صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)
{ والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } آخر منهم أي في الميراث كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقال قتادة . وابن إسحاق : في المؤازرة ، وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والمؤازرة بينهم وبين المسلمين وإيجاب ضد ذلك وإن كانوا أقارب ، ومن هنا ذهب الجمهور إلى أنه لا يرث مسلم كافراً ولا كافر مسلماً ، وأخرج ذلك ابن مردويه . والحاكم وصححه عن أسامة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك وقرأ الآية ، ومن الناس من قال : إن المسلم يرث الكافر دون العكس وليس مما يعول عليه والفتوى على الأول كما تحقق في محله { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } أي إلا تفعلوا ما أمرتم به في الآيتين ، وقيل : الضمير المنصوب للميثاق أو حفظه أو الإرض أو النصر أو الاستنصار المفهوم من الفعل والأولى ما ذكرنا ، وفي الأخير ما لا يخفى من التكلف . (7/142)
{ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الارض } أي تحصل فتنة عظيمة فيها ، وهي اختلاف الكلمة وضعف الإيمان وظهور الكفر { وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن فالمراد فساد كبير فيها ، وقيل : المراد في الدارين وهو خلاف الظاهر ، وعن الكسائي أنه قرأ { كَثِيرٍ } بالمثلثة .
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)
{ والذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار بأنهم الفائزون بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله سبحانه : { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } لا يقادر قدرها { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } أي لا تبعة له ولا منة فيه ، وقيل : هو الذي لا يستحيل نجوا في الأجواف وهو رزق الجنة . (7/143)
وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)
{ والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ } أي في بعض أسفاركم ، والمراد بهم قيل : المؤمنون المهاجرون من بعد صلح الحديبية وهي الهجرة الثانية ، وقيل : من بعد نزول الآية ، وقيل : من بعد غزوة بدر ، والأصح أن المراد بهم الذين هارجوا بعد الهجرة الأولى { فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار ، وفيه إشارة إلى أن السابقين هم السابقون في الشرف وأن هؤلاء دونهم فيه ، ويؤيد أمر شرفهم توجيه الخطاب إليهم بطريق الالتفات ، وبهذا القسم صارت أقسام المؤمنين أربعة ، والتوارث إنما هو في القسمين الأولين على ما علمت؛ وزعم الطبرسي أن ذلك الحكم يثبت لهؤلاء أيضاً فيكون التوارث بين ثلاثة أقسام ، وجعل معنى { مّنكُمْ } من جملتكم وحكمهم حكمكم في وجوب الموالاة والموارثة والنصرة ولم أره لأصحابنا . (7/144)
{ وَأُوْلُواْ الارحام } أي ذوو القرابة { بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } آخر منهم في التوريث من الأجانب { فِي كتاب الله } أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ ، أخرج الطيالسي . والطبراني . وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب ، وأخرج ابن مردويه عنه رضي الله تعالى عنه قال : توارث المسلمون لما قدموا المدينة بالهجروة ثم نسخ ذلك بهذه الآية ، واستدل بها على توريث ذوي الأرحام الذين ذكرهم الفرضيون ، وذلك لأنها نسخ بها التوارث بالهجرة ولم يفرق بين العصبات وغيرهم فيدخل من لا تسمية لهم ولا تعصيب وهم هم وبها أيضاً احتج ابن مسعود كما أخرجه ابن أبي حاتم . والحاكم على أن ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة ، ولما سمع الحبر قال : هيهات هيهات أين ذهب؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الاعراب فنزلت ، وخالفه سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً على ما قيل . وأنت تعلم أنه ءذا أريد بكتاب الله تعالى آيات المواريث السابقة في سورة النساء أو حكمه سبحانه المعلوم هناك لا يبقى للاستدلال على توريث ذوي الأرحام بالآية وجه ، وكذا ما قاله ابن الفرس من أنه قد يستدل بها لمن قال : إن القريب أولى بالصلاة على الميت من الوالي { أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } ومن جملته ما في تعليق التوارث بالقرابة الدينية أولاً على الوجه السابق وبالقرابة النسبية آخراً من الحكم البالغة .
هذا ومن باب ازشارة : { والذين ءامَنُواْ } الإيمان العلمي { وَهَاجَرُواْ } من أوطان نفوسهم { وجاهدوا بأموالهم } بإنفاقها حتى تخللوا بعباء التجرد والانقطاع إلى الله عز وجل { وَأَنفُسِهِمْ } باتعابها بالرياضة ومحاربة الشيطان وبذلها في سبيل الله تعالى وطريق الوصول إليه { والذين ءاوَواْ } إخوانهم في الطريق ونصروهم على عدوهم بالإمداد { أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } بميراث الحقائق والعلوم النافعة { والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ } عن وطن النفس { مَا لَكُم مّن ولايتهم مّن شَىْء } فلا توارث بينكم وبينهم إذ ما عندكم لا يصلح لهم ما لم يستعدوا له وما عندهم يأباه استعدادكم { حتى يُهَاجِرُواْ } كما هاجرتم فحينئذٍ يثبت التوارث بينكم وبينهم { وَإِنِ استنصروكم فِى الدين فَعَلَيْكُمُ النصر } [ الأنفال : 72 ] فإن الدين مشترك ، وعلى هذا الطرز يقال في باقي الآيات والله تعالى ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق .
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)
{ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي هذه براءة والتنوين للتفخيم و { مِنْ } ابتدائية كما يؤذن به مقابلتها بإلى متعلقة بمحذوف وقع صفة للخبر لفساد تعلقه به أي واصلة من الله ، وقدروه بذلك دون حاصله لتقليل التقدير لأنه يتعلق به { إلى } الآتي أيضاً ، وجوز أن تكون مبتدأ لتخصيصها بصفتها وخبره قوله تعالى : { إِلَى الذين * عاهدتم مّنَ المشركين } . (7/145)
وقرأ عيسى بن عمرو { بَرَاءةٌ } بالنصب وهي منصوبة باسمعوا أو الزموا على الإغراء ، وقرأ أهل نجران { مِنَ الله } بكسر النون على أن الأصل في تحريك الساكن الكسر ، لكن الوجه الفتح مع لام التعريف هرباً من توالي الكسرتين ، وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذكر في قوله تعالى : { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } [ التوبة : 3 ] اكتفاءً بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرار لفظ من ، والعهد العقد الموثق باليمين ، والخطاب في { عاهدتم } للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة ، وأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأملهوا أربعة أشهر ليسيروا حيث شاءوا .
وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع شمولها للمسلمين في اشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول عليه الصلاة والسلام للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على الع ، السابق عن التعرض للكفرة وذلك منوط بجانب الله تعالى من غير توقف على شيء أصلاً ، واشتراك المسلمين إنما هو على طريق الامتثال لا غير ، وأما المعاهدة فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعية لا تتحصل ولا تترتب عليها الأحكام إلا بمباشرة المتعاقدين على وجه لا يتصور صدوره منه تعالى وإنما الصادر عنه سبحانه الإذن في ذلك وإنما المباشر له المسلمون ، ولا يخفى أن البراءة إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل فيها ، على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءة وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان ، وتنزيهاً لساحة الكبرياء عما يوهم شائبة النقص والبداء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وأدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في كلا المقامين كذا حرره بعض المحققين وهو توجيه وجيه . وزعم بعضهم أن المعاهدة لما لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة نسبت إليه بخلاف البراءة فإنها واجبة بإيجابه تعالى فلذا نسبت للشارع وهو كما ترى .
وذكر ابن المنير في سر ذلك أن نسبة الع . د إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أدباً . (7/146)
ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم : « إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم فانكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا ، وإن طلبوا ذمة الله تعالى فأنزلوهم على ذمتكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفر ذمة الله تعالى » فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله تعالى مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع ، فتوقير عهد الله تعالى وقد تحقق من المشركين النكث وقد تبرأ منه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا ينسب العهد المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدر فلذلك نسب العهد للمسلمين دون البراءة منه ولا يخلو عن حسن إلا أنه غير واف وفاء ما قد سبق ، وقيل : إن ذكر الله تعالى للتمهيد كقوله سبحانه : { لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } [ الحجرات : 1 ] تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ولولا قصد التمهيد لأعيدت { مِنْ } كما في قوله عز وجل : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ } [ التوبة : 7 ] وإنما نسبت البراءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمعاهدة إليهم لشركتهم في الثانية دون الأولى . وتعقب بأنه لا يخفى ما فيه فإن من برأ الرسول عليه الصلاة والسلام منه تبرأ منه المؤمنون ، وما ذكر من إعادة الجار ليس بلازم ، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام لضعف التهويل حينئذ ، وقيل : ولك أن تقول : إنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأن الله تعالى علم أن لا عهد لهم وأعلم به رسوله عليه الصلاة والسلام فلذا لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل ، وهذه نكتة الاتيان بالجملة اسمية خبرية وإن قيل : إنها إنشائية للبراءة منهم ولذا دلت على التجدد .
وفيه أن حديث الأزل لا يتأتى في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهراً وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضاً ، ونكتة الاتيان بالجملة الاسمية وهي الدلالة على الدوام والاستمرار لا تتوقف على ذلك الحديث فقد ذكرها مع ضم نكتة التوسل إلى التهويل بالتنكير التفخيمي من لم يذكره .
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)
{ فَسِيحُواْ فِى الارض } أي سيروا فيها حيث شئتم ، وأصل السياحة جريان الماء وانبساطه ثم استعملت في السير على مقتضى المشيئة ، ومنه قوله : (7/147)
لو خفت هذا منك ما نلتني ... حتى ترى خيلاً أمامي تسيح
ففي هذا الأمر من الدلالة على كمال التوسعة والترفية ما ليس في سيروا ونظائره وزيادة { فِى الارض } زيادة في التعميم ، والكلام بتقدير القول أي فقولوا لهم سيحوا ، أو بدونه وهو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، والمقصود الإباحة والاعلام بحصول الامان من القتل والقتال في المدة المضروبة ، وذلك ليتفكروا ويحتاطوا ويستعدوا بما شاءوا ويعلموا أن ليس لهم بعد إلا الإسلام أو السيف ولعل ذلك يحملهم على الاسلام ، ولأن المسلمين لو قاتلوهم عقيب إظهار النقض فربما نسبوا إلى الخيانة فامهلوا سداً لباب الظن وإظهاراً لقوة شوكتهم وعدم اكتراثهم بهم وباستعدادهم ، وللمبالغة في ذلك اختيرت صيغة الأمر دون فلكم أن تسيحوا ، والفاء لترتيب الأمر بالسياحة وما يعقبه على ما يؤذن به البراءة المذكورة من الحرب على أن الأول مترتب على نفسه للثاني بكلا متعلقيه على عنوان كونه من الله العزيز جل شأنه ، كأنه قيل : هذه براءة موجبة لقتالكم فاسعوا في تحصيل ما ينجيكم وإعداد ما يجديكم { أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم عند الزهري لأن الآية نزلت في الشهر الأول ، وقيل : إنها وإن نزلت فيه إلا ان قراءتها على الكفار وتبليغها إليهم كان يوم الحج الأكبر فابتداء المدة عاشر ذي الحجة إلى انقضاء عشر شهر ربيع الآخر ، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه . ومجاهد . ومحمد بن كعب القرظي .
وقيل : ابتداء تلك المدة يوم النحر لعشر من ذي القعدة إلى انقضاء عشر من شهر ربيع الأول ، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسىء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع التي قال فيها صلى الله عليه وسلم : « ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض » وإلى ذلك ذهب الجبائي ، واستصوب بعض الأفاضل الثاني وادعى أن الأكثر عله ، روي من عدة أخبار متداخلة بعضها في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانشد :
لاهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الا تلدا (7/148)
قد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يد
فانصر هداك الله نصراً أعتدا ... وادعو عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... أن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا مبثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي من كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالحطيم جهدا ... وقتلونا ركعا وسجدا
فقال عليه الصلاة والسلام : « لا نصرت إن لم أنصرك » ثم تجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فقال : إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فبعث عليه الصلاة والسلام تلك السنة أبا بكر رضي الله تعالى عنه أميراً على الناس ليقيم لهم الحج وكتب له سننه ثم بعث بعده علياً كرم الله تعالى وجهه على ناقته العضباء ليقرأ على أهل الموسم صدر براءة فلما دناه علي كرم الله تعالى وجهه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال : أمير أو مأمور؟ قال : مأمور فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي كرم الله تعالى وجهه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : أيها الناس إني رسول الله تعالى إليكم فقالوا : بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من السورة ثم قال : أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده ، واختلفت الروايات في أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هل كان مأموراً أو لا بالقراءة أم لا والأكثر على أنه كان مأموراً وأن علياً كرم الله تعالى وجهه لما لحقه رضي الله تعالى عنه أخذ منه ما أمر بقراءته ، وجاء في رواية ابن حبان . وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حين أخذ منه ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك محافة أن يكون قد أنزل فيه شيء فلما أتاه قال : مالي يا رسول الله؟ قال : خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني .
/ وجاء من رواية أحمد . والترمذي وحسنه . وأبو الشيخ ، وغيرهم عن أنس قال : « بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه ثم دعاه فقال : لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً كرم الله تعالى وجهه فاعطاه اياه »
وهذا ظاهر في أن علياً لم يأخذ ذلك من أبي بكر في الطريق وأكثر الروايات على خلافه ، وجاء في بعضها ما هو ظاهر في عدم عزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن الأمر بل ضم إليه علي كرم الله تعالى وجهه . فقد أخرج الترمذي وحسنه . والبيهقي في الدلائل . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فحجا فقام علي رضي الله تعالى عنه في أيام التشريق فنادى أن الله برىء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي كرم الله تعالى وجهه ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فنادى بها» وأيا ما كان ليس في شيء من الروايات ما يدل على أن علياً رضي الله تعالى عنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يبلغ عني غيري أو رجل مني سواى كان بوجي أم لا " جار على عادة العرب أن لا تولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب لتنقطع الحجة بالكلية ، فالتبليغ المنفى ليس عاماً كما يرشد إلى ذلك حديث أحمد . والترمذي . (7/149)
وكيف يمكن إرادة العموم وقد بلغ عنه صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأحكام الشرعية في حياته وبعد وفاته كثير ممن لم يكن من أقاربه صلى الله عليه وسلم كعلي كرم الله تعالى وجهه ومنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه فانه في تلك السنة حج بالناس وعلمهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الحج وما يلزم فيه وهو أحد الأمور الخمسة التي بنى الإسلام عليها ، على أن من أنصف من نفسه علم أن في نصب أبي بكر رضي الله تعالى عنه لإقامة مثل هذا الركن العظيم من الدين على ما يشعر به قوله سبحانه : { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [ آل عمران : 97 ] الآية إشارة إلى أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة شعائر دينه لا سيما وقد أيد ذلك بإقامته مقامه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس في آخر أمره عليه الصلاة والسلام وهي العماد الأعظم والركن الأقوم لدينه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس ، والقول بأنه رضي الله تعالى عنه عزل في المسألتين كما يزعمه بعض الشيعة لا أصل له وعلى المدعى البيان ودونه الشم الراسيات .
