صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106)
{ قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل : فما قال فرعون؟ فقيل : قال : (6/292)
{ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ } من عند من أرسلك كما تدعيه { فَأْتِ بِهَا } أي فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك ، فالمغايرة بين الشرط والجزاء مما لا غبار عليه ، ولعل الأمر غني عن التزام ذلك لحصوله بما لا أظنه يخفي عليك { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في دعواك فإن كونك من جملة لمعروفين بالصدق يقتضي إظهار الآية لا محالة .
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107)
{ فألقى عَصَاهُ } وكانت كما روى ابن المنذر . وابن أبي حاتم من عوسج . وروى عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها كانت من لوز . (6/293)
وأخرج عبد بن حميد . وأبو الشيخ عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنها عصا آدم عليه السلام أعطاها لموسى ملك حين توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار فيخرج له رزقه ويهش بها على غنمه ، والمشهور أنها كانت من آس الجنة وكانت لآدم عليه السلام ثم وصلت إلى شعيب فأعطاه إياها ، وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اسمها مأشا { فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ } أي حية ضخمة طويلة . وعن الفراء أن الثعبان هو الذكر العظيم من الحيات . وقال آخرون : إنه الحية مطلقاً .
وفي «مجمع البيان» أنه مشتق من ثعب الماء إذا انفجر ، فكأنه سمي بذلك لأنه يجري كعنق الماء إذا انفجر { مُّبِينٌ } أي ظاهر أمره لا يشك في كونه ثعباناً؛ فهو إشارة إلى أن الصيرورة حقيقية لا تخييلية ، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على كمال سرعة الانقلاب وثبات وصف الثعبانية فيها كأنها في الأصل كذلك ، وروى عن ابن عباس . والسدي أنه عليه السلام لما ألقاها صارت حية صفراء شعراء فاغرة فاهاً بين لحييا ثمانون ذراعاً وارتفعت من الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض ولحيها الأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب عن سريره هارباً وأحدث ، وفي بعض الروايات أنه أحدث في ذلك اليوم أربعمائة مرة ، وفي أخرى أنه استمر معه داء البطن حتى غرق ، وقيل : إنها أخذت قبة فرعون بين أنيابها وأنها حملت على الناس فانهزموا مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون أ*فاً ، فصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل ، فأخذها فعادت عصا كما كانت ، وعن معمر أنها كانت في العظم كالمدينة ، وقيل : كان طولها ثمانين ذراعاً ، وعن وهب بن منبه أن بين لحييها اثني عشر ذراعاً ، وعلى جميع الروايات لا تعارض بين ماهنا وقوله سبحانه : { كَأَنَّهَا جَانٌّ } [ النمل : 10 ] بناء على أن الجان هي الحية الصغيرة لما قالوا : إن القصة غير واحدة ، أو أن المقصود من ذلك تشبيهاً في خفة الحركة بالجان لا بيان جثتها ، أو لما قيل : إنها انقلبت جاناً وصارت ثعباناً فحكيت الحالتان في آيتين ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك . والآية من أقوى أدلة جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب ، إذ لو كان ذلك تخييلاً لبطل الإعجاز ، ولم يكن لذكر مبين معنى مبين ، وارتكاب غير الظاهر غير ظاهر ، ويدل لذلك أيضاً أنه لا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ما ذكر وتخصيص الإرادة له ، والقول بأن قلب الحقائق محالوالقدرة لا تتعلق به فلا يكون النحاس ذهباً رصاص مموه ، والحق جواز الانقلاب إما بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس ذهباً على ما هو رأي المحققين ، أو بأن يسلب عن أجزاء النحاس الوصفي الذي صار به نحاساً ويخلقفيه الوصف الذي يصير به ذهباً على ما هو رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات ، والمحال إنما هو انقلابه ذهباً مع كونه نحاساً لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاساً وذهباً ، وعلى أحد هذين الاعتبارين توكأ أئمة التفسير في أمر العصا .
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)
{ وَنَزَعَ يَدَهُ } أي أخرجها من جيبه لقوله تعالى : { ادخل يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } [ النمل : 12 ] أو من تحت أبطه لقوله سبحانه : { واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ } [ طه : 22 ] والجمع بينهما ممكن في زمان واحد ، وكانت اليد اليمنى كما صرح به في بعض الآثار { فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين } أي بيضاء بياضاً نورانياً خارجاً عن العادة يجتمع عليه النظار . فقد روى أنه أضاء له ما بين السماء السماء والأرض ، وجاء في رواية أنه أرى فرعون يده ، وقال عليه السلام : ما هذه؟ فقال : يدك . ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعه صوف ونزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعه شعاع الشمس ، وقيل : المعنى بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها لأنه عليه السلام كان آدم شديد الأدمة ، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط " وعنى عليه الصلاة والسلام بالزنط جنساً من السودان والهنود ، ونص البعض على أن ذلك البياض إنما كان في الكف وإطلاق اليد عليها حقيقة . (6/294)
وفي «القاموس» الكيد الكف أو من أطراف الأصابع إلى الكف ، وأصلها يدي بدليل جمعها على أيدي ولم ترد اليد عند الإضافة لما تقرر في محله ، وجاء في كلامهم يد بالتشديد وهو لغة فيه .
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)
{ قَالَ * الملا مِن قَوْمِ فِرْعَونَ } أي الأشراف منهم وهم أهل مشورته ورؤساء دولته . (6/295)
{ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } أي مبالغ في علم السحر ماهر فيه .
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110)
{ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } أي من أرض مصر { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } أي تشيرون في أمره كما فسره بذلك ابن عباس ، فهو من الأمر بمعنى المشاورة ، يقال : آمرته فآمرني أي شاورته فأشار على ، وقيل من الأمر المعهود ، و { مَاذَا } في محل نصب على أنه مفعول لتأمرون بحذف الجار ، أي بأي شيء تأمرون ، وقيل : { مَا } خبر مقدم و { ذَا } اسم موصول مبتدأ مؤخر ، أي ما الذي تأمرون به . (6/296)
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)
أي أخر أمرهما وأصدرهما عنك ولا تعجل في أمرهما حتى ترى رأيك فيهما ، وقيل : احبسهما ، واعترض بأنه لم يثبت منه الحبس . (6/297)
وأجيب بأن الأمر به لا يوجب وقوعه؛ وقيل عليه أيضاً : إنه لم يكن قادراً على الحبس بعد أن رأى ما رأى ، وقوله : { لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين } [ الشعراء : 29 ] في الشعراء كان قبل هذا ، وأجيب بأن القائلين لعلهم لم يعلموا ذلك منه ، وقال أبو منصور : الأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر وهو الهم بقتله ، فقالوا : أخره ليتبين حاله للناس ، وليس بلازم كما لا يخف؛ وأصل أرجه أرجئه بهمزة ساكنة وهاء مضمونة دون واو ثم حذفت الهمزة وسكنت الهاء لتشبيه المنفصل بالمتصل ، وجعل جه وكابل في إسكان وسطه ، وبذلك قرأ أبو عمرو . وأبو بكر . ويعقوب على أنه من أرجات ، وكذلك قراءة ابن كثير . وهشام . وابن عامر { *أرجئهو } بهمزة ساكنة وهاء متصلة بواو الاشباع .
وقرأ نافع في رواية ورش . وإسماعيل . والكسائي { أرجهي } بهاء مكسورة بعدها ياء من أرجيت ، وفي رواية قالون { ءانٍ أَرْجِهْ } بحذف الياء للاكتفاء عنها بالكسرة ، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان { *أرجئه } بالهمزة وكسر الهاء ، وقد ذكر بعضهم أن ضم الهاء وكسرها والهمز وعدمه لغتان مشهورتان ، وهل هما ماذتان أو الياء بدل من الهمزة كتوضأت وتوضيت؟ قولان ، وطعن في القراءة على رواية ابن ذكوان ، فقال الحوفي : إنها ليست بجيدة ، وقال الفارسي : إن ضم الهاء مع الهمزة لا يجوز غيره وكسرها غلط لأن الهاء لا تكسر إلا بعد ياء ساكنة أو كسرة ، وأجيب كما قال الشهاب عنه بوجهين : أحدهما : أن الهمزة ساكنة والحرف الساكن حاجز غير حصين فكأن الهاء وليت الجيم المكسورة فلذا كسرت ، والثاني : أن الهمزة عرضة للتغيير كثيراً بالحذف وإبدالها ياء إذا سكنت بعد كسرة فكأنها وليست ياء ساكنة فلذا كسرت . وأورد على ذلك أو شامة أن الهمزة تعد حاجزاً وأن الهمزة لو كانت ياء كان المختار الضم نظراً لأصلها وليس بشيء بعد أن قالوا : إن القراءة متواترة وما ذكر لغة ثابتة عن العرب ، هذا واستشكل الجمع بين ما هنا وما في الشعراء فإن فيها { قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الشعراء : 34 ، 35 ] وهو صريح في أن { إِنَّ هذا لساحر } إلى { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الأعراف : 109 ، 110 ] كلام فرعون وما هنا صريح في نسبة قول ذلك للملا والقصة واحدة فكيف يختلف القائل في الموضعين وهل هذا إلا منافاة؟ وأجيب بأنه لا منافاة لاحتمالين . الأول : أن هذا الكلام قاله فرعون والملأ من قومه فهو كوقع الحافر على الحافر فنقل في الشعراء كلامه وهنا كلامهم ، والثاني : أن هذا الكلام قاله فرعون ابتداء ثم قاله الملأ إما بطريق الحكاية لأولادهم وغيرهم وإما بطريق التبليغ لسائر الناس فما في الشعراء كلام فرعون ابتداء وما هنا كلام الملا نقلاً عنه .
