون تعليلاً باقياً على ظاهره بناءاً على أنه عليه السلام كان موصوفاً عندهم بالحلم والرشد ، وكان ذلك بزعمهم مانعاً من صدور ما صدر منه عليه السلام ، ورجح الأول بأنه الأنسب بما قبله لأنه تهكم أيضاً ، ورجح الأخير بأنه يكون الكلام عليه نظير ما مر في قصة صالح عليه السلام من قوله له : { قَدْ كَانَتْ * فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا } [ هود : 62 ] وتعقيبه بمثل ما عقب به ذلك حسبما تضمنه قوله سبحانه :

(8/335)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)

{ قَالَ ياقوم أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةً } حجة ظاهرة { مّن رَّبّى } ومالك أموري { وَرَزَقَنِى مِنْهُ } من لدنه سبحانه { رِزْقًا حَسَنًا } هو النبوة والحكمة يدل على ذلك ، والجواب عليه من باب إرخاء العنان . والكلام المنصف كأنه عليه السلام قال : صدقتم فيما قلتم إني لم أزل مرشداً لكم حليماً فيما بينكم لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد والنصيحة بكم ، أنظروا بعين الانصاف وأنتم ألباء إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وكنت نبياً على الحقيقة أيصح لي وأنا مرشدكم والناصح لكم أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ ثم إنه عليه السلام أكد معنى الإرشاد ، وأدرج معنى الحلم فيما سيأتي من كلامه صلى الله عليه وسلم كذا قرره العلامة الطيبي .
واختار شيخ الإسلام عدم كونه باقياً على الظاهر لما أن مقام الاستهزاء آب عنه ، وذكر قدس سره أن المراد بالبينة والرزق الحسن النبوة والحكمة ، وأن التعبير عنهما بذلك للتنبيه على أنهما مع كونهما بينة رزق حسن كيف لا وذلك مناط الحياة الأبدية له عليه السلام ولأمته؟ وأن هذا الكلام منه عليه السلام رد على مقالتهم الشنعاء المتضمنة زعم عدم استناد أمره ونهيه إلى سند ، ثم قال : وجواب الشرط محذوف يدل عليه فحوى الكلام أي أتقولون . والمعنى أنكم عددتم ما صدر عني من الأوامر والنواهي من قبيل ما لا يصح أن يتفوه به عاقبل وجعلتموه من أحكام الوسوسة والجنون واستهزأتم بي وبأفعالي وقلتم ، فأخبروني إن كنت من جهة ربي ومالك أموري ثابتاً على النبوة والحكمة التي ليس وراءها غاية للكمال ولا مطمح لطامح ورزقني لذلك رزقاً حسناً أتقولون في شأني وشأن أفعالي ما تقولون مما لا خير فيه ولا شر وراءه؟ا وادّعى أن هذا هو الجواب الذي يستدعيه السياق ويساعده النظم الكريم .
وفسر القاضي الرزق الحسن بما آتاه الله تعالى من المال الحلال ، ومعنى كون ذلك منه تعالى أنه من عنده سبحانه وباعانته بلا كد في تحصيله ، وقدر جواب الشرط فهل يسع لي مع هذا الانعام الجامع للسعادة الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه ، وذكر أن هذا الكلام منه عليه السلاماعتذارا عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء ، وقدر بعضهم ما قدره العلامة الطيبي .
وزعم شيخ الإسلام أن ذينك التقديرين بمعزل عما يستدعيه السياق ، وأنهما إنما يناسبان إن حمل كلامهم على الحقيقة؛ وأريد بالصلاة الدين حسبما نقل عن أبي مسلم . وعطاء ، ويكون المراد بالرزق الحسن على ذلك ما آتاه الله تعالى من الحلال فقط كما روي عن الضحاك .

(8/336)


ويكون المعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى ورزقني مالاً حلالاً أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره أو أوافقكم فيما تأتون وما تذرون انتهى .
وأقول : لا يخفى أن المناسب للمقام حمل الرزق الحسن على ما آتاه الله تعالى من الحلال الخالي عن التطفيف والبخس ، وتقدير جواب الشرط نحو ما قدره القاضي ليس في الكلام ما يأبى عنه ، ولا يتوقف على حمل الكلام على الحقيقة والصلاة على الدين بل يتأتى تقدير ذلك ، ولو كان الكلام على سبيل التهكم والصلاة بالمعنى المتابدر بأن يقال : إنهم قاتلهم الله تعالى لما قالوا في ظلال الضلال وقالوا ما قالوا في حق نبيهم وما صدر منه من الأفعال لم يكن لهم مقصود إلا ترك الدعوة وتركهم وما يفعلون ، ولم يتعرض عليه السلام صريحاً لرد قولهم المتضمن لرميه وحاشاه بالوسوسة . والجنون . والسفه . والغواية إيذاناً بأن ذلك مما لا يستحق جواباً لظهور بطلانه وتعرض لجوابهم عما قصدوه بكلامهم ذلك بما يكون فيه قطع أطماعهم من أول الأمر مع الإشارة إلى رد ما تضمنته مقالتهم الشنعاء فكأنه عليه السلام قال لهم : يا قوم إنكم اجترأتم على هذه المقالة الشنيعة وضمنتموها ما هو ظاهر البطلان لقصد أن أترككم وشأنكم من عبادة الأوثان ونقص المكيال والميزان فأخبروني إن كنت نبياً من عند الله تعالى ومستتنيا بما رزقني من المال الحلال عنكم وعن غيركم أيصح أن أخالف وحيه وأوافق هواكم لا يكون ذلك من أصلا فإذن لا فائدة لكم في هذا الكلام الشنيع ، وربما يقال : إن في هذا الجواب إشارة إلى وصفهم بنحو ما وصفوه به عليه السلام كأنه قال : إن طلبكم مني ترك الدعوة وموافقة الهوى مع أني مأمور بدعوتكم وغنى عنكم مما لا يصدر عن عاقل ولا يرتكبه إلا سفيه غاو ، وكأن التعرض لذكر الرزق مع الكون على بينة للإشارة إلى وجود المقتضى وارتفاع ما يظن مانعاً ، ولا يخفى ما في إخراج الجواب على هذا الوجه من الحسن فتأمل .
بقي أن الذي ذكره النحاة على ما قال أبو حيان في مثل هذا الكلام أعني { أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ } الخ أن تقدر الجملة الاستفهامية على أنها في موضع المفعول الثاني لأرأيتم المتضمنة معنى أخبروني المتعدية إلى مفعولين والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية ، وجواب الشرط ما يدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها ، والتقدير إن كنت على بينة من ربي فأخبروني هل يسع لي الخ فافهم ولا تغفل { وَمَا أُرِيدُ } بنهي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف { أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ } أي أقصده بعد ما وليتم عنه فأستبد به دونكم كما هو شأن بعض الناس في المنع عن بعض الأمور يقال : خالفني فلأن إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه ، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده .

(8/337)


قال في البحر : والظاهر على ما ذكروه أن { أَنْ أُخَالِفَكُمْ } في موضع المفعول به لأريد أي وما أريد مخلفتكم ، ويكون خالف بمعنى خلف نحو جاوز وجاز ، ويكون المعنى وما أريد أن أكون خلفاً منكم ، و { إلى } متعلقة بأخالف أو بمحذوف أي مائلاً إلى ما أنهاكم عنه ، وقيل : في الكلام فعل محذوف معطوف على المذكور أي وأميل إلى الخ ، ويجوز أن يبقى أخالف على ظاهره من املخالفة ، ويكون { ءانٍ } وما بعدها في موضع المفعول به لأريد ويقدر مائلاً إلى كما تقدم ، أو يكون { ءانٍ } وما بعدها في موضع المفعول له ، و { إلى مَا } متعلقاً بأريد أي وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه ، وقال الزجاج في معنى ذلك : أي ما أقد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه { إِنْ أُرِيدُ } أي ما أريد بما أقول لكم { إِلاَّ الإصلاح } أي إلا أن أصلحكم بالنصيحة والموعظة { مَا استطعت } أي مدة استطاعتي ذلك وتمكني منه لا آلو فيه جهداً فما مصدرية ظرفية .
وجوز فيها أن تكون موصولة بدلاً من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته أو { إِلاَّ الإصلاح } إصلاح ما استطعت ، وهي إما بدل بعض أو كل لأن المتبادر من الإصلاح ما يقدر عليه ، وقيل : بدل اشتمال ، وعليه وعلى الأول يقدر ضمير أي منه لأنه في مثل ذلك لا بد منه؛ وجوز أيضاً أن تكون مفعولاً به للمصدر المذكور كقوله
: ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل
أي ما أريد إلا أن أصلح ما استذعت إصلاحه من فاسدكم ، والأبلغ الأظهر ما قدمناه لأن في احتمال البدلية إضماراً وفوات المبالغة؛ وفي الاحتمال الأخير إعمال المصدر المعروف في المفعول به ، وفيه مع أنه لا يجوز عند الكوفيين . ويقل عند البصريين فواتها ، وزيادة إضمار مفعول { استطعت } { وَمَا تَوْفِيقِى } أي ما كوني موفقاً لتحقيق ما أتوخاه من إصلاحكم { إِلاَّ بالله } أي بتأييده سبحانه ومعونته .
واختار بعضهم أن يكون المراد وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته تعالى ومعونته والظاهر أن المراد وما كل فرد من أفراد توفيقي لما صرحوا به من أن المصدر المضاف من صيغ العموم ، ويؤول إلى هذا ما قيل : إن المعنى ما جنس توفيقي لأن انحصار الجنس يقتضي انحصار أفراده لكن على الأول بطريق المفهوم . وعلى الثاني بطريق المنطوق ، وتقدير المضاف بعد الباء مما التزمه كثير ، وفيه على ما قيل : دفع الاستشكال بأن فاعل التوفيق هو الله تعالى ، وأهل العربية يستقبحون نسبة الفعل إلى الفاعل بالباء لأنها تدخل على الآلة فلا يحسن ضربي بزيد ، وإنما يقال : من زيد ، فالاستعمال الفصيح بناءاً على هذا وما توفيقي إلا من عند الله ووجه الدفع بذلك التقدير ظاهر لأن الدخول ليس على الفاعل حينئذ .

(8/338)


وجوز أن يكون ذلك التقدير لما أن التوفيق وهو كون فعل العبد موافقاً لما يحبه الله تعالى ويرضاه لا يكون إلا بدلالة الله تعالى عليه ، ومجرد الدلالة لا يجدي بدون المعونة منه عز شأنه { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في ذلك ، أو في جميع أمور لا على غيره فإنه سبحانه القادر المتمكن من كل شيء ، وغيره سبحانه عاجز في حد ذاته بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار كما أشار إليه الكتاب وعاينه أولو البصائر والألباب { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أي أرجع فيما أنا بصدده ، أو أقبل بشراشرى في مجامع أموري لا إلى غيره ، والجملة معطوفة على ما قبلها ، وكأن إيثار صيغة الاستقبال فيها على الماضي الأنسب للتقرر والتحقق كما في التوكل لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار ، ولا يخفى ما في جوابه عليه السلام مما لا يكاد يوجد في كلام خطيب إلا أن يكون نبياً .
وفي أنوار التنزيل أن لأجوبته عليه السلام الثلاثة يعني { يَسْتَقْدِمُونَ قُلْ أَرَءيْتُمْ } الخ { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ } الخ و { إِنْ أُرِيدُ } الخ على هذا النسق شأناً ، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعى في كل ما يأته ويذره ثلاثة حقوق أهمها وأعلاها حق الله تعالى ، فإن الجواب الأول : متضمن بيان حق الله تعالى من شكر نعمته والاجتهاد في خدمته . وثانيها : حق النفس ، فإن الجواب الثاني متضمن بيان حق نفسه من كفها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره . وثالثها : حق الناس فإن الجواب الثالث متضمن للإشارة إلى أن حق الغير عليه إصلاحه وإرشاده؛ وإنما لم يعطف قوله : { إِنْ أُرِيدُ } الخ على ما قبله لكونه مؤكداً ومقرراً له لأنه لو أراد الاستئثار بما نهى عنه لم يكن مريداً للإصلاح ، ولا ينافي هذا كونه متضمناً لجواب آخر ، وكأن قوله : { وَمَا تَوْفِيقِى } الخ إزاحة لما عسى أن يوهمه إسناد الاستطاعة إليه بإرادته من استبداده بذلك ، ونظير ذلك { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] وفيه مع ما بعده إشارة إلى محض التوحيد ، وقال غير واحد : إنه قد اشتمل كلامه عليه السلام على مراعاة لطف المراجعة ورفق الاستنزال والمحافظة على حسن المجاراة والمحاورة ، وتمهيد معاقد الحق بطلب التوفيق من جانبه تعالى والاستعانة به عز شأنه في أموره وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم ، قيل : وفيه أيضاً تهديدهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء ، وذلك من قوله : { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } لأن الرجوع إليه سبحانه يكنى به عن الجزاء وهو وإن كان هنا مخصوصاً به لاقتضاء المقام له لكنه لا فرق فيه بينه وبين غيره ، وفيه مع خفاء وجه الإشارة أن الإنابة إنما هي الرجوع الاختياري بالفعل إليه سبحانه لا الرجوع الاضطراري للجزاء وما يعمه ، وقد يقال : إن في قوله : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } إشارة أيضاً إلى تهديدهم لأنه عز وجل الكافي المعين لمن توكل عليه لكن لا يتعين أن يكون ذلك تهديداً بالجزاء يوم القيامة .