وبالجملة دلالة «لا ينبغي» الخ على الخلافة مما لا ينبغي القول بها ، وقصارى ما في الخبر الدلالة على فضل الأمير كرم الله تعالى وجهه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمن لا ينكر ذلك لكنه بمعزل عن اقتضائه التقدم بالخلافة على الصديق رضي الله تعالى عنه . وقد ذكر بعض أهل السنة نكتة في نصب أبي بكر أميراً للناس في حجهم ونصب الأمير كرم الله تعالى وجهه مبلغا نقض العهد في ذلك المحفل وهي أن الصديق رضي الله تعالى عنه لما كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال كمال يرشد إليه ما تقدم في حديث الاسراء وما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر أحال إليه عليه الصلاة والسلام أمر المسلمين الذين هم مورد الرحمة ، ولما كان علي كرم الله تعالى وجهه الذي هو أسد الله مظهر جلاله فوض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر فكانا كعينين فوارتين يفور من احداهما صفة الجمال ومن الأخرى صفة الجلال في ذلك المجمع العظيم الذي كان انموذجا للحشر ومورداً للمسلم والكافر انتهى . ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبي صلى الله عليه وسلم . (7/150)
/ وجعل المدة أربعة أشهر قيل لأنها ثلث السنة والثلث كثير ، ونصب العدد على الظرفية لسيحوا أي فسيحوا في أقطار الأرض في أربعة أشهر { واعلموا أَنَّكُمْ } لسياحتكم تلك { غَيْرُ مُعْجِزِي الله } لا تفوتونه سبحانه بالهرب والتحصن { وَأَنَّ الله مُخْزِى * الكافرين } في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالعذاب المهين ، وأظهر الاسم الجليل لتربية المهابة وتهويل أمر الاخزاء وهو الاذلال بما فيه فضيحة وعار ، والمراد من الكافرين اما المشركون المخاطبون فيما تقدم والعدول عن مخزيكم إلى ذلك لذمهم بالكفر بعد وصفهم بالاشراك وللاشعار بأن علة الاخزاء هي كفرهم واما الجنس الشامل لهم ولغيرهم ويدخل فيه المخاطبون دخولاً أولياً .
وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)
{ وَأَذّن * مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي إعلام وهو فعال بمعنى الأفعال أي إيذان كالأمان والعطاء . ونقل الطبرسي أن أصله من النداء الذي يسمع بالأذن بمعنى أذنته أو صلته إلى أذنه ، ورفعه كرفه براءة والجملة معطوفة على مثلها . (7/151)
وزعم الزجاج أنه عطف على { براءة } [ التوبة : 1 ] ، وتعقب بأنه لا وجه لذلك فإنه لا يقال : أن عمراً معطوف على زيد في قولك : زيد قائم وعمرو قاعد . وذكر العلامة الطيبي أن لقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يعطف على براءة على أن يكون من عطف الخبر على الخبر كأنه قيل : هذه السورة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم خاصة وأذان من الله ورسوله { إِلَى الناس } عامة . نعم الأوجه أن يكون من عطف الجمل لئلا يتخلل بين الخبرين جمل أجنبية ولئلا تفوت المطابقة بين المبتدأ والخبر تذكيراً وتأنيثاً ، ونظر فيه بعضهم أيضاً بأنهم جوزوا في الدار زيد والحجرة عمرو وعدوا ذلك من العطف على معمولي عاملين ، وصرحوا بأن نحو زيد قائم وعمرو يحتمل الأمرين ، وأجيب بأنه أريد عطف أذان وحده على براءة من غير تعرض لعطف الخبر على الخبر كما في نحو أريد أن يضرب زيد عمراً ويهين بكر خالداً فليس العطف إلا في الفعلين دون معموليهما هذا الذي منعه من منع؛
وإرادة العموم من { الناس } هو الذي ذهب إليه أكثر الناس لأن هذا الاذان ليس كالبراءة المختصة بالناكثين بل هو شامل للكفرة وسائر المؤمننين أيضاً ، وقال قوم : المراد بهم أهل العهد ، وقوله سبحانه : { يَوْمَ الحج الاكبر } منصوب بما تعلق به { إِلَى الناس } لا باذان لأن المصدر الموصوف لا يعمل على المشهور ، والمراد به يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ولأن الأعلام كان فيه .
ولما أخرج البخاري تعليقاً . وأبو داود . وابن ماجه . وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال : أي يوم هذا؟ قالوا : يوم النحر ، قال : هذا يوم الحج الأكبر ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . وابن جبير . وابن زيد . ومجاهد . وغيرهم ، وقيل : يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم « الحج عرفة » ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً ، وأخرج ابن أبي حاتم عن المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن جرير عن أبي الصهباء أنه سأل علياً كرم الله تعالى وجهه عن هذا اليوم فقال : هو يوم عرفة ، وعن مجاهد . وسفيان أنه جميع أيام الحج كما يقال : يوم الجمل .
ويوم صفين ويراد باليوم الحين والزمان والأول أقوى رواية ودراية ، ووصف بالحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما وقع في ذلك اليوم من أعماله فانه أكبر من باقي الأعمال فالتفضيل نسبي وغير مخصوص بحج تلك السنة . وعن الحسن أنه وصف بذلك لأنه اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب ، وقيل : لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين فالتفضيل مخصوص بتلك السنة؛ وأما تسمية الحج الموافق يوم عرفة فيه ليوم الجمعة بالأكبر فلم يذكروها وإن كان ثواب ذلك الحج زيادة على غيره كما تقله الجلال السيوطي في بعض رسائله { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } أي من عهودهم . وقرأ الحسن . والأعرج { ءانٍ } بالكسر لما أن الأذان فيه معنى القول ، وقيل : يقدر القول ، وعلى قراءة الفتح يكون بتقدير حرف جر وهو مطرد في إن وأن ، والجار والمجرور جوز أن يكون خبراً عن أذان وأن يكون متعلقاً به وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة له ، وقوله سبحانه : { وَرَسُولُهُ } عطف على المستكن في برىء ، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف وأن يكون عطفاً على محل اسم إن لكن على قراءة الكسر ، لأن المكسورة لمالم تغير المعنى جاز أن تقدر كالعدم فيعطف على محل ما عملت فيه أي على محل كان له قبل دخولها فانه كان إذ ذاك مبتدأ ، ووقع في كلامهم محل أن مع اسمها والأمر فيه هين . ولم يجيزوا ذلك على المسهور مع المفتوحة لأن لها موضعاً غير الابتداء ، وأجاز ابن الحاجب ههنا العطف على المحل في قراءة الجماعة أيضاً بناء على ما ذكر من أن المفتوحة على قسمين ما يجوز فيه العطف على المحل وما لا يجوز ، فإن كان بمعنى إن المكسورة كالتي بعد أفعال القلوب نحو علمت أن زيداً قائم وعمر وجاز العطف لأنها لاختصاصها بالدخول على الجمل يكون المعنى معها ان زيداً قائم وعمرو في علمي ، ولذا وجب الكسر في علمت إن زيداً لقائم ، وإن لم تكن كذلك لا يجوز نحو أعجبني أن زيداً كريم وعمرو ويتعين النصب فيه لأنها حينئذ ليست مكسورة ولا في حكمها ، ووجه الجواز بناء على هذا أن الاذن بمعنى العلم فيدخل على الجمل أيضاً كعلم . (7/152)
وقرأ يعقوب برواية روح . وزيد { وَرَسُولُهُ } بالنصب وهي قراءة الحسن . وابن أبي اسحق . وعيسى بن عمرو ، وعليها فالعطف على اسم ان وهو الظاهر ، وجوز أن تكون الواو بمعنى مع ونصب { وَرَسُولُهُ } على أنه مفعول معه أي برىء معه منهم .
وعن الحسن أنه قرأ بالجر على أن الواو للقسم وهو كالقسم بعمره صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه : { لَعَمْرُكَ } [ الحجر : 72 ] وقيل : يجوز كون الجر على الجوار وليس بشيء ، وهذه القراءة لعمري موهمة جداً وهي في غاية الشذوذ الظاهر أنها لم تصح .
يحكى أن إعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال : إن كان الله تعالى بريئاً من رسوله فانا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فحكى الاعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعليم العربية ، ونقل أن أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي كرم الله تعالى وجهه فكان ذلك سبب وضع النحو والله تعالى أعلم . (7/153)
وفرق الزمخشري بين معنى الجملة الأولى وهذه الجملة بأن تلك اخبار بثبوت البراءة وهذه اخبار بوجوب الاعلام بما ثبت ، وفي الكشف أن هذا على تقدير رفعهما بالخبرية ظاهر إلا أن في قوله اخبار بوجوب الاعلام تجوزاً وأراد أن يبين أن المقصود ليس الاخبار بالاعلام بل أعلم سبحانه أنه بريء ليعلموا الناس به ، وعلى التقدير الثاني وجهه أن المعنى في الجملة الأولى البراءة الكائنة من الله تعالى حاصلة منتهية إلى المعاهدين من المشركين فهو إخبار بثبوت البراءة كما تقول في زيد موجود مثلا : إنه إخبار بثبوت زيد ، وفي الثانية إعلام المخاطبين الكائن من الله تعالى بتلك البراءة ثابت واصل إلى الناس فهو إخبار بثبوت الاعلام الخاص صريحاً ووجوب أن يعلم المخاطبون الناس ضمنا ، ولما كان المقصود هو المعنى المضمن ذكر أنها إخبار بوجوب الاعلام ، وزعم بعضهم لدفع التكرار أن البراءة الأولى لنقض العهد والبراءة الثانية لقطع الموالاة والاحسان وليس بذلك { فَإِن تُبْتُمْ } من الكفر والغدر بنقض العهد { فَهُوَ } أي التوب { خَيْرٌ لَّكُمْ } في الدارين والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التهديد والتشديد ، والفاء الأولى لترتيب مقدم الشرطية على الاذان المذيل بالوعيد الشديد المؤذن بلين عريكتهم وانكسار شدة شكيمتهم { وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن التوبة أو ثبتم على التولي عن الإسلام والوفاء { فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله } غير سابقيه سبحانه ولا فائتيه { وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي في الآخرة على ما هو الظاهر .
ومن هنا قيد بعضهم غير معجزي الله بقوله في الدنيا ، والتعبير بالبشارة للتهكم ، وصرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل : لأن البشارة إنما تليق بمن يقف على الاسرار الالهية ، وقد يقال : لا يبعد كون الخطاب لكل من له حظ فيه وفيه من المبالغة ما لا يخفى .
إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)
{ إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين } استثناء على ما في الكشاف من المقدر في قوله : { فَسِيحُواْ فِى الارض } [ التوبة : 2 ] الخ لأن الكلام خطاب مع المسلمين على أن المعنى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم ، وهو بمعنى الاستدراك كأنه قيل : فلا تمهلوا الناكثين غير أربعة أشهر ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجرى الناكثين ، واعترض بأنه كيف يصح الاستثناء وقد تخلل بين المستثنى والمستثنى منه جملة أجنبية أعني قوله سبحانه : { وَأَذَانٌ مّنَ الله } [ التوبة : 3 ] فإنه كما قرر عطف على { براءة } [ التوبة : 1 ] ، وأجيب بأن تلك الجملة ليست أجنبية من كل وجه لأنها في معنى الأمر بالاعلام كأنه قيل : فقولوا لهم سيحوا واعلموا أن الله تعالى بريء منهم لكن الذين عاهدتم الخ ، وجعله بعضهم استدراكاً من النبذ السابق الذي أخر فيه القتال أربعة أشهر والمآل واحد ، وقيل : هو استثناء من المشركين الأول وإليه ذهب الفراء ، ورد بأن بقاء التعميم في قوله تعالى : { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } [ التوبة : 3 ] ينافيه ، وقيل : هو استثناء من المشركين الثاني . ورد بأن بقاء التعميم في الأول ينافيه ، والقول بالرجوع إليهما والمستثنى منهما في الجملتين ليستا على نسق واحد لا يحسن ، وجعل الثاني معهوداً وهم المشركون المستثنى منهم هؤلاء فقيل مجيء الاستثناء يبعد ارتكابه في النظم المعجز ، وقوله سبحانه : { فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ } حينئد لا بد من أن يجعل جزاء شرط محذوف وهو أيضاً خلاف الظاهر والظاهر الخبرية ، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، وكون المراد به أناساً بأعيانهم فلا يكون علما فيشبه الشرط فتدخل الفاء في خبره على تقدير تسليمه غير مضر فقد ذهب الاخفش إلى زيادة الفاء في خبر الموصول من غير اشتراذ العموم ، واستدل القطب لما في الكشاف بأن ههنا جملتين يمكن أن يعلق بهما الاستثناء جملة البراءة وجملة الامهال ، لكن تعليق الاستثناء بجملة البراءة يستلزم أن لا براءة عن بعض المشركين فتعين تعلقه بجملة الامهال أربعة أشهر ، وفيه غفلة عن أن المراد البراءة عن عهود المشركين لا عن أنفسهم ، ولا كلام في أن المعاهدين الغير الناكثين ليس الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بريئين من عهودهم وإن برئا عن أنفسهم بضرب من التأويل فافهم ، وقال ابن المنير : يجوز أن يكون قوله سبحانه : { فَسِيحُواْ } [ التوبة : 2 ] خطاباً للمشركين غير مضمر قبله القول ويكون الاستثناء على هذا من قوله تعالى : { إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ } [ التوبة : 1 ] كأنه قيل : براءة من الله تعالى ورسوله إلى المعاهدين إلا الباقين على العهد فأتموا إليهم أيها المسلمون عهدهم ، ويكون فيه خروج من خطاب المسلمين في { إِلاَّ الذين عاهدتم } إلى خطاب المشركين في { فَسِيحُواْ } ثم التفات من التكلم إلى الغيبة في (7/154)
{ واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأَنَّ الله } [ التوبة : 2 ] والأصل غير معجزي واني ، وفي هذا الالتفات بعد الالتفات الأول افتنان في أساليب البلاغة وتفخيم للشأن وتعظيم للأمر ، ثم يتلو هذا الالتفات العود إلى الخطاب في قوله سبحانه : { إِلاَّ الذين عاهدتم } الخ وكل هذا من حسنات الفصاحة انتهى ، ولا يخفى ما فيه من كثرة التعسف و { مِنْ } قيل بيانية ، وقيل : تبعيضية ، وثم في قوله تعالى : { ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة وينقصوا بالصاد المهملة كما قرأ الجمهور يجوز أن يتعدى إلى واحد فيكون شيئاً منصوباً على المصدرية أي لم ينقصوكم شيئاً من النقصان لا قليلاً ولا كبيراً ، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون { شَيْئاً } مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئاً من النقصان لا قليلاً ولا كثيراً ، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون { شَيْئاً } مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئاً من شروط العهد وأدوها لكم بتمامها ، وقرأ عكرمة . وعطاء { *ينقضوكم } بالضاد المعجمة ، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي لم ينقضوا عهودكم شيئاً من النقض وهي قراءة مناسبة للعهد إلا أن قراءة الجمهور أوقع لمقابلة التمام مع استغنائها عن ارتكاب الحدف { شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا } أي لميعاونوا { عَلَيْكُمْ أَحَداً } من أعدائكم كما عدت بنو بكر على خزاعة فظاهرتهم قريش بالسلاح كما تقدم { فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ } أي أدوه إليهم كملا { إلى مُدَّتِهِمْ } أي إلى انقضائها ولا تجروهم مجرى الناكثين قيل : بقي لبني ضمرة . وبني مدلج حيين من كنانة من عهدهم تسعة اشهر فأتم إليهم عهدهم ، وأخرج ابن أبي حاتم أنه قال : هؤلاء قريش عاهدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر فأمر الله تعالى شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم ذلك إلى مدتهم وهو خلاف ما تظافرت به الروايات من أن قريشاً نقضوا العهد على ما علمت والمعتمد هو الأول { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } تعليل لوجوب الامتثال وتنبيه على أن مراعاة العهد من باب التقوى وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركاً . (7/155)
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
{ فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم } أي انقضت ، وأصله من السلخ بمعنى الكشط يقال : سلخت الاهاب عن الشاة أي كشطته ونزعته عنها ، ويجيء بمعنى الاخراج كما يقال : سلخت الشاة عن الاهاب إذا أخرجتها منه ، وذكر أبو الهيثم أنه يقال : أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه فنحن نزداد كل ليلة لباساً إلى نصفه ثم نسلخه عن أنفسنا جزأ فجزأ حتى ينقضي وأنشد : (7/156)
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخى الشهور واهلالي
والانسلاخ فيما نحن فيه استعارة حسنة وتحقيق ذلك أن الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال الجلد على الحيوان وكذا كل جزء من أجزائه الممتدة كالأيام والشهور والسنين ، فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه ، وفي ذلك مزيد لطف لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزاً لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالهم بزوالها ، ومن هنا يعلم أن جعله استعارة من المعنى الأولى للسلخ أولى من جعله من المعنى الثاني باعتبار أنه لما انقضى كأنه أخرج من الأشياى الموجودة إذ لا يظهر هذا التلويح عليه ظهوره على الأول { وَالٍ } في الأشهر للعهد فالمراد بها الأشهر الأربعة المتقدمة في قوله سبحانه : { فَسِيحُواْ فِى الارض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [ التوبة : 2 ] وهو المروى عن مجاهد . وغيره . وفي الدر المصون أن العرب إذا ذكرت نكرة ثم أرادت ذكرها ثانياً أتت بالضمير أو باللفظ معرفاً بأل ولا يجوز أن تصفه حينئذ بصفة تشعر بالمغايرة فلو قيل رأيت رجلاً وأكرت الرجل الطويل لم ترد بالثاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز كقولك فأكرمت الرجل المذكور والآية من هذا القبيل ، فإن { الحرم } صفة مفهومة من فحوى الكلام فلا تقتضي المغايرة ، وكأن النكتة في العدول عن الضمير ووضع الظاهر موضعه الاتيان بهذه الصفة لتكون تأكيداً لما ينبىء عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم مع ما في ذلك من مزيد الاعتناء بشأن الموصوف .