واختار الزمخشري أن ما هنا هو قول الملأ نقلاً عن فرعون بطريق التبليغ لا غير لأن القوم لما سمعوه خاطبوا فرعون بقولهم : أرجه الخ ، ولو كان ذلك كلام الملأ ابتداء لكان المطابق أن يجيبوهم بارجئوا ، ولا سبيل إلى أنه كان نقلاً بطريق الحكاية لأنه حينئذ لم يكن مؤامرة ومشاورة مع القوم فلم يتجه جوابهم أصلاً ، فتعين أن يكون بطريق التبليغ فلذا خاطبوه بالجواب . بقي أن يقال هذا الجواب بالتأخير في الشعراء كلام الملأ لفرعون وههنا كلام سائر القوم . لكن لا منافاة لجواز تطابق الجوابين . وقول شيخ الإسلام : إن كون ذلك جواب العامة يأباه أن الخطاب لفرعون وأن المشاورة ليست من وظائفهم ليس بشيء ، لأن الأمر العظيم الذي تصيب تبعته أهل البلد يشاور فيه الملك الحازم عوامهم وخواصهم ، وقد يجمعهم لذلك ويقول لهم : ماذا ترون فهذا أمر لا يصيبني وحدي ورب رأي حسن عند من لم يظن به على أن في ذلك جمعاً لقلوبهم عليه وعلى الاحتفال بشأنه ، وقد شاهدنا أن الحوادث العظام يلتفت فيها إلى العوام ، وأمر موسى عليه السلام كان من أعظم الحوادث عند فرعون بعد أن شاهد منه ما شاهد ثك أنهم اختلفوا في قوله تعالى : { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الأعراف : 110 ] فقيل : إنه من تتمة كلام الملأ ، واستظهره غير واحد لأنه مسوق مع كلامهم من غير فاصل ، فالأنسب أن يكون من بقية كلامهم ، وقال الفراء . والجبائي : إن كلام الملا قد تم عند قوله سبحانه : { يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } [ الأعراف : 110 ] ثم قال فرعون : فماذا تأمرون قالوا : أرجه ، وحينئذ يحتمل كما قال القطب أن يكون كلام الملأ مع فرعون وخطاب الجمع في يخرجكم إما لتفخيم شأنه أو لاعتباره مع خدمه وأعوانه . ويحتمل أن يكون مع قوم فرعون والمشاورة منه . ثم قال : وإنما التزموا هذا التعسف ليكون مطابقاً لما في الشعراء في أن قوله : { مَاذَا * تَأْمُرُونَ } من كلام فرعون وقوله : { أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } كلام الملأ . لكن ما ارتفعت المخالفة بالمرة لأن قوله : { إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم } [ الأعراف : 109 ، 110 ] كلام فرعون للملأ . وفي هذه السورة على ما وجهوه كلام الملأ لفرعون ، ولعلهم يحملونه على أنه قال لهم مرة وقالوه له أخرى انتهى . ويمكن أن يقال : إن الملأ لما رأوا من موسى عليه السلام ما رأوا قال بعضهم لبعض : إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تشيرون وما تستحسنون في أمره؟ ولما رآهم فرعون أنهم مهتمون من ذلك قال لهم تنشيطاً لهم وتصويباً لما هم عليه قبل أن يجيب بعضهم بعضاً بما عنده مثل ماقالوه فيما بينهم فالتفتوا إليه وقالوا : أرجه وأخاه ، فحكى سبحانه هنا مشاورة بعضهم لبعض وعرض ما عندهم على فرعون أول وهلة قبل ذكره فيما بينهم ، وحكى في«الشعراء» كلامه لهم ومشاورته إياهم التي هي طبق مشاورة بعضهم بعضاً المحكية هنا وجوابهم له بعد تلك المشاورة ، وعلى هذا لا يدخل العوام في الشورى ، ويكون ههنا أبلغ في ذم الملأ فليتدبر والله تعالى أعلم بأسرار كلامه { وَأَرْسِلْ فِى المدائن } أي البلاد جمع مدينة ، وهي من مدن بالمكان كنصر إذا أقام به ، ولكون الياء زائدة كما قال غير واحد تقلب همزة في الجمع ، وأريد بها مطلق المدائن ، وقيل : مدائن صعيد مصر { حاشرين } أي رجالاً يجمعون السحرة ، وفسره بعضهم بالشرط وهم أعوان الولاة لأنهم يجعلون لهم علامة ، ويقال للواحد شرطي بسكون الراء نسبة للشرطة ، وحكى في «القاموس» فتحها أيضاً ، وفي الأساس أنه خطأ لأنه نسبة إلى الشرط الذي هو جمع ، ونصب الوصف على أنه صفة لمحذوف ومفعوله محذوف أيضاً كما أشير إليه ، وقد نص على ذلك الأجهوري . (6/298)
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)
{ يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } أي ماهر في السحر والفعل مجزوم في جواب الطلب . (6/299)
وقرأ حمزة . والكسائي { سَحَّارٍ } وجاء فيه الامالة وعدمها وهو صيغة مبالغة؛ وفسره بعضهم بأنه الذي يديم السحر والساحر من أن يكون قد سحر في وقت دون وقت ، وقيل : الساحر : هو المبتدىء في صناعة السحر والسحار هو المنتهى الذي يتعلن منه ذلك .
وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)
{ وَجَاء السحرة فِرْعَوْنَ } بعدما أرسل إليهم الحاشرين وإنما لم يصرح به للإيذان بمسارعة فرعون بالإرسال ومبادرة الحاشرين والسحرة إلى الامتثال . (6/300)
واختلف في عدتهم . فعن كعب أنهم إثنا عشر ألفاً ، وعن ابن إسحق خمسة عشر ألفاً ، وعن أبي ثمامة سبعة عشر ألفاً ، وفي رواية تسعة عشر ألفاً؛ وعن السدي بضعة وثلاثون ألفاً ، وعن أبي بزة أنهم سبعون ألفاً ، وعن محمد بن كعب ثمانون ألفاً . وأخرج أبو الشيخ عن ابن جرير قال : السحرة ثلثمائة من قومه وثلمائة من العريش ويشكون في ثلثمائة من الاسكندرية .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا سبعين ساحراً وقد أخذوا السحر من رجلين مجوسيين من أهل نينوى مدينة يونس عليه السلام ، وروى نحو ذلك عن الكلبي ، والظاهر عدم صحته لأن المجوسية ظهرت زمن زرادشت على المشهور ، وهو إنما جاء بعد موسى عليه السلام ، واسم رئيسهم كما قال مقاتل : شمعون وقال ابن جريج : هو يوحنا ، وقال ابن الجوزي نقلاً عن علماء السير : أن رؤساءهم سابور وعازور وحطحط ومصفى { قَالُواْ } استئناف بياني ولذا لم يعطف كأنه قيل : فماذا قالوا له عند مجيئهم إياه؟ فقيل : قالوا الخ ، وهذا أولى مما قيل إنه حال من فاعل جاءوا أي جاءوا قائلين { إِنَّ لَنَا لاجْرًا } أي عوضاً وجزاء عظيماً .
{ إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين } والمقصود من الإخبار إيجاب الأجر واشتراطه كأنهم قالوا : بشرط أن تجعل لنا أجراً إن غلبنا ، ويحتمل أن يكون الكلام على حذف أداة الاستفهام وهو مطرد ، ويؤيد ذلك أنه قرأ ابن عامر وغيره { أئن } بإثبات الهمزة وتوافق القراءتين أولى من تخالفهما؛ ومن هنا رجح الواحدي هذا الاحتمال ، وذكر الشرط لمجرد تعيين مناط ثبوت الأجر لا لترددهم في الغلبة ، وقيل : له ، وتوسيط الضمير وتحلية الخبر باللام للقصر ، أي كنا نحن الغالبين لاموسى عليه السلام .
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
{ قَالَ نَعَمْ } إن لكم لأجراً . (6/301)
{ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين } عطف على مقدر هو عين الكلام السابق الدال عليه حرف الإيجاب ، ويسمى مثل هذا عطف التلقين ، ومن قال إنه معطوف على السابق أراد ما ذكرنا ، والمعنى إن لكن لأجراً وإنكم مع ذلك لمن المقربين ، أي إني لا أقتصر لكم على العطاء وحده وأن لكم معه ما هو أعظم منه وهو التقريب والتعظيم لأن من أعطى شيئاً إنما يتهنأ به ويغتبط إذا نال معه الكرامة والرفعة ، وفي ذلك من المبالغة في الترغيب والتحريض ما لا يخفى ، وروى عن الكلبي أنه قال لهم : تكونون أول من يدخل مجلسي وآخر من يخرج عنه .
قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)
{ قَالُواْ } استئناف كنظيره السابق { ياموسى إِمَّا أَن تُلْقِىَ } ما تلقى أو لا { وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } لما نلقى أو لا أو الفاعلين للإلقاء أو لا خيروه عليه السلام بالبدء بالإلقاء مراعاة للأدب ولذلك كما قيل من الله تعالى عليهم بما منّ ، أو إظهاراً للجلادة وأنه لا يختلف عليهم الحال بالتقديم والتأخير ، ولكن كانت رغبتهم في التقديم كما ينبى عنه تغييرهم للنظر بتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل وتوكيد الضمير المستتر ، والظاهر أنه وقع في المحكى كذلك بما يرادفه ، وقول الجلال السيوطي : إن الضمير المنفصل إما أن يكون فصلاً أو تأكيداً ولا يمكن الجمع بينهما لأنه على الأول لا محل له من الإعراب وعلى الثاني له محل كالمؤكد وهم كما لا يخفى . وفرق الطيبي بين كون الضمير فصلاً وبين كونه توكيداً بأن التوكيد يرفع التجوز عن المسند إليه فيلزم التخصيص من تعريف الخبر ، أي نحن نلقى البتة لا غيرنا ، والفصل يخصص الإلقاء بهم لتخصيص المسند إليه فيعرى عن التوكيد ، وتحقيق ذلك يطلب من محله . (6/302)
قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)
{ قَالَ } أي موسى عليه السلام وثوقاً بشأنه وتحقيراً لهم وعدم مبالاة بهم { أَلْقَوْاْ } أنتم ما تلقون أو لا ، وبما ذكرنا يعلم جواب ما يقال : إن إلقاءهم معارضة للمعجزة بالسحر وهي كفر والأمر به مثله فكيف أمرهم وهو هو؟ وحاصل الجواب أنه عليه السلام علم أنهم لا بد وأن يفعلوا ذلك ، وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير كما صرح به في قوله سبحانه في آية أخرى : { أَوَّلَ مَنْ ألقى } [ طه : 65 ] فجوز لهم التقديم لا لإباحة فعلهم بل لتحقيرهم ، وليس هناك دلالة على الرضا بتلك المعارضة ، وقد يقال أيضاً : إنه عليه السلام إنما أذن لهم ليبطل سحرهم فهو إبطال للكفرة بالآخرة وتحقيق لمعجزته عليه السلام ، وعلى هذا يحمل ما جاء في بعض الآثار من أنهم لما قالوا ما قالوا سمع موسى عليه السلام منادياً يقول؛ بل ألقوا أنتم يا أولياء الله تعالى فأوجس في نفسه خيفة من ذلك حتى أمر عليه السلام ، وسيجيء إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك { فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } ما القوا وكانمع كل واحد منهم حبل وعصا { سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه ، ولذا لم يقل سبحانه سحروا الناس فالآية على حد قوله جل شأنه : { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } [ طه : 66 ] { واسترهبوهم } أي أرهبوهم إرهاباً شديداً كأنهم طلبوا إرهابهم { وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } في بابه ، يروى أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً . (6/303)
وفي بعض الآثار أن الأرض كان سعتها ميلاً في ميل وقد امتلأت من الحيات والأفاعي ، ويقال : إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق ولونوها وجعلوا داخل العصى زئبقاً أيضاً وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات . واستدل بالآية من قال كالمعتزلة إن السحر لا حقيقة له وإنما هو مجرد تخييل ، وفيه أنهم إن أرادوا أن ما وقع في القصة من السحر كان كذلك فمسلم والآية تدل عليه وإن أرادوا أن كل سحر تخييل فممنوع والآية لا تدل عليه ، والذي ذهب إليه جمهور أهل السنة أن السحر أقسام وأن منه ما لا حقيقة له ومنه ما له حقيقة كما يشهد بذلك سحر اللعين لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسحر يهود خيبر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حين ذهب ليخرص تمرهم .
وذكروا أنه قد يصل السحر إلى حد المشيء على الماء والطيران في الهواء ونحو ذلك ، وترتب ذلك عليه كترتب الشبع على الأكل والري على الشرب والإحراق على النار ، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى . نعم قال القرطبي : أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل الله تعالى عنده إنزال الجراد والقمر والضفادع وفلق الحجر وقلب العصا وإحياء الموتى وانطاق العجماء وأمثال ذلك من آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام . ومن أنكر حقيقته استدل بلزوم الالتباس بالمعجزة ، وتعقب بأن الفرق مثل الصبح ظاهر .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)
{ وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى } بواسطة الملك كما هو الظاهر { ءانٍ * ألقى * عَصَاكَ } التي علمت من أمرها ما علمت و { ءانٍ } تفسيرية لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه ، وجوز أن تكون مصدرية فالمصدر مفعول الإيماء ، والفاء في قوله سبحانه : (6/304)
{ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } فصيحة أي فألقاها فصارت حية فإذا هي الخ ، وإنما حذف للإيذان بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعة الانقلاب كأن لقفها لما يأفكون قد حصل متصلاً بالأمر بالإلقاء ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الغريبة ، واللقف كاللقفان التناول بسرعة ، وفسره الحسن هنا بالسرط والبلع ، والإفك صرف الشيء وقلبه عن الوجه المعتاد ويطلق على الكذب وبذلك فسره ابن عباس . ومجاهد لكونه مقلوباً عن وجهه واشتهر ذلك فهي حتى صار حقيقة ، و { مَا } موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي ما يأفكونه ويكذبونه أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول أي المأفوك لأنه المتلقف ، وقرأ الجمهور { تَلْقَفْ } بالتشديد وحذف إحدى التاءين .