(8/339)


وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)

{ وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } أي لا يكسبنكم { شِقَاقِى } أي معاداتي ، وأصلها أن أحد المتعادين يكون في عدوة وشق . والآخر في آخر ، وروي هذا عن السدي ، وعن الحسن ضراري ، وعن بعض فراقي ، والكل متقارب ، وهو فاعل يجرمنكم والكاف مفعوله الأول ، وقوله سبحانه : { أَن يُصِيبَكُمُ } مفعوله الثاني ، وقد جاء تعدى جرم إلى مفعولين كما جاء تعديها لواحد وهي مثل كسب في ذلك ، ومن الأول قوله
: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... ( جرمت ) فزارة بعدها أن يغضبوا
وإضافة شقاق إلى ياء المتكلم من إضافة المصدر إلى مفعوله أي لا يكسبنكم شقاقكم إياي أن يصيبكم { مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ } من الغرق { أَوْ قَوْمَ هُودٍ } من الريح { أَوْ قَوْمَ صالح } من الرجفة والصيحة ، ونهى الشقاق مجاز أو كناية عن نهيهم وهو أبلغ من توجيه النهي إليهم لأنه إذا نهى وهو لا يعقل علم نهي المشاقين بالطريق الأولى ، وقرأ ابن وثاب . والأعمش { يَجْرِمَنَّكُمْ } بضم الياء ، وحكى أيضاً عن ابن كثير وهو حينئذٍ من أجرمته ذنباً إذا جعلته جارماً له أي كاسباً ، والهمزة للنقل من جرم المتعدي إلى مفعول واحد ، ونظيره في النقل كذلك كسب المال فإنه قال فيه أكسبه المال والقراءتان سواء في المعنى إلا أن المشهور جارية على ما هو الأكثر استعمالاً في كلام الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم ، وقرأ مجاهد والجحدري . وابن أبي إسحاق { مَثَلُ } بالفتح ، وروي ذلك عن نافع ، وخرجه جمع على أن { مَثَلُ } فاعل أيضاً إلا أنه بني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن ، وقد جوز فيه . وكذا في غير مع ما . وأن المخففة . والمشددة ذلك كالظروف المضافة للمبنى ، وعلى هذا جاء قوله
: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أو قال
وبعض على أنه نعت لمصدر محذوف والفتحة إعراب أي إصابة مثل إصابة قوم نوح ، وفاعل { يُصِيبَكُمُ } ضمير مستتر يعود على العذاب المفهوم من السياق وفيه تكلف { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } زماناً كما روي عن قتادة . أو مكاناً كما روي عن غيره ومراده عليه السلام أنكم إن لم تعتبروا بمن قبل لقدم عهد أو بعد مكان فاعتبروا بهؤلاء فإنهم بمرأى ومسمع منكم وكأنه إنما غير أسلوب التحذير بهم واكتفى بذكر قربهم إيذاناً بأن ذلك مغن عن ذكر ما أصابهم لشهرة كونه منظوماً في سمط ما ذكر من دواهي الأمم المرقومة ، وجوز أن يراد بالبعد البعد المعنوي أي ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوىء ، فاحذروا أن يحل بكم ما حل بهم من العذاب ، وقد أخذ هذا المعنى بعض المتأخرين فقال

(8/340)


: فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم ... فما قوم لوط منكم ببعيد
وإفراد { بَعِيدٍ } وتذكيره مع كون المخبر عنه وهو قوم اسم جمع ، ومؤنثاً لفظاً على ما نص عليه الزمخشري ، واستدل له بتصغيره على قويمة وذلك يقتضي أن يقال : ببعيدة موافقة للفظ وببعداء موافقة للمعنى لأن المراد ، وما إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد ، أو وما هم في زمان بعيد أو مكان بعيد ، وجوز أن يكون ذلك لأنه يستوي في بعيد المذكر والمؤنث لكونه على زنة المصادر كالنهيق . والصهيل .
وفي «الكشف» عن الجوهري أن القوم يذكر ويؤنث لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل رهط . ونفر . وقوم وإذا صغرت لم تدخل فيه الهاء ، وقلت : قويم . ورهيط ونفير ، ودخل الهاء فيما يكون لغير الآدميين مثل الإبل . والغنم لأن التأنيث لازم وبينه وبين ما نقل عن الزمخشري بون بعيد ، وعليه فلا حاجة إلى التأويل ، هذا ثم إنه عليه السلام لما أنذرهم سوء عاقبة صنيعهم عقبة طمعاً في اروعائهم عما هم فيه من الضلال بالحمل على الاستغفار والتوبة فقال :

(8/341)


وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)

{ واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } مر تفسير مثله { إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ } عظيم الرحمة فيرحم من يطلب منه المغفرة { وَدُودٌ } أي كثير الود والمحبة فيحب من يتوب ويرجع إليه ، والمشهور جعل الودود مجازاً باعتبار الغاية أي مبالغ في فعل ما يفعل البليغ المودة بمن يوده من اللطف والإحسان .
/ وجوز أن يكون كناية عند من لم يشترط إمكان المعنى الأصلي ، والداعي لارتكاب المجاز أو الكناية على ما قيل : إن المودة بمعنى الميل القلب وهو ممالا يصح وصفه تعالى به ، والسلفي يقول : المودة فينا الميل المذكور ، وفيه سبحانه وراء ذلك مما يليق بجلال ذاته جل جلاله ، وقيل : معنى { وَدُودٌ } متحبب إلى عباده بالإحسان إليهم ، وقل : محبوب المؤمنين ، وتفسيره هنا بما تقدم أولى ، والجملة في موضع التعليل للأمر السابق ولم يعتبر الأكثر ما أشرنا إليه من نحو التوزيع ، فقال : عظيم الرحمة للتائبين مبالغ في اللطف والإحسان بهم ، وهو مما لا بأس به .

(8/342)


قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)

{ قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } أي ما نفهم ذلك كأنهم جعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ وأنواع العلوم والمعارف إذ ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل ولم يجدوا إلى محاورته عليه السلام سبيلاً من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يفهم معناه ولا يدرك فحواه ، وقيل : قالوا ذلك استهانة به عليه السلام كما يقول الرجل لمن لا يعبأ به : لا أدري ما تقول ، وليس فيه كثير مغايرة للأول ، ويحتمل أن يكون ذلك لعدم توجههم إلى سماع كلامه عليه السلام لمزيد نفرتهم عنه أو لغباوتهم وقصور عقولهم ، قيل : وقولهم { كَثِيراً } للفرار عن المكابرة ولا يصح أن راد به الكل وإن ورد في اللغة لأن مما تقول يأبى ذلك كما أن { كَثِيراً } نفسه يأبى حمل كلامهم هذا على أنه كناية عن عدم القبول ، وزعم بعضهم أنهم إنما لم يفقهوا كثيراً مما يقول لأنه عليه السلام كان ألثغ ، وأظن أنه لم يفصح بذلك خبر صحيح على أن ظاهر ما جاء من وصفه عليه السلام بأنه خطيب الأنبياء يأبى ذلك . ولعل صيغة المضارع للإيذان بالاستمرار { وَأَنَا * لِنُرِيَكَ * فِينَا } أي فيما بيننا { ضَعِيفاً } لا قوة لك ولا قدرة على شيء من الضر والنفع والإيقاع والدفع .
وروي عن ابن عباس . وابن جبير . وسفيان الثوري . وأبي صالح تفسير الضعيف بالأعمى وهي لغة أهل اليمن ، وذلك كما يطلقون عليه ضريراً وهو من باب الكناية على ما نص عليه البعض ، وإطلاق البصير عليه كما هو شائع من باب الاستعارة تمليحاً ، وضعف هذا التفسير بأن التقييد بقولهم : فينا بصر لغواً لأن من كان أعمى يكون أعمى فيهم وفي غيرهم وإرادة لازمة وهي الضعف بين من ينصره ويعاديه لا يخفى تكلفه ، ومن هنا قال الإمام : جوز بعض أصحابنا العمى على الأنبياء عليهم السلام لكن لا يحسن الحمل عليه هنا ، وأنت تعلم أن المصحح عند أهل السنة أن الأنبياء عليهم السلام ليس فيهم أعمى ، وما حكاه الله تعالى عن يعقوب عليه السلام كان أمراً عارضاً وذهب .
والأخبار المروية عمن ذكرنا في شعيب عليه السلام لم نقف على تصحيح لها سوى ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فإن الحاكم صحح بعض طرقه لكن تصحيح الحاكم كتضعيف ابن الجوزي غير معول عليه ، وربما يقال فيه نحو ما قيل في يعقوب عليه السلام ، فقد أخرج الواحدي . وابن عساكر عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بكى شعيب عليه السلام من حب الله تعالى حتى عمي فرد الله تعالى عليه بصره وأوحى إليه يا شعيب ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار ، فقال : لا ولكن اعتقدت حبك بقلبي فإذا نظرت إليك فلا أبالي ما الذي تصنع بي ، فأوحى الله تعالى إليه يا شعيب إن يكن ذلك حقاً فهنيئاً لك لقائي يا شعيب لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي »

(8/343)


، وذهب بعض المعتزلة إلى أنه لا يجوز استنباء الأعمى لكونه صفة منفرة لعدم الاحتراز معه عن النجاسات ولأنه يخل بالقضاء والشهادة فإخلاله بمقام النبوة أولى ، وأجيب بأنا لا نسلم عدم الاحتراز معه عن النجاسات فإن كثيراً ممن نشاهده من العميان أكثر احترازاً عنها من غيره ، وبأن القاضي ، والشاهد يحتاجان إلى التمييز بين المدعي والمدعى عليه ، والنبي لا يحتاج لتمييز من يدعوه مع أنه معصوم فلا يخطىء كغيره كذا قيل ، فلينظر { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ } أي جماعتك قال الراغب : هم ما دون العشرة .
وقال الزمخشري : من الثلاثة إلى العشرة ، وقيل : إلى السبعة ، وقيل : بل يقال : إلى الأربعين ، ولا يقع فيما قل كالعصبة . والنفر إلا على الرجال ، ومثله الراهط . وجمعه أرهط . وجمع الجمع أراهط ، وأصله على ما نقل عن الرماني الشد ، ومنه الرهيط لشدة الأكل ، والراهطاء لحجر اليربوع لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده ، والظاهر أن مرادهم لولا مراعاة جانب رهطك { لرجمناك } أي لقتلناك برمي الأحجار ، وهو المروى عن ابن زيد ، وقيل : ذلك كناية عن نكاية القتل كأنهم قالوا : لقتلناك بأصعب وجه؛ وقال الطبري : أرادوا لسببناك كما في قوله تعالى : { لارْجُمَنَّكَ واهجرنى مَلِيّاً } [ مريم : 46 ] ، وقيل : لأبعدناك وأخرجناك من أرضنا ، ولم يجوزوا أن يكون المراد لولا ممانعة رهطك ومدافعتهم لأن ممانعة الرهط وهم عدد نزر لألوف مؤلفة مما لا يكاد يتوهم؛ ومعنى { وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } ما أنت بمكرم محترم حتى نمتنع من رجمك وإنما نكف عنك للمحافظة على حرمة رهطك الذين ثبتوا على ديننا ولم يختاروك علينا ، والجار الأول متعلق { بِعَزِيزٍ } وجاز لكون المعمول ظرفاً والباء مزيدة ، ولك أن تجعله متعلقاً بمحذوف يفسره الظاهر وهو خبر أنت ، وقد صرح السكاكي في المفتاح أنه قصد بتقدم هذا الضمر الذي هو فاعل معنوي وإن لم يكن الخبر فعلاً بل صفة مشبهة وإيلائه النفي الحصر والاختصاص أي اختصاص النفي بمعنى أن عدم العزة مقصور عليك لا يتجاوزك إلى رهطك لا بمعنى نفي الاختصاص بمعنى لست منفرداً بالعزة وهو ظاهر ، قاله العلامة الثاني ، وقال السيد السند : إنه قصد فيه نفي العزة عن شعيب عليه السلام وإثباتها لرهطه فيكون تخصيصاً للعزة بهم ويلزمه تخصيص عدمها به إلا أن المتبادر كما يشهد به الذوق السليم هو القصد إلى الأول ، واستدل السكاكي على كون ذلك للاختصاص بقوله عليه السلام في جواب هذا الكلام ما حكى بقوله عز شأنه :

(8/344)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)

{ قَالَ ياقوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله } أي من نبي الله على ما قال عليه الرحمة ، ووجه الاستدلال كما قال العلامة . وغيره : إنه لو لم يكن قصدهم اختصاصه بنفي العزة بل مجرد الإخبار بعدم عزته عليهم لم يستقم هذا الجواب ولم يكن مطابقاً لمقالهم إذ لا دلالة لنفي العزة عنه على ثبوتها للغير ، وإنما يدل على ذلك اختصاصه بنفي العزة .
واعترض صاحب الإيضاح بأن هذا من باب أنا عارف وهو لا يفيد الاختصاص وفاقاً وإنما يفيده التقديم على الفعل مثل أنا عرفت ، وكون المشتقات قريبة من الأفعال في التقوى لا يقتضي كونها كالأفعال في الاختصاص والتمسك بالجواب ضعيف لجواز أن يكون جواباً لقولهم : { لَوْلاَ * رَهْطُكَ لرجمناك } [ هود : 91 ] فإنه يدل على أن رهطه هم الأعزة حيث كان الامتناع عن رجمه بسببهم لا بسببه ومعلوم بحسب الحال والمقام أن ذلك لعزتهم لا لخوفهم ، وتعقبه السيد السند بأن صاحب الكشاف صرح بالتخصيص في قوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } [ المؤمنون : 100 ] فكيف يقال : باب أنا عارف لا يفيد الاختصاص اتفاقاً وإن جعله جواباً لما { أَنتَ عَلَيْهِمْ * بِعَزِيزٍ } هو الظاهر بأن يجعل التنوين للتعظيم فيدل على ثبوت أصل العزة له عليه السلام ولا دلالة لقولهم : { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك } [ هود : 91 ] على اشتراك العزة فلا يلائمه أرهطى أعز عليكم ، ثم قال : فإن قيل : شرط التخصيص عند السكاكي أن يكون المقدم بحيث إذا أخر كان فاعلاً معنوياً ولا يتصور ذلك فيما نحن فيه قلنا : إن الصفة بعد النفي تستقل مع فاعلها كلاماً فجاز أن يقال : ما عزيز أن على أن يكون أنت تأكيداً للمستتر ثم يقدم ويدخل الباء على { عَزِيزٌ } بعد تقديم { أَنتَ } وجعله مبتدأ . وكذلك قوله سبحانه : { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } [ هود : 29 ] { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [ الأنعام : 107 ] مما لي حرف النفي وكان الخبر صفة ، وقد صرح صاحب الكشاف . وغيره بإفادة التقديم الحصر في ذلك كله ، وأما صورة الإثبات نحو أنا عارف فلا يجري فيها ذلك فلا يفيد عنده تخصيصاً ، وإن كان مفيداً إياه عند من لا يشترط ذلك .
وأجاب صاحب الكشف عما قاله صاحب الإيضاح بعد نقل خلاصته : بأن ما فيه الخبر وصفاً كما يقارب ما فيه الخبر فعلاً في إفادة التقوى على ما سلمه المعترض يقاربه في إفادة الحصر لذلك الدليل بعينه ، وأن قولهم : { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك } [ هود : 91 ] كفى به دليلاً أن حق الكلام أن يفاد التخصيص لا أصل العز ففهمه من ذلك لا ينافي كونه جواباً لهذا الكلام بل يؤكده ، وقد صرح الزمخشري بإفادة نحو هذا التركيب الاحتمالين في أنها كلمة هو قائلها ، وقال العلامة الطيبي : إن قوله تعالى :

(8/345)


