صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)

{ إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّى وَرَبّكُمْ } وفيه تعليل لنفي ضرهم بطريق برهاني يعني أنكم وإن لم تبقوا في القوس منزعاً وبذلتم في مضادتي مجهودكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكل على الله تعالى واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يصدر عنكم شيء ولا يصيبني أمر إلا بإرادته ، وجىء بلفظ الماضي لأنه أدل على الإنشاء المناسب للمقام ، ثم إنه عليه السلام برهن على عدم قدرتهم على ضره مع توكله عليه سبحانه بقوله : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } أي إلا هو مالك لها قادر عليها يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه سبحانه ، والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها ، واستعمال الأخذ بالناصية في القدرة والتسلط مجاز أو كناية ، وفي «البحر» أنه صار عرفاً في القدرة على الحيوان ، وكانت العرب تجز الأسير الممنون عليه علامة على أنه قد قدر عليه وقبض على ناصيته ، وقوله : { إِنَّ رَبّى على * صراط مُّسْتَقِيمٍ } مندرج في البرهان وهو تمثيل واستعارة لأنه تعالى مطلع على أمور العباد مجاز لهم بالثواب والعقاب كاف لمن اعتصم به كمن وقف على الجادة فحفظها ودفع ضرر السابلة بها ، وهو كقوله سبحانه : { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } [ الفجر : 14 ] ، وقيل : معناه إن مصيركم إليه تعالى للجزاء وفصل القضاء ، ولعل الأول أولى ، وفي «الكشف» إن في قوله : { إِنّى تَوَكَّلْتُ } الآية من اللطائف ما يبهرك تأمله من حسن التعليل ، وما يعطيه أن من توكل عليه لم يبال بهول ما ناله ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله : { رَبّى وَرَبَّكُمْ } فكيف يصاف من لزم سدّة العبودية وينجو من تولى مع ما يعطيه من وجوب التوكل عليه سبحانه إذا كان كذلك وترشيخه بقوله : { مَّا مِن دَابَّةٍ } إلى تمام التمثيل فإنه في الاقتدار على المعرض أظهر منه في الرأفة على المقبل خلاف الصفة الأولى ، وما فيه من تصوير ربوبيته واقتداره تعالى وتصوير ذل المعبودين بين يدي قهره أياً مّا كان ، والختم بما يفيد الغرضين على القطع كفاية من إياه تولى وخزاية من أعرض عن ذكره وتولى بناءاً على أن معناه أنه سبحانه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم ، وفي قوله : { رَبّى } من غير إعادة { وَرَبّكُمْ } كما في الأول نكتة سرية بعد اختصار المعنى عن الحشو فيه ما يدل على زيادة اختصاصه به وأنه رب الكل استحقاقاً وربه دونهم تشريفاً وإرفاقاً .

(8/280)


فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)

{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي تتولوا فهو مضارع حذف منه إحدى التاءين وحمل على ذلك لاقتضاء أبلغتكم له ، وجوز ابن عطية كونه ماضياً ، وفي الكلام التفات ولا يظهر حسنه ولذا قدر غيره ممن جعله كذلك فقل أبلغتكم لكنه لا حاجة إليه ، ويؤيد ذلك قراءة الأعرج . وعيسى الثقفي { تَوَلَّوْاْ } بضم التاء واللام مضارع ولى ، والمراد فإن تستمروا على ما كنتم عليه من التولي والإعراض لوقوع ذلك منهم فلا يصلح للشرط ، وجوز أن يبقى على ظاهره بحمله على التولي الواقع بعدما حجهم ، والظاهر أن الضمير لقوم هود والخطاب معهم ، وهو من تمام الجمل المقولة قبل ، وقال التبريزي : إن الضمير لكفار قريش وهو من تلوين الخطاب ، وقد انتقل من الكلام الأول إلى الإخبار عمن بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكأنه قيل : أخبرهم عن قصة قوم هود وادعهم إلى الإيمان بالله تعالى لئلا يصيبهم كما أصاب قوم هود عليه السلام { فَإِن تَوَلَّوْاْ } فقل لهم قد أبلغتكم الخ وهو من البعد بمكان كما لا يخفى ، وقوله سبحانه : { فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ } دليل جواب الشرط أي إن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ فإن ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول ، وقيل : التقدير إن تتولوا فما عليّ كبيرهمّ منكم فإنه قد برئت ساحتي بالتبليغ وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان ، وقيل : إنه الجزاء باعتبار لازم معناه المستقبل باعتبار ظهوره أي فلا تفريط مني ولا عذر لكم ، وقيل : إنه جزاء باعتبار الإخبار لأنه كما يقصد ترتب المعنى يقصد ترتب الإخبار كما في { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] على ما مر وكل ذلك لما أن الإبلاغ واقع قبل توليهم ، والجزاء يكون مستقبلاً بالنظر إلى زمان الشرط .
وزعم أبو حيان أن صحة وقوعه جواباً لأن في إبلاغه إليهم رسالته تضمن ما يحل بهم من العذاب المستأصل فكأنه قيل : فإن تتولوا استؤصلتم بالعذاب ، ويدل على ذلك الجملة الخبرية ، وهي قوله سبحانه :
{ وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ } وفيه منع ظاهر ، وهذا كما قال غير واحد : استئناف بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف قوماً آخرين في ديارهم وأموالهم وهو استئناف نحوي عند بعض بناءاً على جواز تصديره بالواو .
وقال الطيبي : المراد به أن الجملة ليست بداخلة في الجملة الشرطية جزاءاً بل تكون جملة برأسها معطوفة على الجملة الشرطية وهو خلاف الظاهر من العبارة ، وعليه تكون مرتبة على قوله سبحانه : { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ هود : 56 ] والمعنى أنه على العدل ينتقم منكم ويهلككم ، وقال الجلبي : لا مانع عندي من حمله على الاستئناف البياني جواباً عما يترتب على التولي وهو الظاهر كأنه قيل : ما يفعل بهم إذا تولوا؟ فقيل : { *يستخلف } الخ .

(8/281)


وتعقبه بعضهم بأن الاستئناف البياني لا يقترن بالواو ، وجوز أن يكون عطفاً على الجواب لكن على ما بعد الفاء لأنه الجواب في الحقيقة ، والفاء رابطة له ودخول الفاء على المضارع هنا لأنه تابع يتسامح فيه .
وقيل : تقديره فقل : { *يستخلف } الخ ، وقرأ حفص برواية هبيرة و { *يستخلف } بالجزم وهو عطف على موضع الجملة الجزائية مع الفاء كأنه قيل : { إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعذرني ويهلككم { وَيَسْتَخْلِفُ } مكانكم آخرين .
وجوز أبو البقاء كون ذلك تسكيناً لتوالي الحركات ، وقرأ عبد الله كذلك ، ويجزم قوله سبحانه : { وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا } ، وقيل : إن من جزم الأول جزم هذا لعطفه عليه وهو الظاهر ، والمعنى لا تضرونه بهلاككم شيئاً أي لا ينتقص ملكه ولا يختل أمره ، ويؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ولا تنقصونه شيئاً ، ونصب { شَيْئاً } على أنه مفعول مطلق لتضرون أي شيئاً من الضرر لأنه لا يتعدى لاثنين ، وجعله بعضهم مفعولاً ثانياً مفسراً له بما يتعدى لهما لمكان الرواية ، وجوز ابن عطية أن يكون المعنى إنكم لا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بشيء يضره تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، والأول أظهر ، وقدر بعضهم التولي بدل الإهلاك أي ولا تضرونه بتوليكم شيئاً من الضرر لاستحالة ذلك عليه سبحانه : { إِنَّ رَبّى على كُلّ شَىْء حَفِيظٌ } أي رقيب محيط بالأشياء علماً فلا يخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم . فالحفظ كناية عن المجازاة ، ويجوز أن يكون الحفيظ بمعنى الحافظ بمعنى الحاكم المستولي أي أنهس بحانه حافظ مستول على كل شيء ، ومن شأه ذلك كيف يضره شيء .

(8/282)


وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)

{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي نزل عذابنا على أن الأمر واحد الأمور ، قيل : أو المأمور به ، وفي التعبير عنه بذلك مضافاً إلى ضمير جل جلاله ، وعن نزوله بالمجىء ما لا يخفى من التفخيم والتهويل .
وجوز أن يكون واحد الأوامر أي وورد أمرنا بالعذاب ، والكلام على الحقيقة إن أريد أمر الملائكة عليهم السلام ، ويجوز أن يكون ذلك مجازاً عن الوقوع على سبيل التمثيل { نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } قيل : كانوا أربعة آلاف ، وقيل : ثلاثة آلاف ، ولعل الانتصار للأنبياء عليهم السلام لم يكن مأذوناً به للمؤمنين إذ ذاك فلا ينافي ما تقدم نقله من أنه عليه السلام كان وحده ، ولذا عد مواجهته للجم الغفير معجزة له صلى الله عليه وسلم لكن لا بد لهذا من دليل كدعوى انفراده عنهم حين المقاولة؛ وفي «الحواشي الشهابية» أنه لا مانع من ذلك باعتبار حالين وزمانين فتأمل ، والظاهر أن ما كان من المقاولة إنما هو في ابتداء الدعوة ومجىء الأمر كان بعد بكثير وإيمان من آمن كان في البين فترتفع المنافاة { بِرَحْمَةٍ } عظيمة كائنة { مِنَّا } وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم .
وروي هذا عن ابن عباس . والحسن ، وذكره الزمخشري ولشم بعضهم منه رائحة الاعتزال لم يلتفت إليه ولا بأس بأن تحمل الرحمة عن الفضل فيفيد أن ذلك بمحض فضل الله تعالى إذ له سبحانه تعذيب المطيع كما أن له جل وعلا إثابة العاصي ، والجار والمجرور الأول متعلق بنجينا وهو الظاهر الذي عليه كثير من المفسرين .
وجوز أبو حيان كونه متعلقاً بآمنوا أي إن إيمانهم بالله تعالى ورسوله عليه السلام برحمة من الله تعالى إذ وفقهم إليه ، ولعل ترتيب الإنجاء على النزول باعتبار ما تضمنه من تعذيب الكفار فيكون قد صرح بالإنجاء اهتماماً ، ورتب باعتبار الآخر إشارة إلى أنه مقصود منه ، ويجوز أن تكون لما لمجرد الحين { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تكرير لأجل بيان ما نجاهم عنه وهي الريح التي كانت تحمل الظعينة وتهدم المساكن وتدخل في أنوف أعداء الله تعالى وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرباً إرباً ، أو المراد بهذا الإنجاء من عذاب الآخرة وبالأول الإنجاء من عذاب الدنيا ، ورجح الأول بأنه أوفق لمقتضى المقام ، وحاصله أن الأول إخبار بأن الإيمان الذي وفقوا له صار سبب إنجائهم . والثاني بأن ذلك الإنجاء كان من عذاب أي عذاب دلالة على كمال الامتنان وتحريضاً على الإيمان وليس من أسلوب أعجبني زيد وكرمه في شيء كما ظنه العلامة الطيبي .
وقد أورد على الثاني إن إنجاءهم من عذاب الآخرة ليس في وقت نزول العذاب في الدنيا ولا مسبباً عنه إلا أن يجاب بأنه عطف على القيد والمقيد كما قيل في قوله سبحانه :

(8/283)


{ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ * عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ *يَسْتَقْدِمُونَ } [ سبأ : 30 ] قيل : ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع لأن الموافق للتعبير بالماضي المفيد لتحققه حتى كأنه وقع أن يجعل باعتبار ذلك واقعاً في وقت النزول تجوزاً أو المعنى حكما بذلك وتبين ما يكون لهم لأن الدنيا أنموذج الآخرة وأياً مّا كان فالمراد بغلظ العذاب تضاعفه ، وقد يقال على الاحتمال الأول في وصف العذاب الذي كان بالريح : بالغلظ الذي هو ضد الرقة التي هي صفة الريح ما لا يخفى من اللطف ، وفيه أيضاً مناسبة لحالهم فإنهم كانوا غلاظاً شداداً .

(8/284)


وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)

{ عَادٌ جَحَدُواْ } أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة على ما قيل ، فالإشارة إلى ما في الذهن وصيغة البعيد لتحقيرهم أو لتنزيلهم منزلة البعيد لعدمهم ، أو الإشارة إلى قبورهم ومصارعهم ، وحينئذٍ الإشارة للبعيد المحسوس والإسناد مجازي أو هو من مجاز الحذف أي تلك قبور عاد ، وجوز أن يكون بتقدير أصحاب تلك عاد ، والجملة مبتدأ وخبر ، وكان المقصود الحث على الاعتبار بهم والاتعاظ بأحوالهم ، وقوله سبحانه :
{ جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ } الخ استئناف لحكاية بعض قبائحهم أي كفروا بآيات ربهم التي أيد بها رسوله الداعي إليه ودل بها على صدقه وأنكروها فقالوا : يا هود ما جئتنا ببينة ، أو أنكروا آياته سبحانه في الآفاق والأنفس الدالة عليه تعالى حسبما قال لهم هود عليه والسلام .
وجوز أن يراد بها الآيات التي أتى بها هود . وغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ويلائمه جمع الرسل الآتي على قول ، وعدي جحد بالباء حملاً له على كفر لأنه المراد ، أو بتضمينه معناه كما أن كفر يجري مجرى جحد فيعدي بنفسه نحو قوله سبحانه : { أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } [ هود : 60 ] ، وقيل : كفر كشكر يتعدى بنفسه وبالباء ، وظاهر كلام «القاموس» أن جحد كذلك { وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } قيل : المراد بالرسل هود عليه السلام والرسل الذين كانوا معه من قبله وهو خلاف الظاهر ، وقيل : المراد بهم هود عليه السلام وسائر الرسل من قبله تعالى للأمم من قبله ومن بعده عليه السلام بناءاً على أن عصيانه عليه السلام وكذا عصيان كل رسول بمنزلة عصيان الرسل جميعهم لأن الجميع متفقون على التوحيد فعصيان واحد عصيان للجميع فيه ، أو على أن القوم أمرهم كل رسول من قبل بطاعة الرسل والإيمان بهم إن أدركوهم فلم يمتثلوا ذلك الأمر { واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ } متعال عن قبول الحق ، وقال الكلبي : هو الذي يقتل على الغضب ويعاقب على المعصية .
وقال الزجاج : هو الذي يجبر الناس على ما يريد ، وذكر ابن الأنباري أنه العظيم في نفسه المتكبر على العباد { عَنِيدٍ } أي طاغ من عند بتثليث النون عنداً بالإسكان وعنداً بالتحريك وعنوداً بضم العين إذا طغا وجاوز الحد في العصيان ، وفسره الراغب بالمعجب بما عنده ، والجوهري بمن خالف الحق ورده وهو يعرفه ، وكذا عاند ، ويطلق الأخير على البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد ، وجمعه عند كراكع . وركع ، وجمع العنيد عند كرغيف . ورغف ، والعنود قيل : بمعنى العنيد .
وزعم بعضهم أنه يقال : بعير عنود ، ولا يقال : عنيد ، ويجمع الأول على عندة . والثاني على عند ، وآخر أن العنود العادل عن الطريق المحسوس .

(8/285)


والعنيد العادل عن الطريق في الحكم؛ وكلاهما من عند وأصل معناه على ما قيل : اعتزل في جانب لأن العند بالتحريك الجانب يقال : يمشي وسطاً لا عنداً ، ومنه عند الظرفية ، ويقال للناحية أيضاً : العند مثلثة ، وهذا الحكم ليس كالحكمين السابقين من جحود الآيات وعصيان الرسل في الشمول لكل فرد فرد منهم فإن اتباع الأمر من أحكام الأسافل دون الرؤساء .
وقيل : هو مثل ذلك في الشمول ، والمراد بالأمر الشأن وبكل جبار عنيد من هذه صفته من الناس لا أناس مخصوصون من عاد متصفون بذلك ، والمراد باتباع الأمر ملازمته أو الرضا به على أتم وجه ، ويؤول ذلك إلى الاتصاف أي إن كلاً منهم اتصف بصفة كل جبار عنيد ، ولا يخفى ما فيه من التكلف الظاهر ، وقد يدعي العموم من غير حاجة إلى ارتكاب مثله ، والمراد على ما تقدم أنهم عصوا من دعاهم إلى سبيل الهدى وأطاعوا من حداهم إلى مهاوي الردى .