وعلى هذا فالمراد بالمشركين في قوله سبحانه : { فاقتلوا المشركين } الناكثون فيكون المقصود بيان حكمهم بعد التنبيه على إتمام مدة من لم يكنث ولا يكون حكم الباقين مفهوماً من عبارة النص بل من دلالته ، وجوز أن يكون المراد بها تلك الأربعة مع ما فهم من قوله سبحانه : { فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ } [ التوبة : 4 ] من تتمة مدة بقيت لغير الناكثين . وعليه يكون حكم الباقين مفهوماً من العبارة حيث إن المراد بالمشركين حينئذ ما يعمهم والناكثين إلا أنه يكون الانسلاخ وما نيط به من القتال شيئاً فشيئاً لا دفعة واحدة ، فكأنه قيل : فإذا تم ميقات كل طائفة فاقتلوهم ، وقيل : المراد بها الأشهر المعهودة الدائرة في كل سنة وهي رجب .
وذو العقدة . وذو الحجة . والمحرم . وهو مخل بالنظم الكريم لأنه يأباه الترتيب بالفاء وهو مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشهر . وقيل : إنه مخالف للإجماع أيضاً لأنه قام على أن هذه الأشهر يحل فيها القتال وأن حرمتها نسخت وعلى تفسيره بها يقتضي بقاء حرمتها ولم ينزل بعد ما ينسخها . ورد بأنه لا يلزم أن ينسخ الكتاب بالكتاب بل قد ينسخ بالسنة كما تقرر في الأصول ، وعلى تقدير لزومه كما هو رأي البعض يحتمل أن يكون ناسخه من الكتاب منسوخ التلاوة . وتعقب هذا بأنه احتمال لا يفيد ولا يسمع لأنه لو كان كذلك لنقل والنسخ لا يكفي فيه الاحتمال ، وقيل : إن الاجماع إذا قام على أنها منسوخة كفى ذلك من غير حاجة إلى نقل سند إلينا ، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم ، وكما أن ذلك كاف لنسخها يكفي لنسخ ما وقع في الحديث الصحيح وهو « إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله تعالى السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب » فلا يقال : إنه يشكل علينا لعدم العلم بما ينسخه كما توهم ، وإلى نسخ الكتاب بالإجماع ذهب البعض منا . ففي النهاية شرح الهداية تجوز الزيادة على الكتاب بالإجماع صرح به الإمام السرخسي ، وقال فخر الإسلام : إن النسخ بالإجماع جوزه بعض أصحابنا بطريق أن الإجماع يوجب العلم اليقيني كالنص فيجوز أن يثبت به النسخ ، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المسهور والنسخ به جائز فبالاجماع أولى . وأما اشتراط حياة النبي صلى الله عليه وسلم في جواز النسخ فغير مشروط على قول ذلك البعض من الأصحاب اه . وأنت تعلم أن المسألة خلافية عندنا ، على أن في الإجماع كلاما ، فقد قيل : ببقاء حرمة قتال المسلمين فيها إلا أن يقاتلوا ونقل ذلك عن عطاء لكنه قول لا يعتد به ، والقول بأن منع القتال في الأشهر الحرم كان في تلك السنة وهو لا يقتضي منعه في كل ما شابهها بل هو مسكوت عنه فلا يخالف الإجماع ، ويكون حله معلوماً من دليل آخر ليس بشيء ، لأن الظاهر أن من يدعي الإجماع يدعيه في الحل في تلك السنة أيضاً ، وبالجملة لا معول على هذا التفسير ، وهذه على ما قال الجلال السيوطي هي آية السيف التي نسخت آيات العفو والصفح والاعراض والمسالمة . (7/157)
وقال العلامة ابن حجر : أية السيف { وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً } [ التوبة : 36 ] وقيل : هما ، واستدل الجمهور بعمومها على قتال الترك والحبشة كأنه قيل : فاقتلوا الكفار مطلقاً { حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } من حل وحرم { وَخُذُوهُمْ } قيل : أي أسروهم والأخيذ الأسير ، وفسر الأسر بالربط لا لاسترقاق ، فان مشركي العرب لا يسترقون .
وقيل : المراد إمهالهم للتخيير بين القتل والإسلام . وقيل : هو عبارة عن أذيتهم بكل طريق ممكن ، وقد شاع في العرف الأخذ على الاستيلاء على مال العدو ، فيقال : إن بني فلان أخذوا بني فلان أي استولوا على أموالهم بعد أن غلبوهم { واحصروهم } قيل أي أحبسوهم . (7/158)
ونقل الخازن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد امنعوهم عن الخروج إذا تحصنوا منكم بحصن .
ونقل غيره عنه أن المعنى حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام { واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } أي كل ممر ومجتاز يجتازون منه في أسفارهم ، وانتصابه عند الزجاج ومن تبعه على الظرفية . ورده أبو علي بأن المرصد المكان الذي يرصد فيه العدو فهو مكان مخصوص لا يجوز حذف في منه ونصبه على الظرفية إلا سماعا . وتعقبه أبو حيان بأنه لا مانع من انتصابه على الظرفية لأن قوله تعالى : { واقعدوا لَهُمْ } ليس معناه حقيقة القعود بل المراد ترقبهم وترصدهم ، فالمعنى ارصدوهم كل مرصد يرصد فيه ، والظرف مطلقاً ينصبه باسقاط في فعل من لفظه أو معناه نحو جلست وقعدت مجلس الأمير ، والمقصور على السماع ما لم يكن كذلك ، و { كُلٌّ } وإن لم يكن ظرفاً لكن له حكم ما يضاف إليه لأنه عبارة عنه .
وجوز ابن المنير أن يكون مرصداً مصدراً ميميا فهو مفعول مطلق والعامل فيه الفعل الذي بمعناه ، كأنه قيل : وارصدوهم كل مرصد ولا يخفى بعده ، وعن الأخفش أنه منصوب بنزع الخافض والأصل على كل مرصد فلما حذف على انتصب ، وأنت تعلم أن النصب بنزع الخافض غير مقيس خصوصاً إذا كان الخافض على فانه يقل حذفها حتى قيل : إنه مخصوص بالشعر { فَإِن تَابُواْ } عن الشرك بالإيمان بسبب ما ينالهم منكم { وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة } تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم ، واكتفى بذكرهما لكونهما رئيسي العبادات البدنية والمالية { فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } أي فاتركوهم وشأنهم ولا تتعرضوا لهم بشيء مما ذكر .
وقيل : المراد خلوا بينهم وبين البيت ولا تمنعوهم عنه والأول أولى ، وقد جاءت تخلية السبيل في كلام العرب كناية عن الترك كما في قوله :
خل السبيل لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
ثم يراد منها في كل مقام ما يليق به ، ونقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه استدل بالآية على قتل تارك الصلاة وقتال مانع الزكاة ، وذلك لأنه تعالى أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فما لم يوجد هذا المجموع تبقى اباحة الدم على الأصل ، ولعل أبا بكر رضي الله تعالى عنه استدل بها على قتال مانعي الزكاة . وفي الحواشي الشهابية أن المزني من جلة الشافعية رضي الله تعالى عنهم أورد على قتل تارك الصلاة تشكيكاً تحيروا في دفعه كما قاله السبكي في طبقاته فقال إنه لا يتصور لأنه إما أن يكون على ترك صلاة قد مضت أو لم تأت والأول باطل لأن المقضية لا يقتل بتركها والثاني كذلك لأنه ما لم يخرج الوقت فله التأخير فعلام يقتل؟ وسلكوا في الجواب مسالك .
الأول : أن هذا وارد أيضاً على القول بالتعزير والضرب والحبس كما هو مذهب الحنفية فالجواب الجواب وهو جدلي . يا رسول الله والثاني : أنه على الماضية لأنه تركها بلا عذر ، ورد بأن القضاء لا يجب على الفور وبأن الشافعي رضي الله تعالى عنه قد نص على أنه لا يقتل بالمقضية مطلقاً . والثالث : أنه يقتل للمؤداة في آخر وقتها . ويلزمه أن المبادرة إلى قتل تارك الصلاة تكون أحق منها إلى المرتد إذ هو يستتاب وهذا لا يستتاب ولا يمهل إذ لو أمهل صارتمقضية وهو محل كلام فلا حاجة إلى أن يجاب من طرف أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه كما قيل : بأن استدلال الشافعية مبني على القول بمفهوم الشرط وهو لا يعول به ، ولو سلمه فالتخلية الاطلاق عن جميع ما مر ، وحينئد يقال : تارك الصلاة لا يخلى ويكفى لعدم التخلية أن يحبس ، على أن ذلك منقوض بمانع الزكاة عنده ، وأيضاً يجوز أن يراد باقامتهما التزامهما وإذا لم يلتزمهما كان كافراً إلا أنه خلاف المتبادر وإن قاله بعض المفسرين . (7/159)
وأنت تعلم أن مذهب الشافعية إن من ترك صلاة واحدة كسلا بشرط اخراجها عن وقت الضرورة بأن لا يصلي الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس قتل حدا ، واستدل بعض أجلة متأخريهم بهذه الآية ، وقوله صلى الله عليه وسلم « أمرت أن أقاتل الناس » الحديث وبين ذلك بأنهما شرطاً في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لكن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا منها وقاتلونا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة فانه لا يمكن فعلها بالمقاتلة فكانت فيها بمعنى القتل ، ثم قال : فعلم وضوح الفرق بين الصلاة والزكاة وكذا الصوم فإنه إذا علم انه يحبس طول النهار نواه فاجدي الحبس فيه ولا كذلك الصلاة فتعين القتل في حدها ولا يخفى أن ظاهر هذا قول بالجمع بين الحقيقة والمجاز في الآية والحديث لأن الصلاة والزكاة في كل منهما ، وفي الآية القتل وحقيقته لا تجري في مانع الزكاة وفي الحديث المقاتلة وحقيقتها لا تجري في تارك الصلاة فلا بد أن يراد مع القتل المقاتلة في الآية ومع المقاتلة القتل في الحديث ليتأتى جريان ذلك في تارك الصلاة ومانع الزكاة ، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز عندنا ، على أن حمل الآية والحديث على ذلك مما لا يكاد يتبادر إلى الذهن فالنقض بمانع الزكاة في غاية القوة .
وأشار إلى ما نقل عن المزني مع جوابه بقوله : لا يقال : لا قتل بالحاضرة لأنه لم يخرجها عن وقتها ولا بالخارجة عنه لأنه لا قتل بالقضاء وان وجوب فوراً لأنا نقول : بل يقتل بالحاضرة إذا أمر بها من جهة الإمام أو نائبه دون غيرهما فيما يظهر في الوقت عند ضيقه وتوعد على اخراجها عنه فامتنع حتى خرج وقتها لأنه حينئذ معاند للشرع عنادا يقتضي مثله القتل فهو ليس لحاضره فقظ ولا لفائتة فقط بل لمجموع الأمرين الأمر والاخراج مع التصميم ثم انهم قالوا : يستتاب تارك الصلاة فوراً ندبا ، وفارق الوجوب في المرتد بأن ترك استتابته توجب تخليده في النار إجماعا بخلاف هذا ، ولا يضمن عندهم من قتله قبل التوبة مطلقاً لكنه يأثم من جهة الافتيات على الإمام وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله . (7/160)
واستدل بالآية أيضاً كما قال الجلال السيوطي من ذهب إلى كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة ، وليس ذلك بشيء والصحيح أنهما مؤمنان عصيان وما يشعر بالكفر خارج مخرج التغليظ { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر لهم ما قد سلف منهم ويثيبهم بإيمانهم وطاعتهم وهو تعليل للأمر بتخلية السبيل .
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)
{ وَإِنْ أَحَدٌ } شروع في بيان حكم المتصدين لمباي التوبة من سماع كلام الله تعالى والوقوف على شعائر الدين اثر بيان حكم التائبين عن الكفر والمصرين عليه ، وفيه إزاحة ما عسى يتوهم من قوله سبحانه : { فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين } [ التوبة : 5 ] إذ الحجة قد قامت عليهم وأن ما ذكره عليه الصلاة والسلام قبل من الدلائل والبينات كاف في إزالة عذرهم بطلبهم للدليل لا يلتفت إليه بعد و { ءانٍ } شرطية والاسم مرفوع بشرط مضمر يفسره الظاهر لا بالابتداء ومن زعم ذلك فقد أخطأ كما قال الزجاج لأن إن لكونها تعمل العمل المختص بالفعل لفظاً أو محلا مختصة به فلا يصح دخولها على الاسماء أن وإن استجارك أحد { مّنَ المشركين استجارك } أي استأمنك وطلب مجاورتك بعد انقضاء الأجل المضروب { فَأَجِرْهُ } أي فآمنه { حتى يَسْمَعَ * كلام الله } ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه والاقتصار على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من أهل اللسن والفصاحة ، والمراد بكلام الله تعالى الآيات المشتملة على ما يدل على التوحيد ونفي الشبه والشبيه ، وقيل : سورة براءة ، وقيل : جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه ، و { حتى } للتعليل متعلقة بما عندها ، وليست الآية من التنازع على ما صرح به الفاضل ابن العادل حيث قال : ولا يجوز ذلك عند الجمهور لأمر لفظي صناعي لأنا لو جعلناها من ذلك الباب واعلمنا الأول أعني استجارك لزم إثبات الممتنع عندهم وهو إعمال حتى في الضمير فانهم قالوا : لا يرتكب ذلك إلا في الضرورة كما في قوله : (7/161)
فلا والله لا يلفي أناس ... فتى حتاك يا ابن أبي زياد
ضرورة أن القائلين بأعمال الثاني يجوزن إعمال الأول المستدعى لما ذكر سيما على مذهب الكوفيين المبني على رجحان إعماله ومن جوز إعماله في الضمير يصح ذلك عنده لعدم المحذور حينئذ ، ويفهم ظاهر كلام بعض الأفاضل جواز التعلق باستجارك حيث قال : لا داعي لتعلقه بأجره سوى الظن أنه يلزم أن يكون التقدير على تقدير التعلق بالأول وإن أحد من المشركين استجارك حتى يسمع كلام الله فأجره حتاه أي حتى السمع وهل يقول عاقل بتوقف تمام قولك إن استأمنك زيد لأمر كذا فآمنه على أن تقول لذلك الأمر كلا فرضنا الاحتياج ولزوم التقدير ولكن ما الموجب لتقدير حتاه الممتنع في غير الضرورة ولم لا يجوز أن يقدر لذلك أوله أو حتى يسمعه أو غير ذلك مما في معناه ، وقال آخر : إن لزوم الاضمار الممتنع على تقدير إعمال الأول لا يعين إعمال الثاني فلا يخرج التركيب من باب التنازع بل يعدل حينئد إلى الحذف فإن تعذر أيضاً ذكر مظهراً كما يستفاد من كلام نجم الأئمة وغيره من المحققين .