{ لَوْلاَ * رَهْطُكَ لرجمناك } [ هود : 91 ] وقوله سبحانه : { وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } [ هود : 91 ] من باب الطرد والعكس عناداً منهم فلا بد من دلالتي المنطوق ، والمفهوم في كل من اللفظين انتهى .
ويعلم من جميع ما ذكر ضعف اعتراض صاحب الإيضاح والعجب من العلامة حيث قال : إنه اعتراض قوي؛ وأشار السكاكي بتقدير المضاف إلى دفع الإشكال بأن كلامهم إنما وقع في شعيب عليه السلام وفي رهطه وأنهم هم الأعزة دونه من غير دلالة على أنهم أعز من الله تعالى .
وأجيب أضاً بأن تهاونهم بنبي الله تعالى تهاون به سبحانه فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله تعالى أو بأن المعنى أرهطى أعز عليكم من الله تعالى حتى كان امتناعكم عن رجمي بسبب انتسابي إليهم وأنهم رهطى لا بسبب انتسابي إلى الله تعالى وأني رسوله . ثم ما ذكره السيد قدس سره من جعل التنوين في عزيز للتعظيم وحينئذٍ يدل الكلام على ثبوت أصل العزة له عليه السلام فيلائمه أرهطى أعز؟ الخ صحيح في نفسه إلا أن ذلك بعيد جداً من حال القوم ، فإن الظاهر أنهم إنما قصدوا نفي العزة عنه عليه السلام مطلقاً وإثباتها لرهطه لا نفي العزة العظيمة عنه وإثباتها لهم ليدل الكلام على اشتراكهما في أصل العزة وزيادتها فيهم ، وذلك لأن العزة وإن لم تكن عظيمة تمنع من القتل بالحجارة الذي هو من أشر أنواع القتل ، ولا أظن إنكار ذلك إلا مكابرة ، وكأنه لهذا لم يعتبر مولانا أبو السعود عليه الرحمة جعل التنوين للتعظيم لتتأتى المشاركة فيظهر وجه إنكار الأعزية فاحتاج للكشف عن ذلك مع عدم المشاركة ، فقال : وإنما أنكر عليه السلام عليهم أعزية رهطه منه تعالى مع أن ما أثبتوه إنما هو مطلق عزة رهطه لا أعزيتهم منه عز وجل مع الاشتراك في أصل العزة لتثنية التقريع وتكرير التوبيخ حيث أنكر عليهم أولا ترجيح جنبة الرهط على جنبة الله تعالى . وثانياً نفي العزة بالمرة ، والمعنى أرهطي أعز عليكم من الله فإنه مما لا يكاد يصح ، والحال أنكم لم تجعلوا له تعالى حظاً من العزة أصلاً { واتخذتموه } بسبب عدم اعتدادكم بمن لا يرد ولا يصدر إلا بأمره { وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } شيئاً منبوذاً وراء الظهر منسياً انتهى .
وأنا أقول : قد ذكر الرضى أن المجرور بمن التفضيلية لا يخلو من مشاركة المفضل في المعنى إما تحقيقاً كما في زيد أحسن من عمرو أو تقديراً كقول علي كرم الله تعالى وجهه : لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان وذلك لأن إفطار يوم الشك الذي يمكن أن يكون من رمضان محبوب عند المخالف فقدره علي كرم الله تعالى وجهه محبوباً إلى نفسه أيضاً ، ثم فضل صوم شعبان عليه فكأنه قال : هب أنه محبوب عندي أيضاً أليس صوم يوم من شعبان أحب منه انتهى ، وما في الآية يمكن تخريجه على طرز الأخير فيكون إنكاره عليه السلام عليهم أعزية رهطه منه تعالى على تقدير أن يكون عز وجل عزيزاً عندهم أيضاً ، ويعلم من ذلك إنكار ما هم عليه بطريق الأولى ، وكأن هذا هو الداعي لاختيار هذا الأسلوب من الإنكار ، ووقوعه في الجواب لا يأبى ذلك ، وإن قيل بجواز خلو المجرور بمن من مشاركة المفضل وإرادة مجرد المبالغة من أفعل المقرون بها بناءاً على مجىء ذلك بقلة كما قال الجلال السيوطي في «همع الهوامع» نحو العسل أحلى من الخل .

(8/346)


والصيف أحر من الشتاء ، واعتمد هنا على قرينة السباق والسياق فالأمر واضح ، واستحسن كون قوله تعالى : { واتخذتموه } الخ اعتراضاً وفائدته تأكيدتها ونهم بالله تعالى ببيان أنهم قوم عادتهم أن لا يعبأوا بالله تعالى ويجعلوه كالشيء المنبوذ ، وجوز بعض كونه عطفاً على ما قبله على معنى أفضلتم رهطى على الله سبحانه وتهاونتم به تعالى ونسيتموه ولم تخشوا جزاءه عز وجل ، وقال غير واحد : إنه يحتمل أن يكون الغرض من قوله عليه السلام { أَرَهْطِى } الخ الرد والتكذيب لقومه فإنهم لما ادعوا أنهم لا يكفون عن رجمه عليه السلام لعزته بل لمراعاة جانب رهطه ردّ عليهم ذلك بأنكم ما قدرتم الله تعالى حق قدره ولم تراعوا جنابه القوي فكيف تراعون رهطى الأذلة ، وأياً مّا كان فضمير { *اتخذتموه } عائد إلى الله تعالى وهو الذي ذهب إليه جمهور المفسرين ، وروي عن ابن عباس . والحسن وغيرهما ، و الظهري منسوب إلى الظهر ، وأصله المرمي وراء الظهر ، والكسر من تغييرات النسب كما قالوا في النسبة إلى أمس : أمسي بالكسر . وإلى الدهر دهري بالضم ، ثم توسعوا فيه فاستعملوه للمنسي المتروك ، وذكروا أنه حتمل أن يكون في الكلام استعارة تصريحة وأن يكون استعارة تمثيلية .
وزعم بعضهم أن الضمير له تعالى ، و الظهري العون وما يتقوى به ، والجملة في موضع الحال ، والمعنى أفضلتم الرهط على الله تعالى ولم تراعوا حقه سبحانه . والحال أنكم تتخذونه سند ظهوركم وعماد آمالكم .
ونقل ابن عطية هذا المعنى عن جماعة ، وقيل : الظهري المنسي ، والضمير عائد على الشرع الذي جاء به شعيب عليه السلام وإن لم يذكر صريحاً ، وروي عن مجاهد أو على أمر الله ، ونقل عن الزجاج ، وقيل : الظهري بمعنى المعين ، والضمر لله تعالى ، وفي الكلام مضاف محذوف أي عصيانه والمعنى على ما قرره أبو حيان واتخذتم عصيانه تعالى عوناً وعدة لدفعي ، وقيل : لا حذف والضمير للعصيان وهو الذي يقتضيه كلام المبرد ، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الخروج عن الظاهر من غير فائدة ، ومما ينظم في سلكها تفسير العزيز بالملك زعماً أنهم كانوا يسمعون الملك عزيزاً على أن من له أدنى ذوق لا يكاد يسلم صحة ذلك فتفطن ، ونصب { وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } على أنه مفعول ثان لاتخذتموه والهاء مفعوله الأول ، و { وَرَائِكُمْ } ظرف له أو حال من { ظِهْرِيّاً } .
{ إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } تهديد عظيم لأولئك الكفرة الفجرة أي أنه سبحانه قد أحاط علماً بأعمالكم السيئة التي من جملتها رعايتكم جانب الرهط دون رعاية جنابه جل جلاله في فيجازيكم على ذلك
[ بم وكذا قوله :

(8/347)


وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)

{ وياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } أي غاية تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، وهو مصدر مكن يقال : مكن مكانة إذا تمكن أبلغ تمكن ، والميم على هذا أصلية ، وفي «البحر» يقال : المكان والمكانة مفعل ومفعلة من الكون والميم حينئذٍ زائدة ، وفسر ابن زيد المكانة بالحال يقال : على مكانتك ا فلان إذا أمرته أن يثبت على حاله كأنك قلت : اثبت على حالك التي أنت عليها لا تنحرف ، وهو من استعارة العين للمعنى كما نص عليه غير واحد ، وحاصل المعنى ههنا اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والمشاقة لي وسائر ما لا خير فيه .
وقرأ أبو بكر مكاناتكم على الجمع وهو باعتبار جمع المخاطبين كما أن الأفراد باعتبار الجنس ، والجار والمجرور كما قال بعضهم : يحتمل أن يكون متعلقاً بما عنده على تضمين الفعل على معنى البناء ونحوه كما تقول : عمل على الجد وعلى القوة ونحوهما ، وأن يكون في موضع الحال أي اعملوا قارين وثابتين على مكانتكم .
{ إِنّى عامل } على مكانتي حسبما يؤيدني الله تعالى ويوفقني بأنواع التأييد والتوفيق ، وكأنه حذف على مكانتي للاختصار ولما فيه من زيادة الوعيد ، وقوله سبحانه : { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } استئناف وقع جواب سؤال مقدرنا شيء من تهديده عليه السلام إياهم بقوله : { اعملوا } الخ كأن سائلاً منهم سأال فماذا يكون بعد ذلك؟ فقيل : { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ولذا سقطت الفاء وذكرت في آية الأنعام للتصريح بأن الوعيد ناشىء ومتفرع على إصرارهم على ما هم عليه والتمكن فيه ، وما هنا أبلغ في التهويل للإشعار بأن ذلك مما يسئل عنه ويعتنى به ، والسؤال المقدر يدل على ما دلت عليه الفاء مع ما في ذلك من تكثير المعنى بتقليل اللفظ ، وكأن الداعي إلى الإتيان بالأبلغ هنا دون ما تقدم أن القوم قاتلهم الله تعالى بالغوا في الاستهانة به عليه السلام وبلغوا الغاية في ذلك فناسب أن يبالغ لهم في التهديد ويبلغ فيه الغاية وإن كانوا في عدم الانتفاع كالأنعام ، وما فيها نحو ذلك .
وقال بعض أجلة الفضلاء : إن اختيار إحدى الطريقين ثمة والأخرى هنا وإن كان مثله لا يسئل عنه لأنه دوري لأن أول الذكرين يقتضي التصريح فيناسب في الثاني خلافه انتهى ، وهو دون ما قلناه ، و { مِنْ } في قوله سبحانه : { مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } قيل : موصولة مفعول العلم وهو بمعنى العرفان ، وجملة { يَأْتِيهِ عَذَابٌ } صلة الموصول ، وجملة { يُخْزِيهِ } صفة { عَذَابِ } ووصفه بالإخزاء تعريضاً بما أوعدوه عليه السلام من الرجم فإنه مع كونه عذاباً فيه خزي ظاهر ، وقوله تعالى : { وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } عطف على { مَن يَأْتِيهِ } و { مِنْ } أيضاً موصولة ، وجوز أن تكون { مِنْ } في الموضعين استفهامية ، والعلم على بابه وهي معلقة له عن العمل .

(8/348)


واستظهر أبو حيان الموصولية ، وليس هذا العطف من عطف القسيم على قسيمه كما في سيعلم الصادق . والكاذب إذ ليس القصد إلى ذكر الفريقين ، وإنما القصد إلى الرد على القوم في العزم على تعذيبه بقولهم : { لرجمناك } [ هود : 91 ] والتصميم على تكذيبه بقولهم : { أصلواتك تَأْمُرُكَ } [ هود : 87 ] الخ فكأنه قيل : سيظهر لكم من المعذب أنتم أم نحن ومن الكاذب في دعواه أنا أم أنتم؛ وفيه إدراج حال الفريقين أيضاً .
وفي الإرشاد أن فيه تعريضاً بكذبهم في ادعائهم القوة والقدرة على رجمه عليه السلام ، وفي نسبته إلى الضعف والهوان وفي ادعائهم الإبقاء عليه لرعاية جانب الرهط ، وقال الزمخشري : إنه كان القياس ، ومن هو صادر بدل هذا المعطوف لأنه قد ذكر عملهم على مكانتهم . وعمله على مكانته ، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم فحينئذٍ ينصرف { مَن يَأْتِيهِ } الخ إلى الجاحدين ومن هو صادق إلى النبي المبعوث ولكنهم لما كانوا يدعونه عليه السلام كاذباً قال : ومن هو كاذب بمعنى في زعمكم ودعواكم تجهيلاً لهم يعني أنه عليه السلام جرى في الذكر على ما اعتادوه في تسميته كاذباً تجهيلاً لهم ، والمعنى ستعلمون حالكم وحال الصادق الذي سميتموه كاذباً لجهلكم ، وليس المراد ستعلمون أنه كاذب في زعمكم فلا يرد ما توهم من أن كذبه في زعمهم واقع معلوم لهم الآن فلا معنى لتعليق علمه على المستقبل ، وقال ابن المنير : الظاهر أن الكلامين جميعاً لهم فمن يأتيه الخ متضمن ذكر جزائهم ، { وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } متضمن ذكر جرمهم الذي يجازون به وهو الكذب ، وهو من عطف الصفة على الصفة والموصوف واحد كما تقول لمن تهدده : ستعلم من يهان ومن يعاقب ، وأنت تعني المخاطب في الكلامين فيكون في ذكر كذبهم تعريض لصدقه وهو أبلغ وأوقع من التصريح ، ولذلك لم يذكر عاقبة شعيب عليه السلام استغناءاً بذكر عاقبتهم ، وقد مر مثل ذلك أول السورة في قوله سبحانه : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } [ هود : 39 ] حيث اكتفى بذلك عن أن يقول : ومن هو على خلاف ذلك ، ونظيره { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } [ الأنعام : 135 ] حيث ذكر فيه إحدى العاقبتين لأن المراد بهذه العاقبة عاقبة الخير لأنها متى أطلقت لا يعن إلا ذلك نحو { والعاقبة للمتقين } [ الأعراف : 128 ] ولأن اللام في { لَهُ } يدل على أنها ليست عليه ، واستغنى عن ذكر مقابلها انتهى ، وتعقبه الطيبي بما رده عليه الفاضل الجلبي { وارتقبوا } أي انتظروا ما أقول لكم من حلول ما أعدكم به وظهور صدقه { إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ } أي منتظر ذلك ، وقيل : المعنى انتظروا العذاب إني منتظر النصرة والرحمة ، وروي ذلك عن ابن عباس ، و { رَقِيبٌ } إما بمعنى مرتقب كالرفيع بمعنى المرتفع . أو راقب كالصريم بمعنى الصارم . أو مراقب كعشير بمعنى معاشر ، والأنسب على ما قيل بقوله : { *ارتقبوا } : الأول وإن كان مجىء فعيل بمعنى اسم الفاعل المزيد غير كثير وفي زيادة { طائركم مَّعَكُمْ } إظهار منه عليه السلام لكمال الوثوق بأمره .

(8/349)


وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)

{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا كما ينبىء عنه قوله سبحانه : { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ هود : 93 ] الخ أو وقته فإن الارتقاب يؤذن بذلك { نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } وهو الإيمان الذي وفقناهم له . أو بمرحمة كائنة منالهم وإنما جىء بالفاء في قصتي ثمود . ولوط حيث قيل : { فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } [ هود : 82 ] وبالواو ههنا وفي قصة عاد حيث قيل : { وَلَمَّا جَاء } [ هود : 66 ] الخ لأنه قد سبق هناك سابقة الوعد بقوله سبحانه : { ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } [ هود : 65 ] وقوله تعالى : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } [ هود : 81 ] وهو يجري مجرى السبب المقتضى لدخول الفاء في معلوله ، وأما ههنا . وفي قصة عاد فلم يسبق مثل ذلك بل ذكر مجىء العذاب على أنه قصة بنفسه وما قبله قصة أخرى لكنهما متعلقان بقوم واحد فهما متشاركان من وجه مفترقان من آخر ، وذلك مقام الواو كذا قيل .
وتعقب بأن في الكلام ههنا ذكر الوعد أيضاً ، وهو قوله سبحانه : { لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } إلى قوله عز وجل : { رَقِيبٌ } [ هود : 93 ] غاية الأمر أنه لم يذكر بلفظ الوعد ومثله لا يكفي الفرق ، وقيل : إن ذكر الفاء في الموضعين لقرب عذاب قوم صالح . ولوط للوعد المذكور فإن بين الأولين والعذاب ثلاثة أيام . وبين الآخرين وبينه ما بين قول الملائكة : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } [ هود : 81 ] والصبح : وهي سويعات يسيرة . ولا كذلك عذاب قومي شعيب . وهود عليهما السلام بل في قصة قوم شعيب عليه السلام ما يشعر بعدم تضييق زمان مجىء العذاب بناءاً على الشائع في استعمال { سَوْفَ } على أن من أنصف من نفسه لم يشك في الفرق بين الوعد في قصتي صالح . ولوط عليهما السلام . والوعد في غيرهما ، فإن الإشعار بالمجىء فيهما ظاهر فحسن تفريعه بالفاء ولا كذلك في غيرهما كذا قيل ، وفيه ما لا يخفى ، ولعل الاقتصار على التفرقة بالقرب وعدمه أقل غائلة مما قيل ، وكذا مما يقال : من أن الإتيان بالفاء لتقدم الوعد وتركها وإن كان هناك وعد للإشارة إلى سوء حال أولئك القومين ومزيد فظاعته حتى أن العذاب حل بهم لا لسبب سبق الوعد بل لمجرد ظلمهم وكأن وجه اعتبار ذلك فيهم دون قومي لوط . وصالح عليهما السلام أنهم امتازوا عنهم برمي ذينك النبيين بالجنون ومشافهتهما بما لم يشافه به كل من قومي صالح . ولوط نبيه فيما قص عنهما في هذه السورة الكريمة فإن في ذلك ما لا يكاد يخفى عليك فتدبر { وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ } عدل عن الضمير تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بالعلية أي وأخذت أولئك الظالمين بسبب ظلمهم الذي فصل { الصيحة } قيل : صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا وكانت صيحة على الحقيقة ، وجوز البلخي أن يكون المراد بها نوعاً من العذاب ، والعرب تقول : صاح بهم الزمان إذا هلكوا ، وقال امرؤ القيس

(8/350)


: فدع عنك نهباً ( صيح ) في حجراته ... ولكن حديث ما حديث الرواحل
والمعول عليه الأول ، وقد سبق في الأعراف { الرجفة } [ الأعراف : 78 ، 91 ] أي الزلزلة بدلها ، ولعلها كانت من مباديها فلا منافاة ، وقيل : غير ذلك فتذكر { فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين } أي ميتين من جثم الطائر إذا ألصق بطنه بالأرض ، ولذا خص الجثمان بشخص الإنسان قاعداً ، ثم توسعوا فاستعملوا الجثوم بمعنى الإقامة ، ثم استعير من هذا الجاثم للميت لأنه لا يبرح مكانه ، ولما لم يجعل متعلق العلم في قوله سبحانه : { سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ } [ هود : 93 ] الخ نفس مجيء العذاب بل من يجيئه ذلك جعل مجيئه بعد أمراً مسلم الوقوع غنياً عن الاخبار به حيث جعل شرطاً ، وجعل تنجية شعيب عليه السلام والمؤمنين وإهلاك الكفرة الظالمين جواباً له ومقصود الإفادة ، وإنما قدم التنجية اهتماماً بشأنها وإيذاناً بسبق الرحمة على الغضب قاله شيخ الإسلام ، و أصبح إما ناقصة . أو تامة أي صاروا جاثمين . أو دخلوا في الصباح حال كونهم جاثمين .

