صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
{ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِئَايَةٍ } من القرآن عند تراخي الوحي كما روي عن مجاهد . وقتادة . والزجاج ، أو بآية مقترحة كما روي عن ابن عباس . والجبائي . وأبي مسلم { قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها } أي هلا جمعتها ولفقتها من عند نفسك افتراء ، أو هلا أخذتها من الله تعالى بطلب منه ، وهو تهكم منهم لعنهم الله تعالى ، ومما ذكرنا علم أن لاجتبى معنيين جمع وأخذ ويختلف المراد حسب الاختلاف في تفسير الآية ، وعن علي بن عيسى أن الاجتباء في الأصل الاستخراج ومنه جباية الخراج ، وقيل : أصله الجمع من جبيت الماء في الحوض جمعته ، ومنه قيل للحوض جابية لجمعه الماء ، وإلى هذا ذهب الراغب ، وف «الدر المصون» جبى الشيء جمعه مختاراً ولذا غلب اجتبيته بمعنى اخترته . (6/493)
وقال الفراء يقال اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك وكذا اخترعته عند أبي عبيدة ، وقال ابن زيد : هذه الأحرف تقولها العرب للكلام يبتديه الرجل لم يكن أعده قبل ذلك في نفسه ، ومن جعل الأصل شيئاً لا ينكر الاستعمال في الآخر مجازاً كما لا يخفى { قُلْ } رداً عليهم { إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى } من غير أن يكون لي دخل ما في ذلك أصلاً على معنى تخصيص حاله عليه الصلاة والسلام باتباع ما يوحى إليه بتوجيه القصر إلى نفس الفعل بالنسبة إلى مقابله الذي كلفوه إياه عليه الصلاة والسلام لا على معنى تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه بتوجيه القصر بالقياس إلى مفعول آخر كما هو الشائع في موارد الاستعمال كأنه قل : ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي منه تعالى دون الاختلاف والاقتراح ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى { هذا } إشارة إلى القرآن الجليل المدلول عليه بما يوحى إليّ { بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } أي بمنزلة البصائر للقلوب بها تبصر الحق وتدرك الصواب ، أو حجج بينة وبراهين نيرة تغني عن غيرها فالكلام خارج مخرج التشبيه البليغ ، وقد حققت ما فيه على الوجه الأتم في الطراز المذهب ، أو فيه مجاز مرسل حيث أطلق المسبب على السبب ، وجوز أن تكون البصائر مستعارة لإرشاد القرآن الخلق إلى إدراك الحقائق ، وهذا مبتدأ وبصائر خبره ، وجمع خبر المفرد لاشتماله على آيات وسور جعل كل منها بصيرة ، و { مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع صفة لبصائر مفيدة لفخامتها أي بصائر كائنة منه تعالى ، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد وجوب الإيمان بها ، وقوله سبحانه وتعالى : { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } عطف على بصائر ، وتنوينهما للتفخيم ، وتقديم الظرف عليهما وتعقبهما بقوله تعالى : { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } كما قال شيخ الإسلام للإيذان بأن كون القرآن بصائر متحقق بالنسبة إلى الكل وبه تقوم الحجة على الجميع ، وأما كونه البعض من أن الثلاثة للمؤمنين ، فقد قال النيسابوري في التفسير : إن البصائر لأصحاب عين اليقن والهدى لأرباب علم اليقين والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين على أتم وجه والجميع لقوم يؤمنون ، وذكر نحو ذلك الخازن وادعى أنه من اللطائف وهو خلاف الظاهر بل لا يكاد يسلم ، وهذه الجملة على ما يظهر من تمام القول المأمور به .
واحتج بالآية من لم يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه نظر .
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)
{ وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن ، والاستماع معروف؛ واللام يجوز أن تكون أجلية وأن تكون بمعنى إلى وأن تكون صلة ، أي فاستمعوه ، والإنصات السكوت يقال : نصت ينصت وأنصت وانتصت إذا سكت والاسم النصتة بالضم ، ويقال كما قال الأزهري : أنصته وأنصت له إذا سكت له واستمع لحديثه ، وجاء أنصته إذا أسكته ، والعطف للاهتمام بأمر القرآن ، وعلل الأمر بقوله سبحانه وتعالى : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ثمراته ، والآية دليل لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في أن المأموم لا يقرأ في سرية ولا جهرية لأنها تقتضي وجوب الاستماع عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها؛ وقد قام الدليل في غيرها على جواز الاستماع وتركه فبقي فيها على حاله في الإنصات للجهر وكذا في الإخفاء لعلمنا بأنه قرأ ، ويؤيد ذلك أخبار جمة ، فقد أخرج عبد بن حميد . وابن أبي حاتم . والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنزلت وإذا قرىء القرآن الخ . (6/494)
وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه فسمع أناساً يقرؤون خلفه فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } كما أمركم الله تعالى .
/ وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال : لا قراءة خلف الإمام . وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا » . وأخرج أيضاً عن جابر « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان له إمام فقراءته له قراءة » وهذا الحديث إذا صح وجب أن يخص عموم قوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ } [ المزمل : 20 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : « لا صلاة إلا بقراءة » على طريقة الخصم مطلقاً فيخرج المقتدى وعلى طريقتنا أيضاً لأن ذلك العموم قد خص منه البعض وهو المدرك في الركوع إجماعاً فجاز التخصيص بعده بالمقتدى بالحديث المذكور ، وكذا يحمل قوله عليه الصلاة والسلام للمسىء صلاته : « فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن » على غير حالة الاقتداء جمعاً بين الأدلة ، بل قد يقال : إن القراءة ثابتة من المقتدى شرعاً فإن قراءة الإمام قراءة له فلو قرأ لكان له قراءتان في صلاة واحدة وهو غير مشروع . بق الكلام في تصحيح الخبر ، وقد روي من طرق عديدة مرفوعاً عن جابر رضيي الله تعالى عنه عنه عليه الصلاة والسلام وقد ضعف .
واعترف المضعفون لرفعه كالدارقطني . والبيهقي . وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل لأن الحفاظ كالسفيانين . وأبي الأحوص . وشعبة . وإسرائيل . وشريك . وجرير . وأبي الزبير . وعبد بن حميد وخلق آخرين رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلوه ، وقد أرسله مرة أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وحينئذٍ لنا أن نقول المرسل حجة عند أكثر أهل العلم فيكفينا فيما رجع إلى العمل على رأينا وعلى طريق الإلزام أيضاً بإقامة الدليل على حجية المرسل أيضاً ، وعلى تقدر التنزل عن حجيته فقد رفعه الإمام بسند صحيح . (6/495)
وروى محمد بن الحسن في موطئه قال : أنبأنا أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة " وقولهم : إن الحفاظ الذن عدوهم لم يرفعوه غير صحيح . فقد قال أحمد بن منيع في مسنده : أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان . وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " . ثم قال وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يذكر جابراً ورواه عبد بن حميد قال : حدثنا أبو نعيم حدثنا الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ، وإسناد حديث جابر الأول على شرط الشيخين والثاني على شرط مسلم ، فهؤلاء سفيان . وشريك . وجرير . وأبو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة فبطل عدهم فيمن لم يرفعه ، ولو تفرد الثقة وجب قبوله لأن الرفع زيادة وزيادة الثقة مقبولة فكيف ولم ينفرد ، والثقة قد يسند الحديث تارة ويرسله أخرى . وأخرجه ابن عدي عن الإمام رضي الله تعالى عنه في ترجمته وذكر فيها قصة وبها أخرجه أبو عبد الله الحاكم قال : حدثنا أبو محمد بن بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي حدثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي حدثنا مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر بن عبد الله «إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ورجل خلفه قرأ فجعل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن القراءة في الصلاة فلما انصرف أقبل عليه الرجل قال : أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعا حتى ذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم :
" من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة " . وفي رواية لأبي حنيفة «إن ذلك كان في الظهر أو العصر» وهي أن رجلاً قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر فأومأ إليه رجل فنهاه فلما انصرف قال : أتنهاني الحدث . نعم إن جابراً روى منه محل الحكم فقط تارة والمجموع تارة ويتضمن رد القراءة خلف الإمام لأنه خرج تأييداً لنهي ذلك الصحابي عنها مطلقاً في السرية والجهرية خصوصاً في رواية أبي حنيفة أن القصة كانت في السرية لا إباحة فعلها وتركها فيعارض ما روي في بعض روايات حديث " مالي أنازع في القرآن " أنه قال : إنه لا بد ففي الفاتحة ، وكذا ما رواه أبو داود . والترمذي عن عبادة بن الصامت قال : كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة ، فلما فرغ قال : لعلكم تقرؤون خلف إمامكم ، قلنا : نعم هذا ، قال : لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها؛ ويقدم لتقدم المنع على الإطلاق عند التعارض ولقوة السند فإن حديث المنع أصح فبطل رد المتعصبين ، وتضعيف بعضهم لمثل الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مع تضييقه في الرواية إلى الغاية حتى أنه شرط التذكر لجوازها بعد علم الراوي أن ذلك المروي خطه ، ولم يشترط الحفاظ هذا ولم يوافقه صاحباه على أن الخبر قد عضد بروايات كثيرة عن جابر غير هذه وإن ضعفت وبمذاهب الصحابة أيضاً كابن عباس . وابن عمر . وزيد بن ثابت . وابن مسعود . (6/496)
وأخرج محمد عن داود بن قيس بن عجلان أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجراً ، وروي مثل ذلك عن سعد بن أبي وقاص ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه إلا أن فيه مقالاً أنه قال : من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة ، وقال الشعبي : أدركت سبعين بدرياً كلهم يمنعون المقتد عن القراءة خلف الإمام ، وقد ادعى بعض أصحابنا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك ، ولعل مراده بذلك إجماع كثير من كبارهم ، وإلا ففيه نظر ، وكون مراده الإجماع السكوتي ليس بشيء أيضاً ، وذهب قوم إلى أن المأموم يقرأ إذا أسر الإمام القراءة ولا يقرأ إذا جهر وهو قول عروة بن الزبير . والقاسم بن محمد . والزهري . ومالك . وابن المبارك . وأحمد . وإسحاق ، وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وحجتهم فما قيل : إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن والسنة تدل على وجوب القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآيية على صلاة الجهر ومدلول السنة على صلاة السر جمعاً بين الدلائل ، وقال آخرون : إنما قرأ في السرية لأنه لا يقال له مستمع ، واعترض بأنه وإن سلمنا أنه لا يقال له ذلك لكن لا نسلم أنه لا يقال له منصت مع علمه بالقراءة وبأنا لا نسلم دلالة السنة على وجوب القراءة خلف الإمام ودون إثبات ذلك خرط القتاد ، على أن الجزم العمل بأقوى الدليلين ، وليس مقتضى أقواهما إلا المنع ، ومن هنا ضعف ما يروى عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه يستحسن قراءة الفاتحة على سبيل الاحتياط مخالفاً لما ذهب إليه الإمام .
وأبو يوسف من كراهة القراءة لما في ذلك من الوعيد ، والحق أن قوله كقولهما ، فقد قال في كتاب «الآثار» بعدما أسند إلى علقمة بن قيس : إنه ما قرأ قط فيما يجهر به ولا فيما لا يجهر به ، وبه نأخذ فلا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أو لا يجهر فيه ، ولا ينبغي أن يقرأ خلفه في شيء منها ، وذكر في موطئه نحو ذلك ، وقال السرخسي تفسد صلاة القارىء خلف الإمام في قول عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومنهم فيما قيل سعد بن أبي وقاص ، وفي رواية المزني عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يقرأ في الجهرية والسرية ، وفي رواية البويطي أنه يقرأ في السرية أم القرآن ويضم السورة في الأوليين ويقرأ في الجهرية أم القرآن فقط ، والمشهور عند الشافعية أنه لا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية بل يستمع فإن بعد بأن لم سمع أو سمع صوتاً لا يميز حروفه أو كانت سرية قرأ في الأصح ، وسبب النزول لم يكن القراءة في الصلاة بل أمر آخر . فقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت ، وحاصلها النهي عن التكلم لا عن القراءة ، ومن الناس من فسر القرآن بالخطبة ، والأمر بالاستماع إما للوجوب أو الندب ، وعندنا الإنصات في الخطبة فرض على تفصيل في المسألة ، وأخرج غير واحد عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الآية في الصلاة والخطبة يوم الجمعة ، وفي كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن مطلقاً . (6/497)
قال في الخلاصة : رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارىء ، وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل جهراً والناس نيام يأثم ، وهذا صريح في إطلاق الوجوب ، وعلل ذلك بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، و { إِذَا } هنا للكلية وغالب الشرطات القرآنية المؤداة بها كلية ، هذا والمراد من الاستماع في الآية المعنى المتبادر منه ، وقال الزجاج : المراد منه القبول والإجابة ، وهو بهذا المعنى مجاز كما نص عليه في الأساس ، ومنه سمع الله تعالى لمن حمده وسمع الأمير كلام فلان ، ورجح ذلك العلامة الطيبي قال : وهذا أوفق لتأليف النظم الكريم سابقاً ولاحقاً وأجمع للمعاني والأقوال فإنه تعالى لما ذكر تعريضاً أن المشركين إنما استهزأوا بالقرآن ونبذوه وراءهم ظهرياً لأنهم فقدوا البصائر وعدموا الهداية والرحمة وأن حالهم على خلاف المؤمنين أمر المؤمنين بما هو أزيد من مجرد الاستماع وهو قبوله والعمل بما فيه والتمسك به وأن لا يجاوزه مرتباً للحكم على تلك الأوصاف ، ولذلك قيل : إذا قرىء القرآن وضعاً للمظهر موضع المضمر لمزيد الدلالة على العلية ، يعني إذا ظهر أيها المؤمنون إنكم لستم مثل هؤلاء المعاندين فعليكم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال الهادي إلى الصراط المستقيم الموصل إلى مقام الرحمة والزلفى فاستمعوه وبالغوا في الأخذ منه والعمل بما فيه ليحصل المطلوب ولعلكم ترحمون ، ويدخل في هذا وجوب الإنصات في الصلاة بطريق الأولى لأنها مقام المناجاة والاستماع من المتكلم ، وعلى هذا الإنصات عند تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم ه ، ويعلم منه أن الخطاب في الآية للمؤمنين بل هو نص في ذلك .