(8/286)


وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

{ وَأُتْبِعُواْ فِى هذه الدنيا لَعْنَةً } أي إبعاداً عن الرحمة وعن كل خير أي جعلت اللعنة لازمة لهم ، وعبر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حسبما داروا ، أو لوقوعه في صحبة اتباعهم ، وقيل : الكلام على التمثيل بجعل اللعنة كشخص تبع آخر ليدفعه في هوة قدامه ، وضمير الجمع لعاد مطلقاً كما هو الظاهر .
وجوز أن يكون للمتبعين للجبارين منهم ، وما حال قوم قدامهم الجبارون أهل النار وخلفهم اللعنة والبوار ، ويعلم من لعنة هؤلاء لعنة غيرهم المتبوعين على ما قيل بالطريق الأولى { وَيَوْمَ القيامة } أي واتبعوا يوم القيامة أيضاً لعنة وهي عذاب النار المخلد حذف ذلك لدلالة الأول عليه وللإيذان بأن كلاً من اللعنين نوع برأسه لم يجتمعا في قرن واحد بأن يقال : وأتبعوا في هذه الدنيا ويوم القيامة لعنة ، ونظير هذا قوله تعالى : { واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة } [ الأعراف : 156 ] وعبر بيوم القيامة بدل الآخرة هنا للتهويل الذي يقتضيه المقام .
{ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } أي بربهم . أو كفروا نعمته ولم يشكروها بالإيمان . أو جحدوه { أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ } دعاء عليهم بالهلاك مع أنهم هالكون أيّ هلاك تسجيلاً عليهم باستحقاق ذلك والاستئهال له ، ويقال في الدعاء بالبقاء واستحقاقه : لا يبعد فلان ، وهو في كلام العرب كثير ، ومنه قوله
: لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
وجوز أن يكون دعاء باللعن كما في «القاموس» : البعد . والبعاد اللعن ، واللام للبيان كما في قولهم : سقياً لك ، وقيل : للاستحقاق وليس بذاك ، وتكرير حرف التنبيه وإعادة عاد للمبالغة في تفظيع حالهم والحث على الاعتبار بقصتهم ، وقوله سبحانه : { قَوْمِ هُودٍ } عطف بيان على { عَادٍ } وفائدته الإشارة إلى أن عاداً كانوا فريقين : عاداً الأولى . وعاداً الثانية ، وهي عاد إرم في قول ، وذكر الزمخشري في الفجر أن عقب عاد بن عوض ابن إرم بن سام بن نوح قيل لهم : عاد كما يقال لبني هاشم : هاشم ، ثم قيل : للأولين منهم عاد الأولى وإرم تسمية لهم باسم جدهم ، ولمن بعدهم عاد الأخيرة ، وأنشد لابن الرقيات
: مجداً تليداً بناه أوله ... أدرك عاداً وقبلها إرماً
ولعله الأوفق للنقل مع الإيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود عليه السلام وهم قومه ، وليس ذلك لدفع اللبس إذ لا لبس في أن عاداً هذه ليست إلا قوم هود عليه السلام للتصريح باسمه وتكريره في القصة ، وقيل : ذكر ليفيد مزيد تأكيد بالتنصيص عليهم مع ما في ذلك من تناسب فواصل الآي .

(8/287)


وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)

{ وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } الكلام فيه كالكلام في نظيره السابق آنفاً ، وجمهور القراء على منع صرف { ثَمُودُ } ذهاباً إلى القبيلة ، وقرأ ابن وثاب . والأعمش بالصرف على إرادة الحي { هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الارض } أي ابتدأ خلقكم منها فإنها المادة الأولى وآدم الذي هو أصل البشر خلق منها ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي أنشأ أباكم ، وقيل : { مِنْ } بمعنى في ، وليس بشيء ، والمراد الحصر كما يفهمه كلام بعض الأجلة كأن القول لعدم أدائهم حقه سبحانه قد اعتقدوا أن الفاعل لذلك غيره تعالى ، أو هو مع غيره فخوطبوا على وجه قصر القلب أو قصر الإفراد بذلك ، واحتمال أنهم كانوا يعتقدون أحد الأمرين حقيقة لا تنزيلاً يستدعي القول بأنهم كانوا طبيعية أو ثنوية وإلا فالوثنية وإن عبدوا معه سبحانه غيره لا يعتقدون خالقية غيره لهم بوجه من الوجوه ، وأخذ الحصر على ما قيل : من تقديم الفاعل المعنوي ، وقيل : إنه مستفاد من السياق لأنه لما حصر الإلهية فيه تعالى اقتضى حصر الخالقية أيضاً ، فبيان ما خلقوا منه بعد بيان أنه الخالق لا غيره يقتضي هذا فتدبر ، والظاهر أن من يقول بالحصر هنا يقول به في قوله سبحانه : { واستعمركم فِيهَا } لمكان العطف وكونه معطوفاً بعد اعتبار التقديم فلا ينسحب على ما بعده مما لا فائدة في التزامه أي وهو الذي جعلكم عمارها وسكانها فالاستفعال بمعنى الإفعال يقال : أعمرته الأرض واستعمرته إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها ، وإلى هذا ذهب الراغب . وكثير من المفسرين ، وقال زيد بن أسلم : المعنى أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن وحفر أنهار وغرس أشجار وغير ذلك ، فالسين للطلب ، وإلى هذا ذهب الكيا ، واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لها الطلب ، وقسمها في «الكشاف» إلى واجب كعمارة القناطر اللازمة والمسجد الجامع . ومندوب كعمارة المساجد . ومباح كعمارة المنازل . وحرام كعمارة الحانات ، وما يبنى للمباهاة أو من مال حرام كأبنية كثير من الظلمة ، واعترض على الكيا بأنه لم يكن هناك طلب حقيقة ولكن نزل جعلهم محتاجين لذلك وإقدارهم عليه وإلهامهم كيف يعمرون منزلة الطلب ، وقال الضحاك : المعنى عمركم فيها واستبقاكم وكان أحدهم يعمر طويلاً حتى أن منهم من يعمر ألف سنة ، والمشهور أن الفعل من العمر وهو مدة الحياة بالتشديد ومن العمارة نقيض الخراب بالتخفيف ففي أخذ ذلك من العمر تجوز .
وعن مجاهد أن استعمر من العمرى بضم فسكون مقصور ، وهي كما قال الراغب في العطية أن تجعل له شيئاً مدة عمرك أو عمره ، والمعنى أعمركم فيها ورباكم أي أعطاكم ذلك ما دمتم أحياء ثم هو سبحانه وارثها منكم ، أو المعنى جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره { فاستغفروه ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } تفريع على ما تقدم فإن ما ذكر من صنوف إحسانه سبحانه داع إلى الاستغفار والتوبة ، وقوله : { إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ } أي قريب الرحمة لقوله سبحانه :

(8/288)


{ إن رحمة الله قريب من المحسنين } [ الأعراف : 56 ] والقرآن يفسر بعضه بعضاً { مُّجِيبٌ } لمن دعاه وسأله زيادة في بيان ما يوجب ذلك ، والأول علة باعثة ، وهذا علة غائية وما ألطف التقديم والتأخير ، وصرح بعضهم أن { قَرِيبٌ } ناظر لتوبوا و { مُّجِيبٌ } لاستغفروا كأنه ، قيل : ارجعوا إلى الله تعالى فإنه سبحانه { قَرِيبٌ } منكم أقرب من حبل الوريد واسألوه المغفرة فإنه جلا وعلا { مُّجِيبٌ } السائلين ولا يخلو عن حسن .

(8/289)


قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)

{ قَالُواْ يأَبَانَا * صالح * قَدْ كُنتَ فِينَا } أي فيما بيننا { مَرْجُوّا } فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا على ما روي عن ابن عباس .
وقال ابن عطية مشوراً نأمل منك أن تكون سيداً ساداً مسدّ الأكابر ، وقال كعب : كانوا يرجونه للملك بعد ملكهم لأنه كان ذا حسب وثروة .
وقال مقاتل : كانوا يرجون رجوعه إلى دينهم إذ كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم { قَبْلَ هذا } أي الذي باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الآلهة فلما سمعنا منك ما سمعناه انقطع عنك رجاؤنا ، وقيل : كانوا يرجون دخوله في دينهم بعد دعواه إلى الحق ثم انقطع رجاؤهم فقبل هذا قبل هذا الوقت لا قبل الذي بشاره من الدعوة ، وحكى النقاش عن بعضهم أن { مَرْجُوّا } بمعنى حقيراً وكأنه فسره أولاً بمؤخراً غير معتنى به ولا مهتم بشأنه ، ثم أراد منه ذلك وإلا فمرجواً بمعنى حقير لم يأت في كلام العرب ، وجاء قولهم : { أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه والتعبير بيعبد لحكاية الحال الماضية ، وقرأ طلحة { *مرجؤاً } بالمد والهمز { ءابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من التوحيد وترك عبادة الآلهة وغير ذلك من الاستفغر والتوبة { مُرِيبٍ } اسم فاعل من أرابه المتعدي بنفسه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين ، أو من أراب الرجل اللازم إذا كان ذا ريبة ، والإسناد على الوجهين مجازي إلا أن بينهما كما قال بعض المحققين فرقاً ، وهو أن الأول منقول من الأعيان إلى المعنى . والثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك كما تقول : شعر شاعر ، فعلى الأولى هو من باب الإسناد إلى السبب لأن وجود الشك سبب لتشكيك المشكك ولولاه لما قدر على التشكيك ، والتنوين في { مُرِيبٍ } وفي { شَكٌّ } للتفخيم ، { وَإِنَّنَا } بثلاث نوات ، ويقال : إنا بنونين وهما لغتان لقريش .
قال الفراء : من قال : إننا أخرج الحرف على أصله لأن كناية المتكلمين ن فاجتمعتث لاث نونات ، ومن قال : إنا استثل اجتماعها فأسقط الثالثة وأبقى الأوليين .
واختار أبو حيان أن المحذوف النون الثانية لا الثالثة لأن في حذفها إجحافاً بالكلمة إذ لا يبقى منها إلا حرف واحد ساكن دون حذف الثانية لظهور بقاء حرفين بعده على أنه قد عهد حذف النون الثانية من إن مع غير ضمير المتكلمين ولم يعهد حذف نون ن ولا ريب في أن ارتكاب المعهود أولى من ارتكاب غير المعهود .

(8/290)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)

{ قَالَ ياقوم } أخبروني { أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ } حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة { مّن رَّبّى } مالكي ومتولي أموري { الكتاب مِنْهُ } من قبله سبحانه { رَحْمَةً } نبوة ، وهذا من الكلام المنصف ، والاستدراج إذ لا يتصور منه عليه السلام شك فيما في حيز إن ، وأصل وضعها أنها لشك المتكلم { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } أي فمن يمنعني من عذابه ، ففي الكلام مضاف مقدر والنصرة مستعملة في لازم معناها أو أنّ الفعل مضمن معنى المنع ، ولذا تعدى بمن والعدول إلى الإظهار لزيادة التهويل والفاء لترتيب إنكار النصر على ما سبق من كونه على بينة وإيتاء الرحمة على تقدير العصيان حسبما يعرب عنه قوله : { إِنْ عَصَيْتُهُ } أي في المساهلة في تبليغ الرسالة والمنع عن الشرك به تعالى والمجاراة معكم فيما تشتهون فإن العصيان ممن ذلك شأنه أبعد والمؤاخذة عليه ألزم وإنكار نصرته أدخل { فَمَا تَزِيدُونَنِى } إذن باستتباعكم إياي أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصل الخسران حتى يزيدوه { غَيْرَ تَخْسِيرٍ } أي غير أن تجعلوني خاسراً بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى ، أو { فَمَا تَزِيدُونَنِى } بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران ، وأقول لكم : إنكم لخاسرون لا أن أتبعكم .
وروي هذا عن الحسن بن الفضل ، فالفاعل على الأول هم والمفعول صالح ، وعلى الثاني بالعكس والتفعيل كثيراً ما يكون للنسبة كفسقته وفجرته ، والزيادة على معناها والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه السلام على بينة من ربه وإيتائه النبوة .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى { فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ } مضارة في خسرانكم ، فالكلام على حذف مضاف ، وعن مجاهد ما تزدادون أنتم باحتجاجكم بعبادة آبائكم إلا خساراً ، وأضاف الزيادة إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان قد سألهم الإيمان ، وقال ابن عطية : المعنى فما تعطوني فيما اقتضيه منكم من الإيمان { غَيْرَ تَخْسِيرٍ } لأنفسكم ، وأضاف الزيادة إلى نفسه من حيث أنه مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم كما تقول لمن توصيه : أنا أريد بك خيراً وأنت تريد بي سوءاً وكان الوجه البين أن تقول : وأنت تريد شراً لكن من حيث كنت مريد خير ومقتضى ذلك حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك ، وقيل : المعنى فما تزيدونني غير تخسيري إياكم حيث أنكم كلما ازددتم تكذيباً إياي ازدادت خسارتكم ، وهي أقوال كما ترى .

(8/291)


وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64)

{ وياقوم هذه نَاقَةُ الله } الإضافة للتشريف والتنبيه على أنها مفارقة لسائر ما يجانسها خلقاً وخلقاً { لَكُمْ ءايَةً } معجزة دالة على صدقي في دعوى النبوة ، وهي حال من { نَاقَةُ الله } ، والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل .
وقيل : معنى التنبيه ، والظاهر أنها حال مؤسسة ، وجوز فيها أن تكون مؤكدة كهذا أبوك عطوفاً لدلالة الإضافة على أنها آية ، و { لَكُمْ } كما في «البحر» . وغيره حال منها فقدمت عليها لتنكيرها ولو تأخرت لكانت صفة لها ، واعترض بأن مجىء الحال من الحال لم يقل به أحد من النحاة لأن الحال تبين هينة الفاعل أو المفعول وليست الحال شيئاً منهما ، وأجيب بأنها في معنى المفعول للإشارة لأنها متحدة مع المشار إليه الذي هو مفعول في المعنى ولا يخفى ما فيه من التكلف ، وقيل : الأولى أن يقال : إن هذه الحال صفة في المعنى لكن لم يعربوها صفة لأمر تواضع النحويون عليه من منع تقدم ما يسمونه تابعاً على المتبوع فحديث إن الحال تبين الهيئة مخصوص بغير هذه الحال ، واعترض بأن هذا ونحوه لا يحسم مادة الاعتراض لأن المعترض نفى قول أحد من النحاة بمجىء الحال من الحال ، وبما ذكر لا يثبت القول وهو ظاهر ، نعم قد يقال : إن اقتصار أبي حيان . والزمخشري وهما من تعلم في العربية على هذا النحو من الإعراب كاف في الغرض على أتم وجه ، وأراد الزمخشري بالتعلق في كلامه التعلق المعنوي لا النحوي فلا تناقض فيه على أنه بحث لا يضر .
وقيل : { لَكُمْ } حال من { نَاقَةُ } و { ءايَةً } حال من الضمير فيه فهي متداخلة ، ومعنى كون الناقة للمخاطبين أنها نافعة لهم ومختصة بهم وهي منافعها فلا يرد أنه لا اختصاص لذات الناقة بهم ، وإنما المختص كونها آية لهم ، وقيل : { لَكُمْ } حال من الضمير في { ءايَةً } لأنها بمعنى المشتق ، والأظهر كون { لَكُمْ } بيان من هي { ءايَةً } له ، وجوز كون { نَاقَةُ } بدلاً أو عطف بيان من اسم الإشارة ، و { لَكُمْ } خبره ، و { ءايَةً } حال من الضمير المستتر فيه { فَذَرُوهَا } دعوها { تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } فليس عليكم مؤنتها والفعل مجزوم لوقوعه في جواب الطلب ، وقرىء بالرفع على الاستئناف أو على الحال كما في «البحر» والمتبادر من الأكل معناه الحقيقي لكن قيل : في الآية اكتفاءاً أي تأكل وتشرب ، وجوز أن يكون مجازاً عن التغذي مطلقاً والمقام قرينة لذلك .
{ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } أي بشيء منه فضلاً عن العقر والقتل ، والنهي هنا على حدّ النهي في قوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } [ الأنعام : 152 ] الخ { فَيَأْخُذَكُمْ } لذلك { عَذَابٌ قَرِيبٌ } عاجل لا يستأخر عن مسكم إياها بسوء إلا يسيراً وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم ، وقيل : أراد من وصفه بالقرب كونه في الدنيا ، وإلى الأول ذهب غير واحد من المفسرين وكان الإخبار عن وحي من الله تعالى .