(8/351)


كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)

{ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ } أي لم يقيموا { فِيهَا } متصرفين في أطرافها متقلبين في أكنافها ، والجملة إما خبر بعد خبر . أو حال بعد حال .
{ أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } العدول عن الإضمار إلى الإظهار للمبالغة في تفظيع حالهم وليكون أنسب بمن شبه هلاكهم بهلاكهم ، وإنما شبه هلاكهم بهلاكهم لأن عذاب كل كان بالصيحة غير أنه روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن صيحة ثمود كانت من تحتهم . وصيحة مدين كانت من فوقهم .
وقرأ السلمي . وأبو حيوة ( بعدت ) بضم العين ، والجمهور بكسرها على أنه من بعد يبعد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك ، ومنه قوله :
يقولون : ( لا تبعد ) وهم يدفونني ... وأين مكان البعد إلا مكانياً
وأما بعد يبعد بالضم فهو البعد ضد القرب قاله ابن قتيبة ، قيل : أرادت العرب بهذا التغيير الفرق بين المعنيين ، وقال ابن الأنباري : من العرب من يسوي بين الهلاك وبعد الذي هو ضد القرب ، وفي القاموس البعد المعروف والموت ، وفعلهما ككرم . وفرح بعداً وبعداً بفتحتين ، وقال المهدوي : إن بعد بالضم يستعمل في الخير والشر . وبعد بالكسر في الشر خاصة ، وكيفما كان الأمر فالمراد ببعدت على تلك القراءة أيضاً هلكت غاية الأمر أنه في ذلك إماحقيقة أو مجاز ، ومن هلك فقد بعد ونأى كما قال الشاعر :
من كان بينك في التراب وبينه ... شهران فهو في غاية ( البعد )
وفي الآية ما يسمى الاستطراد ، قيل : ولم يرد في القرآن من هذا النوع إلا ما في هذا الموضع وقد استعملته العرب في أشعارها ، ومن ذلك قول حساب رضي الله عنه تعالى عنه :
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحرث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرّة ولجام
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : قوله سبحانه في قصة هود عليه السلام : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ هود : 56 ] فيه إشارة إلى أن كل ذي نفس تحت قهره سبحانه وسلطانه أسير في يد تصرفه وملكته عاجز عن الفعل إلا بإذنه وأنه عز وجل لا يسلط أحداً على أحد إلا عن استحقاق ذنب أو رفع درجة وإعلاء منزلة لأنه تبارك وتعالى على طريق العدل الذي لا إعوجاج فيه ، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في فصوصه : إن كل ما سوى الحق فهو دابة فإنه ذو روح وما ثم من يدب بنفسه وإنما يدب بغيره بحكم التبعية للذي هو على صراط مستقيم فكل ماش فهو على الصراط المستقيم وحينئذ فلا مغضوب عليه ولا ضال من هذا الوجه ، نعم إن الناس على قسمين : أهل الكشف .

(8/352)


وأهل الحجاب ، فالأولون يمشون على طريق يعرفونها ويعرفون غايتها فهي في حقهم صراط مستقيم كما أنها في نفس الأمر كذلك ، والآخرون يمشرون على طريق يجهلونها ولا يعرفون غايتها وأنها تنتهي إلى الحق فهي في حقهم ليست صراطاً مستقيماً وإن كانت عند العارف ونفس الأمر صراطاً مستقيماً ، واستنبط قدس سره من الآية أن مآل الخلق كلهم إلى الرحمة التي وسعت كل شيء ، وهي الرحمة السابقة على الغضب ، وادعى أن فيها بشارة للخلق أي بشارة .
وقال القيصري في تفسيرها : أي ما من شيء موجود إلا هو سبحانه آخذ بناصيته وإنما جعل دابة لأن الكل عند صاحب الشهود وأهل الوجود حي ، فالمعنى مامن حي إلا والحق آخذ بناصيته ومتصرف فيه بحسب أسمائه يسلك به أي طريق شاء من طرقه وهو على صراط مستقيم؛ وأشار بقوله سبحانه : { أَخَذَ } إلى هوية الحق الذي مع كل من الأسماء ومظاهرها ، وإنما قال : { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } بإضافة الرب إلى نفسه ، وتنكير الصراط تنبيهاً على أن كل رب على صراطه المستقيم الذي عين له من الحضرة الآلهية ، والصراط المستقيم الجامع للطرق هو المخصوص بالاسم الإلهي ومظهره لذلك قال في الفاتحة المختصة بنبينا صلى الله عليه وسلم : { اهدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة : 6 ] بلام العهد . أو الماهية التي منها تتفرع جزئياتها ، فلا يقال : إذا كان كل أحد على الصراط المستقيم فما فائدة الدعوة؟ لأنا نقول : الدعوة إلى الهادي من المضل . وإلى العدل من الجائر كما قال سبحانه : { يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً } [ مريم : 85 ] انتهى بحروفه ، وأعظم من هذا إشكالاً التكليف مع القول بالوحدة وكذا التنعيم والتعذيب فإن الظاهر من التقرير لكلام المحققين من الصوفية أن المكلف عبارة عن موجود هو حصة من الوجود المطلق المفاض على حقائق الممكنات المتعين بتعينات مختلفة اقتضتها الاستعدادات الذاتية للحقائق التي هي المعدومات المتميزة في نفس الأمر المستعدة باستعدادات ذاتية غير مجعولة ، فالمكلف مقيد من مقيدات الوجود المطلق المفاض ، والمقيد لا يوجد بدون المطلق لأنه قيومه ، والمطلق من حيث الإطلاق عين الحق ، ولا شك أن قاعدة التكليف تقتضي أن يكون بينهما مغايرة ومباينة حقيقية ذاتية حتى يصح التكليف وما يترتب عليه من التعذيب والتنعيم .
وأجيب بأن حقيقة الممكن أمر معدوم متميز في نفسه بتميز ذاتي غير مجعول ووجوده خاص مقيد بخصوصية ما اقتضاها استعداده الذاتي لماهيته العدمية فهو مركب من الوجود والعدم وحقيقته مغايرة لوجوده تعقلاً لتمايزهما ذهنا ، ولا ينافي ذلك قول الأشعري : وجود كل شيء عين حقيقته لما بين في محله وحقيقة الحق تعالى لا تغاير وجوده ووجوده سبحانه هو الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي حسبما حققه محققو الصوفية ، فالمغايرة الذاتية بين المكلف والمكلف في غاية الظهور لأن المكلف هو المعدوم اللابس لحصة من الوجود المتعين بمقتضى حقيقته ، والمكلف سبحانه هو الحق عز وجل الذي هو عين الوجود المطلق الغير المقترن بماهية عدمية ، وبعبارة أخرى : إن حقيقة الممكن أمر معدوم .

(8/353)


وحقيقة الواجب سبحانه الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق وقد وقع في البين تجلى الهوية في العبد وذلك التجلي هو الجامع للقدرة وغيرها من الكمالات التي يتوقف عليها التلكيف بمقتضى الحكمة ومحقق للمغايرة .
وحاصل ذلك أن حقيقة المزج بين تجلي الهوية والصورة الخلقية المتعينة بمقتضى الحقيقة العدمية هي التي أحدثت ما به يصح التكليف وما يترتب عليه ، وكون الحق سبحانه قيوماً للوجود المقيد غير قادح في ذلك بل القيومية هي المصححة له لما تبين من النصوص أنه لا تكليف إلا بالوسع ولا وسع للممكن إلا بقيوميته تعالى بنص { مَا شَاء الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله } [ الكهف : 39 ] وما هو بالله فهو لله تعالى ، والبحث في ذلك طويل ، وبعض كلماتهم يتراءى منها عدم المغايرة بين المكلف والمكلف من ذلك ما قيل :
لقد كنت دهراً قبل أن يكشف الغطا ... إخالك أني ذاكر لك شاكر
فلما أضاء الليل أصبحت شاهدا ... بأنك مذكور وذكر وذاكر
لكن ينبغي أن لا يبادر سمعها بالإنكار ، ويرجع في المراد منها إلى العارفين بدقائق الأسرار ، هذا وقد تقدم الكلام في ناقة صالح عليه السلام ، وفيما قص الله تعالى ههنا عن إبراهيم عليه السلام إشارة إلى بعض آداب الفتوة ، فقد قالوا : إن من آدابها إذا نزل الضيف أن يبدأ بالكرامة في الإنزال؛ ثم يثني بالكرامة بالطعام ، وإنما أوجس عليه السلام في نفسه خيفة لأنه ظن الغضب ، والخليل يخشى غضب خليله ومناه رضاه ، ولله در من قال :
لعلك غضبان ولست بعالم ... سلام على الدارين إن كنت راضياً
وفي هذه القصة دليل على أنه قد ينسد باب الفراسة على الكاملين لحكم يريدها الله تعالى ، ومن ذلك لم يعرف إبراهيم وكذا لوط عليهما السلام الملائكة عليهم السلام في أول الأمر ، وكانت مجادلته عليه السلام من آثار مقام الإدلال على ما قيل ، وقوله تعالى عن لوط عليه السلام : { لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } [ هود : 80 ] قيل : يشير بالقوة إلى الهمة وهي عندهم القوة المؤثرة في النفوس لأن القوة منها جسمانية . ومنها روحانية وهذه المسماة بالهمة وهي أقوى تأثيراً لأنها قد تؤثر في أكثر العالم . أوكله بخلاف الجسمانية ، وقصد عليه السلام بالركن الشديد القبيلة لأنه يعلم أن أفعال الله تعالى لا تظهر في الخارج إلا على أيدي المظاهر فتوجه إلى الله سبحانه وطلب منه أن يجعل له أنصاراً ينصرونه على أعداء الله تعالى ، وردد الأمر بين ذلك وأن يجعل له همة مؤثرة من نفسه ليقاوم بها الأعداء ، وقد علمت ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله :

(8/354)


« يرحم الله تعالى أخي لوطاً » الخبرة .
وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أنه عليه الصلاة والسلام نبه بذلك الخبر أن لوطاً كان مع الله تعالى من أنه سبحانه ( ركن شديد ) والإشارة في قصة شعيب عليه السلام إلى أنه ينبغي لمن كان في حيز أن لا يعصى الله تعالى ، وللواعظ أن لا يخالف فعله قوله :
لا تنه عن خُلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وأنه لا ينبغي أن يكون شيء عند العبد أعز عليه من الله تعالى إلى غير ذلك ، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد .

(8/355)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96)

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا } وهي الآيات التسع العصا . واليد البيضاء . والطوفان . والجراد . والقول والقمل . والضفادع . والدم . والنقص من الثمرات والأنفس ، والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مفعول { أَرْسَلْنَا } أو نعتاً لمصدره المؤكد أي أرسلناه حال كونه ملتبساً بآياتنا . أو أرسلناه إرسالاً ملتبساً بها .
{ وسلطان مُّبِينٍ } هو المعجزات الباهرة منها وهو العصا والإفراد بالذكر لإظهار شرفها لكونها أبهرها ، والمراد بالآيات ما عداها ، ويجوز أن يراد بهما واحد ، والعطف باعتبار التغاير الوصفي أي أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وكونه سلطاناً له على نبوته واضحاً في نفسه أو موضحاً إياها من أبان لازماً بمعنى تبين ومتعدياً بمعنى بين ، وجعل بعضهم الآيات والسلطان شيئاً واحداً في نفس الأمر إلا أن في ذلك تجريداً نحو مررت بالرجل الكريم . والنسمة المباركة كأنه جرد من الآيات الحجة وجعلها غيرها وعطفت عليها لذلك ، وجوز أن يكون المراد بالآيات ما سمعت وبالسلطان ما بينه عليه السلام في تضاعيف دعوته حين قال له فرعون : { مِنْ * رَبّكُمَا } [ طه : 49 ] { فَمَا بَالُ القرون الاولى } [ طه : 51 ] من الحقائق الرائقة . والدقائق اللائقة ، أو هو الغلبة والاستيلاء كما في قوله سبحانه : { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا } [ القصص : 35 ] وجعله عبارة عن التوراة ، أو إدراجها في جملة الآيات يرده كما قال أبو حيان قوله عز وجل :

(8/356)


إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97)

{ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ } فإن نزولها إنما كان بعد مهلك فرعون وقومه قاطبة ليعمل بها بنو إسرائيل فيما يأتون ويذرون ، وأما فرعون وقومه فإنما كانوا مأمورين بعبادة رب العالمين وترك العظيمة الشنعاء التي كان يدعيها الطاغية وتقلبها منه فئته الباغية وبإرسال بني إسرائيل من الأسر والقسر ، ومن هذا يعلم ما في عند النقص من الثمرات والنقص من الأنفس آية واحدة من الآيات التسع ، وعد إظلال الجبل منها لأن ذلك إنما كان لقبول التوراة حين أباه بنو إسرائيل فهو متأخر أيضاً ضرورة . ومثل ذلك عد فلق البحر وإظلال الغمام بدلهما لأن هذا الإظلال أيضاً متأخر عن مهلك فرعون وقومه .
وأجاب بعض الأفاضل عن الاعتراض على جعل التوراة من الآيات بأت التصحيح ممكن ، أما أولاً : فبما صرحوا به من جواز إرجاع الضمير وتعلق الجار ونحوه بالمطلق الذي في ضمن المقيد فقوله سبحانه : { إلى فِرْعَوْنَ } يجوز أن يتعلق بالإرسال المطلق لا المقيد بكونه بالتوراة ، وأما ثانياً : فبأن يقال : إن موسى عليه السلام كما أرسل إلى الفراعنة أرسل إلى بني إسرائيل أيضاً فيجب أن يحمل ملأ فرعون على ما يشملهم فيجيء الكلام على التوزيع على معنى أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين وإلى وملائه بالتوراة فيكون لفاً ونشراً غير مرتب ، ويقال نحو هذا على تقدير عدّ إظلال الجبل . أو الغمام من الآيات ، وفي مجموعة سرى الدين المصري أن هذا السؤال مما أورد الحافظ الطاشكندي على مخدوم الملك فأجاب بأن قوله سبحانه : { بئاياتنا } [ هود : 96 ] حال مقدرة أي مقدرين تلبسه أو نصرته بالآيات والسلطان إلى فرعون وملائه فلا يقدح فيه ظهور بعضها بعد هلاك فرعون كالتوراة . وانفجار الماء . وغير ذلك ، وبأنه قيل : إن إعطاء التوراة مجموعاً مرتباً مكتوباً في الألواح بعد غرق فرعون ، وأوحى بها إلى موسى عليه السلام في حياة فرعون وكان يأمر بها قومه ويبلغها إلى فرعون وملائه ، ويؤيده ما قيل : إن بعض الألواح كان منزلاً قبل نزول التوراة بتمامها وكانت تلك الألواح من خشب والألواح التي كانت فيها التوراة بتمامها كانت من زمرد أو من ياقوت أحمر أو من صخرة صماء انتهى ، ولا يخفى أن الذهاب إلى كون الحال مقدرة مما لا يكاد يقبله الذوق السليم ، وماحكى من أن إعطاء التوراة مجموعاً كان بعض والإيحاء بها كان قبل الخ مما لا مستند له من الأخبار الصحيحة ، وما ذكر أولاً : من حديث التعلق بالمطلق . وثانياً : من حمل { الملا } على ما يشمل بني إسرائيل الخ مما ينبغي أن ينزه ساحة التنزيل عنه ، وكيف يحمل الملأ على ما يشمل بني إسرائيل مع الإضافة إليه وجعلهم من أهل النار ، ولا أظنك في مرية من القول بعدم صحة ذلك؛ وقيل : لو جعل { إلى فِرْعَوْنَ } متعلقاً

(8/357)


{ بسلطان مُّبِينٍ } [ هود : 96 ] لفظاً أو معنى على تقدير وسلطان مرسل به إلى فرعون لم يبعد مع المناسبة بينه وبين السلطان ، وفيه ما لا يخفى فتأمل .
وتخصيص الملأ بالذكر مع عموم رسالة موسى عليه السلام للقوم كافة لأصالتهم في الرأي وتدبير الأمور واتباع الغير لهم في الورود والصدور ، ولم يصرح بكفر فرعون بالآيات وانهماكه فيما كان عليه من الضلال والإضلال بل اقتصر على ذكر شأنه ملائه فقيل : { فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ } أي أمره بالكفر بما جاء به موسى عليه السلام من الحق للإيذان بوضوح حاله فكأن كفره وأمر ملائه بذلك أمر متحقق الوجود غير محتاج إلى الذكر صريحاً ، وإنما المحتاج إلى ذلك شأن ملائه المترددين بين هاد إلى الحق وهو موسى عليه السلام وداع إلى الضلال وهو فرعون فنعى عليهم سوء اختيارهم ، وإيراد الفاء للإشعار بمفاجأتهم في الاتباع ومسارعة فرعون إلى الكفر والأمر به ، فكأن ذلك لم يتراخ عن الإرسال والتبليغ .
وجوز أن يراد من الأمر الطريقة والشأن ، قيل : ومعنى { فاتبعوا } فاستمروا على الاتباع ، والفاء مثل ما في قولك : وعظته فلم يتعظ وزجرته فلم ينزجر ، فإن الاتيان بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث ، ويجوز أن يكون المراد فاتصفوا بما اتصف به فرعون من الكفر بما جاء به موسى عليه السلام والتكذيب له ووافقوه في ذلك ، وإيراد الفاء للاشعار بمفاجأتهم في الموافقة لفرعون في الكفر ومسارعته إليه فكأنه حين حصل الإرسال والتبليغ حصل كفر فرعون بما جاء به موسى عليه السلام ووقع على أثره الموافقة منهم ، ولا تتوهمن أن هذه الموافقة كانت حاصلة لهم قبل لأنها تتوقف على اتصاف فرعون بالكفر بما جاء به موسى عليه السلام ، وذلك إنما تجدد له بعد الإرسال والتبليغ فلا ضرورة إلى الحمل على الاستمرار ، وجعل الفاء كما في قوكل : زجرته فانزجر فتأمل .
وعدل عن أمره إلى أمر فرعون لدفع توهم رجوع الضمير إلى موسى عليه السلام من أول الأمر ولزيادة تقبيح حال المتبعين فإن فرعون علم في الفساد . والإفساد . والضلال . والإضلال ، فاتباعه لفرط الجهالة وعدم الاستبصار ، وكذا الحال في قوله تعالى : { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } أي براشد أو بذي رشد ، والرشد ضد الغي وإسناده إلى الأمر مجازي وكأن في العدول عن وأمر فرعون غي وضلال إلى ما في النظم الكريم زيادة في تقبيح فعلهم وتحسيراً لهم على فوات ما فيه صلاح الدارين أعني الرشد .
ويجوز أن يجعل الرشد كناية عن المحمودية والإسناد حقيقي أي وما أمر فرعون بصالح حميد العاقبة وقوله سبحانه :

(8/358)


يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)

{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار } على الأول : استئناف وقع جواباً لمن سأل عن حال المتبوع والتابع مآلاً ، وعلى الثاني : تفسير وإيضاح لعدم صلاح عاقبته أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته ، وجملة { وَمَا أَمْرُ } [ هود : 97 ] الخ جوز أن تكون حالاً من فاعل اتبعوا وأن تكون حالاً من مفعوله قيل : وهو مختار الزمخشري ، والمراد بالقوم ما يشمل الملأ وغيرهم ، و { يَقْدُمُ } كينصر من قدم كنصر بمعنى تقدم ، ومنه قادمة الرحل ، وهذا كما يقال : قدمه بمعنى تقدمه ، ومنه مقدمة الجيش وأقدم بمعنى تقدم ، ومنه مقدم العين فإنه بالكسر لا غير كما قاله المرزوقي ، ومثله مؤخر العير كما في المزهر ، والمراد من أوردهم يوردهم ، والتعبير به دونه للإيذان بتحقق وقوعه لا محالة ، والقول : بأنه باق على حقيقته والمراد فأوردهم في الدنيا النار أي موجبها وهو الكفر ليس بشيء ، ونصب النار على أنه مفعول اثن لأوردهم وهي استعارة مكنية تهكمية للضدّ وهو الماء ، وفي قرينتها احتمالاً كما شاع في { يَنقُضُونَ عَهْدَ الله } [ البقرة : 27 ] وعلى احتمال المجاز يكون الإيراد مستعاراً استعارة تبعية لسوقهم إلى النار .
وجوز أن يقال : إنه شبه فرعون بالفارط وهو الذي يتقدم القوم للماء ففيه استعارة مكنية ، وجعل اتباعه واردة وإثبات الورود لهم تخييل ، وجوز أيضاً جعل المجموع تمثيلاً .
وجوز بعضهم كون { يَقْدُمُ } وأورد متنازعين في النار إلا أنه أعمل الثاني وحذف مفعول الأول وليس بذلك .
{ وَبِئْسَ الورد المورود } أي بئس الورد الذي يردونه النار لأن الورد إنما يورد لتسكين العطش وتبريد الأكبار وفي النار تقطع الأكباد واشتعالها كذا قيل ، فالورد على هذا بمعنى النصيب من الماء { *والمورود } صفته ، والمخصوص بالذم محذوف وهو النار ، وتعقب بأنه لا بد من تصادق فاعل { بالالقاب بِئْسَ } ومخصوصها ولا تصادق على هذا ، وأيضاً في جواز وصف فاعل نعم . وبئس خلاف ، وابن السراج ، والفارسي على عدم الجواز .
وجوز ابن عطية كون ( المورود ) صفة والمخصوص الناس إلا أنه جعل الكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، فالتصادق حاصل في الحقيقة أي بئس مكان الورود المورود النار ومنهم من يجعل { المورود } هو المخصوص بالذم ، والمراد به النار ، ويقدر المضاف ليحصل التصادق أيضاً أي بئس مكان الورد النار ومن يجعل الورد فاعل { بِئْسَ } ويفسره بالجمع الوارد . و { المورود } صفة لهم والمخصوص بالذم ضميرهم المحذوف أي بئس القوم المورود بهم هم فيكون ذماً للواردين لا لموضع الورود .

(8/359)


وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)

{ واتبعوا } أي الملأ الذين اتبعوا أمر فرعون ، وقيل : القوم مطلقاً { فِى هذه } أي في الدنيا { لَّعْنَةُ } عظيمة حيث يلعنهم من بعدهم من الأمم { وَيَوْمَ القيامة } أيضاً حيث يلعنهم أهل الموقف قاطبة فهي تابعة لهم حيثما ساروا ودائرة أينما داروا فكما اتبعوا أمر فرعون اتبعتهم اللعنة في الدارين جزاءاً وفاقاً .
وقال الكلبي : اللعنة في الدنيا من المؤمنين أو بالغرق ، ويوم القيامة من الملائكة أو بالنار .
{ بِئْسَ الرفد المرفود } أي بئس العون المعان كما نقل عن أبي عبيدة ، والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم ، ويكون { الرفد } بمعنى العطية كما يكون بمعنى العون .
قال أبو حيان : يقال : رفد الرجل يرفده رفداً ورفداً إذا أعطاه وأعانه من رفد الحائط دعمه ، وعن الأصمعي الرفد بالفتح القدح . والرفد بالكسر ما فيه من الشراب ، وقال الليث : أصل الرفد العطاء والمعونة ، ومنه رفادة قريش وهي معاونتهم للحاج بشيء يخرجونه للفقراء ، ويقال رفده رفداً ورفداً بكسر الراء وفتحها ، ويقال : بالكسر الاسم . وبالفتح المصدر ، وفسره هنا بالعطاء غير واحد .
وزعم أن المقام لا يلائمه ليس بشيء؛ نعم تفسيره بالعون جاء في صحيح البخاري ، والمراد به على التفسرين اللعنة وتسميتها عوناً على التفسير الأول من باب الاستعارة التهكمية ، وأما كونها معاناً فلأنها أرفدت في الأخرة بلعنة أخرى لتكونا هاديتين إلى صراط الجحيم ، وكان القياس أن يسند المرفود إليهم لأن اللعنة في الدنيا تتبعهم وكذا في الآخرة لقوله سبحانه : { واتبعوا } الخ ، ولكن أسند إلى الرفد الذي هو اللعنة على الإسناد المجازي نحو جدّ جدّه . وجنونك مجنون ، وكذا يعتبر الاستعارة والمجاز المذكوران على التفسير الثاني كذا قيل .
وقال بعض المدققين : إن في قول الزمخشري في بيان الآية على المعنى الأول المنقول عن أبي عبيدة وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له ، وقد رفدت باللعنة في الآخرة ما يشعر بأنه ليس من الاستعارة التهكمية في شيء إذ لو كان رفداً للمعذبين لكان من ذلك القبيل ، ثم قال : وجعله من باب جد جده أبعد وأبعد لأنه ذكر أنه رفد أعين برد أما لو فسر بالتفسير الثاني ففيه الأول لا الثاني لأنه ليس مصدراً وإنما العطاء بمعنى ما يعطى فكثيراً ما يطلق عليه انتهى وفيه نظر لا يخفى ، ثم إن القول بأن هناك لعنتين رفدت إحداهما بالأخرى هو المروي عن مجاهد . وغيهر فيوم معطوف على محل في الدنيا .
وذهب قوم إلى أن التقسيم هو أن لهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس ما يرفدون به فهي لعنة واحدة أولاً وقبح إرفاد آخراً انتهى ، وتعقبه في «البحر» بأن هذا لا يصح لأنه يدل على أن { يَوْمٍ } معمول { بِئْسَ } وهي لا تتصرف فلا يتقدم معمولها عليها ، ولو كان { يَوْمٍ } متأخراً صح ذلك كما قال الشاعر

(8/360)


: ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر
وهو كلام وجيه ، والآية ظاهرة في سوء حال فرعون يوم القيامة لأنه إذا كان حال الاتباع ما قص الله سبحانه فما ظنك بحال من أغواهم وألقاهم في هذا الضلال البعيد؟ وهذا يعكر على من ذهب إلى أنه قبض طاهراً مطهراً بل قال بعضهم : إنها نص في رد ذلك لأنه تعالى سلب عنه فيها الرشاد بعد موته والمؤمن الطاهر المطهر لا يسلب عنه الرشاد بعد الموت ، ولعل من ذهب إلى ذلك يقول : باب التأويل واسع . وباب الرحمة أوسع منه .

(8/361)


ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)

{ ذلك } إشارة إلى ما قص من أنباء الأمم وبعده باعتبار تقضيه أو باعتبار ما قيل في غير موضع ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبره { مِنْ أَنْبَاء القرى } المهلكة بما جنته أيدي أهلها فأل فيها للعهد السابق تقديراً بذكر أربابها { نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } خبر بعد خبر أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى مقصوص عليك؛ وجوز أن يكون من { أَنْبَاء } في موضع الحال وهذا هو الخبر ، وجوز أيضاً عكس ذلك { مِنْهَا } أي من تلك القرى { قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } أي ومنها حصيد ، فالعطف من عطف الجملة على الجملة وهو الذي يقتضيه المعنى كما لا يخفى ، وقد شبه مابقي منها بالزرع القائم على ساقه . وما عفا وبطل بالحصيد ، فالمعنى منها باق . ومنها عاف ، وهو المروي عن قتادة ، ونحوه ما روى عن الضحاك { قَائِمٌ } لم يخسف { وَحَصِيدٌ } قد خسف ، قيل : { وَحَصِيدٌ } الزرع جاء في كلامهم بمعنى الفناء كما في قوله
: والناس في قسم المنية بينهم ... ( كالزرع منه قائم وحصيد )
وصيغة فعيل بمعنى مفعول أي محصول كما قال الأخفش ، وجمعه حصدي ، وحصاد مثل مرضي ومراض ، وجملة { مِنْهَا قَائِمٌ } الخ مستأنفة استئنافاً نحوياً للتحريض على النظر في ذلك والاعتبار به ، أو بيانياً كأنه سئل لما ذكرت ما حالها؟ فأجيب بذلك ، وقال أبو البقاء : هي في موضع الحال من الهاء في نقصه ، وجوز الطيبي كونها حالاً من القرى ، وادعى صاحب الكشف أن جعلها حالاً من ضمير نقصه فاسد لفظاً ومعنى ، ومن القرى كذلك ، وفي الحواشي الشهابية أراد بالفساد اللفظي في الأول خلو الجملة من الواو والضمير . وفي الثاني مجيء الحال من المضاف إليه في غير الصور المعهودة ، وبالفساد المعنوي أنه يقتضي أنه ليس من المقصوص بل هو حال ارجة عنها وليس بمراد ، ولا يسوغ جعل ما بعده ابتداء المقصوص ، وفيه فساد لفظي أيضاً .
وزعم بعض أنه أراد بالفساد الأول في الأول ما ذكر . وفي الثاني وقوع الجملة الاسمية حالاً بالضمير وحده وبالضمير تخصيص كونها مقصوصة بتلك الحالة فإن المقصوصية ثابتة لها وللنبأ وقت قيام بعضها أيضاً ، وقد أصاب بعضاً وأخطأ بعضاً ، ووجه الحلبي الخلو عن الواو والضمير بأن المقصود من الضمير الربط وهو حاصل لارتباط ذلك بمتعلق ذي الحال وهي القرى ، فالمعنى نقص عليك بعض أنباء القرى وهي على هذه الحالة تشاهدون فعل الله تعالى بها ، وتعقب بأن الاكتفاء في الربط بما ذكر مع خفائه مذهب تفرد به الأخفش ولم يذكره في الحال وإنما ذكره في خبر المبتدأ ، وقول أبي حيان : إن الحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين مع ما سمعت نفعاً والحق أنه لا وجه لما ذكره أبو البقاء يعول عليه إلا الذهول .