وقد يقال : إن المانع من كونه من باب التنازع انه ليس المقصود تعليل الاستجارة بما ذكر كما أن المقصود تعليل الاجارة به . نعم قال شيخ الاسلام ان تعق الإجارة بسماع كلام الله تعالى يستلزم تعلق الاستجارة أيضاً بذلك أو ما في معناه من أمور الدين ، وما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه انه أتاه رجل من المشركين فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله تعالى أو لحاجة قتل قال : لا . لأن الله تعالى يقول : و { ءانٍ * أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ } الخ فالمراد بما فيه من الحاجة هي الحاجة المتعلقة بالدين لا ما يعمها وغيرها من الحاجات الدنيوية كما ينبىء عنه قوله أن يأتي محمداً صلى الله عليه وسلم فإن من يأتيه عليه الصلاة والسلام إنما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين انتهى ، لكنه ليس بشيء لأن الظاهر من كلام ذلك القائل العموم فيكون جواب الأمير كرم الله تعالى وجهه مؤيداً لما قلناه . ويرد على قوله قدس سره أن يأتيه عليه الصلاة والسلام انما يأتيه للأمور المتعلقة بالدين منع ظاهر فلا يتم بناء الانباء ، وجوز غير واحد كون حتى للغاية والخبر المذكور وجزالة المعنى يشهدان بكونها للتعليل بل قال المولى سرى الدين المصري : إن جعلها للغاية يأباه قوله تعالى : { ثُمَّ أَبْلِغْهُ } بعد سماعه وكلام الله تعالى إن لم يؤمن { مَأْمَنَهُ } أي مسكنه الذي يأمن فيه أوموضع أمنه وهو ديار قومه على أن المأمن اسم مكان أو مصدر بتقدير مضاف والأول أولى لسلامته من مؤنة التقدير ، والجملة الشرطية على ما بينه في «الكشف» عطف على قوله سبحانه : { فاقتلوا المشركين } [ التوبة : 5 ] ولا حجة في الآية للمعتزلة على نفي الكلام النفي لأن السماع قد ينسب إليه باعتبار الدال عليه أو يقال : إن الكلام معقول بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز على الكلام النفسي والكلام اللفظي ولا يلزم من تعين أحدهما في مقام نفي ثبوت الآثر في نفس الأمر ، وقد تقدم في المقدمات من الكلام ما يتعلق بهذا المقام فتذكر { ذلك } أي الأمن أو الأمر { بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } ما الإسلام وما حقيقة ما تدعوهم إليه أو قوم جهلة فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا ذلك ولا يبقى لهم معذرة أصلاً ، والآية كما قال الحسن محكمة . (7/162)
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة أنها منسوخة بقوله تعالى : { وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً } [ التوبة : 36 ] وروى ذلك عن السدي . والضحاك أيضاً وما قاله الحسن أحسن ، واختلف في مقدار مدة الإمهال فقيل : أربعة أشهر وذكر النيسابوري أنه الصحيح من مذهب الشافعي ، وقيل : مفوض إلى رأي الإمام ولعله الأشبه .
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)
{ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عندَ الله وعندَ رسُولِه } تبيين للحكمة الداعية لما سبق من البراءة ولو أحقها والمراد من المشركين الناكثون لأن البراءة إنما هي في شأنهم ، والاستفهام لإنكار الوقوع ، ويكون تامة وكيف في محل النصب على التشبيه بالحال أو الظرف . (7/163)
وقال غير واحد : ناقصة و ( كيف خبرها وهو واجب التقديم لأن الاستفهام له صدر الكلام و { المشركين } متعلق بيكون عند من يجوز عمل الأفعال الناقصة بالظروف أو صفة لعهد قدمت فصارت حالاً و { عِندَ } أما متعلق بيكون على ما مر أو بعهد لأنه مصدر أو بمحذوف وقع صفة له ، وجوز أن يكون الخبر ( للمشركين ) و { عِندَ } فيها الأوجه المتقدمة ، ويجوز أيضاً تعلقها بالاستقرار الذي تعلق به { لّلْمُشْرِكِينَ } أو الخبر { عَندَ الله } وللمشركين إما تبيين كما في سقيا لك فيتعلق بمقدر مثل أقول هذا الإنكار لهم أو متعلق بيكون وأما حال من عهد أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر ، ويغتفر تقدم معمول الخبر لكونه جاراً ومجروراً ، و { كَيْفَ } على الوجهين الأخيرين شبيهة بالظرف أو بالحال كما في احتمال كون الفعل تاماً وهو على ما قاله شيخ الإسلام الأولى لأن في إنكار ثبوت العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار ثبوته للمشركين لأن ثبوته الرابطي فرع ثبوته العيني فانتفاء الأصل يوجب انتفار الفرع رأساً وتعقب بأنه غير صحيح لما تقرر أن انتفاء مبدأ المحمول في الخارج لا يوجب انتفاء الحمل الخارجي لاتصاف الأعياف بالاعتباريات والعدميات حتى صرحوا بأن زيداً عمى قضية خارجية مع أنه لا ثبوت عيناً للعمى وصرحوا بأن ثبوت الشيء للشيء وإن لم يقتض ثبوت الشيء الثابت في ظرف الاتصاف لكنه يقتضي ثبوته في نفسه ولو في محل انتزاعه ، وتحقيق ذلك في محله نعم في توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة مال يس في توجيهه إلى ثبوته لأنه إذا انتفى جميع أحوال وجود الشيء وكل موجود يجب أن يكون وجوده على حال فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني أي في أي حال يوجد لهم عهد معتد به عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم يستحق أن يراعى حقوقه ويحافظ عليه إلى تمام المدة ولا يتعرض لهم بحسبه قتلاً وأخذاً .
/ وتكرير كلمة عند للإيذان بعدم الاعتداد عند كل من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على حدة { إِلاَّ الذين عاهدتم } وهم المستثنون فيما سلف والخلاف هو الخلاف والمعتمد هو المعتمد ، والتعرض لكون المعاهدة { عِندَ المسجد الحرام } لزيادة بيان أصحابها والأشعار بسبب وكادتها ، والاستثناء منقطع وهو بمعنى الاستدراك من النفي المفهوم المفهوم من الاستفهام الانكاري المتبارد شموله بجميع المعاهدين ومحل الموصول الرفع على الابتداء وخبره مقدر أو هو { فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ } والفاء لتضمنه معنى الشرط على ما مر و { مَا } كما قال غير واحد إما مصدرية منصوبة المحل على الظرفية بتقدير مضاف أي فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم وإما شرطية منصوبة المحل على الظرفية الزمانية أي أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم وهو أسلم من القيل صناعة من الاحتمال الأول على التقدير الثاني ، ويحتمل أن تكون مرفوعة المحل على الابتداء وفي خبرها الخلاف المشهور واستقيموا جواب الشرط والفاء واقعة في الجواب ، وعلى احتمال المصدرية مزيدة للتأكيد .
وجوز أن يكون الاستثناء متصلاً ومحل الموصول النصب أو الجر على أنه بدل من المشركين لأن الاستفهام بمعنى النفي ، والمراد بهم الجنس لا المعهودون ، وأيا ما كان فحكم الأمر بالاستقامة ينتهى بانتهاء مدة العهد فيرجع هذا إلى الأمر بالاتمام المار خلا أنه قد صرح ههنا بما لم يصرح به هناك مع كونه معتبراً فيه قطعاً وهو تقييد الاتمام المأمور به ببقائهم على ما كانوا عليه من الوفاء ، وعلل سبحانه بقوله تعالى : { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } على طرز ما تقدم حذو القذة بالقذة . (7/164)
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)
{ كَيْفَ } تكرير لاستنكار ما مر من أن يكون للمشركين عهد حقيق بالمراعاة عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لاستبعاد ثباتهم على العهد وفائدة التكرار التأكيد والتمهيد لتعداد العلل الموجبة لمالا ذكرل لا خلال تخلل ما في البين بالارتباط والتقريب؛ وحذف الفعل المستنكر للايذان بأن النفس مستحضرة له مترقبة لورود ما يوجب استنكاره ، وقد ثر حذف الفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده ، ومن ذلك قوله كعب الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار : (7/165)
وخبر تماني أنما الموت في القرى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب
يريد فكيف مات والحال ما ذكر ، والمراد هنا كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام { وَ } حالهم أنهم { إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } أي يظفروا بكم { لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } أي لم يراعوا في شأنكم ذلك ، وأصل الرقوب النظر بطريق الحفظ والرعاية ومنه الرقيب ثم استعمل في مطلق الرعاية ، والمراقبة أبلغ منه كالمراعاة ، وفي نفي الرقوب من المبالغة ما ليس في نفيهما ، وما ألطف ذكر الرقوب مع الظهور و { *الال } بكسر الهمزة وقد يفتح على ما روي عن ابن عباس الرحم والقرابة وأنشد قول حسان :
لعمرك إن الك من قريش ... كال السقب من رأل النعام
وإلى ذلك ذهب الضحاك ، وروي عن السدى أنه الحلف والعهد ، قيل : ولعله بهذا المعنى مشتق من الأل وهو الجوار لأنهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا أصواتهم ثم استعير للقرابة لأن بين القريبين عقدا أشد من عقد التحالف ، وكونه أشد لا ينافي كونه مسبهاً لأن الحلف يصرح به ويلفظ فهو أقوى من وجه آخر وليس التشبيه من المقلوب كما توهم ، وقيل : مشتق من ألل الشيء إذا حدده أو من أل البرق إذا لمع وظهر ووجه المناسبة ظاهر .
/ وأخرج ابن المنذر . وأبو الشيخ عن عكرمة . ومجاهد أن الال بمعنى الله عز وجل ، ومنه ما روي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قرىء عليه كلام مسيلمة فقال لم يخرج هذا من أل فأين تذهب بكم؟ قيل : ومنه اشتق الال بمعنى القرابة كما اشتقت الرحمن من الرحمن ، والظاهر أنه ليس بعربي إذ لم يسمع في كلام العرب ال بمعنى اله . ومن هنا قال بعضهم انه عبري ومنه جبرال : وأيده بأنه قرىء إيلا وهو عندهم بمعنى الله أو الاله أي لا يخافون الله ولا يراعونه فيكم . والذمة الحق الذي يعاب ويذم على اغفاله أو العهد ، وسمي به لأن نقضه يوجب الذم ، وهي في قولهم في ذمتي كذا محل الالتزام ومن الفقهاء من قال : هو معنى يصير به الآدمي على الخصوص أهلا لوجوب الحقوق عليه ، وقد تفسر بالأمان والضمان وهي متقاربة ، وزعم بعضهم أن الال والذمة كلاهما هنا بمعنى العهد والعطف للتفسير ، ويأباه إعادة لا ظاهراً فليس هو نظير :
فالفي قولها كذبا ومينا ... فالحق المغايرة بينهما ، والمراد من الآية قيل : بيان أنهم اسراء الفرصة فلا عهد لهم ، وقيل : الإرشاد إلى أن وجوب مراعاة حقوق العهد على كل من المتعاهدين مشروط بمراعاة الآخر لها فإذا لم يراعها المشركون فكيف تراعونها فهو على منوال قوله : (7/166)
علام تقبل منهم فدية وهم ... لا فضة قبلوا مناولا ذهبا
ولم أجد لهؤلاء مثلا من هذه الحيثية المشار إليها بقوله سبحانه : { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا } الخ إلا أناسا متزينين بزي العلماء وليسوا منهم ولا قلامة ظفر فافهم معي وحسبي الله وكفى على هذا الطرز فرفعهم الله تعالى لا قدراً وحطهم ولا حط عنهم وزراً وقوله سبحانه : { يُرْضُونَكُم بأفواههم وتأبى قُلُوبُهُمْ } استئناف للكشف عن حقيقة شؤونهم الجلية والخفية دافع لما يتوهم من تعليق عدم رعاية العهد بالظفر أنهم يراعونه عند عدم ذلك حيث بين فيه أنهم في حالة العجز أيضاً ليسوا من الوفاء في شيء وإن ما يظهرونه أخفاهم الله تعالى مداهنة لا مهادنة ، وكيفية ارضائهم المؤمنين أنهم يبدون لهم الوفاء والمصافاة ويعدونهم بالإيمان والطاعة ويؤكدون ذلك بالأيمان الفاجرة والمؤمن غر كريم إذا قال صدق وإذا قيل له صدق ويتعللون لهم عند ظهور خلاف ذلك بالمعاذير الكاذبة .
وتقييد الارضاء بالأفواه للإيذان بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم ، وأكد هذا بمضمون الجملة الثانية وزعم بعضهم أن الجملة حالية من فاعل { يَرْقُبُواْ } لا استئنافية ، ورد بأن الحال تقتضي المقارنة والارضاء قبل الظهور الذي هو قبل عدم الرقوب الواقع جزاء فاين المقارنة ، وأيضاً أن بين الحالتين منافاة ظاهرة فإن الارضاء بالافواه حالة إخفاء الكفر والبغض مداراة للمؤمنين وحالة عدم المراعاة والوقوف حالة مجاهدة بالعداوة لهم وحيث تنفيا لا معنى لتقييد إحداهما بالأخرى { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } خارجون عن الطاعة متمردون لا عقيدة تزعهم ولا مروءة تردهم وتخصيص الأكثر لما في بعض الكفرة من التحامي عن العذر والتعفف عما يجر أحدوثة السوء ، ووصف الكفرة بالفسق في غاية الذم .
اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9)
{ اشْتَرَوْاْ بئايات الله } أي المتضمنة للأمر بايفاء العهود والاستقامة في كل أمر أو جميع آياته فيدخل فيها ما ذكر دخولاً أولياً ، والمراد بالاشتراء الاستبدال ، وفي الكلام استعارة تبعية تصريحية ويتبعها مكنية حيث شبهت الآيات بالشيء المبتاع ، وقد يكون هناك مجاز مرسل باستعمال المقيد وهو الاشتراء في المطلق وهو الاستبدال على حد ما قالوا في المرسن أي استبدلوا بذلك { ثَمَناً قَلِيلاً } أي شيئاً حقيراً من حطام الدنيا وهو أهواؤهم وشهواتهم التي اتبعوها والجملة كما قال العلامة الطيبي مستأنفة كالتعليل لقوله تعالى : { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } [ التوبة : 8 ] فيه أن من فسق وتمرد كان سببه مجرد اتباع الشهوات والركون إلى اللذات ، وفسر بعضهم الثمن القليل بما أنفقه أبو سفيان من الطعام وصرفه إلى الاعراب { فَصَدُّواْ } أي عدلوا وأعرضوا على أنه لازم من صد صدوداً أو صرفوا ومنعوا غيرهم على أنه متعد من صده عن الأمر صدا ، والفاء للدلالة على أن اشتراءهم أداهم إلى الصدود أو الصد { عَن سَبِيلِهِ } أي الدين الحق الموصل إليه تعالى ، والإضافة للتشريف ، أو سبيل بيته الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه ، فالسبيل إما مجاز وإما حقيقة ، وحينئذ إما أن يقدر في الكلام مضاف أو تجعل النسبة الإضافية متجوزاً فيها { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي بئس ما كانوا يعملونه أو عملهم المستمر ، والمخصوص بالذم محذوف . (7/167)
وقد جوز أن يكون كلمة ساء على بابها من التصرف لازمة بمعنى قبح أو معتدية والمفعول محذوف أي ساءهم الذي يعملونه أو عملهم ، وإذا كان جارية مجرى بئس تحول إلى فعل بالضم ويمتنع تصرفها كما قرر في محله
لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)
{ لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } نعى عليهم عدم مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الاطلاق بخلاف الأول لمكان { فيكُمْ } [ التوبة : 8 ] فيه . و { في مُؤْمِنٍ } في هذا فلا تكرار كما في المدارك ، وقيل : إنه تفسير لما { يعملون } [ التوبة : 9 ] ، وهو مشعر باختصاص الذم والسوء لعملهم هذا دون غيره ، وقيل : إن الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والاعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم للاستعانة بهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه فالمراد بالآيات ما يشمل القرآن والتوراة ، وفي هذا القول تفكيك للضمائر وارتكاب خلاف الظاهر . والجبائي يخص هذا باليهود وفيه ما فيه { وَأُوْلئِكَ } أي الموصوفون بما عدد من الصفات السيئة { هُمُ المعتدون } المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة . (7/168)
فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)
{ فَإِن تَابُواْ } عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم كنقض العهد وغيره ، والفاء للإيذان بأن تقريعهم بما نعى عليهم من فظائع الأعمال مزجرة عنها ومظنة للتوبة { وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة } على الوجه المأمور به { فإخوانكم } أي فهم اخوانكم { فِى الدين } لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، والجار والمجارور متعلق باخوانكم كما قال أبو البقاء لما فيه من معنى الفعل ، قيل : والاختلاف بين جواب هذه الشرطية وجواب الشرطية السابقة مع اتحاد الشرط فيهما لما أن الأولى سيقت إثر الأمر بالقتل ونظائره فوجب أن يكون جوابها أمراً بخلاف هذه ، وهذه سيقت بعد الحكم عليهم بالاعتداء وأشباهه فلا بد من كون جوابها حكماً البتة ، وهذه الآية أجلب لقلوبهم من تلك الآية إذ فرق ظاهر بين تخلية سبيلهم وبين إثبات الأخوة الدينية لهم ، وبها استدل على تحريم دماء أهل القبلة ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وجاء في رواية ابن جرير . وأبي الشيخ عنه أنها حرمت قتال أو دماء أهل الصلاة والمآل واحد ، واستدل بها بعضهم على كفر تارك الصلاة إذ مفهومها نفي الأخوة الدينية عنه ، وما بعد الحق إلا الضلال ، ويلزمه القول بكفر مانع الزكاة أيضاً بعين ما ذكره ، وبعض من لا يقول باكفارهما التزم تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالتزامهما والعزم على إقامتهما ولا شك في كفر من لم يلتزمهما بالاتفاق . (7/169)
وذكر بعض جلة الأفاضل أنه تعالى علق حصول الأخوة في الدين على مجموع الأمور الثلاثة التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والمعلق على الشيء بكلمة { ءانٍ } ينعدم عند عدم ذلك الشيء فيلزم أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا تحصل الأخوة في الدين وهو مشكل ، لأن المكلف المسلم لو كان فقيراً أو كان غنياً لكن لم ينقض عليه الحول لا يلزمه إيتاء الزكاة فإذا لم يؤتها فقد انعدم عنه ما توقف عليه حصول أخوة الدين فيلزم أن لا يكون مؤمناً ، إلا أن يقال : التعليق بكلمة { ءانٍ } إنما يدل على مجرد كون المعلق عليه مستلزماً ما علق عليه ولا يدل على انعدام المعلق عليه بانعدامه بل يستفاد ذلك من دليل خارجي لجواز أن يكون المعلق لازماً أعم فيتحقق بدون تحقق ما جعل ملزوماً له ، ولو سلم أن نفس التعليق يدل على انعدام المعلق عند انعدام المعلق عليه ، لكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك أن لا يكون المسلم الفقير مؤمناً بعدم إيتاء الزكاة وإنما يلزم ذلك أن لو كان المعلق عليه ايتاؤها على جميع التقادير وليس كذلك ، بل المعلق عليه هو الايتاء عند تحقق شرائط مخصوصة مبينة بدلائل شرعية انتهى .
وأنت تعلم ما في القول بمفهوم الشرط من الخلاف والحنفية يقولون به ، والظاهر أن هذا البحث كما يجري في إيتاء الزكاة يجري في إقامة الصلاة . واستدل ابن زيد باقترانهما على أنه لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة . (7/170)
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزل فلا صلاة له { وَنُفَصّلُ الايات } أي نبينها ، والمراد بها إما ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين من الناكثين وغيرهم وأحكامهم حالتي الكفر والإيمان واما جميع الآيات فيندرج فيها تلك الآيات اندراجاً أولياً { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ما فصلنا أو من ذوي العلم على أن الفعل متعد ومفعوله مقدر أو منزل منزلة اللازم ، والعلم كما قيل كناية عن التأمل والتفكر أو مجاز مرسل عن ذلك بعلاقة السببية ، والجملة معترضة للحث على التأمل في الآيات وتدبرها
وقوله تعالى :
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)
وقوله تعالى : { وَإِن نَّكَثُواْ } عطف على قوله سبحانه : { فَإِن تَابُواْ } [ التوبة : 11 ] أي وإن لم يفعلوا ذلك بل نقضوا { أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } الموثق بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه من القوة إلى الفعل ، وجوز أن يكون المراد وإن ثبتوا واستمروا على ما هم عليه من النكث ، وفسر بعضهم النكث بالارتداد بقرينة ذكره في مقابلة { فَإِن تَابُواْ } والأول أولى بالمقام { وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } قدحوا فيه بأن أعابوه وقبحوا أحكامه علانية . (7/171)
وجعل ابن المنير طعن الذمي في ديننا بين أهل دينه إذا بلغنا كذلك ، وعد هذا كثير ومنهم الفاضل المذكور نقضاً للعهد ، فالعطف من عطف الخاص على العام وبه ينحل ما يقال : كان الظاهر أو طعنوا لأن كلا من الطعن وما قبله كاف في استحقاق القتل والقتال ، وكون الواو بمعنى أو بعيد ، وقيل : العطف للتفسير كما في قولك : اسخف فلان بي وفعل معي كذا ، على معنى وان نكثوا إيمانهم بطعنهم في دينكم والأول أولى ، ولا فرق بين توجيه الطعن إلى الدين نفسه إجمالاً وبين توجيهه إلى بعض تفاصيله كالصلاة والحج مثلا ، ومن ذلك الطعن بالقرآن وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحاشاه بسوء فيقتل الذمى به عند جمع مستدلين بالآية سواء شرط انتقاض العهد به أم لا . وممن قال بقتله إذا أظهر الشتم والعياد بالله مالك . والشافعي وهو قول الليث وأفتى به ابن الهمام ، والقول بأن أهل الذمة يقرون على كفرهم الأصلي بالجزية وذا ليس بأعظم منه فيقرون عليه بذلك أيضاً وليس هو من الطعن المذكور في شيء ليس من الانصاف في شيء ، ويلزم عليه أن لا يعزروا أيضاً كما لا يعزرون بعد الجزية على الكفر الأصلي ، وفه لعمري بيع يتيمة الوجود صلى الله عليه وسلم بثمن بخس والدنيا بحذافيرها بل والآخرة بأسرها في جنب جنابه الرفيع جناح بعوضة أو أدنى ، وقال بعضهم : إن الآية لا تدل على ما ادعاه الجمع بفرد من الدلالات وإنها صريحة في أن اجتماع النكث والطعن يترتب عليه ما يترتب فكيف تدل على القتل بمجرد الطعن وفيه ما فيه ، ولا يخفى حسن موقع الطعن من القتال المدلول عليه بقوله تعالى : { فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفر } أي فقاتلوهم ، ووضع فيه الظاهر موضع الضمير وسموا أئمة لأنهم صاروا بذلك رؤساء متقدمين على غيرهم بزعمهم فهم أحقاء بالقتال والقتل وروي ذلك عن الحسن ، وقيل : المراد بأئمتهم رؤساؤهم وصناديدهم مثل أبي اسفيان . والحرث بن هشام ، وتخصيصهم بالذكر لأن قتلهم أهم لا لأنه لا يقتل غيرهم ، وقيل : للمنع من مراقبتهم لكونهم مظنة لها أو للدلالة على استئصالهم فإن قتلهم غالباً يكون بعد قتل من دونهم ، وعن مجاهد أنهم فارس والروم وفيه بعد .
وأخرج ابن أبي شيبة ، وغيره عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال : ما قوتل أهل هذه الآية بعد وما أدرى ما مراده والله تعالى أعلم بمراده ، وقرأ نافع . وابن كثير . وأبو عمرو { أَئِمَّةَ } بهمزتين ثانيتهما بين بين أي بين مخرج الهمزة والياء والألف بينهما ، والكوفيون . وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيقهما من غير ادخال ألف ، وهشام كذلك إلا أنه أدخل بينهما الألف هذا هو المشهور عن القراء السبعة . ونقل أبو حيان عن نافع المد بين الهمزتين والياء . (7/172)
وضعف كما قال بعض المحققين قراءة التحقيق وبين بين جماعة من النحويين كالفارسي ، ومنهم من أنكر التسهيل بين بين وقرأ بياء خفيفة الكسرة ، وأما القراءة بالياء فارتضاها أبو علي . وجماعة ، والزمخشري جعلها لحناً ، وخطأه أبو حيان في ذلك لأنها قراءة رأس القراء والنحاة أبو عمرو ، وقراءة ابن كثير . ونافع وهي صحيحة رواية ، وعدم ثبوتها من طريق التيسير يوجب التضييق؛ وكذا دراية فقد ذكر هو في المفصل وسائر الأئمة في كتبهم أنه إذا اجتمعت همزتان في كلمة فالواجه قلب الثانية حرف لين كما في آدم وأئمة فما اعتذر به عنه غير مقبول . والحاصل أن القراآت هنا تحقيق الهمزتين وجعل الثانية بين بين بلا إدخال ألف وبه والخامسة بياء صريحة وكلها صحيحة لا وجه لانكارها ، ووزن أئمة أفعلة كحمار وأحمرة ، وأصله أئمة فنقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت ولما ثقل اجتماع الهمزتين فروا منه ففعلوا ما فعلوا { إِنَّهُمْ لا أيمان لَهُمْ } أي على الحقيقة حيث لا يراعونها ولا يفون بها ولا يرون نقضها نقصاً وإن أجروها على ألسنتهم ، وإنما علق النفي بها كالنكث فيما سلف لا بالعهد المؤكد بها لأنها العمدة في المواثيق ، والجملة في موضع التعليل إما لمضمون الشرط كأنه قيل : وإن نكثوا وطعنوا كما هو المتوقع منهم إذ لا أيمان لهم حقيقة حتى ينكثوها فقاتلوا أو لاستمرار القتال المأمور به المستفاد من السياق فكأنه قيل : فقاتلوهم إلى أن يؤمنوا إنهم لا أيمان لهم حتى يعقد معهم عقد آخر ، وجعلها تعليلاً للأمر بالقتال لا يساعده تعليقه بالنكث والطعن لأن حالهم في أن لا أيمان لهم حقيقة بعد ذلك كحالهم قبله ، والحمل على معنى عدم بقاء أيمانهم بعد النكث والطعن مع أنه لا حاجة إلى بيانه خلاف الظاهر ، وقيل : هو تعليل لما يستفاد من الكلام من الحكم عليهم بأنهم أئمة الكفر أي إنهم رؤساء الكفرة وأعظمهم شرا حيث ضموا إلى كفرهم عدم مراعاة الأيمان وهو كما ترى ، والنفي في الآية عند الإمام أبي جنيفة عليه الرحمة على ما هو المتبادر ، فيمينيي الكافر ليست يميناً عنده معتداً بها شرعاً ، وعند الشافعي عليه الرحمة هي يمين لأن الله تعالى وصفها بالنكث في صدر الآية وهو لا يكون حيث لا يمين ولا أيمان لهم بما علمت .
وأجيب بأن باعتبار اعتقادهم أنه يمين ، ويبعد أن الأخبار من الله تعالى والخطاب للمؤمنين ، وقال آخرون : إن الاستدلال بالنكث على اليمين إشارة أو اقتضاء ولا أيمان لهم عبارة فتترجح ، والقول بأنها تؤول جمعا بين الأدلة فيه نظر لأنه إذا كان لا بد من التأويل في أحد الجانبين فتأويل غير الصريح أولى ، ولعله لا يعتبر في ذلك التقدم والتأخر ، وثمرة الخلاف أنه لو أسلم الكافر بعد يمين انعقدت في كفره ثم حنث هل تلزمه الكفارة فعند أبي حنيفة عليه الرحمة لا وعند الشافعي رحمه الله تعالى نعم . (7/173)
وقرأ ابن عامر { أيمان } بكسر الهمزة على أنه مصدر آمنه إيماناً بمعنى أعطاه الأمان ، ويستعمل بمعنى الحاصل بالمصدر وهو الأمان ، والمراد أنه لا سبيل إلى أن تعطوهم أماناً بعد ذلك أبداً ، قيل : وهذا النفي بناء على أن الآية في مشركي العرب وليس لهم إلا الإسلام أو السيف؛ ومن الناس من زعم أن المراد لا سبيل إلى أن يعطوكم الأمان بعد ، وفيه أنه مشعر بأن معاهدتهم معنا على طريقة أن يكون إعطاء الأمان من قبلهم وهو بين البطلان ، أو على أن الإيمان بمعنى الإسلام ، والجملة على هذا تعليل لمضمون الشرط لا غير على ما بينه شيخ الإسلام مأنه قيل ، إن نكثوا وطعنوا كما هو الظاهر من حالهم لأنه إسلام لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنس إيمانهم وعن الطعن في دينكم ، وتشبث بهذه الآية على هذه القراءة من قال : إن المرتد لا تقبل توبته بناء على أن الناكث هو المرتد وقد نفى الإيمان عنه ، ونفيه مع أنه قد يقع منه نفي لصحته والاعتداد به ولا يخفى ضعفه لما علمت من معنى الآية ، وقد قالوا : الاحتمال يسقط الاستدلال ، وقال القاضي : بيض الله تعالى غرة أحواله في بيان ضعفه : أنه يجوز أن يكون المراد نفي الإيمان عن قوم معينين والأخبار عنهم بأنه طبع على قلوبهم فلا يصدر منهم إيمان اصلا ، أو يكون المراد أن المشركين لا إيمان لهم حتى يراقبوا ويمهلوا لأجله ، ويفهم من هذا أنه لم يجعل الجملة تعليلاً لمضمون الشرط كما ذكرنا والظاهر أنه جعلها تعليلاً لقوله سبحانه : { فقاتلوا } يعني أن المانع من قتلهم أحد أمرين إما العهد وقد نقضوه أو الإيمان وقد حرموه ، وربما يؤول ذلك إلى جعلها علة لما يفهم من الكلام كأنه قيل : إن نكثوا وطعنوا فقاتلوهم ولا تتوقفوا لأنه لا مانع أصلا بعد ذلك لأنهم لا إيمان لهم ليكون مانعاً ولا يخفى ما فيه .