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)
{ فَوَقَعَ } أي ظهر وتبين كما قال الحسن . ومجاهد . والفراء { الحق } وهو أمر موسى عليه السلام ، وفسر بعضهم وقع بثبت على أنه قد استعير الوقع للثبوت والحصول أو للثبات والدوام لأنه في مقابل بطل والباطل زائل ، وفائدة الاستعارة كما قيل : الدلالة على التأثير لأن الوقع يستعمل في الأجسام ، وقيل : المراد من وقع الحق صيرورة العصاحية في الحقيقة وليس بشيء { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ظهر بطلان ما كانوا مستمرين على عمله { فَغُلِبُواْ } أي فرعون وقومه . (6/305)
فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)
{ فَغُلِبُواْ } أي فرعون وقومه { هُنَالِكَ } أي في ذلك المجمع العظيم { وانقلبوا صاغرين } أي صاروا أذلاء أو رجعوا إلى المدينة كذلك فالانقلاب إما مجاز عن الصيرورة والمناسبة ظاهرة أو بمعنى الرجوع فصاغرين حال ورجح الأول بقوله (6/306)
سبحانه :
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)
{ وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } لأن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعاً ، وجوز رجوع ضمير غلبوا { وانقلبوا } [ الأعراف : 119 ] على الاحتمال الأول إلى السحرة أيضاً ، وتعقب بأنهم لا ذلة لهم؛ والحمل على الخوف من فرعون أو على ما قبل الإيمان لا يخفى ما فيه ، والمراد من { ألقى * السحرة } الخ أنهم خروا ساجدين ، وعبر بذلك دونه تنبيهاً على أن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك فكأن أحداً دفعهم وألقاهم أو أن الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه فالملقى هو الله تعالى بالهامه لهم حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى عليه السلام وينقلب الأمر عليه ، ويحتمل أن يكون الكلام جارياً مجرى التمثيل مبالغة في سرعة خرورهم وشدته وإليه يشير كلام الأخفش ، وجوزأن يكون التعبير بذلك مشاكلة لما معه من الإلقاء إلا أنه دون ما تقدم ، يروى أن الاجتماع القوم كان بالإسكندرية وأنه بلغ ذنب الحية من وراء البحر وأنها فتحت فاها ثمانين ذراعاً فابتلعت متا صنعوا واحداً بعد واحد وقصدت الناس ففزعوا ووقع الزحام فمات منهم لذلك خمسة وعشرون ألفاً ثم أخذها موسى عليه السلام فعادت في يده عصا كما كانت وأعدم الله تعالى بقدرته تلك الأجرام العظام ، ويحتمل أنه سبحانه فرقها أجزاء لطيفة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس من السحر في شيء فعند ذلك خروا سجداً ، والمتبادر من السجود حقيقته ولا يبعد أنهم كانوا عالمين بكيفيته ، وقيل : إن موسى وهرون عليهما السلام سجداً شكراً لله تعالى على ظهور الحق فاقتدوا بهما وسجدوا معهما ، وحمل السجود على الخضوع أي أنهم خضعوا لما رأوا ما رأوا خلاف الظاهر الذي نطقت به الآثار من غير داع إلى ارتكابه . (6/307)
قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121)
{ قَالُواْ } استئناف . (6/308)
وجوز أبو البقاء كونه حالاً من ضمير { انقلبوا } [ الأعراف : 119 ] وليس بشيء ، وقيل : هو حال من { السحرة } [ الأعراف : 120 ] أو من ضميرهم المستتر في { ساجدين } [ الأعراف : 120 ] أي أنهم ألقوا ساجدين حال كونهم قائلين { ءامَنَّا بِرَبّ العالمين } أي مالك أمرهم والمتصرف فيهم .
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)
{ رَبّ موسى وهارون } بدل مما قبل وإنما أبدلوا لئلا يتوهم أنهم أرادوا فرعون ولم يقتصروا على موسى عليه السلام إذ ربما يبقى للتوهم رائحة لأنه كان ربي موسى عليه السلام في صغره ، ولذا قدم هرون في محل آخر لأنه أدخل في دفع التوهم أو لأجل الفاصلة أو لأنه أكبر سناً منه ، وقدم موسى هنا لشرفه أو للفاصلة ، وأما كون الفواصل في كلام الله تعالى لا في كلامهم فقد قيل : إنه لا يضر ، وروى أنهم لما قالوا : { آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِين } [ الأعراف : 121 ] قال فرعون : أنا رب العالمين فقالوا رداً عليه : رب موسى وهرون ، وإضافة الرب إليهما كإضافته إلى العالمين ، وقيل : إن تلك الإضافة على معنى الاعتقاد أن الرب الذي يعتقد ربوبيته موسى وهرون ويكون عدم صدقه على فرعون بزعمه أيضاً ظاهراً جداً إلا أن ذلك خلاف الظاهر من الإضافة ، ويعلم مما قدمنا سر تقديم السجود على هذا القول . (6/309)
وقال الخازن في ذلك : إن الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان خروا سجداً لله تعالى على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان ثم أظهروا بذلك إيمانهم ، وقيل : إنهم بادروا إلى السجود تعظيماً لشأنه تعالى لما رأوا من عظيم قدرته ثم إنهم أظهروا الإيمان ، ومن جعل الجملة حالا قال بالمقارنة فافهم ، وأول من بادر بالإيمان كما وري عن ابن إسحق الرؤساء الأربعة الذيت ذكرهم ابن الجوزي ثم اتبعتهم السحرة جميعاً .
قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)
{ قَالَ فِرْعَوْنُ } منكراً على السحرة موبخاً لهم على ما فعلوه { ءامَنْتُمْ بِهِ } أي برب موسى وهرون أو بالله تعالى لدلالة ذلك عليه أو بموسى عليه السلام قيل لقوله تعالى في آية أخرى : { آمَنْتُمْ لَهُ } [ طه : 71 ] فإن الضمير فيها له عليه السلام لقوله سبحانه : { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } [ طه : 71 ] الخ ، والمقصود من الجملة الخبرية التوبيخ لأن الخبر إذا لم يقصد به فائدته ولا لازمها تولد منه بحسب المقام ما يناسبه ، وهنا لما خاطبهم الجبار بما فعلوا مخبراً لهم بذلك مع ظهور عدم قصد إفادة أحد الأمرين والمقام هو المقام أفاد التوبيخ والتقريع ، ويجوز أن تقدر فيه الهمزة بناء على اطراد ذلكوالاستفهام للانكار بمعنى أنه لا ينبغي ذلك ، ويؤيد ذلك قراءة حمزة . والكسائي . وأبي بكر عن عاصم . وروح عن يعقوب { أَءمِنتُمْ } بهمزتين محققتين وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين مما قرىء به أيضاً . (6/310)
{ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } أي قبل أن آملاكم أنا بذلك وهو على حد قوله تعالى : { لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى } [ الكهف : 109 ] لا أن الاذن منه في ذلك وأصل آذن أأذن بهمزتين الأولى للتكلم ، والثانية من صلب الكلمة قلبت الفا لوقوعها ساكنة بعده مة { إِنَّ هَذَا } الصنيع { لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ } لحليلة احتلتموها أنتم وموسى وليس مما اقتضى الحال صدوره عنكم لقوة الدليل وظهور المعجزة ، وهذا تمويه منه على القبط يريهم أنهم ما غلبوا ولا انقطعت حجتهم ، قيل : وكذا قوله : { قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } [ الأعراف : 321 ] { فِى المدينة } أي في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد .
أخرج ابن جرير . وأبو الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال : التقى موسى عليه السلام وأمير السحرة فقال له موسى : أرأيتك أن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق فقال الساحر : لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأمنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهم وهو الذي نشأ عنه هذا القول { لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا } أي القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } عاقبة ما فعلتم ، وهذا وعيد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ثم عقبه بالتفصيل فقال :
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)
{ لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } أي من كل جانب عضواً مغايراً للآخر كاليد من جانب والرجل منآخر ، والجار في موضع الحال أي مختلفة ، والقول بأن ( من ) تعليلية متعلقة بالفعل أي لأجل خلافكم بعيد { ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } تفضيحاً لكم وتنكيلاً لأمثالكم ، والتصليب مأخوذ من الصلب وهو الشد على خشبة أو غيرها وشاع في تعليق الشخص بنحو حبل في عنقه ليموت وهو المتعارف اليوم ، ورأيت في بعض الكتب أن الصلب الذي عناه الجبار هو شد الشخص من تحت الإبطين وتعليقه حتى يهلك ، وهوكقطع الأيدي والأرحجل أول من سنه فرعون على ما أخرجه ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وشرعه الله تعالى لقطاع الطريق تعظيماً لجرمهم ، ولهذا سماه سبحانه محاربة لله ولرسوله . (6/311)
قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125)
{ قَالُواْ } استئناف بياني { إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } أي إلى رحمته سبحانه وثوابه عائدون إن فعلت بنا ذلك فيا حبذاه . (6/312)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن السحرة حين خروا سجداً رأوا منازلهم تبنى لهم ، وأخرج عن الأوزاعي أنهم رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ، ويحتمل أنهم أرادوا إنا ولا بد ميتون فلا ضير فيما تتوعدنا به والأجل محتوم لا يتأخر عن وقته :
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد
ويحتمل أيضاً أن المعنى إنا جميعاً ننقلب إلى الله تعالى فيحكم بيننا :
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
وضمير الجمع على الأول للسحرة فقط ، وعلى الثالث لهم ولفرعون ، وعلى الثاني يحتمل الأمرين .
وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)
{ وَمَا تَنقِمُ } أي ما تكره ، وجاء في الماضي نقم ونقم على وزن ضرب وعلم { مِنَّا } معشر من آمن : (6/313)
{ إلاَّ أنْ آمَنَّا بئايات رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا } وذلك أصل المفاخر وأعظم المحاسن ، والاستثناء مفرغ ، والمصدر في موضع المفعول به ، والكلام على حد قوله :
ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم ... تعاب بنسيان الأحبة والوطن
وقيل : إن { تَنقِمُ } مضارب نقم بمعنى عاقب ، يقال : نقم نقماً وتنقاما وانتقم إذا عاقبه ، وإلى هذا يشير ما روى عن عطاء ، وعليه فيكون { مِنَّا إِلاَّ } في موضع المفعول له ، والمراد على التقديرين حسن طمع فرعون في نجع تهديده إياهم ، ويحتمل أن يكون على الثاني تحقيقاً لما أشاروا إليه أولاً من الرحمة والثواب . ثم أعرضوا عن خاطبته وفزعوا والتجأوا إليه سبحانه وقالوا : { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي أفض علينا صبراً يغمرنا كما يفرغ الماء ، أو صب علينا ما يطهرنا من الآثام وهو الصبر على وعيد فرعون ، { فأفرغ } على الأول استعارة تبعية تصريحية و { مَعِىَ صَبْراً } قرينتها ، والمراد هب لنا صبراً تاماً كثيراً ، وعلى الثاني كيون { صَبْراً } استعارة أصلية مكنية و { أَفْرِغْ } تخييلية ، وقيل : الكلام على الأول كالكلام على الثاني إلا أن الجامع هناك الغمر وههنا التطهير ، وليس بذاك وأن جل قائله { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } أي ثابتين على ما رزقتنا من الإسلام غير مفتونين من الوعيد . عن ابن عباس . والكلبي . والسدي أنه فعل بهم ما أوعدهم به ، وقيل : لم يقدر عليه لقوله تعالى : { فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا باياتنا أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون } [ القصص : 35 ] .
