صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)

والسابقون الاولون مِنَ المهاجرين } بيان لفضائل أشراف المسلمين إثر بيان طائفة منهم ، والمراد بهم كما روي عن سعيد . وقتادة . وابن سيرين . وجماعة الذين صلوا إلى القبلتين ، وقال عطاء بن رباح : هم أهل بدر ، وقال الشعبي : هم أهل بيعة الرضوان وكانت بالحديبية ، وقيل : هم الذين أسلموا قبل الهجرة { والانصار } أهل بيعة العقبة الأولى وكانت في سنة إحدى عشرة من البعة وكانوا على ما في بعض الروايات سبعة نفر وأهل بيعة العقبة الثانية وكانت في سنة اثنتي عشرة وكانوا سبعين رجلاً وامرأتين . والذين أسلموا حين جاءهم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وكان قد أرسله عليه الصلاة والسلام مع أهل العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } أي متلبسين به ، والمراد كل خصلة حسنة ، وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن { مِنْ } تبعيضة أو الذين أتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة فالمراد بالسابقين جميع المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم ، ومعنى كونهم سابقين أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمون وكثير من الناس ذهب إلى هذا . روي عن حميد بن زياد أنه قال : قلت : يوماً لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان بينهم من الفتن فقال لي : إن الله تعالى قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم فقلت له : في أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال : سبحان الله الا تقرأ قوله تعالى : { والسابقون الاولون } الآية فتعلم أنه تعالى أوجب لجيمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطاً قلت : وما ذلك الشرط؟ قال : شرط عليهم أن يتبعوهم باحسان وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدوا بهم في غير ذلك أو يقال : هو أن يتبعوهم بإحسان في القول وان لا يقولوا فيهم سوءاً وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه ، قال حميد بن زياد : فكأني ما قرأت هذه الآية قط ، وعلى هذا تكون الآية متضمنة من فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما لم تتضمنه على التقدير الأول .
واعترض القطب على التفاسير السابقة للسابقين من المهاجرين بأن الصلاة إلى القبلتين وشهود بدر وبيعة الرضوان مشتركة بين المهاجرين والأنصار . وأجيب بأن مراد من فسر تعيين سبقهم لصحبتهم ومهاجرتهم له صلى الله عليه وسلم على من عداهم من ذلك القبيل . واختار الإمام أن المراد بالسابقين من المهاجرين السابقون في الهجرة ومن السابقين من الأنصار السابقون في النصرة وادعى أن ذلك هو الصحيح عنده ، واستد عليه بأنه سبحانه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيما ذا فبقى اللفظ مجملاً إلا أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً علم أن المراد من السبق السبق في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ ، وأيضاً كل واحدة من الهجرة والنصرة لكونه فعلاً شاقاً على النفس طاعة عظيمة فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره الشريف عليه الصلاة والسلام فلذلك أثني الله تعالى على كل من كان سابقاً إليهما وأثبت لهم ما أثبت ، وكيف لا وهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف فقوى الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين بإسلامهم وقوى قلبه صلى الله عليه وسلم بسبب دخولهم في الإسلام واقتداء غيرهم بهم فكان حالهم في ذلك كحال من سن سنه حسنة؛ وفي الخبر «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ولا يخفى أنه حسن .

(7/342)


ويجوز عندي أن يراد بالسابقين الذين سبقوا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر واتخاذ ما ينفقون قربات والقرينة على ذلك ظاهرة ، وأياماً كان فالسابقون مبتدأ خبره قوله تعالى : { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } أي بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم { وَرَضُواْ عَنْهُ } بما نالوه من النعم الجليلة الشأن . وجوز أبو البقاء أن يكون الخبر { الاولون } أو { مِنَ المهاجرين } وأن يكون { السابقون } معطوفاً على { مَن يُؤْمِنُ } [ التوبة : 99 ] أي ومنهم السابقون وما ذكرناه أظهر الوجوه . وعن عمر رضي الله تعالى عنه انه قرأ { والانصار } بالرفع على أنه معطوف على السابقون .
وأخرج أبو عبيدة . وابن جرير . وابن المنذر . وغيرهم عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقرأ بأسقاط الواو من { والذين اتبعوهم } فيكون الموصول صفة الأنصار جنى قال له زيد : إنه بالواو فقال ائتوني بأبي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال : هي بالواو فتابعه . وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة . ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ { والذين } بالواو فقال : من أقرأك هذه؟ فقال : أبي فأخذ به إليه فقال : يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هكذا قال أبي : صدق وقد تلقنتها كذلك من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : أنت تلقنتها كذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم فأعاد عليه فقال في الثالثة وهو غضبان : نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه السلام وأنزلها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه فخرج عمر رافعاً يديه وهو يقول الله أكبر الله أكبر .
وفي رواية أخرجها أبو اأبي شيخ أيضاً عن محمد بن كعب أن أبياً رضي الله تعالى عنه : تصديق هذه الآية في أول الجمعة

(7/343)


{ وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ } [ الجمعة : 3 ] وفي أوسط الحشر { والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } [ الحشر : 10 ] وفي آخر الأنفال { والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ } [ الأنفال : 75 ] الخ ، ومراده رضي الله تعالى عنه أن هذه الآيات تدل على أن التابعين غير الأنصار ، وفيها أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا وأراد اختصاص السبق بالمهاجرين ، وظاهر تقديم المهاجرين على الأنصار مشعر بأنهم أفضل منهم وهو الذي يدل عليه قصة السقيفة ، وقد جاء في فضل الأنصار ما لا يحصى من الأخبار . ومن ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار " .
وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله تعالى بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم فغضب الأنصار فأتاهم فقال : «يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتألفهم على الإسلام لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم وقد أدخل الله تعالى قلوبهم الإسلام ثم قال : يا معشر الإسلام ألم يمن الله تعالى عليكم بالإيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله تعالى وأنصار روسله عليه الصلاة والسلام ولولا الهجرة لكنت أمرءاً من الأنصار ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم البعير والشاء وتذهبون برسول الله؟ فقالوا : رضينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أجيبوني فيما قلت . قالوا : يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور ، وجدتنا على شفا حفرة من النار فانقذنا الله بك ، وجدتنا ضلالاً فهدانا الله تعالى بك فرضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، فقال عليه الصلاة والسلام : لو اجببتموني بغير هذا القول لقلت : صدقتم لو قلتم ألم تأتنا طريدا فآويناك؟ ومكذبا فصدقناك؟ ومخذولا فنصرناك وقبلنا ما رد الناس عليك لصدقتم ، قالوا : بل لله تعالى ولرسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا " فانظر كيف قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف أجابوه رضي الله تعالى عنهم { وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا * الانهار } أي هيأ لهم ذلك في الآخرة . وقرأ ابن كثير { مِن تَحْتِهَا } وأكثر ما جاء في القرآن موافق لهذه القراءة { خالدين فِيهَا أَبَداً } من غير انتهاء { ذلك الفوز العظيم } أي الذي لا فوز وراءه ، وما في ذلك من معنى البعد قيل لبيان بعد منزلتهم في الفضل وعظم الدرجة من مؤمني الأعراب ، ولا يخفى أن هذا لا يكاد يصح إلا بتكلف ما إذا أريد من الذين اتبعوهم صنف آخر غير الصحابة لأن الظاهر أن مؤمني الأعراب صحابة ولا يفضل غير صحابي صحابياً كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " وقوله صلى الله عليه وسلم : " أمتى كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره " من باب المبالغة .

(7/344)


وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الاعراب } شروع في بيان منافقي أهل المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيان حال أهل البادية منهم أي وممن حول بلدكم { منافقون } والمراد بالموصول كما أخرج ابن المنذر عن عكرمة : جهينة . ومزينة . وأشجع . وأسلم . وغفار؛ وكانت منازلهم حول المدينة ، وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين كالبغوي . والواحدي . وابن الجوزي . وغيرهم . واستشكل ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم مدح هذه القبائل ودعا لبعضها . فقد أخرج الشيخان . وغيرهما عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « قريش . والأنصار . وجهينة . ومزينة . واشجع . وأسلم . وغفار موالي الله تعالى ورسوله لا موالي لهم غيره » ، وجاء عنه أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال : « اسلم سالمها الله تعالى وغفار غفر الله لها أما إني لم أقلها لكن قالها الله تعالى » وأجيب بأن ذلك باعتبار الأغلب منهم { وَمِنْ أَهْلِ المدينة } عطف على { مِمَّنْ * حَوْلَكُم } فيكون كالمعطوف عليه خبراً عن المنافقون كأنه قيل : المنافقون من قوم حولكم ومن أهل المدينة ، وهو من عطف مفرد على مفلد ويكون قوله سبحانه : { مَرَدُواْ عَلَى النفاق } جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مسوقة لبيان غلوهم في النفاق إثر بيان اتصافهم به أو صفة لمنافقون ، واستبعده أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة وموصوفها ، وجوز أن يكون { مّنْ أَهْلِ * المدينة } خبر مقدم والمبتدأ بعده محذوف قامت صفته مقامه والتقدير ومن أهل المدينة قوم مردوا ، وحذف الموصوف وإقامة صفته مقامه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه مقيس شائع نحو منا أقام ومنا ظعن ، وفي غير ذلك ضرورة أو نادر ، ومنه قول سحيم
: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
على أحد التأويلات فيه ، وأصل المرود على ما ذكره علي بن عيسى الملاسة ومنه صرح ممرد ، والأمرد الذي لا شعر على وجهه ، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئاً ، وقال ابن عرفة : أصله الظهور ومنه قولهم : شجرة مرداء إذا تساقط ورقها وأظهرت عيدانها ، وفي القاموس مرد كنصر وكرم مرودا ومرودة ومرادة فهو ما رد ومريد ومتمرد أقدم وعتا أو هو أن يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف ، وفسروه بالاعتياد والتدرب في الأمر حتى يصير ما هرا فيه وهو قريب مما ذكره في القاموس من بلوغ الغاية ، ولا يكاد يستعمل إلا في الشر .
وهو على الوجهين الأولين شامل للفريقين حسب شمول النفاق وعلى الوجه الأخير خاص بمنافقي أهل المدينة واستظهر ذلك ، وقيل : إنه الأنسب بذكر منافقي أهل البادية أولا ثم ذكر منافقي الاعراب المجاورين ثم ذكر منافقي أهل المدينة ويبقى على هذا أنه لم يبين مرتبة المجاورين في النفاق بخلافه على تقدير شموله للفريقين؛ ثم لا يخفى أن التمرد على النفاق إذا اقتضى الأشدية فيه أشكل عليه تفسيرهم المفضل في قوله سبحانه :

(7/345)


{ الاعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } [ التوبة : 97 ] بأهل الحضر ، ولعل المراد تفضيل المجموع على المجموع أو يلتزم عدم الاقتضاء .
وقوله تعالى : { لاَ تَعْلَمُهُمْ } بيان لتمردهم أي لا تعرفهم أنت بعنوان نفاقهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوق في مراعاة التقية والتحامي عن مواقع التهم إلى حيث يخفى عليك مع كمال فطنتك وصدق فراستك حالهم ، وفي تعليق نفي العلم بهم مع أنه متعلق بحالهم مبالغة في ذلك وإيماء إلى أن ما هم عليه من صفة النفاق لعراقتهم ورسوخهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتهم أو مشخصاتهم بحيث لا يعد من لا يعرفهم بتلك الصفة عالماً بهم ، ولا حاجة في هذا المعنى إلى حمل العلم على المتعدي لمفولين وتقدير المفعول الثاني أي لا تعلمهم منافقين ، وقيل : المراد لا تعرفهم بأعيانهم وإن عرفتهم إجمالاً ، وما ذكرناه لما فيه من المبالغة ما فيه أولى وحاصله لا تعرف نفاقهم { نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } أي نعرفهم بذلك العنوان وإسناد العلم بمعنى المعرفة إليه تعالى مما لا ينبغي أن يتوقف فيه وإن وهم فيه من وهم لا سيما إذا خرج ذلك مخرج المشاكلة ، وقد فسر العلم هنا بالمعرفة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه عند أبو الشيخ . نعم لا يمتنع حمله على معناه المتبادر كما لا يمتنع حمله على ذلك فيما تقدم لكنه محوج إلى التقدير وعدم التقدير أولى من التقدير .
والجملة تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق أي لا يقف على سرائرهم المركوز فيهم إلا من لا تخفى عليه خافية لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطال الكفر وإظهار الإخلاص ، وأمر تعليق العلم هنا كؤمر تعليق نفيه فيما مر . واستدل بالآية على أنه لا ينبغي الإقدام على دعوى الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها . وقد أخرج عبد الرزاق . وابن المنذر وغيرهما عن قتادة أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون . فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه نبي قال نوع عليه السلام و { مَا * عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الشعراء : 112 ] وقال شعيب عليه السلام : { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } [ هود : 86 ] وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل في الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب وتجرد النفس عن الشواغل وبعضهم يتساهلون في هذا الباب جدا { سَنُعَذّبُهُم } ولا بد لتحقيق المقتضى فيهم عادة { مَّرَّتَيْنِ } أخرج ابن أبي حاتم .

(7/346)


والطبراني في الأوسط . وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيباً فقال قم يا فلان فأخرج فإنك منافق أخرج يا فلان فإنك منافق فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم ولم يك عمر بن الخطاب شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له فلقيهم وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم منه وظنوا أنه قد علم بأمرهم فدخل المسجد فإذا الناس لم ينصرفوا فقال له رجل : أبشر يا عمر فقد فضح الله تعالى المنافقين اليوم فهذا العذاب الأول والعذاب الثاني عذاب القبر» . وفي رواية ابن مردويه عن ابن مسعود الأنصاري أنه صلى الله عليه وسلم أقام في ذلك اليوم وهو على المنبر ستة وثلاثين رجلاً .
وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه فسر العذاب مرتين بالجوع والقتل ، ولعل المراد به خوفه وتوقعه ، وقيل : هو فرضى إذا أظهروا النفاق وفي رواية أخرى عنه أنهم عذبوا بالجوع مرتين ، وعن الحسن أن العذاب الأول أحذ الزكاة والثاني عذاب القبر . وعن ابن إسحق أن الأول غيظهم من أهل الإسلام والثاني عذاب القبر ، ولعل تكرير عذابهم لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه .
وجوز أن يراد بالمرتين التكثير كما في قوله تعالى : { فارجع البصر * كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] لقوله سبحانه : { أَوْ لاَ * يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة : 126 ] { ثُمَّ يُرَدُّونَ } يوم القيامة الكبرى { إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } هو عذاب النار ، وتغيير الأسلوب على ما قيل بإسناد عذابهم السابق إلى نون العظمة حسب أسناد ما قبله من العلم وإسناد ردهم إلى العذاب اللاحق إلى أنفسهم إيذان باختلافهما حالاً وإن الأول خاص بهم وقوعاً وزماناً يتولاه الله سبحانه وتعالى؛ والثاني شامل لعامة الكفرة وقوعاً وزماناً وإن اختلفت طبقات عذابهم ، ولا يخفى أنه إذا فسر العذاب العظيم بعذاب الدرك الأسفل من النار لم يكن شاملاً لعامة الكفرة نعم هو شامل لعامة المنافقين فقط ، وقد يقال : إن في بناء { يُرَدُّونَ } لما لم يسم فاعله من التعظيم ما فيه فيناسب العذاب العظيم فلذا غير السبك إليه والله تعالى أعلم .