(8/362)


وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)

{ وَمَا ظلمناهم } قيل : الضمير للقرى مراداً بها أهلها وقد أريد منها أولاً حقيقتها ، ففي الكلام استخدام ، وقيل : الضمير لأهل القرى لأن هناك مضافاً مقدراً أي ذلك من أنباء أهل القرى؛ والضمائر منها ما يعود إلى المضاف . ومنها ما يعود إلى المضاف إليه ، ومتى وضح الأمر جاز مثل ذلك .
وقيل : القرى على ظاهرها وإسناد الأنباء إليها مجاز ، وضمير { مِنْهَا } لها وضمير { ظلمناهم } للأهل المفهو منها ، وقيل : { القرى } مجاز عن أهلها ، والضميران راجعان إليها بذلك الاعتبار ، أو يقدر المضاف . والضميران له أيضاً ، وعلى هذا خرج ما حكى عن بعضهم من أن معنى { مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } [ هود : 100 ] منها باق نسله . ومنها منقطع نسله ، وأياً ما كان ففي الكلام إيذان بإهلاك الأهل فيكون المعنى هنا وما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم .
{ ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } حيث اقترفوا بسوء استعدادهم ما يترتب عليه ذلك بمقتضى الحكمة { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ } أي ما نفعتهم ولا دفعت بأس الله تعالى عنهم { التى يَدْعُونَ مِن } أي يعبدونها { مِن دُونِ الله } أوثر صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو للدلالة على استمرار عبادتهم لها { مِن شَىْء } أي شيئاً من الإغناء أو شيئاً من الأشياء فما نافية لا استفهامية وإن جوّزه السمين وتعلق عن بما عنده لما فيه من معنى الدفع ، و { مِنْ } الأخيرة صلة ومجرورها مفعول مطلق . أو مفعول به للدفع ، وقوله سبحانه : { لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ } أي حين مجيء عذابه منصوب بأغنت وهذا على ما في البحر بناءاً على خلاف مذهب سيبويه لأن مذهبه أن { لَّمّاً } حرف وجوب لوجوب .
وقرىء آلهتهم اللاتي و { يَدَّعُونَ } بالبناء للمفعول وهو وصف للآلهة كالتي في المشهورة ، وفيه مطابقة للموصوف ليست في { التى } لكن قيل كما في «جمع الجوامع» للجلال السيوطي إن التي في جمع غير عالم أكثر من اللاتي ، نعم إن الآلهة قد عوملت في الآية معاملة العقلاء لأن عبدتها نزلوها منزلة العقلاء في اعتقادهم فيها أنها تنفع وتضر ، فقيل : { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } ومن هنا قيل : إن اللاتي في تلك القراءة واقع موقع الآلي أو الذين ، و التتبيب على ما في «البحر» التخسير ، يقال : تب خسر . وتببه خسره .
وذكر الجوهري أن التب الخسران والهلاك . والتتبيب الاهلاك ، وفي القاموس التب . والتبب . والتباب والتتبيب النقص والخسار .
وأخرج ابن جرير . وابن المنذر عن ابن عمر . ومجاهد تفسير ذلك بالتخسير ، وكذا أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عنهما إلا أنه استشهد عليه بقول بشر بن أبي خازم
: هم جدعوا الأنواف فأذهبوها ... وهم تركوا بني سعد ( تباباً )
وحينئذ فالمعنى فما زادوهم غير تخسير أو خسارة لنفوسهم حيث استحقوا العذاب الأليم على عبادتهم لها نسأل الله تعالى العفو والعافية .

(8/363)


وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)

{ وكذلك } أي مثل ذلك الأخد والإهلاك الذي مر بيانه ، وهو على ما قال السمين : خبر مقدم ، وقوله سبحانه : { أَخْذُ رَبّكَ } مبتدأ مؤخر ، وقيل : بالعكس ، والكاف يحتمل أن تكون اسمية وأن تكون حرفية وقد يجعل المشار إليه الأخذ المذكور بعد كما تحقق قبل ، وفي قراءة عبد الله كذلك بغير واو .
{ إِذَا أَخَذَ القرى } أي أهلها وإنما أسند إليها للإشعار بسريان أثره ، وقرأ الجحدري . وأبو رجاء { وكذلك أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ } على أن { أَخْذُ رَبّكَ } فعل وفاعل ، والظرف لما مضى ، وهو إخبار عما جرت به عادة الله تعالى في إهلاك من تقدم من الأمم وكذلك على هذا ساد مسد المصدر النوعي ولا مانع من تقدمه على الفعل والقرى متنازع للمصدر والفعل ، وقوله سبحانه : { وَهِىَ * ظالمة } في موضع الحال من { القرى } ولذا أنث الضمير و { ظالمة } إلا أن وصف القرى بالظلم مجاز وهو في الحقيقة صفة أهلها وجعله حالاً من المضاف المقدر أولاً وتأنيثه مكتسب من المضاف إليه تكلف ، وفائدة هذه الحال الأشعار بأن أخذهم بسبب ظلمهم ، وفي ذلك من إنذار الظالم ما لا يخفى ، والمراد بالظلم إما الكفر أو ما هو أعم ، وظاهر صنيع بعضهم أخذاً من إطلاقه أنه شامل لظلم المرء نفسه . وغيره { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ } وجيع { شَدِيدٍ } لا يرجى منه الخلاص وهذا مبالغة في التهديد والتحذير ، أخرج الشيخان في صحيحيهما . والترمذي . والنسائي . وابن ماجه . وآخرون عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ { وكذلك أَخْذُ رَبّكَ } إلى قوله تعالى : { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } » .

(8/364)


إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)

{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي أخذه سبحانه للأمم المهلكة أو فيما قص من أخبارهم { لآيَةً } أي لعلامة ، وفسرها بعضهم بالعبرة لما أنها تلزمها وهو حسن؛ والتنوين للتعظيم أي لعبرة عظيمة { لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخرة } فإنه إذا رأى ما وقع في الدنيا بالمجرمين من العذاب الأليم اعتبر به حال العذاب الموعود فإنه عصا من عصية وقليل من كثير ، وانزجر بذلك عن المعاصي التي يترتب عليها العذاب وأكب على التقوى والخشية من الله تعالى ، وقد أقيم { مَنْ خَافَ } الخ مقام من صدق بذلك لما بينهما من اللزوم ولأن الاعتبار إنما ينشأ من الخوف ، وذكر هذا القيد لأن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم أسند الحوادث إلى أسباب فلكية وأوضاع مخصوصة فلم يعتبر بذلك أصل ولم ينزجر عن الضلالة قطعاً ، وقال : إن ما وقع إنما وقع لهاتيك الأسباب والأوضاع لا للمعاصي التي اقترفتها الأمم المهلكة .
وقيل : المراد إن فيما ذكر دليلاً على عذاب المجرمين في الآخرة لأنهم إذا عذبوا في الدنيا لإجرامهم وهي دار العمل فلأن يعذبوا في الآخرة عليه وهي دار الجزاء أولى ، وقيل : المراد إن فيه دليلاً على البعث والجزاء ، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام قد أخبروا باستئصال من كذبهم وأشرك بالله ووقع ما أخبروا به وفق إخبارهم ، وذلك أحد الشواهد على صدقهم فيكونون صادقين فيما يخبرون به من البعث والجزاء فلا بد أن يقع لا محالة ، والتقييد بما ذكر هنا كالتقييد في قوله سبحانه : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] وهو كما ترى { ذلك } إشارة إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة { يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس } أي يجمع له الناس للمحاسبة والجزاء ، فالناس نائب فاعل مجموع .
وأجاز ابن عطية أن يكون مبتدأ و { مَّجْمُوعٌ } خبره ، وفيه بعد إذ الظاهر حينئذ أن يكون مجموعاً وعدل في الفعل وكان الظاهر ليدل الكلام على ثبوت معنى الجمع وتحقق وقوعه لا محالة وأن الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله تعالى : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع } [ التغابن : 9 ] وإيضاحه أن في هذا دلالة على لزوم الوصف ولزوم الاسناد ، وفي ذلك على حدوث تعلق الجمع بالمخاطبين واختصاصه باليوم ولهذا استدركه بقوله : الجمع فأضاف اليوم إليه ليدل على لزومه له وإنما الحادث جمع الأولين والآخرين دفعة { وَذَلِكَ } أي يوم القيامة مع ملاحظة عنوان جمع الناس له { يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي مشهود فيه فاتسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير إجراءاً له مجرى المفعول به كما في قوله :
قليل سوى طعن الدراك نوافله ... أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد وإنما لم يجعل نفس اليوم مشهوداً بل جعل مشهوداً فيه ولم يذكر المشهود تهويلاً وتعظيماً أن يجرى على اللسان وذهاباً إلى أن لا مجال لالتفات الذهن إلى غيره ، وقد يقال : المشهود هو الذي كثر شاهدوه ، ومنه قولهم : لفلان مجلس مشهود .

(8/365)


وطعام محضور ، ولأم قيس الضبية :
ومشهد قد كفيت الناطقين به ... في محفل من نواصي الناس ( مشهود )
واعتبروا كثرة شاهديه نظراً إلى أنه الذي يستحق أن يطلق اسم المشهود على الإطلاق عليه ، ولو جعل اليوم نفسه مشهوداً من غير هذا الاعتبار لم يحصل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك لكن جاء الامتياز من ذلك لما أضيف إليه من الكثرة المهولة المميزة ، وبما ذكر يعلم سقوط ما قبل : الشهود الحضور . واجتماع الناس حضورهم فمشهود بعد مجموع مكرر .

(8/366)


وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104)

{ وَمَا نُؤَخّرُهُ } أي ذلك اليوم الملحوظ بعنوان الجمع والشهود ، ونقل الجو في رجوع الضمير للجزاء ، وقرأ الأعمش . ويعقوب يؤخره بالياء .
{ إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ } أي لانتهاء مدة قليلة ، فالعد كناية عن القلة ، وقد يجعل كناية عن التناهي ، والأجل عبارة عن جميع المدة المعينة للشيء ، وقد يطلق على نهايتها ، ومنع إرادة ذلك هنا لأنه لا يوصف بالعد في كلامهم بوجه ، وجوزها بعضهم بناءاً على أن الكناية لا يشترط فيها إمكان المعنى الأصلي ، وتعقب بأنه عدول عن الظاهر ، وتقدير المضاف أسهل منه . واللام للتوقيت ، وفي المجمع أنها تدل على الغرض وأن الحكمة اقتضت التأخير ولذا عدل عن إلى { إِلَيْهَا } وفي الآية رد على الدهرية . والفلاسفة الزاعمين أنه لا انقضاء لمدة الدنيا ، وهو بحث مفروغ منه .

(8/367)


يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)

{ يَوْمَ يَأْتِ } أي ذلك اليوم المؤخر بانقضاء أجله المضروب حسبما تقتضيه الحكمة وهو المروى عن ابن جريج ، وقبل : الضمير للجزاء أيضاً ، وقيل : لله تعالى ، وفيه من تفخيم شأن اليوم ما لا يخفى ، ويعضده قراءة وما يؤخرخ بالياء ، وتسبة الإتيان . ونحوه إليه سبحانه أتت في غير ما آية ، واعترض الأول بأت التقدير عليه يوم إتيان ذلك اليوم ولا يصح لأن تعرف اليوم بالاتيان يأبى تعرف الاتيان به ، ولأن إتيان اليوم لا ينفك عن يوم الاتيان فيكفي الإسناد وتلغو الإضافة ، ونقل العلامة الطيبي نصاً على عدم جوازه كما لا تقول : جئتك يوم بشرك ، وأجيب أن كل زمان له شأن يعتبر تجدده كالعيد . والنيروز . والساعة مثلاً ، يجري مجرى الزماني وإن كان في نفسه زماناً فباعتبار تغاير الجهتين صحت الإضافة والإسناد كما يصح أن يقال : يوم تقوم الساعة . ويوم يأتي العيد . والعيد في يوم كذا ، فالأول زمان وضميره أعني فاعل الفعل زماني ، وإذاً حسن مثل قوله :
فسقى الغضى والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانحي وضلوعي
فهذا أحسن ، وقرأ النحويان . ونافع { يَأْتِىَ } بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً ، وابن كثير باثباتها وصلاً ووقفاً وهي ثابتة في مصحف أبي ، وقرأ باقي السبعة بحذفها وصلاً ووقفاً ، وسقطت في مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه ، وإثباتها وصلاً ووقفاً هو الوجه ، ووجه حذفها في الوقف التشبيه بالفواصل ، ووصلا ووقفاً التخفيف كما قالوا : لا أدر ولا أبال ، وذكر الزمخشري أن الاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل ، ومن ذلك قوله :
كفاك ما تليق درهما ... جوداً وأخرى تعط بالسف الدما
وقرأ الأعمش يوم يأتون بواو الجمع ، وكذا في مصحف عبد الله أي يوم يأتي الناس . وأو أهل الموقف { لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } أي لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة ، وهذا الفعل على الأظهر هو الناصب للظرف السابق .
وجوز أن يكون منصوباً بالانتهاء المضاف إلى الأجل وأن يكون مفعولاً به لا ذكر محذوفاً ، وهذه الجملة في موضع الحال من ضمير اليوم ، وأجاز الحوفي . وابن عطية كونها نعتاً ليوم ، وتعقب بأنه يقتضي أن إضافته لا تفيده تعريفاً وهو ممنوع ولعل من يدعي ذلك يقول : إن الجمل بمنزلة النكرات حتى أطلقوا عليها ذلك فالاضافة إليها كالإضافة إليها { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } أي إلا باذن الله تعالى شأنه وعز سلطانه في التكلم كقوله سبحانه : { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } [ النبأ : 38 ] وهذا في موقف من مواقف ذلك اليوم ، وقوله تبارك وتعالى : { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } [ المرسلات : 35 ، 36 ] في موقف آخر من مواقفه كما أن قوله تعالى : { يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا } [ النحل : 111 ] في آخر منها ، وروي هذا عن الحسن .