وقال بعضهم : إن الخطاب فيها للكفار ، وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على معانيه ومزاياه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك عن طلب سائر المعجزات ، وأيد هذا بقوله سبحانه وتعالى : في آخر الآية { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بناءً على أن ذلك للترجي وإنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله تعالى : { وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ الأعراف : 203 ] . وأجيب بأن هذه الرحمة المرجوة غير تلك الرحمة ، ولئن سلم كونها إياها فالإطماع من الكريم واجب فلم يبق فرق ، وفي بناء الفعل للمفعول إشارة إلى أن مدار الأمر القراءة من أي قارىء كان . وفي الآية من الدلالة على تعظيم شأن القرآن ما لا يخفى . ومن هنا قال بعض الأصحاب : يستحب لمريد قراءته خارج الصلاة أن يلبس أحسن ثيابه ويتعمم ويستقبل القبلة تعظيماً له ، ومثله في ذلك العلم ، ولو قرأ مضطجعاً فلا بأس إذ هو نوع من الذكر . وقد مدح سبحانه ذاكريه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وضم رجليه عند القراءة ولا يمدها لأنه سوء أدب ولو قرأ ماشياً أو عند النسج ونحوه من الأعمال فإن كان القلب حاضراً غير مشتغل لم يكره وإلا كره ، ولا يقرأ وهو مكشوف العورة أو كان بحضرته من هو كذلك . وإن كانت زوجته ، وكره بعضهم القراءة في الحمام والطريق . قال النووي : ومذهبنا لا تكره فيهما ، وتكره في الحش وبيت الرحى وهي تدور عند الشعبي وهو مقتضى مذهبنا ، والكلام في آداب القراءة وما ينبغي للقارىء طويل . وفي الإتقان قدر له قدر من ذلك فإن كان عندك فارجع إليه . (6/498)
والجملة على ما يدل عليه كلامهم يحتمل أن تكون من القول المأمور به ويحتمل أن تكون استئنافاً من جهته تعالى ، قيل : وعلى الأول
فقوله سبحانه وتعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)
{ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } عطف على { قل } وعلى الثاني فيه تجريد الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام لكل ذكر فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب من القبول ، وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى : { مِنْ * مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين * قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } وقال الإمام : المراد بالذكر في نفسه أن يكون عارفاً بمعان الإذكار الت قولها بلسانه مستحضراً لصفات الكمال والعز والعظمة والجلال ، وذلك لأن الذكر باللسان عارياً عن الذكر بالقلب كأنه عديم الفائدة ، بل ذكر جمع أن الذكر اللساني الساذج لا ثواب فيه أصلاً ، ومن أتى بالكلمة الطيبة غير ملاحظ معناها أو جاهلاً به لا عد مؤمناً عند الله تعالى ، وقيل : الخطاب لمستمع القرآن والذكر القرآن ، والمراد أمر المأموم بالقراءة سراً بعد فراغ الإمام عن قراءته وفيه بعد ولو التزم قول الإمام ، وقوله سبحانه وتعالى : { تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } في موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أي متضرعاً وخائفاً ، أو بتقدير مضاف أي ذا تضرع وخيفة ، وكونه مفعولاً لأجله غير مناسب . (6/499)
وجوز بعضهم كون ذلك مصدراً لفعل من غر المذكور وليس بشيء ، وأصل خيفة خوفة ، ودون في قوله تعالى : { وَدُونَ الجهر مِنَ القول } صفة لمعمول حال محذوفة أي ومتكلماً كلاماً دون الجهر لأن دون لا تتصرف على المشهور؛ والعطف على تضرعاً ، وقيل : لا حاجة إلى ما ذكر والعطف على حاله ، والمراد اذكره متضرعاً ومقتصداً . وقيل : إن العطف على قوله تعالى : { فِى نَفْسِكَ } لكن على معنى اذكره ذكراً في نفسك وذكراً بلسانك دون الجهر ، والمراد بالجهر رفع الصوت المفرط وبما دونه نوع آخر من الجهر . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو أن يسمع نفسه وقال الإمام : المراد أن يقع الذكر متوسطاً بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } [ الإسراء : 110 ] ويشعر كلام ابن زد أن المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس ، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات أي اذكر ربك أيها المنصت في نفسك ولا تجهر بالذكر { بالغدو } جمع غدوة كما في «القاموس» ، وفي «الصحاح» الغدو نقيض الرواح وقد غدا يغدو غدواً . وقوله تعالى : { بالغدو } أي بالغدوات جمع غدوة وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس ، فعبر بالفعل عن الوقت كما يقال : أتيتك طلوع الشمس أي وقت طلوعها ، وهو نص في أن الغدو مصدر لا جمع ، وعليه فقد يقدر معه مضاف مجموع أي أوقات الغدو ليطابق قوله سبحانه وتعالى : { والاصال } وهو كما قال الأزهري جمع أصل ، وأصل جمع أصيل أعني ما بين العصر إلى غروب الشمس فهو جمع الجمع وليس للقلة وليس جمعاً لأصيل لأن فعيلاً لا يجمع على أفعال ، وقل : إنه جمع له لأنه قد يجمع عليه كيمين وأيمان ، وقيل : إنه جمع لأصل مفرداً كعنق ويجمع على أصلان أيضاً ، والجار متعلق باذكر ، وخص هذان الوقتان بالذكر قيل لأن الغدوة عندها ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة ، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودة ، وفي الأصل الأمر بالعكس ، أو لأنهما وقتا فراغ فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب ، وقيل : لأنهما وقتان يتعاقب فيهما الملائكة على ابن آدم ، وقيل : ليس المراد التخصيص بل دوام الذكر واتصاله أي اذكر كل وقت . وقرأ أبو مجاز لاحق بن حميد السدوسي { *والإيصال } ، وهو مصدر آصل إذ ادخل في الأصيل وهو مطابق لغدو بناء على القول بإفراده ومصدريته فتذكر { وَلاَ * تَكُنْ مّنَ الغافلين } عن ذكر الله تعالى .
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
{ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ } وهم ملائكة الملأ الأعلى ، فالمراد من العندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا لا المكانية لتنزه الله تعالى عن ذلك ، وقيل : المراد عند عرش ربك { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } بل يؤدونها حسبما أمروا به { وَيُسَبّحُونَهُ } أي ينزعونه عما لا يليق بحضرة كبريائه على أبلغ وجه { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } أي ويخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به غيره جل شأنه ، وهو تعريض بمن عداهم من المكلفين كما يدل عليه تقديم { لَهُ } وجازات يؤخذ من مجموع الكلام كما آثره العلامة الطيبي لأنه تعليل للسابق على معنى ائتوا بالعبادة على وجه الاخلاص كما أمرتم فإن لم تأتوا بها كذلك فإنا مغنون عنكم وعن عبادتكم ان لنا عباداً مكرمين من شأنهم كذا وكذا فالتقديم على هذا للفاصلة ، ولما في الآية من التعريض شرع السجود عند هذه الآية ارغاماً لمن أبى ممن عرض به . قيل : وقد جاء الأمر بالسجدة لآية أمر فيها بالسجود امتثالاً للأمر ، أو حكي فيها استنكاف الكفرة عنه مخالفة لهم ، أو حكى فيها سجود نحو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تأسيا بهم ، وهذا من القسم الثاني باعتبار التعريض أو من القسم الأخير باعتبار التصريح ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده لذلك كما روي ابن أبي شيبة عن ابن عمر « اللهم لك سجد سوادي وبك آمن فؤادي اللهم ارزقني علماً ينفعني وعملاً يرفعني » وأخرج أحمد . وأبو داود . والترمذي وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن بالليل مراراً « سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين » وجاء عنها أيضاً « ما من مسلم سجد لله تعالى سجدة إلا رفعه الله تعالى بها درجة أو حط عنه بها خطيئة أو جمعهما له كلتيهما » وأخرج مسلم . وابن ماجه . والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا قرأ ابن ردم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار » واستدل بالآية على أن إخفاء الذكر أفضل ، ويوافق ذلك ما أخرجه أحمد من قوله صلى الله عليه وسلم : « خير الذكر الخفي » وهي ناعية على جهلة زماننا من المتصوفة ما يفعلونه مما يستقبح شرعاً وعقلاً وعرفاً فإنا لله وإنا إليه راجعون . (6/500)
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } وهي الروح { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا * وَهِىَ * القلب *لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } أي ليميل إليها ويطمئن فكانت الروح تشم من القلب نسائم نفحان الألطاف { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي جعامعها وهو إشارة إلى النكاح الروحاني والصوفية يقولون : إنه سائر في جميع الموجودات ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت { حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } في البداية بظهور أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني { فَلَمَّا أَثْقَلَت } كبرت وكثرت آثار الصفات { دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا } لأنهما خافا من تبدل الصفات الروحانية النورانية بالصفات النفسانية الظلمانية { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا } للعبودية
{ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } [ الأعراف : 189 ] { فَلَمَّا ءاتاهما صَالِحاً } بحسب الفطرة من القوى { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } [ الأعراف : 190 ] أي جعل أولادهما لله تعالى شركاء فيما آتي أولادهما فمنهم عبد البطن ومنهم عبد الخميصة ومنهم من عبد الردهم والدينار { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } كائناً ما كان { عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } في العجز وعدم التأثير { فادعوهم } إلى أي أمر كان { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صادقين } [ الأعراف : 194 ] في نسبة التأثير إليهم { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } استفهام على سبيل الإنكار أي ليس لهم أرجل يمشون بها بل بالله عز وجل إذ هو الذي يمشيهم وكذا يقال فيها بعد { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ } [ الأعراف : 195 ] إن استطعتم { إِنَّ وَلِيّىَ * الله } حافظي ومتولي أمري { الذى نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين } [ الأعراف : 196 ] أي من قام به في حال الاستقامة { وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [ الأعراف : 198 ] الحق ولا حقيقتك لأنهم عمي القلوب في الحقيقة ، والضمير للكفار { قُلِ العفو } أي السهل الذي يتيسر لهم ولا تكلفهم ما يشق عليهم { وَأْمُرْ بالعرف } أي بالوجه الجميل ، { وَأَعْرِض * عن * الجاهلين } [ الأعراف : 199 ] فلا تكافئهم بجهلهم . عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية قيل وذلك لقوة دلالتها على التوحيد فإن من شاهد مالك النواصي وتصرفه في عباده وكونهم فيما يأتون ويطرون به سبحانه وتعالى لا بأنفسهم لا يشاقهم ولا يداقهم في تكاليفهم ولا يغضب في الأمر والنهي ولا يتشدد ويحلم عنهم ، { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله } [ الأعراف : 200 ] بالشهود والحضور فإنك ترى حينئذ أن لا فعل لغيره سبحانه ، وهذا إشارة إلى ما يعتري الإنسان أحياناًمن الغضب وإيماء إلى علاجه بالاستعاذة قال بعضهم : إن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً ، وإذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله تعالى خلق فيه داعية وقد سبقت عليه الكلمة الازلية فلا سبيل له إلى تركه وحينئذ يتغير غضبه . وقد ورد من عرف سر الله تعالى في القدر هانت عليه المصائب ، الاستعاذة بالله تعالى في المعنى طلب الالتجاء إليه باستكشاف ذلك النور ، { إِنَّ الذين اتقوا } الشرك { إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان } لمة منه بنسبة الفعل إلى غيره سبحانه وتعالى : { تَذَكَّرُواْ } مقام التوحيد ومشاهدة الأفعال من الله تعالى : (7/1)
{ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [ الأعراف : 201 ] فعالية الله تعالى لا شيطان ولا فاعل غيره سبحانه في نظرهم { وإخوانهم } أي إخوان الشياطين من المحجوبين { يمدونهم } الشياطين في الغي وهو نسبة الفعل إلى سوى { ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } [ الأعراف : 202 ] عن العناد والمراء والجدل ، و { قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها } أي جمعتها من تلقاء نفسك { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا * يُوحِى * إِلَىَّ مِنْ * رَبّى } [ الأعراف : 203 ] لأني قائم به لا بنفسي { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ } أي للقرآن بآذانكم الظاهرة { *ونصتوا } بحواسكم الباطنة ، وجوز أن يكون ضمير له للرب سبحانه ، أي إذا قرىء القرآن فاستمعوا للرس جل شأنه فإنه المتكلم والمخاطب لكم به { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الأعراف : 204 ] بالسمع الحقيقي أو برحمة تجلي المتكلم في كلامه بصفاته وأفعاله { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } بأن تتحلى بما يمكن التحلي به من صفات الله تعالى ، وقيل : هو على حد { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [ الأحزاب : 21 ] { تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } حسب اختلاف المقام { وَدُونَ الجهر } أي دون أن يظهر ذلك منك بل تكون ذاكراً به له { بالغدو } أي وقت ظهور نور الروح { والاصال } أي وقت غلبات صفات النفس { وَلاَ تَكُن } في وقت من الأوقات { مّنَ الغافلين } [ الأعراف : 205 ] عن شهود الحدة الذاتية ، وقال بعض الأكابر : إن قوله سبحانه : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } إشارة إلى أعلى المراتب وهو حصة الواصلين المشاهدين ، وقوله سبحانه وتعالى : { وَدُونَ الجهر } إشارة إلى المرتبة الوسطى وهي نصيب السائرين إلى مقام المشاهدة ، وقوله جل شأنه : { وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين } إيماء إلى مرتبة النازلين من السالكين ، وفي ذكر الخوف اشعارء باستشعار هيبة الجلال كما قال : (7/2)
أشتاقه فإذا بدا ... أطرقت من اجلاله لا خيفة بل هيبة
وصيانة لجمالة ... وذكروا أن حال المتدي والسالك منوطة برأي الشيخ فإنه الطبيب لأمراض القلوب فهو أعرف بالعلاج ، فقد يرى له رفع الصوت بالذكر علاجاً حيث توقف قطع الخواطر وحديث النفس عليه ، وفي عوارف المعارف للسهر وردي قدس سره لا يزال العبد يردد هذه الكلمة وسهلت على اللسان تشربها القلب ويصير الذكر حينئذ ذكر الذات ، وهذا الذكر هو المشاهدة والمكاشفة والمعاينة ، وذاك هو المقصد الأقصى من الخلوة ، وقد يحصل ما ذكر بتلاوة القرآن أيضاً إذا أكثر التلاوة واجتهد في مواطأة القلب مع اللسان حتى تجري التلاوة على اللسان وتقوم مقام حديث النفس فيدخل على العبد سهولة في التلاوة والصلاة ا ه .
ونقل عنه أيضاً ما حاصله أن بنية العبد تحكي مدينة جامعة ، وأعضاؤه وجوارحة بمثابة سكان المدينة ، والعبد في إقباله على الذكر كمؤذن صعد منارة على باب المدينة يقصد اسماع أهل المدينة الأذان ، فالذكر المحقق يقصد إيقاظ قلبه وانباء أجزائه وأبعاضه بذكر لسانه فهو يقول ببعضه ويسمع بكله إلى أن تنتقل الكلمة من اللسان إلى القلب فيتنور بها ويظفر بجدوى الأحوال ثم ينعكس نور القلب على القالب فيتزين بمحاسن الأعمال ا ه .
{ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ } وهم الفانون الباقون به سبحانه وتعالى أرباب الاستقامة { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } لعدم احتجابهم بالانانية { وَيُسَبّحُونَهُ } بنفيها { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [ الأعراف : 206 ] بالفناء التام وطمس البقية والله تعالى هو الباقي ليس في الوجود سواه . (7/3)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم * يَسْئَلُونَكَ عَنِ *الانفال } جمع نفل بالفتح وهو الزيادة ولذا قيل للتطوع نافلة وكذا لولد الولد ، ثم صار حقيقة في العطية ومنه قول لبيد : (7/4)
ان تقوى ربنا خير نفل ... وباذن الله ريثي وعجل
لأنها لكونها تبرعاً غير لازم كأنها زيادة ويسمى به الغنيمة أيضاً وما يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه لرأي يراه سواء كان لشخص معين أو لغير معين كمن قتل قتيلا فله سلبه ، وجعلوا من ذلك ما يزيده الإمام لمن صدر منه أثر محمود في الحرب كبراز وحسن إقدام وغيرهما ، واطلاقه على الغنيمة باعتبار أنها منحة من الله تعالى من غير وجوب ، وقال الإمام عليه الرحمة . لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم التي لم تحل لهم ، ووجه التسمية لا يلزم اطراده ، وفي الخبر أن المغانم كانت محرمة على الأمم فتفلها الله تعالى هذه الأمة ، وقيل : لأنها زيادة على ما شرع الجهاد له وهو إعلاء كلمة الله تعالى وحماية حوزة الإسلام فإن اعتبر كون ذلك مظفوراً به سمي غنيمة ، ومن الناس من فرق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص ، فقيل : الغنيمة ما حصل مستغنماً سواء كان ببعث أولا باستحقاق أولا قبل الظفر أو بعده ، والنفل ما قبل الظفر أو ما كان بغير قتال وهو الفيء؛ وقيل : ما يفضل عن القسمة ثم إن السؤال كما قال الطيبي ونقل عن الفارسي إما لاستدعاء معرفة أو يؤدي إليها وإما لاستدعاء جدا أو ما يؤدي إليه ، وجواب الأول باللسان وينوب عنه اليد بالكتابة أو الإشارة ويتعدى بنفسه وبعن والباء ، وجواب الثاني باليد وينوب عنها اللسان موعدا وردا ويتعدى بنفسه أو بمن وقد يتعدى لمفعولين كأعطى واختار ، وقد يكون الثاني جملة استفهامية نحو { سَلْ بَنِى إسراءيل * كَمَا * ءاتيناهم } [ البقرة : 211 ] والمراد بالأنفال هنا الغنائم كما روي عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة والضحاك . وابن زيد . وطائفة من الصحابة وغيرهم ، وبالسؤال السؤال لاستدعاء المعرفة كما اختاره جمع من المفسرين لتعديه بعن والأصل عدم ارتكاب التأويل ، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد . وابن حبان . والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وهو سبب النزول أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم ولمن الحكم فيها أهو للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فنزلت هذه الآية .
وقال بعضهم : إن السؤال استعطاء . والمراد بالنفل ما شرط للغازي زائداً على سهمه ، وسبب النزول غير ما ذكر . فقد أخرج عبد الرزاق في المصنف . وعبد بن حميد . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلاً فله كذا ومن جاء بأسير فله كذا فجاء أبو اليسر بن عمر والأنصاري بأسيرين فقال : يا رسول الله إنك قد وعدتنا .
فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء وإنه لم يمنعنا من هذه زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك فتشاجروا فنزل القرآن ، وادعوا زيادة { عَنْ } واستدلوا لذلك بقراءة ابن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص . وعلي بن الحسين . وزيد . ومحمد الباقر . وجعفر الصادق . وطلحة بن مصرف { يَسْأَلُونَكَ الانفال } وتعقب بأن هذه القراءة من باب الحذف والايصال وليست دعوى زيادة { عَنْ } في القراءة المتواترة لسقوطها في القراءة الأخرى أولى من دعوى تقديرها في تلك القراءة لثبوتها في القراءة المتواترة بل قد ادعى بعض أنه ينبغي حمل قراءة اسقاط { عَنْ } على ارادتها لأن حذف الحرف وهو مراد معنى أسهل من زيادته للتأكيد ، على أنه يبعد القول بالزيادة هنا الجواب بقوله تعالى : { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } فإنه المراد به اختصاص أمرها وحكمها بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيقسمها النبي عليه الصلاة والسلام كما يأمره الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد ، فإن مبنى ذلك القول القول بأن السؤال استعطاء ولو كان كذلك لما كان هذا جواباً له فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينافي إعطاءه إياهم بل يحققه لأنهم إنما يسألونه بموجب شرط الرسول عليه الصلاة والسلام الصادر عنه باذن الله تعالى لا بحكم سبق أيديهم إليه أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور . (7/5)
وحمل الجواب على معنى أن الأنفال بذلك المعنى مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا حق فيها للمنفل كائناً من كان لا سبيل إليه قطعاً ضرورة ثبوت الاستحقاق بالتنفيل ، وإدعاء أن ثبوته بدليل متأمر التزم لتكرر النسخ من غير علم بالناسخ الأخير ، ولا مساغ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهد . وعكرمة . والسدى من أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء بهذه الآية فنسخت بقوله تعالى : { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } [ الأنفال : 41 ] لما أن المراد بالأنفال فيما قالوا هو المعنى الأول حسبما نطق به قوله تعالى : { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } [ الأنفال : 41 ] الآي ، على أن الحق أنه لا نسخ حينئذ حسبما قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، بل بين هنا إجمالاً أن الأمر مفوض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرح فيما بعد مصارفها وكيفية قسمتها ، وإدعاء اقتصار الاختصاص بالرسول صلى الله عليه وسلم على الأنفال المشروطة يوم بدر بجعل اللام للعهد مع بقاء استحقاق المنفل في سائر الأنفال المشروطة يأباه مقام بيان الأحكام كما ينبىء عنه إظهار الأنفال في مقام الاضمار ، على أن الجواب عن سؤال الموعود ببيان كونه له عليه الصلاة والسلام خاصة مما يليق بشأنه الكريم أصلاً .
وقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه فاعجبني فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف فقال عليه الصلاة والسلام : ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت إلا قليلاً حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وقد صار لي فاذهب فخذه ، وهذا كما ترى يقتضي عدم وقوع التنفيل يومئذ وإلا لكان سؤال السيف من سعد بموجب شرطه عليه الصلاة والسلام ووعده لا بطريق الهبة المبتدأة وحمل ذلك من سعد على مراعاة الأدب مع كون سؤاله بموجب الشرط يرده رده صلى الله عليه وسلم قبل النزول وتعليله بقوله : ليس هذا لي لاستحالة أن يعد صلى الله عليه وسلم بما لا يقدر على إنجازه واعطائه عليه الصلاة والسلام بعد النزول وترتيبه على قوله وقد صار لي ضرورة إن مناط صيرورته له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { الانفال لِلَّهِ والرسول } والفرض إنه المانع من اعطاء المسؤول ، ومما هو نص في الباب قوله تعالى : { فاتقوا الله } فإنه لو كان السؤال طلبا للمشروط لما كان فيه محذور يجب اتقاؤه قاله شيخ الإسلام عليه الرحمة ، وحاصله إنكار وقوع التنفيل حينئذ ، وعدم صحة حمل السؤال على الاستعطاء والأنفال على المعنى الثاني من معنييها ، وأنا أقول : قد جاء خبر التنفيل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من الطريق الذي ذكرناه ومن طريق آخر أيضاً ، فقد أخرج ابن أبي شيبة . وأبو داود . والنسائي . وابن جرير . وابن المنذر . وابن حبان . وأبو الشيخ . والبيهقي في الدلائل . والحاكم وصححه عنه رضي الله تعالى عنه قال : «لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلاً فله كذا وكذا ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا فاما المشيخة فثبتوا تحت الرايات وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم فقالت المشيخة للشبان : أشركونا معكم فانا كنا لكم ردءاً ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } الآية فقسم الغنائم بينهم بالسوية» ويشير إلى وقوعه أيضاً ما أخرجه أحمد . (7/6)
وعبد بن حميد . وابن جرير . وأبو الشيخ . وابن مردويه . والحاكم . والبيهقي في السنن عن أبي إمامة قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله تعالى من أيدينا وجعله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمه عليه الصلاة والسلام بين المسلمين عن بواء ، ولعل في الباب غير هذه الروايات فكان على الشيخ حيث أنكر وقوع التنفيل أن يطعن فيها بضعف ونحوه ليتم له الغرض . (7/7)
وما ذكره من حديث سعد بن أبي وقاص فقد أخرجه أحمد . وابن أبي شيبة عنه وهو مع انه وقع فيه سعيد بن العاصي والمحفوظ كما قال : أبو عبيد العاصي بن سعيد مضطرب المتن ، فقد أخرج عبد بن حميد . والنحاس . وأبو الشيخ . وابن مردويه عن سعد انه قال : «أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : نفلني هذا السيف فأنا من علمت فقال : رده من حيت أخذته فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه عليه الصلاة والسلام فقلت : أعطنيه فشد لي صوته وقال رده من حيث أخذته فانزل الله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } » .
فإن هذه الرواية ظاهرة في أن السيف لم يكن سلبا كما هو ظاهر الرواية الأولى بل أن سعدا رضي الله تعالى عنه وجده في الغنيمة وطلبه نفلا على سهمه الشائع فيها . وأخرج النحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير أن سعدا ورجلاً من الأنصار خرجا يتنفلان فوجدا سيفا ملقى فخراً عليه جميعا فقال سعد : هو لي وقال الأنصاري : هو لي لا أسلمه حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه فقصا عليه القصة فقال عليه الصلاة والسلام : ليس لك يا سعد ولا للأنصاري ولكنه لي فنزلت { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } الآية ، ومخالفة هذه الرواية للروايتين السابقتين المختلفتين كما علمت في غاية الظهور فلا يكاد يعول على إحداهما إلا بإثبات أنها الأصح ، ولم نقف على أنهم نصوا على تصحيح الرواية التي ذكرها الشيخ فضلاً عن النص على الأصحية .
نعم أخرج أحمد . وأبو داود . والترمذي . وصححه والنسائي وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه . والحاكم وصححه . والبيهقي في السنن عن سعد المذكور رضي الله تعالى عنه قال : " قلت يا رسول قد شفاني الله تعالى اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف قال : إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه فوضعته ثم رجعت فقلت : عسى يعطي هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي إذا رجل يدعوني من ورائي فقلت : قد أنزل في شيء قال عليه الصلاة والسلام : كنت سألتني هذا السيف وليس هو لي وإني قد وهب لي فهو لك وأنزل الله تعالى هذه الآية : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } "
الخ ، فهذه الرواية وإن نص فيها على التصحيح إلا أنه ليست طاهرة في أن السيف كان سلباً له من عمير كما هو نص الرواية الأولى ، وإن قلنا : إن هذه الرواية وإن لم تكن موافقة للأولى حذو القذة بالقذة لكنها ليست مخالفة لها ، وزيادة الثقة مقبولة سواء كانت في الأول أم في الآخر أم في الوسط ، فلا بد من القول بالنسخ كما هو إحدى الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما أنها ظاهرة في كون الأنفال صارت ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد فيها حق أصلاً إلا أن يجود عليه عليه الصلاة والسلام كما يجوز من سائر أمواله ، والمولى المذكور ذهب إلى القول بعدم النسخ ولم يعلم أن هذا الخبر الذي استند إليه في إنكار وقوع التنفيل يعكر عليه ، وإدعاء أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : فيه «وقد صار لي» أنه صار حكمه لي لكن عبر بذلك مشاكلة لما في الآية يرده ما في الرواية الأخرى المنصوص على حصتها من الترمذي . والحاكم «وإني قد وهب لي» ، وحمل ذلك أيضاً على مثل ما حمل عليه الأول مما لا يكاد يقدم عليه عارف بكلام العرب لا سيما كلام أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم ، وما ذكره قدس سره من أن قوله تعالى : { قُلِ الانفال } الخ لا يكون جواباً لسؤال الاستعطاء فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالرسول عليه الصلاة والسلام لا ينافي الإعطاء بل يحققه ، وقد يجاب عنه بالتزام الحمل الذي ادعى أن لا سبيل إليه قطعاً ويقال بالنسخ ، وهو من نسخ السنة قبل تقررها بالكتاب ، وأن المنسوخ إنما هو ذلك التنفيل ، والتنفيل الذي يقول به العلماء اليوم هو أن يقول الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه أو يقول للسرية جعلت لكم الربع بعد الخمس أي بعدما يرفع الخمس اللفقراء ، وقد يكون بغير ذلك كالدراهم والدنانير . وذكر في «السير الكبير» أنه لو قال : ما أصبتم فهو لكم ولم يقل بعد الخمس لم يجز لأن فيه إبطال الخمس الثابت بالنص ، وبعين ذلك يبطل ما لو قال : من أصاب شيئاً فهو له لاتحاد اللازم فيهما بل هو أولى بالبطلان ، وبه أيضاً ينتفي ما قالوا : لو نفل بجميع المأخوذ جاز إذا رأى مصلحة ، وفيه زيادة إيحاش الباقين وإيقاع الفتنة . وذكر السادة الشافعية أن الأصح أن النفل يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح أن نفل مما سيغنم في هذا القتال لأنه المأثور عندهم كما جاء عن ابن المسيب . (7/8)
ويحتمل أن التنفيل المنسوخ الواقع يوم بدر عن القائل به لم يكن كهذا الذي ذكرناه عن أئمتنا وكذا عن الشافعية الثابت عندهم بالأدلة المذكورة في كتب الفريقين ، والأخبار التي وقفنا عليها في ذلك التنفيل غير ظاهرة في اتحاده مع هذا التنفيل .
وحينئذ فما نسخ لم يثبت وإنما ثبت غيره ، وربما يقال : على فرض تسليم أن ما ثبت هو ما نسخ أن دليل ثبوته هو قوله تعالى : { ياأيها النبى حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال } [ الأنفال : 65 ] فإن في ذلك من التحريض ما لا يخفى ، ودعوى أن حمل أل في الأنفال على العهد يأباه المقام في حيز المنع ، ومما يستأنس به للعهد أنه يقال لسورة الأنفال سورة بدر فلا بدع أن يراد من الأنفال أنفال بدر ، وإنباء الإظهار في مقام الاضمار على ما ادعاه في غاية الخفاء ، وكون الجواب عن سؤال الموعود ببيان اختصاصه به عليه الصلاة والسلام مما لا يليق بشأنه الكريم أصلاً مما لا يكاد يسلم ، كيف والحكم إلهي والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالإبلاغ ، وقد يقال : حاصل الجواب يا قوم إن ما وعدتكم به بإذن الله تعالى قد ملكنيه سبحانه وتعالى دونكم وهو أعلم بالحكم فيما فعل أولاً وآخراً فاتقوا الله من سوء الظن أو عدم الرضا بذلك . ومن هنا يعلم حسن الأمر بالتقوى بعد ذلك الجواب وبطلان ما ادعاه المولى المدقق من أن هذا الأمر نص في الباب ، وقد يقال أيضاً : لا مانع من أن يحمل السؤال على الاستعلام ، والاختصاص على اختصاص الحكم مع كون المراد بالأنفال المعنى الثاني ، والمعنى يسألونك عن حال ما وعدتهم إياه هل يستحقونه وإن حرم غيرهم ممن كان ردأ وملجأ حيث إنك وعدتهم وأطلقت لهم الأمر قل إن ذلك الموعود قد نسخ استحقاقكم له بالوعد المأذون فيه من قبل وفوض أمره إلى ولم يحجر علي بإعطائه لكم دون غيركم بل رخصت أن أساوي أصحابكم الذين كانوا ردأ لكم معكم لئلا يرجع أحد من أهل بدر فخفى حنين ويستوحشوا من ذلك وتفسد ذات البين ، فاتقوا الله تعالى من الاستقلال بما أخذتموه أو إخفاء شيء منه بناء على أنكم كنتم موعدين به { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } بالرد والمواساة فيما حل بأيديكم { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في كل ما يأمر به وينهى عنه في ذلك مصالح لا تعلمونها وإنما يعلمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وتقرير السؤال والجواب على هذا الأسلوب وإن لم يكن ظاهراً إلا أنه ليس بالبعيد جداً ، ثم ما ذكره قدس سره من أن حديث النسخ الواقع في كلام مجاهد ، وعكرمة . والسدي إنما هو للأنفال بالمعنى الأول لدلالة الناسخ على ذلك مسلم ، لكن جاء في آخر رواية النحاس عن ابن جبير السابقة في قصة سعد وصاحبه الأنصاري رضي الله تعالى عنهما ما يوهم كون النسخ للآية مع حمل الأنفال على غير ذلك المعنى وليس كذلك ، هذا ثم إني أعود فأقول : إن هذا التكلف الذي تكلفناه إنما هو لصيانة الروايات الناطقة بكون سبب النزول ما استند إليه القائل بأن الأنفال بالمعنى الثاني عن الإلغاء قبل الوقوف على ضعفها ، ومجرد ما ذكره المولى قدس سره لا يدل على ذلك ، ألا تراهم كيف يعدلون عن ظواهر الآيات إذا صح حديث يقتضي ذلك ، وإلا فأنا لا أنكر أن كون حمل الأنفال على المعنى الأول والذهاب إلى أن الآية غير منسوخة والسؤال للاستعلام أقل مؤنة من غيره فتأمل ذاك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك ، والمراد بقوله تعالى : { فاتقوا الله } الخ على هذا أنه إذا كان أمر الغنائم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فاتقوه سبحانه وتعالى واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى ، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون فيدخل ما هم فيه دخولاً أولياً ، وأصلحوا ما بينكم من الأحوال بترك الغلول ونحوه ، وعن السدي بعدم التساب . (7/9)
وعن عطاء كان الإصلاح بينهم « أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اقسموا غنائمكم بالعدل : فقالوا : قد أكلنا وأنفقنا . فقال عليه الصلاة والسلام : ليرد بعضكم على بعض » و { ذَاتُ } كماقيل بمعنى صاحبة صفة لمفعول محذوف . و { بَيْنَ } أما بمعنى الفراق أو الوصل أو ظفر أي أحوالاً ذات افتراقكم أو ذات وصلكم أو ذات الكمال المتصل بكم . وقال الزجاج وغيره : إن { ذَاتُ } هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه كما بنه ابن عطية وعليه استعمال المتكلمين ، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه كما تقول : اسقني ذا إنائك أي ما فيه جعل كؤنه صاحبه ، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم . (7/10)
وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى أولاً وآخراً لتعظيم شأنه وإظهار شرفه والإيذان بأن طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة الله تعالى ، وقال غير واحد : إن الجمع بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أولاً لأن اختصاص الله تعالى بالأمر والرسول صلى الله عليه وسلم بالامتثال ، وتوسيط الأمر بإطلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة .
وقرأ ابن محيصن { يَسْأَلُونَكَ } بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام نون عن فيها ولا اعتداد بالحركة العارضة { إِن كُنتُمْ } متعلق بالأوامر الثلاثة ، والجواب محذوف ثقة بدلالة المذكورة عليه أو هو الجواب على الخلاف المشهور ، وأياً ما كان فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك في إيمانهم ، وهو يكفي في التعليق بالشرط ، والمراد بالايمان التصديق ، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أنه من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة . وقد يراد بالايمان الايمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر؛ فالمعنى إن كنتم كاملي الايمان فإن كمال الايمان يدور على تلك الخصال الثلاثة الاتقاء والإصلاح وإطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ويؤيد إرادة الكمال
قوله سبحانه وتعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)
{ المقسطين إِنَّمَا المؤمنون } الخ إذا المراد به قطعا الكاملون في الايمان وإلا لم يصح الحصر ، وهو حينئذ جار على ما هو الأصل المشهور في النكرة إذا أعيدت معرفة ، وعلى الوجه الأول لا يكون هذا عين النكرة السابقة ، ويلتزم القول بأن القاعدة أغلبية كما قد صرحوا به في غير ما موضع ، أي إنما المؤمنون الكاملون في الايمان المخلصون فيه { الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } أي فزعت استعظاماً لشأنه الجليل وتهيباً منه جل وعلا والاطمئنان المذكور في قوله سبحانه وتعالى : { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد : 28 ] لا ينافي الوجل والخوف لأنه عبارة عن ثلج الفؤاد وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد وهو يجامع الخوف ، وإلى هذا ذهب ابن الخازن ، ووفق بعضهم بين الآيتين بأن الذكر في إحداهما ذكر رحمة وفي الأخرى ذكر عقوبة فلا منافاة بينهما . وأخرج البيهقي وجماعة عن السدي أنه قال في الآية : هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له : اتق الله تعالى فيجل قلبه ، وحمل الوجل فيها على الخوف منه تعالى كلما ذكر أبلغ في المدح من حمله على الخوف وقت الهم بمعصية أو إرادة ظلم . وهذا الوجل في قلب المؤمن كضرمة السعفة كما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها . (7/11)
وأخرج ابن جرير وغيره عن أم الدرداء أن الدعاء عند ذلك مستجاب ، وعلامته حصول القشعريرة .
وقرىء { وَجِلَتْ } بفتح الجيم ومضارعه يجل ، وأما وجل بالكسر فمضارعه يوجل وجاء ييجل وياجل وهي لغات أربع حكاها سيبويه ، وقرأ عبد الله { فَرَّقْتَ } أي خافت { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءاياته } أي القرآن كما روى عن ابن عباس { زَادَتْهُمْ إيمانا } أي تصديقاً كما هو المتبادر فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجباً لذلك ، وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص ، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وبه أقوال لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلاً ، بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل أيضاً؛ وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام ، واللازم باطل فكذا الملزوم ، وقال محيي الدين النووي في معرض بيان ذلك : إن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقيناً وإخلاصاً منه في بعضها ، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظواهر البراهين وكثرتها ، وأجابوا عما اعترض به عليه من أنه متى قبل ذلك كان شكاً وهو خروج عن حقيقته بأن مراتب اليقين متفاوتة إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنه لا شك معها ، وذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، واختاره أمام الحرمين محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان ، فالمصدق إذا أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلاً ، وإنما يتفاوت إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة على ما ذهب إليه القلانسي وجماعة من السلف ، وبما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن محمد بن الفضل .
وأبي القاسم الساباذي عن فارس بن مردويه عن محمد بن الفضل بن العابد عن يحيى بن عيسى عن أبي مطيع عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله الايمان يزيد وينقص؟ فقال : « الايمان مكمل في القلب زيادته ونقصانه كفر » . وأجابوا عما تمسك به الأولون من الآيات والأحاديث بأن الزيادة بحسب الدوام والثبات وكثرة الزمان والساعات . وإيضاحه ما قاله إمام الحرمين : أن النبي صلى الله عليه وسلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله تعالى إياه من مخامرة الشكوك والتصديق عرض لا يبقى بشخصه زمانين بل بتجدد أمثاله فتقع للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره متوالية فيثبت له صلى الله عليه وسلم أعداد من الايمان لا يثبت لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه أكثر . واعترض هذا بأن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه ودفع بأن المراد زيادة إعداد حصلت وعدم البقاء لا ينافي ذلك ، وأجابوا أيضاً بأن المراد الزيادة بحسب زيادة ما يؤمن به ، والصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا آمنوا في الجملة وكانت الشرعية غير تامة والأحكام تتنزل شيئاً فشيئاً فكانوا يؤمنون بكل ما يتجدد منها ولا شك في تفاوت إيمان الناس بملاحظة التفاصيل كثرة وقلة ولا يختص ذلك بعصر النبوة لإمكان الإطلاع عليها في غيره من العصور وبأن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب فإن نوره يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي ، ولا يخفى أن الحجة الأولى يعلم جوابها مما ذكرناه أولاً ، وأما الحجة الثانية التي ذكرها أبو الليث فمما لا يعول عليها عند الحفاظ أصلاً لأن رجال السند إلى أبي مطيع كلهم مجهولون لا يعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة ، وأما أبو مطيع وهو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي فقد ضعفه أحمد بن حنبل . ويحيى بن معين . وعمرو بن علي الفلاس . والبخاري . وأبو داود . والنسائي . وحاتم الرازي . وأبو حاتم محمد بن حبان البستي . والعقيلي . وابن عدي . والدارقطني وغيرهم . (7/12)
وأما أبو المهمز وقد تصحف على الكتاب؛ واسمه يزيد بن سفيان فقد ضعفه أيضاً غير واحد وتركه شعبة بن الحجاج ، وقال النسائي : متروك ، وقد اتهمه شعبة بالوضع حيث قال : لو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثاً ، ومن مارس الأحاديث النبوية لا يشك في أن ذلك اللفظ ليس منها في شيء ، وما ذكره إمام الحرمين على ما فيه مبني على تجدد الأعراض وعدم بقائها زمانين ، والمسألة خلافية ، ودون إثبات ذلك خرط القتاد . (7/13)
وما أجابوا به أولاً : من أن زيادة الايمان بحسب زيادة المؤمن به مع كونه خلاف الظاهر ولا داعي إليه عند المنصف لا يكاد يتأتى في قوله تعالى : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إيمانا } [ آل عمران : 173 ] وقوله تعالى : { هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة فِى قُلُوبِ المؤمنين لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم } [ الفتح : 4 ] إذ ليس هناك زيادة مشروع يحصل الايمان به ليقال : إن زيادة الايمان بحسب زيادة المؤمن به ، وحال الجواب الثاني : لا يخفى عليك .
وذهب جماعة منهم الإمام الرازي وإمام الحرمين في قول إلى أن الخلاف في زيادة الايمان ونقصانه وعدمهما لفظي وهو فرع تفسير الايمان ، فمن فسره بالتصديق قال : إنه لا يزيد ولا ينقص ، ومن فسره بالأعمال مع التصديق قال : إنه يزيد وينقص ، وعلى هذا قول البخاري : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الايمان قول وعمل ويزيد وينقص ، وهو المعنى بما روى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : « قلنا يا رسول الله إن الايمان يزيد وينقص قال : نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار » . واعترض على هذا بأن عدم قبول الايمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده ، أما أولاً : فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا إيمان دونه ليكون نقصاً ، وأما ثانياً : فلأن أحداً لا يستكمل الايمان حينئذ والزيادة على ما لم يكمل بعد محال . وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الايمان بانتفاء شيء من الأعمال ونحن إنما نقول : إنها شرط كمال فيه واللازم عند الانتفاء انتفاء الكمال وهو غير قادح في أصل الايمان والحق أن الخلاف حقيقي وأن التصديق يقبل التفاوت بحسب مراتب فما المانع من تفاوته قوة وضعفاً كما في التصديق بطلوع الشمس والصديق بحدوث العالم وقلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتصديق التفصيلي المتعلق بالكثير وما على إذا خالفت في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه للأدلة التي لا تكاد تحصى فالحق أحق بالاتباع والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام .
نعم أخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس أنه فسر الايمان في هذه الآية بالخشية وعبر عنها بذلك بناء على أنها من آثاره وهو خلاف الظاهر أيضاً ، وكأن المعنى عليه أن المؤمنين الكاملين هم الذين إذا ذكر الله من غير أن يذكر هناك ما يوجب الفزع من صفاته وأفعاله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياتهم المتضمنة ذلك زادتهم وجلاً على وجل { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي يفوضون أمورهم كلها إلى مالكهم ومدبرهم خاصة لا إلى أحد سواه كما يدل عليه تقديم المتعلق على عامله والجملة معطوفة على الصلة . (7/14)
وجوز أبو البقاء كونها حالاً من ضمير المفعول وكونها استئنافية .
[ بم وقوله سبحانه وتعالى :
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
مرفوع على أنه نعت للموصول الأول أو بدل منه أو بيان له أو منصوب على القطع المنبىء عن المدح ، وقد مدحهم سبحانه وتعالى أولاً بمكارم الأعمال القلبية من الخشية والإخلاص والتوكيل وهذا مدح لهم بمحاسن الأعمال القالبية من الصلاة والصدقة . (7/15)
أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
{ أولئك } أي المتصفون بما ذكر من الفات الحميدة من حيث إنهم كذلك { هُمُ المؤمنون حَقّاً } لأنهم حقوا إيمانهم بأن ضموا إليه ما فضل من أفاضل الأعمال . (7/16)
وأخرج الطبراني عن الحرث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : " كيف أصبحت يا حارث قال : أصبحت مؤمناً حقاً فقال صلى الله عليه وسلم : انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتصارخون فيها قال عليه الصلاة والسلام : يا حارث عرفت فالزم ثلاثاً " ونصب { حَقّاً } على أنه صفة مصدر محذوف فالعامل فيه المؤمنون أي إيماناً حقاً أو هو مؤكد لمضمون الجملة فالعامل فيه حق مقدر ، وقيل : إنه يجوز أن يكون مؤكداً لمضمون الجملة التي بعده فهو ابتداء كلام ، وهو مع أنه خلاف الظاهر إنما يتجه على القول بجواز تقديم المصدر المؤكد لمضمون الجملة عليها والظاهر منعه كالتأكيد ، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمناً حقاً لأنه سبحانه وتعالى : إنما وصف بذلك أقواماً على أوصاف مخصوصة وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه بل يلزمه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى .
وقرر بعضهم وجه الاستدلال بما يشير إليه ما روى عن الثوري أنه قال : من زعم أنه مؤمن بالله تعالى حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ولم يؤمن بالنصف الآخر ، وهذا ظاهر في أن مذهبه الاستثناء ، وهو كما قال الإمام مذهب ابن مسعود وتبعه جمع عظيم من الصحابة والتابعين ، وبه قال الشافعي ونسب إلى مالك وأحمد ، ومنعه الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه؛ وروى عنه أنه قال لقتادة : لم تستثني في إيمانك؟ قال : اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى : { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء : 82 ] فقال له : هلا اقتديت به في قوله بلى حين قيل له { أو لم تؤمن } [ البقرة : 260 ] ؟ فانقطع قتادة؛ قال الرازي كان لقتادة أن يجيب أبا حنيفة عليهما الرحمة ويقول : قول إبراهيم عليه السلام { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } بعد قوله بلى طلب لمزيد الطمأنينة وذلك يدل على جواز الاستثناء .
وفي «الكشف» أن الحق أن من جوز الاستثناء إنما جوز إذا سئل عن الايمان مطلقاً أما إذا قيل : هل أنت مؤمن بالقدر مثلاً فقال : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى لا يجوز لا لأن التبرك لا معنى له بل للإبهام فيما ليس له فائدة ، وأما في الأول فلما كان الإطلاق يدل على الكمال وهو الايمان المنتفع به في الآخرة علق بالمشيئة تفاؤلاً وتيمناً ، وذلك لأن الكلمة خرجت عن موضوعها الأصلي إلى المعنى الذي ذكر في عرف الاستعمال تراهم يستعملونها في كل ما لهم اهتمام بحصوله شائعاً بين العرب والعجم فلا وجه لقول من قال : إن معنى التبرك أنا أشك في إيماني تبركاً وذلك لأن المشيئة عنده غير مشكوكة عنده بل هو تعليق بما لا بدمنه نظراً إلى أنه السبب الأصلي وأنه تفويض من العبد إلى الله تعالى ومن فوض كفي لا نظراً إلى أن المشيئة غيب غير معلوم فيكون شكا في الايمان ، وقد جاء «من شك في إيمانه فقد كفر» وما أحسن ما نقل عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟ فقال : الايمان إمامان فإن كنت تسألني عن الايمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله تعالى
{ إِنَّمَا المؤمنون } [ الأنفال : 2 ] الخ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟ وهذا ونحوه ما يجعل الخلاف لفظياً ، وقد صرح بذلك جمع من المحققين عليهم الرحمة . (7/17)
{ لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } أي كرامة وعلو مكانة على أن يراد بالدرجات العلو المعنوي وقد يراد بها العلو الحسي ، وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : « في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم » وعن الربيع بن أنس « سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة » ووجه الجمع على الوجهين ظاهر ، والتنوين للتفخيم والظرف ، إما متعلق بمحذوف وقع صفة لها مؤكدة لما أفاده التنوين أو بما تعلق به الخبر أعني لهم من الاستقرار .