(7/347)


وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)

وَءاخَرُونَ } بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين ولم يكونوا منافقين على الصحيح . وقيل : هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم . قيل : وهو مبتدأ خبره جملة { خَلَطُواْ } وهي حال بتقدير قد والخبر جملة { عَسَى الله } الخ ، والمحققون على أنه معطوف على { منافقون } [ التوبة : 101 ] أي ومنهم يعني ممن حولكم أو من أهل المدينة قوم آخرون { اعترفوا } أي أقروا عن معرفة { بِذُنُوبِهِمْ } التي هي تخلفهم عن الغزو وإيثار الدعة عليه والرضا بسوء جوار المنافقين ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة المؤكدة بالإيمان الفاجرة وكانوا على ما أخرج البيهقي في الدلائل . وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عشرة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حشر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد وكان ممر النبي عليه الصلاة والسلام إذا رجع في المسجد عليهم فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله وقد أقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أقسم بالله تعالى لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم فأنزل الله تعالى الآية فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهم فأطلقهم وعذرهم .
وفي رواية أخرى عنه أنهم كانوا ثلاثة ، وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد أنهم كانوا ثمانية ، وروي أنهم كانوا خمسة ، والروايات متفقة على أن أبا لبابة بن عبد المنذر منهم { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا } خروجاً إلى الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَءاخَرَ سَيّئاً } تخلفاً عنه عليه الصلاة والسلام روي هذا عن الحسن . والسدى ، وعن الكلبي أن الأول التوبة والثاني الاثم ، وقيل : العمل الصالح يعم جميع البر والطاعة والسيء ما كان ضده ، والخلط المزج وهو يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به والأول هنا هو الأول والثاني هو الثاني عند بعض ، والواو بمعنى الباء كما نقل عن سيبويه في قولهم : بعت الشاء شاة ودرهما ، وهو منا باب الاستعارة لأن الباء للالصاق والواو وللجمع وهما من واد واحد ، ونقل شارح اللبان عن ابن الحاجب إن أصل المثال بعت الشاة بدرهم أي مع درهم ثم كثر ذلك فأبدلوا من باء المصاحبة واواً فوجب أن يعرب ما بعدها بإعراب ما قبلها كما في قولهم : كل رجل وضيعته ، ولا يخفى ما فيه من التكلف . وذكر الزمخشري أن كل واحد من المتعاطفين مخلوط ومخلوط به لأن المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر كقولك : خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه ، وفيه ما ليس في قولك : خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به وإذا قلته بالواو وجعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت خلطت الماء باللبن واللبن بالماء ، وحاصله أن المخلوط به في كل واحد من الخلطين هو المخلوط في الآخر لأن الخلط لما اقتضى مخلوطاً به فهو إما الآخر أو غيره والثاني منتف بالأصل والقرينة لدلالة سياق الكلام إذا قيل : خلطت هذا وذاك على أن كلا منهما مخلوط ومخلوط به وهو أبلغ من أن يقال خلطت أحدهما بالآخر إذ فيه خلط واحد وفي الواو خلطان .

(7/348)


واعترض بأن خلط أحدهما بالآخر يستلزم خلط الآخر به ففي كل من الواو والباء خلطان فلا فرق ، وأجيب بأن الواو تفيد الخلطين صريحاً بخلاف الباء فالفرق متحقق ، وفيه تسليم حديث الاستلزام ولا يخفى أن فيه خلطاً حيث لم يفرق فيه بين الخلط والاختلاط ، والحق أن اختلاط أحد الشيئين بالآخر مستلزم لاختلاط الآخر به وأما خلط أحدهما بالآخر فلا يستلزم خلط الآخر به لأن خلط الماء باللبن مثلاً معناه أن يقصد الماء أو لا يجعل مخلوطاً باللبن وظاهر أنه لا يستلزم أن يقصد اللبن أولا بل ينافيه ، فعلى هذا معنى خلط العمل الصالح بالسيء أنهم أتوا أولاً بالصالح ثم استعقبوه سيئاً ومعنى خلط السيء بالصالح أنهم أتوا أولا بالسيء ثم أردفوه بالصالح ، وإلى هذا يشير كلام السكاكي حيث جعل تقدير الآية خلطوا عملاً صالحاً بسيء وآخر سيئاً بصالح أي تارة أطاعوا واحبطوا الطاعة بكبيرة وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة وهو ظاهر في أن العمل الصالح والسيء في أحد الخلطين غيرهما في الخلط الآخر ، وكلام الزمخشري ظاهر في اتحادهما وفيه ما فيه ، ولذلك رجح ما ذهب إليه السكاكي لكن ما ذكره من الإحباط ميل إلى مذهب المعتزلة ، وادعى بعضهم أن ما في الآية نوع من البديع يسمى الاحتباك والأصل خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيء وخلطوا آخر سيئاً بعمل صالح ، هو خلاف الظاهر .
واستظهر ابن المنير كون الخلط مضمناً معنى العمل والعدول عن الباء لذلك كأنه قيل : عملوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، وأنا اختار أن الخلط بمعنى الجمع هنا وإذا اعتبر السياق وسبب النزول يكون المراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب من التخلف عن الغزو وما معه من السيء تلك الذنوب أنفسها ويكون المقصود بالجمع المتوجه إليه أولاً بالضم هو الاعتراف ، والتعبير عن ذلك بالخلط للاشارة إلى وقوع ذلك الاعتراف على الوجه الكامل حتى كأنه تخلل الذنوب وغير صفتها ، وإذا لم يعتبر سبب النزول يجوز أن يراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب مطلقاً ومن السيء الذنوب كذلك وتمام الكلام بحاله ، ويجوز أن يراد من العمل الصالح والسيء ما صدر من الأعمال الحسنة والسيئة مطلقاً ، ولعل المتوجه إليه أولى على هذا أيضاً ليجمع العمل الصالح إذ بضمه يفتح باب الخير ، ففي الخبر «أتبع السيئة بالحسنة تمحها» ، وقد حمل بعضهم الحسنة فيه على مطلقها ، وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس قال : لقي الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يوماً حبيب بن مسلمة فقال : يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله تعالى فقال : أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك قال : بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة فلئن قام بك في دنياك فلقد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شراً فعلت خيراً كان ذلك كما قال الله تعالى : { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } ولكنك كما قال الله تعالى :

(7/349)


{ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [ المطففين : 14 ] والتعبير بالخلط حينئذ يمكن أن يكون لما في ذلك من التغيير أيضاً ، وربما يراد بالخلط مطلق الجمع من غير اعتبار أولية في البين والتعبير بالخلط لعله لمجرد الإيذان بالتخلل فإن الجمع لا يقتضيه ، ويشعر بهذا الحمل ما أخرجه أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال : إني لأستلقي من الليل على فراشي وأتدبر القرآن فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون } [ الذاريات : 17 ] { يبيتون لربهم سجداً وقياماً } [ الفرقان : 64 ] { أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً } [ الزمر : 9 ] فلا أراني منهم فأعرض نفسي على هذه الآية { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين } إلى قوله سبحانه : { نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدين } [ المدثر : 42-46 ] فأرى القوم مكذبين فلا أراني فيهم فأمر بهذه الآية { وَءاخَرُونَ * الله بِذُنُوبِهِمْ } الخ وأرجو أن أكون أنا وأنتم يا اخوتاه منهم ، وكذا ما أخرجاه وغيرهما عن أبي عثمان النهدي قال : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله سبحانه : { وَءاخَرُونَ } الخ والظاهر أنه لم يفهم منها صدور التوبة من هؤلاء الآخرين بل ثبت لهم الحكم المفهوم من قوله سبحانه : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } مطلقاً وإلا فهي وكثير من الآيات التي في هذا الباب سواء وأرجى منها عندي قوله تعالى : { قُلْ ياأهل * عِبَادِى * الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] والمشهور أن الآية يفهم منها ذلك لأن التوبة من الله سبحانه بمعنى قبول التوبة وهو يقتضي صدورها عنهم فكأنه قيل : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتابوا عسى الخ .
وجعل غير واحد الاعتراف دالا على التوبة ولعل ذلك لما بينهما من اللزوم عرفا ، وقال الشهاب : لأنه توبة إذا اقترن بالندم والعزم على عدم العود ، وفيه أن هذا قول بالعموم والخصوص وقد ذكروا أن العام لا يدل على الخاص بإحدى الدلالات الثلاث ، وكلمة { عَسَى } للإطماع وهو من أكرم الأكرمين إيجاب وأي إيجاب ، وقوله تعالى : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تعليل لما أفادته من وجوب القبول ، وليس هو الوجوب الذي يقول المعتزلة كما لا يخفى أي إنه تعالى كثير المغفرة والرحمة يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه .

(7/350)


خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)

خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } أخرج غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم لما أطلقوا انطلقوا فجاؤا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال عليه الصلاة والسلام : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزلت الآية فأخذ صلى الله عليه وسلم منها الثلث كما جاء في بعض الروايات ، فليس المراد من الصدقة الصدقة المفروضة أعني الزكاة لكونها مأموراً بها وإنما هي على ما قيل كفارة لذنوبهم حسبما ينبىء عنه قوله عز وجل : { تُطَهّرُهُمْ } أي عما تطلخوا به من أوضار التخلف . وعن الجبائي أن المراد بها الزكاة وأمر صلى الله عليه وسلم بأخذها هنا دفعا لتوهم الحاقهم ببعض المنافقين فإنها لم تكن تقبل منه كما علمت وأمر التطهير سهل ، وأياماً كان فضمير أموالهم لهؤلاء المعترفين ، وقيل : إنه على الثاني راجع لأرباب الأموال مطلقاً ، وجمع الأموال للإشارة إلى أن الأخذ من سائر أجناس المال ، والجار والمجرور متعلق بخذ ويجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالا من { صَدَقَةٍ } والتاء في { تُطَهّرُهُمْ } للخطاب . وقرىء بالجزم على أنه جواب الأمر والرفع على أن الجملة حال من فاعل { خُذِ } أو صفة لصدقة بتقدير بها لدلالة ما بعده عليه أو مستأنفة كما قال أبو البقاء ، وجوز على احتمال الوصفية أن تكون التاء للغيبة وضمير المؤنث للصدقة فلا حاجة بنا إلى بها . وقرىء تطهرهم من أطهره بمعنى طهره { وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } بإثبات الياء وهو خبر مبتدأ محذوف والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه وقيل استئناف أي وأنت تزكيهم بها أي تنمي بتلك الصدقة حسناتهم وأموالهم أو تبالغ في تطهيرهم ، وكون المراد ترفع منازلهم من منازل المنافقين إلى منازل الإبرار المخلصين ظاهر في أن القوم كانوا منافقين والمصحح خلافه ، هذا على قراءة الجزم { فِى * تُطَهّرُهُمْ } وأما على قراءة الرفع فتزكيهم عطف عليه ، وظاهر ما في الكشاف يدل على أن التاء هنا للخطاب لا غير لقوله سبحانه : { بِهَا } والحمل على أن الصدقة تزكيهم بنفسها بعيد عن فصاحة التزيل . وقرأ مسلمة بن محارب { *تزكهم } بدون الياء { بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ } أي ادع لهم واستغفر ، وعدى الفعل بعلي لما فيه من معنى العطف لأنه من الصلوين ، وإرادة المعنى اللغوي هنا هو المتبادر ، والحمل على صلاة الميت بعيد وان روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ولذا استدل بالآية على استحباب الدعاء لمن يتصدق ، واستحب الشافعي في صفته أن يقول للمتصدق آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت . وقال بعضهم : يجب على الإمام الدعاء إذا أخذ ، وقيل : يجب في صدقة الفرض ويستجب في صدقة التطوع ، وقيل : يجب على الإمام ويستحب للفقير والحق الاستحباب مطلقاً { ءانٍ * صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ } تعليل للأمر بالصلاة ، والسكن السكون وما تسكن النفس إليه من الأهل والوطن مثلا وعلى الأول جعل الصلاة نفس السكن ، والاطمئنان مبالغة وعلى الثاني يكون المراد تشبيه صلاة عليه الصلاة والسلام في الالتجاء إليها بالسكن والأول أولى أي إن دعاءك تسكن نفوسهم إليه وتطمئن قلوبهم به إلى الغاية ويثقون بأنه سبحانه قبلهم .

(7/351)


وقرأ غير واحد من السبعة { صلواتك } بالجمع مراعاة لتعدد المدعو لهم { والله سَمِيعٌ } يسمع الاعتراف بالذنب والتوبة والدعاء { عَلِيمٌ } بما في الضمائر من الندم والغم لما فرط وبالإخلاص في التوبة والدعاء أو سميع يجيب دعاءك لهم عليم بما تقتضيه الحكمة ، والجملة حينئذ تذييل للتعليل مقرر لمضمونه وعلى الأول تذييل لما سبق من الآيتين محقق لما فيهما .