وأجاب الأولون عن ذلك بأن المراد الغلبة بالحجة أو في عاقبة الأمر ونهايته وهذا لا ينافي قتل البعض .
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)
{ وَقَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَونَ } مخاطبين له بعدما شاهدوا من أمر موسى عليه السلام ما شاهدوا . (6/314)
{ أَتَذَرُ موسى } أي أتتركه { وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الارض } أي في أرض مصر .
والمراد بالإفساد ما يشمل الديني والدنيوي ، ومفعول الفعل محذوف للتعميم أو أنه منزل منزلة اللازم أو يقدر يفسدوا الناس بدعوتهم إلى دينهم والخروج عليك . أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما آمنت السحرة أتبع موسى عليه السلام ستمائة ألف من بني إسرائيل { وَيَذَرَكَ } عطف على يفسدوا المنصوب بأن ، أو منصوب على جواب الاستفهام كما ينصب بعد الفاء ، وعلى ذلك قول الحطيئة :
ألم أك جارك ويكون بيني ... وبينكم المودة والأخاء
والمعنى كيف يكون الجمع بين تركك موسى عليه السلام وقومه مفسدين في الأرض وتركهم إياك الخ أي لا يمكن وقوع ذلك . وقرأ الحسن . ونعيم بن ميسرة بالرفع على أنه عطف على ( تذر ) أو استئناف أو حال بحذف المبتدأ ، أي وهو يذرك لأن الجملة المضارعية لا تقترن بالواو على الفصيح ، والجملة على تقدير الاستئناف معترضة مؤكدة لمعنى ما سبق ، أي تذره وعادته وتركك ، ولا بد من تقدير هو على ما قال الطيبي كما في احتمال الحال ليدل على الدوام ، وعلى تقدير الحالية تكون مقررة لجهة الإشكال . وعن الأشهب أنه قرأ بسكون الراء ، وخرج ذلك ابن جنى على أنه تركت الضمة للتخفيف كما في قراءة أبي عمرو { يَأْمُرُكُمْ } [ البقرة : 67 ] بإسكان الراء استقلالاً للضمة عند توالي الحركات ، واختاره أبو البقاء ، وقيل : إنه عطف على ما تقدم بحسب المعنى ، ويقال له في غير القرآن عطف التوهم ، كأنه ، قيل : يفسدوا ويذرك كقوله تعالى : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين } [ المنافقين : 10 ]
{ وَءالِهَتَكَ } أي معبوداتك . يروى أنه كان يعبد الكواكب فهي آلهته وكان يعتقد أنها المربية للعالم السفلى مطلقاً وهو رب النوع الإنساني ، وعن السدي أن فرعون كان قد اتخذ لقومه أصناماً وأمرهم بأن يعبدوها تقرباً إليه ، ولذلك قال : { أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى } [ النازعات : 24 ] وقيل : إنه كانت له بقرة يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمر قومه بعبادتها ، ولذلك أخرج السامري لبني إسرائيل عجلاً وهو رواية ضعيفة عن ابن عباس ، وقال سليمان التيمي : بلغني أنه كان يجعل في عنقه شيئاً يعبده ، وأمر الجمع عليه يحتاج إلى عناية وقرأ ابن مسعود . والضحاك . ومجاهد . والشعبي و { إلهتك } كعبادتك لفظاً ومعنى فهو مصدر .
وأخرج غير واحد عن ابن باس أنه كان ينكر قراءة الجمع بالجمع ويقرأ بالمصدر ويقول : إن فرعون كان يعبد ولا يعبد ، ألا ترى قوله : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى } [ القصص : 38 ] ومن هنا قال بعضهم : الأقرب أنه كان دهرياً منكراً للصانع ، وقيل : الآلهة اسم للشمس وكان يعبدها؛ وأنشد أبو علي :
وأعجلنا الآلهة أن تؤبا ... { قَالَ } مجيباً لهم { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى * نِسَاءهُمْ } كما كنا نفعل بهم ذلك من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده . (6/315)
وقرأ ابن كثير . ونافع ( سنقتل ) بالتخفيف والتضعيف كما في موتت الإبل .
{ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } أي غالبون كما كنا لم يتغير حالنا وهم مقهورون تحت أيدينا ، وكان فرعون قد انقطع طمعه عن قتل موسى عليه السلام فلم يعد الملأ بقتله لما رأى من علو أمره وعظم شأنه وكأنه لذلك لم يعد بقتل قومه أيضاً ، والظاهر على ما قيل : إن هذا من فرعون بيان لأنهم لا يقدرون على أن يفسدوا في الأرض وإيذان بعدم المبالاة بهم وأن أمرهم فيما بعد كأمرهم فيما قبل وأن قتلهم عبث لا ثمرة فيه ، وذكر الطيبي أنه من الأسلوب الحكيم وإن صدر من الأحمق ، وأن الجملة الاسمية كالتذليل لما قبلها فافهم .
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)
{ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } تسلية لهم حين تضجروا مما سمعوا بأسلوب حكيم { استعينوا بالله واصبروا } على ما سمعتم من الأقاويل الباطلة { إِنَّ الارض للَّهِ } أي أرض مصر أو الأرض مطلقاً وهي داخلة فيها دخولاً أولياً { يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } الذين أنتم منهم ، وحاصله أنه ليس الأمر كما قال فرعون : { إِنَاْ فَوْقَهُمْ قاهرون } [ الأعراف : 127 ] فإن القهر والغلبة لمن صبر واستعان بالله ولمن وعده الله تعالى توريث الأرض وأنا ذلكم الموعود الذي وعدكم الله تعالى النصرة به وقهر الأعداء وتوريث أرضهم ، وقوله : { والعاقبة } الخ تقرير لما سبق . (6/316)
وقرأ أبي . وابن مسعود { والعاقبة } بالنصب عطفاً على اسم أن .
قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)
{ قَالُواْ } أي قوم موسى له عليه السلام { أُوذِينَا } من جهة فرعون { مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا } بالرسالة يعنون بذلك قتل الجبار أولادهم قبل مولده . وبعده إذ قيل له : يولد لبني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويكون هلاكك على يديه { وَمِنْ * بَعْدَمَا * جِئْتَنَا } أي رسولاً يعنون به ما توعدهم به من إعادة قتل الأبناء وسائر ما كان يفعل بهم لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجور والعذاب ، وقيل : إن نفس ذلك الإيعاد إيذاء ، وقيل : جعل إيعاده بمنزلة فعله لكونه جباراً . (6/317)
وقيل : أرادوا الإيذاء بقتل الأبناء قبل مولد موسى عليه السلام وبعد مولده ، وقيل : المراد ما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن ، وتعقب بأن ذلك ليس مما يلحقهم بواسطة موسى عليه السلام فليس لذكره كثير ملاءمة بالمقام ، والظاهر أنه لا فرق بين الاتيان والمجيء وإن الجمع بينهما للتفنن والبعد عن التكرار اللفظي فإن الطباع مجبولة على معاداة المعادات ، ولذلك جيء بأن المصدرية أولاً وبما أختها ثانياً .
وذكر الجلال اليوطي في الفرق بينهما أن الإتيان يستعمل في المعاني والأزمان والمجيء في الجواهر والأعيان وهو غير ظاهر هنا إلا أن يتكلف ، ونقل عن الراغب في الفرق بينهما أن الاتيان هو المجيء بسهولة فهو أخص من مطلق المجيء وهو كسابقه هنا أيضاً ، وهذا منهم جار مجري التحزن لعدم الاكتفاء بما كنى لهمعليه السلام لفرط ما عراهم وفظاعة ما اعتراهم ، والمقام يقتضي الإطناب فإن شأن الحزين الشاكي إطالة الكلام رجاء أن يطفىء بذلك بعض الأوام ، وقيل : هو استبطاء منهم لما وعدهم عليه السلام أن النجاة والطفر والأول أولى فقوله تعالى : { قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } الذي فعل بكم ما فعل وتوعدكم بما توعد .
{ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ } أي يجعلكم خلفاء { فِى الارض } أي أرض مصر تريح بما كنى عنه وتوكيد للتسلية على إبلغ وجه ، وفيه إدماج معنى من عادي أولياء الله تعالى فقد بارزه بالمحاربة وحق له الدمار والخسار . وعسى في مثله قطع في إنجاز الموعود والفوز بالمطلوب ، ونص غير واحد على التعبير به للجري على سنن الكرماء .
وقيل : تأدباً مع الله تعالى وإن كان الأمر مجزوماً به بوحي وإعلام منه سبحانه وتعالى ، وقيل : إن ذلك لعدم الجزم منه عليه السلام بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم ، فقد روى أن مصر إنما فتحت في زمن داود عليه السلام .
وتعقب بأنه لا يساعده قوله تعالى : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها } [ الأعراف : 137 ] فإن المتبادر استخلاف المستضعفين أنفسهم لا استخلاف أولادهم ، والمجاز خلاف الأصل . نعم المشهور أن بني إسرائيل بعد أن خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر لم يرجعوا إليها في حياته ، وفي قوله سبحانه : { فَيَنظُرَ } أي يرى أو يعلم { كَيْفَ تَعْمَلُونَ } أحسناً أم قبيحاً فيجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال إرشاد لهم إلى الشكر وتحذير لهم عن الوقوع في مهاوي الكفر ، وقيل : فيه إشارة إلى ما وقع منهم بعد ذلك .