(8/292)


فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)

{ فَعَقَرُوهَا } أي فخالفوا ما أمروا به فعقروها ، والعقر قيل : قطع عضو يؤثر في النفس .
وقال الراغب : يقال : عقرت البعير إذا نحرته ، ويجىء بمعنى الجرح أيضاً كما في «القامومس» وأسند العقر إليهم مع أن الفاعل واحد منهم وهو قدار كهمام في قول ، ويقال له : أحمر ثمود ، وبه يضرب المثل في الشؤم لرضاهم بفعله ، وقد جاء أنهم اقتسموا لحمها جميعاً { فَقَالَ } لهم صالح عليه السلام { تَمَتَّعُواْ } عيشوا .
{ فِى دَارِكُمْ } أي بلدكم ، وتسمى البلاد الديار لأنها يدار فيها أي يتصرف يقال : ديار بكر لبلادهم ، وتقول العرب الذي حوالى مكة : نحن من عرب الدار يريدون من عرب البلد ، وإلى هذا ذهب الزمخشري ، وقال ابن عطية : هو جمع دارة كساحة وساح وسوح ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان
: له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق ( دارته ) ينادي
ويمكن أن يسمى جميع مسكن الحي داراً وتطلق الدار وتطلق الدار على الدنيا أيضاً ، وبذلك فسرها بعضهم هنا ، وفسر الطبرسي التمتع بالتلذذ أي تلذذوا بما تريدون { ثلاثة أَيَّامٍ } ثم يأخذكم العذاب ، قيل : إنهم لما عقروا الناقة صعد فصيلها الجبل ورغا ثلاث رغوات فقال صالح عليه السلام : لكل رغوة أجل يوم ، وابتداء الأيام على ما في بعض الروايات الأربعاء ، وروي أنه عليه السلام قال لهم : تصبح وجوهكم غداً مصفرة . وبعد غد محمرة . واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب فكان كما قال : { ذلك } إشارة إلى ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام من نزول العذاب عقيبها وما فيه من معنى البعد للتفخيم { وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } أي غير مكذوب فيه فحذف الجار وصار المجرور مفعولاً على التوسع لأن الضمير لا يجوز نصبه على الظرفية والجار لا يعمل بعد حذفه ، ويسمون هذا الحذف والإيصال ، وهو كثير في كلامهم ويكون في الاسم كمشترك وفي الفعل كقوله
: ويوم شهدناه سليماً وعامرا ... قليل سوى طعن النهار نوافله
أو ( غير مكذوب ) على المجاز كأن الواعد قال له : أفي بك فإن وفى به صدقه وإلا كذبه فهناك استعارة مكنية تخييلية ، وقيل : مجاز مرسل بجعل { مَكْذُوبٍ } بمعنى باطل ومتخلف ، أو وعد غير كذب على أن مكذوب مصدر على وزن مفعول كمجلود ومعقول بمعنى عقل وجلد فإنه سمع منهم ذلك لكنه نادر ، ولا يخفى ما في تسمية ذلك وعداً من المبالغة في التهكم .

(8/293)


فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)

{ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا أو أمرنا بنزوله ، وفيه ما لا يخفى من التهويل { نَجَّيْنَا صالحا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } متعلق بنجينا أو بآمنوا { بِرَحْمَةٍ مّنَّا } أي بسببها أو ملتبسين بها ، وفي التنوين والوصف نوعان من التعظيم { وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ } أي نجيناهم من خزي يومئذٍ وهو الهلاك بالصيحة وهذا كقوله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } [ هود : 58 ] على معنى إنا نجيناهم ، وكانت تلك التنجية من خزي يومئذٍ ، وجوز أن يراد ونجيناهم من ذل وفضيحة يوم القيامة أي من عذابه ، فهذه الآية كآية هود سواء بسواء .
وتعقب أبو حيان هذا بأنه ليس بجيد إذ لم تتقدم جملة ذكر فيها يوم القيامة ليكون التنوين عوضاً عن ذلك ، والمذكور إنما هو جاء أمرنا فليقدر يوم إذ جاء أمرنا وهو جيد ، والدفع بأن القرينة قد تكون غير لفظية كما هنا فيه نظر ، وقيل : القرينة قوله سبحانه فيما مر : { عَذَابُ غَلِيظٍ } [ هود : 58 ] وفيه ما فيه ، وقيل : الواو زائدة فيتعلق { مِنْ } بنجينا المذكور ، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الواو لا تزاد عندهم فيوجبون هنا التعلق بمحذوف وهو معطوف على ما تقدم ، وقرأ طلحة . وأبان { وَمِنْ خِزْىِ } بالتنوين ونصب { يَوْمَئِذٍ } على الظرفية معمولاً لخزى ، وعن نافع . والكسائي أنهما قرآ بالإضافة وفتح يوم لأنه مضاف إلى إذ وهو غير متمكن ، وهذا كما فتح حين في قوله النابغة
: على ( حين ) عاتبت المشيب على الصبا ... فقلت : ألما أصح والشيب وازع {
إِنَّ رَبَّكَ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم { هُوَ القوى العزيز } أي القادر على كل شيء والغالب عليه في كل وقت ويندرج في ذلك الإنجاء والإهلاك في ذلك اليوم .

(8/294)


وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)

{ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ } قوم صالح ، وعدل عن الضمير إلى الظاهر تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بعليته لنزول العذاب بهم { الصيحة } أي صيحة جبريل أو صيحة من السماء فيها كل صاعقة وصوت مفزع ، وهي على ما في «البحر»فعلة للمرة الواحدة من الصياح ، يقال : صاح يصيح إذا صوت بقوة ، وأصل ذلك كما قال الراغب تشقيق الصوت من قولهم : إنصاح الخشب . أو الثوب إذا انشق فسمع منه صوت ، وصيح الثوب كذلك ، وقد يعبر بالصيحة عن الفزع ، وفي الأعراف { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } [ الأعراف : 78 ، 91 ] قيل : ولعلها وقعت عقيب الصيحة المستتبعة لتموج الهواء ، وقد تقدم الكلام منا في ذلك { فَأَصْبَحُواْ فِي * ديارهم } أي منازلهم ومساكنهم ، وقيل : بلادهم { جاثمين } هامدين موتى لا يتحركون ، وقد مر تمام الكلام في ذلك معنى وإعراباً .

(8/295)


كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)

{ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ } أي كأنهم لم يقيموا { فِيهَا } أي في ديارهم ، والجملة قيل : في موضع الحال أي أصبحوا { جاثمين } مماثلين لمن لم يوجد ولم يقم في مقام قط { إِلا أَنْ } وضع موضع المضمر لزيادة البيان ، ومنعه من الصرف حفص . وحمزة نظراً إلى القبيلة ، وصرفه أكثر السبعة نظراً إلى الحي كما قدمنا آنفاً ، وقيل : نظراً إلى الأب الأكبر يعني يكون المراد به الأب الأول وهو مصروف وحينئذٍ يقدر مضاف كنسل وأولاد ونحوه ، وقيل : المراد أنه صرف نظراً لأول وضعه وإن كان المراد به هنا القبيلة { ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ } صرح بكفرهم مع كونه معلوماً مما سبق من أحوالهم تقبيحاً لحالهم وتعليلاً لاستحقاقهم الدعاء عليهم بالبعد والهلاك في قوله سبحانه : { أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ } ، وقرأ الكسائي لا غير بالتنوين ، وقد تقدم الكلام في شرح قصتهم على أتم وجه .

(8/296)


وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)

{ وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم } وهم الملائكة؛ روي عن ابن عباس أنهم كانوا اثني عشر ملكاً .
وقال السدي : أحد عشر على صورة الغلمان في غاية الحسن والبهجة ، وحكى صاحب الفينان أنهم عشرة منهم جبريل ، وقال الضحاك : تسعة ، وقال محمد بن كعب : ثمانية ، وحكى الماوردي أنهم أربعة ولم يسمهم .
وجاء في رواية عن عثمان بن محيصن أنهم جبريل . وإسرافيل . وميكائيل . ورفائيل عليهم السلام ، وفي رواية عن ابن عباس . وابن جبير أنهم ثلاثة الأولون فقط ، وقال مقاتل : جبرائيل . وميكائيل . وملك الموت عليهم السلام ، واختار بعضهم الاقتصار على القول بأنهم ثلاثة لأن ذلك أقل ما يدل عليه الجمع وليس هناك ما يعول عليه في الزائد وإنما أسند إليهم المجىء دون الإرسال لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوط لقوله تعالى : { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } [ هود : 70 ] وإنما جاءوه لداعية البشرى ، قيل : ولما كان المقصود في السورة الكريمة ذكر صنيع الأمم السالفة مع الرسل المرسلة إليهم ولحوق العذاب بهم ولم يكن جميع قوم إبراهيم عليه السلام من لحق بهم العذاب بل إنما لحق بقوم لوط منهم خاصة غير الأسلوب المطرد فيما سبق من قوله تعالى : { وإلى عَادٍ * أَخُاهُمْ * هُودًا } [ هود : 50 ] { وإلى ثَمُودَ * أَخُاهُمْ * صالحا } [ هود : 61 ] ثم رجع إليه حيث قيل : { وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً } [ هود : 84 ] والباء في قوله تعالى : { بالبشرى } للملابسة أي ملتبسين بالبشرى ، والمراد بها قيل : مطلق البشارة المنتظمة بالبشارة بالولد من سارة لقوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق } [ هود : 71 ] الآية ، وقوله سبحانه : { فبشرناه بغلام حَلِيمٍ } [ الصافات : 101 ] إلى غير ذلك ، وللبشارة بعدم لحوق الضرر به لقوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع وَجَاءتْهُ البشرى } [ هود : 74 ] لظهور تفرع المجادلة على مجيئها ، وكانت البشارة الأولى على ما قيل : من ميكائيل . والثانية من إسرافيل عليهما السلام ، وقيل : المراد بها البشارة بهلاك قوم لوط عليه السلام فإن هلاك الظلمة من أجل ما يبشر به المؤمن .
واعترض بأنه يأباه مجادلته عليه السلام في شأنهم ، واستظهر الزمخشري أنها البشارة بالولد وهي المرادة بالبشرى فيما سيأتي ، وسر تفرع المجادلة عليها سيذكر إن شاء الله تعالى ، وعلل في «الكشف» استظهار ذلك بقوله : لأنه الأنسب بالإطلاق ، ولقوله سبحانه في الذاريات : { وَبَشَّرُوهُ بغلام عَلَيمٍ } [ الذاريات : 28 ] ثم قال بعده : { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } [ الذاريات : 31 ] ثم قال : وقوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم } [ هود : 74 ] الخ ، وإن كان يحتمل أن ثمة بشارتين فيحمل في كل موضع على واحدة لكنه خلاف الظاهر انتهى ، ولما كان الإخبار بمجىء الرسل عليهم السلام مظنة لسؤال السامع بأنهم ما قالوا : أجيب بأنهم { قَالُواْ سلاما } أي سلمنا أو نسلم عليك سلاماً فهو منصوب بفعل محذوف ، والجملة مقول القول قال ابن عطية : ويصح أن يكون مفعول { قَالُواْ } على أنه حكاية لمعنى ما قالوا لا حكاية للفظهم .

(8/297)


وروي ذلك عن مجاهد . والسدي ، ولذلك عمل فيه القول ، وهذا كما تقول لرجل قال : لا إله إلا الله : قلت حقاً وإخلاصاً .
وقيل : إن النصب بقالوا لما فيه من معنى الذكر كأنه قيل : ذكروا سلاماً { قَالَ سلام } أي عليكم سلام أو سلام عليكم ، والابتداء بنكرة مثله سائغ كما قرر في النحو ، وقد حياهم عليه السلام بأحن من تحيتهم لأنها بجملة اسمية دالة على الدوام والثبات فهي أبلغ ، وأصل معنى السلام السلامة مما يضر .
وقرأ حمزة . والكسائي سلم في الثاني بدون ألف مع كسر السين وسكون اللام وهو على ما قيل : لغة في { سلام } كحرم . وحرام ، ومنه قوله
: مررنا فقلنا : أيه ( سلم ) فسلمت ... كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح
وقال ابن عطية : ويحتمل أن يراد بالسلم ضد الحرب ، ووجه بأنهم لما امتنعوا طعامه وخاف منهم قاله أي أنا مسالم لا محارب لأنهم كانوا لا يأكلون طعام من بينهم وبينه حرب ، واعترض بأنه يدل على أن قوله هذا بعد تقديم الطعام . وقوله سبحانه : { فَمَا لَبِثَ } الخ صريح في خلافه ، وذكر في «الكشاف» أن حمزة . والكسائي قرءا بكسر السين وسكون اللام في الموضعين وهو مخالف للمنقول في كتب القراءات ، وقرأ ابن أبي عبلة قال سلاماً بالنصب كالأول ، وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما { فَمَا لَبِثَ } أي فما أبطأ إبراهيم عليه السلام .
{ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } أي في مجيئه به أو عن مجيئه به { فَمَا } نافية ، وضمير { لَبِثَ } لإبراهيم ، و { أَن جَاء } بتقدير حرف جر متعلق بالفعل وحذف الجار قبل أن وأن مطرد ، وحكى ابن العربي أن { ءانٍ } بمعنى حتى ، وقيل : { ءانٍ } وما بعدها فاعل { لَبِثَ } أي فما تأخر مجيئه ، وروي ذلك عن الفراء ، واختاره أبو حيان .
وقيل : ما مصدرية والمصدر مبتدأ أو هي اسم موصول بمعنى الذي كذلك ، و { أَن جَاء } على حذف مضاف أي قدر وهو الخبر أي فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه وليس بشيء ، والعجل ولد البقرة ، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ، والباء فيه للتعدية أو الملابسة ، والحنيذ السمين الذي يقطر ودكه من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال كأنه ودكه كالجلال عليه ، أو كأن ما يسيل منه عرق الدابة المجللة للعرق ، واقتصر السدي على السمين في تفسيره لقوله تعالى : { بِعِجْلٍ سَمِينٍ } ، [ الذاريات : 26 ] وقيل : هو المشوي بالرضف في أخدود ، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة ، وفي رواية عن مجاهد تفسيره بالمطبوخ ، وإنما جاء عليه السلام بالعجل لأن ماله كان البقر وهو أطيب ما فيها ، وكان من دأبه عليه السلام إكرام الضيف ، ولذا عجل القرى ، وذلك من أدب الضيافة لما فيه من الاعتناء بشأن الضيف ، وفي مجيئه بالعجل كله مع أنهم بحسب الظاهر يكفيهم بعضهم دليل على أنه من الأدب أن يحضر للضيف أكثر مما يأكل ، واختلف في هذا العجل هل كان مهيئاً قبل مجيئهم أو أنه هيىء بعد أن جاؤوا؟ قولان اختار أبو حيان أولهما لدلالة السرعة بالإتيان به على ذلك ، ويختار الفقير ثانيهما لأنه أزيد في العناية وأبلغ في الإكرام ، وليست السرعة نصاً في الأول كما لا يخفى .

(8/298)


فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

{ فَلَمَّا رَءاهُ * أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } كناية عن أنهم لا يمدون إليه أيديهم ويلزمه أنهم لا يأكلون ، وقيل : { لا } كناية بناءاً على ما روي أنهم كانوا ينكتون اللحم بقداح في أيديهم وليس بشيء ، وفي القلب من صحة هذه الرواية شيء إذ هذا النكت أشبه شيء بالعبث ، والملائكة عليهم السلام يجلون عن مثله؛ و { رأى } قيل : علمية فجملة { لاَ تَصِلُ } مفعول ثان ، والظاهر أنها بصرية ، والجملة في موضع الحال ففيه دليل على أن من أدب الضيافة النظر إلى الضيف هل يأكل أولاً لكن ذكروا أنه ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر لأن ذلك مما يجعل الضيف مقصراً في الأكل أي لما شاهد منهم ذلك { نَكِرَهُمْ } أي نفرهم { وَأَوْجَسَ } أي استشعر وأدرك ، وقيل : أضمر { مِنْهُمْ } أي من جهتهم { خِيفَةً } أي خوفاً ، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان من الخوف ، ولعل اختيارها بالذكر للمبالغة حيث تفرس لذلك مع جهالته لهم من قبل وعدم معرفته من أي الناس يكونون كما ينبىء عنه ما في الذاريات من قوله سبحانه حكاية عنه : { قَالَ سلام قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } [ الذاريات : 25 ] أنهم ملائكة ، وظن أنهم أرسلوا لعذاب قومه أو لأمر أنكره الله تعالى عليه { قَالُواْ } حين رأوا أثر ذلك عليه عليه السلام ، أو أعلمهم الله تعالى به ، أو بعد أن قال لهم ما في الحجر { إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } [ الحجر : 52 ] فإن الظاهر منه أن هناك قولاً بالفعل لا بالقوة كما هو احتمال فيه على ما ستراه إن شاء الله تعالى ، وجوز أن يكون ذلك لعلمهم أن علمه عليه السلام أنهم ملائكة يوجب الخوف لأنهم لا ينزلون إلا بعذاب ، وقيل : إن الله تعالى جعل للملائكة مطلقاً ما لم يجعل لغيرهم من الاطلاع كما قال تعالى : { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [ الإنفطار : 12 ] وفي «الصحيح» " قالت الملائكة رب عبدك هذا يريد أن يعمل سيئة " الحديث ، وهو قول بأن الملائكة يعلمون الأمور القلبية .
وفي الأخبار الصحيحة ما هو صريح بخلافه ، والآية . والخبر المذكوران لا يصلحان دليلاً لهذا المطلب ، وإسناد القول إليهم ظاهر في أن الجميع قالوا { لاَ تَخَفْ } ويحتمل أن القائل بعضهم ، وكثيراً ما يسند فعل البعض إلى الكل في أمثال ذلك ، وظاهر قوله سبحانه : { أَنَّا أَرْسَلْنَا } أنه استئناف في معنى التعليل للنهي المذكور كما أن قوله سبحانه : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } [ الحجر : 53 ] استئناف كذلك فإن إرسالهم إلى قوم آخرين يوجب أمنه من الخوف أي { أَرْسَلْنَا } بالعذاب { إلى قَوْمِ لُوطٍ } خاصة ، ويعلم مما ذكرنا أنه عليه السلام أحس بأنهم ملائكة ، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقد يستدل له بقولهم : { لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا } فإنه كما لا يخفى على من له أدنى ذوق إنما يقال لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا فخاف ، وأن الإنكار المدلول عليه بنكرهم غير المدلول عليه بما في الذاريات فلا إشكال في كون الإنكار هناك قبل إحضار الطعام وهنا بعده ، وأصل الإنكار ضد العرفان ، ونكرت وأنكرت واستنكرت بمعنى ، وقيل : إن أنكر فيما لا يرى من المعاني ونكر فيما يرى بالبصر ، ومن ذلك قول الشاعر