(7/352)


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)

{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ } الضمير إما للمتوب عليهم والمراد تمكين قبول توبتهم في قلوبهم والاعتداد بصدقاتهم وإما لغيرهم والمراد التحضيض على التوبة والصدقة والترغيب فيهما .
وقرىء { تَعْلَمُواْ } بالتاء وهو على الأول التفات وعلى الثاني بتقدير قل ، وجوز أن يكون الضمير للتائبين وغيرهم على أن يكون المقصود التمكين والتحضيض لا غير ، واختار بعضهم كونه للغير لا غير لما روي أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم فنزلت ، ويشعر صنيع الجمهور باختيار الأول وهو الذي يقتضيه سياق الآية ، والخبر لما نقف على سند له يعول عليه أي ألم يعلم هؤلاء التائبون { أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة } الصحيحة الخالصة { عَنْ عِبَادِهِ } المخلصين فيها ، وتعدية القبول بعن لتضمنه معنى التجاوز والعفو أي يقبل ذلك متجاوزاً عن ذنوبهم التي تابوا عنها ، وقيل : عن بمعنى من والضمير إما للتأكيد أوله مع التخصيص بمعنى ان الله سبحانه يقبل التوبة لا غيره أي إنه تعالى يفعل ذلك البتة لما قرر أن ضمير الفصل يفيد ذلك والخبر المضارع من مواقعه ، وجعل بعضهم التخصيص بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي أنه جل وعلا يقبل التوبة لا رسوله عليه الصلاة والسلام لأن كثرة رجوعهم إليه مظنة لتوهم ذلك ، والمراد بالعباد إما أولئك التائبون ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلية ما يشير إليه القبول وإما كافة العباد وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً { وَيَأْخُذُ الصدقات } أي يقبلها قبول من يأخذ شيئاً ليؤدي بدله فالأخذ هنا استعارة للقبول ، وجوز أن يكون إسناد الأخذ إلى الله تعالى مجازاً مرسلاً ، وقيل : نسبة الأخذ إلى الرسول في قوله سبحانه : { خُذِ } [ التوبة : 103 ] ثم نسبته إلى ذاته تعالى إشارة إلى أن أخذ الرسول عليه الصلاة والسلام قائم مقام أخذ الله تعالى تعظيماً لشأن نبيه صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] فهو على حقيقته وهو معنى حسن إلا أن في دعوى الحقيقة ما لا يخفى ، والمختار عندي أن المراد بأخذ الصدقات الاعتناء بأمرها ووقوعها عنده سبحانه موقعاً حسناً ، وفي التعبير به ما لا يخفى من الترغيب . وقد أخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة أن الله تعالى يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه وإن الرجل ليتصدق بمثل اللقمة فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله أو مهره فتربو في كف الله تعالى حتى تكون مثل أحد . وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(7/353)


" تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فيقع في يد الله عز وجل قبل أن يقع في يدل السائل ثم تلا هذه الآية " . وفي بعض الروايات ما يدل على أنه ليس هناك أخذ حقيقة ، فقد أخرج ابن المنذر . وغيره عن أبي هريرة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة طيبة من كسب طيب ولا يقبل الله تعالى إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا طيب فيضعها في حق إلا كانت كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتى ان اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم . "
وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى ألم يعلموا إن الله يقبل التوبة الآية . و { ءالَ } في الصدقات يحتمل أن تكون عوضاً عن المضاف إليه أي صدقاتهم وإن تكون للجنس أي جنس الصدقات المندرج فيه صدقاتهم اندراجاً أولياً وهو الذي يقتضيه ظاهر الأخبار { وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } تأكيد لما عطف عليه وزيادة تقرير لما يقرره مع زيادة معنى ليس فيه أي ألم يعلموا أنه سبحانه المختص المستأثر ببلوغ الغاية القصوى من قبول التوبة والرحمة وذلك شأن من شؤونه وعادة من عوائده المستمرة ، وقيل غير ذلك ، والجملتان في حيز النصب بيعلموا يسد كل واحدة منهما مسد مفعوليه .

(7/354)


وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

وَقُلِ اعملوا } ما تشاؤون من الأعمال { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } خيراً كان أو شراً ، والجملة تعليل لما قبله أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب والسين للتأكيد كما قررنا أي يرى الله تعالى البتة { وَرَسُولُهُ والمؤمنون } عطف على الاسم الجليل ، والتأخير عن المفعول للاشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت ، والمراد من رؤية العمل عند جمع الاطلاع عليه وعلمه علماً جلياً ، ونسبة ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين باعتبار أن الله تعالى لا يخفى ذلك عنهم ويطلعهم عليه أما بالوحي أو بغيره .
وأخرج أحمد . وابن أبي الدنيا في الاخلاص عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله تعالى عمله للناس كائناً ما كان» وتخصيص الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالذكر على هذا لأنهم الذين يعبأ المخاطبون باطلاعهم ، وفسر بعضهم المؤمنين بالملائكة الذين يكتبون الأعمال وليس بشيء ، ومثله بل أدهى وأمر ما زعمه بعض الأمامية إنهم الأئمة الطاهرون ورووا أن الأعمال تعرض عليهم في كل اثنين وخميس بعد أن تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم .
وجوز بعض المحققين أن يكون العلم هنا كناية عن المجازاة ويكون ذلك خاصاً بالدنيوي من إظهار المدح والاعزاز مثلاً وليس بالردىء ، وقيل : يجوز إبقاء الرؤية على ما يتبادر منها . وتعقب بأن فيه التزام القول برؤية المعاني وهو تكلف وإن كان بالنسبة إليه تعالى غير بعيد ، وأنت تعلم أن من الأعمال ما يرى عادة كالحركات ولا حاجة فيه إلى حديث الالتزام المذكور على أن ذلك الالتزام في جانب المعطوف لا يخفى ما فيه .
وأخرج ابن أبي شيبة . وغيره عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } أي فسيظهره { وَسَتُرَدُّونَ } أي بعد الموت { إلى عالم الغيب } ومنه ما سترونه من الأعمال { والشهادة } ومنها ما تظهرونه ، وفي ذكر هذا العنوان من تهويل الأمر وتربية المهابة ما لا يخفى . { فَيُنَبّئُكُمْ } بعد الرد الذي هو عبارة عن الأمر الممتد { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } قبل ذلك في الدنيا والأنباء مجاز عن المجازاة أو كناية أي يجازيكم حسب ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر ففي الآية وعد ووعيد .

(7/355)


وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)

{ وَءاخَرُونَ } عطف على { آخرون } [ التوبة : 102 ] قبله أي ومنهم قوم آخرون غير المعترفين المذكورين دمُرْجَوْنَ } أي مؤخرون وموقوف أمرهم { * } أي مؤخرون وموقوف أمرهم { لاْمْرِ الله } أي إلى أن يظهر أمر الله تعالى في شأنهم .
وقرأ أهل المدينة . والكوفة غير أبي بكر { مُرْجَوْنَ } بغير همزة والباقون { *مرجئون } بالهمز وهما لغتان يقال : أرجئته وأرجيته كأعطيته ، ويحتمل أن يكون الياء بدلاً من الهمزة كقولهم : قرأت وقريب وتوضأت وتوضيت وهو في كلامهم كثير ، وعلى كونه لغة أصلية هو يائي ، وقيل : إنه واوي ، ومن هذه المادة المرجئة احدى فرق أهل القبلة وقد جاء فيه الهمز وتركه ، وسموا بذلك لتأخيرهم المعصية عن الاعتبار في استحقاق العذاب حيث قالوا : لا عذاب مع الإيمان فلم يبق للمعصية عندهم أثر ، وفي المواقف سموا مرجئة لأنهم يرجون العمل عن النية أي يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد ، أو لأنهم يعطون الرجاء في قولهم : لا يضر مع الإيمان معصية انتهى .
وعلى التفسيرين الأولين يحتمل أن يكون بالهمز وتركه ، وأما على الثالث فينبغي أن يقال مرجئة بفتح الراء وتشديد الجيم ، والمراد بهؤلاء المرجون كما في الصحيحين هلال بن أمية . وكعب بن مالك . ومرارة بن الربيع وهو المروى عن ابن عباس وكبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ما مع الهم باللحاق به عليه الصلاة والسلام فلم يتيسر لهم ولم يكن تخلفهم عن نفاق وحاشاهم فقد كانوا من المخلصين فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان ما كان من المتخلفين قالوا : لا عذر لنا إلا الخطيئة ولم يعتذروا له صلى الله عليه وسلم ولم يفعلوا كما فعل أهل السواري وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتنابهم وشدد الأمر عليهم كما ستعلمه إن شاء الله تعالى إلى أن نزل قوله سبحانه : { لَقَدْ تَابَ الله على النبى والمهاجرين والانصار } [ التوبة : 117 ] الخ ، وقد وقف أمرهم خمسين ليلة لا يدرون ما الله تعالى فاعل بهم { إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } في موضع الحال أي منهم هؤلاء إما معذبين وإما متوبا عليهم .
وقيل : خبر { ءاخَرُونَ } على أنه مبتدأ و { مُرْجَوْنَ } صفته ، والأول أظهر ، واما للتنويع على معنى أن أمرهم دائر بين هذين الأمرين ، وقيل : للترديد بالنظر للفساد؛ والمعنى ليكن أمرهم عندكم بين الرجاء والخوف ، والمقصود تفويض ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته إذ لا يجب عليه سبحانه تعذيب العاصي ولا مغفرة التائب وإنما شدد عليهم مع إخرصهم ، والجهاد فرض كفاية لما نقل عن ابن بطال في الروض الأنف وارتضاه أن الجهاد كان على الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عليه ، ألا ترى قول راجزهم في الخندق

(7/356)


: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
وهؤلاء من أجلتهم فكان تخلفهم كبيرة ، وروي عن الحسن أن هذه الآية في المنافقين وحينئذ لا يراد بالآخرين من ذكرنا لأنهم من علمت بل يراد به آخرون منافقون ، وعلى هذا ينبغي أن يكون قول من قال في في { إِمَّا يُعَذّبُهُمْ } أي إن أصروا على النفاق . وقد علمت أن ذلك خلاف ما في الصحيحين . وحمل النفاق في كلام القائل على ما يشبهه بعيد ودعوى بلا دليل { والله عَلِيمٌ } بأحوالهم { حَكِيمٌ } فيما فعل بهم من الارجاء وفي قراءة عبد الله { غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .

(7/357)


وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)

والذين اتخذوا مَسْجِدًا } عطف على ما سبق أي ومنهم الذين ، وجوز أن يكون مبتدأ خبره { أَفَمَنْ أَسَّسَ } [ التوبة : 109 ] والعائد محذوف للعلم به أي منهم أو الخبر محذوف أي فيمن وصفنا ، وأن يكون منصوباً بمقدر كأذم وأعني .
وقرأ نافع . وابن عامر بغير واو ، وفيه الاحتمالات السابقة إلا العطف ، وأن يكون بدلاً من { ءاخَرُونَ } [ التوبة : 106 ] على التفسير المرجوح ، وقوله سبحانه : { ضِرَارًا } مفعول له وكذا ما بعده وقيل : مصدر في موضع الحال أو مفعول ثان لا تخذوا على أنه بمعنى صيروا أو مفعول مطلق لفعل مقدر أي يضارون بذلك المؤمنين ضراراً ، والضرار طلب الضرر ومحاولته ، أخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار قال لهم أبو عامر : ابنوا مسجداً واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً عليه الصلاة والسلام وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فنزلت . وأخرج ابن إسحق . وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال أتى أصحاب مسجد الضرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا ، يا رسول الله أنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الساتية وأنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال صلى الله عليه وسلم : إني على جناح سفر وحال شغل أو كما قال عليه الصلاة والسلام ولو قدمنا إن شاء الله تعالى لآتيناكم فصلينا لكم فيه فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ونزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار أتاه خبر المسجد فدعا مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف . ومعن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي أحد بلعجان فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك فقال مالك لصاحبه : أنظرني حتى أخرج لك بنار من أهلي فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فأحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل وكان البانون له اثنى عشر رجلاً : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج المسجد . وعباد بن حنيف من بني عمرو بن عوف أيضاً . وثعلبة بن حاطب . ووديعة بن ثابت وهما من بني أمية بن زيد رهط أبي لبابة بن عبد المنذر . ومعتب بن قشير . وأبو حبيبة بن الأزعر .

(7/358)


وحارثة بن عامر . وابناه مجمع . وزيد . ونبيل بن الحرث . ونجاد بن عثمان ، وبجدح من بني ضيعة . وذكر البغوي من حديث ذكره الثعلبي كما قال العراقي بدون سند «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعد حرق المسجد وهدمه أن يتخذ كناسة يلقى فيها الجيف والنتن والقمامة إهانة لأهله لما أنهم اتخذوه ضراراً { وَكُفْراً } أي وليكفروا فيه ، وقدر بعضهم التقوية أي وتقوية الكفر الذي يضمرونه ، وقيل عليه : أن الكفر يصلح علة فما الحاجة إلى التقدير . واعتذر بأنه يحتمل أن يكون ذلك لما أن اتخاذه ليس بكفر بل مقوله لما اشتمل عليه فتأمل { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين } وهم كما قال السدى أهل قباء فإنهم كانوا يصلون في مسجدهم جميعاً فأراد هؤلاء حسداً أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم { وَإِرْصَادًا } أي ترقبا وانتظاراً { لّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ } وهو أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة رضي الله تعالى عنه ، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وتنصر فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر : ما هذا الدين الذي جئت به؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الحنيفية البيضاء دين إبراهيم عليه السلام قال : فأنا عليها فقال له عليه الصلاة والسلام : إنك لست عليها فقال : بلى ولكنك أنت أدخلت فيها ما ليس منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية فقال أبو عامر : أمات الله تعالى الكاذب منا طريداً وحيداً فأمن النبي صلى الله عليه وسلم فسماه الناس أبا عامر الكذاب وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق فلما كان يوم أحد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل كذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن يومئذ ولى هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين يحثهم على بناء مسجد كما ذكرنا آنفاً عن الحبر فبنوه وبقوا منتظرين قدومه ليصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدم كما مر ومات أبو عامر وحيداً بقنسرين وبقي ما أضمروه حسرة في قلوبهم .
{ مِن قَبْلُ } متعلق بحارب أي حارب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام قبل هذا الاتخاذ أو متعلق باتخذوا أي اتخذوه من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك كما سمعت ، والمراد المبالغة في الذم { وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا } أي ما أردنا ببناء هذا المسجد { إِلاَّ الحسنى } أي إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله تعالى والتوسعة على المصلين؛ فالحسنى تأنيث الأحسن وهو في الأصل صفة الخصلة وقد وقع مفعولاً به لأردنا ، وجوز أن يكون قائماً مقام مصدر محذوف أي الإرادة الحسنى { والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون } فيما حلفوا عليه .