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)
{ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين } شروع في تفصيل مبادي الهلاك الموعود به وإيذان بأنهم لم يمهلوا حتى تحولوا من حال إلى حال إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال ، وتصديق الجملة بالقسم لإظهار الاعتناء بمضمونها ، والمراد بآل فرعون أتباعه من القبط ، وإضافة الآل إليه وهو لا يضاف إلا إلى الإشراف لما فيه من الشرف الدنيوي الظاهر وإن كان في نفس الأمر خسيساً ، وعن الخطيب أن المراد فرعون وإله ، والسنسن جمع سنة والمراد بها عام القحط وقد غلبت في ذلك حتى صارت كالعلم له لكثرة ما يذكر ويؤرخ به ولا كذلك العام الخصب ، ولامها واو أو هاء ، وقد اشتقوا منها فقالوا : أسنت القوم إذا قحطوا ، وقلوبا اللام تاء ليفرقوا بين ذلك وقولهم أسنى القوم إذا لبثوا في موضع سنة ، قال المازني : وهو شاذ لا يقاس عليه ، وقال الفراء : توهموا أن الهاء أصلية إذ وجدوها أصلية فقلبوها تاء وجاء أصابتنا سنية حمراء أي جدب شديد فالتصغير للتعظيم وإجراء الجمع مجرى سائر الجموع السالمة المعربة بالحروف هو اللغة المشهورة واللغة الأخرى إجراء الإعراب على النون لكن مع الياء خاصة فيسلك فيه مسلك حين في الإعراب بالحركات الثلاث مع التوين عند بني عامر وبنو تميم لا ينونون تخفيفاً وحينئذ لا تحذف النون للإضافة وعلى ذلك جاء قول الشاعر : (6/318)
دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم « اللهم اجعلها عليهم سنيناً كسنين يوسف عليه السلام » وهو على اللغة المشهورة { وَنَقْصٍ مّن الثمرات } بكثرة عاهات الثمار وخروج اليسير منها حتى لا تحمل النخلة كما روى عن رجاء بن حيوة إلا بسرة واحدة وكان الحقط على ما أخرج عبد بن حمبد وغيره عن قتادة في باديتهم وأهل ماشيتهم والنقص في أمصارهم وقراهم ، وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما أخذ الله تعالى آل فرعون بالسنين يبس كل شيء لهم وذهبت مواشيهم حتى يبس نيل مصر فاجتمعوا إلى فرعون وقالوا له : إن كنت كما تزعم فائتنا في نيل مصر بماء فقال : غدوة يصبحكم الماء فلما خرجوا من عنده قال أي شيء صنعت؟ أنا لا أقدر على ذلك فغداً يكذبونني ، فلما كان جوف الليل قال واغتسل ولبس مدرعة صوف ثم خرج حافياً حتى أتى النيل فقام في بطنه فقال : اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه ماء فما علم إلا بخرير الماء يقبل فخرج وأقبل النيل مترعاً بالماء لما أراد الله تعالى بهم من الهلكة ، وهذا إن صح يدل على أن الرجل لم يكن دهرياً نافياً للصانع كما يقال البعض { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي لكي يتعظوا فيتركوا ما هم عليه أو لكي يذكروا الله تعالى فيتضرعوا له ويلتجئوا إليه رغبة فيما عنده ، وقيل : لكي يتذكروا أن فرعون لو كان إلهاً لدفع ذلك الضر .
وعن الزجاج أنهم إنما أخذوا بالضراء لأن أحوال الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله تعالى ألا ترى قوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } [ فصلت : 51 ] .
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)
{ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة } الخ بيان لعدم تذكرهم وتماديهم في الغي ، والمراد بالحسنة كما يفهمه ظاهر كلام البعض الخصب والرخاء ، وفسرها مجاهد بالرخاء والعافية وبعضهم بأعم من ذلك أي إذا جاءهم ما يستحسنونه { قَالُواْ لَنَا هذه } أي إنا مستحقوها بيمن الذات { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } أي ضيقة وجدب أو جدب ومرض أو عقوبة وبلاء { يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } أي يتشاءموا بهم ويقولوا : ما أصابنا ذلك إلا بشؤمهم ، وأصل إطلاق التطير على التشاؤم على ما قال الأزهري إن العرب كانت تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وتتيمم بالسانح . وفي المثل من إلى بالسانح بعد البارح ، قال أبو عبيد : سأل يونس رؤبة وأنا شاهد عن السانح والبارح فقال : السانح ما ولاك ميامنه والبارح ما ولاك مياسره ، وقيل : البارح ما يأتي من جهة الشمال والسانح ما يأتي من جهة اليمين وأنشدوا : (6/319)
زجرت لها طير الشمال فإن يكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
ثم إنهم سموا الشؤم طيراً وطائراً والتساؤم تطيراً ، وقد يطلقون الطائر على الحظ والنصيب خيراً أو شراً حتى قيل : إن أصل التطير تفريق الما لوتطييره بين القوم فيطير لكل أحد نصيبه من خير أو شر ثم غلب في الشر . وفي الآية إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك لا سيما بعد مشاهدة الآيات وقد كانوا بحيث لم يؤثر فيهم شيء منها بل ازدادوا عتواً وعناداً ، وتعريف الحسنة وذكرها بأداة التحقيق كما قال غير واحد لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات لأن العناية الإلهية اقتضت سبق الرحمة وعموم النعمة قبل حصول الأعمال ، وتنكير السيئة وذكرها بأداة الشك لندورها وعدم تعلق الإرادة بإحداثها إلا بالتبع فإن النقمة بمقتضى تلك العناية إنما تستحق بالأعمال .
والزمخشري بين الحسنة بالخصب والرخاء ثم قال في تعليل ما ذكر : لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا شيء منها . وقال «صاحب الكشف» : ذلك إشارة إلى أن التعريف للعهد الخارجي التقريري بدليل أنه ذكر في مقابلة قوله سبحانه : { وَلَقَدْ أَخَذنَا آلَ فِرْعَوْنَ بالسنين } [ الأعراف : 130 ] وقوله : لأن الجنس الخ أي جنس الخصب والرخاء وفيه مبالغة أي إنه لكثرة الوقوع كأن الجنس كله واجب الوقوع ، ولهذا لا يزال يتكاثر حتى يستغرق الجنس . وقوله : وإما السيئة الخ في مقابلة ذلك دليل بين على إرادة هذا المعنى فلا تخالف بين كلاميه ولم يرد بالجنس العهد الذهني وهذا مراد صاحب المفتاح وبه يندفع ما توهمه صاحب الإيضاح انتهى . وفيه تعريض بشيخه الطيبي حيث حمل الجنس على العهد الذهني وقال ما قال والبحث طويل الذيل فليطلب من شروح المفتاح وشرح التلخيص للعلامة الثاني وحواشيه ، وقوله سبحانه وتعالى : { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله } استنئاف مسوق من قبله تعالى لرد مقالتهم الباطلة وتحقيق للحق في ذلك وتصديره بكلمة التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمونه أي ليس شؤمهم إلا عند الله أي من قبله وحكمه كما قال ابن عباس ، وقال الزجاج : المعنى ليس الشؤم الذي يلحقهم إلا الذي وعدوا به من العقاب عنده لا ما ينالهم في الدنيا ، وقال الحسن : المعنى إلا إن ما تشاءموا محفوظ عليهم حتى يجازيهم الله تعالى به يوم القيامة ، وفسر بعضهم الطائر هنا بالحظ أي إنماحظهم وما طار إليهم من القضاء والقدر بسبب شؤمهم عند الله ، وقرأ الحسن { إِنَّمَا } وهو اسم جمع طائر على الصحيح لأنه على أوزان المفردان ، وقال الأخفش هو جمع له ، وروى عن قطرب أن الطير يكون واحداً وجمعاً وكذا الطائر ، وأنشد ابن الأعرابي :
كأنه تهتان يوم ماطر ... على رؤوس كرؤوس الطائر
{ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك فيقولون ما يقولون ، وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلم ولكن لا يعمل بمقتضى علمه .
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)
{ وَقَالُواْ } شروع في بيان بعض آخر مما أخذوا به من فنون العذاب التي هي في أنفسها آيات بينات وعدم إرعوائهم عما هم عليه من الكفر والعناد أي قالوا بعد ما رأوا ما رأوا من العصا والسنين ونقص الثمرات { مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ } كلمة مهما مما اختلف فيها فقيل هي كلمة برأسها موضوعة لزيادة التعميم . وقيل : هي مركبة من مه اسم فعل للكف إما باق على معناه أو مجرد عنه وما الشرطية . وقال الخليل : أصلها ما ما على أن الأولى شرطية والثانية إبهامية متصلة بها لزيادة التعميم فقلبت ألف ما الأولى هاء فراراً من بشاعة التكرار ، وأسلم الأقوال كما قال غير واحد القول بالبساطة . وفي حاشية التسهيل لابن هشام ينبغي لمن قال بالبساطة أن يكتب مهما بالياء ولمن قال أصلها ماما أن يكتبها بالألف ، وفي «الشرح» وكذا إذا قيل أصلها مه ما . وتعقب ذلك الشمني بأن القائلين بالأصلين المذكورين متفقون على أن مهما أصل آخر فما ينبغي في كتب آخرها على القول الأولى ينبغي على القول الثاني ، وفيه نظر . (6/320)
وهي اسم شرط لا حرف على الصحيح ، ومحلها الرفع هنا على الابتداء وخبرها إما الشرط أو الجزاء أو هما على الخلاف أو النصب على أنها مفعول به لفعل يفسره ما بعد أي أي شيء تحضره لدينا تأتنا به ، ومن الناس من جوز مجيئها في محل نصب على الظرفية ، وشدد الزمخشري الإنكار عليه في «الكشاف» ، وذكر ابن المنير أنه غير القائل بظرفيتها كلام الخليل أو شبهها بمتى ما ، وخالف ابن مالك في ذلك وقال : إنه مسموع عن العرب كقوله :
وإنك مهما تعط بطنك سؤهل ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
ويوافقه كما قال الشهاب استعمال المنطقيين لها بمعنى كلما وجعلها سور الكلية فإنها تفيد العموم كما صرحوا به وليس من مخترعاتهم كما توهم ، وأنت تعلم أن كونها هنا ظرفاً مما لا ينبغي الإقدام عليه بوجه لإباء قوله تعالى : { مّنْ ءايَةٍ } عنه لأنه بيان لمهما وليس بزمان ، وتسميتهم إياها آية من باب المجاراة لموسى عليه السلام والاستهزاء بها مع الإشعار بأن هذا العنوان لا يؤثر فيهم وألا فهم ينكرون كونها آية في نفس الأمر ويزعمون أنها سحر كما ينبىء عنه قولهم { لّتَسْحَرَنَا بِهَا } والضميران المجروران راجعان إلى مهما ، وتذكير الأول لرعاية جانب اللفظ لإبهامه ، وتأنيث الثاني للمحافظة على جانب المعنى لأنه إنما رجع إليه بعدما بين بآية ، وادعى ابن هشام أن الأولى عود الضمير الثاني إلى آية ، ولعله راعى القرب والذاهب إلى الأول راعى أن { ءايَةً } مسوقة للبيان فالأولى رجوع الضمير على المفسر المقصود بالذات وإن كان المآل واحداً أي لتسحر بتلك الآية أعيننا وتشبه علينا { فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } أي بمصدقين لك ومؤمنين بنبوتك أصلاً .