(8/299)


: وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فإنه أراد في الأول على ما قيل : أنكرت مودتي ، وقال الراغب : إن أصل ذلك أن يرد على القلب ما لا يتصوره وذلك ضرب من الجهل وبه فسر ما فيه الآية ، وفرق بعضهم بين ما هنا وبين ما وقع في الذاريات بأن الأول راجح إلى حالهم حين قدم إليهم العجل . والثاني متعلق بأنفسهم ولا تعلق له برؤية عدم أكلهم بل وقع عند رؤيته عليه السلام لهم لعدم كونهم من جنس ما يعهده من الناس ، ويحتاج هذا إلى اعتبار حذف المضاف أو ملاحظة الحيثية ، واعترض ما قدمناه بأن فيه ارتكاب مجاز ، ولعل الأمر فيه سهل .
وذهب بعضهم إلى أنه عليه السلام لم يعرف أنهم ملائكة حتى قالوا له : { لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا } وكأن سبب خوفه منهم أنهم لم يتخرحموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءاً إذ كانت العادة إذ ذاك كذلك ، وكان عليه السلام نازلاً في طرف من الأرض منفرداً عن قومه ، وهي رواية عن ابن عباس أخرجه إسحاق بن بشر . / وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عنه ، وقيل : كان سبب خوفه أنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت .
وقال العلامة الطيبي : الحق أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين وكونهم ممتنعين من الطعام كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة ولأنه لو عرفهم بأنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام ولم يحرضهم على الأول وإنما عدلوا إلى قولهم : { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } ليكون جامعاً للمعاني بحيث يفهم منه المقصود أيضاً انتهى .
وفيه إشارة إلى الردّ على الزمخشري ، وقد اختلف كلامه في تعليل الخوف فعلله تارة بعرفانه أنهم ملائكة وأخرى بأنهم لم يتحرموا طعامه ، ولعله أراد بذلك العرفان العرفان بعد إحضار الطعام ، وما ذكره الطيبي من أنه لو عرفتهم بأنهم ملائكة لم يحضر الخ غير قادح إذ يجوز أن يخافهم بعد الإحضار أولاً لعدم التحرم ثم بعد تفرس أنهم ملائكة خافهم لأنهم ملائكة أرسلوا للعذاب ، والزمخشري حكى أحد الخوفين في موضع والآخر في آخر .
قال بعض المحققين والتعليل بأنهم ملائكة هو الوجه لينتظم قوله سبحانه : { لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ } [ الحجر : 35 ] مع ما قبله إذ لو كان الوجل لكونهم على غير زي من عرف ونحوه لم يحسن التعليل بقوله تعالى : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } فإنه إنما هو تعليل للنهي عن الوجل من أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب كأنهم قالوا : { لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ } و { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } فجاء على اختصارات القرآن بذكر أحد التعليلين في أحد الموضعين والآخر في الآخر ، ولا شك أن في الحجر اختصاراً لطي حديث الرواع ، والتعجيل بالعجل الحنيذ وعدم تحرمهم بطعامه لما أن المقصود من سوق القصة هنالك الترغيب والترهيب للاعتبار بحال إبراهيم عليه السلام وما لقي من البشرى والكرامة ، وحال قوم لوط عليه السلام وما منوا به من السوأى والملامة ، ألا ترى إلى قوله سبحانه : { نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم } إلى قوله جل وعلا :

(8/300)


{ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } [ الحجر : 49-51 ] فاقتصر على ما يفيد ذلك الغرض ، وأما في هذه السورة فجىء بها للإرشاد الذي بنى عليه السورة الكريمة مع إدماج التسلية ورد ما رموه به عليه الصلاة والسلام من الافتراء ، وفي كل من أجزاء القصة ما يسد من هذه الأغراض فسرد على وجهها ، وفي سورة الذاريات للأخيرين فقط فجىء بما يفيد ذلك فلا عليك إن رأيت اختصاراً أن تنقل إليه من المبسوط ما يتم به الكلام بعد أن تعرف نكتة الاختصار ، وهذا من خواص كتاب الله تعالى الكريم انتهى ولا يخلو عن حسن ، وفيه ذهاب إلى كون جملة { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } استئنافاً في موضع التعليل كما هو الظاهر .
وقال شيخ الإسلام عليه الرحمة : الظاهر ما ذكر إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى : { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } [ الحجر : 57 ، 58 ] صريح في أنهم قالوه جواباً عن سؤاله عليه السلام ، وقد أوجز الكلام اكتفاءاً بذلك انتهى .
وتعقب بأنه قد يقال : إن ذلك لا يقدح في الحمل على الظاهر لجواز أن يكونوا قالوا ذلك على معنى التعليل للنهي عن الخوف ، ولكنه وإن أريد منه الإرسال بالعذاب لقوم لوط عليه السلام مجمل لم يؤت به على وجه يظهر منه ما نوع هذا العذاب هل هو استئصال أم لا؟ فسأل عليه السلام لتحقيق ذلك فكأنه قال : أيها المرسلون إلى قوم لوط ما هذا الأمر العظيم الذي أرسلتم به؟ فأجابوه بما يتضمن بيان ذلك مع الإشارة إلى علة نزول ذلك الأمر بهم وهو قولهم : { إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 58 ، 59 ] الآية فإن انفهام عذاب الاستئصال لقوم لوط عليه السلام من ذلك ظاهر ، وكذا الإشارة إلى العلة .
والحاصل أن السؤال في تلك الآية عن الخطب وهو في الأصل الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب ، ويراد من السؤال عنه تحقيق أمر لم يعلمه عليه السلام من كلامهم قبل إما لأنه لم يعلم ذلك منه .

(8/301)


أو لأنه كان مشغولاً عن كمال التوجه ليعلم عليه السلام منه ذلك ، وفي خطابه عليه السلام لهم عليهم السلام بعنوان الرسالة ما يؤيد تقدم قولهم : { أَنَّا أَرْسَلْنَا } على هذا السؤال لكنه أسقط هناك تعويلاً على ما هنا ولا بدع في الإسقاط من المتأخر تعويلاً على المتقدم ، وتأخر الحجر . والذاريات عن هود تلاوة مما لا كلام فيه ، وتأخرهما نزولاً مما رواه ابن ضريس في فضائل القرآن عن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن عمر بن هارون عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس ، وذكر أنها كلها نزلت بمكة وأن بين هود . والحجر سورة واحدة ، وبين الحجر . والذاريات ثلاث عشرة سورة فليتأمل في هذا المقام ، ويفهم من كلام بعضهم أنه عليه السلام لم يتحقق كونهم ملائكة إلا بعد أن مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأنه فحينئذ عرفهم وأمن منهم ، ولم يتحقق صحة الخبر عندي ، والذي أميل إليه أنه عليه السلام عرفهم قبل ذلك وأن خوفه منهم لكونهم ملائكة لم يدر لأي شيء نزلوا ، ويبعد عند من عرف حال إبراهيم عليه السلام القول بأنه خاف بشراً وبلغ منه الخوف حتى { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } [ الحجر : 52 ] لا سيما إذا قلنا : إنا من خافهم كانوا ثلاثة وأنه عليه السلام لم يكن في طرف من الأرض بل كان بين أصحابه ، أو كان هناك لكن بين خدمه وغلمانه .

(8/302)


وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)

{ وامرأته } سارة بنت هاران بن ناحور وهي بنت عمه { قَائِمَةً } في الخدمة كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد وكانت نساؤهم لا تحتجب لا سيما العجائز منهم ، وكانت رضي الله تعالى عنها عجوزاً ، وقال وهب : كانت قائمة وراء الستر تسمع محاورتهم ، وأخذ منه بعضهم أن تستر النساء كان لازماً ، والظاهر أنه لم يكن كذلك لتأخر آية الحجاب ، ويجوز أن يقال : إن القيام وراء الستر كان اتفاقياً ، وعن ابن إسحق أنها كانت قائمة تصلي ، وقال المبرد : كانت قائمة عن الولد وهو خلاف المشهور في الاستعمال ، وأخرج ابن المنذر عن المغيرات قال في مصحف ابن مسعود : وامرأته قائمة وهو جالس ، وفي الكشاف بدل وهو جالس وهو قاعد ، وعن ابن عطية بدل { وامرأته قَائِمَةٌ } وهي قائمة ففيه الاضمار من غير تقدم ذكر ، وكأن ذلك إن صح للتعويل على انفهام المرجع من سياق الكلام ، والجملة إما في موضع الحال من ضمير { قَالُواْ } وإما مستأنفة للأخبار { فَضَحِكَتْ } من الضحك المعروف والمراد به حقيقته عند الكثير ، وكان ذلك عند بعضهم سروراً بزوال الخوف عن إبراهيم عليه السلام ، والنساء لا يملكن أنفسهم كالرجال إذا غلب عليهن الفرح ، وقيل : كان سروراً بهلاك أهل الفساد ، وقيل : بمجموع الأمرين ، وقال ابن الأنباري : إن ضحكها كان سروراً بصدق ظنها لأنها كانت تقول لإبراهيم : اضمم إليك لوطاً فإني أرى العذاب سينزل بقومه وكان لوط ابن أخيه . وقيل : ابن خالته وقيل : كان أخا سارة وقد مر آنفاً أنها بنت عم إبراهيم عليه السلام ، وعن ابن عباس أنها ضحكت من شدة خوف إبراهيم وهو في أهله وغلمانه ، والذين جاؤوه ثلاثة وهي تعهده يغلب الأربعين ، وقيل : المائة ، وقال قتادة : كان ذلك من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم ، وقال السدى : ضحكت من إمساك الأضياف عن الأكل وقالت : عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا وهم لا يأكلون طعامنا ، وقال وهب بن منبه : وروي أيضاً عن ابن عباس أنها ضحكت من البشارة بإسحق ، وفي الكلام على ذلك تقديم وتأخير ، وقيل : { *ضحكت } من المعجز الذي تقدم نقله عن جبريل عليه السلام ، ولعل الأظهر ما ذكرناه أولاً عن البعض ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالضحك التبسم ويستعمل في السرور المجرد نحو { مسفرة ضاحكة } ، [ عبس : 38 ، 39 ] ومنه قولهم : روضة تضحك ، وأخرج عبد بن حميد . وأبو الشيخ . وغيرهما عن ابن عباس أن { *ضحكت } بمعنى حاضت ، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . ومجاهد . وعكرمة ، وقولهم : ضحكت الأرنب بهذا المعنى أيضاً ، وأنكر أبو عبيدة . وأبو عبيد . والفراء مجيء ضحك بمعنى حاض ، وأثبت ذلك جمهور اللغويين ، وأنشدوا له قوله :
وضحك الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الجوق يؤم اللقا

(8/303)


وقوله :
وعهدي بسلمي ( ضاحكا ) في لبابة ... ولم يعد حقا ثديها أن تحلما
وقوله :
إني لآتي العرس عند طهورها ... وأهجرها يوماً إذا تك ( ضاحكا )
والمثبت مقدم على النافي . ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، نعم قال ابن المنير : إنه يبعد الحمل على ذلك هنا قولها : { ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا } [ هود : 72 ] الخ فإنه لو كان الحيض قبل البشارة لما تعجبت إذ لا عجب في حمل من تحيض ، والحيض في العادة معيار على إمكان الحمل ، ودفع بأن الحيض في غير أوانه مؤكد للتعجب أيضاً ، ولأنه يجوز أن تظن أن دمها ليس بحيض بل استحاضة فلذا تعجبت ، وقرأ محمد بن زياد الأعرابي من قراء مكة { فَضَحِكَتْ } بفتح الحاء ، وزعم المهدوي أنه غير معروف وأن { *ضحك } بالكسر هو المعروف ، ومصدره ضحكاً وضحكاً بسكون الحاء وفتح الضاد وكسرها ، وضحكاً وضحكاً بكسر الحاء مع فتح الضاد وكسرها ، والظاهر أن هذه مصادر ضحك بأي معنى كان ، ويفهم من مجمع البيان أن مصدر ضحك بمعنى حاضت إنما هو ضحكا بفتح الضاد وسكون الحاء ، ولم نر هذا التخصيص في غيره ، وعن بعضهم أن فتح الحاء في الماضي خصوص بضحك بمعنى حاض ، وعليه فالقراءة المذكورة تؤيد تفسير ضحكت على قراءة الجمهور بحاضت .
{ فبشرناها * بإسحاق } قيل : أي عقبنا سرورها بسرور أتم منه على ألسنة رسلنا { وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ } بالنصب ، وهي قراءة ابن عامر . وحمزة . وحفص . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما على أنه منصوب بتقدير فعل يفسره ما يدل عليه الكلام أي ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوب ، ورجع ذلك أبو علي ، واعترضه البعض بأنه حينئذ لا يكون ما ذكر داخلاً تحت البشارة ، ودفع بأن ذكر هذه الهبة قبل وجود الموهوب بشارة معنى ، وقيل : هو معطوف على محل { بإسحاق } لأنه في محل نصب ، واعترض أنه إنما يتأتى العطف على المحل إذا جاز ظهور المحل في فصيح الكلام كقوله :
ولسنا بالجبال ولا الحديدا ... وبشر لا تسقط باؤه من المبشر به في الفصيح ، وزعم بعضهم أن العطف على { بإسحاق } على توهم نصبه لأنه في معنى وهبنا لها إسحق فيكون كقوله :
( مشائيم ) ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا بين غرابها
إلا أنه توهم في هذا وجود الباء في المعطوف عليه على عكس ما في الآية الكريمة ، ويقال لمثل هذا : عطف التوهم ، ولا يخفى ما في هذه التسيمة هنا من البشاعة على أن هذا العطف شاذ لا ينبغي التخريج عليه مع وجود غيره ، وبهذا اعترض على الزمخشري من حمل كلامه حيث قال : وقرىء بالنصب كأنه قيل : وهبنا لها إسحق ومن ورلء إسحق يعقوب على طريقة قوله

(8/304)


: مشائيم ... البيت عليه لما أنه الظاهر منه ، وقال في الكشف أراد أنه عطف معنوي ومثله شائع مستفيض في العطف والاضمار على شريطة التفسير وغيرهما ، وإنما شبهه بقوله :
ولا ناعب ... تنبيهاً على أن ذلك مع بعده لما كان واقعاً فهذا أجدر ، والغرض من التشبيه أن غير الموجود في اللفظ جعل بمنلته وأعمل ، ولا يخفى أنه خلاف المتبادر من عبارته ، وقيل : إنه معطوف على لفظ { إسحاق } وفتحته للجر لأنه غير مصروف للعلمية والعجمة ، وعلى هذا دخوله في البشارة ظاهر إلا أنه قيل عليه : إنه يلزمه الفصل بين نائب الجار ومجروره وهو أبعد منه بين الجار ومجروره ، وفي البحر أن من ذهب إلى أنه معطوف على ما ذكر فقوله ضعيف لأنه لا يجوز الفصل بالظرف أو المجرور بين حرف العطف ومعطوفه المجرور ، فلا يجوز مررت بزيد اليوم وأمس عمرو فإن جاء ففي شعر ، فإن كان المعطوف منصوباً أو مرفوعاً ففي جواز ذلك خلاف نحو قام زيد واليوم عمرو . وضربت زيداً واليوم عمراً ، وقرأ الحرميات . والنحويان . وأبو بكر و { يَعْقُوبَ } بالرفع على الابتداء ، { وَمِن وَرَاء } الخبر كأنه قيل ومن وراء إسحق يعقوب كائن . أو موجود . أو مولود قال النحاس : والجملة حال داخلة في البشارة أي فبشرناها باسحق متصلاً به يعقوب .
وأجزا أبو علي أن يرتفع بالجار والمجرور كما أجازه الأخفش ، وقيل : إنه جائز على مذهب الجمهور أيضاً لاعتماده على ذي الحال ، وتعقب بأنه وهم لأنه الجار والمجرور إذا كان حالاً لا يجوز اقترانه بالواو فليتدبر .
وجوز النحاس أيضاً أن يكون فاعلاً باضمار فعل تقديره ويحدث من وراء إسحق يعقوب .
قال ابن عطية : وعلى هذا لا يدخل في البشارة ، وقد مر ما يعلم منه الجواب ، و دوراء } هنا بمعنى خلف وبذلك فسرها الراغب . وغيره هنا ، وهو رواية عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه تفسيرها بولد الولد وهو أحد معانيها كما في الصحاح ، والقاموس ، وبذلك قال الشعبي ، واختاره أبو عبيدة ، واستشكل بأن { * } هنا بمعنى خلف وبذلك فسرها الراغب . وغيره هنا ، وهو رواية عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه تفسيرها بولد الولد وهو أحد معانيها كما في الصحاح ، والقاموس ، وبذلك قال الشعبي ، واختاره أبو عبيدة ، واستشكل بأن { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى قَالُواْ سلاما قَالَ سلام فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ وامرأته قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء } بالنسبة إليها أي وراؤها من إسحق كأنهم بشروها بأن تعيش حتى ترى ولد ولدها ، أو بأن يولد لولدها ولد ، قيل : وهذا أقرب ، والمنقول عن الزمخشري أظهر ، والمعول عليه تفسيره بمعنى خلف إذ في كلا الوجهين تكلف لا يخفى ، والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة كما في قوله تعالى : { نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى } [ مريم : 7 ] وهو الأظهر .
وروي عن السدى : ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد من غير تسمية ثم سميا بعد الولادة ، وتوجيه البشارة إليها مع أن الأصل في ذلك إبراهيم عليه السلام ، وقد وجهت إليه في آيتي الحجر . والذاريات للإيذان بأن ما بشر به يكون منهما ولكونها عقيمة حريصة على الولد وكانت قد تمنته حينما ولد لهاجر إسماعيل عليه السلام .