وإن قيل : إنه سقط به ما قيل : إن وصف أئمة الكفر بأنهم لا إسلام لهم تكرار مستغنى عنه ، وجعل الجملة تعليلاً لما يستفاد من الكلام من الحكم عليهم بأنهم أئمة الكفر أي رؤساؤه على احتمال أن يراد الأخبار عن قوم مخصوصين بالطبع أظهر من جعلها تعليلاً لها على القراءة السابقة . نعم يأبى حديث الأخبار بالطبع قوله تعالى : { لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } إذ مع الطبع لا يتصور الانتهاء وهو متعلق بقوله سبحانه : { فقاتلوا } أي قاتلوهم إرادة أن ينتهوا ، أي ليكن غرضكم من القتال انتهاؤهم عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم لا مجرد إيصال الأذية بهم كما هو شنشنة المؤذين ، ومما قرر يعلم أن الترجى من المخاطبين لا من الله عز شأنه .
أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)
{ أَلاَ تقاتلون } تحريض على القتال لأن الاستفهام فيه للانكار والاستفهام الانكاري في معنى النفي وقد دخل النفي ونفى النفي إثبات ، وحيث كان الترك مستقبحاً منكراً أفاد بطريق برهاني أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه فيفيد الحث والتحريض عليه ، وقد يقال : وجه التحريض على القتال أنهم حملوا على الإقرار بانتفائه كأنه أمر لا يمكن أن يعترف به طائعاً لكمال شناعته فليجؤون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به فيختارون القتال فيقاتلون { قَوْماً نَّكَثُواْ أيمانهم } التي حلفوها عند المعاهدة لكم على أن لا يعاونوا عليكم فعاونوا حلفاءهم بني بكر على خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خزاعة ، والمراد قريش { وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول } من مكة مسقط رأسه عليه الصلاة والسلام حين تشاوروا بدار الندوة حسبما ذكر في قوله تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال : 30 ] وقال الجبائي : هم اليهود الذين نقضوا العهد وخرجوا مع الأحزاب وهموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة ، ولا يخفى أنه بأباه السياق وعدم القرينة عليه ، والأول هو المروي عن مجاهد . والدذى . وغيرهما ، واعترض بأن ما وقع في دار الندوة هو الهم بالإخراج أو الحبس أو القتل والذي استقر رأيهم عليه هو القتل لا الإخراج فما وجه التخصيص ، وأجيب بأن التخصيص لأنه الذي وقع في الخارج ما يضاهيه مما ترتب على همهم وإن لم يكن بفعل منهم بل من الله تعالى لحكمة وما عداه لغو فخص بالذكر لأنه المقتضى للتحريض لا غيره مما لم يظهر له أثر . (7/174)
وقيل : إنه سبحانه اقتصر على الأدنى ليعلم غيره بطريق أولى ، ولا يرد عليه أنه ليس بأدنى من الحبس كما توهم لأن بقاءه عليه الصلاة والسلام في يد عدوه المقتضى للتبريح بالتهديد ونحوه أشد منه بلا شبهة { وَهُم بَدَءوكُمْ } بالمقاتلة { أَوَّلَ مَرَّةٍ } وذلك يوم بدر وقد قالوا بعد أن بلغهم سلامة العير : لا ننصرف حتى نستأصل محمداً صلى الله عليه وسلم ومن معه ، وقال الزجاج : بدأوا بقتال خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب الأكثرون ، واختار جمع الأول لسلامته من التكرار ، وقد ذكر سبحانه ثلاثة أمور كل منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد فكيف بها حال الاجتماع ففي ذلك من الحث على القتال ما فيه ثم زاد ذلك بقوله سبحانه : { أَتَخْشَوْنَهُمْ } وقد أقيم فيه السبب والعلة مقام المسبب والمعلول ، والمراد أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم { فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } بمخالفة أمره وترك قتال عوده ، والاسم الجليل مبتدأ و { أَحَقُّ } خبره و { أَن تَخْشَوْهُ } بدل من الجلالة بدل اشتمال أو بتقدير حرف جر أي بأن تخشوه فمحله النصب أو الجر بعد الحذف على الخلاف ، وقيل : إن { أَن تَخْشَوْهُ } مبتدأ خبره { أَحَقُّ } والجملة خبر الاسم الجليل ، أي خشية الله تعالى أحق أو الله أحق من غيره بالخشية أو الله حشيته أحق ، وخير الأمور عندي أوسطها { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فإن مقتضى إيمان المؤمن الذي يتحقق أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى ولا يقدر أحد على مضرة ونفع إلا بمشيئته أن لا يخاف إلا من الله تعالى ، ومن خاف الله تعالى خاف منه كل شيء ، وفي هذا من التشديد ما لا يخفى .
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)
{ قاتلوهم } تجريد للأمر بالقتال بعد بيان موجبه على أتم وجه والتوبيخ على تركه ووعد بنصرهم وبتعذيب أعدائهم واخزائهم وتشجيع لهم { يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ } بالقتل { وَيُخْزِهِمْ } ويذلهم بالاسر ، وقد يقال : يعذبهم قتلا وأسراً ويذلهم بذلك { وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } أي يعجلكم جميعا غالبين عليهم أجمعين ولذلك أخر كما قال بعض المحققين عن التعذيب والاخزاء { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } قد تألموا من جهتهم ، والمراد بهم أناس من خزاعة حلفائه عليه الصلاة والسلام كما قال عكرمة . وغيره ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة وأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيراً فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال عليه الصلاة والسلام : « أبشروا فإن الفرج قريب » . / وروي عنه رضي الله تعالى عنه أن قوله سبحانه : { أَلاَ تقاتلون } [ التوبة : 13 ] الخ ترغيب في فتح مكة وأورد عليه أن هذه السورة نزلت بعد الفتح فكيف يتأتى ما ذكر . وأجيب بأن أولها نزل بعد الفتح وهذا قبله ، وفائدة عرض البراءة من عهدهم مع أنه معلوم من قتال الفتح وما وقع فيه من الدلالة على عمومه لكل المشركين ومنعهم من البيت فتذكر ولا تغفل ، قيل : ولا يبعد حمل المؤمنين على العموم لأن كل مؤمن يسر بتقل الكفار وهوانهم . (7/175)
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)
{ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } بما نالهم منهم من الأذى ولم يكونوا قادرين على دفعه ، وقيل : المراد يذهب غيظهم لانتهاك محارم الله تعالى والكفر به عز وجل وتكذيب رسوله عليه الصلاة والسلام . (7/176)
ظاهر العطف أن اذهاب الغيظ غير شفاء الصدور . ووجه بأن الشفاء بقتل الاعداء وخزيهم واذهاب الغيظ بالنصرة عليهم أجمعين . ولكون النصرة مدار القصد كان أثرها اذهاب الغيظ من القلب الذي هو أخص من الصدر . وقيل : اذهاب الغيظ كالتأكيد لشفاء الصدر وفائدته المبالغة في جعلهم مسرورين بما يمن الله تعالى عليهم من تعذيبه أعداءهم واخزائهم ونصرته سبحانه لهم عليهم ، ولعل اذهاب الغيظ من القلب أبلغ مما عطف عليه فيكون ذكره من باب الترقي ولا يخلو عن حسن . وقيل : إن شفاء الصدور بمجرد الوعد بالفتح واذهاب الغيظ بوقوغ الفتح نفسه وليس بشيء ، وقد أنجز الله تعالى جميع ما وعدهم به على أجمل ما يكون فالآية من المعجزات لما فيها من الأخبار بالغيب ووقوع ما أخبر عنه . واستدل بها على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، وقيل : إن أسناد التعذيب إليه سبحانه مجاز باعتبار أنه جل وعلا مكنهم منه وأقدرهم عليه .
وفي الحواشي الشهابية قيل : إن قوله سبحانه : { بِأَيْدِيكُمْ } [ التوبة : 14 ] كالصريح بأن مثل هذه الأفعال التي تصلح للباري فعل له تعالى وإنما للعبد الكسب بصرف القوى والآلات ، وليس الحمل على الإسناد المجازي بمرضى عند العارف بأساليب الكلام ، ولا الالزام بالاتفاق على امتناع كتب الله تعالى بأيديكم وامتناع كذب الله تعالى شأنه بألسنه الكفار بوارد لأن مجرد خلق الفعل لا يصحح إسناده إلى الخالق ما لم يصلح محلا له ، وإمتناع ما ذكر للاحتراز عن شناعة العبارة إذ لا يقال : يا خالق القادورات ولا المقدر للزنا والممكن منه ، ثم قال : ولا يخفى ما فيه فإنه تعالى لا يصلح محلا للقتل ولا للضرب ونجوه ما قصد بالاذلال وإنما هو خالق له ، والفعل لا يسند حقيقة إلى خالقه وإن كان هو الفاعل الحقيقي للفرق بينه وبين الفاعل اللغوي إذ ر يقال : كتب الله تعالى بيد زيد على أنه حقيقة بلا شبهة مع أنه لا شناعة فيه لقوله سبحانه : { كتاب الله } [ المجادلة : 21 ] فما ذكره غير مسلم ا ه . وأنا أقول : ءن مسألة خلق الأفعال قد قضى العلماء المحققون الوطر منها فلا حاجة إلى بسط الكلام فيها ، وقد تكلموا في الآية بما تكلموا لكن بقي فيها شيء وهو السر في نسبة التعذيت إليه تعالى وذكر الأيدي ولم يذكروه ، ولعل ذلك في النسبة ارادة المبالغة فانه تعذيب الله تعالى القوى العزيز وإن كان بأيدي العباد وفي ذكر الأيدي إما التنصيص على أن ذلك في الدنيا لا في الآخرة وإما لتكون البشارة بالتعذيب على الوجه الأتم الذي يترتب عليه شفاء الصدور ونحوه على الوجه الأكمل إذ فرق بين تعذيب العدو بيد عدوه وتعذيبه لا بيده ، ولعمري أن الأول أحلى وأوقع في النفس فافهم .
ولا يخفى ما في الآية من الانسجام حيث يخرج منها بيت كامل من الشعر { وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء } ابتداء إخبار بأن بعض هؤلاء الذين أمروا بمقاتلتهم يتوب من كفره فيتوب الله تعالى عليه وقد كان كذلك حيث أسلم منهم أناس وحسن أسلامهم . وقرأ الأعرج . وابن أبي إسحاق . وتعيسى الثقفي . وعمرو بن عبيد { وَيَتُوبَ } بالنصب ورويت عن أبي عمرو . ويعقوب أيضاً ، واستشكلها الزجاج بأت توبة الله تعالى على من يشاء واقعة قاتلوا أو لم يقاتلوا والمنصوب في جواب الأمر مسبب عنه فلا وجه لادخال التوبة في جوابه ، وقال ابن جنى : إن ذلك كقولك : إن تزرني أحسن إليك وأعطى زيداً كذا على أن المسبب عن الزيارة جميع الأمرين لا أن كل واحد مسبب بالاستقلال ، وقد قالوا بنظير ذلك في قوله تعالى : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تأخَّر } [ الفتح : 1 ، 2 ] الخ وفيه تعسف . (7/177)
وقال بعضهم : إنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة شق ذلك على البعض فإذا قاتلوا جرى قتالهم جرى التوبة من تلك الكراهية فيصير المعنى إن تقاتلوهم يعذبهم الله ويتب عليكم من كراهة قتالهم ، ولا يخفى أن الظاهر أن التوبة للكفار ، وذكر بعض المدققين أن دخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى لأنه يكون منصوباً بالفاء فهو على عكس { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } [ المنافقون : 10 ] وهو المسمى بعطف التوهم ، ووجهه أن القتال سبب لغل شوكتهم وإزالة نخوتهم فيتسبب لذلك لتأملهم ورجوعهم عن الكفر كما كان من أبي سفيان . وعكرمة . وغيرهما ، والتقييد بالمشيئة للاسارة إلى أنها السبب الأصلي وأن الأول سبب عادي وللتنبيه إلى أن إفضاء القتال إلى التوبة ليس كافضائه إلى البواقي؛ وزعم بعض الأجلة أن قراءة الرفع على مراعاة المعنى حيث ذكر مضارع مرفوع بعد مجزوم هو جواب الأمر ففهم منه أن المعنى ويتوب الله على من يشاء على تقدير المقابلة لما يرون من ثباتكم وضعف حالهم .
وأما على قراءة النصب فمراعاة اللفظ إذ عطف على المجزوم منصوب بتقدير نصبه وليس بشيء ، والحق أنه على الرفع مستأنف كما قدمنا { والله عَلِيم } لا تخفى عليه خافية { حَكِيمٌ } لا يفعل ولا يأمر إلا بما فيه حكمة ومصلحة فمتثلوا أمره عز وجل ، وأيثار إظهار الاسم الجليل على الاضمار لتربية المهابة وإدخاله الروعة .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)
{ أَمْ حَسبْتُمْ } خطاب لمن شق عليه القتال من المؤمنين أو المنافقين { وأم } منقطعة جيء بها للانتقال عن أمرهم بالقتال إلى توبيخهم أو من التوبيخ السابق إلى توبيخ آخر ، والهمزة المقدرة مع بل للتوبيخ على الحسبان المذكور أي بل أحسبتم وظننتم { حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ } على ما أنتم عليه ولا تؤمروا بالجهاد ولا تبتلوا بما يمحصكم { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } الواو حالية و { لَّمّاً } للنفي مع التوقع ونفي العلم ، والمراد نفي المعلوم وهو اجلهاد على أبلغ وجه إذ هو بطريق البرهان إذ لو وقع جهادهم علمه الله تعالى لا محالة فإن وقوع ما لا يعلمه عز وجل محال كما أن عدم وقوع ما يعلمه كذلك وإلا لم يطابق علمه سبحانه الواقع فيكون جهلاً وهو من أعظم المحالات ، فالكلام من باب الكناية ، وقيل : إن العلم مجاز عن التبيين مجازاً مرسلاً باستعماله في لازم معناه . وفي الكشاف ما يشعر أولا بأن العلم مجاز عما ذكر وثانيا ما يشعر بأنه من باب الكناية . وأجيب عنه بأنه أشار بذلك إلى أنه استعمل لنفي الوجود مبالغة في نفي التبيين ، وما ذكره أولا من قوله : إنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين الخلص منكم وهو الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى لوجهه جل شأنه حاصل المعنى ، وذلك لأنه خطاب للمؤمنين إلهابا لهم وحثاً على ما حضهم عليه بقوله سبحانه : { قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله } [ التوبة : 14 ] فإذا وبخوا على حسبان أن يتركوا ولم يوجد فيما بينهم مجاهد مخلص دل على أنهم إن لم يقاتلوا لم يكونوا مخلصين وأن الاخلاص إذا لم يظهر أثره بالجهاد في سبيل الله تعالى ومضادة الكفار كلا إخلاص ، ولو فسر العلم بالتبين لم يفد هذه المبالغة فتدبر ، وقوله تعالى : { وَلَمْ يَتَّخِذُواْ } عطف على جاهدوا وداخل في حيز الصلة أو حال من فاعله ، أي جاهدوا حال كونهم غير متخذين { مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً } أي بطانة وصاحب سر كما قال ابن عباس ، وهي من الولوج وهو الدخول وكل شيء أدخلته في شيء وليس منه فهو وليجة ، ويكون للمفرد وغيره بلفظ واحد وقد يجمع على ولائج ، و { مِن دُونِ } متعلق بالاتخاذ إن أبقى على حاله أو مفعول ثان له إن جعل بمعنى التصيير { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر . وقرىء على الغيبة وفي هذا إزاحة لما يتوهم من ظاهر قوله سبحانه : { وَلَمَّا يَعْلَمِ } الخ من أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها كما ذهب إليه هشام مستدلا بذلك . (7/178)
ووجه الازاحة أن { تَعْمَلُونَ } مستقبل فيدل على خلاف ما ذكره .