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)
{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ } عقوبة لجرائمهم لا سيما قولهم هذا { الطوفان } أي ما طاف بهم وغشى أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل فهو اسن جنس من الطواف ، وقيل : إنه في الأصل مصدر كنقصان ، وهو اسم لكل شيء حادث يحيط بالجهات ويعم كالماء الكثير والقتل الذريع والموت الجار ، ف وقد اشتهر في طوفان الماء وجاء تفسيره هنا بذلك في عدة روايات عن ابن عباس ، وجاء عن عطاء . وماهد تفسيره بالموت ، وأخرج ذلك ابن جرير وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً ، وعن وهب بن منبه أنه الطاعون بلغة اليمن وعن أبي قلابة أنه الجدري ، وهم أول من عذبوا به ، وهذا القولان ينجران إلى الخبر المرفوع { والجراد } هو المعروف واحده جرادة سمي لجرده ما على الأرض ، وهو جنود الله تعالى يسلطه على من يشاء من عباده ، وأخرج أبو داود . وابن ماجه . والطبراني وغيرهم عن أبي زهير النميري مرفوعاً النهي عن مقاتلته معلللاً بما ذكر ، وذكر البيهقي أن ذلك إن صح مراد به إذا لم يتعرض لإفساد المزارع فإذا تعرض له جاز دفعه بما يقع به الدفع من القتال والقتل أو أريد بها لإشارة إلى تعذر مقاومته بذلك ، وأخرج أبو داود ومن معه عن سليمان قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال « أكثر جنود الله تعالى لا آكله ولا أحرمه » وزعم أنه مخلوق من ذنوب ابن آدم مؤول { والقمل } بضم القاف وتشديد الميم قيل : هو الدبي وهو الصغار من الجراد ولا يسمى جراداً إلا بعد نبات أجنحته ، وروى ذلك عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة والسدي ، وقيل هو القدران جمع القراد المعروف ، وقيل : صغار الذر ، وعن حبيب بن أبي ثابت أنها الجعلان ، وعن ابن زيد قال : زعم بعض الناس أنها البراغيث ، وعن سعيد بن جبير أنها السوس وهي الدابة التي تكون في الحنطة وغيرها ، ويسمى قملاً بفتح فسكون وبذلك قرأ الحسن { والضفادع } جمع ضفدع كزبرج . وجعفر . وجندب ودرهم وهذا أقل أو مردود الدابة المائية المعروفة { والدم } معروف وتشديد داله لغة . (6/321)
وروى أن موسى عليه السلام لما رأى من فرعون وقومه العناد والإصرار دعا وقال : يا رب إن فرعون علا في الأرض وإن قومه قد نقضوا العهد رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فأرسل الله تعالى عليهم المطر ثمانية أيام في ظلمة شديدة لم يستطع أحد لها أن يخرج من بيته فدخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منه قطرة وكانت مشتبكة في بيوتهم وفاض الماء على أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والتصرف ودام ذلك الماء عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يشكف عنا ذلك ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فنبث من العشب والكلأ ما لم يعهد مثله قبله ، فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا فلم يؤمنوا .
فبعث الله تعالى عليهم الجراد فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم وأمتعتهم حتى أكل مسامير الحديد التي في الأبواب ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء ، فعجوا وضجوا إلى موسى عليه السلام ، وقالوا له كما قالوا أولاً فخرج عليه السلام إلى الصحراء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع إلى النواحي التي جاء منها ، وقيل : جاءت ريح فألقته في البحر فلم يؤمنوا ، فسلط الله تعالى عليهم القمل فأكل ما أبقى الجراد وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيمصه وإذا أراد أن يأكل طعاماً امتلأ قملاً ، وقال ابن المسيب : ابتلوا بالسوس فكان الرجل منهم يخرج بعشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد إلا بثلاث أقفزة منها وأخذ حواجبهم وأشفار عيونهم وسائر شعورهم وفعل في جلودهم ما يفعله الجدري ومنعهم النوم والقرار ففزعوا إلى موسى عليه السلام فرفع عنهم ، فقالوا : قد تحققنا الآن أنك ساحر ، فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع فامتلأت بيوتهم وأفنيتهم وأمتعتهم وآنيتهم منها فلا يكشف أحد إنا إلا وجدها فيه ، وكان الرجل يجلس في الضفادع فتبلغ إلى حلقه فإذا أراد أن يتكلم يشب الضفدع فيدخل في فيه؛ وكانت تشب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفىء نيرانهم ، وإذا اضطجع أحدهم ركبته حتى تكون عليه ركاماً فلا يستطيع أن ينقلب وإذا أراد أن يأكل سبقته إلى فيه ولا يعجن عجيناً إلا امتلأ منها ففزعوا إليه عليه السلام وتضرعوا فأخذ عليهم العهود والمواثيق ودعا فكشف الله تعالى عنهم ذلك فنقضوا العهد ، فأرسل الله تعالى عليهم الدم فسال النيل عليهم دماً عبيطاً وصارت مياههم دماء فكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج للقبطي دم وللإسرائيلي ماء حتى إن المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل فتقول لها استقيني ماء فتصب لها من قربتها فيصير في الإناء دماً حتى كانت تقول : اجعليه في فيك ثم مجيه في فيّ فتفعل ذلك فيصير دماً . (6/322)
وقال ابن ابن أسلم : إن الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف { ءايات } حال من الأشياء المتقدمة .
{ مّفَصَّلاَتٍ } مبينات لا يشك عاقل أنها آيات إلهية لا سحر كما يزعمون ، أو مميزاً بعضها من بعض منفصلة بالزمان لامتحان أحوالهم وكان بين كل اثنين منها شهر وكان امتداد كل واحدة منها شهراً كما أخرج ذلك ابن المنذر عن ابن عباس ، وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : كانت الآيات التسع في تسع سنين في كل سنة آية ، وأخرج أحمد في الزهد وغيره عن نوف الشامي قال : مكث موسى عليه السلام في آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات الجراد والقمل الخ فأبوا أن يسلموا .
وفي رواية أبي الشيخ عن ابن عباس أنه مكث عليه السلام بعد أن غلب أربعين سنة يريهم ما ذكر ، ورأيت في مسامرات الشيخ ابن العربي قدس سره أن موسى عليه السلام مكث ينذر آل فرعون ستة عشر شهراً إلى أن أغرقوا فأدخلوا ناراً ولم ينتفعوا بما رأوا من الآيات { فاستكبروا } عن الإيمان بها . (6/323)
{ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها .
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)
{ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز } أي العذاب المذكور على التفصيل كما روي عن الحسن . وقتادة . ومجاهد؛ و { لَّمّاً } لا تنافي التفصيل والتكرير كما لا يخفى . (6/324)
وعن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه أصابهم ثلج أحمر لم يروه قبل فهلك منهم كثير ، وعن ابن جبير أنه الطاعون ، وقد ورد إطلاقه عليه في حديث أسامة بن زيد المرفوع « وهو الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه » وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل فقال : ليذبح كل منكم كبشاً ثم ليخضب كفه في دمه ثم ليضرب على بابه ففعلوا ، فقال القبط لهم : لم تجعلوا هذا الدم على أبوابكم؟ قالوا : إن الله تعالى يريد أن يرسل عليكم عذاباً فنسلم وتهلكون ، قال القبط : فما يعرفكم الله تعالى إلا بهذه العلامة؟ قالوا : هكذا أمرنا نبينا ، فأصبحوا وقد طعن من قوم فرعون سبعون ألفاً فأمسوا وهم لا يتدافنون ، والمعنى على الأول أنهم كلما وقع عليهم عقوبة من العقوبات المذكورة .
{ قَالُواْ يَا موسى } في كل مرة على القول بأن المراد بالرجز غير ما تقدم أنه لما وقع عليهم الثلج المهلك أو الطاعون الجارف قالوا { ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهدَ عِنْدَكَ } أي بعهده سبحانه عندك وهو النبوة كما قال أبو مسلم فما مصدرية ، وسميت النبوة عهداً كما قال العلامة الثاني : لأن الله تعالى عهد إكرام الأنبياء عليهم السلام بها وعهدوا إليه تحمل أعبائها ، أو لأن لها حقوقاً تحفظ كما تحفظ العهود ، أو لأنها بمنزلة عهد ومنشور منه جل وعلا أو بالذي عهد إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك ، { فَمَا } موصولة والجار والمجرور صلة لأدع أو حال من الضمير فيه ، يعني ادع الله تعالى متوسلاً بما عهد عندك ، ويحتمل أن تكون الباء للقسم الاستعطافي كما يقال : بحياتك افعل كذا ، فالمراد استعطافه عليه السلام لأن يدعو ، وأن تكون للقسم الحقيقي وجوابه { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز } الذي وقع علينا { لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إسراءيل } أي أقسمنا بعهد الله تعالى عندك { لَئِن كَشَفْتَ } الخ ، وخلاصة ما ذكروه في الباء هنا أنها إما للإلصاق أو للسببية أو للقسم بقسميه .
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)
{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز إلى أَجَلٍ هُم بالغوه } أي إلى حد من الزمان هم واصلون إليه ولا بد فمعذبون فيه أو مهلكون ، وهو وقت الغرق كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو الموت كما روي عن الحسن ، والمراد أنجيناهم من العذاب إلى ذلك الوقت ، ومن هنا صح تعلق الغاية بالكشف ، ولا حاجة إلى جعل الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من الرجز خلافاً لزاعمه . (6/325)
وقيل : المراد بالأجل ما عينوه لإيمانهم { إذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } أي ينقضون العهد ، وأصل النكث فل طاقات الصوف المغزول ليغزل ثانياً فاستعير لنقض العهد بعد إبرامه ، وجواب { لما } فعل مقدر يؤذن به إذا الفجائية لا الجملة المقترنة بها ، وإن قيل به فتساهل ، أي فلما كشفنا عنهم ذلك فاجأوا بالنكث من غير توقف وتأمل كذا قيل ، وعليه فكلا الاسمين أعني لما وإذا معمول لذلك الفعل على أن الأول ظرفه ، والثاني مفعوله قاله العلامة ، والداعي لذلك المحافظة على ما ذهبوا إليه من أن ما يلي كلمة لما من الفعلين يجب أن يكون ماضياً لفظاً أو معنى ، إلا أن مقتضى ما ذكروا من أن إذ وإذا المفاجأة في موضع المفعول به للفعل المتضمنين هما إياه أن يكون التقدير فاجأوا زمان النكث أو مكانه .
وقد يقال أيضاً : تقدير الفعل تكلف مستغنى عنه إذ قد صرحوا بأن لما تجاب بإذا المفاجأة الداخلة على الجملة الاسمية ، نعم هم يذكرون ما يوهم التقدير وليس به بل هو بيان حاصل المعنى وتفسير له فتدبر .
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)
{ فانتقمنا منْهُمْ } أي فأردنا الانتقام منهم ، وأول بذلك ليتفرع عليه قوله سبحانه : { فَأَغْرَقْنَاهُمْ } وإلا فالإغراق عين الانتقام فلا يصح تفريعه عليه . (6/326)
وجوز أن تكون الفاء تفسيرية وقد أثبتها البعض كما في قوله تعالى : { ونادى نوح ربه فقال رب } [ هود : 45 ] الخ وحينئذٍ لا حاجة إلى التأويل { في اليم } أي البحر كما روي عن ابن عباس . والسدي رضي الله تعالى عنهم ، ويقع على ما كان ملحاً زعافاً وعلى النهر الكبير العذب الماء ولا يكسر ولا يجمع جمع السلامة ، وقال الليث : هو البحر الذي لا يدرك قعره ، وقيل : هو لجة البحر وهو عربي في المشهور . وقال ابن قتيبة : إنه سرياني واصله كما قيل إلى ما ترى والقول بأنه اسم للبحر الذي غرق فيه فرعون غريق في يم الضعف { بأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بآيَاتنَا } تعليل للإغراق يعني أن سبب الإغراق وما استوجبوا به ذلك العقاب هو التكذيب بالآيات العظام وهو الذي اقتضى تعلق إرادة الله تعالى به تعلقاً تنجيزياً وهذا لا ينافي تفريع الإرادة على النكث لأن التكذيب هو العلة الأخيرة والسبب القريب ولا مانع من تعدد الأسباب وترتب بعضها على بعض قاله الشهاب ونور الحق ساطع منه ، وقال شيخ الإسلام : الفاء وإن دلت على ترتب الإغراق على ما قبله من النكث لكنه صرح بالتعليل إيذاناً بأن مدار جميع ذلك تكذيب آيات الله تعالى وما عطف عليه ليكون ذلك مزجرة للسامعين عن تكذيب الآيات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى ، وفيه مناقشة لا تخفى .