(8/305)


قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)

{ قَالَتْ } استئناف بياني كأن سائلا سأل ما فعلت حين بشرت؟ فقيل : قالت : { *ياويلتي } من الويل وأصله الخزي ، ويستعمل في كل أمر فظيع ، والمراد هنا التعجب وقد كثرت هذه الكلمة على أفواه النساء إذ طرأ عليهن ما يتعجبن منه ، والظاهر أن الألف بدل من ياء المتكلم ، ولذا أمالها أبو عمرو . وعاصم في رواية ، وبهذا يلغز فيقال : ما ألف هي ضمير مفرد متكلم .
وقرأ الحسن { *يا ويلتي } بالياء على الأصل ، وقيل : إنها ألف الندبة ولذا يلحقونها الهاء فيقولون . يا ويلتاه { قَالَتْ ياويلتا ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ } ابنة تسعين سنة على ما روي عن ابن إسحق ، أو تسع وتسعين على ما روي عن مجاهد . { وهذا } الذي تشاهدونه { بَعْلِى } أي زوجي ، وأصل البعل القائم بالأمر فأطلق على الزوج لأنه يقوم بأمر الزوجة ، وقال الراغب : هو الذكر من الزوجين وجمعه بعولة نحو فحل وفحولة ، ولما تصوروا من الرجل استعلاءاً على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها؛ وسمي به شبه كل مستعل على غيره به فسمي باسمه ، ومن هنا سمي العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله تعالى بعلا لاعتقادهم ذلك فيه { شَيْخًا } ابن مائة سنة . أو مائة وعشرين ، وهو من شاخ يشيخ ، وقد يقال : للأنثى شيخة كما قال
: وتضحك مني ( شيخة ) عبشمية ... ويجمع على أشياخ . وشيوخ . وشيخان ونصبه على الحال عند البصريين ، والعامل فيه ما في هذا من معنى الإشارة أو التنبيه .
قال الزجاج : ومثل هذه الحال من لطيف النحو وغامضه إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر؛ ففي قولك : هذا زيد قائماً لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامه ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيداً عند عدم القيام وليس بصحيح فهنا بعليته معروفة ، والمقصود بيان شيوخته وإلا لزم أن لا يكون بعلها قبل الشيخوخة قاله الطيبي ، ونظر فيه بأنه إنما يتوجه إذا لم تكن الحال لازمة غير منفكة أما في نحو هذا أبوك عطوفاً فلا يلزم المحذور ، والحال ههنا مبينة هيئة الفاعل أو المفعول لأن العامل فيها ما أشير إليه وبذلك التأويل يتحد عامل الحال وذيها ، وذهب الكوفيون إلى أن هذا يعمل عمل كان و { شَيْخًا } خبره وسموه تقريباً» .
وقرأ ابن مسعود وهو في مصحفه والأعمش شيخ بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ ، أو خبر بعد خبر ، وفي البحر إن الكلام على هذا كقولهم : هذا حلو حامض ، أو هو الخبر ، و { بَعْلِى } بدل من اسم الإشارة . أو بيان له ، وجوز أن يكون { بَعْلِى } الخبر ، و شيخ تابعاً له ، وكلتا الجملتين وقعت حالا من الضمير في { ءأَلِدُ } لتقرير ما فيه من الاستبعاد وتعليله أي أألد وكلانا على حالة منافية لذلك ، وإنما قدمت بيان حالها على بيان حاله عليه السلام لأن مباينة حالها لما ذكر من الولادة أكثر إذ ربما يولد للشيوخ من الشواب أما العجائز داؤهن عقام ، ولأن البشارة متوجهة إليها صريحاً ولأن العكس في البيان ربما يوهم من أول الأمر نسبة المانع عن الولادة إلى جانب إبراهيم عليه السلام وفيه ما لا يخفى من المحذور ، واقتصارها في الاستبعاد على ولادتها من غير تعرض لحال النافلة لأنها المستبعدة وأما ولادة ولدها فلا يتعلق بها استبعاد قاله سيخ الإسلام { إِنَّ هَذَا } أي ما ذكر من حصول الولد من هرمين مثلنا ، وقيل : هو إشارة إلى الولادة أو البشارة بها ، والتذكير لأن المصدر في تأويل { ءانٍ } مع الفعل ولعل المآل أن هذا الفعل { لَشَىْء عَجِيبٌ } أي من سنة الله تعالى المسلوكة في عباده ، والجملة تعليل بطريق الاستئناف التحقيقي ومقصدها كما قيل : استعظام نعمة الله تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي لا استبعاد ذلك من حيث القدرة .

(8/306)


قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)

{ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله } أي قدرته وحكمته . أو تكوينه وشأنه سبحانه أنكروا عليها تعجبها لأنها كانت ناشئة في بيت النبوة ومهبط الوحي ومحل الخوارق فكان حقها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء من أمثال هذه الخوارق من ألطاف الله سبحانه الخفية ولطائف صنعه الفائضة على كل أحد ممن يتعلق بإفاضته عليه مشيئته تعالى الأزلية لا سيما أهل بيت النبوة الذين هم عم وأن تسبح الله تعالى وتمجده وتحمده ، وإلى ذلك أشاروا بقوله عالى : { رَحْمَتَ الله } المستتبعة كل خير ووضع المظهر موضع المضمر لزيادة تشريفها والإيماء إلى عظمتها { وبركاته } أي خيراته التامة المتكاثرة التي من جملتها هبة الأولاد ، وقيل : الرحمة النبوة . والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء عليهم السلام منهم وكلهم من ولد إبراهيم عليه السلام؛ وقيل : رحمته تحيته . وبركاته فواضل خيره بالخلة والإمامة .
{ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت } نصب على المدح . أو الاختصاص كما ذهب إليه كثير من المعربين ، قال أبو حيان : وبينهما فرق ولذلك جعلهما سيبويه في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص يقصد به المدح . أو الذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه ذلك كقول رؤبة
: بنا تميما يكشف الضباب ... انتهى ، وفي الهمع أن النصب في الاختصاص بفعل واجب الاضمار وقدره سيبويه بأعنى ويختص بأن الواقعة بعد ضمير المتكلم كأنا أفعل كذا أيها الرجل . وكاللهم اغفر لنا أيتها العصابة ، وحكمها في هذا الباب إلا عند السيرافي . والأخفش حكمها في باب النداء ويقوم مقامها في الأكثر كما قال سيبويه بنو نحو قوله :
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ...
ومنه قوله
: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
ومعشر كقوله
: لنا معشر الأنصار مجد مؤثل ... بإرضائنا خير البرية أحمدا
وفي الحديث « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » وآل . وأهل ، وأبو عمرو لا ينصب غيرهما وليس بشيء ، وقلّ كون ذلك علماً كما في بيت رؤبة السابق في كلام أبي حيان ، ولا يكون اسم إشارة . ولا غيره . ولا نكرة البتة . ولا يجوز تقديم اسم الاختصاص على الضمير ، وقلّ وقوع الاختصاص بعد ضمير المخاطب كسبحانك الله العظيم ، وبعد لفظ غائب في تأويل المتكلم أو المخاطب نحو على المضارب الوضيعة أيها البائع ، فالمضرب لفظ غيبة لأنه ظاهر لكنه في معنى على أو عليك ، ومنع ذلك الصفار البتة لأن الاختصاص شبه النداء فكما لا ينادي الغائب فكذلك لا يكون فيه الاختصاص انتهى مع أدنى زيادة وتغيير ، ومنه يعلم بعض ما في كلام أبي حيان وأن حمل ما في الآية الكريمة على الاختصاص انتهى مع أدنى زيادة وتغيير ، ومنه يعلم بعض ما في كلام أبي حيان وأن حمل ما في الآية الكريمة على الاختصاص من ارتكاب ما قل في كلامهم ، وجوز في الكشاف نصبه على النداء ، وقدمه على احتمال النصب على الاختصاص ، ولعله أشار بذلك إلى ترجيحه على الاحتمال الثاني لكن ذكر بعض الأفاضل إن في ذلك فوات معنى المدح المناسب للمقام ، والمراد من البيت كما في البحر بيت السكنى ، وأصله مأوى الإنسان بالليل ، ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه ، ويقع على المتخذ من حجر .

(8/307)


ومن مدر . ومن صوف . ووبر ، وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته ويجمع على بيوت وأبيات ، وجمع الجمع أباييت . وبيوتات . وأبياوات ، ويصغر على بييت . وبييت بالكسر ، ويقال : بويت كما تقوله العامة ، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع ليكون جوابهم عليهم السلام لها جواباً لمن يخطر بباله مثل ما خطر ببالها من سائر أهل البيت .
والجملة كلام مستأنف علل به إنكار تعجبها فهي جملة خبرية ، واختاره جمع من المحققين ، وقيل : هي دعائية وليس بذاك ، واستدل بالآية على دخول الزوجة في أهل البيت ، وهو الذي ذهب إليه السنيون ، ويؤيده ما في سورة الأحزاب ، وخالف في ذلك الشيعة فقالوا : لا تدخل إلا إذا كانت قريب الزوج ، ومن نسبه فإن المراد من البيت بيت النسب لا بيت الطين والخشب ، ودخول سارة رضي الله تعالى عنها هنا لأنها بنت عمه ، وكأنهم حملوا البيت على الشرف كما هو أحد معانيه ، وبه فسر في قول العباس رضي الله تعالى عنه يمدح النبي صلى الله عليه وسلم
: حتى احتوى ( بيتك ) المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطف
ثم خصوا الشرف بالشرف النسبي وإلا فالبيت بمعنى النسب مما لم يشع عند اللغويين ، ولعل الذي دعاهم لذلك بغضهم لعائشة رضي الله تعالى عنها فراموا إخراجها من حكم { يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً } [ الأحزاب : 33 ] وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في هذا المقام ، واستدل بالآية على كراهة الزيادة في التحية على السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم .
أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً قال له : سلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته فانتهره ابن عمر وقال : حسبك ما قال الله تعالى ، وأخرج عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة فقال : السلام عليكم أهل البيت ما قال الله تعالى ، وأخرج عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته ، فقال : انتهوا بالتحية إلى ما قال الله سبحانه ، وفي رواية عن عطاء قال : كنت جالساً عند ابن عباس فجاء سائل فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفته ورضوانه فقال : ما هذا السلام؟ا وغضب حتى احمرت وجنتاه إن الله تعالى حد للسلام حداً ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك ثم قرأ { قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ } { إِنَّهُ حَمِيدٌ } قال أبو الهيثم : أي تحمد أفعاله ، وفي الكشاف أي فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ففعيل بمعنى مفعول ، وجوز الراغب أن يكون { حَمِيدٌ } هنا بمعنى حامد ولعل الأول أولى { مَّجِيدٌ } أي كثير الخير والإحسان ، وقال ابن الأعرابي : هو الرفيع يقال : مجد كنصر وكرم مجداً ومجادة أي كرم وشرف؛ وأصله من مجدت الابل إذا وقعت في مرعى كثير واسعد ، وقد أمجدها الراعي إذا أوقعها في ذلك ، وقال الأصمعي : يقال : أمجدت الدابة إذا أكثرت علفها ، وقال الليث : أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره ، ومن ذلك قول أبي حية النميري

(8/308)


: تزيد على صواحبها وليست ... ( بما جدة ) الطعام ولا الشراب
أي ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب ، ومن أمثالهم في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفا رأي استكثر من ذلك ، وقال الراغب : أي تحري السعة في بذل الفضل المختص به ، وقال ابن عطية : مجد الشيء إذا حسنت أوصافه ، والجملة على ما في الكشف تذييل حسن لبيان أن مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد المحسن إليها بما أحسن وتمجده إذ شرفها بما شرف ، وقيل : هي تعليل لما سبق من قوله سبحانه : { قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ } .

(8/309)


فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)

{ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع } أي الخوف والفزع ، قال الشاعر
: إذا أخذتها هزة ( الروع ) أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا
والفعل راع ، ويتعدى بنفسه كما في قوله
: ( ما راعني ) إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
والروع بضم الراء النفس وهي محل الروع ، والفاء لربط بعض أحوال إبراهيم عليه السلام ببعض غب انفصالها بما ليس بأجنبي من كل وجه بل له مدخل في السياق والسباق ، وتأخر الفاعل عن الظرف لكونه مصب الفائدة ، والمعنى لما زال عنه ما كان أوجسه منهم من الخيفة وأطمأنت نفسه بالوقوف على جلية أمرهم { وَجَاءتْهُ البشرى يجادلنا فِى قَوْمِ لُوطٍ } أي يجادل رسلنا في حالهم وشأنهم ، ففيه مجاز في الإسناد ، وكانت مجادلته عليه السلام لهم ما قصه الله سبحانه في قوله سبحانه في سورة العنكبوت : { وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً } [ العنكبوت : 31 ، 32 ] فقوله عليه السلام : { إِنَّ فِيهَا لُوطاً } مجادلة وعد ذلك مجادلة لأن مآله على ما قيل : كيف تهلك قرية فيها من هو مؤمن غير مستحق للعذاب؟ ولذا أجابوه بقولهم : { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته } [ العنكبوت : 32 ] وهذا القدر من القول هو المتيقن .
وعن حذيفة أنهم لما قالوا لع عليه السلام ما قالوا ، قال : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونها؟ قالوا : لا ، قال : فثلاثون؟ قالوا : لا ، قال : فعشرون ، قالوا : لا ، قال : فإن كان فيهم عشرة . أو خمسة شك الرواي ؟ قالوا : لا ، قال : أرأيتم إن كان فيها رجل واحد من المسلمين أتهلكونها؟ قالوا : لا ، فعند ذلك قال : { إِنَّ فِيهَا لُوطاً } [ العنكبوت : 32 ] فأجابوه بما أجابوه ، وروي نحو ذلك عدة روايات الله تعالى أعلم بصحتها ، وفسر بعضهم المجادلة بطلب الشفاعة ، وقيل : هي سؤاله عن العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الطاعة؟ وأياً مّا كان فيجادلنا جواب لما وكان الظاهر جادلنا إلا أنه عبر بالمضارع لحكاية الحال الماضية واستحضار صورتها ، وقيل : إن لما كلو تقلب المضارع ماضياً كما أن أن تقلب الماضي مستقبلاً ، وقيل : الجواب محذوف ، وهذه الجملة في موضع الحال من فاعله أي أخذ أو أقبل مجادلالنا ، وآثر هذا الوجه الزجاج ولكنه جعله مع حكاية الحال وجهاً واحداً لأنه قال : ولم يذكر في الكلام أخذ لأن الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه أخذ وأقبل لأنك إذا قلت : قام زيد دل على فعل ماض ، وإذا قلت : أخذ زيد يقوم دل على حال ممتدة من أجلها ذكر أخذ وأقبل ، وصنيع الزمخشري يدل على أنهما وجهان ، وتحقيقه على ما في الكشف أنه إذا أريد استمرار الماضي فهو كما ذكره الزجاج ، وإن أريد التصوير المجرد فلا ، وقيل : الجواب محذوف .

