صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)

{ أَمْ يَقُولُونَ } إضراب بأم المنقطعة عن ذكر ترك اعتدادهم { ما يوحي } [ هود : 12 ] وعدم اكتفائهم بما فيه من المعجزات الظاهرة الدالة على صدق الدعوى ، وشروع في ذكر ارتكابهم لما هو أشد منه وأعظم ، وتقدر ببل . والهمزة الإنكارية أي بل أيقولون ، وذهب ابن القشيري إلى أن { الارض أَمْ } متصلة ، والتقدير أيكتفون بما أوحينا إليك أم يقولون إنه ليس من عند الله ، والأول أظهر ، وأياً مّا كان فالضمير البارز في { افتراه } لما يوحى { قُلْ } إن كان الأمر كما تقولون { فَاتُواْ } أنتم أيضاً { بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } في البلاغة وحسن النظم وهو نعت لسور وكان الظاهر مطابقته لها في الجمع لكنه أفرد باعتبار مماثلة كل واحدة منها إذ هو المقصود لا مماثلة المجموع ، وقيل : مثل وإن كان مفرداً يجوز فيه المطابقة وعدمها فيوصف به الواحد وغيره نظراً إلى أنه مصدر في الأصل كقوله تعالى : { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } [ المؤمنون : 47 ] وقد يطابق كقوله سبحانه : { ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم } [ محمد : 38 ] ، وقيل : إنه هنا صفة لمفرد مقدر أي قدر عشر سور مثله ، وقيل : إنه وصف لمجموع العشر لأنها كلام وشيء واحد ، وأيضاً عشر ليس بصيغة جمع فيعطي حكم المفرد ك { نخل منقعر } [ القمر : 20 ] وقوله سبحانه : { *مفتريات } نعت آخر لسور قيل : أخر عن نعتها بالمماثلة ل { ما يوحى } [ هود : 12 ] لأنه النعت المقصود بالتكليف إذ به قعودهم على العجز عن المعارضة ، وأما نعت الافتراء فلا يتعلق به غرض يدور عليه شيء في مقام التحدي ، وإنما ذكر على نهج المساهلة وإرخاء العنان ولأنه لو عكس الترتيب لربما توهم أن المراد هو المماثلة له في الافتراء ، والمعنى { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ } مماثلة له في البلاغة مختلقات من عند أنفسكم إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء بلغاء ومبادىء ذلك فيكم من ممارس الخطب والأشعار ومزاولة أساليب النظم والنثر وحفظ الوقائع والأيام أتم .
والكثير على أن هذا التحدي وقع أولاً فلما عجزوا تحداهم { بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } كما نطقت به سورة البقرة . ويونس ، وهو وإن تأخر تلاوة متقدم نزولاً وأنه لا يجوز العكس إذ لا معنى للتحدري بعشر لمن عجز عن التحدي بواحدة وأنه ليس المراد تعجيزهم عن الإتيان بعشر سور مماثلات لعشر معينة من القرآن .
وروي عن ابن عباس أن المراد ذلك ، وجعل الشعر ما تقدم من السور إلى هنا ، واعترضه أبو حيان بأن أكثر ما ذكر مدني . وهذه السورة حسبما علمت مكية فكيف تصح الحوالة بمكة على ما لم ينزل بعد ، ثم قال : ولعل هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وذهب ابن عطية إلى أن هذا التحدي إنما وقع بعد التحدي بسورة ، وروي هذا عن المبرد وأنكر تقدم نزول هذه السورة على نزول تينك السورتين وقال : بل نزلت سورة يونس أولاً .

(8/183)


ثم نزلت سورة هود .
/ وقد أخرج ذلك ابن الضريس في فضائل القرآن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . ووجه ذلك بأن ما وقع أولاً هو التحدي بسورة مثله في البلاغة والاشتمال على ما اشتمل عليه من الأخبار عن المغيبات والأحكام وأخواتها ، فلما عجزوا عن ذلك أمرهم بأن يأتوا بعشر سور مثله في النظم وإن لم تشتمل على ما اشتمل عليه ، وضعفه في «الكشف» ، وقال : إنه لا يطرد في كل سورة من سور القرآن ، وهب أن السورة متقدمة النزول إلا أنها لما نزلت على التدريج جاز أن تتأخر تلك الآية عن هذه ، ولا ينافي تقدم السورة على السورة انتهى .
وتعقبه الشهاب بأن قوله لا يطرد مما لا وجه له لأن مراد المبرد اشتماله على شيء من الأنواع السبعة ولا يخلو شيء من القرآن عنها ، وادعاء تأخر نزول تلك الآية خلاف الظاهر ، ومثله لا يقال بالرأي ، وادعى أن الحق ما قاله المبرد من أنه عليه الصلاة والسلام وتحداهم أولاً بسورة مثله في النظم والمعنى ، ثم تنزل فتحداهم بعشر سور مثله في النظم من غير حجر في المعنى ، ويشهد له توصيفها بمفتريات ، وأيد بعضهم نظر المبرد بأن التكليف في آية البقرة إنما كان بسبب الريب ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامة ، وهو في هذه الآية ليس إلا بسبب قولهم : { افتراه } فكلفوا نحو ما قالوا ، وفيه أن الأمر في سورة يونس كالأمر هنا مسبوق بحكاية زعمهم الافتراء قاتلهم الله تعالى مع أنهم لم يكلفوا إلا بنحو ما كلفوا به في آية البقرة على أن في قوله : ولا يزيل الريب الخ منعاً ظاهراف ، وللعلامة الطيبي ههنا كلام زعم أنه الذي يقتضيه المقام وهو على قلة جدواه لا وجه لما أسسه عليه كما بين ذلك صاحب الكشف .
هذا ونقل الإمام أنه استدل بهذه الآية على أن إعجاز القرآن بفصاحته لا باشتماله على المغيبات وكثرة العلوم إذ لو كان كذلك لم يكن لقوله سبحانه : { مُفْتَرَيَاتٍ } معنى أما إذا كان وجه الإعجاز الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الكلام تظهر إن صدقاً وإن كذباً ، واعترض عليه الفاضل الجلبي بما هو مبني على الغفلة عن معنى الافتراء والاختلاق ، نعم ما ذكر إنما يدل على صحة كون وجه الإعجاز ذلك ولا يمنع احتمال كونه الأسلوب الغريب وعدم اشتماله على التناقض كما قيل به .
{ وادعوا مَنِ استطعتم } أي استعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به من آلهتكم التي تزعمون أنها ممدة لكم في كل ما تأتون وما تذرون . والكهنة الذين تلجأون إلى آرائهم في الملمات ليسعدوكم في ذلك .
{ مِن دُونِ الله } متعلق بادعوا أي متجاوزين الله تعالى ، وفيه على ما قال غير واحد إشارة إلى أنه لا يقدر على مثله إلا الله عز وجل { إِن كُنتُمْ صادقين } في أني افتريته ، فإن ذلك يستلزم الإتيان بمثله وهو أيضاً يستلزم قدرتكم عليه ، وجواب { ءانٍ } محذوف دل عليه المذكور قبل .

(8/184)


فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)

{ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } الخطاب على ما روي عن الضحاك للمأمورين بدعاء من استطاعوا ، وضمير الجمع الغائب عائد إلى من أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله تعالى إلى الإسعاد والمظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه { فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله } أي ما أنزل إلا ملتبساً بعلمه تعالى لا بعلم غيره على ما تقتضيه كلمة { إِنَّمَا } فإنها تفيد الحصر كالمكسورة على الصحيح ، قيل : وهو معنى قول من قال : أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله تعالى ولا يقدر عليه سواه .
وادعى بعضهم أن الحصر إنما أفادته الإضافة كما في قوله تعالى : { لا * يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً } [ الجن : 26 ] والمراد بما لا يعلمه غيره تعالى الكيفيات والمزايا التي بها الإعجاز والتحدي ، وذكر عدم قدرة غيره سبحانه مما يقتضيه السياق وإلا فالمذكور في النظم الكريم العلم دون القدرة ، وقيل : ذاك لأن نفي العلم بالشيء يستلزم نفي القدرة لأنه لا يقدر أحد على ما لا يعلم ، والجملة الشرطية داخلة في حيز القول وإيراد كلمة الشك مع الجزم بعدم الاستجابة من جهة من يدعونه تهكم بهم وتسجيل عليهم بكمال سخافة العقل ، وترتيب الأمر بالعلم على مجرد عدم الاستجابة من حيث أنه مسبوق بالدعاء المسبوق بتعجيزهم واضطرارهم فكأنه قيل : فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائكم إليهم بعد ما اضطررتم إلى ذلك وضاعت عليكم الحيل وعيت بكم العلل { فاعلموا } الخ أو من حيث أن من يدعونهم إلى المعارضة أقوى منهم في اعتقادهم فإذا ظهر عجزهم بعدم استجابتهم وإن كان ذلك قبل ظهور عجز أنفسكم يكون عجزهم أظهر وأوضح .
وبمجموع ما ذكرنا يظهر أن لا إشكال في الآية ، ومما يقضي منه العجب قول العز بن عبد السلام في أماليه : إن ترتيب هذا المشروط يعني العلم على ذلك الشرط يعني عدم الاستجابة مشكل ، وكذا قوله سبحانه : { أُنزِلِ بِعِلْمِ الله } مشكل أيضاً إذ لا تصلح الباء للسببية إذ ليس العلم سبباً في إنزاله ولا للمصاحبة إذ العلم لا يصحبه في إنزاله ، وأن الجواب أنه ليس المراد بالعلم إلا علمنا نحن ، وأضيف إليه عز وجل لأنه مخلوق له تعالى ، ونظير ذلك ما في قوله جل وعلا : { وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله } [ المائدة : 106 ] حيث أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه باعتبار أنه تعالى شرعها ، والقرآن قد نزل بأدلة العلم بأحكام الله تبارك اسمه ، فعبر بالمدلول عن الدليل ، والتقدير { فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ } مصحوباً بانتشار علم الأحكام ، وهي الأدلة ، ولا شك أنه يناسب إذا عجزوا عن معارضته أن يعلموا أن هذه الآيات أدلة أحكام الله تعالى انتهى ، وليت شعري كيف غفل هذا العالم الماهر عن ذلك التفسير الظاهر ، ولعله كما قيل : من شدة الظهور الخفاء { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } أي واعلموا أيضاً أنه تعالى المختص بالألوهية وأحكامها وأن آلهتكم بمعزل عن رتبة الشركة له تعالى في ذلك { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي داخلون في الإسلام إذ لم يبق بعد شائبة شبهة في حقيته وفي بطلانه ما أنتم فيه من الشرك ، فيدخل فيه الإذعان بكون القرآن من عند الله تعالى دخولاً أولياً ، أو منقادون للحق الذي هو كون القرآن من عند الله تعالى وتاركون ما أنتم عليه من المكابرة والعناد ، وفي هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال المانع ، ولهذا جىء بالفاء ، وفي التعبير بمسلمون دون تسلمون تأييد لما يقتضيه ترتيب ما ذكر على ما قبل بها من وجوبه بلا مهلة ، قيل : وفي ذلك أيضاً إقناط لهم من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله تعالى شأنه وعز سلطانه ، وجوز أن يكون الضمير في { لَكُمْ } للرسول صلى الله عليه وسلم ، ويؤيده أنه جاء في آية أخرى

(8/185)


{ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } [ القصص : 50 ] ، وروي ذلك عن مجاهد ، وكان المناسب للأمر بقل الإفراد لكنه جمع للتعظيم ، وهو لا يختص بضمير المتكلم كما قاله الرضى ، ومن ذلك
: وإن شئت حرمت النساء سواكم ... والجملة غير داخلة في حيز القول بل هي من قبله تعالى للحكم بعجزهم كقوله سبحانه : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } [ البقرة : 24 ] وعبر بالاستجابة إيماءً إلى أنه صلى الله عليه وسلم على كمال الأمن من أمره كأن أمره عليه الصلاة والسلام لهم بالإتيان بمثله دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه ، ويجوز أن يكون الضمير له صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأنهم أتباع له صلى الله عليه وسلم في الأمر بالتحدي ، وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم أن لا ينفكوا عنه عليه الصلاة والسلام ويناصبوا معه لمعارضة المعاندين كما كانوا يفعلونه في الجهاد؛ وإرشاد إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخ في الإيمان ، ولذلك رتب عليه ما ترتب .
والمراد بالعلم المأمور به ما هو في المرتبة العليا التي كأن ما عداها من مراتب العلم ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاط تلك المراتب بل بارتفاع هذه المرتبة ، ويعلم من ذلك سر إيراد كلمة الشك مع القطع بعدم الاستجابة ، فإن تنزيل سائر المراتب منزلة العدم مستتبع لتنزيل الجزم بعدم الاستجابة منزلة الشك ، ويجوز أن يكون المأمور به الاستمرار على ما هم عليه من العلم ومعنى { مُّسْلِمُونَ } مخلصون في الإسلام أو ثابتون عليه ، والكلام من باب التثبيت والترقية إلى معارج اليقين ، واختار تفسير الآية بذلك الجبائي . وغيره ، وذكر شيخ الإسلام أنه أنسب بما سلف من قوله تعالى :

(8/186)


{ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } [ هود : 12 ] ولما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه : { فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } [ هود : 17 ] وأشد بما يعقبه ، وقد يؤيد أيضاً بما أشرنا إليه لكن لا يخفى أن الكلام على التفسير الأول موافق لما قبله لأن ضمير الجمع في الآية المتقدمة للكفار والضمير في هذه ضمير الجمع فليكن لهم أيضاً ، ولأن الكفار أقرب المذكورين فرجوع الضمير إليهم أولى ، ولأن في التفسير الثاني تأويلات لا يحتاج إليها في الأول .
ومن هنا استظهره أبو حيان . واستحسنه الزمخشري ، ولعل مرجحاته أقوى من مرجحات الأخير عند من تأمل فلذا قدمناه ، وإن قيل : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك ، ويكتب فالم في المصحف على ما قال الأجهوري بغير نون ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما نزل بفتح النون والزاي وتشديدها ، وفي «البحر» أن ما يحتمل أن تكون مصدرية أي أن التنزيل ، وأن تكون موصولة بمعنى الذي أي أن الذي نزله ، وحذف العائد المنصوب في مثل ما ذكر شائع ، وفاعل نزل ضميره تعالى ، وجوز بعضهم كون ما موصولة على قراءة الجمهور أيضاً ، ويبعد ذلك بحسب المعروف في مثله أنها موصولة فافهم .

(8/187)


مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)

{ مَن كَانَ يُرِيدُ } أي بأعماله الصالحة بحسب الظاهر { الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } أي ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن وكثرة الأموال والأولاد والرياسة وغير ذلك ، وإدخال { كَانَ } للدلالة على الاستمرار أي من يريد ذلك بحيث لا يكاد يريد الآخرة أصلاً { نُوَفّ إِلَيْهِمْ * أعمالهم * فِيهَا } أي نوصل إليهم أجور أعمالهم في الدنيا وافية ، فالكلام على حذف مضاف ، وقيل : الأعمال عبارة عن الأجور مجازاً ، وإليه يشير كلام شيخ الإسلام والأول أولى ، و { نُوَفّ } متضمن معنى نوصل ولذا عدي بإلى ، وإلا فهو مما يتعدى بنفسه ، وقيل : إنه مجاز عن ذلك ، وقرأ طلحة بن ميمون يوف بالياء ، وإسناد الفعل إلى الله تعالى ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما يوف بالياء مخففاً مضارع أوفى ، وقرىء توف بالتاء مبنياً للمفعول ، ورفع { أعمالهم } والفعل في كل ذلك مجزوم على أنه جواب الشرط كما انجزم في قوله سبحانه : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاخرة نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } [ الشورى : 20 ] وحكى الفراء أن { كَانَ } زائدة ولذا جزم الجواب ، وتعقبه أبو حيان بأنه لو كانت زائدة لكان فعل الشرط { يُرِيدُ } وكان يكون مجزوماً ، وأجيب بأنه يحتمل أنه أراد بكونها زائدة أنها غير لازمة في المعنى ، وقرأ الحسن نوفي بالتخفيف وإثبات الياء ، وذلك إما على لغة من يجزم المنقوص بحذف الحركة المقدرة كما في قوله :
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... أو على ما سمع في كلام العرب إذا كان الشرط ماضياً من عدم جزم الجزاء وإما لأن الأداة لما لم تعمل في الشرط القريب ضعفت عن العمل في لفظ الجزاء البعيد فعملت في محله .
/ ونقل عن عبد القاهر أنها لا تعمل فيه أصلاً لضعفها ، والمشهور فيه عن النحاة مذهبان : كون الجزاء في نية التقديم . وكونه على تقدير الفاء والمبتدأ ، ويمكن أن يرد ذلك إلى هذا ، وليس هذا مخصوصاً فيما إذا كان الشرط كان على الصحيح لمجيئه في غيره كثيراً ، ومنه :
وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول : لا غائب مالي ولا حرم
{ وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } أي لا ينقصون ، والظاهر أن الضمير المجرور للحياة الدنيا وقيل : الأظهر أن يكون للأعمال لئلا يكون تكراراً بلا فائدة ، وردّ بأن فائدته إفادته من أول الأمر أن عدم البخس ليس إلا في الدنيا فلو لم يذكر توهم أنه مطلق على أنه لا يجوز أن يكون للتأكيد ولا ضرر فيه ، وإنما عبر عن ذلك بالبخس الذي هو نقص الحق ، ولذلك قال الراغب : هو نقص الشيء على سبيل الظلم مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء الحقوق مع أن أعمالهم بمعزل من كونها مستوجبة لذلك كما قال بعض المحققين بناءاً للأمر على ظاهر الحال ومحافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص كأن ذلك نقص لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلاً لكن ينبغي أن يعلم أن هذا ليس على إطلاقه بل الأمر دائر على المشيئة الجارية على قضية الحكمة كما نطق به قوله سبحانه :

(8/188)


{ مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } [ الإسراء : 18 ] .
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية نسخت الآية التي نحن فيها ، وأنت تعلم أنه لا نسخ في الأخبار ، ولعل هذا إن صح محمول على المسامحة .