{ وَكَانُوا عَنْهَا غَافلينَ } الضمير المجرور للآيات ، والغفلة مجاز عن عدم الذكر والمبالاة أي بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم مبالاتهم بها وتفكرهم فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية وإلا فالمكذب بأمر لا يكون غافلاً عنه للتنافي بين الأمرين ، وفي ذلك إشارة إلى أن من شاهد مثلها لا ينبغي له أن يكذب بها مع علمه بها ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الضمير للنقمة وأريد بها الغرق كما يدل عليه ما قبله ، وعليه فيجوز أن تكون الجملة حالية بتقدير قد ، ولا مجاز في الغفلة حينئذٍ والأول أولى كما لا يخفى .
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)
{ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ } بالاستعباد وذبح الأبناء ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده ، والمراد بهم بنو إسرائيل ، وذكروا بهذا العنوان إظهار الكمال اللطف بهم وعظم الإحسان إليهم حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة ، ولعل فيه إشارة إلى إن الله سبحانه عند القلوب المنكسرة . ونصب القوم على أنه مفعول أول لأورثنا والمفعول الثاني قوله سبحانه : (6/327)
{ مشارق الأرض وَمَغَاربَهَا } أي جميع جهاتها ونواحيها ، والمراد بها على ما روي عن الحسن . وقتادة . وزيد بن أسلم أرض الشام ، وذكر محي السنة البغوي أنها أرض الشام ومصر ، وفي رواية أنها أرض مصر التي كانت بأيدي المستضعفين ، وإلى ذلك ذهب الجبائي ، ورواه أبو الشيخ عن الليث بن سعد ، أي أورثنا المستضعفين أرض مستضعفيهم وملكهم ، ومعنى توريثهم إياها على القول بأنهم لم يدخلوها بعد أن خرجوا منها مع موسى عليه السلام إدخالها تحت ملكهم وعدم وجود مانع لهم عن التصرف فيها أو تمكين أولادهم فيها وذلك في زمن داود وسليمان عليهما السلام ، ولا يخفى أنه خلاف المتبادر كما مرت الإشارة إليه . على أن أرض مصر بعد أن فتحت في زمن داود عليه السلام لم يكن لبني إسرائيل تمكن فيها واستقرار وإنما كان ملك وتصرف وكان التمكن في الأرض المقدسة ، والسوق على ما قيل يقتضي ذكر ما تمكنوا فيه لا ما ملكوه ، وأقول قد يقال : المراد بالأرض هنا وفيما تقدم من قوله سبحانه : { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } [ الأعراف : 129 ] الأرض المقدسة التي طلب موسى عليه السلام من فرعون بني إسرائيل ليذهب بهم إليها فإنها موطن آبائهم فيكون موسى عليه السلام قد وعدهم هلاك عدوهم المانع لهم من الذهاب إليها وجعل الله تعالى إياهم خلفاء فيها بعد آبائهم وأسلافهم أو بعد من هي في يده إذ ذاك من العمالقة ثم أخبر سبحانه هنا أن الوعد قد نجز وقد أهلكنا أعداء أولئك الموعودين وأورثناهم الأرض التي منعوهم عنها ومكناهم فيها وفي حصول بغية موسى عليه السلام وما ألطف توريث الأبناء مساكن الآباء { التي باركنا فيهَا } بالخصب وسعة الأرزاق أو بذلك وبكونها مساكن الأنبياء عليهم السلام والصالحين وذلك ظاهر على تقدير أن يراد بمشارق الأرض ومغاربها الشام ونواحيها . فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أبي أيوب الأنصاري قال ليهاجرن الرعد والبرق والبركات إلى الشام .
/ وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن ربيعةقال : سمعت أنه لم يبعث نبي إلا من الشام فإن لم يكن منها أبى به إليها ، وأخرج أحمد عن عبد الله بن خوالة الأزدي أنه قال : « يا رسول الله خر لي بلداً أكون فيه قال عليك بالشام فإنه خيرة الله تعالى من أرضه يجتبي إليه خيرته من عباده »
وأخرج ابن عساكر عن واثلة بن الأسقع قال : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله تعالى يسكنها خيرته من عباده» ، وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : " يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام " وجاء من حديث أحمد . والترمذي . والطبراني . وابن حبان . والحاكم أيضاً وصححه عن زيد بن ثابت . أنه صلى الله عليه وسلم قال : طوبى للشام فقيل له : ولم؟ قال : " إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها " والأحاديث في فضل الشام كثيرة وقد جمعها غير واحد إلا أن في الكثير منها مقالاً وسبب الوضع كان قوياً ، وهو اسم لأحد الأقاليم العرفية ، وفي «القاموس» أنها بلاد عن مشأمة القبلة وسميت بذلك لأن قوماً من بني كنعان تشاءموا إليها أي تياسروا أو سمى بسام بن نوح فإنه بالشين بالسريانية أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا تهمز . (6/328)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأغبش وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عما بورك من الشام أين مبلغ حده؟ فقال : أول حدوده عريش مصر والحد الآخر طرف الثنية والحد الآخر الفرات والحد الآخر جعل فيه قبر هود النبي عليه السلام ، وليس المراد بها ما هو متعارف الناس اليوم أعني دمشق نعم هي داخلة فيها ، وقد تكلمنا على حدودها بأبسط من هذا في حواشينا على «شرح مختصر السمرقندية» لابن عصام ، وقد ولع الناس في دمشق مدحاً وذماً فقال بعضهم :
تجنب دمشق ولا تأتها ... وإن شاقك الجامع الجامع
فسوق الفسوق بها نافق ... وفجر الفجور بها طالع
وقال آخر :
دمشق غدت جنة للورى ... زها وصفا العيش في ظلها
وفيها لدى النفس ما تشتهي ... ولا عيب فيها سوى أهلها
وقال آخر ف الشام ولعله عنى متعارف الناس :
قيل لي ما يقول في الشام حبر ... شام من بارق الهنا ما شامه
قلت ماذا أقول في وصف أرض ... هي في وجنة المحاسن شامه
وأنا أقول إذا صح الحديث فهو مذهبي ونعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى ، والموصول صفة المشارق والمغارب ، وقيل : صفة الأرض وضعفه أبو البقاء بأن فيه العطف على الموصوف قبل الصفة وهو نظير قولك : قام أم هند وأبوها العاقلة ، وجوز أن يكون المفعول الثاني لأورثنا أي الأرض التي فعلى هذا يكون نصب المشارق وما عطف عليه بيستضعفون على معنى يستضعفون فيها وأن يكون المشارق منصوبة بيستضعفون والتي صفة كما في الوجه الأول والمفعول الثاني لأورثنا محذوف أي الأرض أو الملك ، ولا يخفى بعده وأن المتبادر هو الأول .
{ وَتَمَّتْ كَلمَةُ رَبِّكَ الحسنى عَلَى بَني إسْرَآءيلَ } أي مضت عليهم واستمرت من قولهم : مضى على الأمر إذا استمر ، والمراد من الكلمة وعده تعالى لهم بالنصر والتمكين على لسان نبيهم عليه السلام وهو قوله السابق { عسى ربكم أن يهلك عدوكم } [ الأعراف : 129 ] الخ ، وذهب غير واحد إلى أنه الوعد الذي يؤذن به قوله سبحانه : { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } [ القصص : 5 ] ، وقيل : المراد بها علمه تعالى الأزلي ، والمعنى مضى واستمر عليهم ما كان مقدراً من إهلاك عدوهم وتوريهم الأرض ، و { الحسنى } تأنيث الأحسن صفة للكلمة ووصفت بذلك لما فيها من الوعد بما يحبون ويستحسنون ، وعن الحسن أنه أريد بالكلمة عدته سبحانه وتعالى لهم بالجنة ولا يخفى أنه يأباه السابق والسياق ، والتفت من التكلم إلى الخطاب في قوله سبحانه : { ربك } على ما قال الطيبي لأن ما قبله من القصص كان غير معلوم له صلى الله عليه وسلم . وأما كون جل شأنه منجزاً لما وعد ومجرياً لما قضى وقدر فهو معلوم له عليه الصلاة والسلام ، وذكر في «الكشف» أنه ادمج في هذا الالتفات أنه ستتم كلمة ربك في شأنك أيضاً . وقرأ عاصم في رواية { كلمات } بالجمع لأنها مواعيد ، والوصف بالحسنى لتأويله بالجماعة ، وقد ذكروا أنه يجوز وصف كل جمع بمفرد مؤنث إلا أن الشائع في مثله التأنيث بالتاء؛ وقد يؤنث بالألف كما في قوله سبحانه : { مآرب أخرى } [ طه : 18 ] { بمَا صَبَرُوا } أي بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه وحسبك بهذا حاثاً على الصبر ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر ضمن الله تعالى له الفرج . (6/329)
وأخرج ابن المنذر وغيره عن الحسن قال : لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله تعالى لم يلبثوا أن يرفع الله تعالى ذلك عنهم ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه ثم تلي هذه الآية ، وفي رواية أخرى عنه قال : ما أوتيت بنو إسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم وما فزعت هذه الأمة إلى السيف قط فجاءت بخير . وأقول قد شاهدنا الناس سنة الألف والمائتين والثمان والأربعين قد فزعوا إلى السيف فما أغناهم شيئاً ولا تم لهم مراد ولا حمد منهم أمر ، بل وقعوا في حرة رحيله ، ووادي خدبات ، وأم حبوكر ، ورموا لعمر الله بثالثة الأثافي ، وقص من جناح عزهم القدامى والخوافي ولم يعلموا أن عيش المضر حلوه مر مقر وأن الفرج إنما يصطاد بشباك الصبر . وما أحسن قول الحسن :
عجبت ممن خف كيف خف ... وقد سمع قوله سبحانه : وتلا الآية ، ويعلم منها أن التحزن لا ينافي الصبر لأن الله سبحانه وصف بني إسرائيل به مع قولهم السابق لموسى عليه السلام
{ أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } [ الأعراف : 129 ] { وَدَمَّرْنَا } أي خربنا وأهلكنا { مَا كَانَ يَصْنَعُ فرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ } في أرض مصر من العمارات والقصور أي دمرنا الذي كان هو ويصنعه فرعون على أن { ما } موصولة واسم كان ضمير راجع إليها وجملة يصنع فرعون من الفعل والفاعل خبر كان والجملة صلة الموصول والعائد إليه محذوف ، وجوز أن يكون فرعون اسم كان ويصنع خبر مقدم والجملة الكونية صلة ما والعائد محذوف أيضاً . وتعقبه أبو البقاء بأن يصنع يصلح أن يعمل في فرعون فلا يقدر تأخيره كما لا يقدر تأخير الفعل في قولك : قام زيد وفيه غفلة عن الفرق بين المثال وما نحن فيه وهو مثل الصبح ظاهر وقيل : { ما } مصدرية وكان سيف خطيب والتقدير ما يصنع فرعون الخ ، وقيل : كان كما ذكر وما موصولة اسمية والعائد محذوف والتقدير ودمرنا الذي يصنعه فرعون الخ أي صنعه ، والعدول إلى صيغة المضارع على هذين القولين لاستحضار الصورة { وَمَا كَانُوا يَعْرشُونَ } من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من البنيان كصرح هامان ، وإلى الأول يشير كلام الحسن وإلى الثاني كلام مجاهد . (6/330)
وقرأ ابن عامر . وأبو بكر هنا وفي النحل { يعرشون } [ النحل : 68 ] بضم الراء والباقون بالكسر وهما لغتان فصيحتان والكسر على ما ذكر اليزيدي . وأبو عبيدة أفصح ، وقرىء في الشواذ { يغرسون } من غرس الأشجار . وفي «الكشاف» أنها تصحيف وليس به . هذا ومن باب الإشارة في الآيات : ما وجدته لبعض أرباب التأويل من العارفين أن العصا إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها أي يعتمد في الحركات والأفعال الحيوانية ويهش بها على غنم القوة البهيمية السليمة ورق الملكات الفاضلة والعادات الحميدة من شجرة الفكر وكانت لتقدسها مقنادة لأوامره مرتدعة عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا وإذا أرسلها عند الاحتجاج على الخصوم صارت كالثعبان تلقف ما يأفكون من الأكاذيب ويظهرون من حبال الشبهات وعصا المغالطات فيغلبهم ويقهرهم . وأن نزع اليد إشارة إلى إظهار القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق . وجعل بعضهم فرعون إشارة إلى النفس الأمارة وقومه إشارة إلى صفاتها وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر وعلى هذا القياس . وأول النيسابوري الطوفان بالعلم الكثير والجراد بالواردات والقمل بالإلهامات والضفادع بالخواطر والدم بأصناف المجاهدات والرياضات وهو كما ترى .