(7/359)


لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)

لاَ تَقُمْ } أي للصلاة { فِيهِ } أي في ذلك المسجد { أَبَدًا } وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير { لاَ تَقُمْ } بلا تصل على أن القيام مجاز عن الصلاة كما في قولهم : فلان يقوم الليل ، وفي الحديث «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له» { لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ } أي بنى أساسه { عَلَى التقوى } أي تقوى الله تعالى وطاعته ، و { على } على ما يتبادر منها ، ولا يخفى ما في جعل التقوى وهي هي أساساً من المبالغة ، وقيل : إنها بمعنى مع ، وقيل : للتعليل لاعتباره فيما تقدم من الاتخاذ ، واللام اما للابتداء أو للقسم أي والله لمسجد . وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ والجملة بعده صفته ، وقوله تعالى : { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } متعلق بأسس و { مِنْ } لابتداء الزمان على ما هو الظاهر ، وفي ذلك دليل للكوفيين في أنها تكون للابتداء مطلقاً ولا تتقيد بالمكان ، وخالف في ذلك البصريون ومنعوا دخولها على الزمان وخصوه بمذ ومنذ وتأولوا الآية بأنها على حذف مضاف أي من تأسيس أول يوم . وتعقبه الزجاج وتبعه أبو البقاء بأن ذلك ضعيف لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون من لابتداء الغاية فيه . وأجيب بأن مرادهم من التأويل الفرار من كونها لابتداء الغاية في الزمان وقد حصل بذلك التقدير ، وليس في كلامهم ما يدل على أنها لا تكون لابتداء الغاية إلا في المكان ، وقال الرضى : لا أرى في الآية ونظائرها معنى الابتداء إذ المقصود منه أن يكون الفعل شيئاً ممتداً كالسير والمشي ومجرور من منه الابتداء نحو سرت من البصرة أو يكون أصلاً لشيء ممتد نحو خرجت من الدار إذ الخروج ليس ممتداً وليس التأسيس ممتداً ولا أصلا لممتد بل هما حدثان واقعان فيما بعد { مِنْ } وهذا معنى . في ، و دمن } في الظروف كثيراً ما تقع بمعنى في انتهى . وفي كون التأسيس ليس أصلاً لممتد منع ظاهر . نعم ذهب إلى احتمال الظرفية العلامة الثاني وله وجه وحينئذ يبطل الاستدلال ولا يكون في الآية شاهد للكوفيين ، والحق أن كثيراً من الآيات وكلام العرب يشهد لهم والتزام تأويل كل ذلك تكلف لا داعي إليه ، وقوله تاعلى : { * } في الظروف كثيراً ما تقع بمعنى في انتهى . وفي كون التأسيس ليس أصلاً لممتد منع ظاهر . نعم ذهب إلى احتمال الظرفية العلامة الثاني وله وجه وحينئذ يبطل الاستدلال ولا يكون في الآية شاهد للكوفيين ، والحق أن كثيراً من الآيات وكلام العرب يشهد لهم والتزام تأويل كل ذلك تكلف لا داعي إليه ، وقوله تاعلى : { أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } خبر المبتدأ و { أَحَقُّ } افعل تفضيل والمفضل عليه كل مسجد أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير أو هو على زعمهم ، وقيل : إنه بمعنى حقيق أي حقيق ذلك المسجد بأن تصلي فيه ، واختلف في المراد منه .

(7/360)


فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . والضحاك أنه مسجد قباء . وقد جاءت أخبار في فضل الصلاة فيه . فأخرج ابن أبي شيبة . والترمذي . والحاكم وصححه . وابن ماجه عن أسيد بن ظهير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « صلاة في مسجد قباء كعمرة » قال الترمذي . لا نعرف لأسيد هذا شيئاً يصح غير هذا الحديث ، وفي معناه ما أخرجه أحمد . والنسائي عن سهل بن حنيف . وأخرج ابن سعد عن ظهير بن رافع الحارثي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من صلى في مسجد قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة » وذهب جماعة إلى أنه مسجد المدينة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستدلوا بما أخرجه مسلم . والترمذي . وابن جرير . والنسائي . وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال : اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى . فقال أحدهما : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيا رسول الله عليه الصلاة والسلام فسألاه عن ذلك فقال : هو هذا المسجد لمسجده صلى الله عليه وسلم وقال : في ذلك خير كثير يعني مسجد قباء . وجاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن ذلك فقال : هو مسجدي هذا ، وأيد القول الأول بأنه الأوفق بالسباق واللحاق وبأنه بني قبل مسجد المدينة ، وجمع الشريف السمهودي بين الأخبار وسبقه إلى ذلك السهيلي وقال : كل من المسجدين مراد لأن كلاً منهما أسس على التقوى من أوب يوم تأسيسه ، والسر في إجابته صلى الله عليه وسلم السؤال عن ذلك بما في الحديث دفع ما توهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذاك ، ولا يخفى بعد هذا الجمع فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبي سعيد الخدري بمراحل عنه ، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني وأيده بأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالوصف بالتأسيس على التقوى من أول يوم وبأن التعبير بالقيام عن الصلاة في قوله سبحانه : { أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } يستدعي المداومة ، ويعضده توكيد النهي بقوله تعالى : { أَبَدًا } ومداومة الرسول عليه الصلاة والسلام لم توجد إلا في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام .
وأما ما رواه الترمذي . وأبو داود عن أبي هريرة من أن قوله جل وعلا : { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } نزلت في أهل قباء وكانوا يستنجون بالماء فهو لا يعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما ما رواه ابن ماجه عن أبي أيوب .

(7/361)


وجابر . وأنس من أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الأنصار إن الله تعالى قد أثني عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا : نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال : فهل مع ذلك غير؟ قالوا : لا غير إن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي باملاء . قال عليه الصلاة والسلام : هو ذاك فعليكموه " فلا يدل على اختصاص أهل قباء ولا ينافي الحمل على أهل مسجده صلى الله عليه وسلم من الأنصار ، وأنا أقول : قد كثرت الأخبار في نزول هذه الآية في أهل قباء . فقد أخرج أحمد . وابن خزيمة . والطبراني . وابن مردويه . والحاكم عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال : " إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فذكروا أنهم كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط "
وأخرج أحمد . وابن أبي شيبة . والبخاري في تاريخه . والبغوي في معجمه . وابن جرير . والطبراني عن محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه نحو ذلك ، وأخرج عبد الرزاق . والطبراني عن أبي أمامة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأهل قباء ما هذا الطهور الذي خصصتم به في هذه الآية { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } ؟ قالوا : يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته» .
/ وأخرج عبد الرزاق . وابن مردويه عن عبد الله بن الحرث بن نوفل نحوه إلى غير ذلك ، وروى القول بنزولها في أهل قباء عن جماعة من الصحابة وغيرهم كابن عمر . وسهل الأنصاري . وعطاء . وغيرهم . وأما الأخبار الدالة على كون المراد بالمسجد المذكور في الآية مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكثيرة أيضاً وكذا الذاهبون إلى ذلك كثيرون أيضاً ، والجمع فيما أرى بين الأخبار والأقوال متعذر ، وليس عندي أحسن من التنقير عن حال تلك الروايات صحة وضعفاً فمتى ظهر قوة إحداهما على الأخرى عول على الأقوى . وظاهر كلام البعض يشعر بأن الأقوى رواية ما يدل على أن المراد من المسجد مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومعنى تأسيسه على التقوى من أول يوم أن تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده لا حادثاً بعده ولا يمكن أن يراد من أول الأيام مطلقاً ضرورة . نعم قال الذاهبون إلى أن المراد بالمسجد مسجد قباء : إن المراد من أول أيام الهجرة ودخول المدينة .
قال السهيلي : ويستفاد من الآية صحة ما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين مع عمر رضي الله تعالى عنه حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي أعز الله فيه الإسلام والحين الذي أمن فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وبنيت المساجد وعبد الله تعالى كما يجب فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل ، وفهمنا الآن بنقلهم أن قوله تعالى : { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي نؤرخ به الآن ، فإن كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله تعالى وأفهمهم بما فيه من الإشارات ، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد فقد علمه تعالى وأشار إلى صحته قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ كذلك وليس ههنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال فتدبره ففيه معتبر لمن أدكر وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر انتهى .

(7/362)


ولا يخفى على المطلع على التاريخ أن ما وقع كان عن اجتهاد وأن قوله : وليس ههنا إضافة الخ محل نظر ، ويستفاد من الآية أيضاً على ما قيل النهي عن الصلاة في مساجد بنيت مباهاة أو رياء وسمعت أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى ، وألحق بذلك كل مسجد بني بمال غير طيب .
وروي عن شقيق ما يؤيد ذلك . وروي عن عطاء لما فتح الله الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه ، ومن حمل التطهير فيها على ما نطقت به الأخبار السابقة قال : يستفاد منها سنة الاستنجاء بالماء ، وجاء من حديث البزار تفسيره بالجمع بين الماء والحجر وهو أفضل من الاقتصار على أحدهما ، وفسره بعضهم بالتخلص عن المعاصي والخصال المذمومة وهو معنى مجازي له ، وإذا فسر بما يسمل التطهير من الحدث الأكبر والخبث والتنزه من المعاصي ونحوها كان فيه من المدح ما فيه ، وجوز في جملة { فِيهِ رِجَالٌ } ثلاثة أوجه أن تكون مستأنفة مبينة لأحقية القيام في ذلك المسجد من جهة الحال بعد بيان الأحقية من جهة المحل ، وأن يكون صفة للمبتدأ جاءت بعد خبره ، وأن تكون حالاً من الضمير في { فِيهِ } وعلى كل حال ففيها تحقيق وتقرير لاستحقاق القيام فيه ، وقرىء { ءانٍ } بالادغام .
{ يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين } أي يرضى عنهم ويكرمهم ويعظم ثوابهم وهو المراد بمحبة الله تعالى عند الأشاعرة وأشياعهم وذكروا أن المحبة الحقيقية لا يوصف بها سبحانه ، وحمل بعضهم التعبير بها هنا على المشاكلة ، والمراد من المطهرين إما أولئك الرجال أو الجنس ويدخلون فيه .

(7/363)


أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } أي مبنية فهو مصدر كالغفران واستعمل بمعنى المفعول ، وعن أبي علي أن البنيان جمع واحده بنيانة ولعل مراده أنه اسم جنس جمعي واحده ما ذكر وإلا فليس بشيء ، والتأسيس وضع الأساس وهو أصل البناء وأوله ، ويستعمل بمعنى الأحكام وبه فسره بعضهم هنا ، واختار آخرون التفسير الأول لتعديه بعلي في قوله سبحانه : { على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ } فإن المتبادر تعلقه به ، وجوز تعلقه بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في أسس وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى ، والمراد من الرضوان طلبه بالطاعة مجازاً وإن شئت قدرت المضاف ليكون المتعاطفان من أعمال العبد ، والهمزة للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر كما قالوا في نظائره أي أبعد ما علم حالهم فمن أسس بنيانه على تقوى وخوف من الله تعالى وطلب مرضاته بالطاعة { خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ } أي طرفه ، ومنه أشفى على الهلاك أي صار على شفاء وشفى المريض لأنه صار على شفا البرء والسلامة ويثنى على شفوان . والجرف بضمتين البئر التي لم تطو ، وقيل : هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية لجرف الماء له أي أكله وإذهابه . وقرأ أبو بكر . وابن عامر . وحمزة { جُرُفٍ } بالتخفيف وهو لغة فيه { هَارٍ } أي متصدع مشرف على السقوط وقيل ساقط؛ وهو نعت لجرف وأصله هاور أو هاير فهو مقلوب ووزنه فالع ، وقيل : إنه حذفت عينه اعتباطاً فوزنه قال ، والاعراب على رائه كباب ، وقيل : إنه لا قلب فيه ولا حذف وأصله هور أو هير على وزن فعل بكسر العين ككتف فلما تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفاً ، والظاهر أنه وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى فيما سبق ، وفيه استعارة تصريحية تحقيقية حيث شبه الباطل والنفاق بشفا جرف هار في قلة الثبات ثم استعير لذلك والقرينة المقابلة ، وقوله تعالى : { فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } ترشيح ، وباؤه أما للتعدية أو للمصاحبة ، ووضع في مقابلة الرضوان تنبيهاً على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه مما يخاف ويوصله إلى ما أدنى مقتضياته الجنة ، وتأسيس هذا على ما هو بصدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم المصير إليها لا محالة ، والاستعارة فيما تقدم مكنية حيث شبهت فيه التقوى بقواعد البناء تشبيهاً مضمراً في النفس ودل عليه ما هو من روادفه ولوازمه وهو التأسيس والبنيان ، واختار غير واحد أن معنى الآية أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة هي التقوى وطلب الرضا بالطاعة خير أم من أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها فأدى به ذلك لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار ، وإنما اختير ذلك على ما قيل لما أنه أنسب بتوصيف أهل مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر والتفريق والإرصار وتوصيف أهل مسجد التقوى بأنهم يحبون أن يتطهروا بناء على أن المراد التطهير عن المعاصي والخصال المذمومة لأنه المقتضى بزعم البعض لمحبة الله تعالى لا التطهير المذكور في الأخبار ، وأمر الاستعارة على هذا التوجيه على طرز ما تقدم في التوجيه الأول ، وجوز أن يكون في الجملة الأولى تمثيل لحال من أخلص لله تعالى وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى بناء محكماً يستوطنه ويتحصن به ، وان يكون البنيان استعارة أصلية والتأسيس ترشيحاً أو تبعية وكذا جوز التمثيل في الجملة الثانية وإجراء ذلك فيها ظاهر بعد اعتبار إجرائه في مقابله ، وفاعل { أَنْهَارٌ } إما ضمير البنيان وضمير { بِهِ } للمؤسس وإما للشفا وضمير به للبنيان وإليه يميل ظاهر التفسير المار آنفا .

(7/364)


وظاهر الأخبار أن ذلك المسجد إذا وقع وقع في النار . فقد أخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن قتادة أنه قال في الآية : والله ما تناهى أن وقع في النار ، وذكر لنا أنه حفرت فيه بقعة فرئى منه الدخان .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى أنه قال فيها : مضى حين خسف به إلى النار . وعن سفيان بن عيينة يقال : إنه بقعة من نار جهنم . وأنت تعلم أني والحمد لله تعالى مؤمن بقدرته سبحانه على أتم وجه وأنه جل جلاله فعال لما يريد لكني لا أومن بمثل هذه الظواهر ما لم يرد فيها خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ نافع . وابن عامر { أَسَّسَ } بالبناء للمفعول في الموضعين ، وقرىء { المطهرين أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } على الإضافة ونسب ذلك إلى علي بن نصر { *وأسس } بفتحات ونسبت إلى عاصم { *إساس } بالكسر ، قيل : وثلاثتها جمع أس وفيه نظر ، ففي الصحاح الأس أصل البناء وكذلك الأساس والأسس مقصور منه وجمع الأس أساس مثل عس وعساس وجمع الأساس أسس مثل قذال وقذل وجمع الأسس آساس مثل سبب وأسباب انتهى . وجوز في في أسس أن يكون مصدراً . وقرأ عيسى بن عمرو { *وتقوى } بالتنوين ، وخرج ذلك ابن جنى على أن الألف للإلحاق كما في أرطى ألحق بجعفر لا للتأنيث كالف تترى في رأي وإلا لم يجز تنوينه . وقرأ ابن مسعود { فَإِنَّهَا * رَبَّهُ * والمشركين فِى نَارِ جَهَنَّمَ } { والله لاَ يَهْدِى القوم * الظالمين } أي لأنفسهم أو الواضعين للأشياء في غير مواضعها أي لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم إرشاداً موجباً له لا محالة .