(8/368)


وقد ذكر غير واحد أن المأذون فيه الأجوبة الحقة والممنوع منه الأعذار الباطلة ، نعم قد يؤذن فيها أيضاً لإظهار بطلانها كما في قول الكفرة : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 32 ] ونظائره ، والقول بأن هذا ليس من قبيل الأعذار وإنما هو إسناد الذنب إلى كبرائهم وأنهم أضلوهم ليس بشيء كما لا يخفى ، وفي الدرر والغرر للسيد المرتضى أن بين قوله سبحانه : { يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } وقوله سبحانه : { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } [ المرسلات : 35 ، 36 ] وكذا قوله جل وعلا : { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } [ الصافات : 27 ] اختلافاً بحسب الظاهر ، وأجاب قوم من المفسرين عن ذلك بأن يوم القيامة يوم طويل ممتد فيجوز أن يمنعوا النطق في بعضه ويؤذن لهم في بعض آخر منه ، ويضعف هذا الجواب أن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله فكيف يجوز أن تكون الآيات فيه مختلفة ، وعلى ما ذكروه يكون معنى { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } هذا يوم لا ينطقون في بعضه وهو خلاف الظاهر ، والجواب السديد عن ذلك أن يقال : إنما أريد نفي النطق المسموع المقبول الذي ينتفعون به ويكون لهم في مثله إقامة حجة وخلاص لا نفي النطق مطلقاً بحيث يعم ما ليس له هذه الحالة ، ويجري هذا المجرى قولهم : خرس فلان عن حجته . وحضرنا فلاناً يناظر فلاناً فلم نره قال شيئاً وإن كان الذي وصف بالخرس والذي نفى عنه القول قد تكلم بكلام كثير إلا أنه من حيث لم يكن فيه حجة ولم يتضمن منفعة جاز إطلاق ما حكيناه عليه ، ومثله قول الشاعر :
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يوارى جارتي الخدر
ويصم عما كان بينهما ... سمعي وما بي غيره وقر
وعلى هذا فلا اختلاف لأن التساؤل والتلاؤم مثلا لا حجة فيه ، وأما قوله سبحانه : { وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } [ المرسلات : 36 ] فقد قيل فيه : إنهم غير مأمورين بالاعتذار فكيف يتعذرون ، ويحمل الإذن على الأمر وإنما لم يؤمروا به لأن تلك الحالة لا تكليف فيها والعبادة ملجأون عند مشاهدة الأهوال إلى الاعتراف والإقرار ، وأحسن من هذا أن يحمل { يُؤْذَنُ لَهُمْ } أنه لا يسمع لهم ولا يقبل عذرهم انتهى .
وأنت تعلم أن تضعيفه لما أجاب به القوم من امتداد يوم القيامة وجواز كون المنع من النطق في بعض منه والإذن في بعض آخر ليس بمرتضى عند ذي الفكر الرضى لظهور صحة وقوع الزمان الممتد ظرفاً للنقيضين فيما إذا لم يقتض كل منهما أو أحدهما جميع ذلك الزمان ، وقد شاع دفع التناقض بين الكلامين بمثل ما فعلوا ومرجعه إلى القول باختلاف الزمان كما أن مرجع ما روي عن الحسن إلى القول باختلا المكان ، واتحاد الزمان والمكان من شروط تناقض القضيتين وليس هذا الذي فعلوه بأبعد مما فعله المرتضى على أن في كلامه بعد مّا لا يخفى .

(8/369)


وقال بعض الفضلاء : لا منافاة بين هذه الآية والآيات التي تدل على التكلم يوم القيامة لأن المراد من يوم يأتي حين يأتي ، والقضية المشتملة على ذلك وقتية حكم فيها بسلب المحمول عن جميع أفراد الموضوع في وقت معين وهذا لا ينافي ثبوت المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت ، وقال ابن عطية : لا بد من أحد أمرين : إما أن يقال : إن ما جاء في الآيات من التلاؤم والتساؤل والتجادل ونحو ذلك مما هو صريح في التكلم كان عن إذن ، وإما أن يحمل التكلم هنا على تكلم شفاعة أو إقامة حجة وكلا القولين كما ترى ، والاستثناء قيل : من أعم الأسباب أي لا تكلف نفس بسبب من الأسباب إلا بسبب إذنه تعالى وه متصل ، وجوز أن يكون منقطعاً ويقدر ما لا يتناول المستثنى أي لا تكلم نفس باقتدار من عندها إلا باذنه تعالى ، ولا يخفى أن هذا استثناء مفرغ ، وقد طرق سمعك ما هو الأصح فيه ، وقرىء كما في المصاحف لابن الأنبار يوم يأتون لا تكلم دابة إلا باذنه { فَمِنْهُمْ } أي أهل الموقف المدلول عليه بقوله سبحانه : { لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } أو الجميع الذي تضمنه { نَفْسٌ } إذ هو اسم جنس أريد به الجميع على ما نقله أبو حيان عن ابن عطية ، أو الناس المذكور في قوله سبحانه : { مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس } [ هود : 103 ] ونقل ابن الأنباري أن الضمير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو من الغرابة بمكان وكأنه قصد هذا القائل بذلك تمهيداً لتوجيه الاستثناء الآتي وهو ولله الحمد غني عن ذلك ، والظاهر أن { مِنْ } للتبعيض والجار والمجرور خبر مقدم ، وقوله سبحانه : { شَقِىٌّ } مبتدأ ، وقوله تعالى : { وَسَعِيدٌ } بتقدير ومنهم سعيد ، وحذف منهم لدلالة الأول عليه ، والسعادة على ما قال الراغب : معاونه الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير ويضادها الشقاوة ، وفسر في البحر الشقاوة بنكد العيش وسوئه ، ثم قال : والسعادة ضدها ، وفي القاموس ما يقرب من ذلك ، فالشقي . والسعيد هما المتصفان بما ذكر ، وفسر غير واحد الأول بمن استحق النار بمقتضى الوعيد . والثاني بمن استحق الجنة بموجب الوعد ، وهذا هو المتعارف بين الشرعيين ، وتقديم الشقى على السعيد لأن المقام مقام الانذار والتحذير .

(8/370)


فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)

{ فَأَمَّا الذين شَقُواْ } أي سبقت لهم الشقاوة { فَفِى النار } أي مستقرون فيها { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } قال أهل اللغة من الكوفية . والبصرية : الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار والشهيق بمنزلة آخر نهيقه ، قال رؤبة :
حشرج في الصدر صهيلا أو شهق ... حتى يقال ناهق وما نهق
وقال ابن فارس : الزفير إخراج النفس . والشهيق رده ، قال الشماخ في حمار وحش :
بعيد مدى التطريب أول صوته ... زفير ويتلوه شهيق محشرج
وقال الراغب : الزفير ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه من زفر فلان إذا حمل حملاً بمشقة فتردد فيه نفسه ، ومنه قيل : للإماء الحاملات الماء : زوافر . والشهيق طول الزفير وهو رد النفس ، والزغير مده ، وأصله من جبل شاهق أي متناه في الطول .
وعن السائب أن الزفير للحمير . والشهيق للبغال وهو غريب ، ويراد بهما الدلالة على كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بحال من استولت على قلبه الحرارة وانحصر فيه روحه ، أو تشبيه أصواتهم بأصوات الحمير ففي الكلام استعارة تمثيلية أو استعارة مصرحة ، والمأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : يريد ندامة ونفساً عاليا وبكاءاً لا ينقطع ، وقرأ الحسن { شَقُواْ } بضم الشين فاستعمل متعدياً لأنه يقال شقاه الله تعالى كما يقال أشقاه ، وجملة { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } الخ مستأنفة كأن سائلا قال : ما شأنهم فيها؟ فقيل لهم فيها كذا وكذا ، وجوّز أن تكون منصوبة المحل على الحالية من النار أو من الضمير في الجار والمجرور
[ بم كقوله عز وجل :

(8/371)


خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)

{ خالدين فِيهَا } خلا أنه إن أريد حدوث كونهم في النار فالحال مقدرة { مَا دَامَتِ * السموات والارض } أي مدة دوامهما ، وهذا عبارة عن التأييد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب : لا أفعل كذا ما لاح كوكب . وما أضاء الفجر . وما اختلف الليل والنهار . وما بل بحر صوفة . وما تغنت حمامة إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم لا تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السموات والأرض ، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها وانقطاع دوامهما ، وروي هذا عن ابن جرير ، وجوز أن يحمل ذلك على التعليق والمراد بالسموات والأرض سموات الآخرة وأرضها ، وهي دائمة للأبد ، قال الزمخشري : والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله سبحانه : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الارض غَيْرَ الارض } [ إبراهيم : 48 ] وقوله سبحانه : { وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الارض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء } [ الزمر : 74 ] ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء يخلقها الله تعالى أو يظلهم العرش ، وكل ما أظلك فهو سماء انتهى .
قال القاضي : وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه ومن عرفه فإنما عرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه ، وأجاب عنه صاحب الكشف بأنه إذا أريد ما يظلهم وما يقلهم فهو ظاهر السقوط لأن هذا القدر معلوم الوجود لكل عاقل واما الدوام فليس مستفاداً من دليل دوام الثواب والعقاب بل مما يدل على دوام الجنة والنار سواء عرف أنهما دار الثواب والعقاب وأن أهلهما السعداء والأشقياء من الناس أولاً على أنه ليس من تشبيه ما يعرف بما لا يعرف بل العكس انتهى ، وتعقبه الجلبي بأن قوله : لكل عاقل غير صحيح فانه لا يعترف بذلك إلا المؤمنون بالآخرة ، وقوله الدوام مستفاد مما يدل على دوام الجنة والنار لا يدفع ما ذكره القاضي لأنه يريد أن المشبه به ليس أعرف من المشبه لا عند المتدين لأنه يعرف كليهما من قبل الأنبياء عليهما السلام وليس فيه ما يوجب أعرفية دوام سموات الآخرة وأرضها وليس مراده أن دوامهما مستفاد من خصوص الدليل الدال على الثواب والعقاب بعينه فإنه لا يهمه ليمنع ولا عند غير المتدين فانه لا يعترف به ولا بها ولا يعرفه ، وقوله : على أنه ليس من تشبيه الخ مبني على أنه تشبيه تلك الدار بهذه الذار وليس بذلك ، وإنما المراد التشبيه الضمني لدوامهم بدوامهما انتهى ، وفيه بحث .
والحق أن صحة إرادة ذلك مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ، وفي الاختبار عن ابن عباس . والحسن . والسدى . وغيرهم ما يقتضيه ، ومن تأمل منصفاً بعد تسليم أن هناك تشبيهاً يظهر له أن المشبه به أعرف من المشبه وأقرب إلى الذهن ، واتحاد طريق العلم بهما لا يضر في ذلك شيئاً بداهة أن ثبوت الحيز أعرف وأقرب إلى الذهن من ثبوت ما تحيز فيه وإن وردا من طرق السمع كما لا يخفى على أن اشتراط كون المشبه به أعرف في كل تشبيه غير مسلم عند الناظر في المعاني ، نعم المتبادر من السموات والأرض هذه الأجرام المعهودة عندنا ، فالأولى أن تبقى على ظاهرها ويجعل الكلام خارجاً مخرج ما اعتادته العرب في محاوراتهم عند إرادة التبعيد والتأبيد ، وهو أكثر من أن يحصى ، ولعل هذا أولى أيضاً مما في تفسير ابن كثير من حمل السموات والأرض على الجنس الشامل لما في الدنيا والآخرة أي المظل والمقل في كل دار ، وفي الدرر أنه يمكن أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدة بقاء السموات والأرض التي يعلم انقطاعها ثم يزيدهم سبحانه على ذدلك ويخلدهم ويؤبد مقامهم ، ولعله أراد مدة بقائهما منذ خلقهما الله تعالى إلى أن يبدلهما لا مدة بقائهما بعد دخولهم النار يوم القيامة لأنهما يبدلان قبل دخولهم .

(8/372)


والآية على هذا من قبيل قوله سبحانه : { لابثين فِيهَا أَحْقَاباً } [ النبأ : 23 ] { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } قيل : هو استثناء من الضمير المستكن في { خالدين } وتكون { مَا } واقعة على نوع من يعقل كما في قوله سبحانه : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 3 ] أو واقعة على من يعقل على مذهب من يرى وقوعها عليه مطلقاً .
والمراد بمن شاء فساق الموحدين فإنهم يخرجون منها كما نطقت به الأخبار ، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فانهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم ، والتأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء ، ألا ترى أنك إذا قلت : مكثت يوم الخميس في البستان إلا ثلاث ساعات جاز أن يكون ذلك الزمان الواقع فيه عدم المكث من أوله ومن آخره ، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم ، ولا يقال : فعلى هذا لا يكون قوله سبحانه : { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } [ هود : 105 ] تقسيماً صحيحاً لأن من شرطه أن تكون صفة كل قم منفية عن قسيمه لأن ذلك الشرط حيث الانفصال حقيقي أو مانع من الجمع ، وههنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون من القسمين وأن حالهم لا تخلو عن السعادة والشقاوة ، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص واحد باعتبارين انتهى ، وهو ما ذكره الإمام وآثره القاضي ، واعترض بأنه لا دلالة في اللفظ على المبدأ المعين ولو سلم فالاستثناء يقتضي إخراجاً عن حكم الخلود وهو لا محالة بعد الدخول ، فكيف ينتقض بما سبق عليه؟ كيف وقد سبق قوله تعالى : { فِى الجنة } ؟ ثم قيل : فإن قلت : زمان تفرقهم عن الموقف هو الابتداء وهو رخر يوم يأتي قلت : إن ادعى أن الابتداء من ابتداء ذلك الزمان جاز أن يسلم دلالة اللفظ عليه ولا ينفع لأن الكل في الدارين غير خالدين على هذا التقدير ، وأما جعل ابتداء المدة من انتهائه فلا ، وبأن تقابل الحكمين يدل على تقابل القسمين بمعنى منع الجمع مطلقاً؛ وأجيب بعد غمض العين عما في ذلك من الخروج عن آداب المناظرة بأن مبدأ زمان خلود أهل الجنة من زمان دخول أهل النار في النار ، ويدل على ذلك اتحاد معيار الخلودين ، وهو { مَا دَامَتِ * السموات والارض } فإنه يدل على زمان خلودهما ولا اتحاد مع الاختلاف في المبدأ ، والاستثناء عن حكم الخلود من مبدأ معين يكون بالإخراج عن حكم الدخول الذي يتضمنه الخلود فيها لا محالة .

(8/373)


وخلاصة المعنى على هذا أن الشعداء كلهم خالدون في الجنة من زمان دخول أهل النار في النار إلا العصاة منهم الذين أراد الله سبحانه دخولهم في النار مدة معينة علمها عنده جل وعلا ، وما ذكر من حديث تقابل الحكمين إن أريد تقابلهما بمعنى منع الجمع فلا تقابل فيهما بهذا المعنى لاجتماعهما في العصاة ، وإن أريد مطلقاً فلا دلالة على تقابل القسمين بذلك المعنى انتهى .
ولا يخفى على المنصف ما في ذلك القول من التكلف ومخالفة الظاهر والانتصار له بما ذكر لا يجديه نفعاً ، وقيل : هو استثناء من الضمير المتقدم إلا أن الحكم الخلود في عذاب النار ، وكذا يقال فيما بعد : إن الحكم فيه الخلود في نعيم الجنة وأهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحياناً وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى منها كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله تعالى الذي هو أكبر وما يتفضل به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو سبحانه وتعالى ، وإلى هذا ذهب الزمخشري سالاً سيف البغي والاعتزال ، وقد رده العلامة الطيبي وأطال الكلام في ذلك .
وقال «صاحب الكشف» : إن ذلك في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حر النار إلى برد الزمهرير ، والرد بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد لأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليباً أما دعوى الغلبة حتى يهجر الأصل فكلا ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { نَاراً تلظى } [ الليل : 14 ] { نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ التحريم : 6 ] وكم . وكم ، وأما رضوان الله تعالى عن أهل الجنة وهم فيها فيأبى الاستثناء كيف وقوله سبحانه : { خالدين فِيهَا } لا يدل بظاهره على أنهم منعمون بها فضلاً عن انفرادها بتنعمهم إلا أن يخصص بجنة الثواب لا محض التفضل ، وكفاه بطلاناً التخيص من غير دليل ، واعترض بأن لك أن تقول : هجر الأصل في الآيتين اللتين ذكرتا علم من الوصف ، وفي هذه الآية ذكرها في مقابلة الجنة يعضد أن المراد بها دار العقاب مطلقاً .