(8/310)


والجملة مستأنفة استئنافاً نحوياً أو بيانياً وهي دليل عليه ، والتقدير اجترأ على خطابنا أو فطن بمجادلتنا وقال : كيت وكيت ، واختاره في الكشاف ، وقيل : إن هذه الجملة وكذا الجملة التي قبلها في موضع الحال من { إِبْرَاهِيمَ } على الترادف أو التداخل وجواب لما قلنا يقدر قبل { يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا } [ هود : 76 ] ، وأقرب الأقوال أولها ، والبشرى إن فسرت بقولهم : { لاَ تَخَفْ } [ هود : 0 ] فسببية ذهاب الخوف ومجيء السرور للمجادلة ظاهرة ، وأما إن فسرت ببشارة الولد كما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر . وغيرهما عن قتادة واختاره جمع أو بما يعمها فلعل سببيتها لها من حيث أنها تفيد زيادة اطمئنان قبله عليه السلام بسلامته وسلامة أهله كافة كذا قاله مولانا شيخ الإسلام ، ثم قال : إن قيل : إن المتبادر من هذا الكلام أن يكون إبراهيم عليه السلام قد علم أنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط قبل ذهاب الروع عن نفسه ولكن لم يقدر على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسه ، فلما ذهب عنه الروع فرغ لها مع أن ذهاب الروع إنما هو قبل العلم بذلك لقوله سبحانه : { قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } [ هود : 70 ] قلنا : كان لوط عليه السلام على شريعة إبراهيم عليه السلام وقومه مكلفين بها فلما رأى من الملائكة عليهم السلام ما رأى خاف على نفسه وعلى كافة أمته التي من جملتهم قوم لوط ، ولا ريب في تقدم هذا الخوف على قولهم : { لاَ تَخَفْ } [ هود : 70 ] وأما الذي علمه عليه السلام بعد النهي فهو اختصاص قوم لوط بالهلاك لا دخول لهم تحت العموم فتأمل انتهى .
وفيه أن كون الكل أمته في حيز المنع ، وما أشار إليه من اتحاد الشريعتين إن أراد به الاتحاد في الأصول كاتحاد شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم مع شريعة إبراهيم عليه السلام فمسلم لكن لا يلزم منه ذلك ، وإن أراد به الاتحاد في الأصول والفروع فغير مسلم ولو سلم ففي لزوم كون الكل أمته له تردد على أنه لو سلمنا كل ذلك فلقائل أن يقول : سلمنا أنه عليه السلام لما رأى من الملائكة عليهم السلام ما رأى حصل له خوف على نفسه وعلى كافة أمته التي من جملتهم قوم لوط عليه السلام لكن لا نسلم أن هذا الخوف كان عن علم بأن أولئك الملائكة كانوا مرسلين لاهلاك الكل المندرج فيه قوم لوط بل عن تردد وتحير في أمرهم ، وحينئذ لا ينحل السؤال بهذا الجواب كما لا يخفى على المتبصر ، وكأنه لذلك أمر بالتأمل؛ وقد يقال : المفهوم من الكلام تحقق المجادلة بعد تحقق مجموع الأمرين ذهاب الروع ومجيء البشارة ، وهو لا يستدعي إلا سبق العلم بأنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط على تحقق المجموع ، ويكفي في ذلك سبقه على تحقق البشارة ، وهذا العلم مستفاد من قولهم له :

(8/311)


{ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } [ هود : 70 ] وكأنه عليه السلام إنما لم يجادل بعد هذا العلم ، وأخر المجادلة إلى مجيء البشارة ليرى ما ينتهى إليه كلام الملائكة عليهم السلام ، أو لأنه لم يقع فاصل سكوت في البين ليجادل فيه إلا أن هذا لا يتم إلا أن يكون الإخبار بالإرسال إلى قوم لوط سابقاً على البشارة بالولد ، وفيه تردد .
وفي بعض الآيات ما هو ظاهر في سبق البشارة على الإخبار بذلك ، نعم يمكن أن يلتزم سبق الأخبار على البشارة ، ويقال : إنهم أخبروه أولا ثم بشروه ثانياً ، ثم بعد أن تحقق مجموع الأمرين قال : { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } [ الحجر : 57 ] ويقال : الرماد منه السؤال عن حال العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم هو على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الإيمان؟ وتفسير المجادلة به كما مر عن بعض فتدبر ذاك والله سبحانه يتولى هداك .

(8/312)


إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)

{ إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ } غير عجول على الانتقام إلى المسيء إليه { *أواه } كثير التأوة من الذنوب والتأسف على الناس { أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } راجع إلى الله تعالى ، والمقصود من وصفه عليه السلام بهذه الصفات المنبئة عن الشفقة ورقة القلب بيان ما حمله على ما صدر عنه من المجادلة ، وحمل الحلم على عدم العجلة والتأني في الشيء مطلقاً ، وجعل المقصود من الوصف بتلك الصفات بيان ما حمله على المجادلة وإيقاعها بعد أن تحقق ذهاب الروع ومجيء البشرى لا يخفي حاله .

(8/313)


يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)

{ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } على تقدير القول ليرتبط بما قبل أي قالت الملائكة ، أو قلنا { ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } .
{ أَعْرِضْ عَنْ هذا } الجدال { أَنَّهُ } أي الشأن { قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ } أي قدره تعالى المقضى بعذابهم ، وقد يفسر بالعذاب ، ويراد بالمجيء المشارفة فلا يتكرر مع قوله سبحانه :
{ وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } أي لا بجدال ولا بدعاء ولا بغيرهما إذ حاصل ذلك حينئذ شارفهم ثم وقع بهم ، وقيل : لا حاجة إلى اعتبار المشارفة ، والتكرار مدفوع بأن ذاك توطئة لذكر كونه غير مردود .
وقرأ عمرو بن هرم وإنهم أتاهم بلفظ الماضي ، و { عَذَابِ } فاعل به ، وعبر بالماضي لتحقيق الوقوع .

(8/314)


وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)

{ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً } عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : انطلقوا من عند إبراهيم عليه السلام وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا عليه في صورة غلمان مرد حسان الوجوه فلذلك { سِىء بِهِمْ } أي أحدث له عليه السلام مجيئهم المساءة لظنه أنهم أناس فخاف أن يقصدهم قومه ويعجز عن مدافعتهم ، وقيل : كان بين القريتين ثمانية أميال فأتوها عشاءاً ، وقيل نصف النهار ووجدوا لوطاً في حرث له .
وقيل : وجدوا بنتاً له تستقي ماءاً من نهر سدوم وهي أكبر محل للقوم فسألوها الدلالة على من يضيفهم ورأت هيأتهم فخافت عليهم من قوم أبيها فقالت لهم : مكانكم وذهبت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليهم فقالوا : إنا نريد أن تضيفنا الليلة ، فقال : أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا : وما عملهم؟ فقال : أشهد بالله تعالى أنهم شر قوم في الأرض ، وقد كان الله تعالى قال للملائكة لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فلما قال هذه قال جبريل عليه السلام : هذه واحدة وتكرر القول منهم حتى كرر لوط الشهادة فتمت الأربع ثم دخل المدينة فدخلوا معه منزله { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي طاقة وجهداً ، وهو في الأصل مصدر ذرع البعير بيديه يذرع في مسيره إذا سار ماداً خطوه مأخوذ من الذراع وهي العضو المعروف ، ثم توسع فيه فوضع موضع الطاقة والجهد ، وذلك أن اليد كما تجعل مجازاً عن القوة فالذراع المعروفة كذلك ، وفي «الصحاح» يقال : ضقت بالأمر ذرعاً إذا لم تطقه ولم تقو عليه ، وأصل الذرع بسط اليد فكأنك تريد مددت يدي إليه فلم تنله ، وربما قالوا : ضقت به ذراعاً ، قال حميد بن ثور يصف ذئباً
: وإن بات وحشاً ليلة لم يضق بها ... ( ذراعاً ) ولم يصبح لها وهو خاشع
وفي «الكشاف» جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا : رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقاً له ، والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلاً في العجز والقدرة ، ونصبه على أنه تمييز محول عن الفاعل أي ضاق بأمرهم وحالهم ذرعه ، وجوز أن يكون الذرع كناية عن الصدر والقلب ، وضيقه كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه ، وهو على ما قيل : كناية متفرعة على كناية أخرى مشهورة؛ وقيل : إنه مجاز لأن الحقيقة غير مرادة هنا؛ وأبعد بعضهم في تخريج هذا الكلام فخرجه على أن المراد أن بدنه ضاق قدر عن احتمال ما وقع { وَقَالَ هذا } اليوم { يَوْمٌ عَصِيبٌ } أي شديد ، وأصله من العصب بمعنى الشد كأنه لشدة شره عصب بعضه ببعض ، وقال أبو عبيدة : سمي بذلك لأنه يعصب الناس بالشر ، قال الراجز
: يوم عصيب يعصب الأبطالا ... عصب القوى السلم الطوالا
وفي معناه العصبصب والعصوصب .

(8/315)


وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)

{ وَجَاءهُ } أي لوطاً وهو في بيته مع أضيافه { قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قال أبو عبيدة : أي يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً ، أو يحثهم كبيرهم ويسوقهم ، أو الطمع في الفاحشة ، والعامة على قراءته مبنياً للمفعول ، وقرأ جماعة { يُهْرَعُونَ } بفتح الياء مبنياً للفاعل من هرع ، وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان كأن بعضه يدفع بعضاً ، وجاء أهرع القوم إذا أسرعوا ، وفسر بعضهم الإهراع بالمشي بين الهرولة والجمز ، وعن ابن عباس أنه سئل عما في الآية ، فقال : المعنى يقبلون إليه بالغضب ، ثم أنشد قول مهلهل
: فجاءوا يهرعون وهم أسارى ... نقودهم على رغم الأنوف
وفي رواية أخرى عنه أنه فسر ذلك بيسرعون وهو بيان للمراد ويستقيم على القرائتين ، وجملة { يُهْرَعُونَ } في موضع الحال من قومه أي جاؤوا مهرعين إليه ، روي أنه لما جاء لوط بضيفه لم يعلم ذلك أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته حتى أتت مجالس قومها فقالت : إن لوطاً قد أضاف الليلة فئة ما رؤي مثلهم جمالاً فحينئذٍ جاؤوا يهرعون إليه { وَمِن قَبْلُ } أي من قبل وقت مجيئهم ، وقيل : { مِن قَبْلُ } بعث لوط رسولاً إليهم { كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات } قيل : المراد سيئة إتيان الذكور إلا أنها جمعت باعتبار تكررها أو باعتبار فاعليها .
وقيل : المراد ما يعم ذلك ، وإتيان النساء في محاشهن . والمكاء . والصفير . واللعب بالحمام . والقمار . والاستهزاء بالناس . وغير ذلك ، والمراد من ذكر عملهم السيئات من قبل بيان أنهم اعتادوا المنكر فلم يستحيوا فلذلك أسرعوا لطلب الفاحشة من ضيوفه مظهرين غير مكترثين ، فالجملة معترضة لتأكيد ما قبلها .
وقيل : إنها بيان لوجه ضيق صدره لما عرف من عادتهم ، وجعلها شيخ الإسلام في موضع الحال كالتي قبلها أي جاؤوا مسرعين ، والحال أنهم كانوا منهمكين في عمل السيئات .
{ قَالَ يَاءادَمُ * قَوْمٌ * هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } فتزوجوهن وكانوا يطلبونهن من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لعدم مشروعية تزويج المؤمنات من الكفار فإنه كان جائزاً ، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب لأبي العاص بن الربيع . وابنته رقية لعتبة بن أبي لهب قبل الوحي وكانا كافرين إلا أن عتبة لم يدخل بها وفارقها بطلب أبيه حين نزلت { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } [ المسد : 1 ] فتزوّجها عثمان رضي الله تعالى عنه ، وأبا العاص كان قد دخل بها لكن لما أسر يوم بدر وفادى نفسه أخذ النبي صلى الله عليه وسلم العهد عليه أن يردها إذا عاد فأرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار في طلبها فجاءا بها ثم أنه أسلم وأتى المدينة فردها عليه الصلاة والسلام إليه بنكاح جديد أو بدونه على الخلاف .

(8/316)


وقال الحسن بن الفضل : إنه عليه السلام عرض بناته عليهم بشرط الإسلام ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وهو مبني على أن تزويج المسلمات من الكفار لم يكن جائزاً إذ ذاك ، وقيل : كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه ولم يكن له عليه السلام سواهما ، واسم إحداهما على ما في بعض الآثار زعوراء . والأخرى زيتاء ، وقيل : كان له عليه السلام ثلاث بنات ، وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس ، ويؤيده ظاهر الجمع وإن جاء إطلاقه على اثنين ، وأياً ما كان فقد أراد عليه السلام بذلك وقاية ضيفه وهو غاية الكرم فلا يقال : كيف يليق به عليه السلام أن يعرض بناته على أعدائه ليزوجهن إياهم؟ا نعم استشكل عرض بناته بناءاً على أنهن اثنتان كما هو المشهور ، أو ثلاث كما قيل على أولئك المهرعين ليتزوجوهن مع القول بأنهم أكثر منهن إذ لا يسوغ القول بحل تزوج الجماعة بأقل منهم في زمان واحد ، ومن هنا قال بعض أجلة المفسرين : إن ذلك القول لم يكن منه عليه السلام مجرياً على الحقيقة من إرادة النكاح بل كان ذلك مبالغة في التواضع لهم وإظهاراً لشدة امتعاضه مما أوردوا عليه طمعاً في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك فيتركوا ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم وهو الأنسب بجوابهم الآتي ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس . وابن أبي حاتم عن ابن جبير . ومجاهد . وابن أبي الدنيا . وابن عساكر عن السدي أن المراد ببناته عليه السلام نساء أمته ، والإشارة بهؤلاء لتنزيلهن منزلة الحاضر عنده وإضافتهن إليه لأن كل نبي أب لأمته ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم .
وقرأ أبي رضي الله تعالى عنه مثل ذلك لكنه قدم { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] علي وهو أب لهم وأراد عليه السلام بقوله : { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } أنظف فعلاً ، أو أقل فحشاً كقولك : الميتة أطيب من المغصوب وأحل منه ، ويراد من الطهارة على الأول الطهارة الحسية وهي الطهارة عما في اللواطة من الأذى والخبث ، وعلى الثاني الطهارة المعنوية وهو التنزه عن الفحش والإثم ، وصيغة أفعل في ذلك مجاز ، والظاهر إن هؤلاء بناتي مبتدأ وخبر ، وكذلك { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } وجوز أبو البقاء كون { بَنَاتِى } بدلاً أو عطف بيان { وَهَنَ } ضمير فصل ، و { أَطْهَرُ } هو الخبر ، وكون { هُنَّ } مبتدأ ثانياً ، و { أَطْهَرُ } خبره ، والجملة خبر { هَؤُلاء } .
/ وقرأ الحسن وزيد بن علي . وعيسى الثقفي . وسعيد بن جبير . والسدي { أَطْهَرُ } بالنصب ، وقد خفي وجهه حتى قال عمرو بن العلاء : إن من قرأ { أَطْهَرُ } بالنصب فقد تربع في لحنه وذلك لأن انتصابه على أن يجعل حالاً عمل فيها ما في { هَؤُلاء } من الإشارة أو التنبيه أو ينصب { هَؤُلاء } بفعل مضمر كؤنه قيل : خذوا هؤلاء و { بَنَاتِى } بدل ، ويعمل هذا المضمر في الحال و { هُنَّ } في الصورتين فصل وهذا لا يجوز لأن الفصل إنما يكون بين المسند والمسند إليه ، ولا يكون بين الحال وذيها كذا قيل ، وهذا المنع هو المروى عن سيبويه وخالف في ذلك الأخفش فأجاز توسط الفصل بين الحال وصاحبها فيقول : جاء زيد هو ضاحكاً ، وجعل من ذلك هذه الآية على هذه القراءة ، وقيل : بوقوعه شذوذاً كما في قولهم : أكثر أكلي التفاحة هي نضيجة ، ومن منع ذلك خرج هذا على إضمار كان ، والآية الكريمة على أن { هُنَّ } مبتدأ و { لَكُمْ } الخبر ، و { أَطْهَرُ } حال من الضمير في الخبر ، واعترض بأن فيه تقديم الحال على عاملها الظرفي ، والأكثرون على منعه أو على أن يكون { هَؤُلاء } مبتدأ و { بَنَاتِى هُنَّ } جملة في موضع خبر المبتدأ كقولك : هذا أخي هو ، ويكون { أَطْهَرُ } حالاً وروي هذا عن المبرد .