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)
{ مَا كَانَ للْمُشْركينَ } أي لا ينبغي لهم ولا يليق وإن وقع { أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ } أي لا ينبغي لهم ولا يليق وإن وقع { أَن يَعْمُرُواْ * مساجد الله } الظاهر أن المراد شيئاً من المساجد لأنه جمع مضاف فيعم ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً ، وتعميره مناط افتخارهم ، ونفي الجمع يدل على النفي عن كل فرد فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية ، وعن عكرمة . وغيره أن المراد به المسجد الحرام واختاره بعض المحققين ، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وأمامها المتوجهة إليه محاريبها فعامره كعامرها ، أو لأن كل مسجد ناحية من نواحيه المختلفة مسجد على حياله بخلاف سائر المساجد ، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو . ويعقوب . وابن كثير . وكثير { مساجد } بالتوحيد ، وحمل بعضهم { مَا كَانَ } على نفي الوجود والتحقق ، وقدر بأن يعمروا بحق لأنهم عمروها بدونه ولا حاجة إلى ذلك على ما ذكرنا { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } باظهارهم ما يدل عليه وإن لم يقولوا نحن كفار ، وقيل : بقولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ، وقيل : بقولهم كفرنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو حال من الضمير في { يَعْمُرُواْ } قيل : أي ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة البيت والكفر بربه سبحانه ، وقال بعضهم : ءن المراد محال أن يكون ما سموه عمارة بيت الله تعالى مع ملابستهم لما ينافيها ويحبطها من عبادة غيره سبحانه فإنها ليست من العمارة في شيء ، واعترض على قولهم : إن المعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين متنافيين بأنه ليس بمعرب عن كنه المرام ، فإن عدم استقامة الجميع بين المتنافيين إنما يستدعي انتفاء أحدهما لا بعينه لا انتفاء العمارة الذي هو المقصود ، وظاهره أن النفي في الكلام راجع إلى المقيد ، وحينئد لا مانع من أن يكون المراد من { مَا كَانَ } نفي اللياقة على ما ذكرنا ، والغرض ابطال افتخار المشركين بذلك لاقترانه بما ينافيه وهو الشرك . وجوز أن يوجه النفي إلى القيد كما هو الشائع وتكلف له بما لا يخلو عن نظر . ولعل من قال في بيان المعنى : ما استقام لهم أن يجمعوا الخ جعل محط النظر المقارنة التي أشعر بها الحال ، ومع هذا لا يأبى أن يكون المقصود نظراً للمقام نفي صحة الافتخار بالعمارة والسقاية فتدبر جداً . (7/179)
/ ومما يدل على أن المقام لنفي الافتخار ما أخرجه أبو الشيخ . وابن جرير عن الضحاك أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحمن وأغلظ عليه علي كرم الله تعالى وجهه في القول ، فقال : تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونقرى الحجيج ونفك العاني فنزلت : وأخرج ابن جرير .
وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه { أولئك } أي المشركون المذكورون { حَبِطَتْ أعمالهم } التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت كلا شيء { وَفِى النار هُمْ * خالدون } لعظم ما ارتكبوه ، وإيراد الجملة اسمية للمبالغة في الخلود ، والظرف متعلق بالخبر قدم عليه للاهتمام به ومراعاة للفاصلة . (7/180)
وهذه الجملة قيل : عطف على جملة { حَبِطَتْ } على أنها خبر آخر لأولئك ، وقيل : هي مستأنفة كجملة { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ } وفائدتهما تقرير النفي السابق الأولى من جهة نفي استتباع الثواب والثانية من جهة نفي استدفاع العذاب .
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)
{ إنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله } اختلف في المراد بالمساجد هنا كما اختلف في المراد بها هناك ، خلا أن من قال هناك بأن المراد المسجد الحرام لا غير جوز هنا إرادة جميع المساجد قائلاً : إنها غير مخالفة لمقتضى الحال فإن الإيجاب ليس كالسلب وادعى أن المقصود قصر تحقق العمارة على المؤمنين لا قصر لياقتها وجوازها وأنا أرى قصر اللياقة لائقاً بلا قصور ، وقرىء بالتوحيد أي إنما يليق أن يعمرها { مَنْ آمَنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِر } على الوجه الذي نطق به الوحي { لَّيْسَ البر وَءاتَى الزكواة } التي أتي بهما الرسول صلى الله عليه وسلم فيندرج في ذلك الإيمان به عليه الصلاة والسلام حتماً إذ لا يتلقى ذلك إلا منه صلى الله عليه وسلم . (7/181)
وجوز أن يكون ذكر الإيمان به عليه الصلاة والسلام قط طوى تحت ذكر الإيمان بالله تعالى دلالة على أنهما كشيء واحد إذا ذكر أحدهما فهم الآخر ، على أنه أشير بذكر المبدأ والمعاد إلى ما جيب الإيمان به أجمع ومن جملته رسالته صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنما لم يذكر عليه الصلاة والسلام لأن المراد { بِمَنِ } هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه أي المستحق لعمارة المساجد من هذه صفته كائناً من كان ، وليس الكلام في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام والإيمان به بل فيه نفسه وعمارته المسجد واستحقاقه لها ، فالآية على حد قوله سبحانه : { إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } إلى قوله تعالى : { فآمِنُوا بالله ورسُولِه النَّبى الذِى يؤمن بالله وكلماتِه } [ الأعراف : 158 ] والوجه الثاني أولى . والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتزيينها بالفرش لا على وجه يشغل قلب الالمصلي عن الحضور ، ولعل ما هو من جنس ما يخرج من الأرض كالقطن والحصر السامانية أولى من نحو الصوف إذ قيل : بكراهة الصلاة عليه ، وتنويرها بالسرج ولو لم يكن هناك من يستضيء بها على ما نص عليه جمع ، وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم الشرعية فيها ونحو ذلك ، وصيانتها مما لم تبن له في نظر الشارع كحديث الدنيا ، ومن ذلك الغناء على مآذنها كما هو معتاد الناس اليوم لا سيما بالأبيات التي غالبها هجر من القول . وقد وري عنه عليه الصلاة والسلام « الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش » وهذا الحديث في الحديث المباح فما ظنك بالمحرم مطلقاً أو المرفوع فوق المآذن . وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى وحق على المزور أن يكرم الزائر »
وأخرج سليم الرازي في الترغيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه » وأخرج أبو بكر الشافعي . وغيره عن أبي قرصافة قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين » وسمعته عليه الصلاة والسلام يقول « من بنى لله تعالى مسجداً بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة فقالوا : يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطرق . فقال عليه الصلاة والسلام : وهذه المساجد التي تبنى في الطرق » وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الغدو والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله تعالى » وأخرج أحمد . والترمذي وحسنه . وابن ماجه . والحاكم وصححه . وجماعة عن أبي سعيد الخدري قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان وتلا صلى الله عليه وسلم إنما يعمر » الآية . (7/182)
واستشكل ذكر إيتاء الزكاة في الآية بأنه لا تظهر مدخليته في العمارة ، وتكلف لذلك بأن الفقراء يحضرون المساجد للزكاة فتعمر بهم وأن من لا يبذل المال للزكاة الواجبة لا يبذله لعمارتها وهو كما ترى . والحق أن المقصود بيان أن من يعمر المساجد هو المؤمن الظاهر إيمانه وهو إنما يظهر بإقامة واجباته ، فعطف الإقامة والإيتاء على الإيمان للإشارة إلى ذلك { وَلَمْ يَخْشَ } أحد { إِلاَّ الله } فعمل بموجب أمره ونهيه غير آخذ له في الله تعالى لومة لائم ولا مانع له خوف ظالم فيندرج فيه عدم الخشية عند القتال الموبخ عليها في قوله سبحانه : { أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } [ التوبة : 13 ] وأما الخوف الجبلي من الأمور المخوفة فليس من هذا الباب ولا هو مما يدخل تحت التكليف ، والخطاب والنهي في قوله تعالى : { خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ } [ طه : 21 ] ليس على حقيقته .
وقيل : كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فاريد نفي تلك الخشية عنهم { فعسى أُوْلَئِكَ } المنعوتون بأكمل النعوت { أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين } أي إبى الجنة وما أعد الله تعالى فيها لعباده كما روي عن ابن عباس . والحسن ، وإبراز اهتدائهم لذلك مع ما بهم من تلك الصفات الجليلة في معرض التوقع لحسم أطماع الكافرين عن الوصول إلى مواقف الاهتداء لأن هؤلاء المؤمنين وهم هم إذا كان أمرهم دائراً بين لعل وعسى فما بال الكفرة بيت المخازي والقبائح ، وفيه قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم وما هم عليه وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء ، وهذا هو المناسب للمقام لا الاطماع وسلوك سنن الملوك مع كون القصد إلى الوجوب ، وكون الكفرة يزعمون أنهم محقون وأن غيرهم على الباطل فلا يتأتى حسم أطماعهم لا يلتفت إليه بعد ظهور الحق وهذا لا ريب فيه .
وقيل : إن الأوصاف المذكورة ، وإن أوجبت الاهتداء ، ولكن الثبات عليها مما لا يعلمه إلا الله تعالى وقد يطرأ ما يوجب ضد ذلك والعبرة للعاقبة ، فكلمة التوقع يجوز أن تكون لهذا ولا يخفى ما فيه فان النظر إلى العاقبة هنا لا يناسب المقام الذي يقتضي تفضيل المؤمنين عليهم في الحال/
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)
{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر وجاهد * فِى سَبِيلِ الله } السقاية والعمارة مصدر أسقي وعمر بالتخفيف إذ عمر المشدد يقال في عمر الإنسان لا في العمارة كما يتوهمه العوام ، وصحت الياء في سقاية لأن بعدها هاء التأنيث ، وظاهر الآية تشبيه الفعل بالفاعل والصفة بالذات وأنه لا يحسن هنا فلا بد من التقدير ، إما في جانب الصفة أي أجعلتم أهل السقاية والعمارة كمن آمن ، ويؤيده قراءة محمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنه . وابن الزبير . وأبي جعفر . وأبي وجزة السعدي وهو من القراء وإن اشتهر بالشعر { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج } بضم السين جمع ساق { مّنَ المسجد } بفتحتين جمع عامر ، وكذا قراءة الضحاك { سِقَايَةَ } بالضم أيضاً مع الياء والتاء { *وعمرة } كما في القراءة السابقة ، ووجه سقاية فيها أن يكون جمعاً جاء على فعال ثم أنث كما أنث من الجموع نحو حجارة فإن في كلا القراءتين تشبيه ذات بذات ، وإما في جانب الذات أي أجعلتموهما كإيمان من آمن وجهاد من جاهد ، وقيل : لا حاجة إلى التقدير في شيء وإنما المصدر بمعنى اسم الفاعل ، والمعنى عليه كما في الأول ، وأياً ما كان فالخطاب إما للمشركين على طريقة الالتفات واختاره أكثر المحققين وهو المتبادر من النظم ، وتخصيص ذكر الإيمان في جانب المشبه به واستدل له بما أخرجه ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله تعالى والقيام على السقاية خير من الإيمان والجهاد فذكر الله تعالى خير الإيمان به سبحانه والجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية ، وبما أخرجه ابن جرير . وأبو الشيخ عن الضحاك قال : أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك ، فقال العباس : أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب البيت ونسقي الحاج فأنزل الله تعالى : { المهتدين أَجَعَلْتُمْ } الآية ، وهذا ظاهر في أن الخطاب لهم وهم مشركون . (7/183)
وإما لبعض المؤمنين المؤثرين للسقاية والعمارة على الهجرة والجهاد ، واستدل له بما أخرجه مسلم . وأبو داود . وابن جرير . وابن المنذر . وجماعة عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي أن لا أعمل عملاً لله تعالى بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج ، وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام ، وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله تعالى خير مما قلتم فزجرهم عمر رضي الله تعالى عنه وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيه فيما اختلفتم فيه فأنزل الله تعالى الآية إلى قوله سبحانه : { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } وبما روي من طرق أن الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه .
والعباس ، وذلك أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قال له : يا عمر لو هاجرت إلى المدينة فقال له : أولست في أفضل من الهجرة وألست أسقي الحاج وأعمر البيت ، وهذا ظاهر في أن العباس رضي الله تعالى عنه كان إذ ذاك مسلماً على خلاف ما يقتضيه غيره من الأخبار المتقدم بعضها ، وأيد هذا القول بأنه المناسب للاكتفاء في الرد عليهم ببيان عدم مساواتهم عند الله تعالى للفريق الثاني وبيان أعظمية درجتهم عند الله تعالى الظاهر دخوله في الرد على وجه يشعر بعدم حرمان الأولين بالكلية لمكان أفعل التفضيل ، وجعل المشتمل على ذلك استطراداً لتفضيل من اتصف بتلك الصفات على غيره من المسلمين خلاف الظاهر ، وكذا القول بأنه سيق لتفضيلهم على أهل السقاية والعمارة من الكفرة وهم وإن لم يكن لهم درجة عند الله تعالى جاء على زعمهم ومدعاهم ، على أنه قيل عليه : إنه ليس فيه كثير نفع لأنه إن لم يشعر بعدم الحرمان فليس بمشعر بالحرمان ، والكلام على الأول توبيخ للمشركين ومداره إنكار تشبيه أنفسهم من حيث اتصافهم بوصفيهم المذكورين مع قطع النظر عما هم عليه من الشرك بالمؤمنين من حيث اتصافهم بالإيمان والجهاد ، أو على إنكار تشبيه وصفيهم المذكورين في حد ذاتهما مع الإغماض عن مقارنتهما للشرك بالإيمان والجهاد . (7/184)
والقول باعتبار المقارنة مما أغمض عنه المحققون لإباء المقام إياه ، كيف لا وقد بين حبوط أعمالهم بذلك الاعتبار وكونها بمنزلة العدم ، فتوبيخهم بعد على تشبيهها بالإيمان والجهاد ، ثم رد ذلك بما يشعر بعدم حرمانهم عن أصل الفضيلة بالكلية مما لا يساعده النظم الكريم ، ولو اعتبر لما احتيج إلى تقرير إنكار التشبيه وتأكيده بشيء آخر إذ لا شيء أظهر بطلاناً من نسبة المعدوم إلى الموجود ، وقيل : لا مانع من اعتبارها ويقطع النظر عما تقدم من بيان الحبوط ، وعدم الحرمان المشعور به مبني على ذلك وفيه ما فيه ، والمعنى أجعلتم أهل السقاية والعمارة في الفضيلة وعلو الدرجة كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما في ذلك كالإيمان والجهاد وشتان ما بينهما فإن السقاية والعمارة وإن كانتا في أنفسهما من أعمال البر والخير لكنهما وإن خلتا عن القوادح بمعزل أن يشبه أهلهما بأهل الإيمان والجهاد أو يشبه نفسهما بنفس الإيمان والجهاد وذلك قوله سبحانه : { لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله } أي لا يساوي الفريق الأول الثاني وبظاهره يترجح التقدير الأول ، وإذا كان المراد لا يستوون بأوصافهم يرجع إلى نفي المساواة في الأوصاف فيوافق الإنكار على التقدير الثاني ، وإسناد عدم الاستواء إلى الموصوفين لأن الأهم بيان تفاوتهم ، وتوجيه النفي ههنا والإنكار فيما سلف إلى الاستواء والتشبيه مع أن دعوى المفتخرين بالسقاية والعمارة من المشركين أو المؤمنين إنما هي الأفضلية دون التساوي والتشابه للمبالغة في الرد عليهم فإن نفي التساوي والتشابه نفي للأفضلية بالطريق الأولى ، لكن ينبغي أن يعلم أن الأفضلية التي يدعيها المشركون تشعر بثبوت أصل الفضيلة للمفضل عليه وهم بمعزل عن اعتقاد ذلك ، وكيف يتصور منهم أن في جهادهم وقتلهم فضيلة أو أن في الإيمان المستلزم لتسفيه رأيهم فيما هم عليه فضيلة ، فلا بد أن يكون ذلك من باب المجاراة فلا تغفل .