(7/365)


لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)

لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ } أي بناؤهم الذي بنوه ، فالبنيان مصدر أريد به المفعول كما مر ، ووصفه بالمفرد ما يرد على مدعي الجمعية وكذا الأخبار عنه بقوله سبحانه : { رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } واحتمال تقدير مضاف وجعل الصفة وكذا الخبر له خلاف الظاهر . نعم قيل : الأخبار بريبة لا دليل فيه على عدم الجمعية لأنه يقال : الحيطان منهدمة والجبال راسية؛ وجوز بعضهم كون البنيان باقياً على المصدرية و { الذى } مفعوله ، والريبة اسم من الريب بمعنى الشك وبذلك فسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمراد به شكهم في نبوته صلى الله عليه وسلم المضمر في قلوبهم وهو عين النفاق ، وجعل بنيانهم نفس الريبة للمبالغة في كونه سبباً لها . قال الإمام : وفي ذلك وجوه .
أحدها أن المنافقين عظم فرحهم ببنيانه فلما أمر بتخريبه ثقل عليهم وازداد غيظهم وارتيابهم في نبوته صلى الله عليه وسلم . وثانيها أنه لما أمر بتخريبه ظنوا أن ذلك للحسد فارتفع أمانهم عنه صلى الله عليه وسلم وعظم خوفهم فارتابوا في أنهم هل يتركون على حالهم أو يؤمر بقتلهم ونهب أموالهم . وثالثها أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء فلما أمر بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بذلك والصحيح هو الأول . ويمكن كما قال العلامة الطيبي أن يرجح الثاني بأن تحمل الريبة على أصل موضوعها ويراد منها قلق النفس واضطرابها .
وحاصل المعنى لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سبباً للقلق والاضطراب والوجل في القلوب ووصف بنيانهم بما وصف للإيذان بكيفية بنائهم له وتأسيسه على ما عليه تأسيسه مما علمت وللأشعاء بعلة الحكم ، وقيل : وصف بذلك للدلالة على أن المراد بالبنيان ما هو المبني حقيقة لا ما دبروه من الأمور فإن البناء قد يطلق على تدبير الأمر وتقديره كما في قولهم كم أبني وتهدم وعليه قوله :
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
وحاصله أن الوصف للتأكيد وفائدته دفع المجاز ، وهذا نظير ما قالوا في قوله سبحانه : { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً } [ النساء : 164 ] وفيه بحث .
والاستثناء في قوله تعالى : { إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } من أعم الأوقات أو أعم الأحوال وما بعد إلا في محل النصب على الظرفية أي لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا وقت تقطع قلوبهم أو في كل حال إلا حال تقطعها أي تفرقها وخروجها عن قابلية الإدراك وهذا كناية عن تمكن الريبة في قلوبهم التي هي محل الإدراك وإضمار الشرك بحيث لا يزوب منها ما داموا أحياء إلا إذا تقطعت وفرقت وحينئذ تخرج منها الريبة وتزول ، وهو خارج مخرج التصوير والفرض ، وقيل : المراد بالتقطع ما هو كائن بالموت من تفرق أجزاء البدن حقيقة وروي ذلك عن بعض السلف .

(7/366)


وأخرج ابن المنذر . وغيره عن أيوب قال : كان عكرمة يقرأ { إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ * فِى القبور } وقيل : المراد إلا أن يتوبوا ويندموا ندامة عظيمة تفتت قلوبهم وأكبادهم فالتقطع كناية أو مجاز عن شدة الأسف . وروى ذلك ابن أبي حاتم عن سفيان ، وتقطع من التفعل بإحدى التاءين والبناء للفاعل أي تتقطع . وقرىء { تُقَطَّعَ } على بناء الجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل منه على أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تقطع أنت قلوبهم بالقتل ، وقرىء على البناء للمفعول من الثلاثي مذكراً ومؤنثاً .
وقرأ الحسن { إلى أَن * تُقَطَّعَ } على الخطاب ، وفي قراءة عبد الله { وَلَوْ * قُطّعَتْ * قُلُوبِهِمْ } على إسناد الفعل مجهولاً إلى قلوبهم . وعن طلحة ولو قطعت قلوبهم على خطاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ويصح أن يعني بالخطاب كل مخاطب ، وكذا يصح أن يجعل ضمير تقطع مع نصب قلوبهم للريبة { والله عَلِيمٌ } بجميع الأشياء التي من جملتها ما ذكر من أحوالهم { حَكِيمٌ } في جميع أفعاله التي من جملتها أمره سبحانه الوارد في حقهم .
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين } [ التوبة : 75 ] إشارة إلى وصف المغرورين الذين ما ذاقوا طعم المحبة ولا هب عليهم نسيم العرفان ، ومن هنا صححوا لأنفسهم أفعالاً فقالوا : لنصدقن { فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ } [ التوبة : 76 ] أي أنهم نقضوا العهد لما ظهر لهم ما سألوه ، والبخال كما قال أبو حفص : ترك الايثار عند الحاجة إليه { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ } وهو ما لا يعلمونه من أنفسهم { ونجواهم } [ التوبة : 78 ] أي ما يعلمونه منها دون الناس ، وقيل : السر ما لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظة { وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا } [ التوبة : 81 ] أرادوا التثبيط على المؤمنين ببيان بعض شدائد الغزو وما دروا أن المحب يستعذب المر في طلب وصال محبوبه ويرى الحزن سهلاً والشدائد لذائذ في ذلك ، ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد ، ورد عليهم بأنهم آثروا بمخالفتهم النار التي هي أشد حراً ويشبه هؤلاء المنافقين في هذا التثبيط أهل البطالة الذين يثبطون السالكين عن السلوك ببيان شدائد السلوك وفوات اللذائذ الدنيوية { لكن الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ جاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } فأفنوا كل ذلك في طلب مولاهم جل جلاله { وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخيرات } المشاهدات والمكاشفات والقربات { وأولئك هُمُ المفلحون } [ التوبة : 88 ] الفائزون بالبغية .
{ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء } أي الذين أضعفهم حمل المحمبة { وَلاَ على المرضى } بداء الصبابة حتى ذابت أجسامهم بحرارة الفكر وشدائد الرياضة { وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } وهم المتجردون من الأكوان { حَرَجٌ } اثم في التخلف عن الجهاد الأصغر

(7/367)


{ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } [ التوبة : 91 ] بأن أرشدوا الخلق إلى الحق { وَمِنَ الاعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا } [ التوبة : 98 ] غرامة وخسرانا ، قيل : كل من يرى الملك لنفسه يكون ما ينفق غرامة عنده وكل من يرى الأشياء لله تعالى وهي عارية عنده يكون ما ينفق غنماً عنده { والسابقون الاولون } أي الذين سبقوا إلى الوحدة من أهل الصنف الأول { مِنَ المهاجرين } وهم الذين هجروا مواطن النفس { والانصار } وهم الذين نصروا القلب بالعلوم الحقيقية على النفس { والذين اتبعوهم } في الاتصاف بصفات الحق { بإحسان } أي بمشاهدة من مشاهدات الجمال والجلال { رَضِيَ الله * تَعَالَى * عَنْهُمْ } بما أعطاهم من عنايته وتوفيقه { وَرَضُواْ عَنْهُ } بقبول ما أمر به سبحانه وبدل أموالهم ومهجهم في سبيل عز شأنه { وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات } من جناب الأفعال والصفات { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } [ التوبة : 100 ] وهي أنهار علوم التوكل والرضا ونحوهما ووراء هذه الجنات المشتركة بين المتعاطفات جنة الذات وهي مختصة بالسابقين { وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } وهم الذين لم ترسخ فيهم ملكة الذنب وبقي منهم فيهم نور الاستعداد ولهذا لانت شكيمتهم واعترفوا بذنوبهم ورأوا قبحها وأما من رسخت فيه ملكة الذنب واستولت عليه الظلمة فلا يرى ما يفعل من القبائح إلا حسناً { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } حيث كانوا في رتبة النفس اللوامة التي لم يصر اتصالها بالقلب وتنورها بنوره ملكة لها ولهذا تنقاد له تارة وتعمل أعمالاً صالحة وذلك إذا استولى القلب عليها وتنفر عنه أخرى وتفعل أفعالاً سيئة إذا احتجبت عنه بظلمتها وهي دائماً بين هذا وذاك حتى يقوى اتصالها بالقلب ويصير ذلك ملكة لها وحينئذ يصلح أمرها وتنجو من المخالفات ، ولعل قوله سبحانه : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 102 ] إشارة إلى ذلك وقد تتراكم عليها الهيآت المظلمة فترجه القهقري ويزول استعدادها وتحجب عن أنوار القلب وتهوى إلى سجين الطبيعة فتهلك مع الهالكين ، وترجح أحد الجانبين على الآخر يكون بالصحبة فإن أدركها التوفيق صحبت الصالحين فتحلت بأخلاقهم وعملت أعمالهم فكانت منهم ، وإن لحقها الخذلان صحبت المفسدين واختلطت بهم فتدنست بخلالهم وفعلت أفاعيلهم فصارت من الخاسرين أعاذنا الله تعالى من ذلك ، ولله در من قال :
عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافاً لأرباب الصدور تصدراً
وإياك أن ترضى صحابة ناقص ... فتنحط قدراً عن علاك وتحقرا
فرفع أبو من ثم خفض مزمل ... يبين قولي مغرياً ومحذراً
وقد يكون ترجح جانب الاتصال بأسباب أخر كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } لأن المال مادة الشهوات فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ من ذلك ليكون أول حالهم التجرد لتنكسر قوى النفس وتضعف أهواؤها وصفاتها فتتزكى من الهيآت المظلمة وتتطهر من خبث الذنوب ورجس دواعي الشيطان { وَصَلّ عَلَيْهِمْ } بامداد الهمة وإفاضة أنوار الصحبة

(7/368)


{ ءانٍ * صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ } [ التوبة : 103 ] أي سبب لنزول السكينة فيهم ، وفسروا السكينة بنور يستقر في القلب وبه يثبت على التوجه إلى الحق ويتخلص عن الطيش { لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } لأن النفس تتأثر فيه بصفاء الوقت وطيب الحال وذوق الوجدان بخلاف ما إذا كان مبنياً على ضد ذلك فإنها تتأثر فيه بالكدورة والتفرقة والقبض .
وأصل ذلك أن عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره فيلزم أن يكون لنيات النفوس وهيأتها تأثير فيما تباشره من الأعمال ، ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت محلا للتبرك لما أنها كانت مبنية بيد خليل الله تعالى عليه الصلاة والسلام بنية صادقة ونفس شريفة ، ونحن نجد أيضاً أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع وضد ذلك في بعضها ، ولست أعني إلا وجود ذوي النفوس الحساسة الصافية لذلك وإلا فالنفوس الخبيثة تجد الأمر على عكس ما تجده أرباب تلك النفوس ، والصفراوي يجد السكر مرا ، والجعل يستخبث رائحة الورد : ومن هنا كان المنافق في المسجد كالسمك في اليبس والمخلص فيه كالسمكة في الماء { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } أي أهل إرادة وسعى في التطهر عن الذنوب ، وهو إشارة إلى أن صحبة الصالحين لها أثر عظيم ، ويتحصل من هذا وما قبله الإشارة إلى أنه ينبغي رعاية المكان والإخوان في حصول الجمعية ، وجاء عن القوم أنه يجب مراعاة ذلك مع مراعاة الزمان في حصول ما ذكر { والله يُحِبُّ المطهرين } [ التوبة : 108 ] ولو محبته إياهم لما أحبوا ذلك . وعن سهل الطهارة على ثلاثة أوجه : طهارة العلم من الجهل ، وطهارة الذكر من النسيان ، وطهارة الطاعة من المعصية . وقال بعضهم : الطهارة على أقسام كثيرة : فطهارة الاسرار من الخطرات ، وطهارة الأرواح من الغفلات ، وطهارة القلوب من الشهوات وطهارة العقول من الجهالات ، وطهارة النفوس من الكفريات ، وطهارة الأبدان من الزلات . وقال آخر : الطهارة الكامل طهارة الاسرار من دنس الأغيار والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل .

(7/369)


إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)

إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى منَ المُؤْمنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ } الخ ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان حال المتخلفين عنه ، ولا ترى كما نقل الشهاب ترغيباً في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد عاقده رب العزة جل جلاله ، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل كونهم قاتلين أيضاً لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه ، وجعله مسجلاً في الكتب السماوية وناهيك به من صك ، وجعل وعده حقاً ولا أحد أو في من وراعده فنسيئته أقوى من نقد غيره ، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلية .
صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وائابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء ، وأتي بقوله سبحانه : { * } الخ ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان حال المتخلفين عنه ، ولا ترى كما نقل الشهاب ترغيباً في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد عاقده رب العزة جل جلاله ، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل كونهم قاتلين أيضاً لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه ، وجعله مسجلاً في الكتب السماوية وناهيك به من صك ، وجعل وعده حقاً ولا أحد أو في من وراعده فنسيئته أقوى من نقد غيره ، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلية .
صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وائابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء ، وأتي بقوله سبحانه : { يقاتلون } الخ بياناً لمكان التسليم وهو المعركة ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : « الجنة تحت ظلال السيوف » ثم أمضاه جل شأنه بقوله ذلك الفوز العظيم ، ومن هنا أعظم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أمر هذه الآية . فقد أخرج ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد { إِنَّ الله اشترى } الخ فكثر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال : يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال : نعم . فقال الأنصاري : بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل . ومن الناس من قرر وجه المبالغة بأنه سبحانه عبر عن قبوله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثباته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة ، ولم يعكس بأن يقال : إن الله باع الجنة في المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصد بالعقد هو الجنة وما بذله المؤمنون في مقابلتها وسيلة إليها بكمال العناية بهم وبأموالهم ثم إنه تعالى لم يقل بالجنة بل قال عز شأنه : { بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل : بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم ، ومن هنا يعلم أن هذه القراءة أبلغ من قراءة الأعمش ونسبت أيضاً إلى عبد الله رضي الله تعالى عنه بالجنة على أنها أوفق بسبب النزول .