(8/317)


وابن جني ، أو على أن يكون { هَؤُلاء } مبدأ و { بَنَاتِى } بدلاً منه أو عطف بيان و { هُنَّ } خبر و { أَطْهَرُ } على حاله .
وتعقب بأنه ليس فيه معنى طائل ، ودفع بأن المقصود بالإفادة الحال كما في قولك : هذا أبوك عطوفاً ، وادعى في «الكشف» أن الأوجه أن يقدروا خذوا هؤلاء أطهر لكم ، وقوله : { بَنَاتِى هُنَّ } جملة معترضة تعليلاً للأمر وكونهن أولى قدمت للاهتمام كأنه قيل خذوا هؤلاء العفائف أطهر لكم إن بناتي هن وأنتم تعلمون طهارتي وطهارة بناتي؛ ويجوز أن يقال { هُنَّ } تأكيد للمستكن في { بَنَاتِى } لأنه وصف مشتق لا سيما على المذهب الكوفي فافهم ولا تغفل { فاتقوا الله } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم { وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى } أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاء له ، أو لا تخجلوني فيهم ، والمصدر على الأول الخزي وعلى الثاني الخزاية ، وأصل معنى خزي لحقه انكسار إما من نفسه وهو الحياء المفرط ، وإما من غيره وهو الاستخفاف والتفضيح ، والضيف في الأصل مصدر ، ولذا إذا وصف به المثنى أو المجموع لم يطابق على المشهور ، وسمع فيه ضيوف ، وأضياف ، وضيفان ، { وَلاَ } ناهية ، والفعل مجزوم بحذف النون ، والموجودة نون الوقاية ، والياء محذوفة اكتفاءاً بالكسرة ، وقرىء بإثباتها على الأصل { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل القبيح ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال : يأمر بمعروف أو ينهي عن منكر ، وهو إما بمعنى ذو رشد أو بمعنى مرشد كالحكيم بمعنى المحكم ، والاستفهام للتعجب ، وحمله على الحقيقة لا يناسب المقام .

(8/318)


قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79)

{ قَالُواْ } معرضين عما نصحهم به من الأمر بالتقوى والنهي عن الإخزاء عن أول كلامه { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } أي حق وهو واحد الحقوق ، وعنوا به قضاء الشهوة أي ما لنا حاجة في بناتك ، وقد يفسر بما يخالف الباطل أي ما لنا في بناتك نكاح حق لأنك لا ترى جواز نكاحنا للمسلمات ، وما هو إلا عرض سابري كذا قيل ، وهو ظاهر في أنه كان من شريعته عليه السلام عدم حل نكاح الكافر المسلمة .
وقيل : إنما نفوا أن يكون لهم حق في بناته لأنهم كانوا قد خطبوهن فردهم وكان من سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبداً ، وقييل : إنهم لما اتخذوا إتيان الذكور مذهباً كان عندهم هو الحق وأن نكاح الإناث من الباطل فقالوا ما قالوا ، وقيل : قالوا ذلك لأن عادتهم كانت أن لا يتزوج الرجل منهم إلا واحدة وكانوا كلهم متزوجين { وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } أي من إتيان الذكور ، والظاهر أن { مَا } مفعول لتعلم ، وهو بمعنى تعرف ، وهي موصولة والعائد محذوف أي الذي نريده ، وقيل : إنها مصدرية فلا حذف أي إرادتنا .
وجوز أن تكون استفهامية وقعت مفعولاً لنريد وهي حينئذٍ معلقة لتعلم ولما يئس عليه السلام من إرعوائهم عما هم عليه من الغي .

(8/319)


قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

{ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً } أي لو ثبت أن لي قوة ملتبسة بكم بالمقاومة على دفعكم بنفسي لفعلت فلو شرطية وجوابها محذوف كما حذف في قوله سبحانه : { وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال } [ الرعد : 31 ] وجوز أن تكون للتمني ، و { بِكُمْ } حال من { قُوَّةَ } كما هو المعروف في صفة النكرة إذا قدمت عليها ، وضعف تعلقه بها لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه في المشهور ، وقوله : { أَوْ * ءاوى * إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } عطف على ما قبله بناءاً على ما علمت من معناه الذي يقتضيه مذهب المبرد ، والمضارع واقع موقع الماضي ، واستظهر ذلك أبو حيان ، وقال الحوفي : إنه عطف على ما تقدم باعتبار أن المراد أو أنى آوى ، وجوز ذلك أبو البقاء ، وكذا جوز أن تكون الجملة مستأنفة ، و الركن في الأصل الناحية من البيت أو الجبل ، ويقال : ركن بضم الكاف ، وقد قرىء به ويجمع على أركان ، وأراد عليه السلام به القوى شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته أي أو أنضم إلى قوى أتمنع به عنكم وأنتصر به عليكم ، وقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول منه عليه السلام بادرة واستغربه ، فقد أخرج البخاري . ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " رحم الله تعالى أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد " يعني عليه الصلاة والسلام به الله تعالى فإنه لا ركن أشد منه عز وجل
: إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد
وجاء أنه سبحانه لهذه الكلمة لم يبعث بعد لوط نبياً إلا في منعة من عشيرته ، وفي «البحر» أنه يجوز على رأي الكوفيين أن تكون { أَوْ } بمعنى بل ويكون عليه السلام قد أضرب عن الجملة السابقة ، وقال : بل آوى في حالي معكم إلى ركن شديد وكني به عن جناب الله تعالى ولا يخفى أنه يأبى الحمل على هذه الكناية تصريح الأخبار الصحيحة بما يخالفها ، وقرأ شيبة . وأبو جعفر { أَوَى } بالنصب على إضمار أن بعد { أَوْ } فيقدر بالمصدر عطفاً على { قُوَّةَ } ونظير ذلك قوله
: ولولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوأك علقماً
أي لو أن لي بكم قوة أو أوياً ، روي أنه عليه السلام أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادل قومه عنهم من وراء الباب فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة عليهم السلام ما على لوط من الكرب .

(8/320)


قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)

{ قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } بضرر ولا مكروه فافتح الباب ودعنا وإياهم ، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل عليه السلام رب العزة في عقوبتهم فأذن له فلما دنوا طمس أعينهم فانطلقوا عمياً يركب بعضهم بعضاً وهم يقولون : النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوماً سحرة ، وفي رواية أنه عليه السلام أغلق الباب على ضيفه فجاؤوا فكسروا الباب فطمس جبريل أعينهم فقالوا : يا لوط جئتنا بسحرة وتوعدوه فأوجس في نفسه خيفة قال : يذهب هؤلاء ويذروني فعندها قال جبريل عليه السلام : { لاَ تَخَفْ إِنَّا * رُسُلُ رَبّكَ } { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } بالقطع من الإسراء ، وقرأ ابن كثير . ونافع بالوصل حيث جاء في القرآن من السرى ، وقد جاء سرى . وهما بمعنى واحد عند أبي عبيدة . والأزهري ، وعن الليث أسرى سار أول الليل وسرى سار آخره ، ولا يقال في النهار : إلا سار وليس هو مقلوب سرى ، والفاء لترتيب الأمر بالإسراء على الإخبار برسالتهم المؤذنة بورود الأمر والنهي من جنابه عز وجل إليه عليه السلام ، والباء للتعدية أو للملابسة أي سر ملابساً بأهلك { بِقِطْعٍ مّنَ اليل } قال ابن عباس : بطائفة منه ، وقال قتادة : بعد مضي صدر منه ، وقيل : نصفه ، وفي رواية أخرى عن الحبر آخره وأنشد قول مالك بن كنانة
: ونائحة تقوم بقطع ليل ... على رحل أهانته شعوب
وليس من باب الاستدلال ، وإلى هذا ذهب محمد بن زياد لقوله سبحانه : { نجيناهم بِسَحَرٍ } [ القمر : 34 ] وتعقبه ابن عطية بأنه يحتمل أنه أسرى بأهله من أول الليل حتى جاوزوا البلد المقتلع ، ووقعت نجاتهم بسحر ، وأصل القطع القطعة من الشيء لكن قال ابن الأنباري : إن ذلك يختص بالليل فلا يقال : عندي قطع من الثوب .
وفسر بعضهم القطع من الليل بطائفة من ظلمته ، وعن الحبر أيضاً تفسيره بنفس السواد ، ولعله من باب المساهة { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } أي لا يتخلف كما روي عن ابن عباس ، أو لا ينظر إلى ورائه كما روي عن قتادة ، قيل : وهذا هو المعنى المشهور الحقيق للالتفات ، وأما الأول فلأنه يقال : لفته عن الأمر إذا صرفته عنه فالتفت أي انصرف ، والتخلف انصراف عن المسير ، قال تعالى : { أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ * ءابَاؤُنَا } [ يونس : 78 ] أي تصرفنا كذا قال الراغب .
وفي الأساس أنه معنى مجازي ، والنهي في اللفظ لأحد ، وفي المعنى للوط عليه السلام على ما نقل عن المبرد ، وهذا كما تقول لخادمك : لا يقم أحد في أن النهي في الظاهر لأحد ، وهو في الحقيقة للخادم أن لا يدع أحداً يقوم ، فالمعنى هنا فأسر بأهلك ولا تدع أحداً منهم يلتفت؛ ولا يخفى أنه على هذا تتم المناسبة بين المعطوف عليه والمعطوف لأن الأول لأمره عليه السلام .

(8/321)


والثاني لنهيه ، ويعلم من هذا أن ضمير { مّنكُمْ } للأهل .
وقد صرح بذلك شهاب فلك الفضل الخفاجي ، فقال : وههنا لطيفة وهو أن المتأخرين من أهل البديع اخترعوا نوعاً من البديع سموه تسمية النوع ، وهو أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية كقوله في البديعية في الاستخدام
: واستخدموا العين مني فهي جارية ... وكم سمحت بها في يوم بينهم
وتبجحوا باختراعه ، وأنا بمنّ الله تعالى أقول : إنه وقع في القرآن في هذه الآية لأن قوله سبحانه : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } الخ وقع فيه ضمير { مّنكُمْ } للأهل فقوله جل وعلا : { لا * يَلْتَفِتْ } من تسمية النوع وهذا من بديع النكات انتهى ، وسر النهي عن الالتفات بمعنى التخلف ظاهر ، وأما سره إذا كان بمعنى النظر إلى وراء فهو أن يجدوا في السير فإن من يلتفت إلى ورائه لا يخلو عن أدنى وقفة أو أن لا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم .
وذكر بعضهم أن النهي وكذا الضمير للوط عليه السلام ولأهله أي لا يلتفت أحد منك ومن أهلك . { إِلاَّ امرأتك } بالنصب وهو قراءة أكثر السبعة .
وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو بالرفع؛ وقد كثر الكلام في ذلك فقال الزمخشري : إنه سبحانه استثناها من قوله : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } ويدل عليه قراءة عبد الله { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } بقطع من الليل إلا امرأتك ويجوز أن ينتصب من لا يلتفت على أصل الاستثناء ، وإن كان الصيح هو البدل أعني قراءة من قرأ بالرفع فأبدلها من أحد ، وفي إخراجها مع أهله روايتان : روي أنه أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت : يا قوماه فأدركها حجر فقتلها .
وروي أنه لما أمر أن يخلفها مع قومها فإن هواها إليهم فلم يسر بها ، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين انتهى ، وأورد عليه ابن الحاجب ما خلاصته أنه إما أن يسري بها فالاستثناء من أحد متعين . أولاً فيتعين من { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } والقصة واحدة فأحد التأويلين باطل قطعاً ، والقراءاتان الثابتتان قطعاً لا يجوز حملهما على ما يوجب بطلان أحدهما ، فالأولى أن يكون { إِلاَّ امرأتك } رفعاً ونصباً مثل { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } [ النساء : 66 ] ولا يبعد أن يكون بعض القراء على الوجه الأقوى ، وأكثرهم على ما دونه بل جوز بعضهم أن تتفق القراء على القراءة بغير الأقوى .
وأجاب عنه بعض المغاربة بما أشار إليه في «الكشف» من منع التنافي لأن الاستثناء من الأهل يقتضي أن لا يكون لوط عليه السلام مأموراً بالإسراء بها ، ولا يمنع أنها سرت بنفسها ، ويكفي لصحة الاستثنائين هذا المقدار كيف ولم ينه عن إخراجها ولكنه أمر بإخراج غيرها ، نعم يرد على قوله : واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين أنه يلزم الشك في كلام لا ريب فيه من رب العالمين ، ويجاب بأن معناه اختلاف القراءتين جالب وسبب لاختلاف الروايتين كما تقول : السلاح للغزو أي أداة وصالح مثلاً له ، ولم يرد أن اختلاف القراءتين لأجل اختلاف الروايتين قد حصل ، ولا شك أن كل رواية تناسب قراءة وإن أمكن الجمع ، وأما قوله : وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فنقل للرواية لا تفسير للفظ القرآن ، وإنما الكائن فيه استثناؤها عن الحكم الذي للاستصلاح إذ لم يعن بها ، وإلى معنى ما أشار إليه صاحب الكشف في منع التنافي أشار أبو شامة فقال : وقع في تصحيح ما أعربه النحاة معنى حسن ، وذلك أن يكون في الكلام اختصار نبه عليه اختلاف القراءتين فكأنه قيل : فأسر بأهلك إلا امرأتك كما قرأ به عبد الله .

(8/322)


ورواه أبو عبيدة عن مصحفه ، فهذا دليل على أن استثناءها من السري بهم ، ثم كأنه قال سبحانه : فإن خرجت معكم وتبعتكم من غير أن تكون أنت سريت بها فإنه أهلك عن الالتفات غيرها فإنها ستهلك ويصيبها ما يصيب قومها ، فكانت قراءة النصب دالة على المعنى المتقدم ، وقراءة الرفع دالة على هذا المعنى المتأخر ومجموعهما دال على جملة المعنى المشروح ، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف كما قال ابن مالك ، ولذا اختار أن الرفع على أن الاستثناء منقطع ، و { امرأتك } مبتدأ ، والجملة بعدها خبره وإلا بمعنى لكن .
وقال ابن هشام في «المغني» في الجهة الثامنة من الباب الخامس : إن ما ذكره الزمخشري وقد سبقه إليه غيره في الآية خلاف الظاهر ، والذي حمل القائلين عليه أن النصب قراءة الأكثرين فإذا قدر الاستثناء من أحد كانت قراءتهم على الوجه المرجوح ، وقد التزم بعضهم جواز مجىء الأمرين مستدلاً بقوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر : 49 ] فإن النصب في ذلك عند سيبويه على حد قولهم : زيداً ضربته ، ولم ير خوف إلباس المفسر بالصفة مرجحاً كما رآه بعض المتأخرين ، ثم قال : والذي أجزم به أن قراءة الأكثرين لا تكون مرجحة ، وأن الاستثناء على القراءتين من جملة الأمر بدليل سقوط { وَلاَ يَلْتَفِتْ } الخ في قراءة ابن مسعود ، والاستثناء منقطع بدليل سقوطه في آية الحجر ، ولأن المراد بالأهل المؤمنون وإن لم يكونوا من أهل بيته لا أهل بيته وإن لم يكونوا مؤمنين كما في قوله تعالى لنوح عليه السلام : { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } [ هود : 46 ] ووجه الرفع أنه على الابتداء ، وما بعده الخبر والمستثنى الجملة ، ونظيره { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ * فَيْعَذّبُهُ الله } [ الغاشية : 22-24 ] .
واختار أبو شامة ما اخترته من أن الاستثنا منقطع لكنه قال : وجاء النصب على اللغة الحجازية والرفع على التميمية ، وهذا يدل على أنه جعل الاستثناء من جملة النهي ، وما قدمته أولى لضعف اللغة التميمية ، ولما قدمت من سقوط جملة النهي في قراءة عبد الله انتهى .