والجملة استئناف لتقرير الإنكار المذكور وتأكيده ، وجوز أبو البقاء أن تكون حالاً من مفعولي الجعل والرابط ضمير الجمع كأنه قيل : سويتم بينهم حال كونهم متفاوتين عند الله { والله لاَ يَهْدِى القوم * الظالمين } أريد بهم المشركون وبالظلم الشرك أو وضع الشيء في غير موضعه شركاً كان أو غيره فيدخل فيه ظلمهم في ذلك الجعل وهو أبلغ في الذم ، والمراد من الهداية الدلالة الموصلة لا مطلق الدلالة لأنه لا يناسب المقام ، وهذا حكم منه تعالى أنه سبحانه لا يوفق هؤلاء الظالمين إلى معرفة الحق وتمييز الراجح من المرجوح ولعله سيق لزيادة تقرير عدم التساوي . (7/185)
الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)
وقوله سبحانه : { الَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا * فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله } استئناف لبيان مراتب فضلهم زيادة في الرد وتكميلاً له ، وزيادة الهجرة وتفصيل نوعي الجهاد للإيذان بأن ذلك من لوازم الجهاد لا أنه اعتبر بطريق التدارك أمر لم يعتبر فيما سلف ، والظاهر من السياق أن المفضل عليه أهل السقاية والعمارة من المشركين ، وقد أنشرنا إلى ماله وما عليه حسبما ذكره بعض الفضلاء . وأنا أقول : إذا أريد من افعل المبالغة في الفضل وعلو المرتبة والمنزلة فالأمر هين وإذا أريد به حقيقته فهناك احتمالان الأول : أن يقال : حذف المفضل عليه إيذاناً بالعموم ، أي إن هؤلاء المتصفين بهذه الصفات أعلى رتبة وأكثر كرامة ممن لم يتصف بها كائناً من كان ويدخل فيه أهل السقاية والعمارة ، ويكفي في تحقق حقيقة أفعل وجود أصل الفعل في بعض الأفراد المندرجة تحت العموم كما يقال : فلان أعلم الخلق مع أن منهم من لا يتصف بشيء من العلم بل لا يمكن أن يتصف به أصلاً ، وهذا مما لا ينبغي أن يشك فيه سوى أنه يعكر علينا أن المقصود بالمفضل عليه في المثال من له مشاركة في أصل الفعل ولا كذلك ما نحن فيه ، فإن لم يضر هذا فالأمر ذاك وإلا فهو كما ترى . الثاني : أن يقال : ما أفهمته الصيغة من أن للسقاة والعمار من المشركين درجة جاء على زعم المشركين وحسن ذلك وقوع مثله في كلامهم مع المؤمنين فإنهمق الوا كما دل عليه بعض الأخبار السابقة : السقاية والعمارة خير من الإيمان والجهاد ولا شك أن ما يشعر به خير من أن في الإيمان والجهاد خيراً إنما جاء على زعم المؤمنين فما في الآية خارج مخرج المشاكلة مع ما في كلامهم وإن اختلف اللفظ ، وما قيل : من أن جعل معنى التفضيل بالنسبة إلى زعم الكفرة ليس فيه كثير نفع ليس فيه كثير ضرر كما لا يخفى على من ذاق طعم البلاغة ولو بطرف اللسان ، ويشعر كلام بعضهم أن التفضيل مبني على ما تقدم من قطع النظر وإغماض العين أي المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة أعلى رتبة ممن خلا منها وإن حاز جميع ما عداها مما هو كمال في حد ذاته كالسقاية والعمارة ، والمراد بسبيل الله هنا الإخلاص أو نحوه لا الجهاد فالمعنى جاهدوا مخلصين { وَأُوْلئِكَ } الموصوفون بما ذكر { هُمُ الفائزون } أي المختصون بالفوز العظيم أو بالفوز المطلق كأن فوز من عداهم ليس بفوز بالنسبة إلى فوزهم . (7/186)
والكلام على الثاني توبيخ لمن يؤثر السقاية والعمارة من المؤمنين على الهجرة والجهاد ، أي أجعلتم أهلهما من المؤمنين في الفضيلة والكرامة كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما كالإيمان والجهاد ، قالوا : وإنما لم يذكر الإيمان في جانب المشبه مع كونه معتبراً فيه قطعاً تعويلاً على ظهور الأمر وإشعاراً بأن مدار إنكار التشبيه هو السقاية والعمارة دون الإيمان ، وإنما لم يترك ذكره في جانب المشبه به أيضاً تقوية للإنكار وتذكيراً لأسباب الرجحان ومبادىء الأفضلية وإيذاناً بكمال التلازم بين الإيمان وما تلاه .
ومعنى عدم الاستواء عند الله تعالى وأعظمية درجة الفريق الثاني على هذا التقرير ظاهر . (7/187)
والمراد بالظلم الظلم بوضع كل من الراجح والمرجوح في موضع الآخر لا الظلم الأعم ، وبعدم الهداية عدم هدايته تعالى للمؤثرين إلى معرفة ذلك لا عدم الهداية مطلقاً ، والقصر في قوله سبحانه : { أولئك هُمُ * الفائزون } بالنسبة إلى درجة الفريق الثاني أو إلى الفوز المطلق إدعاء كما مر اه .
وأنت تعلم أن عدم ذكر الإيمان في جانب المشبه ظاهر لأن المؤمنين ما تنازعوا كما يدل عليه حديث مسلم السابق إلا فيما هو الأفضل بعده فمن قائل السقاية ومن قائل العمارة ومن قائل الجهاد ، نعم يحتاج ذكره في جانب المشبه به إلى نكتة ، والتوبيخ في الآية على هذا التقدير أبلغ منه على التقدير الأول فتأمل .
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)
{ يُبَشِّرهُم رَّبُّهُمْ } أي في الدنيا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . وقرأ حمزة { يُبَشّرُهُمْ } بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين والتخفيف على أنه من بشر الثلاثي وأخرجها أبو الشيخ عن طلحة بن مصرف ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم وكونه سبحانه هو المبشر ما لا يخفى من اللطافة واللطف { بِرَحْمَةٍ مّنْهُ } واسعة { وَرِضْوَانٍ } كبير { وجنات } عالية قطوفها دانية { لَّهُمْ فِيهَا } أي الجنات وقيل : الرحمة { نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } لا يرتحل ولا يسافر عنهم ، وهو استعارة للدائم . (7/188)
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)
{ خالدين فِيهَا } أي الجنات { أَبَدًا } تأكيد لما يدل عليه الخلود ودفع احتمال أن يراد منه المكث الطويل { إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا قدر بالنسبة إليه لأجور الدنيا أو للأعمال التي في مقابلته والجملة استئناف وقع تعليلاً لما سبق . وذكر أبو حيان أنه تعالى لما وصف المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاثة . الرحمة . والرضوان . والجنة . وبدأ سبحانه بالرحمة في مقابلة الإيمان لتوقفها عليه ولأنها أعم النعم وأسبقها كما أن الإيمان هو السابق ، وثنى تعالى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال ، وثلث عز وجل بالجنان في مقابلة الهجرة وترك الأوطان إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها بدلهم بدار الكفر الجنان الدار التي هي في جواره . (7/189)
وفي الحديث الصحيح يقول الله سبحانه : «يا أهل الجنة هل رضيتم فيقولون كيف لا نرضى وقد باعدتنا عن نارك وأدخلتنا جنتك فيقول سبحانه : لكم عندي أفضل من ذلك فيقولون : وما أفضل من ذلك؟ فيقول جل شأنه : أحل لكم رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبداً» ولا يخفى أن وصف الجنات بأن لهم فيها نعيم مقيم على هذا التوزيع في غاية اللطافة لما أن في الهجرة السفر الذي هو قطعة من العذاب .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)
{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وإخوانكم أَوْلِيَاء } نهى لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة فرد من المشركين لا عن موالاة طائفة منهم فإن ذلك مفهوم من النظم الكريم دلالة لا عبارة ، والآية على ما روى الثعلبي عن ابن عباس نزلت في المهاجرين فأنهم لما أمروا بالهجرة قالوا : إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشيرتنا وذهبت تجاراتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا وبقينا ضائعين فنزلت فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم في ذلك . وروي عن مقاتل أنها نلزت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا مكة نهياً عن موالاتهم . وروي عن أبي جعفر . وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى قريش يخبرهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عزم على فتح مكة ، وهذا ونحوه يقتضي أن هذه الآية نزلت قبل الفتح . واستشكل ذلك الإمام الرازي بأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت بعد فتح مكة فكيف يمكن أن يكون سبب النزول ما ذكر . وأجيب بأن نزولها قبل الفتح لا ينافي كون نزول السورة بعده لأن المراد معظمها وصدرها ، وعلى القول بأنها نزلت في حاطب فالمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب ويدخل حاطب في النهي عن الاتخاذ بلا شبهة { ءانٍ } أي اختاروا { استحبوا الكفر عَلَى الإيمان } وأصروا عليه إصراراً لا يرجى معه إقلاع أصلاً ، ولتضمن استحب معنى ما ذكر تعدى بعلى ، وتعليق النهي عن الاتخاذ بذلك لما أنه قبل ذلك ربما يؤدي بهم إلى الإسلام بسبب شعورهم بمحاسن الدين { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ } أي واحداً منهم ، والضمير في الفعل لمراعاة لفظ الموصول وللإيذان باستقلال كل واحد منهم بالاتصاف بالظلم الآتي لأن المراد تولى فرد واحد منهم و { مِنْ } في قوله سبحانه : { مّنكُمْ } للجنس لا للتبعيض { فَأُوْلَئِكَ } أي المتولون { هُمُ الظالمون } بوضعهم الموالاة في غير موضعها فالظلم بمعناه اللغوي ، وقد يراد به التجاوز والتعدي عما حد الله تعالى إن كان المراد ومن يتولهم بعد النهي ، والحصر ادعائي كأن ظلم غيرهم كلا ظلم عند ظلمهم وفي ذلك من الزجر عن الموالاة ما فيه . (7/190)
قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)
{ قُلْ } تلوين للخطاب وأمر له صلى الله عليه وسلم بأن يثبت المؤمنين ويقوي عزائمهم على الانتهاء عما نهوا عنه من موالاة الآباء والإخوان ويزهدهم فيهم وفيمن يجري مجراهم ويقطع علائقهم عن زخارف الدنيا الدنية على وجه التوبيخ والترهيب أي قل يا محمد للمؤمنين { إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وإخوانكم وأزواجكم } لم يذكر الأبناء والأزواج فيما سلف وذكرهم هنا لأن ما تقدم في الأولياء وهم أهل الرأي والمشورة والأبناء والأزواج تبع ليسوا كذلك وما هنا في المحبة وهم أحب إلى كل أحد { وَعَشِيرَتُكُمْ } أي ذووا قرابتكم ، وقيل : عشيرة الرجل أهله الأدنون ، وأياً ما كان فذكره للتعميم والشمول وهو من العشرة أي الصحبة لأنها من شأن القربى ، وقيل من العشرة العدد المعروف وسميت العشيرة بذلك على هذا لكمالهم لأن العشرة كما علمت عدد كامل أو لأن بينهم قد نسب كعد العشرة فإنه عقد من العقود وهو معنى بعيد . (7/191)
وقرأ أبو بكر عن عاصم { *عشيراتكم } ، والحسن { *عشائركم } وأنكر أبو الحسن وقوع الجمع الأول في كلامهم وإنما الواقع الجمع الثاني { وَعَشِيرَتُكُمْ وأموال اقترفتموها } أي اكتسبتموها ، وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره من قرفت القرحة إذا قشرتها . والقرف القشر ، ووصفت الأموال بذلك إيماء إلى عزتها عندهم لحصولها بكد اليمين وعرق الجبين { وتجارة } أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح { تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } بفوات وقت رواجها بغيبتكم عن مكة المعظمة في أيام المواسم { ومساكن تَرْضَوْنَهَا } منازل تعجبكم الإقامة فيها ، والتعرض للصفات المذكورة للإيذان بأن اللوم على محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا لا ينافي ما فيها من مبادىء المحبة وموجبات الرغبة فيها وأنها مع مالها من فنون المحاسن بمعزل عن أن تكون كما ذكر سبحانه بقوله : { أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } بالحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو الملازمة وتقديم الطاعة لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه ولا يؤاخذ عليه ولا يكلف الإنسان بالامتناع عنه { وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ } أي طريق ثوابه ورضاه سبحانه ، ولعل المراد به هنا أيضاً الإخلاص ونحوه لا الجهاد وإن أطلق عليه أيضاً أنه سبيل الله تعالى ، ونظم حب هذا في سلك حب الله تعالى شأنه وحب رسوله عليه الصلاة والسلام تنويهاً بشأنه وتنبيهاً على أنه مما يجب أن يحب فضلاً عن أن يكره وإيذاناً بأن محبته راجعة إلى محبة الله عز وجل ومحبة حبيبه صلى الله عليه وسلم فإن الجهاد عبارة عن قتال أعدائهما لأجل عداوتهم فمن يحبهما يجب أن يحب قتال من لا يحبهما { فَتَرَبَّصُواْ } أي انتظروا { حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } أي بعقوبته سبحانه لكم عاجلاً أو آجلاً على ما روي عن الحسن واختاره الجبائي ، وروي عن ابن عباس .
ومجاهد . ومقاتل أنه فتح مكة . (7/192)
{ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين } أي الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين وتقديم محبة من ذكر على محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أو القوم الفاسقين كافة ويدخل المذكورون دخولاً أولياً ، أي لا يهديهم إلى ما هو خير لهم ، والآية أشد آية نعت على الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله سبحانه بلطفه ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم « لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله تعالى ويبغض في الله تعالى حتى يحب في الله سبحانه أبعد الناس ويبغض في الله عز وجل أقرب الناس » والله تعالى الموفق لأحسن الأعمال .
ومن باب الإشارة : أنه سبحانه أشار إلى تمكن رسوله عليه الصلاة والسلام ووصول أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا محتجبين بالأفعال تارة وبالصفات أخرى وبذلك تحققت الضدية على أكمل وجه بينهم وبين المشركين فنزلت البراءة وأمروا بنبذ العهد ليقع التوافق بين الباطن والظاهر وأمر المشركون بالسياحة في الأرض أربعة أشهر على عدد مواقفهم في الدنيا والآخرة تنبيهاً لهم فإنهم لما وقفوا في الدنيا مع الغير بالشرك حجبوا عن الدين والأفعال والصفات والذات في برزخ الناسوت فلزمهم أن يوقفوا في الآخرة على الله عز وجل ثم على الجبروت ثم على الملكوت ثم على النار في جحيم الآثار فيعذبوا بأنواع العذاب . ومن طبق الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم : { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } إذ لا بد من حبسكم في تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك { وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين } [ التوبة : 2 ] المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما عبدوه من دونه ووقوفهم معه على النار { وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الاكبر } أي وقت ظهور الجمع الذاتي في صورة التفصيل { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } [ التوبة : 3 ] المراد بذلك كمال المخالفة والتضاد وانقطاع المدد الروحاني ، والمراد من قوله سبحانه : { إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } [ التوبة : 4 ] الذين بقيت فيهم مسكة من الاستعداد وأثر من سلامة الفطرة وبقايا من المروءة أمر المؤمنون أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وهي مدة تراكم الدين وتحقق الحجاب إن لم يرجعوا ويتوبوا ثم قال سبحانه بعد أن ذكر ما ذكر : { الذين كَفَرُواْ } أي علماً { وَهَاجَرُواْ } أي هجروا الرغائب الحسية والأوطان النفسية { وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم } وهي أموال معلوماتهم ومراداتهم ومقدوراتهم ، والجهاد بهذه إشارة إلى محو صفاتهم ، والجهاد بالأنفس إشارة إلى فنائها في الله تعالى أولئك { أَعْظَمُ دَرَجَةً } في التوحيد