وجوز أبو البقاء أن يكون العامل فيه { درجات } لأن المراد بها الأجور ، وفي إضافته إلى الرب المضاف إلى ضميرهم مزيد تشريف لهم ولطف بهم وإيذان بأن ما وعدهم متيقن الثبوت مأمون الفوات ، والجملة جوز أن تكون خبراً ثانياً لأولئك وأن تكون مبتدأة مبنية على سؤال نشأ من تعدد مناقبهم كأنه قيل : ما لهم بمقابلة هذه الخصال؟ فقيل : لهم درجات { وَمَغْفِرَةٌ } عظيمة لما فرط منهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وهو ما أعط لهم من نعيم الجنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد القرظي قال : إذا سمعت الله تعالى يقول رزق كريم فهو الجنة . والكرم كما نقل الواحدي اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه فلعل وصف الرزق به هنا حقيقة .
/ وقال بعض المحققين : معنى كون الرزق كريماً أن رازقه كريم ، ومن هنا وصفوه بالكثرة وعدم الانقطاع إذ من عادة الكريم أن يجزل العطاء ولا يقعه فكيف بأكرم الأكرمين تبارك وتعالى ، وجعله نفسه كريماً على الإسناد المجازي للمبالغة ، ولم يذكروا لتوسيط المغفرة ، والظاهر كما قيل تقديمها هنا نكتة ، وربما يقال في وجه ذكر هذه الأشياء الثلاثة على هذا الوجه أن الدرجات في مقابلة الأوصاف الثلاثة أعني الوجل والإخلاص والتوكل ، ويستأنس له بالجمع والمغفرة في مقابلة إقامة الصلاة ويستأنس له بما ورد في غير ما خبر أن الصلوات مكفرات لما بينها من الخطايا وأنها تنقى الشخص من الذنوب كما ينقى الماء من الدنس ، والرزق الكريم بمقابلة الانفاق ، والمناسبة في ذلك ظاهرة ، وإلى هذا يشير كلام أبي حيان أو يقال : قدم سبحانه الدرجات لأنها بمحض الفضل ، وذكر بعدها المغفرة لأنها أهم عندهم من الرزق مع اشتراكهما في كونهما في مقابلة شيء ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن ابن زيد أنه قال في الآية : المغفرة بترك الذنوب والرزق الكريم بالأعمال الصالحة فتدبر والله تعالى أعلم بأسرار كلامه .
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)
{ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق } أي إخراجاً متلبساً به فالباء للملابسة ، وقيل : هي سببية أي بسبب الحق الذي وجب عليك وهو الجهاد . (7/18)
والمراد بالبيت مسكنه صلى الله عليه وسلم أو بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مثواه عليه الصلاة والسلام ، وزعم بعضهم أن المراد به مكة وليس بذاك ، وإضافة الإخراج إلى الرب سبحانه وتعالى إشارة إلى أنه كان بوحي منه عز وجل ، ولا يخفى لطف ذكر الرب وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ، والكاف يستدعي مشبهاً وهو غير مصرح به في الآية وفيه خفاء ، ومن هنا اختلفوا في بيانه وكذا في إعرابه على وجوه فاختار بعضهم أنه خبر مبتدأ محذوف هو المشبه أي حالهم هذه في كراهة ما وقع في أمر الأنفال كحال إخراجك من بيتك في كراهتهم له ، وإلى هذا يشير كلام الفراء حيث قال : الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه صلى الله عليه وسلم من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها مع أنه أولى بحالهم أو أنه صفة مصدر الفعل المقدر في { لله وللرسول } [ الأنفال : 1 ] أي الأنفال ثبتت لله تعالى وللرسول عليه الصلاة والسلام مع كراهتهم ثباتاً كثبات إخراجك وضعف هذا ابن الشجري ، وادعى أن الوجه هو الأولى لتباعد ما بين ذلك الفعل وهذا بعشر جمل ، وأيضاً جعله في حيزقل ليس بحسن في الانتظام ، وقال أبو حيان : إنه ليس فيه كبر معنى ولا يظهر للتشبيه فيه وجه ، وأيضاً لم يعهد مثل هذا المصدر ، وادعى العلامة الطيبي أن هذا الوجه أدق التأما من الأول والتشبيه فيه أكثر تفصيلاً لأنه حينئذ من تتمة الجملة السابقة داخل في حيز المقول مع مراعاة الالتفات وأطال الكلام في بيان ذلك واعتذر عن الفصل بأن الفاصل جار مجرى الاعتراض ولا أراه سالماً من الاعتراض ، وقيل : تقديره وأصلحوا ذات بينكم كما أخرجك وقد التفت من خطاب جماعة إلى خطاب واحد ، وقيل : المراد وأطيعوا الله والرسول كما أخرجك إخراجاً لا مرية فيه ، وقيل : التقدير يتوكلون توكلاً كما أخرجك ، وقيل : إنهم لكارهون كراهة ثابتة كإخراجك ، وقيل : هو صفة لحقاً أي أولئك هم المؤمنون حقاً مثل ما أخرجك ، وقيل : صفة لمصدر { يجادلون } أي يجادلونك جداً لا كإخراجك ونسب ذلك إلى الكسائي ، وقيل : الكاف بمعنى إذا أي واذكر إذ أخرجك وهو مع بعده لم يثبت . وقيل : الكاف للقسم ولم يثبت أيضاً وإن نقل عن أبي عبيد وجعل { يجادلونك } [ الأنفال : 6 ] الجواب مع خلوه عن اللام والتأكيد و { مَا } حينئذ موصولة أي والذي أخرجك ، وقيل : إنها بمعنى على وما موصولة أيضاً أي امض على الذي أخرجك ربك له من بيتك فإنه حق ولا يخفى ما فيه ، وقيل : هي مبتدأ خبره مقدر وهو ركيك جداً ، وقيل : في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أي وعده حق كما أخرجك ، وقيل : تقديره قسمتك حق كإخراجك ، وقيل : ذلك خير لكم كإخراجك ، وقيل : تقديره إخراجك من مكة لحكم كإخراجك هذا ، وقيل : هو متعلق ب
{ اضربوا } [ الأنفال : 12 ] وهو كما تقول لعبدك ربيتك افعل كذا . (7/19)
وقال أبو حيان : خطر لي في المنام أن هنا محذوفاً وهو نصرك والكاف فيها معنى التعليل أي لأجل أن خرجت لا عزاز دين الله تعالى نصرك وأمدك بالملائكة ، ودل على هذا المحذوف قوله سبحانه بعد : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } [ الأنفال : 9 ] الآيات ، ولو قيل : إن هذا مرتبط بقوله سبحانه : { رّزْقِ * كَرِيمٌ } [ الأنفال : 4 ] على معنى رزق حسن كحسن إخراجك من بيتك لم يكن بأبعد من كثير من هذه الوجوه { وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَِّرِهُونَ } للخروج أما لعدم الاستعداد للقتال أو للميل للغنيمة أو للنفرة الطبيعية عنه ، وهذا مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار فلا يرد أنه لا يليق بمنصب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، واللجملة في موضع الحال وهي حال مقدرة لأن الكراهة وقعت بعد الخروج كما ستراه إن شاء الله تعالى ، أو يعتبر ذلك ممتداً ، والقصة على ما رواه جماعة وقد تداخلت رواياتهم أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان . وعمرو بن العاص . ومخرمة بن نوفل فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقيها لكثرة المال وقلة الرجال فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة فنادى أبو جهل فرق الكفر النجاء النجاء على كل صعب وذلول عيركم أموالكم إن أصابها محمد لم تفلحوا بعدها أبداً ، وقد رأيت عاتكة بنت عبد المطلب في المنام أن راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ مثلها ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ مثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا ودخل فيها فلقة فحدثت بها أخاها العباس فحدث بها الوليد بن عتبة وكان صديقاً له فحدث بها أباه عتبة ففشا الحديث وبلغ أبا جعل فقال للعباس : يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم فأنكر عليه الرؤية . ثم أنه خرج بجميع مكة ومضى بهم إلى بدر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي دقران فنزل عليه جبريل عليه اللاسم بالوعد بإحدى الطائفتين إما : العير وإما قريش فاستشار أصحابه فقال بعضهم : هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنا خرجنا للعير فقال : إن العير مضت على ساحل البحر وهذا أبوجهل قد أقبل فقالوا : يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو فغضب عليه الصلاة والسلام فقام أبو بكر .
وعمر رضي الله تعالى عنهما فأحسنا الكلام في اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله امض لما أمرك الله تعالى فنحن معك حيث أحببت لا نقول كما بنو إسرائيل لموسى { اذهب أَنتَ * وَرَبُّكَ فَقَاتِلا * هاهنا * قاعدون } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا أنا معكما مقاتلون فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أشيروا على أيها الناس وهو يريد الأنصار لأنهم كانوا عدوهم وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم براء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدوهم بالمدينة فقام سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنهما فقال : يا رسول الله إيانا تريد؟ قال : أجل . قال : قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا إن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ولا نكره أن تلقى بنا عدونا وإنا لنصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ، ولعل الله تعالى يريك منا ما يقر به عينيك فسر بنا على بركات الله تعالى فنشطه قوله ثم قال عليه الصلاة والسلام : سيروا على بركة الله تعالى فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم اه ، وبهذا تبين أن بعض المؤمنين كانوا كارهين وبعضهم لم يكونوا كذلك وهم الأكثر كما تشير إليه الآية ، وجاء في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بدر قيل له : عليك بالعير فليس دونها شيء فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح فقال له : لم؟ فقال : لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك . (7/20)
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)
{ يجادلونك فِي الحق } الذي هو تلقي النفير المعلي للدين لإيثارهم عليه تلقي العير ، والجملة إما مستأنفة أو حال ثانية ، وجوز أن تكون حالاً من الضمير في { لَكَارِهُونَ } [ الأنفال : 5 ] وقوله سبحانه : { بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ } متعلق بيجادلون ، و { مَا } مصدرية ، وضمير تبين للحق أي يجادلون بعد تبين الحق لهم بإعلامك أنهم ينصرون ويقولون : ما كان خروجنا إلا للعير وهلا ذكرت لنا القتال حتى نستعد له ونتأهب { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت } أي مشبهين بالذين يساقون بالعنف والصغار إلى القتل ، فالجملة في محل نصب على الحالية من ضمير { لكارهون } [ الأنفال : 5 ] وجوز أن تكون صفة مصدر لكارهون بتقدير مضاف أي لكارهون كراهة ككراهة من سيق للموت { وَهُمْ يَنظُرُونَ } حال من ضمير يساقون وقد شاهدوا أسبابه وعلاماته ، وفي قوله سبحانه وتعالى : { كَأَنَّمَا } الخ إيماء إلى أن مجادلتهم كان لفرط فزعهم ورعبهم لأنهم كانوا ثلثمائة وتسعة عشر رجلاً في قول فيهم فارسان المقداد بن الأسود . والزبير بن العوام ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما كان منا فارس يوم بدر إلا المقداد وكان المشركون ألفاً قد استعدوا للقتال . (7/21)
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)
{ وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين } كلام مستأنف مسوق لبيان جميل صنع الله تعالى بالمؤمنين مع ما بهم من الجزع وقلة الحزم ، فإذ نصب على المفعولية بمضمر إن كانت متصرفة أو ظرف لمفعول ذلك الفعل ، وهو خطاب للمؤمنين بطريق التلوين والالتفات و { إِحْدَى } مفعول ثاني ليعد وهو يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبالباء ، أي اذكروا وقت أو الحادث وقت وعد الله تعالى إياكم إحدى الطائفتين . (7/22)
وقرىء { يَعِدُكُمُ } بسكون الدال تخفيفاً ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها ، وقوله سبحانه وتعالى : { أَنَّهَا لَكُمْ } بدل اشتمال من إحدى مبين لكيفية الوعد ، أي يعدكم أن إحدى الطائفتن كائنة لكم مختصة بكم تتسلطون عليها تسلط الملاك وتتصرفون فيها كيفما شئتم { وَتَوَدُّونَ } عطف على يعدكم داخل معه حيث دخل أي تحبون { أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ } من الطائفتين ، وذات الشوكة هي النفير ورئيسهم أبو جهل ، وغيرها العير ورئيسهم أبو سفيان ، والتعبير عنهم بهذا العنوان للتنبيه على سبب ودادتهم لملاقاتهم وموجب كراهتهم ونفرتهم عن موافاة النفير ، والشوكة في الأصل واحدة الشوك المعروف ثم استعيرت للشدة والحدة وتطلق على السلاح أيضاً؛ وفسرها بعضهم به هنا { وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ } أي يظهر كونه حقاً { بكلماته } الموحى بها في هذه القصة أو أوامره للملائكة بالإمداد أو بما قضى من أسر الكفار وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ، وقرىء { بكلماته } بالإفراد لجعل المتعدد كالشيء الواحد أو على أن المراد بها كلمة كن التي هي عند الكثير عبارة عن القضاء والتكوين { وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين } أي آخرهم والمراد يهلكهم جملة من أصلهم لأنه لا يفني الآخر إلا بعد فناء الأول ، ومنه سمي الهلاك دباراً . والمعنى أنتم تردون سفساف الأمور والله عز وجل يريد معاليها وما رجع إلى علو كلمة الحق وسمو رتبة الدن وشتان بين المرادين ، وكأنه للإشارة إلى ذلك عبر أولاً بالودادة وثانياً بالإرادة
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
{ لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل } جملة مستأنفة سيقت لبيان الحكمة الداعية اختيار ذات الشوكة ونصرهم عليها مع إرادتهم لغيرها ، واللام متعلقة بفعل مقدر مؤخر عنها ، أي لهذه الحكمة الباهرة فعل ما فعل لا لشيء آخر ، وليس فيه مع ما تقدم تكرار إذ الأول لبيان تفاوت ما بين الإرادتين وهذا لبيان الحكمة الداعية إلى ما ذكر . (7/23)
وأشار الزمخشري إلى أن هذا نظير قولك : أردت أن تفعل الباطل وأردت أن أفعل الحق ففعلت ما أردته لكذا لا لمقتضى إرادتك وليس نظير قولك : أردت أن تفعل الباطل وأردت أن أفعل الحق ففعلت ما أردته لكذا لا لمقتضى إرادتك وليس نظير قولك : أردت أن أكرم زيداً لإكرامه ليكون فيه ما يكون ، ومعنى إبطال الباطل على طرز ما أشرنا إليه في إحقاق الحق { وَلَوْ كَرِهَ المجرمون } ذلك أعني إحقاق الحق وإبطال الباطل ، والمراد بهم المشركون لا من كره الذهاب إلى النفير لأنه جرم منهم كما قيل .