(7/370)


فقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي . وغيره أنهم قالوا : «قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . قال : اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا : فما لنا؟ قال : الجنة قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت إن الله اشترى الآية» .
وقيل : عبر بذلك مدحاً للمؤمنين بأنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم بمجرد الوعد لكمال ثقتهم بوعده تعالى مع أن تمام الاستعارة موقوف على ذلك إذ لو قيل بالجنة لاحتمل كون الشراء على حقيقته لأنها صالحة للعوضية بخلاف الوعد بها ، واعترض بأن مناط دلالة ما عليه النظم الجليل على الوعد ليس كونه جملة ظرفية مصدرة بأن فإن ذلك بمعزل من الدلالة على الاستقبال بل هو الجنة التي يستحيل وجودها في عالم الدنيا ولو سلم ذلك بكون العوض الجنة الموعود بها لا نفس الوعد بها ، على أن حديث احتمال كون الشراء حقيقة لو قيل بالجنة لا يخلو عن نظر كما قيل لأن حقيقة الشراء مما لا يصح منه تعالى لأنه جل شأنه مالك الكل والشراء إنما يكون ممن لا يملك ، ولهذا قال الفقهار : طلب الشراء يبطل دعوى الملكية ، نعم قد لا يبطل في بعض الصور كما إذا اشترى الأب داراً لطفله من نفسه فكبر الطفل ولم يعلم ثم باعها الأب وسلمها للمشتري ثم طلب الابن شراءها منه ثم علم بما صنع أبوه فادعى الدار فإنه تقبل دعواه ولا يبطلها ذلك الطلب كما يقتضيه كلام الاستروشني لكن هذا لا يضرنا فيما نحن فيه ، ومن المحققين من وجه دلالة ما في النظم الكريم على الوعد بأنه يقتضي بصريحه عدم التسليم وهو عين الوعد لأنه إذا قلت : اشتريت منك كذا بكذا احتمل النقد بخلاف ما إذا قلت : بأن لك كذا فإنه في معنى لك على كذا وفي ذمتي ، واللام هنا ليست للملك إذ لا يناسب شراء ملكه بملكه كالمهورة إحدى خدمتيها فهي للاستحقاق وفيه إشعار بعدم القبض ، وأما كون تمام الاستعارة موقوفاً على ذلك فله وجه أيضاً حيث كان المراد بالاستعارة الاستعارة التمثيليلة إذ لولاه لصح جعل الشراء مجازاً عن الاستبدال مثلاً وهو مما لا ينبغي الالتفات إليه مع تأتي التمثيل المشتمل من البلاغة واللطائف على ما لا يخفى ، لكن أنت خبير بأن الكلام بعد لا يخلو عن بحث ، ومما أشرنا إليه من فضيلة التمثيل يعلم انحطاط القول باعتبار الاستعارة أو المجاز المرسل في { اشترى } وحده كما ذهب إليه البعض ، وقوله تعالى : { يقاتلون فِى سَبِيلِ الله } قيل بيان لمكان التسليم كما أشير إليه فيما تقدم ، وذلك لأن البيع سلم كما قال الطيبي .

(7/371)


وغيره ، وقيل : بيان لما لأجله الشراء كأنه لما قال سبحانه : { إِنَّ الله اشترى } الخ ، قيل : لماذا فعل ذلك؟ فقيل : ليقاتلوا في سبيله تعالى وقيل : بيان للبيع الذي يستدعيه الاشتراء المذكور كأنه قيل : كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة ، فقيل : يقاتلون في سبيله عز شأنه وذلك بذل منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهته تعالى وتعريض لهما للهلاك ، وقيل : بيان لنفس الاشتراء وقيل : ذكر لبعض ما شمله الكلام السابق اهتماماً به على أن معنى ذلك أنه تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم بصرفها في العمل الصالح وأموالهم ببذلها فيما يرضيه وهو في جميع ذلك خبر لفظاً ومعنى ولا محل له من الأعراب ، وقيل : إنه في مغنى الأمر كقوله سبحانه : { وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ } [ الصف : 11 ] ووجه ذلك بأنه أتى بالمضارع بعد الماضي لإفادة الاستمرار كأنه قيل : اشتريت منكم أنفسكم في الأزل وأعطيت ثمنها الجنة فسلموا المبيع واستمروا على القتال ، ولا يخفى ما في بعض هذه الأقوال من النظر . وانظر هل ثم مانعَ من جعل الجملة في موضع الحال كأنه قيل : اشترى منهم ذلك حال كونهم مقاتلين في سبيله فإني لم أقف على من صرح بذلك مع أنه أوفق الأوجه بالاستعارة التمثيلية تأمل .
وقوله سبحانه : { فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } بيان لكون القتال في سبيل الله تعالى بذلا للنفس وأن المقاتل في سبيله تعالى باذل لها وإن كانت سالمة غانمة ، فإن الإسناد في الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما البتة بل بطريق وصف الكل بحال البعض ، فإنه يتحقق القتال من الكل سواء وجد الفعلان أو أحدهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدر منهم أحدهما أيضاً كما إذا وجد المضاربة ولم يوجد القتل من أحد الجانبين ، ويفهم كلام بعضهم أنه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة والنفير وتكثير السواد وإن لم توجد مضاربة وليس بالبعيد لما أن في ذلك تعريض النفس للهلاك أيضاً ، والظاهر أن أجور المجاهدين مختلفة قلة وكثرة وإن كان هناك قدر مشترك بينهم . ففي «صحيح مسلم» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(7/372)


« ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة الا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم » . وفي رواية أخرى « ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تحنق وتصاب إلا أتم أجورهم » . وزعم بعضهم أنهم في الأجر سواء ولا ينقص أجرهم بالغنيمة ، واستدلوا عليه بما في الصحيحين من أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة ، وبأن أهل بدر غنموا وهم هم ويرد عليه أن خبر الصحيحين مطلق وخبر مسلم مقيد فيجب حمله عليه ، وبأنه لم يجىء نص في أهل بدر أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط ، وكونهم هم هم لا يلزم منه أن لا يكون وراء مرتبتهم مرتبة أخرى أفضل منها ، والقول بأن في السند أبا هانىء وهو مجهول فلا يعول على خبره غلط فاحس فإنه ثقة مشهور روى عنه الليث بن سعد . وحيوة . وابن وهب . وخلائق من الأئمة ، ويكفى في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه ، ومثل هذا ما حكاه القاضي عن بعضهم من أن تعجل ثلثي الأجر إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها إذ لو كانت كذلك لم يكن ثلث الأجر ، وكذا ما قيل : من أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معا فإن ذلك ينقص ثوابه لا محالة ، فالصواب أن أجر من لم يغنم أكثر من أجر من غنم لصريح ما ذكرناه الموافق لصرائح الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم . ويعلم من ذلك أن أجر من قتل أكثر من أجر من قتل لكون الأول من الشهداء دون الثاني ، وظاهر ما أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة « من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد ومن مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد » أن القتل في سبيل الله تعالى والموت فيها سواء في الأجر وهو الموافق لمعنى قوله تعالى : { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } [ النساء : 100 ] واستدل له أيضاً بعض العلماء بغير ذلك مما لا دلالة فيه عليه كما نص عليه النووي رحمه الله تعالى ، وتقديم حالة القاتلية في الآية على حالة المقتولية للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقاً لكون القتال بذلاً للنفس ، وقرأ حمزة . والسكائي بتقديم المبنى للمفعول رعاية لكون الشهادة عريقة في هذا الباب إيذاناً بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله تعالى بل بكونه أحب إليهم من السلامة كما قال كعب بن زهير في حقهم :

(7/373)


لا يفرحون إذا نالت رماحهم ... قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
وفيه على ما قيل دلالة على جراءتهم حيث لم ينكسروا لأن قتل بعضهم ، ومن الناس من دفع السؤال بعدم مراعاة الترتيب في هذه القراءة بأن الواو لا تقتضيه . وتعقب بأن ذلك لا يجدي لأن تقديم ما حقه التأخير في أبلغ الكلام لا يكون بسلامة الأمير كما لا يخفى { وَعْدًا عَلَيْهِ } مصدر مؤكد لمضمون الجملة لأن معنى الشراء بأن لهم الجنة وعد لهم بها على الجهاد في سبيله سبحانه ، وقوله تعالى : { حَقّاً } نعت له و { عَلَيْهِ } في موضع الحال من { حَقّاً } لتقدمه عليه ، وقوله سبحانه : { فِى * حَكِيمٌ * إِنَّ الله } متعلق بمحذوف وقع نعتاً لوعداً أيضاً أي وعداً مثبتاً في التوارة والإنجيل كما هو مثبت في القرآن فالمراد الحاق ما لا يعرف بما يعرف إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن ، ثم إن ما في الكتابين إما أن يكون أم محمد صلى الله عليه وسلم اشترى الله تعالى منهم أنفسهم وأموالهم بذلك أو أن من جاهد بنفسه وماله له ذلك ، وفي كلا الأمرين ثبوت موافق لما في القرآن ، وجوز تعلق الجار باشترى ووعداً وحقاً { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من حقية الوعد ، والمقصود من مثل هذا التركيب عرفاً نفي المساواة أي لا أحد مثله تعالى في الوفاء بعهده ، وهذا كما يقال : ليس في المدينة أفقه من فلان فإنه يفيد عرفاً أنه أفقه أهلها ، ولا يخفى ما في جعل الوعد عهداً وميثاقاً من الاعتناء بشأنه { فاستبشروا } التفات إلى خطابهم لزيادة التشريف والاستبشار إظهاراً لسرورهم ، وليست السين فيه للطلب ، والفاء لترتيبه أو ترتيب الأمر به على ما قبله أي فإذا كان كذلك فاظهروا السرور بما فزتم به من الجنة ، وإنما قال سبحانه : { بِبَيْعِكُمُ } مع أن الابتهاج به باعتبار أدائه إلى الجنة لأن المراد ترغيبهم في الجهاد الذي عبر عنه بالبيع ، ولم يذكر العقد بعنوان الشراء لأن ذلك من قبله سبحانه لا من قبلهم والترغيب على ما قيل إنما يتم فيها هو من قبلهم ، وقوله تعالى : { الذى بَايَعْتُمْ بِهِ } لزيادة تقرير بيعهم وللاشعار بتميزه على غيره فإنه بيع الفاني بالباقي ولأن كلا البدلين له سبحانه وتعالى ، ومن هنا كان الحسن إذا قرأ الآية يقول : أنفس هو خلفها وأموال هو رزقها { وَذَلِكَ } أي البيع الذي أمرتم به { هُوَ الفوز العظيم } الذي لا فوز أعظم منه ، وما في ذلك من البعد إشارة إلى بعد منزلة المشار إليه وسمو رتبته في الكمال؛ والجملة تذييل مقرر لمضمون الأمر السابق ، ويجوز أن يكون تذييلاً للآية الكريمة والأشارة إلى الجنة التي جعلت ثمناً بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم وأموالهم ، وفي ذلك إعظام للثمن ومنه يعلم حال المثمن ، ونقل عن الأصمعي أنه أنشد للصادق رضي الله تعالى عنه :

(7/374)


أثامن بالنفس النفيسة ربها ... فليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها اشترى الجنات أن أنابعتها ... بشيء سواها إن ذلكم غبن
إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها ... فقد ذهبت مني وقد ذهب الثمن
والمشهور عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها ، وهو ظاهر في أن المبيع هو الأبدان ، وبذلك صرح بعض الفضلاء في حواشيه على تفسير البيضاوي حيث قال : إن الله تعالى اشترى من المؤمن الذي هو عبارة عن الجوهر الباقي بدنه الذي هو مركبه وآلته ، والظاهر أنه أراد بالجوهر الباقي الجوهر المجرد المخصوص وهو النفس الناطقة ، ولا يخفى أن جمهور المتكلمين على نفي المجردات وإنكار النفس الناطقة وأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس ، وبذلك أبطل بعض أجلة المتأخرين من أفاضل المعاصرين القول بخلق الأفعال لما يلزم عليه من كون الفاعل والقابل واحداً ، وقد قالوا : بامتناع اتحادهما؛ والإنصاف إثبات شيء مغاير للبدن والهيكل المحسوس في الإنسان ، والمبيع أما ذاك ومعنى بيعه تعريضه للمهالك والخروج عن التعلق الخاص بالبدن وإما البدن ومعنى بيعه ظاهر إلا أنه ربما يدعى أن المتبادر من النفس غير ذلك كما لا يخفى على ذوي النفوس الزكية .

(7/375)


التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)

{ التائبون } نعت للمؤمنين ، وقطع لأجل المدح أي هم التائبون ويدل على ذلك قراءة عبد الله . وأبى { *التائبين } بالياء على أنه منصوب على المدح أو مجرور على أنه صفة للمؤمنين .
وجوز أن يكون { العظيم التائبون } مبتدأ والخبر محذوف أي من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا لقوله تعالى : { وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } [ النساء : 95 ] فإن كلا فيه عام ، والحسنى بمعنى الجنة .
وقيل : الخبر قوله تعالى : { العابدون } وما بعده خبر بعد خبر ، وقيل : خبره { الامرون بالمعروف } وقيل : إنه بدل من ضمير { يقاتلون } [ التوبة : 111 ] والأول أظهر إلا أنه يكون الموعود بالجنة عليه هو المجاهد المتصف بهذه الصفات لا كل مجاهد وبذلك يشعر ما أخرجه ابن أبي شيبة . وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : الشهيد من كان فيه الخصال التسع وتلا هذه الآية .
وأورد عليه أنه ينافي ذلك ما صح من حديث مسلم من أن من قتل في سبيل الله تعالى وهو صابر محتسب مقبل غير مدبر كفرت خطاياه إلا الدين فإنه ظاهر في أن المجاهد قد لا يكون متصفاً بجميع ما في الآية من الصفات وإلا لا يبقى لتكفير الخطايا وجه ، وكأنه من هنا اختار الزجاج كونه مبتدأ والخبر محذوف كما سمعت إذ في الآية عليه تبشير مطلق المجاهدي بما ذكر وهو المفهوم من ظواهر الأخبار . نعم دل كثير منها على أن الفضل الوارد في المجاهدين مختص بمن قاتل لتكون كلمة الله تعالى هي العليا وأن من قاتل للدنيا والسمعة استحق النار . وفي «صحيح مسلم» ما يقتضي ذلك فليفهم ، والمراد من التائبين على ما أخرجه ابن جرير . وابن املنذر . وغيرهما عن الحسن . وقتادة الذين تابوا عن الشرك ولم ينافقوا . وأخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن الضحاك أنهم الذين تابوا عن الشرك والذنوب ، وأيد ذلك بأن التائبين في تقدير الذين تابوا وهو من ألفاظ العموم يتناول كل تائب فتخصيصه بالتائب عن بعض المعاصي تحكم . وأجيب بأن ذكرهم بعد ذكر المنافقين ظاهر في حمل التوبة على التوبة عن الكفر والنفاق ، وأيضاً لو حملت التوبة على التوبة عن المعاصي يكون ما ذكر بعد من الصفات غير تام الفائدة مع أن من اتصف بهذه الصفات الظاهر اجتنابه للمعاصي ، والمراد من العابدين الذين أتوا بالعباد على وجهها ، وقال الحسن : هم الذين عبدوا الله تعالى في أحايينهم كلها أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة وة سنتين ولكن كما قال العبد الصالح : { وَأَوْصَانِى بالصلاة والزكاة ما دمت حياً } [ مريم : 31 ] وقال قتادة : هم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم ، { الحامدون } أي الذين يحمدون الله تعالى على كل حال كما روي عن غير واحد من السلف ، فالحمد بمعنى الوصف بالجميل مطلقاً ، وقيل : هو بمعنى الشكر فيكون في مقابلة النعمة أي الحامدون لنعمائه تعالى وأنت تعلم أن الحمد في كل حال أولى وفيه تأس برسول الله صلى الله عليه وسلم : فقد أخرج ابن مردويه .