(8/189)


أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)

{ أولئك } إشارة إلى المذكورين باعتبار استمرارهم على إرادة الحياة الدنيا ، أو باعتبار توفيتهم أجورهم فيها من غير نجس ، أو باعتبارهما معاً ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في سوء الحال { الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الاخرة إِلاَّ النار } لأن هممهم كانت مصروفة إلى اقتناص الدنيا وأعمالهم كانت ممدودة ومقصورة على تحصيلها؛ وقد ظفروا بما يترتب على ذلك ولم يريدوا به شيئاً آخر فلا جرم لم يكن لهم في الآخرة إلا النار وعذابها المخلد .
{ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } أي في الآخرة كما هو الظاهر ، فالجار متعلق بحبط و { مَا } تحتمل المصدرية والموصولية أي ظهر في الآخرة حبوط صنعهم ، أو الذي صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدي إلى الثواب الأخروي لو كانت معمولة للآخرة ، ويجوز أن يعود الضمير إلى الدنيا فيكون الجار متعلقاً بصنعوا و { مَا } على حالها ، والمراد بحبوط الأعمال عدم مجازاتهم عليها لفقد الاعتداد بها لعدم الإخلاص الذي هو شرط ذلك ، وقيل : لجزائهم عليها في الدنيا { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قال أبو حيان : هو تأكيد لقوله سبحانه : { حَبِطَ } الخ ، والظاهر أنه حمل { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } على معنى { مَا صَنَعُواْ } والبطلان على عدم النفع وهو راجع إلى معنى الحبوط .
ولما رأى بعضهم أن التأسيس أولى من التأكيد أبقى ما { يَعْمَلُونَ } على ذلك المعنى ، وحمل بطلان ذلك على فساده في نفسه لعدم شرط الصحة ، وقال : كأن كلاً من الجملتين علة لما قبلها على معنى ليس لهم في الآخرة إلا النار لحبوط أعمالهم وعدم ترتب الثواب عليها لبطلانها وكونها ليست على ما ينبغي ، والأولى ما صنعه المولى أبو السعود عليه الرحمة حيث حمل البطلان على الفساد في نفسه ، و { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } على أعمالهم في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية ، ثم قال : ولأجل أن الأول من شأنه استتباع الثواب والأجر وأن عدمه لعدم مقارنته للإيمان والنية الصحيحة ، وأن الثاني ليس له جهة صالحة قط علق بالأول الحبوط المؤذن بسقوط أجره بصيغة الفعل المنبىء عن الحدوث ، وبالثاني البطلان المفصح عن كونه بحيث لا طائل تحته أصلاً بالاسمية الدالة على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه ، وفي زيادة كان في الثاني دون الأول إيماءً إلى أن صدور أعمال البر منهم وإن كان لغرض فاسد ليس في الاستمرار والدوام كصدور الأعمال التي هي مقدمات مطالبهم الدنيئة انتهى .
ويحتمل عندي على بعد أن يراد بما كانوا يعملون هو ما استمروا عليه من إرادة الحياة الدنيا وهو غير ما صنعوه من الأعمال التي نسب إليها الحبوط وإطلاق مثل ذلك على الإرادة مما لا بأس به لأنها من أعمال القلب ، ووجه الإتيان بكان فيه موافقته لما أشار هو إليه ، وفي الجملة تصريح باستمرار بطلان تلك الإرادة وشرح حالها بعد شرح حال المريد وشرح أعماله أراد بها الحياة الدنيا وزينتها ، وأياً مّا كان فالظاهر أن { *باطل } خبر مقدم و { إِلَيْكَ مَا كَانُواْ } هو المبتدأ ، وجوز في «البحر» كون { *باطل } خبراً بعد خبر ، و { فِى مَا } مرتفعة به على الفاعلية ، وقرىء وبطل بصيغة الفعل أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أن ذاك وما يستتبعه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل مطلقاً ، وقرأ أبي .

(8/190)


وابن مسعود وباطلاً بالنصب ونسب ذلك إلى عاصم وخرجه صاحب اللوامح على أن { مَا } سيف خطيب وباطل مفعول ليعلمون وفيه تقديم معمول { كَانَ } وفيه كتقديم الخبر خلاف ، والأصح الجواز لظاهر قوله تعالى : { أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [ سبأ : 40 ] ومن منع تأول ، وجوز أن يكون منصوباً بيعملون و { مَا } إبهامية صفة له أي باطلاً أي باطل ، ونظير ذلك حديث ما على قصره ولأمر ما جدع قصير أنفه ، وأن يكون مصدراً بوزن فاعل ، وهو منصوب بفعل مقدر ، و { مَا } اسم موصول فاعله أي بطل بطلاناً الذي كانوا يعملونه ، ونظيره خارجاً في قول الفرزدق :
ألم ترني عاهدت ربي وأنني ... لبين رتاج قائماً ومقام
عليّ حلفة لا أشتم الدهر مسلما ... ولا ( خارجاً ) من في زور كلام
فإنه أراد ولا يخرج من في زور كلام خروجاً ، وفي ذلك على ما في «البحر» إعمال المصدر الذي هو بدل من الفعل في غير الاستفهام والأمر هذا ، والظاهر أن الآية في مطلق الكفرة الذين يعملون البر لا على الوجه الذي ينبغي ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم . وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه أنها نزلت في اليهود والنصارى ، ولعل المراد كما قال ابن عطية أنهم سبب النزول فيدخلون فيها لا أنها خاصة بهم ولا يدخل فيها غيرهم ، وقال الجبائي : هي في الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله تعالى حظهم من ذلك سهمهم في الغنائم ، وفيه أن ذلك إنما كان بعد الهجرة والآية مكية ، وقيل : في أهل الرياء يقال لقارىء القرآن منهم : أردت أن يقال : فلان قارىء ، فقد قيل : اذهب فليس لك عندنا شيء ، وهكذا لغيره من المتصدق . والمقتول في الجهاد . وغيرهما ممن عمل من أعمال البر لا لوجه الله تعالى ، وربما يؤيد ذلك ما روي عن معاوية حين حدثه أبو هريرة بما تضمن ذلك فبكى ، وقال : صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } إلى قوله سبحانه :

(8/191)


{ وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ هود : 61 ] وعليه فلا بد من تقييد قوله عز وجل : { لَيْسَ لَهُمْ فِى الاخرة إِلاَّ النار } بأن ليس لهم بسبب أعمالهم الريائية إلا ذلك وهو خلاف الظاهر ، والسياق يقتضي أنها في الكفرة مطلقاً وبرهم كما قلنا ، ومن هنا اشتهر أن الكافر يعجل له ثواب أعماله في الدنيا بتوسعة الرزق وصحة البدن وكثرة الولد ونحو ذلك وليس لهم في الآخرة من نصيب لكن ذهب جماعة إلى أنه يخفف بها عنه عذاب الآخرة ، ويشهد له قصة أبي طالب ، وذهب آخرون إلى أن ما يتوقف على النية من الأعمال لا ينتفع الكافر به في الآخرة أصلاً لفقدان شرطه إذ لم يكن من أهل النية لكفره ، وما لا ينتفع به ويخفف به عذابه ، وبذلك يجمع بين الظواهر المقتضى بعضها للانتفاع في الجملة وبعضها لعدمه أصلاً فتدبر .
ووجه ارتباط هذه الآية بما قبلها على ما في «مجمع البيان» أنه سبحانه لما قال : { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } ؟ فكأن قائلاً قال : إن أظهرنا الإسلام لسلامة النفس والمال يكون ماذا؟ فقيل : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا } [ هود : 15 ] الخ ، أو يقال : إن فيما قبل ما يتضمن إقناط الكفرة من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله عز سلطانه كما تقدم ، وذكره بعض المحققين فلا يبعد أن يكون سماعهم ذلك سبباً لعزمهم على إظهار الإسلام ، أو فعل بعض الأعمال الصالحة ظناً منهم أن ذلك مما يجيرهم وينفعهم فشرح لهم حكم مثل ذلك بقوله سبحانه : { مَن كَانَ يُرِيدُ } [ هود : 15 ] الخ لكن أنت تعلم أن هذا يحتاج إلى ادعاء أن ذلك العزم من باب الاحتياط ، وفي «البحر» في بيان المناسبة أنه سبحانه لما ذكر شيئاً من أحوال الكفار في القرآن ذكر شيئاً من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه في الآخرة ، وأبو السعود بين ذلك على وجه يقوي به ما ادعاه من أنسبية كون الخطاب فيما سلف له عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ، فقال : والذي يقتضيه جزالة النظم الكريم أن المراد مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن العظيم اندراجاً أولياً فإنه عز وجل لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآن منزل بعلم الله سبحانه وبأن لا قدرة لغيره سبحانه على شيء أصلاً وهيجهم على الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون الله تعالى عن المعارضة وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلاً اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شؤونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظ العاجلة واستوائهم على المطالب الدنيوية ، وبيان أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه ، ولقد بين ذلك أي بيان انتهى ، ولا يخفى أنه يمكن أن يقرر هذا على وجه لا يحتاج فيه إلى توسط حديث جعل الخطاب السابق له صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فليفهم ، واستدل في الأحكام بالآية على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن الأجرة من حظوظ الدنيا فمن أخذ عليه الأجرة خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة ، وادعى الكيا أنها مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات " وتدل على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان ، وعلى أن من توضأ للتبرد أو التنظف لا يصح وضوؤه ، وفي ذلك خلاف مبسوط بما له وعليه في محله .

(8/192)


أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)

{ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } تدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره ، ويدخل في ذلك الإسلام دخولاً أولياً ، واقتصر عليه بعضهم بناءاً على أنه المناسب لما بعد ، وأصل البينة كما قيل : الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة ، وتطلق على الدليل مطلقاً ، وهاؤها للمبالغة ، أو النقل ، وهي وإن قيل : إنها من بان بمعنى تبين واتضح لكنه اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له ، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة ، والتنوين فيها هنا للتعظيم أي بينة عظيمة الشأن ، والمراد بها القرآن وباعتبار ذلك أو البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه : { وَيَتْلُوهُ } أي يتبعه { شَاهِدٌ } عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه وهو كما قال الحسين بن الفضل الإعجاز في نظمه ، ومعنى كون ذلك تابعاً له أنه وصف له لا ينفك عنه حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها فلا يستطيع أحد من الخلق جيلاً بعد جيل معارضته ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً . وكذا الضمير في { مِنْهُ } وهو متعلق بمحذوف وقع صفة لشاهد ، ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه .
وجوز أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى الرب سبحانه ، ومعنى كونه منه تعالى أنه وارد من جهته سبحانه للشهاد ، وعلى هذا يجوز أن يراد بالشاهد المعجزات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من الشواهد التابعة للقرآن الواردة من قبله عز وجل ، وأمر التبعية فيها ظاهر ، والمراد بالموصول كل من اتصف بتلك الكينونة من المؤمنين .
وعن أبي العالية أنه النبي عليه الصلاة والسلام ولا يخفى أن قوله سبحانه الآتي : { أولئك } الخ لا يلائمه إلا أن يحمل على التعظيم ، وأيضاً إن السياق كما ستعلم إن شاء الله تعالى للفرق بين الفريقين المؤمنين . ومن يريد الحياة الدنيا لا بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، وفسر أبو مسلم . وغيره البينة بالدليل العقلي ، والشاهد بالقرآن وضمير { مِنْهُ } لله تعالى ، ومن ابتدائية ، أو للقرآن فقد تقدم ذكره ، ومن حينئذٍ إما بيانية . وإما تبعيضية بناءاً على أن القرآن ليس كله شاهداً وليس من التجريد على ما توهم الطيبي ، فيكون في الآية إشارة إلى الدليلين العقلي . والسمعي ، ومعنى كون الثاني تابعاً للأول على ما قيل : إنه موافق له لا يخالفه أصلاً ، ومن هنا قالوا : إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح ، ولذا أولوا الدليل السمعي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي ، ولعل في التعبير عن الأول بالبينة التي جاء إطلاقها في كلام الشارع على شاهدين ، وعن الثاني بالشاهد الإيماء إلى أن الدليل العقلي أقوى دلالة من الدليل السمعي لأن دلالة الأول قطعية .

(8/193)


ودلالة الثاني ظنية غالباً للاحتمالات الشهيرة التي لا يمكن القطع معها ، وقد يقال : إن التعبير عن الثاني بالشاهد لمكان التلو .
وعن ابن عباس . ومجاهد . والنخعي . والضحاك . وعكرمة . وأبي صالح . وسعيد بن جبير أن البينة القرآن ، والشاهد هو جبريل عليه السلام ويتول من التلاوة لا التلو ، وضمير { مِنْهُ } لله تعالى ، وفي رواية عن مجاهد أن الشاهد ملك يحفظ القرآن وليس المراد الحفظ المتعارف لأنه كما قال ابن حجر خاص بجبريل عليه السلام ، وضمير { مِنْهُ } كما في سابقه إلا أن يتلو من التلو والضمير المنصوب للبينة ، وقيل : لمن كان عليها ، وعن الفراء أن الشاهد هو الإنجيل ، { وَيَتْلُوهُ } وضمير { مِنْهُ } على طرز ما روي عن مجاهد سوى أن ضمير يتلوه للقرآن .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن الحنفية أن الشاهد لسانه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر أهل اللغة ذلك؛ وكذا الملك من معانيه ، و يتلو حينئذٍ من التلاوة ، والإسناد مجازي ومفعوله للبينة ، وضمير { مِنْهُ } للرسول صلى الله عليه وسلم بناءاً على أنه المراد بالموصول ، ومن تبعيضية ، وقيل : الشاهد صورته عليه الصلاة والسلام ومخايله لأن كل عاقل يراه يعلم أنه عليه الصلاة والسلام رسول الله .
وأخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : «ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن ، فقال له رجل : ما نزل فيك؟ قال : أما تقرأ سورة هود { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } الآية من كان على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاهد منه» ، وأخرج المنهال عن عبادة بن عبد الله مثله ، وأخرج ابن مردويه بوجه آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } أنا { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ } علي» .
وأخرج الطبرسي نحو ذلك عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وتعلق به بعض الشيعة في أن علياً كرم الله تعالى وجهه هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى سماه شاهداً كما سمى نبيه عليه الصلاة والسلام كذلك في قوله سبحانه : { إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } [ الفتح : 8 ] والمراد { شاهدا } على الأمة كما يشهد له عطف { مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } عليه فينبغي أن يكون مقامه كرم الله تعالى وجهه بين الأمة كمقامه عليه الصلاة والسلام بينهم ، وحيث أخبر سبحانه أنه يتلوه أي يعقبه ويكون بعد دل على أنه خليفته ، وأنت تعلم أن الخبر مما لا يكاد يصح ، وفيما سيأتي في الآية إن شاء الله تعالى إباءً عنه ، ويكذبه ما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر .

(8/194)


وابن أبي حاتم . وأبو الشيخ . والطبراني في الأوسط عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه قال : قلت لأبي كرم الله تعالى وجهه : إن الناس يزعمون في قول الله تعالى : { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } أنك أنت التالي؟ قال : وددت أني هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، على أن في تقرير الاستدلال ضعفاً وركاكة بلغت الغاية القصوى كما لا يخفى على من له أدنى فطنة .
ونقل أبو حيان أن هذا الشاهد هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفيه ما فيه ، وفي عطف يتلوه احتمالان : الأول : أن يكون على ما وقع صفة لبينة ، والثاني : أن يكون على جملة { كَانَ } ومرفوعها ، وقوله سبحانه : { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } عطف على { شَاهِدٌ } والضمير المجرور له ، وقد توسط الجار والمجرور بينهما ، والظاهر أنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من الكتاب أي { وَيَتْلُوهُ } في التصديق { كِتَابُ موسى } منزلاً من قبله ، وحاصله { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } ويشهد لصدقه شاهد منه وشاهد آخر من قبله وهو كتاب موسى ، قيل : وإنما قدم في الذكر المؤخر في النزول لكونه وصفاً لازماً له غير مفارق عنه ولعراقته في وصف التلو ، وهذا على تقدير أن يكون المراد بالشاهد الإعجاز كما اختاره بعض المحققين وقد يقال : إن تأخير بيان شهادة هذا الشاهد عن بيان شهادة الشاهد الأول لأنها ليست في الظهور عند الأمة كشهادة الأول وهو جار على غير ذلك التقدير أيضاً ، وتخصيص كتاب موسى عليه السلام بالذكر بناءً على عدم إرادة الإنجيل فيما تقدم لأن الملتين مجتمعتان على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل فإن اليهود مخالفون فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الفريقين أولى .
وأوجب بعضهم كون { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } جملة مبتدأة غير داخلة في حيز شيء مما قبلها وهو مبني على كثير من الاحتمالات السابقة في الشاهد ، وقرأ محمد بن السائب الكلبي . وغيره { كِتَابٌ } بالنصب على أنه معطوف على مفعول يتلوه أو منصوب بفعل مقدر أي ويتلو كتاب موسى ، والأول أولى لأن الأصل عدم التقدير ، ويتلو في هذه القراءة من التلاوة ، والضمير المنصوب للقرآن والمجرور لمن ، و { مِنْ } تبعيضية لا تجريدية ، والمعنى على ما يقتضيه كلام الكشاف { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } على أن القرآن حق لا مفترى ، والمراد به أهل الكتاب ممن كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق وأن كتابه هو الحق لما كانوا وجدوه في التوراة ، ويقرأ القرآن شاهد من هؤلاء ، ويقرأ من قبل القرآن كتاب موسى ، والمراد بهذا الشاهد ما أريد به في قوله سبحانه : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ }

(8/195)


[ الأحقاف : 10 ] وهو عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه ، ففي الآية مدح أهل الكتاب وخص من بينهم تالي الكتابين وشاهدهم بالذكر دلالة على مزيد فضله وتنبيهاً على أنهم مشايعوه في اتباع الحق وإن لم يبلغوا رتبة الشاهد ، وفي قوله تعالى : { *يتلوه } استحضار للحال ودلالة على استمرار التلاوة ، وهو كما قيل في غاية التطابق للكلام { لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } أي مؤتماً به في الدين ومقتدى ، وفي التعرض لهذا الوصف مع بيان تلو الكتاب ما لا يخفى من تفخيم شأن المتلو والتنوين فيه للتعظيم ، وكذا في قوله سبحانه : { وَرَحْمَةً } أي نعمة عظيمة على من أنزل إليهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم وهما حالان من الكتاب { أولئك } أي الموصوفون بتلك الصفة الحميدة وهي الكون على بينة { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي يصدقون بالقرآن حق التصديق حسبما يشهد به تلك الشواهد الحقة المعربة عن حقيته ولا يقلدون أحداً من عظماء الدين؛ فالضمير للقرآن ، وقيل : إنه لكتاب موسى عليه السلام لأنه أقرب ولا يناسب ما بعد ، وإن لم يك خالياً عن الفائدة ، وقيل : إنه للنبي صلى الله عليه وسلم { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } أي بالقرآن ولم يعتد بتلك الشواهد الحقة ولم يصدق بها { مّن الاحزاب } من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله بعضهم ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة أن الأحزاب الكفار مطلقاً فإنهم تحزبوا على الكفر ، وروي ذلك عن ابن جبير ، وفي رواية أبي الشيخ عن قتادة أنهم اليهود . والنصارى ، وقال السدي : هم قريش ، وقال مقاتل : هم بنو أمية . وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي . وآل أبي طلحة بن عبيد الله { فالنار مَوْعِدُهُ } أي يردها لا محالة حسبما نطق به قوله سبحانه : { لَيْسَ لَهُمْ فِى الاخرة إِلاَّ النار } [ هود : 16 ] وآيات أخر ، والموعد اسم مكان الوعد كما في قول حسان
: أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنار موعدها والموت لاقيها
وفي جعل النار موعداً إشعار بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب { فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } أي في شك من أمر القرآن وكونه من عند الله تعالى غبَّ ما شهدت به الشواهد وظهر فضل من تمسك به ، أو لا تك في شك من كون النار موعدهم ، وادعى بعضهم أنه الأظهر وليس كذلك ، وأياً مّا كان فالخطاب إن كان عاماً لمن يصلح له فالمراد التحريض على النظر الصحيح المزيل للشك ، وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو بيان لأنه ليس محلاً للشك تعريضاً بمن شك فيه ولا يلزم من نهيه عليه الصلاة والسلام عنه وقوعه ولا توقعه منه صلى الله عليه وسلم ، وقرأ السمعي .

(8/196)


وأبو رجاء . وأبو الخطاب السدوسي . والحسن { مِرْيَةٍ } بضم الميم وهي لغة أسد . وتميم ، والكسر لغة أهل الحجاز { أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } أي الذي يربيك في دينك ودنياك { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } بذلك إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم وإما لاستكبارهم وعنادهم و { الناس } على ما روى عن ابن عباس أهل مكة ، قال صاحب الفينان : جميع الكفار ، هذا والهمزة في { أَفَمَنِ } قيل : للتقرير و من مبتدأ والخبر محذوف أي أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ، وحذف معادل الهمزة ومثله كثير ، واختار هذا أبو حيان ، والذي يقتضيه كلام الزمخشري ولعله الأولى خلافه حيث قال : المعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم ولا يقاربونهم في المنزلة إلى آخر ما قال ، وحاصله على ما في «الكشف» أن الفاء عاطفة للتعقيب مستدعية ما يعطف عليه وهو الدال عليه قوله سبحانه : { مَن كَانَ } [ هود : 15 ] الآية ، فالتقدير أمن كان يريد الحياة الدنيا على أنها موصولة فمن كان على بينة من ربه ، والخبر محذوف لدلالة الفاء أي يعقبونهم أو يقربونهم ، والاستفهام للإنكار فيفيد أن لا تقارب بين الفريقين فضلاً عن التماثل فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } [ السجدة : 18 ] وأما إنها عطف على قوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا } [ هود : 15 ] فلا وجه له لأنه يصير من عطف الجملة ، ولا يدل على إنكار التماثل ، ولا معنى لتقدير الاستفهام في الأول فإن الشرط والجزاء لا إنكار عليه انتهى ، وهو جار على أحد مذهبين للنحاة في مثله ، ويعلم مما تقرر أن الآية مرتبطة بقوله سبحانه : { مَن كَانَ } [ هود : 15 ] الخ ، ومساقها عند شيخ الإسلام للترغيب أيضاً فيما ذكر من الإيمان بالقرآن . والتوحيد . والإسلام ، وادعى الطبرسي أنها مرتبطة بقوله تعالى : { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } [ هود : 13 ] وأن المراد أنهم إذا لم يأتوا بذلك فقل لهم : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } ولا بينة له على ذلك .

(8/197)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بأن نسب إليه ما لا يليق به كقولهم : الملائكة بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وقولهم لآلهتهم : { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس : 18 ] والمراد من الآية ذم أولئك الكفرة بأنهم مع كفرهم بآيات الله تعالى مفترون عليه سبحانه ، ويجوز أن تكون لنوع آخر من الدلالة على أن القرآن ليس بمفترى ، فإن من يعلم حال من يفتري على الله سبحانه كيف يرتكبه ، وأن تكون من الكلام المنصف أي لا أحد أظلم مني أن أقول لما ليس بكلام الله تعالى إنه كلامه كما زعمتم ، أو منكم إن كنتم نفيتم أن يكون كلامه سبحانه مع تحقق أنه كلامه جل وعلا ، وفيه من الوعيد والتهويل ما لا يخفى ، ويجوز عندي إذا كان ما قبل في مؤمني أهل الكتاب أن يكون هذا في بيان حال كفرتهم الذين أسندوا إليه سبحانه ما لم ينزله من المحرف الذي صنعوه ونفوا عنه سبحانه ما أنزله من القرآن أو من نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وأياً مّا كان فالمراد نفي أن يكون أظلم من ذلك أو مساوياً في الظلم على ما تقدم { أولئك } أي الموصوفون بالظلم البالغ وهو الافتراء { يُعْرَضُونَ } من حيث أنهم موصوفون بذلك { على رَبّهِمْ } أي مالكهم الحق والمتصرف فيهم حسبما يريد ، وفيه على ما قيل : إيماءً إلى بطلان رأيهم في اتخاذهم أرباباً من دونه سبحانه وتعالى ، وجعل بعضهم الكلام على تقدير المضاف أي تعرض أعمالهم ، أو على ارتكاب المجاز ولا يحتاج إلى ذلك على ما أشير إليه لأن عرضهم من تلك الحيثية وبذلك العنوان عرض لأعمالهم على وجه أبلغ فإن عرض العامل بعمله أفظع من عرض عمله مع غيبته ، والظاهر أنه لا حذف في قوله سبحانه : { على رَبّهِمْ } ويفوض من يقف على الله .
وقيل : هناك مضاف محذوف أي على ملائكة ربهم وأنبياء ربهم وهم المراد بالإشهاد في قوله تعالى : { وَيَقُولُ * الاشهاد } وتفسيرهم بالملائكة مطلقاً هو المروى عن مجاهد ، وعن ابن جريج تفسيرهم بالحفظة من الملائكة عليهم السلام ، وقيل : المراد بهم الملائكة . والأنبياء . والمؤمنون ، وقيل : جوارحهم ، وعن مقاتل . وقتادة هم جميع أهل الموقف ، وهو جمع شاهد بمعنى حاضر كصاحب . وأصحاب بناءاً على جواز جمع فاعل على أفعال ، أو جمع شهيد بمعناه كشريف وأشراف أي ويقول الحاضرون عند العرض أو في موقف القيامة { هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ } ويحتمل أن يكون شهادة على تعيين من صدر منه الكذب كأن وقوعه أمر واضح غني عن الشهادة ، وإنما المحتاج إليها ذلك ولذا لم يقولوا : هؤلاء كذبوا بدون الموصول ، ويحتمل أن يكون ذماً لهم بتلك الفعلة الشنيعة لا شهادة عليهم كما يشعر به قوله تعالى : { وَيَقُولُ } دون ويشهد ، وتوطئة لما يعقبه من قوله تعالى : { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } أي بالافتراء المذكور ، والظاهر أن هذا من كلام الأشهاد على الاحتمالين ، ويؤيده ما أخرجه الشيخان .

(8/198)


وخلق كثير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الله تعالى يدني المؤمن حتى يضع كنفه عليه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له : أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول : رب أعرف حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار . والمنافقون فيقول : الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين » وجوز على الاحتمال الأول أن يكون من كلام الله تعالى ، وحينئذٍ يجوز أن يراد بالظالمين ما يعم الظالمين بالافتراء . والظالمين بغير ذلك ، ويدخل فيه الأولون دخولاً أولياً ، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال : إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته فيقول : ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم .
وربما يجوز ذلك على الاحتمال الثاني أيضاً ، وأياً مّا كان فهؤلاء الذين مبتدأ وخبر ، واحتمال أن يكون { هَؤُلاء } مبتدأ ، و { الذين } تابع له ، وجملة { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } خبره ، وقد أقيم الظاهر مقام المضمر أي عليهم لذمهم بمبدأ الاشتقاق مع الإشارة إلى علة الحكم كما ترى ، وجملة يقول الإشهاد قيل : مستأنفة على أنها جواب سؤال مقدر كأن سائلاً سأل إذ سمع أنهم يعرضون على ربهم ماذا يكون إذ ذاك؟ فأجيب بما ذكر ، وقيل وهو الظاهر إنها معطوفة على جملة { يُعْرَضُونَ } على معنى أولئك يعرضون ويقول الأشهاد في حقهم ، أو ويقول أشهادهم والحاضرون عند عرضهم { هَؤُلاء } الخ ، وكأن هذا لبيان أنها مرتبطة في التقدير بالمبتدأ كارتباط الجملة المعطوفة هي عليها به ، وقيل : كفى اسم الإشارة القائم مقام الضمير للتحقير رابطاً فتدبر .

(8/199)


الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

{ الذين يَصُدُّونَ } أي كل من يقدرون على صده أو يفعلون الصد { عَن سَبِيلِ الله } أي دينه القويم وإطلاق ذلك عليه كالصراط المستقيم مجاز { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي يطلبون لها انحرافاً ، والمراد أنهم يصفونها بذلك وهي أبعد شيء عنه ، وإطلاق الطلب على الوصف مجاز من إطلاق السبب على المسبب ، ويجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف أي يبغون أهلها أن ينحرفوا عنها ويرتدوا ، وقيل : المعنى يطلبونها على عوج ونصب { عِوَجَا } على أنه مفعول به ، وقيل : على أنه حال ويؤول بمعوجين { وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون } أي والحال أنهم لا يؤمنون بالآخرة ، وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به لأنه بمنزلة الفصل فيفيد الاختصاص وضرباً من التأكيد ، والاختصاص ادعائي مبالغة في كفرهم بالآخرة كأن كفر غيرهم بها ليس بكفر في جنبه ، وقيل : إن التكرير للتأكيد وتقديم { بالاخرة } للتخصيص ، والأولى كون تقديمه لرؤوس الآي .

(8/200)


أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)

{ أولئك } الموصوفون بما يوجب التدمير { لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ } لله تعالى مفلتين أنفسهم من أخذه لو أراد ذلك { فِى الارض } مع سعتها وإن هربوا منها كل مهرب وجعلها بعضهم كناية عن الدنيا { وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } ينصرونهم من بأسه ولكن أخر ذلك لحكمة تقتضيه ، و { مِنْ } زائدة لاستغراق النفي ، وجمع { أَوْلِيَاء } إما باعتبار أفراد الكفرة كأنه قيل : وما كان لأحد منهم من ولي ، أو باعتبار تعدد ما كانوا يدعون من دون الله تعالى فيكون ذلك بياناً لحال آلهتهم من سقوطها عن رتبة الولاية { يضاعف لَهُمْ * العذاب } جملة مستأنفة بين فيها ما يكون لهم ويحل بهم ، وادعى أنها تتضمن حكمة تأخير المؤاخذة ، وزعم بعضهم أنها من كلام الأشهاد ، وهي دعائية ليس بشيء .
وقرأ ابن كثير . وابن عامر . ويعقوب يضعف بالتشديد { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } أي أنهم كانوا يستثقلون سماع الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويستكرهونه إلى أقصى الغايات حتى كأنهم لا يستطيعونه ، وهو نظير قول القائل : العاشق لا يستطيع أن يسمع كلام العاذل ، ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية ، ولا مانع من اعتبار الاستعارة التمثيلية بدلها وإن قيل به ، وبالجملة لا ترد الآية على المعتزلة وكذا على أهل السنة لأنهم لا ينفون الاستطاعة رأساً وإن منعوا إيجاد العبد لشيء مّا ، وكأنه لما كان قبح حالهم في عدم إذعانهم للقرآن الذي طريق تلقيه السمع أشد منه في عدم قبولهم سائر الآيات المنوطة بالإبصار . بالغ سبحانه في نفي الأول عنهم حسبماً علمت واكتفى في الثاني بنفي الإبصار فقال عز قائلاً : { وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } أي أنهم كانوا يتعامون عن آيات الله تعالى المبسوطة في الأنفس والآفاق ، وكأن الجملة جواب سؤال مقدر عن علة مضاعفة العذاب كأنه قيل : ما لهم استوجبوا تلك المضاعفة؟ فقيل : لأنهم كروهوا الحق أشد الكراهة واستثقلوا سماعه أعظم الاستثقال وتعاموا عن آيات الملك المتعال ، ولا يشكل على هذا قوله سبحانه : { مَن جَاء * بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [ الأنعام : 160 ] بناءاً على أن المراد بمثل السيئة ما تقتضيه من العقاب عند الله تعالى فلعل ما فعلوه من السيئات يقتضي تلك المضاعفة فتكون هي المثل كما أن مثل سيئة الكفر هو الخلود في النار ، وقيل : إن المضاعفة لافترائهم وكذبهم على ربهم وصدّهم عن سبيل الله تعالى وبغيهم إياها العوج وكفرهم بالآخرة على ما يدل عليه نسبة مضاعفة العذاب إلى هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات وبه جمع بين ما هنا؛ وقوله سبحانه : { مَن جَاء * بالسيئة }

(8/201)


[ الأنعام : 160 ] الآية ، ولعل التعليل بما تفيده الجملة على هذا لأنه الأصل الأصيل لسائر قبائحهم ومعاصيهم .
وزعم بعضهم أن المضاعفة لحفظ الأصل إذ لولا ذلك لارتفع ولم يبق عذاباً للإلف بطول الأمد وفيه ما فيه ، وقيل : إن الجملة بيان لما نفى من ولاية الآلهة فإن ما لا يسمع ولا يبصر بمعزل عن الولاية وقوله سبحانه : { يضاعف } الخ اعتراض وسط بينهما نعياً عليهم من أول الأمر بسوء العاقبة ، وفيه أنه مخالف للسياق ومستلزم تفكيك الضمائر ، وجوز أبو البقاء أن تكون { مَا } مصدرية ظرفية أي يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع وإبصارهم ، والمعنى أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد ، وأجاز الفراء أن تكون مصدرية وحذف حرف الجر منها كما يحذف من أن وأن ، وفيه بعد لفظاً ومعنى .