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)
{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } بدل من { إِذْ * يَعِدُكُمُ } [ الأنفال : 7 ] وإن كان زمان الوعد غير زمان الاستغاثة لأنه بتأويل أن الوعد والاستغاثة وقعا في زمن واسع كما قال الطيب ، قل : وهو يحتمل بدل الكل إن جعلا متسعين وبدل البعض إن جعل الأول متسعاً والثاني معياراً ، وجوز أن يكون متعلقاً بقوله سبحانه : { لِيُحِقَّ } [ الأنفال : 8 ] واعترض بأنه مستقبل لنصبه بأن ، { وَإِذْ } للزمان الماضي فكيف يعمل بها . وأجيب بأن ذلك مبني على ما ذهب إليه بعض النحاة كابن مالك من أن { إِذْ } قد تكون بمعنى إذا للمستقبل كما في قوله تعالى : { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الاغلال فِى أعناقهم } [ غافر : 70 ، 71 ] . (7/24)
وقد يجعل من التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه . وقال بعض المحققين في الجواب : إن كون الإحقاق مستقبلاً إنما هو بالنسبة إلى زمان ما هو غاية له من الفعل المقدر لا بالنسبة إلى زمان الاستغاثة حتى لا يعمل فيه بل هما في وقت واحد ، وإنما عبر عن زمانها بإذ نظراً إلى زمن النزول ، وصيغة الاستقبال في { تَسْتَغِيثُونَ } لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها العجيبة ، وقيل : هو متعلق بمضمر مستأنف أي اذكروا ، وقيل : ب { تودون } [ الأنفال : 7 ] وليس بشيء ، والاستغاثة كما قال غير واحد : طلب الغوث وهو التخليص من الشدة والنقمة والعون ، وهو متعد بنفسه ولم يقع في القرآن الكريم إلا كذلك ، وقد يتعدى بالحرف كقوله :
حتى استغاث بماء لا رشاد له ... من الأباطح في حافاته البرك
وكذا استعمله سيبويه وزعم أنه خطأ خطأ ، والظاهر أن المستغيث هم المؤمنون ، قيل : إنهم لما علموا أن لا محيص من القتال أخذوا يقولون : أي رب انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين ، وقال الزهري : إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، وظاهر بعض الأخبار يدل على أنه الرسول عليه الصلاة والسلام . فقد أخرج أحمد . ومسلم . وأبو داود . والترمذي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه اللهم انجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فنزلت الآية في ذلك ، وعليه فالجمع للتعظيم { رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ } أي فأجاب دعاءكم عقيب استغاثتكم إياه سبحانه على أتم وجه { أَنّي مُمِدُّكُمْ } أي بأني فحذف الجار ، وفي كون المنسبك بعد الحذف منصوباً أو مجروراً خلاف .
وقرأ أبو عمر بالكسر على تقدير القول أو إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من جنس القول ، والتأكيد للاعتناء بشأن الخبر ، وحمله على تنزيل غير المنكر بمنزلة المنكر بمنزلة المنكر عندي ، والمراد بممدكم معينكم وناصركم { بِأَلْفٍ مّنَ الملئكة مُرْدِفِينَ } أي وراء كل ملك ملك كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وردف وأردف بمعنى كتبع وأتبع في قول . (7/25)
وعن الزجاج أن بينهما فرقاً فردفت الرجل بمعنى ركبت خلفه وأردفته بمعنى أركبته خلفي ، وقال بعضهم : ردفت وأردفت إذا فعلت ذلك فإذا فعلته بغيرك فأردفت لا غير ، وجاء أردف بمعنى اتبع مشدداً وهو يتعدى لواحد وبمعنى أتبع مخففاً وهو يتعدى لاثنين على ما هو المشهور ، وبكل فسر هنا ، وقدروا المفعول والمفعولين حسبما يصح به المعنى ويقتضيه ، وجعلوا الاحتمالات خمسة ، احتمالان على المعنى الأول . أحدهما أن يكون الموصوف جملة الملائكة والمفعول المقدر المؤمنين ، والمعنى متبعاً بعضهم بعضاً آخر منهم كرسلهم عليهم السلام ، وثلاثة احتمالات على المعنى الثاني . الأول : أن يكون الموصوف كل الملائكة والمفعولان بعضهم بعضاً على معنى أنهم جعلوا بعضهم يتبع بعضاً . الثاني : كذلك إلا أن المفعول الأول بعضهم والثاني المؤمنين على معنى أنهم اتبعوا بعضهم المؤمنين فجعلوا بعضاً منهم خلفهم . والثالث : كذلك أيضاً إلا أن المفعولين أنفسهم والمؤمنين على معنى أنهم أتبعوا أنفسهم وجملتهم المؤمنين فجعلوا أنفسهم خلفهم .
وقرأ نافع . ويعقوب { مُرْدِفِينَ } بفتح الدال ، وفيه احتمالان أن يكون بمعنى متبعين بالتشديد أي اتبعهم غيرهم ، وأن يكون بمعنى متبعين بالتخفيف أي جعلوا أنفسهم تابعة لغيرهم ، وأريد بالغير في الاحتمالين المؤمنون ، فتكون الملائكة على الأول مقدمة الجيش وعلى الثاني ساقتهم ، وقد يقال : المراد بالغير آخرون من الملائكة ، وفي الآثار ما يؤيده ، أخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : «نزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا فيها» لكن في «الكشاف» بدل الألف في الموضعن خمسمائة ، وقرىء { مُرْدِفِينَ } بكسر الراء وضمها ، وأصله على هذه القراءة مرتدفين بمعنى مترادفين فأبدلت التاء دالاً لقرب مخرجهما وأدغمت في مثلها فالتقى الساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل ، أو لاتباع الدال أو بالضم لاتباع الميم ، وعن الزجاج أنه يجوز في الراء الفتح أيضاً للتخفيف أو لنقل حركة التاء وهي القراءة التي حكاها الخليل عن بعض المكيين ، وذكر أبو البقاء أنه قرىء بكسر الميم والراء ، ونقل عن بعضهم أن مردفاً بفتح الراء وتشديد الدال من ردف بتضعيف العين أو أن التشديد بدل من الهمزة كأفرحته وفرحته .
ومن الناس من فسر الارتداف بركوب الشخص خلف الآخر وأنكره أبو عبيدة وأيده بعضهم ، وعن السدي أنه قرىء { *بآلاف } على الجمع فيوافق ما وقع في سورة أخرى { بِثَلاَثَةِ ءالاَفٍ } [ آل عمران : 124 ] و { بِخَمْسَةِ آلافٍ } [ آل عمران : 125 ] قيل : ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن المراد بالألف الذين كانوا على المقدمة أو الساقة أو وجوههم أو من قاتل منهم . (7/26)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي أنه قال : كان ألف مردفين وثلاثة آلف منزلين وهو جمع ليس بالجيد .
وأخرج ابن جرير . وعبد بن حميد عن قتادة أنهم أمدوا أولاً بألف ثم بثلاثة آلاف ثم أكملهم الله تعالى خمسة آلاف ، وأنت تعلم أن ظاهر ما روي عن الحبر يقتضي أن ما في الآية ألفان في الحقيقة ، وصرح بعضهم أن ما فيها بيان إجمالي لما في تلك السورة بناءً على أن معنى مردفين جاعلين غيرهم من الملائكة رديفاً لأنفسهم ، وهو ظاهر في أن المراد بالألف الرؤساء المستتبعون لغيرهم ، والأكثرون على أن الملائكة قاتلت يوم بدر ، وفي الأخبار ما يدل عليه ، وذكروا أنها لم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين ، وتفصيل ذلك في السير ، وقد تقدم بعض الكلام فيما يتعلق بهذا المقام فتذكر .
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)
{ وَمَا جَعَلَهُ الله } كلام مستأنف لبيان أن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه ، والجعل متعد إلى واحد وهو الضمير العائد إلى المصدر المنسبك في { أَنّي مُمِدُّكُمْ } [ الأنفال : 9 ] على قراءة الفتح والمصدر المفهوم من ذلك على الكسر ، واعتبار القول ورجوع الضمير إليه ليس بمعتبر من القول ، أي وما جعل إمدادكم بهم لشيء من الأشياء { إِلاَّ بشرى } أي بشارة لكم بأنكم تنصرون { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ } أي بالإمداد { *قُلُوبكُمُمْ } وتسكن إليه نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة ونصب { الرياح بُشْرىً } على أنه مفعول له ولتطمئن معطوف عليه ، وأظهرت اللام لفقد شرط النصب ، وقيل : للإشارة إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما قيل في قوله سبحانه : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل : 8 ] . (7/27)
وقيل : إن الجعل متعد إلى اثنين ثانيهما { بُشْرىً } على أنه استثناء من أعم المفاعيل ، واللام متعلقة بمحذوف مؤخر أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارة لكم ولتطمئن به قلوبكم فعل ما فعل لا لشيء آخر والأول هو الظاهر ، وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالاً وهو مذهب لبعضهم ، ويشعر ظاهرها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك الإمداد وفي الإخبار ما يؤيده ، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة بأوا الملائكة عليهم السلام .
وروي عن أبي أسيد وكان قد شهد بدراً أنه قال بعد ما ذهب بصره : لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصرى لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } أي وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا كائن من عنده عز وجل ، فالمنصور هو من نصره الله سبحانه والأسباب ليست بمستقلة ، أو المعنى لا تحسبوا النصر من الملائكة عليهم السلام فإن الناصر هو الله تعالى لكم وللملائكة ، وعليه فلا دخل للملائكة في النصر أصلاً ، وجعل بعضهم القصر على الأول إفرادي وعلى الثاني قلبي { أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يغالب في حكمه ولا ينازع في قضيته { حَكِيمٌ } يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة الباهرة ، والجملة تعليل لما قبلها وفيها إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات الحكم البالغة .
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)
{ إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس } أي يجعله غاشياً عليكم ومحيطاً بكم . والنعاس أول النوم قبل أن يثقل . (7/28)
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن النعاس في الرأس والنوم في القلب ولعل مراده الثقل والخفة وإلا فلا معنى له ، والفعل نعس كمنع والوصف ناعس ونعسان قليل . و { إِذْ يُغَشّيكُمُ } بدل ثان من { إِذْ * يَعِدُكُمُ } [ الأنفال : 7 ] على القول بجواز تعدد البدل ، وفيه إظهار نعمة أخرى فإن الخوف أطار كراهم من أوكاره فلما طامن الله تعالى قلوبهم رفرف بجناحه عليها فنعسوا ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو هو منصوب باذكروا .
وجوز تعلقه بالنصر ، وضعف بأن فيه إعمال المصدر المعرف بأل وفيه خلاف الكوفيين ، والفصل بين المصدر ومعموله ، وعمل ما قبل إلا فيما بعدها من غير أن يكون ذلك المعمول مستثنى أو مستثنى منه أو صفة له ، والجمهور لا يجوزون ذلك خلافاً للكسائي والأخفش ، وتعلقه بما في عند الله من معنى الفعل وقل عليه : إذ يلزم تقييد استقرار النصر من الله تعالى بهذا الوقت ولا تقييد له به ، وأجاب الحلبي بأن المراد به نصر خاص فلا محذور في تقييده وبالجعل ، وفيه الفصل وعمل ما قبل إلا فيما ليس أحد الثلاثة وبما دل عليه { عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ الأنفال : 10 ] وفيه لزوم التقييد ولا تقييد ، وأجيب بما أجيب ، والأنصاف بعد الاحتمالات الأربع . وقرأ نافع { يُغَشّيكُمُ } بالتخفيف من الإغشاء بمعنى التغشية والفاعل في القراءتين هو الله تعالى .
وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو { *يغشاكم } على إسناد الفعل إلى النعاس . وقوله سبحانه وتعالى : { النعاس أَمَنَةً مّنْهُ } نصب على أنه مفعول له وهو مصدر بمعنى الأمن كالمنعة وإن كان قد يكون جمعاً وصفة بمعنى آمنين كما ذكره الراغب ، واستشكل بأن شرط النصب الذي هو اتحاد فاعله وفاعل الفعل العامل فيه مفقود إذ فاعله هم الصحابة الآمنون رضي الله تعالى عنهم وفاعل الآخر هو الله على القراءتين الأوليين والنعاس على الأخرى .
وأجيب بأنه مفعول له باعتبار المعنى الكنائي فإن يغشاكم النعاس يلزمه تنعسون ويغشيكم بمعناه فيتحد الفاعلان إذ فاعل كل حينئذٍ الصحابة ، وقال بعض المدققين : إنه على القراءتين الأوليين يجوز أن يكون منصوباً على العلية لفعل مترتب على الفعل المذكور أي يغشيكم النعاس فتنعسون أمناً أو على أنه مصدر لفعل آخر كذلك أي فتأمنون أمناً ، وعلى القراءة الأخيرة منصوب على العلية بيغشاكم باعتبار المعنى فإنه في حكم تنعسون أو على أنه مصدر لفعل مترتب عليه كما علمت ، وما تقدم أقل انتشاراً .
وجوز أن يراد بالأمنة الإيمان بمعناه اللغوي وهو جعل الغير آمناً فيكون مصدر آمنه ، وهو على بعده إنما يتمشى في القراءتين الأوليين لأن فاعل التغشة والأمان هو الله تعالى ، وأما على القراءة الأخرى فلا ويحتاج إلى ما مر ، ومن الناس من جوز فيها أن يجعل الأمن فعل النعاس على الإسناد المجازي لكونه من ملابسات أصحاب الأمن ، والإسناد في ذلك مقدر وليس المراد به النسبة التي بين الفعل والمفعول له أي يغشاكم النعاس لأمنه ، أو على تشبيه حاله بحال إنسان شأنه الأمن والخوف وأنه حصل له من الله تعالى الأمان من الكفار في مثل ذلك الوقت المخوف فلذلك غشاكم وأنامكم فيكون الكلام تمثيلاً وتخييلاً للمقصود بإبراز المعقول في صورة المحسوس .
والقطب جعل في الكلام استعارة بالكناية حيث ذكر أنه شبه النعاس بشخص من شأنه أن يأتيهم لكنه لا يأتيهم في وقت الخوف وإذا من أتاهم ، ثم ذكر النعاس وأراد ذلك الشخص ، والقرينة ذكر الأمنة لأنها من لوازم المشبه به ، وقد وصف الزمخشري النوم بنحو ذلك في قوله : (7/29)
يهاب النوم أن يغشى عيونا ... تهابك فهو نفار شرود
وما يقال : إن مثل هذا إنما يليق بالشعر لا بالقرآن الكريم فغير مسلم ، وذكر ابن المنير في توجيه اتحاد الفاعل على القراءتين أن لقائل أن يقول : فاعل تغشية النعاس إياهم هو الله تعالى وهو فاعل الأمنة أيضاً لأنه خالقها فحينئذٍ يتحد فاعل الفعل والعلة فيرتفع السؤال ويزول الإشكال على قواعد أهل السنة التي تقتض نسبة أفعال الخلق إلى الله تعالى على أنه خالقها ومبدعها وتعقبه بأن للمورد أن يقول : المعتبر الفاعل اللغوي وهو المتصف بالفعل وهو هنا ليس إلا العبد إذ لا يقال لله سبحانه وتعالى آمن وإن كان هو الخالق وحينئذٍ يحتاج إلى الجواب بما سلف والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لأمنة ، أي أمنة كائنة منه تعالى لكم ، ولعل مغايرة ما هنا لما في سورة آل عمران لاختلاف المقام فقد قالوا : إن ذلك المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن ولذلك قدمه سبحانه وتعالى وبسط الكلام فيه كما لا يخفى على من تأمل في السياق والسباق بخلافه هنا لأنه في مقام تعداد النعم فلذا جىء بالقصة مختصرة للرمز وقرىء { ءامِنَةً } بالسكون وهو لغة فيه .
{ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء } عطف على { يُغَشّيكُمُ } وكان هذا قبل النعاس كما روي عن مجاهد وتقديم الجار والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر كما مر غير مرة ، وتقديم عليكم لما أن بيان كون التنزيل عليهم أهم من بيان كونه من السماء : وقرأ ابن كثير . وسهل . ويعقوب . وأبو عمر { وَيُنَزّلُ } بالتخفيف من الإنزال وقرأ الشعبي ما { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } أي من الحدث الأصغر والأكبر ووجهها كما قال ابن جني أن { مَا } موصولة واللام متعلقة بمحذوف وقع صلة لها أي وينزل عليكم الذي ثبت لتطهيركم ، ونظير هذه اللام اللام في قولك : أعطيت الثوب الذي لدفع البرد وهي في قراءة الجماعة نظير اللام في قولك : زرتك لتكرمني ومرجع القراءتين واحد والمشهورة أفصح بالمراد وانظر لم لا يجوز أن تخرج هذه القراءة على ما سمع من قولهم اسقني ما بالقصر ، وقد حكي ذلك في «القاموس» وأرى أن العدول عن ذلك إن جاز كالتيمم مع وجود الماء .
{ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } أي وسوسته وتخويفه إياكم من العطش . أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمىء المسلمون وصلوا مجنبين محدثين وكانت بينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال : أتزعمون أن فيكم نبياً وأنكم أولياء الله تعالى وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله تعالى من السماء ماء فسال عليهم الوادي فشربوا وتطهروا وثبتت أقدامهم وذهبت وسوسة الشيطان ، وفسر بعضهم الرجز هنا بالجنابة مع اعتبار كون التطهير منها واعترض بلزوم التكرار ودفع بأن الجملة الثانية تعليل للأولى والمعنى طهركم من الجنابة لأنها كانت من رجز الشيطان وتخييله . وقرىء { رِجْسٌ } وهو بمعنى الرجز { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعد بمشاهدة طلائعه ، وأصل الربط الشد ويقال لمن صبر على الشيء : ربط نفسه عليه . (7/30)
قال الواحدي : ويشبه أن تكون { على } صلة أي وليربط قلوبكم . وقيل الأصل ذلك إلا أنه أتى بعلى قصداً للاستعلاء . وفيه إيماء إلى أن قلوبهم قد امتلأت من ذلك حتى كأنه علا عليها ، وفي ذلك إن إفادة التمكن ما لا يخفى { وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام } ولا تسوخ في الرمل فالضمير للماء كالأول .
/ وجوز أن يكون للربط ، والمراد بتثبيت الأقدام كما قال أبو عبيدة جعلهم صابرين غير فارين ولا متزلزلين .
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)
{ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى * الملائكة } متعلق بمضمر مستأنف أي اذكر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد حسبما ينطق به الكاف ، وقيل : منصوب ب { يثبت } [ الأنفال : 11 ] ويتعين حينئذٍ عود الضمير المجرور في به إلى الربط ليكون المعنى ونثبت الأقدام بتقوية قلوبكم وقت الإيحاء إلى الملائكة والأمر بتثبيتهم إياكم وهو وقت القتال ، ولا يصح أن يعود إلى الماء لتقدم زمانه على زمان ذلك ، وقال بعضهم : يجوز ذلك لأن التثبيت بالمطر باق إلى زمانه أو يعتبر الزمان متسعاً قد وقع جميع المذكور فيه وفائدة التقييد التذكير بنعمة أخرى والإيماء إلى اقتران تثبيت الأقدام بتثبيت القلوب المأمور به الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، أو الرمز إلى أن التقوية وقعت على أتم وجه ، وقيل : هو بدل ثالث من { إِذْ * يَعِدُكُمُ } [ الأنفال : 7 ] ويبعده تخصيص الخطاب بسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام . واختار بعض المحققين الأول مدعياً أن في الثاني تقييد التثبيت بوقت مبهم وليس فيه مزيد فائدة . وفي الثالث إباء التخصيص عنه مع أن المأمور به ليس من الوظائف العامة للكل كسائر أخواته ولا يستطيعه غيره عليه الصلاة والسلام لأن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي المذكور ، ولا يخفى على المتأمل أن ما ذكر لا يقتضي تعين الأول نعم يقتضي أولويته . (7/31)
والمراد بالملائكة الملائكة الذين وقع بهم الإمداد ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة ، والمعنى إذ أوحى { إِنّى مَعَكُمْ } أي معينكم على تثبيت المؤمنين ، ولا يمكن حمله على إزالة الخوف كما في قوله سبحانه وتعالى : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } [ التوبة : 40 ] لأن الملائكة لا يخافون من الكفرة أصلاً ، وما تشعر به كلمة مع من متبوعية الملائكة لا يضر في مثل هذه المقامات ، وهو نظير { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } [ البقرة : 153 ] ونحوه ، والمنسبك مفعول يوحي ، وقرىء إني بالكسر على تقدير القول أي قائلاً إني معكم ، أو إجراء الوحي مجراه لكونه متضمناً معناه ، والفاء في قوله سبحانه : { فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والمراد بالتثبيت الحمل على الثبات في موطن الحرب والحد في مقاساة شدائد القتال قالا أو حالا ، وكان ذلك هنا في قول بظهورهم لهم في صورة بشرية يعرفونها ووعدهم إياهم النصر على أعدائهم ، فقد أخرج البيهقي في الدلائل أن الملك كان يأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول : أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم ، وجاء في رواية كان الملك يتشبه بالرجل فيأتي ويقول : إني سمعت المشركين يقولون : والله لئن حملوا علينا لنكشفن ويمشي بين الصفين ويقول : أبشروا فإن الله تعالى ناصركم .
وقال الزجاج : كان بأشياء يلقونها في قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد جدهم ، وللملك قوة إلقاء الخير في القلب ويقال له الهام كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة؛ وقيل : كان ذلك بمجرد تكثير السواد .
وعن الحسن أنه كان بمحاربه أعدائهم وذهب إلى ذلك جماعة وجعلوا قوله تعالى : { سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } تفسيراً لقوله تعالى : { إِنّى مَعَكُمْ } كأنه قيل : أني معكم في إعانتهم بإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم ، والرعب بضم فسكون وقد يقال بضمتين وبه قرأ ابن عامر والكسائي الخوف وانزعاج النفس بتوقع المكروه ، وأصله التقطيع من قولهم : رعبت السنام ترعيباً إذا قطعته مستطيلاً كأن الخوف يقطع الفؤاد أو يقطع السرور بضده ، وجاء رعب السيل الوادي إذا ملأه كأن السيل قطع السلوك فيه أو لأنه انقطع إليه من كل الجهات ، وجعلوا قوله سبحانه وتعالى : { فاضربوا } الخ تفسيراً لقوله تبارك وتعالى : { فَثَبّتُواْ } مبين لكيفية التثبيت . وقد أخرج عبد بن حميد . وابن مردويه عن أبي داود المازني قال : بينا أنا أتبع رجلاً من المشركين يوم بدر فأهويت بسيفي إليه فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعرفت أنه قد قتله غيري . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلاً يقول : أقدم حيزوم فخر المشرك مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه فجاء فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة . (7/32)
وجوز بعضهم أن يكون التثبيت بما يلقون إليهم من وعد النصر وما يتقوى به قلوبهم في الجملة ، وقوله سبحانه وتعالى : { سَأُلْقِى } الخ جملة استئنافية جارية مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنه مصدقه ومبينه لإعانته إياهم على التثبيت ، وقوله سبحانه وتعالى : { فاضربوا } الخ جملة مستعقبة للتثبيت بمعنى لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير تراخ ، وكأن المعنى أني معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا . وجىء بالفاء للنكتة المذكورة ، ووسط { *سألقء } تصديقاً للتثبيت وتمهيداً للأمر بعده ، وعلى الاحتمالين تكون الآية دليلاً لمن قال : إن الملائكة قاتلت يوم بدر ، وقال آخرون : التثبت بغير المقاتلة ، وقوله عز وجل : { ءامَنُواْ سَأُلْقِى } تلقين منه تعالى للملائكة على إضمار القول على أنه تفسير للتثبيت أو استئناف بياني ، والخطاب في { فاضربوا } للمؤمنين صادراً من الملائكة حكاه الله تعالى لنا ، وجوز أن يكون ذلك الكلام من جملة الملقن داخلاً تحت القول ، كأنه قيل : قولوا لهم قولي { سَأُلْقِى } الخ ، أو كأنه قيل : كيف نثبتهم؟ فقيل : قولوا لهم قولي { سَأُلْقِى } الخ ، ولا يخفى أن هذا القول أضعف الأقوال معنى ولفظاً . وأما القول بأن { فاضربوا } الخ خطاب منه تعالى للمؤمنين بالذات على طريق التلوين فمبناه توهم وروده قبل القتال ، وأنى ذلك؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة ، وبالجملة الآية ظاهرة فيما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة { فَوْقَ الاعناق } أي الرؤوس كما روي عن عطاء .
وعكرمة ، وكونها فوق الأعناق ظاهر . وأما المذابح كما قال البعض فإنها في أعالي الأعناق و { فَوْقَ } باقية على ظرفيتها لأنها لا تتصرف؛ وقيل : إنها مفعول به وهي بمعنى الأعلى إذا كانت بمعنى الرأس ، وقيل : هي هنا بمعنى على والمفعول محذوف أي فاضربوهم على الأعناق ، وقيل : زائدة أي فاضربوا الأعناق { واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } . (7/33)
قال ابن الأنباري : البنان أطراف الأصابع من اليدين والرجلين والواحدة بنانة وخصها بعضهم باليد .
وقال الراغب : هي الأصابع وسميت بذلك لأن بها إصلاح الأحوال التي بها يمكن للإنسان أن يبن أي يقيم من أبن بالمكان وبن إذا أقام ، ولذلك خص في قوله سبحانه وتعالى : { بلى قادرين على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } [ القيامة : 4 ] وما نحن فيه لأجل أنهم بها يقاتلون ويدافعون ، والظاهر أنها حقيقة في ذلك ، وبعضهم يقول : إنها مجاز فيه من تسمية الكل باسم الجزء .
وقيل : المراد بها هنا مطلق الأطراف لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل . والمراد اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها وآثره في «الكشاف» . وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها لجسد كله في لغة هذيل ، ويقال فيها بنام بالميم وتكرير الأمر بالضرب لمزيد التشديد والاعتناء بأمره و { مِنْهُمْ } متعلق به أو بمحذوف وقع حالاً من { كُلَّ بَنَانٍ } وضعف كونه حالاً من بنان بأن فيه تقديم حال المضاف إليه على المضاف .
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13)
{ ذلك } إشارة إلى الضرب والأمر به أو إلى جميع ما مر ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من ذكر قبل من الملائكة والمؤمنين على البدل أو لكل أحد ممن يليق بالخطاب . وجوز أن يكون خطاباً للجمع ، والكاف تفرد مع تعدد من خوطب بها ، وليست كالضمير على ما صرحوا به ، ومحل الاسم الرفع على الابتداء وخبره قوله سبحانه وتعالى : { بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ } وقال أبو البقاء : إن ذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وليس الأمر ذلك ، والباء للسببية والمشاقة العداوة سميت بذلك أخذاً من شق العصا وهي المخالفة أو لأن كلاً من المتعاديين يكون في شق غير شق الآخر كما أن العداوة سميت عداوة لأن كلاً منهما في عدوة أي جانب وكما أن المخاصمة من الخصم بمعنى الجانب أيضاً ، والمراد بها هنا المخالفة أي ذلك ثابت لهم أو واقع عليهم بسبب مخالفتهم لمن لا ينبغي لهم مخالفته بوجه من الوجوه { وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ } أي يخالف أمر الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام؛ والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة وإظهار كمال شناعة ما اجترأوا عليه والإشعار بعلية الحكم ، وبئس خطيب القوم أنت اقتضاه الجمع على وجه لا يبين منه الفرق ممن هو في ربقة التكليف؛ وأين هذا من ذاك لو وقع ممن لا حجر عليه وإنما لم يدغم المثلان لأن الثاني ساكن في الأصل والحركة لالتقاء الساكنين فلا يعتد بها ، وقوله تعالى : { فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } إما نفس الجزاء قد حذف منه العائد عند من يلتزمه ولا يكتفي بالفاء في الربط أي شديد العقاب له ، أو تعليل للجزاء المحذوف أي عاقبه الله تعالى فإن الله شديد العقاب ، وأياً ما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريقة برهاني ، كأنه قيل : ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وكل من يشاقق الله ورسوله كائناً من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد فأذن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله عقاب شديد ، وقيل : هو ويد بما أعد لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا ، قال بعض المحققين : ويرده قوله سبحانه وتعالى : (7/34)
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)
{ ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ للكافرين عَذَابَ النار } فإنه مع كونه هو المسوق للوعيد بما ذكر ناطق بكون المراد بالعقاب المذكور ما أصابهم عاجلاً سواء جعل { ذلكم } إشارة إلى نفس العقاب أو إلى ما تفيده الشرطية من ثبوته لهم ، أما على الأول : فلأن الأظهر أن محلة النصب بمضمر يستدعيه { فَذُوقُوهُ } والواو في { وَأَنَّ للكافرين } الخ بمعنى مع ، فالمعنى باشروا ذلكم العقاب الذي أصابكم فذوقوه عاجلاً مع أن لكم عذاب النار آجلاً ، فوقع الظاهر موضع الضمير لتوبيخهم بالكفر وتعليل الحكم به ، وأما على الثاني : فلأن الأقرب أن محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وقوله سبحانه وتعالى : و { ءانٍ } الخ معطوف عليه ، والمعنى حكم الله تعالى ذلكم أي ثبوت هذا العقاب لكم عاجلاً وثبوت عذاب النار آجلاً ، وقوله تعالى : { فَذُوقُوهُ } اعتراض وسط بين المعطوفين للتهديد ، والضمير على الأول لنفس المشار إليه وعلى الثاني لما في ضمنه اه . (7/35)
واعترض على الاحتمال الأول بأن الكلام عليه من باب الاشتغال وهو إنما يصح لو جوز ناصحة الابتداء في { ذلكم } وظاهر أنه لا يجوز لأن مابعد الفاء لا يكون خبراً إلا إذا كان المبتدأ موصولاً أو نكرة موصوفة . ورد بأنه ليس متفقاً عليه فإن الأخفش جوزه مطلقاً ، وتقديره باشروا مما استحسنه أبو البقاء وغيره قالوا : لتكون الفاء عاطفة لا زائدة أو جزائية كما في نحو زيداً فاضربه على كلام فيه ، وبعضهم يقدر عليكم اسم فعل . واعترضه أبو حيان بأن أسماء الأفعال لا تضمر . واعتذر عن ذلك الحلبي بأن من قدر لعله نحا نحو الكوفيين فإنهم يجرون اسم الفعل مجرى الفعل مطلقاً ولذلك يعملونه متأخراً نحو { كتاب الله عَلَيْكُمْ } [ النساء : 24 ] ، وما أشار إليه كلامه من أن قوله سبحانه وتعالى : { وَأَنَّ للكافرين } الخ منصوب على أنه مفعول معه على التقدير الأول لا يخلو عن شيء ، فإن في نصب المصدر المؤول على أنه مفعول معه نظراً . ومن هنا اختار بضعهم العطف على ذلكم كما في التقدير الثاني ، وآخرون اختاروا عطفه على قوله تعالى : { إِنّى مَعَكُمْ } [ الأنفال : 12 ] داخل معه تحت الإيحاء أو على المصدر في قوله سبحانه وتعالى : { بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ } [ الأنفال : 13 ] ولايخفى أن العطف على { ذلكم } يستدعي أن يكون المعنى باشروا أو عليكم أو ذوقوا أن للكافرين عذاب النار وهو ما يأباه الذوق ، ولذا قال العلامة الثاني : إنه لا معنى له ، والعطفان الآخران لا أدري أبهما أمر من الآخر ، ولذلك ذهب بعض المحققين إلى اختيار كون المصدر خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف ، وقيل : هو منصوب باعلموا ولعل أهون الوجوه في الآية الوجه الأخير .