(7/376)


وأبو الشيخ . والبيهقي في الشعب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون على السراء والضراء " وجاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال : الحمد لله على كل حال» { السائحون } أي الصائمون ، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود . وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر» وإليه ذهب جلة من الصحابة والتابعين .
وجاء عن عائشة «سياحة هذه الأمة الصيام» ، وهو من باب الاستعارة لأن الصوم يعوق عن الشهوات كما أن السياحة تمنع منها في الأكثر ، أو لأنه رياضة روحانية ينكشف بها كثير من أحوال الملك والملكوت فشبه الاطلاع عليها بالاطلاع على البلدان والأماكن النائية إذ لا يزال المرتاض يتوصل من مقام إلى مقام ويدخل من مدائن المعارف إلى مدينة بعد أخرى على مطايا الفكر . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة .
وأخرج هو . وأبو الشيخ عن عكرمة أنهم طلبة العلم لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه ، وقيل : هم المجاهدون لما أخرج الحاكم وصححه . والطبراني . وغيرهما «عن أبي أمامة أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى» والمختار ما تقدم كما أشرنا إليه ، وإنما لم تحمل السياحة على المعنى المشهور لأنها نوع من الرهبانية ، وقد نهى عنها وكانت كما أخرج ابن جرير عن وهب بن منبه في بني إسرائيل { الركعون الساجدون } أي في الصلوات المفروصات كما روي عن الحسن ، فالركوع والسجود على معناهما الحقيقي ، وجعلهما بعضهم عبارة عن الصلاة لأنهما أعظم أركانهافكأنه قيل : المصلون { الامرون بالمعروف } أي الإيمان { والناهون عَنِ المنكر } أي الشرك كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الأمرين ، ولو أبقى لفظ النظم الجليل على عمومه لكان له وجه بل قيل إنه الأولى ، والعطف هنا على ما في المغنى إنما كان من جهة إن الأمر والنهي من حيث هما أمر ونهي متقابلان بخلاف بقية الصفات لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر وهو ترك المعروف والناهي عن المنكر آمر بالمعروف فأشير إلى الاعتداد بكل من الوصفين وأنه لا يكفي فيه ما يحصل في ضمن الآخر ، وحاصله على ما قيل : إن العطف لما بينهما من التقابل أو لدفع الايهام .

(7/377)


ووجه بعض المحققين ذلك بأن بينهما تلازماً في الذهن والخارج لأن الأوامر تتضمن النواهي ومنافاة يحسب الظاهر لأن أحدهما طلب فعل والآخر طلب ترك فكانا بين كمال الاتصال والانقطاع المقتضى للعطف بخلاف ما قبلهما ، وقيل : إن العطف للدلالة على أنهما في حكم خصلة واحدة كأنه قيل : الجامعون بين الوصفين ، ويرد على ظاهره أن { الركعون الساجدون } في حكم خصلة واحدة أيضاً فكان ينبغي فيهما العطف على ما ذكر إذ معناه الجامعون بين الركوع والسجود ويدفع بأدنى التفات ، وإما العطف في قوله سبحانه : { والحافظون لِحُدُودِ الله } أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع فقيل للإيذان بأن العدد قد تم بالسباع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك يسمى واو الثمانية ، وإليه مال أبو البقاء . وغيره ممن أثبت واو الثمانية وهو قول ضعيف لم يرضه النحاة كما فصله ابن هشام وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه ، وقيل : إنه للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا مجملها ، يعني أنه من ذكر أمر عام شامل لما قبله وغيره ، ومثله يؤتى به معطوفاً نحو زيد وعمرو وسائر قبيلته كرماء فلمغايرته بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه ، وقيل : هو عطف عليه ، وقيل : هو عطف على ما قبله من الأمر والنهي لأن من لم يصدق فعله قوله لا يجدي أمره نفعاً ولا يفيد نهيه منعا .
وقال بعض المحققين : إن المراد بحفظ الحدود ظاهره وهي إقامة الحد كالقصاص على من استحقه؛ والصفات الأول إلى قوله سبحانه : { *والآمرون } صفات محمودة للشخص في نفسه وهذه له باعتبار غيره فلذا تغاير تعبير الصنفين فترك العاطف في القسم الأول وعطف في الثاني ، ولما كان لا بد من اجتماع الأول في شيء واحد ترك فيها العطف لشدة الاتصال بخلاف هذه فإنه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلقت به ، وهذا هو الداعي لاعراب { التائبون العابدون الحامدون السائحون الركعون الساجدون الامرون } خبره فكؤنه قيل : الكاملون في أنفسهم المكملون لغيرهم وقدم الأول لأن المكمل لا يكون مكملا حتى يكون كاملاً في نفسه ، وبهذا يتسق النظم أحسن اتساق من غير تكلف وهو وجه وجيه للعطف في البعض وترك العطف في الآخر ، خلا أن المأثور عن السلف كابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وغيره تفسير الحافظين لحدود الله بالقائمين على طاعته سبحانه وهو مخالف لما في هذا التوجيه ولعل الأمر فيه سهل الله تعالى أعلم بمراده { وَبَشّرِ المؤمنين } أي هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجليلة ، ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أن ملاك الأمر هو الإيمان وان المؤمن الكامل من كان كذلك ، وحذف المبشر به إشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به نطاق البيان .

(7/378)


مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)

مَا كَانَ } أي ما صح في حكم الله عز وجل وحكمته وما استقام { لِلنَّبِىّ والذين * ءامَنُواْ } بالله تعالى على الوجه المأمور به { أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } به سبحانه { وَلَوْ كَانُواْ } أي المشركون { أُوْلِى قربى } أي ذوي قرابة لهم ، وجواب { لَوْ } محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والجملة معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة خذفاً مطرداً أي لو لم يكونوا أولى قربى ولو كانوا كذلك { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ } أي للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { أَنَّهُمْ } أي المشركين { أصحاب الجحيم } بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحي بأنهم مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون أصلاً ، وفيه دليل على صحة الاستغفار لأحيائهم الذين لا قطع بالطبع على قلوبهم ، والمراد منه في حقهم طلب توفيقهم للإيمان ، وقيل : إنه يستلزم ذلك بطريق الاقتضاء فلا يقال : إنه لا فائدة في طلب المغفرة للكافر ، والآية على الصحيح نزلت في أبي طالب . فقد أخرج أحمد ، وابن أبي شيبة . والبخاري . ومسلم . والنسائي . وابن جرير . وابن المنذر . والبيهقي في الدلائل . وآخرون عن المسيب بن حزن قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل . وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أي عم قل : لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال : أبو جهل : وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل . وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أي عم قل : لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال : أبو جهل : وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل . وعبد الله يعاودانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول : لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الآية .
واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة . قال الواحدي : وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال : كان عليه الصلاة والسلام يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة ، وذكر نحواً من هذا صاحب التقريب ، وعليه لا يراد بقوله : فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول ، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب .

(7/379)


واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء بل يراد أن ذلك سبب النزول ، فالفار فيه للسببية لا للتعقيب . واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه ، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد . وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال : «إذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الخ» فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيا به ، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له ، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال : إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة . والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافراً وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة .
وروى ابن إسحق في سيرته عن العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من خبر طويل " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب في مرض موته وقد طمع فيه : أي عم فانت فقلها يعني لا إله إلا الله أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة وحرض عليه عليه الصلاة والسلام بذلك فقال : والله يا ابن أخي لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعاً من الموت لقلتها ولا أقولها إلا لأسرك بها فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه فقال : يا ابن أخي لقد قال أخى الكلمة التي أمرته أن يقولها فقال له صلى الله عليه وسلم : لم أسمع " واحتج بهذا ونحوه من أبياته المتضمنة للإقرار بحقية ما جاء به صلى الله عليه وسلم وشدة حنوه عليه ونصرته له صلى الله عليه وسلم الشيعة الذاهبون إلى موته مؤمناً وقالوا : إنه المروى عن أهل البيت وأهل البيت أدرى . وأنت تعلم قوة دليل الجماعة فالاعتماد على ما روي عن العباس دونه مما تضحك منه الثكلى ، والأبيات على انقطاع أسانيدها ليس فيها النطق بالشهادتين وهو مدار فلك الإيمان ، وشدة الحنو والنصرة مما لا ينكره أحد إلا أنها بمعزل عما نحن فيه ، وأخبار الشيعة عن أهل البيت أو هن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت .

(7/380)


نعم لا ينبغي للمؤمن الخوض فيه كالخوض في سائر كفار قريش من أبي جهل . وأضرا به فإن له مزية عليهم بما كان يصنعه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من محاسن الأفعال ، وقد روى نفع ذلك له في الآخرة أفلا ينفعه في الدنيا في الكف عنه وعدم معاملته معاملة غيره من الكفار . فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد ذكر عنده عمه : «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار» وجاء في رواية أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عمك أيا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ فقال : نعم وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح من نار . وسبه عندي مذموم جداً لا سيما إذا كان فيه إيذاء لبعض العلويين إذ قد ورد «لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه» .
وزعم بعضهم أن الآية . نزلت في غير ذلك . فقد أخرج البيهقي في الدلائل . وغيره عن ابن سمعود قال : «خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فصلى ركعتين فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال : إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال : ما أبكاكم؟ قلنا : بكينا لبكائك قال : إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل على { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الخ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذاك الذي أبكاني» ولا يخفى أن الصحيح في سبب النزول هو الأول . نعم خبر الاستئذان في الاستغفار لأمه عليه الصلاة والسلام وعدم الاذن جاء في رواية صحيحة لكن ليس فيها أن ذلك سبب النزول . فقد أخرج مسلم . وأحمد . وأبو داود . وابن ماجه . والنسائي عن أبي هريرة قال : " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال عليه الصلاة والسلام : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فانها تذكركم الموت " واستدل بعضهم بهذا الخبر ونحوه على أن أمه عليه الصلاة والسلام ممن لا يستغفر له ، وفي ذلك نزاع شهير بين العلماء ، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيق الحق فيه إن شاء الله تعالى .

(7/381)


وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)

وَمَا كَانَ * أَسْتَغْفِرُ * إبراهيم لاِبِيهِ } آزر بقوله { واغفر لاِبِى } أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه كام يلوح به تعليله بقوله : { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين } [ الشعراء : 86 ] والجملة استئناف لتقرير ما سبق ودفع ما يتراءى بحسب الظاهر من المخالفة ، وأخرج أبو الشيخ . وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحمك الله وغفر لك لا أزال استغفر لك حتى ينهاني الله تعالى فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله تعالى { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة : 113 ] الآية فقالوا : قد استغفر إبراهيم لأبيه فأنزل سبحانه { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاِبِيهِ } { إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ } وقرأ طلحة { وَمَا * أَسْتَغْفِرُ } وعنه { وَمَا * يَسْتَغْفِرِ } على حكاية الحال الماضية لا أن الاستغفار سوف يقع بعد يوم القيامة كما يتوهم مما سيأتي إن شاء الله تعالى ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي لم يكن استغفاره عليه السلام لأبيه ناشئاً عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة { وَعَدَهَا } أي إبراهيم عليه السلام { إياه } أي أباه بقوله : { لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [ الممتحنة : 4 ] وقوله : { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } [ مريم : 47 ] فالوعد كان من إبراهيم عليه السلام .
ويدل على ذلك ما روي عن الحسن . وحماد الرواية . وابن السميقع . وابن نهيك . ومعاذ القارىء أنهم قرأوا { وَعَدَهَا * أَبَاهُ } بالموحدة ، وعد ذلك أحد الأحرف الثلاث التي صحفها ابن المقفع في القرآن مما لا يلتفت إليه بعد قراءة غير واحد من السلف به وإن كانت شاذة . وحاصل معنى الآية ما كان لكم الاستغفار بعد التبين واستغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما كان عن موعدة قبل التبين ، ومآله أن استغفار إبراهيم عليه السلام كان قبل التبين وينبىء عن ذلك قوله تعالى : { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أي لإبراهيم عليه السلام { أَنَّهُ } أي أن أباه { عَدُوٌّ لِلَّهِ } أي مستمر على عداوته تعالى وعدم الإيمان به وذلك بأو أوحى إليه عليه السلام أنه مصر على الكفر . وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ذلك التبين كان بموته كافراً وإليه ذهب قتادة ، قيل : والأنسب بوصف العداوة هو الأول والأمر فيه هين .
{ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أي قطع الوصلة بينه وبينه ، والمراد تنزه عن الاستغفار له وتجانب كل التجانب ، وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائره { إِنَّ إبراهيم لاوَّاهٌ } أي لكثير التأوه ، وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب . وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم؛ وغيرهما عن عبد الله بن شداد قال : قال رجل : يا رسول الله ما الأواه؟ قال : الخاشع المتضرع الدعاء .