(8/202)


أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21)

{ أولئك } الموصوفون بتلك القبائح .
{ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى شأنه ، وقيل : { خَسِرُواْ } بسبب تبديلهم الهداية بالضلالة والآخرة بالدنيا وضاع عنهم ما حصلوه بذلك التبديل من متاع الحياة الدنيا والرياسة .
وفي «البحر» أنه على حذف مضاف أي { خَسِرُواْ } سعادة أنفسهم وراحتها فإن أنفسهم باقية معذبة .
وتعقب بأن إبقاءه على ظاهره أولى لأن البقاء في العذاب كلا بقاء { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الآلهة وشفاعتها

(8/203)


لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)

{ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاخرة هُمُ الاخسرون } أي لا أحد أبين أو أكثر خسراناً منهم ، فأفعل للزيادة إما في الكم . أو الكيف ، وتعريف المسند بلام الجنس لإفادة الحصر ، وإن جعل { هُمْ } ضمير فصل أفاد تأكيد الاختصاص ، وإن جعل مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر أن أفاد تأكيد الحكم ، وفي { لاَ جَرَمَ } أقوال : ففي البحر عن الزجاج أن لا نافية ومنفيها محذوف أي لا ينفعهم فعلمهم مثلا ، و جرم فعل ماض بمعنى كسب يقال : جرمت الذنب إذا كسبته؛ وقال الشاعر
: نصبنا رأسه في جذع نخل ... بما { *جرمت } يداه وما اعتدينا
وما بعده مفعوله ، وفاعله ما دل عليه الكلام أي كسب ذلك أظهرية أو أكثرية خسرانهم ، وحكى هذا عن الأزهري ، ونقل عن سيبويه أن لا نافية حسبما نقل عن الزجاج ، و جرم فعل ماض بمعنى حق ، وما بعد فاعله كأنه قيل : لا ينفعهم ذلك الفعل حق { جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاخرة } الخ .
وذكر أبو حيان أن مدهب سيبويه . وكذا الخليل أيضاً كون مجموع { لاَ جَرَمَ } بمعنى حق وأن ما بعده رفع به على الفاعلية ، وقيل : { لا } صلة و { جَرَمَ } فعل بمعنى كسب أو حق ، وعن الكسائي أن { لا } نافية { *وجرم } اسمها مبني معها على الفتح نحو لا رجل ، والمعنى لا ضد ولا منع ، والظاهر أن الخبر على هذا محذوف وحذف حرف الجر من أن ويقدر حسبما يقتضيه المعنى ، وقيل : إن { لاَ جَرَمَ } اسم { لا } ومعناه القطع من جرمت الشيء أي قطعته ، والمعنى لا قطع لثبوت أكثرية خسرانهم أي إن ذلك لا ينقطع في وقت فيكون خلافه .
ونقل السيرافي عن الزجاج أن { لاَ جَرَمَ } في الأصل بمعنى لا يدخلنكم في الجرم أي الإثم كإثمه أي أدخله في الاثم ، ثم كثر استعماله حتى صار بمعنى لا بد ، ونقل هذا المعنى عن الفراء ، وفي البحر أن { جَرَمَ } عليه اسم { لا } ، وقيل : إن { جَرَمَ } بمعنى باطل إما على أنه موضوع له ، وإما أنه بمعنى كسب والباطل محتاج له ، ومن هنا يفسر { لاَ جَرَمَ } بمعنى حقاً لأن الحق نقيض الباطل ، وصار لا باطل يميناً كلا كذب في قول النبي صلى الله عليه وسلم : « أنا النبي لا كذب » وفي القاموس أنه يقال : { لاَ جَرَمَ } . ولاذا جرم ، ولا أن ذا جرم . ولا عن ذا جرم . ولا جرم ككرم ، و { لاَ جَرَمَ } بالضم أي لا بد . أو حقا . أو لا محالة وهذا أصله ثم كثر حتى تحول إلى معنى القسم فلذلك يجاب عنه باللام ، فيقال : { لاَ جَرَمَ } لآتينك انتهى ، وفيه مخالفة لما نقله السيرافي عن الزجاج ، وما ذكره من { لاَ جَرَمَ } بالضم عن أناس من العرب ، ولكن قال الشهاب : إن في ثبوت هذه اللغة في فصيح كلامهم تردداً ، وجرم فيها يحتمل أن يكون اسماً وأن يكون فعلاً مجهولاً سكن للتخفيف ، وحكى بعضهم لا ذو جرم .

(8/204)


ولا عن جرم ولا جر بحذف الميم لكثرة الاستعمال كما حذفت الفاء من سوف لذلك في قولهم : سوترى .
والظاهر أن المقحمات بين { لا } و دجرم } زائدة ، وإليه يشير كلام بعضهم ، وحكى بغير لا جرم أنك أنت فعلت ذاك ، ولعل المراد أن كونك الفاعل لا يحتاج إلى أن يقال فيه لا حرم فليراجع ذاك والله تعالى يتولى هداك .
ثم إنه تعالى لما ذكر طريق الكفار وأعمالهم وبين مصيرهم وما له شرع في شرح حال أضدادهم وهم المؤمنون وبيان ما لهم من العواقب الحميدة تكملة لما سلف من محاسن المؤمنين المذكورة عند جمع في قوله سبحانه : { * } زائدة ، وإليه يشير كلام بعضهم ، وحكى بغير لا جرم أنك أنت فعلت ذاك ، ولعل المراد أن كونك الفاعل لا يحتاج إلى أن يقال فيه لا حرم فليراجع ذاك والله تعالى يتولى هداك .
ثم إنه تعالى لما ذكر طريق الكفار وأعمالهم وبين مصيرهم وما له شرع في شرح حال أضدادهم وهم المؤمنون وبيان ما لهم من العواقب الحميدة تكملة لما سلف من محاسن المؤمنين المذكورة عند جمع في قوله سبحانه : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] الآية ليتبين ما بينهما من التباين البين حالا ومآلا
[ بم فقال عز من قائل :

(8/205)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)

{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } أي صدقوا بكل ما يجب التصديق به من القرآن وغيره ولا يكون ذلك إلا باستماع الحق ومشاهدة الآيات الآفاقية والأنفسية والتدبر فيها ، أو المعنى فعلوا الإيمان واتصفوا به كما في فلان يعطى ويمنع { وَعَمِلُواْ الصالحات } أي الأعمال الصالحات ولعل المراد بها ما يشمل الترغيب في سلوك سبيل الله عز وجل ونحوه مما على ضده فريق الكفار { وَأَخْبَتُواْ إلى رَبّهِمْ } أي اطمؤنوا إليه سبحانه وخشعوا له ، وأصل الإخبات نزول الخبت وهو المنخفض من الأرض ، ثم أطلق على اطمئنان النفس والخشوع تشبيهاً للمعقول بالمحسوس ثم صار حقيقة فيه ، ومنه الخبيت بالتاء المثناة للدنىء ، وقيل : إن التاء بدل من الثاء المثلثة { أولئك } المنعوتون بتلك النعوت الجلية الشأن { أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } دائمون أبداً وليس المراد حصر الخلود فيهم لأن العصاة من المؤمنين يدخلون الجنة عند أهل الحق ويخلدون فيها ، ولعل من يدعى ذلك يريد بنفي الخلود عن العصاة نقصه من أوله كما قيل به فيما ستسمعه إن شاء الله تعالى :

(8/206)


مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)

{ مَثَلُ الفريقين } المذكورين من المؤمنين والكفار أي حالهما العجيب ، وأصل المثل كالمثل النظير ، ثم استعير لقول شبه مضربه بمورده ولا يكون إلا لما فيه غرابة وصار في ذلك حقيقة عرفية ، ومن هنا يستعار للقصة والحال والصفة العجيبة .
{ كالاعمى والاصم والبصير والسميع } أي كحال من جمع بين العمى والصمم ، ومن جمع بين البصر والسمع فهناك تشبيهان : الأول تشبيه حال الكفرة الموصوفين بالتعامي والتصام عن آيات الله تعالى بحال من خلق أعمى أصم لا تنفعه عبارة ولا إشارة ، والثاني تشبيه حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات فانتفعوا بأسماعهم وأبصارهم اهتداءاً إلى الجنة وانكفاءاً عما كانوا خابطين فيه من ضلال الكفر والدجنة بحال من هو بصير سميع يستضيء بالأنوار في الظلام ويستفيء بمغانم الأنذار والأبشار فوزاً بالمرام ، والعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات كما في قوله :
يا لهف زيابة للحرث الص ... ابح فالغانم فالآيب
ويحتمل أن يكون هناك أربع تشبيهات بأن يعتبر تشبيه حال كل من الفريقين . الفريق الكافر . والفريق المؤمن بحال اثنين أي مثل الفريق الكافر كالأعمى ومثله أيضاً كالأصم ، ومثل الفريق المؤمن كالبصير ومثله أيضاً كالسميع ، وقد يعتبر تنويع كل من الفريقين إلى نوعين فيشبه نوع من الكفاربالأعمى . ونوع منهم بالأصم ويشبه نوع من المؤمنين بالبصير . ونوع منهم بالسميع ، واستبعد ذلك إذ تقسيم الكفار إلى مشبه بالأول ومشبه بالثاني وكذلك المؤمنون غير مقصود البتة بدليل نظائره في الآيات الأخر كقوله سبحانه : { وَمَا يَسْتَوِى الاعمى * والبصير } [ فاطر : 19 ] وكقوله تعالى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } [ البقرة : 7 ] في الكفار الخلص ، وقوله تبارك وتعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } [ البقرة : 18 ] في المنافقين ، وللآية على احتمالاتها شبه في الجملة بقول أمرىء القيس :
كأن قلوب الطير رطباً ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
فتدبره ، وقد يعتبر التشبيه تمثيلياً بأن ينتزع من حال الفريق الأول في تصامهم وتعاميهم المذكورين ووقوعهم بسبب ذلك في العذاب المضاعف والخسران الذي لا خسران فوقه هيئة منتزعة ممن فقد مشعري البصر . والسمع فتخطب في مسلكه فوقع في مهاوي الردي ولم يجد إلى مقصده سبيلاً ، وينتزع من حال الفريق الثاني في استعمال مشاعرهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي وفوزهم بدار الخلود هيئة تشبه بهيئة منتزعة ممن له بصر وسمع يستعملهما في مهماته فيهتدي إلى سبيله وينال مرامه ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر . ولعل أظهر الاحتمالات ما أشير إليه أولاً ، والكلام من باب اللف والنشر ، واللف إما تقديري إن اعتبر في الفريقين لأنه في قوة الكافرين والمؤمنين ، أو تحقيقي إن اعتبر فيما دل عليه قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى } [ هود : 18 ] الخ ، وقوله سبحانه : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } [ هود : 23 ] الآية ، وأمر النشر ظاهر ، ولا يخفى ما فيه من الطباق بين الأعمى والبصير وبين الأصم والسميع ، وقدم ما للكافرين قيل : مراعاة لما تقدم ولأن السياق لبيان حالهم ، وقدم الأعمى على الأصم لكونه أظهر وأشهر في سوء الحال منه .

(8/207)


وفي البحر إنما لم يجيء التركيب كالأعمى والبصير . والأصم والسميع ليكون كل من المتقابلين على إثر مقابله لأنه تعالى لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد السمع ، ولما ذكر انفتاح البصر أتبعه بانفتاح السمع وذلك هو الأسلوب في المقابلة والأتم في الاعجاز ، وسيأتي إن شاء الله تعالى نظير ذلك في قوله سبحانه : { إِنَّ لَكَ * أَن لا *تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى } [ طه : 118 ، 119 ] ثم الظاهر مما تقدم أن الكلام على حذف مضاف وهو مجرور بالكاف ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً عن مثل .
وجوز أن تكون الكاف نفسها خبر المبتدأ ويكون معناها معنى المثل ، ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي مثل الفريقين مثل الأعمى والأصم والبصير والسميع { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } يعني الفريقين المذكورين ، والاستفهام إنكاري مذكر على ما قيل : لما سبق من إنكار المماثلة في قوله سبحانه : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] الخ { مَثَلاً } أي حالا وصفة ونصبه على التمييز المحول عن الفاعل ، والأصل هل يستوي مثلهما .
وجوز ابن عطية أن يكون حالا ، وفيه بعد { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي أتشكون في عدم الاستوار وما بينهما من التباين أو تغفلون عنه فلا تتذكرونه بالتأمل فيما ذكر لكم من المثل ، فالهمزة للاستفهام الإنكاري وهو وارد على المعطوفين معاً أو أتسمعون هذا فلا تتذكرون فيكون الإنكار وارداً على عدم التذكر بعد تحقق ما يوجب وجوده وهو المثل المضروب أي أفلا تفعلون التذكر ، أو أفلا تعقلون ، ومعنى إنكار عدم التذكر استبعاده من المخاطبين وأنه مما لا يصح أن يقع ، وليس من قبيل الإنكار في { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] و { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } فإن ذلك لنفي المماثلة ونفي الاستواء ، ثم إنه تعالى شرع في ذكر قصص الأنبياء الداعين إلى الله تعالى وبيان حالهم مع أممهم ليزداد صلى الله عليه وسلم تشميراً في الدعوة وتحملا لما يقاسيه من المعاندين
[ بم فقال عز من قائل :

(8/208)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25)

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ } الواو ابتدائية واللام واقعة في جواب قسم محذوف ويقدر حرفه ياء لا واو وإن كان هو الشائع لئلا يجتمع واوان ، وبعضهم يقدرها ولا يبالي بذلك .
ونوح في المشهور ابن لمك بن متوشبخ بن إدريس عليه السلام وأنه أول نبي بعث بعده قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بعث عليه السلام على رأس أربعين من عمره ولبث يدعو قومه ما قص الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً؛ وعاش بعد الطوفان ستين سنة وكان عمره ألفا وخمسين سنة . وقال مقاتل : بعث وهو ابن مائة سنة ، وقيل : ابن خمسين ، وقيل : ابن مائتين وخمسين ومكث يدعو قومه ما قص سبحانه وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ } بالكسر على إرادة القول أي فقال أو قائلا .
وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . والكسائي بالفتح على إضمار حرف الجر أي ملتبساً بذلك الكلام وهو { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ } فلما اتصل الجار فتح كما فتح في كان ، والمعنى على الكسر وهو قولك : إن زيداً كالأسد بناءاً على أن كان مركبة وليست حرفاً برأسه ، وليس في ذلك خروج من الغيبة إلى الخطاب خلافاً لأبي علي ، ولعل الاقتصار على ذكر كونه عليه السلام نذيراً لأنهم لم يغتنموا مغانم إبشاره عليه السلام { مُّبِينٌ } أي موضح لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص منه .