(8/323)


واستظهر ذلك الحمصي في حواشيه على التصريح واستحسنه غير واحد ، وقد نقل أبو حيان القول بالانقطاع على القراءتين وتخريج النصب على اللغة الحجازية والرفع عن الأخرى ، ثم قال إنه كلام لا تحقيق فيه فإنه إذا لم يقصد إخراجها من المأمور بالإسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات وكان المعنى لكن امرأتك يجري عليها كذا وكذا كان من الاستثناء الذي لا يتوجه إليه العامل ، وهذا النوع من الاستثناء المنقطع يجب فيه النصب بإجماع العرب ، وإنما الخلاف في المنقطع الذي يمكن توجه العامل إليه وفيه نظر ، ففي التوضيح لابن مالك حق المستثنى بإلا من كلام تام موجب مفرداً كان أو مكملاً معنى بما بعده كقوله تعالى : { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين } [ الحجر : 59-60 ] النصب ، ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين إلا النصب ، وقد غفلوا عن وروده مرفوعاً بالابتداء ثابت الخبر كقول أبي قتادة : أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم ، ومحذوفه نحو { لاَّ تُدْرِكُهُ * نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } إلا الله ، { وَإِلاَّ } في ذلك بمعنى لكن أي لكن أبو قتادة لم يحرم ولكن الله يعلم انتهى ، وما نحن فيه من قبيل هذا ، وفي حاشيتي البدر الدماميني . وتقي الدين الشمني أن الرضى قد أجاب بما يقتضي أن الاستثناء متصل ولا تناقض ، وذلك أنه قال : ولما تقرر أن الأتباع هو الوجه مع الشرائط المذكورة وكان أكثر القراء على النصب في { وَلاَ يَلْتَفِتْ } الخ تكلف الزمخشري لئلا تكون قراءة الأكثر محمولة على وجه غير مختار بما تكلف ، واعترضه ابن الحاجب بلزوم التناقض لأن الاستثناء من أسر بأهلك يقتضي كونها غير مسرى بها ، ومن لا يلتفت منكم أحد يقتضي كونها مسري بها لأن الالتفات بالإسراء ، والجواب أن الإسراء وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات . فمآله أسر بأهلك إسراءاً لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراءاً مع الالتفات فاستثن على هذا إن شئت من أسر أو لا يلتفت ولا تناقض وهذا كما تقول : امش ولا تتبختر أي امش مشياً لا تتبختر فيه فكأنه قيل : ولا يلتفت منكم أحد في الإسراء ، وكذا امش ولا تتبختر في المشي فحذف الجار والمجرور للعلم به انتهى .
وأورد عليه السيد السند في حواشيه أن الاستثناء إذا رجع إلى القيد كان المعنى فأسر بجميع أهلك إسراءاً لا التفات فيه إلا من امرأتك فيكون الإسراء بها داخلاً في المأمور به وإذا رجع إلى المقيد لم يكن الإسراء بها داخلاً في المأمور به فيكون المحذور باقياً بحاله ولا مخلص عنه إلا بأن يقال : إن تناول العام إياها ليس قطعياً لجواز أن يكون مخصوصاً فلا يلزم من رجوع الاستثناء إلى قوله تعالى : { وَلاَ يَلْتَفِتْ } كونه عليه السلام مأموراً بالإسراء بها ، وحينئذٍ يوجه الاستثناء بما ذكر من أنها تبعتهم أو أسرى بها مع كونه غير مأمور بذلك إذ لا يلزم من عدم الأمر به النهي عنه فتأمل انتهى .

(8/324)


وبحث فيه الشهاب ولم يرتض احتمال التخصيص لما أنه لا دليل عليه ويفهم صنيعه ارتضاء كلام الرضى ، ثم قال : ومراده بالتقييد أنه ذكر شيآن متعاطفان ، فالظاهر أن المراد الجمع بينهما لا أن الجملة حالية فلا يرد عليه أن الحمل على التقييد مع كون الواو للنسق ممنوع ، وكذا جعلها للحال مع لا الناهية ، وأيضاً القراءة بإسقاطها تدل على عدم اعتبار ذلك التقييد ولا يخلو عن شيء ، هذا وقد ألفت في تحقيق هذا الاستثناء عدة رسائل : منها رسالة للحمصي . وأخرى للعلامة الكافيجي ألفها لبعض سلاطين آل عثمان غمرهم الله سبحانه بصنوف الفضل والإحسان حين طلب منه لبحث وقع في مجلسه ذلك ، وبالجملة القول بالانقطاع أقل تكلفاً فيما يظهر ، والقول بأنه حينئذٍ لا يبقى ارتباط لقوله سبحانه : { إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } ناشىء من عدم الالتفات فلا ينبغي أن يلتفت إليه كما لا يخفى على من أحاط خبراً بما تقدم نقله فتأمل ، وضمير { أَنَّهُ } للشأن ، و { مَا أصابهم } مبتدأ ، و { مُصِيبُهَا } خبره ، والجملة خبر إن الذي اسمه ضمير الشأن ، وفي «البحر» إن { مُصِيبُهَا } مبتدأ ، و { مَا أصابهم } خبره ، والجملة خبر إن ، ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون { مُصِيبُهَا } خبر إن و { مَا } فاعل به لأنهم يجوزون أنه قائم أخواك ، ومذهب البصريين أن ضمير الشأن لا يكون خبره إلا جملة مصرحاً بجزأيها فلا يجوز هذا الإعراب عندهم ، والأولى ما ذكر أولاً؛ والجملة إما تعليل على طريقة الاستئناف أو خبر لامرأتك على قراءة الرفع ، والمراد من { مَا } العذاب ، ومن { أَصَابَهُمُ } يصيبهم والتعبيرية دونه للإيذان بتحقق الوقوع ، وفي الإبهام . واسمية الجملة . والتأكيد ما لا يخفى .
{ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } أي موعد عذابهم وهلاكهم ذلك ، وكأن هذا على ما قيل : تعليل للأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات المشعر بالحث على الإسراع ، وقوله سبحانه : { أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ } تأكيد للتعليل ، فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع للتباعد عن مواقع العذاب ، وروي أنه عليه السلام سأل الملائكة عليهم السلام عن وقت هلاكهم فقالوا : موعدهم الصبح ، فقال : أريد أسرع من ذلك ، فقالوا له : { أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ } .
ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذٍ أفظع ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين .
وقرأ عيسى بن عمر { الصبح } بضم الباء قيل : وهي لغة فلا يكون ذلك اتباعاً .

(8/325)


فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82)

{ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا . أو الأمر به ، فالأمر على الأول واحد الأمور ، وعلى الثاني واحد الأوامر ، قيل : ونسبة المجىء إليه بالمعنيين مجازية ، والمراد لما حان وقوعه ولا حاجة إلى تقدير الوقت مع دلالة لما عليه .
وقيل : إنه يقدر على الثاني أي جاء وقت أمرنا لأن الأمر نفسه ورد قبله ، ونحن في غنى عن ادعاء تكراره ، ورجح تفسير الأمر بما هو واحد الأوامر أعني ضد النهي بأنه الأصل فيه لأنه مصدر أمره ، وأما كونه بمعنى العذاب فيخرجه عن المصدرية الأصلية وعن معناه المشهور الشائع ، وبجعل التعذيب مسبباً عنه بقوله سبحانه : { جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا } فإنه جواب { لَّمّاً } والتعذيب نفس إيقاع العذاب فلا يحسن جعله مسبباً عن ذلك بل العكس أولى إلا أن يؤول المجىء بإرادته ، وضمير { عاليها عاليها سَافِلَهَا } لمدائن قوم لوط المعلومة من السياق وهي المؤتفكات ، وهي خمس مدائن : ميعة . وصعره . وعصره . ودوما . وسدوم .
وقيل : سبع أعظمها سدوم ، وهي القرية التي كان فيها لوط عليه السلام ، وكان فيها على ما روي عن قتادة أربعة آلاف ألف إنسان أو ما شاء الله تعالى من ذلك ، وقيل : إن هذا العدد إنما كان في المدائن كلها ، وقيل : إن ما كان في المدائن أكثر من ذلك بكثر ، والله تعالى أعلم .
/ ونصب ( عاليها و وسافلها ) على أنهما مفعولان للجعل ، والمراد قلبناها على تلك الهيئة وهو جعل العالي سافلا ، وإنما قلبت كذلك ولم يعكس تهويلاً للأمر وتفظيعاً للخطب لأن جعل ( عاليها ) الذي هو مقرهم ومسكنهم ( سافلها ) أشق من جعل سافلها عاليها وإن كان مستلزماً له ، روي أن لوطاً عليه السلام سرى بمن معه قبل الفجر وطوى الله تعالى له الأرض حتى وصل إلى إبراهيم عليه السلام ، ثم إن جبريل عليه السلام اقتلع المدائن بيده ، وفي رواية أدخل جناحه تحت المدائن فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب ثم قلبها ، وما أعظم حكمة الله تعالى في هذا القلب الذي هو أشبه شيء بما كانوا عليه من إتيان الأعجاز والاعراض عما تقتضيه الطباع السليمة؛ ولا ينبغي أن يجعل الكلام كناية عن إنزال أمر عظيم فيها كما يقول القائل : اليوم قلبت الدنيا على فلان لما فيه من العدول عن الظاهر والانحراف عما نطقت به الآثار من غير داع سوى استبعاد مثل ذلك وما ذلك ببعيد ، وإسناد الجعل إلى ضميره تعالى باعتبار أنه المسبب فهو إسناد مجازي باعتبار اللغة وإن كان سبحانه هو الفاعل الحقيقي ، والنكتة في ذلك تعظيم الأمر وتهويله فإن ما يتولاه العظيم من الأمور فهو عظيم ، ويقوي ذلك ضمير العظمة أيضاً وعلى هذا الطرز قوله سبحانه : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا } أي على المدائن أو شذاذ أهلها { حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } وكان ذلك زيادة في تفظيع حالهم أو قطعاً لشأفتهم واستئصالاً لهم .

(8/326)


روي أن رجلاً منهم كان بالحرم فبقي حجر معلق بالهواء حتى خرج منه فوقع عليه وأهلكه ، والسجيل الطين المتحجر لقوله تعالى في الآية الأخرى : { حِجَارَةً مّن طِينٍ } [ الذاريات : 33 ] والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، ويتعين إرجاع بعضه لبعض في قصة واحدة ، وهو كما أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس . ومجاهد معرب سنك كل .
وقال أبو عبيدة : السجيل كالسجين الشديد من الحجارة ، وقيل : هو من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته ، والمعنى حجارة كائنة من مثل الشيء المرسل أو مثل العطية في الإدرار وهو على هذا خارج مخرج التهكم ، وقيل : من السجل بتشديد اللام وهو الصك ، ومعنى كونه من ذلك أنه مما كتب الله تعالى عليهم أن يعذبهم به ، وقيل : أصله من سجين وهو اسم لجهنم أو لواد فيها ، فأبدلت نونه لاماً .
وقال أبو العالية . وابن زيد : السجيل اسم لسماء الدنيا . قال أبو حيان : وهو ضعيف لوصفه بقوله سبحانه :
{ مَّنْضُودٍ } أي نضد وضع بعضه على بعض معداً لعذابهم ، أو نضد في الإرسال يرسل بعضه إثر بعض كقطار الأمطار ، ولا يخفى أن هذه المعاني كما تأبى ما قال أبو العالية . وابن زيد تأبى بحسب الظاهر ما قيل : إن المراد به جهنم ، وتكلف بعضهم فقال : يمكن وصف جهنم بذلك باعتبار المعنى الأول بناءاً على أنه دركات بعضها فوق بعض أو أن الأصل منضود فيه فاتسع ، وقد يتكلف بنحو هذا لما قاله أبو العالية . وابن زيد ، وجوز أن يكون { مَّنْضُودٍ } صفة حجارة على تأويل الحجر . وجره للجوار ، وعليه فالأمر ظاهر إلا أنه من التكلف بمكان .

(8/327)


مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

{ مُّسَوَّمَةً } أي عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض قاله ابن جريح ، وقيل : معلمة ببياض وحمرة ، وروي ذلك عن ابن عباس . والحسن ، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان بعضها أسود فيه نقطة بيضاء وبعضها أبيض فيه نقطة سوداء .
وعن الربيع أنها كانت معلمة باسم من يرمي بها ، وكان بعضها كما قيل : مثل رؤوس الإبل . وبعضها مثل مباركها . وبعضها مثل قبضة الرجل { عِندَ رَبّكَ } أي في خزائنه التي لا يملكها غيره سبحانه ولا يتصرف بها سواه عز وجل ، والظرف قيل : منصوب بمسومة أو متعلق بمحذوف وقع صفة له ، والمروى عن مقاتل أن المعنى أنها جاءت من عن ربك ، وعن أبي بكر الهذلي أنها معدة عنده سبحانه .
وقال ابن الأنباري : المراد ألزم هذا التسويم للحجارة عنده تعالى إيذاناً بقدرته وشدة عذابه فليفهم .
{ وَمَا هِىَ } أي الحجارة الموصوفة بما ذكر { مِنَ الظالمين } من كل ظالم { بِبَعِيدٍ } فانهم بسبب ظلمهم مستحقون لها ، وفيه وعيد لأهل الظلم كافة ، وروي هذا عن الربيع .
وأخرج ابن جيرير . وغيره عن قتادة أن المراد من الظالمين ظالمو هذه الأمة ، وجاء في خبر ذكره الثعلبي ، وقال فيه العراقي : لم أقف له على إسناد أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام عن ذلك فقال : يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ، وقيل : المراد بالظالمين قوم لوط عليه السلام ، والمعنى لم تكن الحجارة لتخطئهم .
وعن ابن عباس أن المعنى وما عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد ، وظاهره أن الضمير للعقوبة المفهومة من الكلام ، و { الظالمين } من يشبههم من الناس ، ويمكن أن يقال : إن مراده بيان حاصل المعنى لا مرجع الضمير .
وذهب أبو حيان إلى أن الظاهر أن يكون ضمير { هِىَ } للقرى التي جعل { عاليها سَافِلَهَا } والمراد من { الظالمين } ظالمو مكة ، وقد كانت قريبة إليهم يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام ، وتذكير البعيد يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة بالحجر المراد به الجنس ، أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد ، أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض ءلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بهم فكأنها بمكان قريب منهم ، أو لأنه على زنة المصدر كالزفير . والصهيل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث .

(8/328)


وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)

{ وإلى مَدْيَنَ } أي أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام فحذف المضاف أو جعل اسما بالغلبة للقبيلة وكثيراً ما تسمى القبيلة باسم أبيهم كمضر . وتميم ولعل هذا أولى ، وجوز أن يراد بمدين المدنية التي بناها مدين فسميت به فيقدر حينئذ مضاف أي وإلى أهل مدين { أخاهم } نسيبهم { شُعَيْبًا } قد مر ما قيل في نسبه عليه السلام ، والجملة معطوفة على قوله سبحانه : { وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا } [ هود : 61 ] أي وأرسلنا إلى مدين شعيباً .
{ قَلْبٌ * ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } أمر بالتوحيد على وجه أكيد ولما كان ملاك الأمر قدمه على النهي عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض ، وإيصال الحقوق لأصحابها بقوله : { وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } قيل : أي لا تنقصوا الناس من المكيال والميزات يعني مما يكال ويوزن على ذكر المحل وإرادة الحال ، واستظهر أن المراد لا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود وكذا الصنجات ، وقد تقدم في الاعراف { الكيل } [ الأعراف : 85 ] بدل { المكيال } فتذكر وتأمل { إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } أي ملتبسين بثروة واسعة تغنيكم عن ذلك أو بنعمة من الله تعالى حقها أن تقابل بغير ما أنتم عليه بأن تتفضلوا على الناس شكراً عليها ، فإن أجل شكر النعم الإحسان والتفضل على عباد الله تعالى ، أو أراكم بخير وغنى فلا تزيبلوه بما تأتونه من الشر ، وعلى كل حال الجملة في موضع التعليل للنهي؛ وعقب بعلة أخرى أعني قوله تعالى :
{ وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } إن لم تنتهوا عن ذلك { عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } وجوز أن يكون تعليلاً للأمر والنهي جميعاً ، وفسر المحيط بما لا يشذ منه أحد منهم ، وفسره الزمخشري ، بالمهلك أخذاً من قوله تعالى : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [ الكهف : 42 ] وأصله من إحاطة العدو ، وادعى أن وصف اليوم بالإحاطة أبلغ من وصف العذاب لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه يعني أن اليوم لما كان زماناً مشتملاً على الحوادث الكائنة فيه عذاباً أو غيره فإذا أحاط بالمعذب ملتبساً بعذابه لأنه حادثة فقد اجتمع للمعذب الأمر الذي يشتمل عليه اليوم وهو العذاب كما إذا أحاط ملتبساً بنعيمه .
والحاصل أن إحاطة اليوم تدل على إحاطة كل ما فيه من العذاب ، وأما إحاطة العذاب على قوم فقد يكون بأن يصيب كل فرد منهم فرداً من أفراد العذاب ، وأما فيما نحن فيه فيدل على إحاطة أنواع العذاب المشتمل عليها اليوم بكل فرد ، ولا شك في أبلغية هذا كذا في الكشف وتمام الكلام فيه ، وقال بعض المحققين في بيان الأبلغية : إن اليوم زمان لجميع الحوادث فيوم العذاب زمان جميع أنواع العذاب الواقعة فيه فإذا كان محيطاً بالمعذب فقد اجتمع أنواع العذاب له ، وهذا كقوله

(8/329)