والانصاف أنها ظاهرة في كون المراد بالعقاب ما أصابهم عاجلاً ، والخطاب فيها مع الكفرة على طريق الالتفات من الغيبة في { شَاقُّواْ } إليه ، ولا يشترط في الخطاب المعتبر في الالتفات أن يكون بالاسم كما هو المشهور بل يكون بنحو ذلك أيضاً بشرط أن يكون خطاباً لمن وقع الغائب عبارة عنه كذا قيل وفيه كلام ، وقرأ الحسن { وَأَنَّ للكافرين } بالكسر ، وعليه فالجملة تذييلية واللام للجنس والواو للاستئناف .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15)
{ يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } خطاب للمؤمنين بحكم كلي جار فيما سيقع من الوقائع والحروب جيء به في تضاعيف القصة إظهاراً للاعتناء به وحثاً على المحافظة عليه { إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً } الزحف كما قال الراغب انبعاث مع جر الرجل كانبعاث الصبي قبل أن يمشي والبعير المعيي والعسكر إذا كثر فتعثر انبعاثه ، وقال غير واحد : هو الدبيب يقال : زحف الصبي إذا دب على استه قليلاً قليلاً ثم سمي به الجيش الدهم المتوجه إلى العدو لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه يزحف لأن الكل يرى كجسم واحد متصل فتحس حركته بالقياس في غاية البطء وإن كانت في نفس الأمر في غاية السرعة كما قال سبحانه وتعالى : { وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ * وَيُنْشِىء السحاب } [ النمل : 88 ] وقال قائلهم : (7/36)
وأر عن مثل الطود تحسب أنه ... وقوف لجاج والركاب تهملج
ويجمع على زحوف لأنه خرج عن المصدرية ، ونصبه إما على أنه حال من مفعول ( لقيتم ) أي زاحفين نحوكم أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر هو الحال منه أي يزحفون زحفاً وجوز كونه حالاً من فاعله أو منه ومن مفعوله معاً ، واعترض بأنه يأباه قوله تعالى : { فَلا * تُوَلُّوهُمُ الادبار } إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم السابق إلى العدو وبكثرتهم بل توجه العدو إليهم وكثرتهم هو الداعي إلى الإدبار عادة والمحوج إلى النهي ، وحمله على الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم اثنا عشر ألفاً بعيد انتهى .
وأجيب بأن المراد بالزحف ليس إلا المشي للقتال من دون اعتبار كثرة أو قلة وسمي المشي لذلك به لأن الغالب عند ملاقاة الطائفتين مشي إحداهما نحو الأخرى مشياً رويداً والمعنى إذا لقيتم الكفار ماشين لقتالهم متوجهين لمحاربتهم أو ماشياً كل واحد منكم إلى صاحبه فلا تدبروا ، وتقييد النهي بذلك لإيضاح المراد بالملاقاة ولتفظيع أمر الادبار لما أنه مناف لتلك الحال ، كأنه قيل حيث أقبلتم فلا تدبروا وفيه تأمل؛ والمراد من تولية الادبار الانهزام فإن المنهزم يولى ظهره من انهزم منه ، وعدل عن لفظ الظهور إلى الادبار تقبيحاً للانهزام وتنفيراً عنه . وقد يقال : الآية على حد { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى } [ الإسراء : 32 ] والمعنى على تقدير الحالية من المفعول كما هو الظاهر واعتبار الكثرة في الزحف وكونها بالنسبة إليهم يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم أعداءكم الكفرة للقتال وهم جمع جم وأنتم عدد نزر فلا تولوهم أدباركم فضلاً عن الفرار بل قابلوهم وقاتلوهم مع قلتكم فضلاً عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم .
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
{ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ } أي يوم اللقاء ووقته { دُبُرَهُ } فضلاً عن الفرار . (7/37)
وقرأ الحسن بسكون الباء { إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ } أي تاركاً موقفه إلى موقف أصلح للقتال منه ، أو متوجهاً إلى قتال طائفة أخرى أهم من هؤلاء ، أو مستطرداً يريد الكر كما روى عن ابن جبير رضي الله تعالى عنه . ومن كلامهم :
نفر ثم نكر ... والحرب كر وفر
وقد يصير ذلك من خدع الحرب ومكايدها ، وجاء «الحرب خدعة» وأصل التحرف على ما في مجمع البيان الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف ، ومنه الاحتراف وهو أن يقصد جهة من الأسباب طالباً فيها رزقه { أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ } أي منحازاً إلى جماعة أخرى من المؤمنين ومنضماً إليهم وملحقاً بهم ليقاتل معهم العدو ، والفئة القطعة من الناس ، ويقال : فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته وما ألطف التعبير بالفئة هنا ، واعتبر بعضهم كون الفئة قريبة للمتحيز ليستعين بهم ، وكأنه مبني على المتعارف وكم يعتبر ذلك آخرون اعتبار للمفهوم اللغوي .
ويؤيده ما أخرجه أحمد . وابن ماجه . وأبو داود . والترمذي وحسنه . والبخاري في الأدب المفرد واللفظ له عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : كنا في غزاة فحاص الناس حيصة قلنا : كيف نلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر فخرج فقال : من القوم؟ فقلنا : نحن الفارون فقال : لا بل أنتم العكارون فقبلنا يده فقال عليه الصلاة والسلام : أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين ثم قرأ { إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ } والعكارون الكرارون إلى الحرب والعطافون نحوها .
وبما روى أنه انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال : يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف فقال عمر رضي الله تعالى عنه : أنا فئتك ، وبعضهم يحمل قوله عليه الصلاة والسلام : «أنتم العكارون» على تسليتهم وتطييب قلوبهم ، وحمل الكلام كله في الخبرين على ذلك بعيد . نعم إن ظاهرهما يستدعي أن لا يكاد يوجد فار من الزحف ، ووزن متحيز متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوز لأنه من حاز يحوز وإلى هذا ذهب الزمخشري ومن تبعه ، وتعقب بأن الإمام المرزوقي ذكر أن تدير تفعل مع أنه واوي نظر إلى شيوع ديار ، وعليه فيجوز أن يكون تحيز تفعل نظراً إلى شيوخ الحيز بالياء ، فلهذا لم يجيء تدور وتحوز ، وذكر ابن جني أن ما قاله هذا الإمام هو الحق وأنهم قد يعدون المنقلبون كالأصلي ويجرون عليه أحكامه كثيراً ، لكن في دعواه نفي تحوز نظر ، فإن أهل اللغة قالوا : تحوز وتحيز كما يدل عليه ما في القاموس ، وقال ابن قتيبة : تحوز تفعل وتحيز تفيعل ، وهذه المادة في كلامهم تتضمن العدول من جهة إلى أخرى من الحيز بفتح الحاء وتشديد الياء ، وقد وهم فيه من وهم ، وهو فناء الدار ومرافقها ، ثم قيل لكل ناحية فالمستقر في موضعه كالجبل لا يقال له متحيز وقد يطلق عندهم على ما يحيط به حيز موجود ، والمتكلمون يريدون به الأعم وهو كل ما أشير إليه فالعالم كله متحيز ونصب الوصفين على الحالية وإلا ليست عاملة ولا واسطة في العمل وهو معنى قولهم : لغو وكانت كذلك لأنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ولولا التفريغ لكانت عاملة أو واسطة في العمل على الخلاف المشهور وشرط الاستثناء المفرغ أن يكون في النفي أو صحة عموم المستثنى منه نحو قرأت إلا يوم كذا ومنه ما نحن فيه ويصح أن يكون من الأول باعتبار أن يولي بمعنى لا يقبل على القتال ، ونظير ذلك ما قالوا في قوله عليه الصلاة والسلام
« العالم هلكى إلا العالمون » الحديث . (7/38)
وجوز أن يكون على الاستثناء من المولين ، أي من يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً فالقتال أو متحيزاً { فَقَدْ بَاء } أي رجع { بِغَضَبٍ } عظيم لا يقادر قدره ، وحاصله المولون إلا المتحرفين والمتحيزين لهم ما ذكر { مِنَ الله } صفة غضب مؤكدة لفخامته أي بغضب كائن منه تعالى شأنه { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ } أي بدل ما أراد بفراره أن يأوي إليه من مأوى ينجيه من القتل { وَبِئْسَ المصير } جهنم ولا يخفى ما في إيقاع البوء في موقع جواب الشرط الذي هو التولية مقروناً بذكر المأوى والمصير من الجزالة التي لا مزيد عليها ، وفي الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف أو المتحيز ، وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اجتنبوا السبع الموبقات قالوا : يا رسول الله وما هن؟ قال : الشرك بالله تعالى والسحر وقتل النفس الت يحرم الله تعالى إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف » وجاء عده في الكبائر في غير ما حديث قالوا : وهذا إذا لم يكن العدو أكثر من الضعف لقوله تعالى : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } الآية أما إذا كان أكثر فيجوز الفرار فالآية ليست باقية على عمومها وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم .
وأخرج الشافعي . وابن أبي شيبة : عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال من فر من ثلاثة فلم يفرو من فر من اثنين فقد فر ، وسمي هذا التخصيص نسخاً وهو المروي عن أبي رباح . وعن محمد بن الحسن أن المسلمين إذا كانوا اثني عشر ألفاف لم يجز الفرار ، والظاهر أنه لا يجوز أصلاً لأنهم لا يغلبون عن قلة كما في الحديث ، وروى عن عمر .
وأبي سعيد الخدري . وأبي نضرة . والحسن رضي الله تعالى عنهما وهي رواية عن الحبر أيضاً أن الحكم مخصوص بأهل بدر ، وقال آخرون : إن ذلك مخصوص بما ذكر وبجيش فيه النبي صلى الله عليه وسلم وعللوا ذلك بأن وقعة بدر أول جهاد وقع في الإسلام ولذا تهيبوه ولو لم يثبتوا فيه لزم مفاسد عظيمة ولا ينافيه أنه لم يكن لهم فئة ينحازون إليها لأن النظم لا يوجب وجودها وأما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم معهم فلأن الله تعالى ناصهر ، وأنت تعلم أنه كان في المدينة خلق كثير من الأنصار لم يخرجوا لأنهم لم يعلموا بالنفير وظنوها العير فقط وأن النبي صلى الله عليه وسلم حيث أن لله تعالى ناصره كان فئة لهم ، وقال : بعضهم إن الإشارة بيومئذ إلى يوم بدر لا تكاد تصح لأنه في سياق الشرط وهو مستقبل فالآية وإن كانت نزلت يوم بدر قبل انقضاء القتال فذلك اليوم فرد من أفراد يوم اللقاء فيكون عاماً فيه لا خاصاً به وإن نزلت بعده فلا يدخل يوم بدر فيه بل يكون ذلك استئناف حكم بده { وَيَوْمَئِذٍ } إشارة إلى يوم اللقاء ودفع بأن مراد أولئك القائلين إنها نزلت يوم بدر وقد قامت قرينة على تخصيصها ولا بعد فيه اه ، وعندي أن السورة إنما نزلت بعد تمام القتال ولا دليل على نزول هذه الآية قبله والتخصيص المذكور مما لا يقوم دليل على سياق ويد الله مع الجماعة والله تعالى أعلم . (7/39)
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } إذ لم يرتفع عنهم إذ ذاك حجاب الأفعال { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } أي حكمها مختص بالله تعالى حقيقة وبالرسول مظهرية { فاتقوا الله } بالاجتناب عن رؤية الأفعال برؤية فعل الله تعالى { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } بمحو صفات نفوسكم التي هي منشأ صدوركم ما يوجب التنازع والتخالف { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } بفنائها ليتيسر لكم قبول الأمر بالإرادة القلبية الصادقة { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ الأنفال : 1 ] الايمان الحقيقي { إِنَّمَا المؤمنون } كذلك { الذين إِذَا ذُكِرَ الله } بملاحظة عظمته تعالى وكبريائه وسائر صفاته وهو ذكر القلب وذكره سبحانه وتعالى بالأفعال ذكر النفس { وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } أي خافت لإشراق أنوار تجليات تلك الصفات عليها { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله } بالترقي من مقام العلم إلى العين .
وقد جاء أن الله تعالى تجلى لعباده في كلامه لو يعلمون { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [ الأنفال : 2 ] إذ لا يرون فعلاً لغيره تعالى ، وذكر بعض أهل العلم أنه سبحانه وتعالى نبه أولاً : بقوله عز قائلاً : { وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } على بدء حال المريد لأن قلبه لم يقو على تحمل التجليات في المبدأ فيحصل له الوجه كضرمة السعفة ويقشعر لذلك جلده وترتعد فرائصه ، وأما المنتهى فقلما يعرض له ذلك لما أنه قد قوى قلبه على تحمل التجليات وألفها فلا يتزلزل لها ولا يتغير ، وعلى هذا حمل السهر وردى قدس سره ما روى عن الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه أنه رأى رجلاً يبكي عند قراءة القرآن فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب حيث أراد حتى قويت القلوب إذ أدمنت سماع القرآن وألفت أنواره فما تستغربه حتى تتغير ، ونبه ثانياً : سبحانه وتعالى بقوله جل وعلا : { زَادَتْهُمْ إيمانا } على أخذ المريد في السلوك والتجلي وعروجه في الأحوال ، وثالثاً : بقوله عز شأنه { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } على صعوده في الدرجات والمقامات ، وفي تقديم المعمول إيذان بالتبري عن الحول والقوة والتفويض الكامل وقطع النظر عما سواه تعالى ، وفي صيغة المضارع تلويح إلى استيعاب مراتب التوكل كلها ، وهو كما قال العارف أبو إسماعيل الأنصاري أن يفوق الأمر كله إلى مالكه ويعول على وكالته ، وهو من أصعب المنازل ، وهو دليل العبودية التي هي تاج الفخر عند الأحرار ، والظاهر أن الخوف الذي هو خوف الجلال والعظمة يتصف به الكاملون أيضاف ولا يزول عنهم أصلاً وهذا بخلاف خوف العقاب فإنه يزول ، وإلى ذلك الإشارة بما شاع في الأثر