(8/209)


أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)

{ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } أي بأن لا تعبدوا إلا الله على أن { ءانٍ } مصدرية والباء متعلقة { بأرسلنا } [ هود : 25 ] و { لا } ناهية أي أرسلناه ملتبساً بنهيهم عن الاشراك إلا أنه وسط بينهما بيان بعض أوصافه ليكون أدخل في القبول ولم يفعل ذلك في صدر السورة لئلا يكون من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه ، وجوز كون { ءانٍ } وما بعدها في تأويل مصدر مفعولا لمبين أي مبينا النهي عن الاشراك ، ويجوز أن تكون { ءانٍ } مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير أو بمبين أي أرسلناه بشيء . أو نذير بشيء . أو مبين شيئاً هو { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } لكن قيل : الانذار في هذا غير ظاهر وهذا على قراءة الكسر فيما مر ، وأما على قراءة الفتح فإن { لا } الخ بدل من { إِنِّي لَكُمْ } [ هود : 25 ] الخ ويقدر القول بعد { ءانٍ } فيكون التقدير أرسلناه بقوله : { إِنّى * لَكِنِ * نَّذِيرٍ } ، وبقوله { لاَّ تَعْبُدُواْ } فهو بدل البعض أو الكل على المبالغة ، وادعاء { ءانٍ } الإنذار كله هو ، وجاز أن لا يقدر القول ، فالأظهر حينئذ بدل الاشتمال ، ومن زعم أنه كذلك مطلقاً إذ لا علاقة بينهما بجزئية أو كلية فقد غفل عن أنه على تقدير القول يكون قوله تعالى : { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } المعلل به النهي من جملة المقول ، وهو إنذار خاص فيكون ذلك بعضاً له أو كلا على الادعاء ، والظاهر أن المراد باليوم يوم القيامة ، وجوز أن يكون يوم الطرفان ووصفه بالأليم أي المؤلم على الاسناد المجازي لأن المؤلم هو الله سبحانه نزل الظرف منزلة الفاعل نفسه لكثرة وقوع الفعل فيه ، فجعل كأنه وقع الفعل منه ، وكذا وصف العذاب بذلك في غير موضع القرآن العظيم ويمكن اعتباره هنا أيضاً ، وجعل الجر للجوار ، ووجه التجوز حينئذ أنه جعل وصف الشيء لقوة تلبسه به كأنه عينه فأسنه إليه ما يسند إلى الفاعل ، ونظير ذلك على الوجهين نهاره صائم . وجد جده ، وقد يقال : إن وصف العذاب بالإيلام حقيقة عرفية ومثله يعدّ فاعلا في اللغة ، فيقال : آلمه العذاب من غير تجوز ، قيل : وهذه المقالة وكذا ما في معناها مما قص في غير آية لما لم تصدر عنه عليه السلام مرة واحدة بل كان يكررها في مدته المتطاولة حسبما نطق به قوله تعالى حكاية عنه : { رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } [ نوح : 5 ] الآيات عطف على فعل الإرسال المقارن لها أو القول المقدر بعده جوابهم المتعرض لأحوال المؤمنين الذين اتبعوه بعد اللتيا والتي بالفاء التعقيبية فقال سبحانه :

(8/210)


فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)

{ فَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } أي الإشراف منهم وهو كما قال غير واحد من قولهم : فلان مليء بكذا إذا كان قادراً عليه لأنهم ملئوا بكفاية الأمور وتدبيرها ، أو لأنهم متمالئون أن متظاهرون متعاونون ، أو لأنهم يملأون القلوب جلالا . والعيون جمالا . والأكف نوالاً ، أو لأنهم مملؤون بالآراء الصائبة والأحلام الراجحة على أنه من الملأ لازماً ، ومتعدياً ووصفهم بالكفر لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من أول الأمر لا لأن بعض أشرافهم ليسوا بكفرة .
{ مَا * نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } أرادوا ما أنت إلا بشر مثلنا ليس فيك مزية تخصك من بيننا بالنبوة ولو كان ذلك لرأيناه لا أن ذلك محتمل لكن لا نراه ، وكذا الحال في { وَمَا * نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى } فالفعلان من رؤية العين وبشراً . واتبعك حالان من المفعول بتقدير قد في الثاني أو بدونه على الخلاف؛ ويجوز أن يكونا من رؤية القلب وهو الظاهر فهما حينئذ المفعول الثاني ، وتعلق الرأي في الأول بالمثلية لا البشرية فقط ، ويفهم من الكشاف أن في الآية وجهين : الأول أنهم أرادوا التعريض بأنهم أحق بالنبوة كأنهم قالوا : هب أنك مثلنا في الفضيلة والمزية من كثرة المال والجاه فلم اختصصت بالنبوة من دوننا ، والثاني أنهم أرادوا أنه ينبغي أن يكون ملكاً لا بشراً ، وتعقب هذا بأن فيه اعتزالاً خفياً ، وقد بينه العلامة الطيبي ، ونوزع في ذلك ففي الكشف أن قولهم { مّثْلُنَا } علية لتحقيق البشرية ، وقولهم { وَمَا نَرَاكَ اتبعك } الخ استدلال بأنهم ضعفاء العقول لا تمييز لهم ، فجوّزوا أن يكون الرسول بشراً وقولهم الآتي { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } تسجيل بأن دعوى النبوة باطلة لإدخاله عليه السلام والأراذل في سلك على أسلوب يدل أنهم أنقص البشر فضلاً عن الارتقاء ، وليسس في هذا الكلام اعتزال خفي ولا المقام عنه أبى انتهى .
وفي الانتصاف يجوز أن يكونوا قد أرادوا الوجهين جميعاً كأنهم قالوا : من حق الرسول أن يكون ملكاً لا بشراً وأنت بشر ، وإن جاز أن يكون الرسول بشراً فنحن أحق منك بالرسالة ، ويشهد لإرادتهم الأول قوله في الجواب { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } [ هود : 31 ] ويشهد لأرادتهم القانية { وَمَا نرى لَكُمْ } الخ ، والظاهر أن مقصودهم ليس إلا إثبات أنه عليه السلام مثلهم وليس فيه مزية يترتب عليها النبوة ووجوب الإطاعة والاتباع ، ولعل قولهم { وَمَا نَرَاكَ اتبعك } الخ جاب عما يرد عليهم من أنه عليه السلام ليس مثلهم حيث اتبعه من وفق لاتباعه ، فكأنهم قالوا : إنه لم يميزك اتباع من اتبعك فيوجب علينا اتباعك لأنه لم يتبعك { إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } أي أخساؤنا وأدانينا ، وهو جمع أرذل والأغلب الاقيس في مثله إذا أريد جمعه أن يجمع جمع سلامة كالأخسرون جمع أخسر لكنه كسر هنا لأنه صار بالغلبة جاريا مجرى الاسم ، ولذا جعل في القاموس الرذل والأرذل بمعنى وهو الخسيس الدنيء ، ومعنى جريانه مجرى الاسم أنه لا يكاد يذكر الموصوف معه كالأبطح والأبرق .

(8/211)


وجوز أن يكون جمع أرذل جمع رذل فهو جمع الجمع ونظير ذلك أكالب . وأكلب . وكلب وكونه جمع رذل مخالف للقياس وإنما لم يقولوا : إلا أراذبنا مبالغة في استرذالهم وكأنهم إنما استرطلوهم لفقرهم لأنهم لما لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا كان الأشرف عندهم الأكير منها حظاً والأرذل من حرمها ولم يفقهوا أن الدنيا بحذافيرها لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة وأن النعيم إنما هو نعيم الآخرة . والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه ، ومثل هؤلاء في الجهل كثير من أهل هذا الزمان عافانا الله سبحانه مما هم فيه من الخذلان والحرمان وكان القوم على ما في بعض الأخبار حاكة وأساكفة وحجامين وأرادوا بقولهم { بَادِىَ الرأى } ظاهره وهو ما يكون من غير تعمق ، والرأي من رؤية الفكر والتأمل ، وقيل : من رؤية العين وليس بذاك .
وجوز أن يكون البادي بمعنى الأول ، وهو على الأول من البدو ، وعلى الثاني من البدء ، والياء مبدلة . من الهمزة لانكسار ما قبلها وقد قرأ أبو عمرو . وعيسى الثقفي بها ، وانتصابه على القراءتين على الظرفية لاتبعك على معنى اتبعوك في ظاهر رأيهم أو أوله . ولم يتأملوا . ولم يتثبتوا ولو فعلو ذلك لم يتبعوك وغرضهم من هذا المبالغة في عدم اعتبار ذلك الاتباع وجعل ذلك بعضهم علة الاسترذال وليس بشيء ، وقيل : المعنى إنهم اتبعوك في أول رأيهم أو ظاهرة وليسوا معك في الباطن .
واستشكل هذا التعلق بأن ما قبل { إِلا } لا يعمل فيما بعدها إلا إذا كان مستنثى منه نحو ما قام إلا زيداً القوم أو مستثنى نحو جاء القوم إلا زيداً أو تابعاً للمستنثى منه نحو ما جاءني أحد إلا زيداً خير من عمرو ، و { بَادِىَ الرأى } ليس واحداً من هذه الثلاثة في بادي الرأي؛ وأجيب بأنه يغافر ذلك في الظرف لأنه يتسع فيه ما لا يتسع في غيره ، واستشكل أمر الظرفية بأن فاعلاً ليس بظرف في الأصل ، وقال مكي : إنما جاز في فاعل أن يكون ظرفاً كما جاز في فعيل كقريب ، ومليء لإضافته إلى الرأي وهو كثيراً ما يضاف إلى المصدر الذي يجوز نصبه على الظرفية نحو جهد رأييأنك منطلق .
وقال الزمخشري : وتابعه غيره أن الأصل وقت حدوث أول أمرهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولعل تقدير الوقت ليكون نائباً عن الظرف فينتصب على الظرفية ، واعتبار الحدوث بناءاً على أن اسم الفاعل لا ينوب عن الظرف وينتصب والمصدر ينوب عنه كثيراً فأشاروا بذكره إلى أنه متضمن معنى الحدوث بمعنييه فلذا جاز فيه ذلك ، وليس مرادهم أنه محذوف إذ لا داعي لذلك في المعنى على التفسيرين ، وما ذكروه هنا من أن الصفات لا ينوب منها عن الظرف إلا فعيل من الفوائد الغريبة كما قال الشهاب لكن استدركه باملنع لأن فاعلا وقع ظرفاً كثيراً كفعيل ، وذلك مثل خارج الدار .

(8/212)


وباطن الأمر . وظاهره ، وغير ذلك مما هو كثير في كلامهم ، وقيل : هو ظرف لنراك أي ما نراك في أول رأينا أو فيما يظهر منه ، وقيل : لاراذلنا أي أنهم أراذل في أول النظر أو ظاهره لأن رذالتهم مكشوفة لا تحتاج إلى تأمل .
وقيل : هو نعت لبشراً وقيل : منصوب على أنه حال من ضمير نوح في { اتبعك } أي وأنت مكشوف الرأي لا حصافة فيك ، وقيل : انتصب على النداء لنوح عليه السلام أي يا بادي الرأي أي ما في نفسك من الرأي ظاهر لكل أحد ، وقيل : هو مصدر على فاعل منصوب على المفعولية المطلقة والعامل فيه ما تقدم على تقدير الظرفية .
{ وَمَا نرى لَكُمْ } خطاب له عليه السلام ولمتبعيه جميعاً على سبيل التغليب أي وما نرى لك ولمتبعيك . { عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } أي زيادة تؤهلكم لاتباعنا لكم ، وعن ابن عباس تفسير ذلك بالزيادة في الخلق والخلق ، وعن بعضهم تفسيره بكثرة الملك والملك ، ولعل ما ذكرناه أولى ، وكأنّ مرادهم نفي رأية { فَضَّلَ } بعد الاتباع أي ما نرى فيك وفيهم بعد الاتباع فضيلة علينا لنتبع وإلا فهم قد نفوا أولاً أفضليته عليه السلام في قولهم { مَا نَرَاكَ * المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر والمجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ } لهم علهم ، وقيل : إن هذا تأكيد لما فهم أولاً ، وقيل : الخطاب لأتباعه عليه السلام فقط فيكون التفاتاً أي ما نرى لكم علينا شرف في تلك التبعية لنوافقكم فيها ، وحمل الفضل على التفضل والإحسان في احتمالي الخطاب على أن يكون مراد امللأ من جوابهم له عليه السلام حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه أنا لانتبعك ولا نترك ما نحن عليه لقولك لأنك بشر مثلنا ليس فيك ما يستدعي نبوتك وكونك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا بذلك وأتباعك أراذل اتبعوك من غير تأمل وتثبت فلا يدل اتباعهم على أن فيك ما يستدعي ذلك وخفي عنا ، وأيضاً لست ذا تفضل علينا ليكون تفضلك داعياً لنا لموافقتك كيفما كنت ولا أتباعك ذوو تفضل علينا لنوافقهم وإن كانوا أراذل مراعاة لحق التفضل ، فإن الإنسان قد يوافق الرذيل لتفضله ولا يبالي بكونه رذيلاً لذلك مما يدور في الخلد إلا أن في القلب منه شيئاً { بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين } جميعاً لكون كلامكم واحداً ودعوتكم واحدة أو إياك في دعوى النبوة وإياهم في تصديقك ، قيل : واقتصروا على الظن احترازاً منهم عن نسبتهم إلى المجازفة كما أنهم عبروا بما عبروا أولاً لذلك مع التعريض من أول الأمر برأي المتبعين ومجاراة معه عليه السلام بطريق الآراء على نهج الانصاف .

(8/213)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)

{ قَالَ } استئناف بياني { ياقوم أَرَءيْتُمْ } أي أخبروني ، وفيه إيماء إلى ركاكة رأيهم المذكور { إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ } حجة ظاهرة { مّن رَّبّى } وشاهد يشهد لي بصحة دعواي { وَءاتَانِى رَحْمَةً مّنْ عِندِهِ } هي النبوة على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وجوز أن تكون هي البينة نفسها جيء بها إيذاناً بأنها مع كونها بينة من الله تعالى رحمة ونعمة عظيمة منه سبحانه ، ووجه إفراد الضمير في قوله تعالى : { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } أي أخفيت على هذا ظاهر ، وإن أريد بها النبوة . وبالبينة البرهان الدال على صحتها فالافراد لإرادة كل واحدة منهما ، أو لكون الضمير للبينة والاكتفاء بذلك لاستلزام خفاء البينة خفاء المدعى ، وجملة { قَالَ ياقوم } على هذا معترضة أو لكونه للرحمة ، وفي الكلام مقدر أي أخفيت الرحمة بعد إخفاء البينة وما يدل عليها وحذف للاختصار . وقيل : إنه معتبر في المعنى دون تقدير ، أو لتقدير عميت غير المذكر بعد لفظ البينة وحذف اختصاراً ، وفيه تقدير جملة قبل الدليل .
وقرأ أكثر السبعة { فَعُمّيَتْ } بفتح العين وتخفيف الميم مبنياً للفاعل ، وهو من العمى ضد البصر ، والمراد به هنا الخفاء مجازاً يقال : حجة عمياء كما يقال : مبصرة للواضحة ، وفي الكلام استعارة تبعية من حيث أنه شبه خفاء الدليل بالعمى في أن كلا منهما يمنع الوصول إلى المقاصد ، ثم فعل ما لا يخفى عليك ، وجوز أن يكون هناك استعارة تمثيلية بأن شبه الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه بمن سلك مفازة لا يعرف طرقها واتبع دليلاً أعمى فيها ، وقيل : الكلام على القلب ، والأصل فعميتم عنها كما تقول العرب : ادخلت القلنسوة في رأسي ، ومنه قول الشاعر
: ترى الثور فيها يدخل الظل رأسه ... وقوله سبحانه : { فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } [ إبراهيم : 47 ] وتعقبه أبو حيان بأن القلب عند أصحابنا مطلقاً لا يجوز إلا في الضرورة ، وقول الشاعر ليس منه بل من باب الاتساع في الظرف ، وكذا الآية ليست منه أيضاً لأن أخلف يتعدى إلى مفعولين ، والوصف منه كذلك ولك أن تضيفه إلى أيهما شئت على أنه لو كان ما ذكر من القلب لكان التعدي بعن دون على ، ألا ترى أنك تقول : عميت عن كذا ولا تقول : عميت على كذا .
وروي الأعمش عن وثاب وعميت بالواو الخفيفة ، وقرأ أبيّ . والسلمي . والحسن . وغيرهم فعماها عليكم على أن الفعل لله تعالى ، وقرىء بالتصريح به وظاهر ذلك مع أهل السنة القائلين بأن الحسن والقبيح منه تعالى ، ولذا أوله الزمخشري خفظاً لعقيدته { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أي أنكرهكم على الاهتداء بها وهو جواب أرأيتم وساد مسد جواب الشرط .