(8/374)


وقيل : إن الاستثناء مفرغ من أعم الأوقات و { مَا } على أصلها لما لا يعقل وهو الزمان والحكم الكون في النار ، والمعنى أما الذين شقوا ففي النار في كل زمان بعد إتيان ذلك اليوم إلا زماناً شاء الله تعالى فيه عدم كونهم فيها وهو زمان موقف الحساب ، واعترض بأن عصاة المؤمنين الداخلين النار إما سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان المستثنى وليس كذلك . أو أشقياء فيلزم أن يخلدوا في النار وهو خلاف مذهب أهل السنة ، وأيضاً تأخره عن الحال ولا مدخل لها في الاستثناء لا يفصح ، والإبهام بقوله سبحانه : { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } والتفخيم الذي يعطيه لا يبقى له رونق ، وأجيب بأنه قد يقال : إن القائل بذلك يخص الأشقياء بالكفار والسعداء بالأتقياء ويكون العصاة مسكوتاً عنهم هنا فلا يرد عليه شيء إن كان سنياً وإن كان معتزلياً فقد وافق سنن طبعه ، ويجاب عما بعد بالمنع ، وقيل : أمر الاستثناء ما علمت إلا أن المستثنى مدة لبثهم في الدنيا أو البرزخ ويقطع النظر عن { يَوْمَ يَأْتِى } [ هود : 105 ] والمعنى أنهم في النار جميع أزمان وجودهم إلا زماناً شاء الله تعالى لبثهم في الدنيا أو البرزخ ، والمراد مع زمان الموقف إذ ليسوا في زمانه أيضاً في النار إلا أن يراد بالنار العذاب فلا يحتاج للمعية لكن يرد أنهم معذبون في البرزخ أيضاً إلا أن يقال : لا يعتد بذلك لأنه عذاب غير تام لعدم تمام حياتهم فيه ، وأورد عليه ما أورد على ما قبله ، وأجيب بأنه إنما يرد لو كان المستثنى في الاستثناء الثاني هو ذلك الزمان المستثنى في الاستثناء الأول وهو غير مسلم فليكن المستثنى منه زمان لبثهم في النار مع ذلك الزمان المستثنى في الآية الأولى فإن المستثنى ليس فيه ما يدل على تعيين زمان حتى لا يمكن الزيادة عليه وهو كما ترى .
وقيل : هو استثناء من قوله سبحانه : { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [ هود : 106 ] ورد بأن المقابل لا يجري فيه هذا ويبقى الاشكال ، وأجيب بأن المراد ذكر ما تحتمله الآية والإطراد ليس بلازم ، وتعقب بأنه ليس المراد إلا بيان ضعف هذا الوجه وكفى بعدم الإطراد ضعفاً ، وقيل : { إِلا } بمعنى سوى كقولك : لك عليّ ألفان إلا الألف التي كانت يعني سواها ، ونقل ذلك عن الزجاج . والفراء . والسجاوندي ، والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السموات والأرض ، والاستثناء في ذلك منقطع ، ويحتمل أن يريدوا أن { إِلا } بمعنى غير صفة لما قبلها والمعنى يخلدون فيها مقدار مدة السموات والأرض سوى ما شاء الله تعالى مما لا يتناهى ، وضعف هذا القيل بأنه يلزم حمل السموات والأرض على هذين الجسمين المعروفين من غير نظر إلى معنى التأييد وهو فاسد ، وقيل : { إِلا } بمعنى الواو أي وما شاء ربك زائداً على ذلك ، واستشهد على مجيئها بمعنى الواو بقوله

(8/375)


: وكل أخر مفارقه أخوه ... لعمر أبيك ( إلا ) الفرقدان
وفيه أن هذا قول مردود عند النحاة ، وقال العلامة الطيبي : الحق الذي لا محيد عنه أن يحمل { مَا } على من لإرادة الوصفية وهي المرحومية ، و { خالدين } حال مقدرة من ضمير الاستقرار أن في النار ، والمعنى وأما الذين شقوا ففي النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء الله تعالى أن لا يستقر مخلداً فيفيد أن لا يستقر فيها مطلقاً أو يستقر غير مخلد ، وأحوال العصاة على هذا النهج كما علم من النصوص ، وفي ذلك إيذان بأن إخراجهم بمحض رحمة الله تعالى فينطبق عليه قوله سبحانه : { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } وتعقب بأنه لا يجري في المبال إلا بتأويل الإمام وقد مر ما فيه ، أو بجعله من أصل الحكم ويقتضي أن لا يدخلوا أصلاً ، وإذا أول بمقدرين فلو جعل استثناء من مقدرين لم يتجه ، ومن قوله تعالى : { فِى النار } فلا يكون لهم دخول أصلاً ، ودلالة { مَا } لإبامه إما على التفخيم أو التحقير ولا يطابق المقام ، وقيل : وقيل ، والأوجه أن يقال : إن الاستثناء في الموضعين مبني على الفرض والتقدير فمعنى إلا ما شاء إن شاء لو فرض أن الله تعالى شاء إخراجهم من النار أو الجنة في زمان لكان مستثنى من مدة خلودهم لكن ذلك لا يقع لدلالة القواطع على عدم وقوعه ، وهذا كما قال الطيبي من أسلوب { حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } [ الأعراف : 40 ] { وَلاَ * يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى } [ الدخان : 56 ] وذكر أنه وقف على نص من قبل الزجاج يوافق ذلك .
وفي المعالم عن الفراء أيضاً ما يوافقه حيث نقل عنه أنه قال : هذا استثناء استثناه سبحانه ولا يفعله كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه ، وحذو القذة بالقذة ما نقله قبل عن بعضهم أن المعنى لو شاء لأخرجهم لكنه لا يشاء لأنه سبحانه حكم لهم بالخلود .
وفي البحر عن ابن عطية نقلاً عن بعض ما هو بمعناه أيضاً حيث قال : وأما قوله تعالى : { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } فقيل فيه : إنه على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام فهو على نحو قوله جل وعلا : { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ } [ الفتح : 27 ] استثناء في واجب ، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كأنه قيل : إن شارء ربك فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع ، وممن ذهب إلى ذلك أيضاً الفاضل ميرزاجان الشيرازي في تعليقاته على تفسير القاضي ونص على أنه من قبيل التعليق بالمحال حتى يثبت محالية المعلق ويكون كدعوى الشيء مع بينة ، وهو أحد الأوجه التي ذكرها السيد المرتضى في درره ، وتفسير الاستثناء الأول بالشرط أخرجه ابن مردويه عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك الجلال السيوطي في الدر المنثور ، ولعل النكتة في هذا الاستثناء على ما قيل : إرشاد العبد إلى تفويض الأمور إليه جل شأنه وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته جل وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لاحق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال تبارك وتعالى : { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } .

(8/376)


وذكر بعض الأفاضل أن فائدته دفع توهم كون الخلود أمراً واجباً عليه تعالى لا يمكن له سبحانه نقضه كما ذهب إليه المعتزلة حيث أخبر به جل وعلا مؤكداً ، والمراد بالذين شقوا على هذا الوجه الكفار فقط فانهم الأحقاء بهذا الاسم على الحقيقة وبالذين سعدوا المؤمنون كافة مطيعهم وعاصيهم فيكون التقسيم في قوله سبحانه : { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } [ هود : 105 ] للانفصال الحقيقي ولا ينافيه قوله تعالى : { فَفِى الجنة } [ هود : 108 ] لأنه يصدق بالدخول في الجملة .
وفي الكشف بعد نقل أن الاستثناء من باب { حتى يَلِجَ الجمل } [ الأعراف : 40 ] فإن قلت : فقد حصل مغزي الزمخشري من خلود الفساق ، قلت : لا كذلك لأنهم داخلون في السعداء ، والآية تقتضي خلود السعيد وذلك بعد دخوله فيها لا محالة ، ولا تنفي كينونته في النار قبل دخوله في الجنة فإن اللفظ لا يقتضي أن يدخلوا أعني السعداء كلهم في الجنة معا كيف والقاطع يدل على دخولهم أولا فأولا عى حسب مراتبهم انتهى فتأمل ، فإن الآية من المعضلات .
وإنما لم يضمر في { إِنَّ رَبَّكَ } الخ كما هو الظاهر لتربية المهابة وزيادة التقرير ، واللام في { لَّمّاً } قيل : للتقوية أي فعال ما يريده سبحانه لا يتعاصى عليه شيء بوجه من الوجوه .

(8/377)


وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)

{ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة * خالدين فِيهَا * دَامَتِ السماوات والارض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } الكلام فيه ما علمتخلا أنه لم يذكر ههنا أن لهم بهجة وسروراً كما ذكر في أهل النار { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [ هود : 106 ] لأن المقام مقام التحذير والإنذار ، و { سُعِدُواْ } بالبناء للمفعول قراءة حمزة . والكسائي . وحفص ، ونسبت إلى ابن مسعود . وطلحة بن مصرف . وابن وثاب . والأعمس ، وقرأ جمهور السبعة { سُعِدُواْ } بالبناء للفاعل ، واختار ذلك علي بن سليمان ، وكان يقول : عجباً من الكسائي كيف قرأ { سُعِدُواْ } مع علمه بالعربية ، وهذا عجيب منه فإنه ما قرأ إلا ما صح عنده ولم يقرأ بالرأي ولم يتفرد بذلك ، وروي عنه أنه احتج لذلك بقولهم : مسعود ، وتعقب بأنه لا حجة فيه لاحتمال أنه كان مسعود فيه ، وذكر أن الفراء حكى أن هذيلاً تقول : سعده الله تعالى بمعنى أسعده ، وقال الجوهري : سعد بالكسر فهو سعيد مثل قولهم : سلم فهو سليم ، وسعد فهو مسعود ، وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري : ورد سعده الله تعالى فهو مسعود ، . وأسعده الله تعالى فهو مسعد ، وما ألطف الإشارة في شقوا . وسعدوا على قراءة البناء للفاعل في الأول والبناء للمفعول في الثاني ، فمن وجد ذلك فليحمد الله تعالى . ومن لم يجد فلا يلومنّ إلا نفسه { عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } أي غير مقطوع عنهم ولا مخترم ، ومصدره الجذ ، وقد جاء جذذت . وجددت بالذال المعجمة والدال كما قال ابن قتيبة ، وبالمعجمة أكثر ، ونصب { *عطاءاً } على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله سبحانه : { سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا } يقتضي إعذاءاً وإنعاماً فكأنهم قيل : يعطيهم إعطاءاً وهو إما اسم مصدر هو الاعطاء . أو مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى : { أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] ، وقيل : هو نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة . أو تمييز ، فإن نسبة مشيئة الخروج إلى الله تعالى تحتمل أن تكون على جهة عطاء مجذوذ ، وعلى جهة عطاء غير مجذوذ فهو رافع للإبهام عن النسبة ، ولعل النصب على المصدرية أولى وكأنه جيء بذلك اعتناءاً ومبالغة في التأبيد ودفعاً لما يتوهم من ظاهر الاستثناء من الانقطاع ، وقيل : إن ذلك لبيان أن ثواب أهل الجنة وهو إما نفس الدخول . أو ما هو كاللازم البين له لا ينقطع فيعلم منه أن الاستثناء ليس للدلالة على الانقطاع كما في العقاب بل للدلالة على ترادف نعم ورضوان من الله تعالى؛ أو لبيان النقص من جانب المبدأ ولهذا فرق في النظم بين التأبيد من حيث تمم الأول بقوله سبحانه : { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } [ هود : 107 ] للدلالة على أنه ينعم بعض من يعذبه ويبقى غيره كما يشاء ويختار؛ والثاني بقوله تعالى : { *عطاءاً } الخ بياناً لأن إحسانه لا ينقطع ، ومن الناس من تمسك بصدر الآية أنه لا يبقى في النار أحد ولم يقل بذلك في الجنة ، وتقوى مطلبه ذاك بما أخرجه ابن المنذر عن الحسن قال : قال عمر : لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه ، وبما أخرج إسحق بن راهويه عن أبي هريرة قال : سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد ، وقرأ

(8/378)


{ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الذين شَقُواْ } [ هود : 106 ] الآية ، وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ * السموات والارض *إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } [ هود : 801 ] قال : وقال ابن مسعود : ليأتين عليها زمان تصفق فيه أبوابها ، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً إلى غير ذلك من الآثار .
وقد نص ابن الجوزي على وضع بعضها كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص بأتي على جهنم يوم ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين ، وأول البعض بعضها؛ ومر شيى من الكلام في ذلك ، وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون ولا عبرة بالمخالف ، والقواطع أكثر من أتي تحصى ، ولا يقاوم واحداً منها كثير من هذه الأخبار ، ولا دليل في الآية على ما يقوله المخالف لما علمته من الوجوه فيها ولا حاجة إلى دعوى النسخ فيها كما روي عن السدى بل لا يكاد يصح القول بالنسخ ي مثل ذلك ، هذا وقد ذكر أن في الآية صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم أما الجمع ففي قوله تعالى : { يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ هود : 105 ] فإن النفس كما تقرر عامة لكونها نكرة في سياق النفي ، وأما التفريق ففي قوله تعالى : { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } [ هود : 105 ] وأما التقسيم ففي قوله سبحانه : { فَأَمَّا الذين شَقُواْ } [ هود : 106 ] الخ ونظيرها في ذلك قول الشريف القيرواني :
لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا وللمعدم الغني ... وللمذنب العتبي وللخائف الأمن
ومن هنا يعلم حال الفاءين فاء { فَمِنْهُمْ } وفاء { فَأَمَّا } الخ ، قيل : وفي العدول عن فأما الشقى ففي النار خالداً فيها الخ وأما السعيد أو المسعود ففي الجنة خالداً فيها الخ إلى ما في النظم الجليل إشارة إلى سبق هذه الشقاوة والسعادة وأن ذلك أمر قد فرغ منه كما يدل عليه ما أخرجه أحمد . والترمذي . والنسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا : لا يا رسول الله أما تخبرنا؟ فقال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وآبائهم وقبائلهم أجلهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ، ثم قال للذي في شماله : هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وآبائهم وقبائلهم ثم أجملهم على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ، فقال أصحابه : ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال : سدّدوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل ، وأن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ، ثم قال صلى الله عليه وسلم بيده فنبذهما وقال : فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير» وجاء في حديث «الشقي من شقى في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه» وحمل ذلك بعضهم على ظهور الأمر لملك الموكل بالنطفة وإلا فالأمر قبل ذلك ، وبعضهم فسر الأمر بالثبوت العلمي الذي يظهر المعلوم منه إلى هذا الوجود الخارجي وهو ضرب من التأويل كما لا يخفى ، ولا يأبى هذه الإشارة عند التأمل ما أخرجه الترمذي وحسنة .

(8/379)