(7/382)


وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أنه الدعاء المستكن إلى الله تعالى كهيئة الرميض المتأوه من مرضه وهو قريب مما قبله : وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد . وقتادة . وعطاء . والضحاك . وعكرمة إنه الموقن بلغة الحبشة ، وعن عمرو بن شرحبيل أنه الرحيم بتلك اللغة وأطلق ابن مسعود تفسيره بذلك ، وعن الشعبي أنه المسبح . وأخرج البخاري في تاريخه أنه الذي قلبه معلق عند الله تعالى . وأخرج البيهقي في شعب الإيمان . وغيره عن كعب أن إبراهيم وصف بالأواه لأنه كان إذا ذكر النار قال أوه من النار أوه . وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجوزاء مثله ، وإذا صح تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم له لا ينبغي العدول عنه . نعم ما ذهب إليه الجماعة غير مناف له ومناسبته لما نحن فيه ظاهرة كما لا يخفى . وقد صرح غير واحد أنه فعال للمبالغة من التأوه؛ وقياس فعله أن يكون ثلاثياً لأن أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها منه ، ووحكى قطرب له فعلاً ثلاثياً فقال : يقال آه يؤوه كقام يقوم أوها وأنكره عليه غيره وقال : لا يقال إلا أوه وتأوه قال المثقب العبدي
: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين
وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين . وفي الدرة للحريري أن الأفصح أن يقال في التأوه أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها والكسر أغلب ، وعليه قول الشاعر
: فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء
وقد شدد بعضهم الواو وأسكن الهاء فقال أوه ، وقلب بعضهم الواو ألفاً فقال آه ، ومنهم من حذف الهاء وكسر الواو فقال أو ثم ذكر أن تصريف الفعل من ذلك أوه وتأوه وأن المصدر الآهة والأهة وإن من ذلك قول المثقب السابق { حَلِيمٌ } أي صبور على الأذى صفوح عن الجناية ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان من حلمه عليه السلام أنه إذا آذاه الرجل من قومه قال له : هداك الله تعالى ، ولعل تفسيره بالسيد على ما روي عن الحبر مجاز . والجملة استئناف لبيان ما حمله عليه الصلاة والسلام على الموعدة بالاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله عليه الصلاة والسلام : { لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لارْجُمَنَّكَ واهجرنى مَلِيّاً } [ مريم : 46 ] ، وقيل : استئناف لبيان ما حمله على الاستغفار . وأورد عليه أنه يشعر بظاهره أن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه كان عن وفور الرحمة وزيادة الحلم وهو يخالف صدر الآية حيث دل على أنه كان عن موعدة ليس إلا ، ولعل المراد أن سبب الاستغفار ليس إلا الموعدة الناشئة عما ذكر فلا اشكال .

(7/383)


وفيها تأكيد لوجوب الاجتناب بعد التبين كأنه قيل : إنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه بعد التبين وهو في كمال رقة القلب والحلم فلا بد أن يكون غيره أكثر منه اجتناباً وتبرؤاً ، وجوز بعضهم أن يكون فاعل وعد ضمير الأب و { إياه } ضمير إبراهيم عليه الصلاة والسلام أي إلا عن موعدة وعدها إبراهيم أبوه وهي الوعد بالإيمان .
قال شيخ مشايخنا صبغة الله أفندي الحيدري : لعل هذا هو الأظهر في التفسير فإن ظاهر السياق أن هذه الآية دفع لما يرد على الآية الأولى من النقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر ويكفى فيه مجرد كونه في يحاة أبيه حيث يحمل ذلك على طلب المغفرة له بالتوفيق للإيمان كما قرر سابقاً من غير حاجة إلى حديث الموعدة فيصير { إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } كالحسو على التوجيه الأول للضميرين بخلاف هذا التوجيه فإن محصله عليه هو أنه لا يرد استغفار إبراهيم لأبيه نقضاً على ما ذكرنا إذ هو إنما صدر عن ظن منه عليه الصلاة والسلام بإيمانه حيث سبق وعده معه عليه الصلاة والسلام فظن أنه وفي بالوعد وجرى على مقتضى العهد فاستغفر له فلما تبين له أنه لن يفي ولن يؤمن قط أو لم يف ولم يؤمن تبرأ منه .
ويمكن أن يوجه ذكر الموعدة على التوجيه الأول أيضاً بأن يقال : أراد سبحانه وتعالى تضمين الجواب بكون ذلك الاستغفار في حال حياة المستغفر له وحمله على الطلب المذكور فائدة أخرى هي أنه صلى الله عليه وسلم لغاية تصلبه في الدين وفرط تعصبه على اليقين ما كان يستغفر له وإن كان جائزاً لكن تأوه وتحلم فاستغفر له وفاء بالموعدة التي وعدها إياه فتفطن انتهى ، وأنت تعلم أنه على التوجيه الثاني لا يستقيم ما قالوه في استئناف الجملة من أنه لبيان الحامل وكان عليه أن يذكر وجه ذلك عليه ، وأيضاً قوله رحمه الله تعالى في بيان الفائدة : لكنه تأوه وتحلم حيث نسب فيه الحلم إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بصيغة التفعل مع وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالحليم عثرة لا يقال لصاحبها لعا ، وحمل ذلك على المشاكلة مع إرادة فعل مما لا يوافق عرضه وسوق كلامه ، فالحق الذي ينبغي أن يعول عليه التفسير الأول للآية وهو الذي يقتضيه ما روي عن الحسن . وغيره من سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم . وذكر حديث الموعدة لبيان الواقع في نفس الأمر مع ما فيه من الإشارة إلى تأكيد الاجتناب وتقوية الفرق كأنه قيل : فرق بين بين الاستغفار الذي نهيتم عنه واستغفار إبراهيم عليه السلام فإن استغفاره كان قبل التبين وكان عن موعدة دعاه إليها فرط رأفته وحلمه وما نهيتم عنه ليس كذلك .

(7/384)


بقي أن هذه الآية يخالفها ظاهر ما رواه البخاري في «الصحيح» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يلقى إبراهيم عليه السلام أباه يوم القيامة وعلى وجهه قترة وغبرة فيقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ألم أقل لك لا تعصني فيقول أبوه اليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزي من أبى الأبعد فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال : يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار . ورواه غيره بزيادة فيتبرأ منه فإن الآية ظاهرة في انقطاع رجاء إبراهيم عليه السلام اتصاف أبيه بالإيمان وجزمه بأنه لا يغفر له ولذلك تبرأ منه وترك الاستغفار له فإن الاستغفار له مع الجزم بأنه لا يغفر له مما لا يتصور وقوعه من العارف لا سيما مثل الخليل عليه الصلاة والسلام ، وقد صرحوا بأن طلب المغفرة للمشرك طلب لتكذيب الله سبحانه نفسه ، والحديث ظاهر في أنه عليه الصلاة والسلام يطلب ذلك له يوم القيامة ولا ييأس من نجاته إلا بعد المسخ فإذا مسخ يئس منه وتبرأ .
وأجاب الحافظ ابن حجر عن المخالفة بجوابين بحث فيهما بعض فضلاء الروم ، ومن الغريب قوله في الجواب الثاني : إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يتيقن موت أبيه على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع عليه الصلاة والسلام على ذلك ويكون وقت تبريه منه بعد الحالة التي وقعت في الحديث فإنه مخالف مخالفة ظاهرة لما يفهم من الآية من أن التبين والتبري كان كل منهما في الدنيا ، وأجاب ذلك البعض بأنا لا نسلم التخالف بين الآية والحديث ، وإنما يكون بينهما ذلك لو كان في الحديث دلالة على وقوع الاستغفار من إبراهيم لأبيه وطلب الشفاعة له وليس فليس ، وقوله : يا رب إنك وعدتني الخ أراد به عليه الصلاة والسلام محض الاستفسار عن حقيقة الحال فإنه اختلج في صدره الشريف أن هذه الحال الواقعة على أبيه خزي له وأن خزي الأب خزي الابن فيؤدي ذلك إلى خلف الوعد المشار إليه بقوله : إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون ، وأنت خبير بأن الخبر ظاهر في الشفاعة ، وهي استغفار كما يدل عليه كلام المتكلمين في ذلك المقام .
ويزيد ذلك وضوحاً أن الحاكم أخرج عن أبي هريرة أيضاً وصححه ، وقال على شرط مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول : يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول : خير ابن . فيقول : هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول : نعم . فيقول خذ بازرتي فيأخذ بازرته ثم ينطلق حتى يأتي الله تعالى وهو يفصل بين الخلق فيقول : يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت فيقول : أي رب وأبي معي فإنك وعدتني أن لا تخزيني قال فيمسخ أباه ضبعاً فيهوى في النار فيأخذ بأنفه فيقول سبحانه : يا عبدي هذا أبو فيقول : لا وعزتك "

(7/385)


وقال الحافظ المنذري : إنه في «صحيح البخاري» إلا أنه قال : " يلقى إبراهيم أباه " وذكر القصة إذ بفهم من ذلك أن الرجل في حديث الحاكم هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وطلبه المغفرة لأبيه فيه وإدخاله الجنة أظهر منهما في حديث البخاري وما ذكره الزمخشري ملاالفاً على ما قيل : لما شاع عن المعتزلة أن امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي لا بالعقل لأن العقل يجوز أن يغفر الله تعالى للكافر ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب : " لأستغفرن لك ما لم أنه " لا ينفع في هذا الغرض إلا إذا ضم إليه عدم علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك بالوحي إلى يوم القيامة وهو مما لا يكاد يقدم عليه عاقل فضلاً عن فاضل .
وأجاب بعض المعاصرين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفر أبيه ومتيقناً بأن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به إلا أن الشفقة والرأفة الطبيعية غلبت عليه حين رأى أباه في عرصات يوم القيامة وعلى وجهه قترة فلم يملك نفسه أن طلب ما طلب ، ونظير ذلك من وجه قول نوح عليه الصلاة والسلام لربه سبحانه : { إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق } [ هود : 45 ] ولا يخفى أنه من الفساد بمكان ومثله ما قيل : إنه ظن استثناء أبيه من عموم { إِنَّ الله يَغْفِرُ * أَن يُشْرَكَ بِهِ } [ النساء : 48 ] لأن الله وعده أن لا يخزيه فقدم على الشفاعة له ، ولعمري لا يقدم عليه إلا جاهل بجهله أما الأول فلأن الأنبياء عليهم السلام أجل قدراً من أن تغلبهم أنفسهم على الاقدام على ما فيه تكذيب الله تعالى ، وأما الثاني فلأنه له كان لذلك ألفاً أصل ما كان يتبرأ منه عليه السلام في الدنيا بعد أن تبين له أنه لله وهو الأوام .
/ وقيل : إن الأحسن في الجواب التزام أن ما في الخبرين ليس من الشفاعة في شيء ويقال : إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ظن أن خزي أبيه في معنى الخزي له فطلب بحكم وعد الله سبحانه إياه أن لا يخزيه تخليصا من ذلك حسبما يمكن فخلصه منه بمسخه ذيخا ، ولعل ذلك مما يعده إبراهيم عليه السلام تخليصاً له من الخزي لاختلاف النوع وعدم معرفة العارفين لأبيه بعد أنه أبوه فكأن الأبوة انقطعت من البين ويؤذن بذلك أن بعد المسخ يأخذ سبحانه بأنفه فيقول له عليه السلام : يا عبدي هذا أبوك؟ فيقول : لا وعزتك ، ولعل المراد من التبري في الرواية السابقة في الخبر الأول هو هذا القول ، وتوسيط حديث تحريم الجنة على الكافرين ليس لأن إبراهيم عليه السلام كان طالباً ادخال أبيه فيها بل لإظهار عدم إمكان هذا الوجه من التخليص اقناطاً لأبيه وإعلاماً له بعظم ما أتي به ، ويحمل قوله عليه السلام في خبر الحاكم حين يقال له : يا عبد ادخل من أي أبواب الجنة شئت أي رب وأبى معي على معنى أأدخل وأبي واقف معي ، والمراد لا أدخل وأبي في هذه الحال وإنما ادخل إذا تغيرت ، ويكون قوله عليه السلام : فانك وعدتني أن لا تخزيني تعليلاً للنفي المدلول عليه بالاستفهام المقدر وحينئذ يرجع الأمر إلى طلب التخليص عما ظنه خزياً له أيضاً فيمسخ ضبعاً لذلك .

(7/386)


ولا يرد أن التخليص ممكن بغير المسخ المذكور لأنا نقول . لعل اختيار ذلك المسخ دون غيره من الأمور الممكنة ما عدا دخول الجنة لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه ، وقد ذكروا أن حكمة مسخه ضبعاً دون غيره من الحيوانات أن الضبع أحمق الحيوانات ومن حمقه أنه يغفل عما يجب له التيقظ ولذلك قال على كرم الله تعالى وجهه : لا أكون كالضبع يسمع الكدم فيخرج له حتى يصاد وآزر لما لم يقبل النصيحة من أشفق الناس عليه زمان إمكان نفعها له وأخذ بازرته حين لا ينفعه ذلك شيئاً كان أشبه الخلق بالضبع فمسخ ضبعاً دون غيره لذلك ، ولم يذكروا حكمة اختيار المسخ دون غيره وهو لا يخلو عن حكمة والجهل بها لا يضر انتهى .
ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف ، وأولى منه التزام كون فاعل { وَعْدُ } ضمير الأب وضمير { إياه } راجعاً إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكون التبين والتبري واقعين في الآخرة حسبما تضمنه الخبران السابقان ، فحينئذ لا يبعد أن يكون إبراهيم مستغفراً لأبيه بعد وعده إياه بالإيمان طالباً له الجنة لظن أنه وفى بوعده حتى يمسخ ذيخاً ، لكن لا يساعد عليه ظاهر الآية ولا المأثور عن سلف الأمة وإن صح كون الآية عليه دفعاً لما يرد على الآية الأولى من النقض أيضاً بالعناية ، ولعل أخف الأجوبة مؤنة كون مراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام من تلك المحاورة التي تصدر منه في ذلك الموقف إظهار العذر فيه لأبيه وغيره على أتم وجه لا طلب المغفرة حقيقة ، وهذا كما قال المعتزلة في سؤال موسى عليه السلام رؤية الله تعالى مع العلم بامتناعها في زعمهم ، والقول بأن أهل الموقف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغيرهم من سائر المؤمنين والكفار سواء في العلم بامتناع المغفرة للمشرك مثلا في حيز المنع ، وربما يدعى عدم المساواة لظاهر طلب الكفار العفو والإخراج من النار ونحو ذلك بل في الخبرين السابقين ما يدل على عدم علم الأب بحقيقة الحال وأنه لا يغفر له فتأمل ذاك والله سبحانه يتولى هذاك { *وبقي أيضاً } أنه استشكل القول بأن استغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه حتى تبين له أنه عدو لله كان في حياته بما في سورة الممتحنة من قوله سبحانه :

(7/387)