(8/214)


وفي البحر أنه في موضع المفعول الثاني له ومفعوله الأول البينة مقدراً وجواب الشرط محذوف دل عليه { أَرَءيْتُمْ } أي { إِن كُنتَ } الخ فأخبروني وحيث احتمع ضميران منصوبان وقد قدم أعرفهما وهو ضمير المخاطب الاعرف من ضمير الغائب جاز في الثاني الوصل والفصل فيجوز في غير القرآن أنلزمكم إياها وهو الذي ذهب إليه ابن مالك في التسهيل ووافقه عليه بعضهم ، وقال ابن أبي الربيع : يجب الوصل في مثل ذلك ويشهد له قول سيبويه في الكتاب : فإذا كان المفعولان اللذان تعدي إليهما فعل الفاعل مخاطباً وغائباً فبدأت بالمخاطب قبل الغائب فإن علامة الغائب العلامة التي لا يقع موقعها إياه وذلك نحو أعطيتكه وقد أعطاكه ، قال الله تعالى : { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } فهذا كهذا إذ بدأتبالمخاطب قبل الغائب انتهى ، ولو قدم الغائب وجب الانفصال على الصحيح فيقال : أنلزمها إياكم .
وأجاز بعضهم الاتصال ، واستشهد بقول عثمان رضي الله تعالى عنه : أراهمني ، ولم يقل : أراهم إياي ، وتمام الكلام على ذلك في محله ، وجيء بالواو تتمة لميم الجمع . وحكى عن أبي عمرو إسكان الميم الأولى تخفيفاً ، ويجوز مثل ذلك عند الفراء ، وقال الزجاج : أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكان حركة الإعراب إلا في ضرورة الشعر كقوله
: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
وقوله
: وناع يخبرنا بمهلك سيد ... تقطع من وجد عليه الأنامل
وأما ما روي عن أبي عمرو من الإسكان فلم يضبطه عنه الراوي ، وقد روي عنه سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها وهذا هو الحق ، وذكر نحو ذلك الزمخشري ، وقال : إن الإسكان الصريح لحن عند الخليل . وسيبويه . وحذاق البصريين ، وفي قرأة أبيّ { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } من شطر أنفسنا ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ من شطر قلوبنا أي من تلقائها وجهتها ، وفي البحر أن ذلك على جهة التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته سواد المصحف { وَأَنتُمْ لَهَا كارهون } أي لا تختارونها ولا تتأملون فيها ، والجملة في موضع الحال قال السمين : إما من الفاعل . أو من أحد المفعولين ، واختير أنها في موضع الحال من ضمير المخاطبين ، وقدم الجار رعاية للفواصل ، ومحصول الجواب أخبروين إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة دعواي إلا أنها خافية عليكم غير مسلمة لديكم أيمكننا أن نكرهكم على قبولها وأنتم معرضون عنها غير متدبرين فيها أي لا يكون ذلك كذا قرره سيخ الإسلام ثم قال : وظاهره مشعر بصدوره عنه عليه السلام بطريق إظهار اليأس عن إلزامهم والقعود عن محاجتهم كقوله : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } [ هود : 34 ] الخ لكنه محمول على أن مراده عليه السلام ردهم عن الاعراض عنها وحثهم على التدبر فيها بصرف الإنكار المستفاد من الهمزة إلى الإلزام حال كراهتهم لا إلى الإلزام مطلقاً ، وقال مولانا سعدى جلبي : إن المراد من الإلزام هنا الجبر بالقتل ونحوه لا الإيجاب لأنه واقع فليفهم .

(8/215)


وجوز أن يراد بالبينة دليل العقل الذي هو ملاك الفضل وبحسبه يمتاز أفراد البشر بعضها عن بعض وبه تناط الكرامة عند الله عز وجل والاجتباء للرسالة وبالكون عليها التمسك به والثبات عليه وبخفائها على الكفرة على أن يكون الضمير للبينة عدم إدراكهم لكونهم عليه السلام عليها وبالرحمة النبوة التي أنكروا اختصاصه عليه السلام بها بين ظهرانيهم ويكون المعنى إنكم زعمتم أن عهد النبوة لا يناله إلا من له فضلة على سائر الناس مستتبعة لاختصاصه به دونهم أخبروني إن امتزت عليكم بزيادة مزية وحيازة فضيلة من ربي وآتاني بحسبها نبوة من عنده فخفيت عليكم تلك البنة ولم تصيبوها ولم تناولها ولم تعلموا حيازتي لها وكوني عليها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلكم وهي متحققة في نفسها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها والحال أنكم كارهون لذلك ، ثم قيل : فيكون الاستفهام للحمل على الإقرار وهو الأنسب بمقام المحاجة ، وحينئذٍ يكون كلامه عليه السلام جواباً عن شبهتهم التي أدرجوها في خلال مقالهم من كونه عليه السلام بشراً قصارى أمره أن يكون مثلهم من غير فضل له عليهم وقطعاً لشأفة آرائهم الركيكة انتهى ، وفيه أن كون معنى أنلزمكموها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها غير ظاهر على أن في أمر التبعية نظراً كما لا يخفى ، ولعل الإتيان بما أتى به من الشرط من باب المجاراة وإسناد الإلزام لضمير الجماعة إما للتعظيم أو لاعتبار متبعيه عليه السلام معه في ذلك .

(8/216)


وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)

{ وياقوم } ناداهم بذلك تلطفاً بهم واستدراجاً لهم { لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي التبليغ المفهوم مما تقدم ، وقيل : الضمير للإنذار ، وأفرد الله سبحانه بالعبادة ، وقيل : للدعاء إلى التوحيد ، وقيل : غير ذلك ، وكلها أقوال متقاربة أي لا أطلب منكم على ذلك { مَالاً } تؤدونه إلى بعد إيمانكم ، وأجراً لي في مقابلة اهتدائكم { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } فهو سبحانه يثيبني على ذلك في الآخرة ولا بدّ حسب وعده الذي لا يخلف ، فالمراد بالأجر الأجر على التبليغ ، وجوز أن يراد الأجر على الطاعة مطلقاً ، ويدخل فيه ذلك دخولاً أولياً ، وفي التعبير بالمال أولاً . وبالأجر ثانياً ما لا يخفى من مزية ما عند الله تعالى على ما عندهم { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } قيل : هو جواب عما لوحوا به بقولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } [ هود : 27 ] من أنه لو اتبعه الأشراف لوافقوهم وأن اتباع الفقراء مانع لهم عن ذلك كما صرحوا به في قولهم : { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الارذلون } [ الشعراء : 111 ] فكان ذلك التماساً منهم لطردهم وتعليقاً لإيمانهم به عليه السلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد انتهى ، والمروى عن ابن جريج أنهم قالوا له يا نوح : إن أحببت أن نتبعك فاطرد هؤلاء وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء ، وذلك كما قال قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم : اطرد هؤلاء عنك ونحن نتبعك فأنا نستحيي أن نجلس معهم في مجلسك فهو جواب عما لم يذكر في النظم الكريم لكن فيه نوع إشارة إليه ، وقرىء { بِطَارِدِ } بالتنوين قال الزمخشري : على الأصل يعني أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فأصله أن يعمل ولا يضاف ، وهو ظاهر كلام سيبويه ، واستدرك عليه أبو حيان بأنه قد يقال : إن الأصل الإضافة لأنه قد اعتوره شبهان : أحدهما شبهه بالمضارع وهو شبه بغير جنسه ، والآخر شبهه بالأسماء إذا كانت فيها الإضافة ، وإلحاقه بجنسه أولى من إلحاقه بغير جنسه انتهى ، وربما يقال : إن أولوية إلحاقه بالأسماء إنما يتم القول بها إذا كانت الإضافة في الأسماء هي الأصل وليس فليس { أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } تعليل للامتناع من طردهم كأنه قيل : لا أدرهم ولا أبعدهم عن مجلسي لأنهم من أهل الزلفى المقربون الفائزون عند الله تعالى؛ وانفهام الفوز بمعونة المقام وإلا فملاقاة الله تعالى تكون للفائز وغيره ، أو أنهم ملاقوا ربهم فيخاصمون طاردهم عنده فيعاقبه على ما فعل وحمله على أنهم مصدقون في الدنيا بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف أطردهم خلاف الظاهر على أن هذا التصديق من توابع الإيمان ، وقيل : المعنى إنهم يلاقونه تعالى فيجازيهم على ما في قلوبهم من إمان صحيح ثابت كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بناء أمرهم على بادىء الرأي من غير تعمق في الفكر ، وما على أن أشق عن قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون ، وفيه أنه مع كونه مبنياً على أن سؤال الطرد لعدم إخلاصهم لا لاسترذالهم وحاله أظهر من أن يخفى يأباه اغلجزم بترتب غضب الله تعالى على طردهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى { ولكنى أُرِيكُمْ *قَوْمًا تَجْهَلُونَ } أي بكل ما ينبغي أن يعلم ، ويدخل فيه جهلهم بمنزلتهم عند الله تعالى وبما يترتب من المحذور على طردهم وبركاكة رأيهم في التماس ذلك ، وتوقف إيمانهم عليه وغير ذلك وإيثار صيغة الفعل للدلالة على التجدد والاستمرار ، وعبر بالرؤية موافقة لتعبيرهم ، وجوز أن يكون الجهل بمعنى الجناية على الغير وفعل ما يشق عليه لا بمعنى عدم العلم المذموم وهو معنى شائع كما في قوله
: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أي ولكني أراكم قوماً تتسفهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخساسة .

(8/217)


وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30)

{ وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } أي من يصونني منه تعالى ويدفع عني حلول سخطه ، والاستفها للإنكار أي لا ينصرني أحد من ذلك { إِن طَرَدتُّهُمْ } وأبعدتهم عني وهم بتلك المثابة والزلفى منه تعالى ، وفي الكلام ما لا يخفى من تهويل أمر طردهم { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل فلا تتذكرون ما ذكر من حالهم حتى تعرفوا أن ما تأتونه بمعزل عن الصواب ، قيل : ولكون هذه العلة مستقلة بوجه مخصوص ظاهر الدلالة على وجوب الامتناع عن الطرد أفردت عن التعليل السابق وصدرت بياقوم .

(8/218)


وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)

{ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } شروع على ما قال غير واحد في دفع الشبه التي أوردوها تفصيلاً وذلك من قبيل النشر المشوش ثقة بعلم السامع وتخلل ما تخلل بين شبههم وجوابها على ما قال العلامة الطيبي لأنه مقدمة وتمهيد للجواب ، وبينه بأن قوله : { يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده } [ هود : 28 ] إثبات لنبوته يعني ما قلت لكم { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } [ هود : 25 ، 26 ] إلا عن بينة على إثبات نبوتي وصحة دعوتي لكن خفيت عليكم وعميت حتى أوردتم تلك الشبه الواهية ومع ذلك ليس نظري فيما ادعيت إلا إلى الهداية وإني لا أطمع بمال حتى ألازم الأغنياء منكم وأطرد الفقراء وأنتم تجهلون هذا المعنى حيث تقولون : اطرد الفقراء وأن الله سبحانه ما بعثني إلا للترغيب في طلب الآخرة ورفض الدنيا فمن ينصرني إن كنت أخالف ما جئت به ، ثم شرع فيما شرع ، وفي «الكشف» إن قوله : { أَرَءيْتُمْ } [ هود : 28 ] الآية جواب إجمالي عن الشبه كلها مع التعبير بأنهم لا يرجعون فما يرمون إلى أدنى تدبر وقوله : { ويا قوم لا أَسْئَلُكُمْ } [ هود : 27 ] تتميم للتعبير وحث على ما ضمنه من التشويق إلى ما عنده ، وقوله : { مَا أَنَاْ * بِطَارِدِ } [ هود : 29 ] تصريح بجواب ما ضمنوه في قولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } [ هود : 72 ] من خسة الشركاء وأنه لولا مكانهم لكان يمكن الاتباع إظهاراً للتصلب فيما هو فيه وأن ما يورده ويصدره عن برهان من الله تعالى يوافيه وأنى يدع الحق الأبلج بالباطل اللجلج ، ثم شرع في الجواب التفصيلي بقوله : { وَلا أَقُولُ } الخ ، وهو أحسن مما ذكره الطيبي ، وجعلوا هذا رداً لقولهم : { وَمَا نرى لَكُمْ } [ هود : 27 ] الخ كأنه يقول : عدم اتباع وتكذيبي إن كان لنفيكم عني فضل المال والجاه فأنا لم أدعه ولم أقل لكم إن خزائن رزق الله تعالى وماله عندي حتى أنكم تنازعوني في ذلك وتنكرونه وإنما كان مني دعوى الرسالة المؤيدة بالمعجزات ، ولعل جوابه عليه السلام عن ذلك من حيث أنه معنى به مستتبع للجواب عنه من حيث أنه عنى به متبعوه عليه السلام أيضاً ، وجعله جواباً عن قولهم : { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } [ هود : 27 ] كما جوزه الطبرسي ليس بشيء ، وحمل الخزائن على ما أشرنا إليه هو المعول عليه .
/ وقال الجبائي . وأبو مسلم : إن المراد بها مقدورات الله تعالى أي لا أقول لكم حين أدعي النبوة عندي مقدورات الله تعالى فأفعل ما أشاء وأعطي ما أشاء وأمنع ما أشاء وليس بشيء ، ومثله بل أدهى وأمر قول ابن الأنباري : إن المراد بها غيوب الله تعالى وما انطوى عن الخلق ، وجعل ابن الخازن هذه الجملة عطفاً على

(8/219)


{ لاَّ أَسْئَلُكُمْ } [ هود : 29 ] الخ ، والمعنى عنده لا أسألكم عليه ما لا ولا أقول لكم عندي خزائن الله التي لا يفنيها شيء فأدعوكم إلى اتباعي عليها لأعطيكم منها { وَلا أَعْلَمُ الغيب } عطف على { عِندِى خَزَائِنُ الله } المقول للقول ، وذكر معه النفي مع أن العطف على مقول القول المنفي منفي أيضاً من غير أن يذكر معه أداة نفي لتأكيد النفي السابق والتذكير به ودفع احتمال أن لا يقول هذا المجموع فلا ينافي أن يقول أحدهما أي ولا أقول أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني لاستبعاد ذلك وما ذكرت من دعوى النبوة والإنذار بالعذاب إنما هو بوحي وإعلام من الله تعالى مؤيد بالبينة والغيب ما لم يوح به ولم يقم عليه دليل ، ولعله إنما لم ينف عليه السلام القول بعلم الغيب على نحو ما فعل في السابق واللاحق مبالغة في نفي هذه الصفة التي ليس لأحد سوى الله تعالى منها نصيب أصلاً ، ويجوز عطفه على { أَقُولُ } أي لا أقول لكم ذلك ولا أدعي علم الغيب في قولي { إني نذير مبين } [ هود : 25 ] { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } [ هود : 26 ] حتى تسارعوا إلى الإنكار والاستبعاد ، وقيل : هو معطوف على هذا أو ذاك إلا أن المعنى لا أعلم الغيب حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادىء الرأي من غير بصيرة وعقد قلب ولا يخفى حاله ، واعترض على الأول بأنه غير ملائم للمقام ، ثم قيل : والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم حين ادعى النبوة سألوه عن المغيبات ، وقالوا له : إن كنت صادقاً أخبرنا عنها فقال : أنا أدعي النبوة بآية من ربي ولا أعلم الغيب إلا بإعلامه سبحانه ، ولا يلزم أن يذكر ذلك في النظم الكريم كما أن سؤال طردهم كذلك انتهى ، وفيه أن زعم عدم الملاءمة ليس على ما ينبغي ، وأيضاً لا يخفى أنه لا قرينة تدل على وقوعه جواباً لما لم يذكر ، وأما سؤال طردهم فإن الاستحقار قرينة عليه في الجملة ، وقد صرح بعض السلف به ومثله لا يقال من قبل الرأي { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } رد لقولهم : { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } [ هود : 27 ] أي لا أقول ترويجاً لما أدعيه من النبوة إني ملك حتى تقولوا لي ذلك وتكذبوني فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها يعني كما قيل : إنكم اتخذتم فقدان هذه الأمور الثلاثة ذريعة إلى تكذيبي ، والحال أني لا أدعي شيئاً من ذلك ولا الذي يتعلق بشيء منها ، وإنما الذي أدعيه يتعلق بالفضائل التي تتفاوت بها مقادير البشر ، وقيل : أراد بهذا لا أقول : إني روحاني غير مخلوق من ذكر وأنثى بل ءنما أنا بشر مثلكم فلا معنى لردكم على بقولكم

(8/220)


{ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } [ هود : 27 ] وعلى القولين لا دليل فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم السلام خلافاً لمن استدل به ، وجعل ذلك كلاماً آخر ليس رداً لما قالوه سابقاً مما لا وجه له فتدبر { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ } أي تستحقرهم والأصل تزتري بالتاء إلا أنها قلبت دالاً لتجانس الزاي في الجهر لأنها من المهموسة ، وأصل الازدراء الإعابة يقال : ازدراه إذا عابه ، والتعبير بالمضارع للاستمرار ، أو لحكاية الحال لأن الازدراء قد وقع ، وإسناده إلى الأعين مجاز للمبالغة في رأي من حيث أنه إسناد إلى الحاسة التي لا يتصور منها تعييب أحد فكأن من لا يدرك ذلك يدركه ، وللتنبيه على أنهم استحقروهم بادىء الرؤية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل وتدبر في معانيهم وكمالاتهم ، وعائد الموصول محذوف كما أشرنا إليه ، واللام للأجل لا للتبليغ وإلا لقيل فيما بعد يؤتيكم أي لا أقول مساعدة لكم ونزولاً على هواكم في شأن الذين استرذلتموهم واستحقرتموهم لفقرهم من المؤمنين { لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا } في الدنيا أو في الآخرة فعسى الله سبحانه يؤتيهم خيري الدارين .
{ الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } مما يستعدون به لإيتاء ذلك ، وفي إرشاد العقل السليم من الإيمان ، وفيه توجيه لعطف نفي هذا القول الذي ليس مما يستنكره الكفرة ولا مما يتوهمون صدوره عنه عليه السلام أصالة واستتباعاً على نفي هاتيك الأقوال التي هي مما يستنكرونه ويتوهمون صدوره عنه عليه السلام إن ذلك من جهة أن كلا النفيين رد لقياسهم الباطل الذي تمسكوا به فيما سلف فإنهم زعموا أن النبوة تستتبع الأمور المذكورة من ادعاء الملكية وعلم الغيب وحيازة الخزائن وأن العثور على مكانها واغتنام مغانمها ليس من دأب الأراذل ، فأجاب عليه السلام بنفي ذلك جميعاً فكأنه قال : لا أقول وجود تلك الأشياء من مواجب النبوة ولا عدم المال والجاه من موانع الخير ، واقتصر عليه السلام على نفي القول المذكور مع أنه عليه السلام جازم بأن الله سبحانه سيؤتيهم خيراً عظيماً في الدارين وأنهم على يقين راسخ في الإيمان جرياً على سنن الإنصاف مع القوم واكتفاءاً بمخالفة كلامهم وإرشاداً لهم إلى مسلك الهداية بأن اللائق لكل أحد أن لا يبت القول إلا فيما يعلمه يقيناً ويبني أموره على الشواهد الظاهرة ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة انتهى ، وأنت تعلم أنه عليه السلام قد بتّ القول بفوز هؤلاء في قوله : { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ إِنَّهُمْ * ملاقوا رَبّهِمْ } [ هود : 29 ] بناءاً على أنهم المعنيون بالذين آمنوا ، وأن المراد من كونهم ملاقوا ربهم أنهم مقربون في حضرة القدس كما قال به غير واحد وكذا الحكم إذا كان المعنى بالموصول من اتصف بعنوان الصلة مطلقاً إذ يدخلون فيه دخولاً أولياً لما أن المسؤول صريحاً أو تلويحاً طردهم ، ولعل البت تارة وعدمه أخرى لاقتضاء المقام ذلك وأن في كون الكفرة قد زعموا أن العثور على مكان النبوة واغتنام مغانمها ليس من دأب الأراذل خفاءاً مع دعوى أنهم لوحوا بقولهم :

(8/221)


{ وَمَا نَرَاكَ اتبعك } [ هود : 27 ] الخ الذي هو مظنة ذلك الزعم إلى التماس طردهم وتعليق إيمانهم به عليه السلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد .
وفي «البحر» أن معنى { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ } الخ ليس احتقاركم إياهم ينقص ثوابهم عند الله تعالى ولا يبطل أجورهم ولست أحكم عليهم بشيء من هذا ، وإنما الحكم بذلك للذي يعلم ما في أنفسهم فيجازيهم عليه ، وقيل : إن هذا رد لقولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك } [ هود : 27 ] الخ على معنى لست أحكم عليهم بأن لا يكون لهم خير لظنكم بهم أن بواطنهم ليست كظواهرهم الله أعلم بما في نفوسهم انتهى ، ولا يخفى ما فيه .
وقد أخرج أبو الشيخ عن السدي أنه فسر الخير بالإيمان أي لا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله إيماناً واستشكل بأن الظاهر أن المراد بالموصول أولئك المتبعون المسترذلون وهم مؤمنون عندهم فلا معنى لنفي القول بإيتاء الله تعالى إياهم الإيمان مساعدة لهم ونزولاً على هواهم .
وأجيب بأن المراد من هذا الإيمان هو المعتد به الذي لا يزول أصلاً كما ينبىء عن ذلك التعبير عنه بالخير وهم إنما أثبتوا لهم الاتباع بادىء الرأي وأرادوا بذلك أنهم آمنوا إيماناً لا ثبات له ، ويجعل ذلك رداً لذلك القول ، ويراد من { لَن يُؤْتِيَهُمُ } ما آتاهم فكأنهم قالوا : إنهم اتبعوك وآمنوا بك بلا تأمل ومثل ذلك الإيمان في معرض الزوال ، فهم لا يثبتون عليه ويرتدون فرد عليهم عليه السلام بأني لا أحكم على أولئك بأن الله تعالى ما آتاهم إيماناً لا يزول وأنهم سيرتدون كما زعمتم ويكون قوله عليه السلام : { الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } تفويضاً للحكم بذلك إليه تعالى؛ أو إشارة إلى جلالة ما آتاهم الله تعالى إياه من الإيمان كما يقال الله تعالى : أعلم بما يقاسي زيد من عمرو إذا كان ما يقاسيه منه أمراً عظيماً لا يستطاع شرحه ، فكأنه قيل : إن إيمانهم عظيم القدر جليل الشأن فكيف أقول لن يؤتيهم الله تعالى إيماناً ثابتاً ، وفيه من التكلف والتعسف ما الله تعالى به أعلم ، وحمل الموصول على أناس مسترذلين جداً غير أولئك ولم يؤمنوا بعد أي لا أقول للذين تزدريهم أعينكم ولم يؤمنوا بعد لن يوفقهم الله تعالى للإيمان حيث كانوا في غاية من رثاثة الحال والدناءة التي تزعمونها مانعة من الخير { الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } مما يتأهلون به لإفاضة التوفيق عليهم وهو المدار لذلك لا الأحوال الظاهرة مما لا أقول به { إِنّى إِذاً } أي إذا قلت ذلك { لَّمِنَ الظالمين } لهم بحط مرتبتهم ونقص حقوقهم ، أو من الظالمين لأنفسهم بذلك ، وفيه تعريض بأنهم ظالمون في ازدرائهم واسترذالهم .
ويجوز أن يكون إذا قلت شيئاً مما ذكر من حيازة الخزائن وادعاء علم الغيب والملكية ، ونفي إيتاء الله تعالى أولئك الخير والقول لمزيد جهلهم محتاجون لأن يعلل لهم نحو الأقوال الأول بلزوم الانتظام في زمرة الظالمين .

(8/222)


قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)

{ قَالُواْ يأَبَانَا * نُوحٌ * قَدْ } أي خاصمتنا ونازعتنا ، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله ومنه الجديل وجدلت البناء أحكمته ، ودرع مجدولة ، والأجدل الصقر المحكم البنية ، والمجدل القصر المحكم البناء ، وسميت المنازعة جدالاً لأن المتجادلين كأنهما يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه ، وقيل : الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة ، وهي الأرض الصلبة { جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } عطف على ما قبله على معنى شرعت في جدالنا فأطلته أو أتيت بنوع من أنواع الجدال فأعقبته بأنواع أخر فالفاء على ظاهرها ، ولا حاجة إلى تأويل { جَادَلْتَنَا } بأردت جدالنا كما قاله الجمهور في قوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله } [ النحل : 98 ] ونظير ذلك جادل فلان فأكثر ، وجعل بعضهم مجموع ذلك كناية عن التمادي والاستمرار .
وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما جدلنا ، وهو كما قال ابن جني اسم بمعنى الجدال ولما حجهم عليه السلام وأبرز لهم ما ألقمهم به الحجر ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل . وقالوا : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب المعجل ، وجوز أن يكون المراد به العذاب الذي أشير إليه في قوله : { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } [ هود : 26 ] بناءاً على أن لا يكون المراد باليوم يوم القيامة ، و { مَا } موصولة والعائد محذوف أي بالذي تعدنا به ، وفي «البحر» تعدناه ، وجوز أن تكون مصدرية وفيه نوع تكلف { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في حكمك بلحوق العذاب إن لم نؤمن بك .

(8/223)


قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33)

{ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء } أي إن ذلك ليس إلى ولا مما هو داخل تحت قدرتي وإنما هو لله عز وجل الذي كفرتم به وعصيتم أمره يأتيكم به عاجلاً أو آجلاً إن تعلقت به مشيئته التابعة للحكمة ، وفيه كما قيل : ما لا يخفى من تهويل الموعود ، فكأنه ، قيل : الإتيان به أمر خارج عن دائرة القوى البشرية وإنما يفعله الله تعالى .
وفي الإتيان بالاسم الجليل الجامع تأكيد لذلك التهويل { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بمصيريه سبحانه وتعالى عاجزاً بدفع العذاب أو الهرب منه ، والباء زائدة للتأكيد ، والجملة الاسمية للاستمرار ، والمراد استمرار النفي وتأكيده لا نفي الاستمرار والتأكيد وله نظائر .

(8/224)


وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

{ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح وهو كلمة جامعة ، وقيل : هو إعلام مواقع الغي ليتقى . ومواضع الرشد ليقتفى ، وهو من قولهم : نصحت له الود أي أخلصته ، وناصح العسل خالصه ، أو من قولهم نصحت الجلد خطته ، والناصح الخياط ، والنصاح الخيط ، وقرأ عيسى ابن عمر الثقفي { نُصْحِى } بفتح النون وهو مصدر ، وعلى قراءة الجماعة على ما قال أبو حيان يحتمل أن يكون مصدراً كالشكر ، وأن يكون اسماً { إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ } شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق عليه وليس جواباً له لامتناع تقدم الجواب على الشرط على الأصح الذي ذهب إليه البصريون أي إن أردتم أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ، والجملة كلها دليل جواب قوله سبحانه : { إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } والتقدير إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ، وجعلوا الآية من باب اعتراض الشرط على الشرط ، وفي شرح التسهيل لابن عقيل أنه إذا توالى شرطان مثلاً كقولك : إن جئتني إن وعدتك أحسنت إليك ، فالجواب للأول ، واستغنى به عن جواب الثاني ، وزعم ابن مالك أن الشرط للثاني مقيد للأول بمنزلة الحال ، فكأنه قيل في المثال : إني جئتني في حال وعدي لك أحسنت إليك ، والصحيح في المسألة أن الجواب للأول ، وجواب الثاني محذوف لدلالة الشرط الثاني وجوابه عليه ، فإذا قلت : إن دخلت الدار إن كلمت زيداً إن جاء إليك فأنت حر ، فأنت حر جواب إن دخلت وهو وجوابه دليل جواب إن كلمت وإن كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء ، والدليل على الجواب جواب في المعنى ، والجواب متأخر ، فالشرط الثالث مقدم وكذا الثاني ، فكأنه قيل إن جاء فإن كلمت فإن دخلت فأنت حر فلا يعتق إلا إذا وقع هكذا مجىء . ثم كلام ثم دخول ، وهو مذهب الشافعي عليه الرحمة ، وذكر الجصاص أن فيها خلافاً بين محمد . وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ، وليس مذهب الإمام الشافعي فقط ، وقال بعض الفقهاء : إن الجواب للأخير . والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني . والشرط الثاني وجوابه جواب الأول ، وعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا دخول . ثم كلام . ثم مجىء ، وقال بعضهم : إذا اجتمعت حصل العتق من غير ترتيب وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف فإن عطف بأو فالجواب لهما وإن كان بالفاء فالجواب للثاني وهو وجوابه جواب الأول فتخرج الفاء عن العطف ، وادعى ابن هشام أن في كون الآية من ذلك الباب نظراً قال : إذ لم يتوال شرطان وبعدهما جواب كما فيما سمعت من الأمثلة ، وكما في قول الشاعر
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عز زانها كرم

(8/225)


إذ لم يذكر فيها جواب وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى للأول فينبغي أن يقدر إلى جانبه ويكون الأصل إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم ، وأما أن يقدر الجواب بعدهما ثم يقدر بعد ذلك مقدماً إلى جانب الشرط الأول فلا وجه له انتهى .
وقد ألف في المسألة رسالة كما قال الجلال السيوطي وأوردها في حاشيته على المغني حسنة ، ولا يخفى عليك أن المقدر في قوة المذكور ، والكثير في توالي شرطين بدون عاطف تأخره سماعاً فيقدر كذلك ويجري عليه حكمه .
والكلام على ما تقدم متضمن لشرطين مختلفين : أحدهما جواب للآخر وقد جعل المتأخر في الذكر متقدماً في المعنى على ما هو المعهود في المسألة ، وهو عند الزمخشري على ما قيل شرطية واحدة مقيدة حيث جعل لا ينفعكم دليل الجواب لأن كان ، وجعل إن أردت قيداً لذلك نظير إن أحسنت إلى أحسنت إليك إن أمكنني فتأمل ، والكلام متعلق بقولهم : { قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } [ هود : 32 ] صدر عنه عليه السلام إظهاراً للعجز عن ردهم عما هم عليه من الضلال بالحجج والبينات لفرط تماديهم في العناد وإيذاناً بأن ما سبق منه إنما كانب طريق النصيحة لهم والشفقة عليهم وأنه لم يأل جهداً في إرشادهم إلى الحق وهدايتهم إلى سبيله المستبين ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادته سبحانه لإغوائهم ، وتقييد عدم نفع النصح بإرادته مع أنه محقق لا محالة للإيذان بأن ذلك النصح مقارن للإرادة والاهتمام به ، ولتحقيق المقابلة بين ذلك . وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم ، وإنما تقصر في ذلك على مجرد إرادة الإغواء دون نفسه حيث لم يقل إن كان الله يغويكم مبالغة في بيان غلبة جنابه جل جلاله حيث دل ذلك على أن نصحه المقارن للاهتمام به لا يجديهم نفعاً عند مجرد إرادة الله تعالى إغواءهم فكيف عند تحققه وخلقه فيهم ، وزيادة { كَانَ } للإشعار بتقدم إرادته تعالى زماناً كتقدمه رتبة ، وللدلالة على تجددها واستمرارها ، وقدم على هذا الكلام ما يتعلق بقولهم : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } [ هود : 32 ] من قوله : { إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء } [ هود : 33 ] رداً عليهم من أول الأمر وتسجيلاً عليهم بحلول العذاب مع ما فيه من اتصال الجواب بالسؤال قال ذلك مولانا شيخ الإسلام ثم إن { إِنْ أَرَدْتُّ } أن أبقى على الاستقبال لا ينافي كونه نصحهم في الزمن الماضي ، وقيل : إنه مجاراة لهم لاستظهار الحجة لأنهم زعموا أن ما فعله ليس بنصح إذ لو كان نصحاً قبل منه ، واللام في { لَكُمْ } ليست للتقوية كما قد يتوهم لتعدي الفعل بنفسه كما في قوله

(8/226)


: نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي
لما في «الصحاح» أنه باللام أفصح ، وفي الآية دليل على أن إرادة الله تعالى مما يصح تعلقها بالإغواء وأن خلاف مراده سبحانه محال ، وإلا لم تصدق الشرطية الدالة على لزوم الجواب للشرط ، والمعتزلة وقعوا في حيص بيص منها واختلفوا في تأويلها ، فقيل : إن { يُغْوِيَكُمْ } بمعنى يهلككم من غوى الفصيل إذا بشم من كثرة شرب اللبن فهلك ، وقد روى مجىء الغوى بمعنى الهلاك الفراء . وغيره ، وأنكره مكي .
وقيل : إن الإغواء مجاز عن عقوبته أي إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق وإضلالكم إياهم .
وقيل : إن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى أراد إغوائهم فأخرج عليه السلام ذلك مخرج التعجب والإنكار أي إن نصحي لا ينفعكم إن كان الأمر كما تزعمون ، وقيل : سمي ترك إلجائهم وتخليتهم وشأنهم إغواء مجازاً ، وقيل : إن نافية أي ما كان الله يريد أن يغويكم ، ونفى ذلك دليل على نفي الإغواء ، ويكون { لاَ يَنفَعُكُمْ * نُصْحِى } الخ إخباراً منه عليه السلام لهم وتعزية لنفسه عنهم لما رأى من إصرارهم وتماديهم على الكفر ، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة الظاهر المعروف في الاستعمال وارتكاب ما لا ينبغي ارتكاب مثله في كلام الملك المتعال .
ومن الناس من اعترض الاستدلال بأن الشرطية لا تدل على وقوع الشرط ولا جوازه فلا يتم ولا يحتاج إلى التأويل ولا إلى القال والقيل ، ودفع بأن المقام ينبو عنه لعدم الفائدة في مجرد فرض ذلك فإن أرادوا إرجاعه إلى قياس استثنائي فإما أن يستثني عين المقدم فهو المطلوب أو نقيض التالي فخلاف الواقع لعدم حصول النفع .
وبالجملة الآية ظاهرة جداً فيما ذهب إليه أهل السنة ، والله سبحانه الموفق { هُوَ رَبُّكُمْ } أي خالقكم ومالك أمركم { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على أفعالكم لا محالة .

(8/227)


أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)

{ أَمْ يَقُولُونَ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يعني نوحاً عليه السلام أي بل أيقول قوم نوح أن نوحاً افترى ما جاء به مسنداً إلى الله تعالى عز وجل { اثنين قُلْ } يا نوح { إِنِ افتريته } بالفرض البحت .
/ { فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } أي وباله فهو على تقدير مضاف ، أو على التجوز بالسبب عن المسبب ، وفسر الإجرام بكسب الذنب وهو مصدر أجرم ، وجاء على قلة جرم ، ومن ذلك قوله
: طريد عشيرة ورهين ذنب ... بما ( جرمت ) يدي وجنى لساني
وقرىء { إِجْرَامِى } بفتح الهمزة على أنه كما قال النحاس : جمع جرم ، واستشكل العز بن عبد السلام الشرطية بأن الافتراء المفروض هنا ماض والشرط يخلص للاستقال بإجمال أئمة العرب ، وأجاب أن المراد كما قال ابن السراج إن ثبت أني افتريته فعلي إجرامي على ما قيل في قوله تعالى : { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } [ المائدة : 116 ] { وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } أي من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي ، قيل : والأصل إن افتريته فعلى عقوبة افترائي ولكنه فرض محال وأنا برىء من افترائكم أي نسبتكم إياي إلى الافتراء ، وعدل عنه إدماجاً لكونهم مجرمين ، وأن المسألة معكوسة ، وحملت { مَا } على المصدرية لما في الموصولية من تكلف حذف العائد مع أن ذلك هو المناسب لقوله : { إِجْرَامِى } فيما قبل ، وما يقتضيه كلام ابن عباس من أن الآية من تتمة قصة نوح عليه السلام وفي شأنه هو الظاهر ، وعليه الجمهور ، وعن مقاتل أنها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة أي بل أيقول مشركو مكة افترى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر نوح ، قيل : وكأنه إنما جىء به في تضاعيف القصة عند سوق طرف منها تحقيقاً لحقيقتها وتأكيداً لوقوعها وتشويقاً للسامعين إلى استماعها لا سيما وقد قص منها طائفة متعلقة بما جرى بينه عليه السلام وبين قومه من المحاجة ، وبقيت طائفة مستقلة متعلقة بعذابهم ، ولا يخفى أن القول بذلك بعيد وإن وجه بما وجه ، وقال في «الكشف» : إن كونها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم أظهر وأنسب من كونها من تتمة قصة نوح عليه السلام لأن { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } كالتكرير لقوله سبحانه : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } دلالة على كمال العناد وأن مثله بعد الإتيان بالقصة على هذا الأسلوب المعجز مما لا ينبغي أن ينسب إلى افتراء فجاء زيادة إنكار على إنكار كأنه قيل : بل أمع هذا البيان أيضاً يقولون { افتراه } وهو نظير اعتراض قوله سبحانه في سورة العنكبوت : { وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } بين قصة إبراهيم عليه السلام في أحد الوجهين انتهى ، ولا أراه معولاً عليه .

(8/228)


وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)

{ وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ * ءامَنَ } إقناط له عليه السلام من إيمانهم وإعلام بأنه لم يبق فيهم من يتوقع إيمانه ، أخرج إسحاق بن بشر . وابن عساكر عن ابن عباس قال : إن نوحاً عليه السلام كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم ، واتفق أن جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال : يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك قال : يا أبت أمكني من العصا فأخذ العصا ثم قال : ضعني على الأرض فوضعه فمشى إليه فضربه فشجه موضحة في رأسه وسالت الدماء فقال نوح عليه السلام : رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك حاجة فاهدهم وإن يكن غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين فأوحى الله تعالى إليه وآيسه من إيمان قومه وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن . وقال سبحانه : { إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ } الخ ، والمراد بمن آمن قيل : من استمر على الإيمان وللدوام حكم الحدوث ، ولذا لو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه فلم ينزعه في الحال حنث ، وقيل : المراد إلا من قد استعد للإيمان وتوقع منه ولا يراد ظاهره وإلا كان المعنى إلا من آمن فإنه يؤمن ، وأورد عليه أنه مع بعده يقتضي أن من القوم من آمن بعد ذلك ، وهو ينافي تقنيطه من إيمانهم ، وقد يقال : المراد ما هو الظاهر والاستثناء على حد الاستثناء في قوله تعالى : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 23 ] على ما قاله غير واحد ، فيفيد الكلام الإقناط على أتم وجه وأبلغه أي لن يحدث من قومك إيماناً ويحصله بعد إلا من قد أحدثه وحصله قبل ، وذلك مما لا يمكن لما فيه من تحصيل الحاصل وإحداث المحدث ، فإحداث الإيمان وتحصيل بعد مما لا يكون أصلاً ، وفي «الحواشي الشهابة» لو قيل : إن الاستثناء منقطع وأن المعنى لا يؤمن أحد بعد ذلك غير هؤلاء لكان معنى بليغاً فتدبر ، وقرأ أبو البرهسم { وَأُوحِىَ } مبنياً للفاعل وأنه بكسر الهمزة على إضمار القول على مذهب البصريين وعلى إجراء { أوحى } مجرى قال على مذهب الكوفيين ، واستدل بالآية من أجاز التكليف بما لا يطاق .
{ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أي لا تلتزم البؤس ولا تحزن بما كانوا يتعاطونه من التكذيب والاستهزاء والإيذاء في هذه المدة الطويلة فقد حان وقت الانتقام منهم .

(8/229)


وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)

{ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } عطف على { فَلاَ تَبْتَئِسْ } [ هود : 36 ] والأمر قيل : للوجوب إذ لا سبيل إلى صيانة الروح من الغرق إلا به فيجب كوجوبها ، وقيل : للإباحة وليس بشيء ، وأل في { الفلك } إنا للجنس أو للعهد بناءاً على أنه أوحى إليه عليه السلام من قبل أن الله سبحانه سيهلكهم بالغرق وينجيه ومن معه بشيء يصنعه بأمره تعالى من شأنه كيت وكيت واسمه كذا ، والباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل ، والأعين حقيقة في الجارحة وهي جارية مجرى التمثيل كأن لله سبحانه أعيناً تكلؤه من تعدى الكفرة ومن الزيغ في الصنعة ، والجمع للمبالغة ، وقد انسلخ عنه لإضافته على ما قيل . معنى القلة وأريد به الكثرة ، وحينئذ يقوي أمر المبالغة ، وزعم بعضهم أن الأعين بمعنى الرقباء وأن في ذلك ما هو من أبلغ أنواع التجريد ، وذلك أنهم ينتزعون من نفس الشيء آخر مثله في صفته مبالغة بكمالها كما أنشد أبو علي
: أفات بنو مروان ظلماً دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
وقد جرد ههنا من ذات المهيمن جماعة الرقباء وهو سبحانه الرقيب نفسه ، وقيل : إن ملابسة العين كناية عن الحفظ وملابسة الأعين لمكان الجمع كناية عن كمال الحفظ والبمالغة فيه ، ونظير ذلك بسط اليد وبسط اليدين ، فإن الأول كناية عن الجود والثاني عن المبالغة فيه ، وجوز أن يكون المراد الحفظ الكامل على طريقة المجاز المرسل لما أن الحفظ من لوازم الجارحة ، وقيل : المراد من أعيننا ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على مواضع حفظك ومعونتك ، والجمع حينئذ على حقيقته لا للمبالغة ، ويفهم من صنيع بعضهم أن هذا من المتشابه ، والكلام فيه شهير ، ففي الدر المنثور عند الكلام على هذه الآية . أخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة قال : ما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية ، وقرأ أبو طلحة بن مصرف بأعينا بالادغام { وَوَحْيِنَا } إليك كيف تصنعها وتعليمنا ، أخرج إسحق بن بشر . وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله تعالى إليه أن اجعل رأسها كرأس الديك . وجؤجؤها كجؤجؤ الطير . وذنبها كذنب الديك ، واجعل لها أبواباً في جنبها وشدها بدسر وأمره أن يطليها بالقار ولم يكن في الأرض قار ففجر الله تعالى له عين القار حيث ينحتها يغلي غلياناً حتى طلاها الخبر ، وفيه أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام فعلمه صنعتها ، وقيل : كانت الملائكة عليهم السلام تعلمه .
/ { وَلاَ * تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ } أي لا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل : ولا تدعني فيهم ، وحيث كان فيه ما يلوح بما يستتبعه أكد التعليل فقيل : { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } أي محكوم عليهم بالاغراق؛ وقد جرى به القضاء وجف القلم فلا سبيل إلى كفه ، والظاهر أن المراد من الموصول من لم يؤمن من قومه مطلقاً ، قيل : المراد واعلة زوجته . وكنعان ابنه . وليس بشيء .

(8/230)


وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38)

{ وَيَصْنَعُ الفلك } حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة .
وقيل : تقديره ، وأخذ أو أقبل يصنع الفلك ، وكانت على ما روي عن قتادة . وعكرمة . والكلبي من خشب الساج وقد غرسه بنفسه ولم يقطعه حتى صار طوله أربعمائة ذراه والذراع إلى المنكب في أربعين سنة على ما روس عن سليمان الفراسي ، وقيل : أبقاه عشرين سنة ، وقيل : مكث مائة سنة يغرس ويقطع وييبس ، وقال عمرو بن الحرث : لم يغرسه بل قطعه من جبل لبنان .
وعن ابن عباس أنها كانت من خشب الشمشاد وقطعه من جبل لبنان ، وقيل : إنه ورد في التوراة أنها كانت من الصنوبر ، وروي أنه كان سام . وحام . ويافث ينحتون معه ، وفي روياية أنه عليه السلام كان معه أيضاً أناس استأجرهم ينحتون ، وذكر أن طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون وارتفاعها في السماء ثلاثون .
وأخرج ابن جرير . وغيره عن الحسن قال : كان طولها ألف ذراع ومائتي وعرضها ستمائة ذراع وصنع لها باباً في وسطها ، وأتم صنعها على ما روي عن مجاهد في ثلاث سنين .
وعن كعب الأحبار في أربعين سنة ، وقيل : في ستين ، وقيل : في مائة سنة ، وقيل : في أربعمائة سنة ، واختلف في أنه في أي موضع صنعها ، فقيل : في الكوفة ، وقيل : في الهند ، وقيل : في أرض الجزيرة ، وقيل : فى أرض الشام ، وسفينة الأخبار في تحقيق الحال فيما أرى لا تصلح للركوب فيها إذ هي غير سالمة عن عيب ، فالحرى بحال من لا يميل إلى الفضول أن يؤمن بأنه عليه السلام صنع الفلك حسبما قص الله تعالى في كتابه ولا يخوض في مقدار طولها وعرضها وارتفاعها ومن أي خشب صنعها وبكم مدة أتم علمها إلى غير ذلك مما لم يشرحه الكتاب ولم تبينه السنة الصحيحة ، وهذا وفي التعبير بيصنع على ما قيل : ملاءمة للاستمرار المفهوم من الجملة الواقعة حالا من ضميره أعني قوله تعالى : { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } أي استهزأوا به لعمله السفينة إما لأنهم ما كانوا يعرفونها ولا كيفية استعمالها فتعجبوا من ذلك وسخروا منه ، ويشهد لعدم معرفتهم ما روي عن ابن عباس أنه عليه السلام حين قال الله تعالى له : { اصنع الفلك } [ هود : 37 ] قال : يا رب وما الفلك؟ قال : بيت من خشب يجري على وجه الماء قال يا رب : وأين الماء؟ قال : إني على ما أشاء قدير ، وإما لأنه عليه السلام كان يصنعها في برية بعيدة عن الماء وكانوا يتضاحكون ، ويقولون : يا نوح صرت نجاراً بعد ما كنت نبياً ، وهذا مبني على أن السفينة كانت معروفة بينهم ، ويشهد له ما أخرجه ابن جرير . والحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان نوح قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعل يعملها سفينة فيرونه ويسألونه فيقول اعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون : تعمل سفينة في البر وكيف تجري؟ فيقول : سوف تعلمون الحديث والأكثرون كما قال ابن عطية على أنهم لم يكونوا رأوا سفينة قط ولا كانت إذ ذاك ، وقد ذكر في كتب الأوليات أن نوحاً عليه السلام أو من عمل السفينة ، والحق أنه لا قطع بذلك ، و كل منصوب على الظرفية و { مَا } مصدرية وقتية أي كل وقت مرور ، والعامل فيه جوابه وهو { سَخِرُواْ } وقوله سبحانه :
{ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } استئناف بياني كأن سائلاً سأل فقال : فما صنع نوح عليه السلام عند بلوغهم منه هذا المبلغ؟ فقيل : قال : { إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا } لهذا العمل مباشرة أسباب الخلاص من العذاب { فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } لما أنتم فيه من الأعراض عن استدفاعه بالإيمان والطاعة ومن الاستمرار على الكفر والمعاصي ، والتعرض لأسباب حلول سخط الله تعالى التي من جملتها سخريتكم منا واستهزاؤكم بنا ، وإطلاق السخرية عليهم حقيقة ، وعليه عليه السلام للمشاكلة لأنها لا تليق بالأنبياء عليهم السلام ، وفسرها بعضهم بالاستجهال؛ وهو مجاز لأنه سبب للسخرية ، فأطلقت السخرية وأريد سببها .

(8/231)


وقيل : إنها منه عليه السلام لما كانت لجزائهم من جنس صنيعهم لم تقبح فلا حاجة لارتكاب خلاف الظاهر ، وجمع الضمير في { مِنَّا } إما لأن سخريتهم منه عليه السلام سخرية من المؤمنين أيضاً أو لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضاً إلا أنه اكتفى بذكر سخريتهم منه عليه السلام ولذلك تعرض الجميع للمجازاة في قوله : { نَسْخَرُ مِنكُمْ } فتكافأ الكلام من الجانبين ، والتشبيه في قوله سبحانه : { كَمَا تَسْخَرُونَ } إما في مجرد التحقق والوقوع ، وإما في التجدد والتكرر حسبما صدر عن ملأ بعد ملأ ، وقيل : لا مانع من أن يراد الظاهر ولا ضرر في ذلك لحديث الجزاء ، ومن هنا قال بعضهم : إن في الآية دليلاً على جواز مقابلة نحو الجاهل والأحمق بمثل فعله ويشهد له قوله تعالى : { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى } [ البقرة : 194 ] { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [ النحل : 126 ] إلى غير ذلك ، والظاهر أن كلا الفعلين واقع في الحال .
وقال ابن جريج : المعنى { إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا } في الدنيا { فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } في الآخرة ، وقيل : في الدنيا عند الفرق . وفي الآخرة عند الحرق ، قال الطبرسي : إن المراد من نسخر منكم على هذا نجازيكم على سخريتكم أو نشمت بكم عند غرقكم وحرقكم ، وفيه خفاء ، هذا وجوز أن يكون عامل { كُلَّمَا } قال ، وهو الجواب ، وجملة { سَخِرُواْ } صفة لملأ أو بدل من { مَرَّ } بدل اشتمال ون مرورهم للسخرية فلا يضركون السخرية ليست بمعنى المرور ولا نوعاً منه ، وأبو حيان جعل ذلك مبعداً للبدلية وليس بذلك ، ويلزم على هذا التجويز استمرار هذا القول منه عليه السلام وهو ظاهر ، وعلى الاعراب قيل : لا استمرار وإنما أجابهم به في بعض المرات ، ورجح بأن المقصود بيان تناهيهم في إيذائه عليه السلام وتحمله لأذيتهم لا مسارعته عليه السلام إلى الجواب { كُلَّمَا } وقع منهم ما يؤذيه من الكلام ، وقد يقال : إن في ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام بعد أن يئس من إيمانهم لم يبال باغضابهم ولذا هددهم التهديد البليغ
[ بم بقوله :

(8/232)