وقد ذكر غير واحد أن السحر كان غالباً في زمن موسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته ما كانت ، والطب ما كان غالباً في زمن عيسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته من جنس الطب؛ والفصاحة كانت غالباً في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم والتفاخر بها أشهر من ( قفا نبك ) فلهذا كانت معجزته القرآن ، وإنما كانت معجزة كل نبي من جنس ما غلب على زمانه ليكون ذلك أدعى إلى إجابة دعواه .
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)
{ وَجَاوَزْنَا ببَني إسْرَائيلَ البحر } شروع بعد انتهاء قصة فرعون في قصة بني إسرائيل وشرح ما أحدثوه بعد أن من الله تعالى عليهم بما من واراهم من الآيات ما أراهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه من اليهود بالمدينة فإنهم جروا معه على دأب أسلافهم مع أخيه موسى عليه السلام وإيقاظاً للمؤمنين أن لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة نعم الله تعالى عليهم فإن بني إسرائيل وقعوا فيما وقعا لغفلتهم عما من الله تعالى به عليهم ، وجاوز بمعنى جاز وقرىء { جوزنا } بالتشديد وهو أيضاً بمعنى جاز فعدى بالباء أي قطعنا البحر بهم ، والمراد بالبحر بحر القلزم . (6/331)
وفي «مجمع البيان» أنه نيل مصر وهو كما في «البحر» خطأ ، وعن الكلبي أن موسى عليه السلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكراً لله تعالى { فَأَتَوْا } أي مروا بعد المجاوزة .
{ عَلَى قَوْم } قال قتادة : كانوا من لخم اسم قبيلة ينسبون كما صححه ابن عبد البر إلى لخم بن عدي بن عمرو بن سبا ، وقيل : كانوا من العمالقة الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم .
{ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَام لَهُمْ } أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها ، وكانت كما أخرج ابن المنذر . وغيره عن ابن جريج تماثيل بقر من نحاس ، وهو أول شأن العجل ، وقيل : كانت من حجارة ، وقيل : كان بقراً حقيقة وقرأ حمزة . والكسائي { يعكفون } بكسر الكاف { قَالُوا } عندما شاهدوا ذلك { يَا مُوسَى اجعل لَنَا إلَهاً } مثالاً نعبده { كَمَا لَهُمْ ءَالهَةٌ } الكاف متعلقة بمحذوف وقع صفة لإلها و { ما } موصولة و { لهم } صلتها و { آلهة } بدل من الضمير المستتر فيه ، والتقدير اجعل لنا إلها كائناً كالذي استقر هو لهم .
وجوز أبو البقاء أن تكون ما كافة للكاف ، ولذا وقع بعدها الجملة الإسمية وأن تكون مصدرية ، ولهم متعلق بفعل أي كما ثبت لهم { قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تعجب عليه السلام من قولهم هذا بعدما شاهدوه من الآية الكبرى والبينة العظمى فوصفهم بالجهل على أتم وجه حيث لم يذكر له متعلقاً ومفعولاً لتنزيله منزلة اللازم أو لأن حذفه يدل على عمومه أي تجهلون كل شيء فدخل فيه الجهل بالربوبية بالطريق الأولى ، وأكد ذلك بأن ، وتوسيط قوم وجعل ما هو المقصود بالأخبار وصفاً له ليكون كما قال العلامة كالمتحقق المعلوم وهذه كما ذكر الشهاب نكتة سرية في الخبر الموطىء لادعاء أن الخبر لظهور أمره وقيام الدليل عليه كأنه معلوم متحقق فيفيد تأكيده وتقريره ولولاه لم يكن لتوسيط الموصوف وجه من البلاغة .
إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)
{ إنَّ هَؤُلاَء } أي القوم الذين يعكفون على هذه الأصنام { مُتَبَّرٌ } أي مدمر مهلك كما قال ابن عباس { مَا هُمْ فيه } من الدين يعني يدمر الله تعالى دينهم الذي هم عليه على يدي ويهلك أصنامهم ويجعلها فتاتاً { وباطل } أي مضمحل بالكلية ، وهو أبلغ من حمله على خلاف الحق { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي ما استمروا على عمله من عبادتها وإن قصدوا بذلك التقرب إلى الله تعالى وأن المراد أن ذلك لا ينفعهم أصلاف ، وحمل { ما كانوا يعملون } على الأصنام لأنها معمولة لهم خلاف الظاهر جداً ، والجملة تعليل لإثبات الجهل المؤكد للقوم ، وفي إيقاع اسم ازشارة كما في «الكشف» أن اسم الإشارة بعد إفادة الإحضار وأكمل التمييز يفيد أنهم أحقاء بما أخبر عنه به بواسطة ما تقدم من العكوف ، والتقديم يؤذن بأن حال ما هم فيه ليست غير التبار وحال عملهم ليست إلا البطلان فهم لا يعدونهما فهماً لهم ضربة لازب . (6/332)
وجوز أبو البقاء أن يكون { ما هم فيه } فاعل متبر لاعتماده على المسند إليه وهو في نفسه مساً ولاحتمال أن يكون ما هم فيه مبتدأ ومتبر خبر له أو ارجح منه إلا أن المقام كما قال القطب وغيره اقتضى ذلك فليفهم .
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)
{ قَالَ أَغَيْرَ الله أَبْغيكُمْ إلَهاً } قيل : هذا هو الجواب وما تقدم مقدمة وتمهيد له ، ولعله لذلك أعيد لفظ له : وقال شيخ الإسلام : هو شروع ف بيان شؤون الله تعالى الموجبة لتخصيص العبادة به سبحانه بعد بيان أن ما طلبوا عبادته مما لا يمكن طلبه أصلاً لكونه هالكاً باطلاً أصلاً ولذلك وسط بينهما قال مع كون كل منهما كلام موسى عليه السلام ، وقال الشهاب : أعيد لفظ { قال } مع اتحاد ما بين القائلين لأن هذا دليل خطابي بتفضيلهم على العالمين ، ولم يستدل بالتمانع العقلي لأنهم عوام انتهى ، وفي إقامة برهان التمانع على الوثنية القائلين { ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللهِ زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] والمجيبين إذا سئلوا من خلق السموات والأرض بخلقهن الله خفاء ، والظاهر إقامته على التنويه كما لا يخفى ، والاستفهام للإنكار وانتصاب { غير } على أنه مفعول أبغيكم وهو على الحذف والإيصال ، والأصل أبغى لكم ، وعلى ذلك يخرج كلام الجوهري وإن كان ظاهره أن الفعل متعد لمفعولين والهاء تمييز ، وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً به لأبغي وغير صفة له قدمت فصارت حالاً ، وأياً ما كان فالمقصود هنا اختصاص الإنكار بغيره تعالى دون إنكار الاختصاص ، والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبوداً { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } أي عالمي زمانكم أو جميع العالمين ، وعليه يكون المراد تفضيلهم بتلك الآيات لا مطلقاً حتى يلزم تفضيلهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما الأنبياء والملائكة عليهم السلام فلا يدخلون في المفضل عليهم بوجه بل هم خارجون عن ذلك بقرينة عقلية ، والجملة حالية مقررة لوجه الإنكار ، أي والحال أنه تعالى خص التفضيل بكم فأعطاكم نعماً لم يعطها غيركم ، وفيه تنبيه على ما صنعوا من سوء المعاملة والمقابلة حيث قابلوا التفضل بالتفضيل والاختصاص بأن قصدوا أن يشركوا به أخس مخلوقاته؛ وهذا الاختصاص مأخوذ من معنى الكلام وإلا فليس فيه ما يفيد ذلك ، وتقديم الضمير على الخبر لا يفيده وإن كان اختصاصاً آخر على ما قيل ، أي هو المخصوص بأنه فضلكم على من سواكم ، وجوز أبو البقاء كون الجملة مستأنفة . (6/333)
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
{ وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ } بإهلاكهم وتخليصكم منهم ، وإذ إما مفعول به لاذكروا محذوفاً بناءً على القول بأنها تخرج عن الظرفية أي اذكروا ذلك الوقت ويكون ذلك كناية عن ذكر ما فيه وإما ظرف لمفعول اذكروا المحذوف أي اذكروا صنيعنا معكم في ذلك الوقت ، وهو تذكير من جهته تعالى بنعمته العظيمة وقرىء { نجيناكم } من التنجية ، وقرأ ابن عامر { أَنجَاكُمْ } فيكون من مقول موسى عليه السلام ، وقال بعضهم : إنه على قراءة الجمهور أيضاً كذلك على أن ضمير أنجنا لموسى وأخيه عليهما السلام أولهما ولمن معهما أوله وحده عليه السلام مشيراً بالتعظيم إلى تعظيم أمر الإنجاء وهو خلاف الظاهر ، وقيل : إنه من كلام الله تعالى تتميماً لكلام موسى عليه السلام كما في قوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً } [ طه : 53 ] بعد قوله سبحانه : { الذى جَعَل لَكُمُ الارض مَهْداً } [ طه : 53 ] وهو كالتفسير لقوله سبحانه : { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ } [ الأعراف : 140 ] . (6/334)
وقوله تعالى : { يَسُومُونَكُمْ * العذاب } أي يولونكم ذلك ويكلفونكم إياه إما استئناف بياني ، كأنه قيل : ما فعل بهم أو مم أنجوا؟ فأجيب بما ذكر ، وإما حال من ضمير المخاطبين أو من آل فرعون أو منهما معاً لاشتماله على ضميرهما . وقوله عز اسمه : { يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } بدل من يسومونكم مبين له ، ويحتمل الاستئناف أيضاً { وَفِى ذلكم } الإنجاء أو سوء العذاب { بَلاء } نعمة أو محنة ، وقيل : المراد به ما يشملهما { مّن رَّبّكُمْ } أي مالك أموركم { عظِيمٌ } لا يقادر قدره . وفي الآية التفات على بعض ما تقدم ، ثم إن هذا الطلب لم يكن كما قال محيي السنة البغوي عن شك منهم بوحدانية الله تعالى وإنما كان غرضهم إلهاً يعظمونه ويتقربون بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة وكان ذلك لشدة جهلهم كما أذنت به الآيات ، وقيل : إن غرضهم عبادة الصنم حقيقة فيكون ذلك ردة منهم ، وأياً ما كان فالقائل بعضهم لا كلهم ، وقد اتفق في هذه الأمة نحو ذلك فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي واقد الليثي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة حنين فمر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون حولها يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبحان الله» وفي رواية «الله أكبر» هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } [ الأعراف : 138 ] والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم " وأخرج الطبراني وغيره من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده
« قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ونحن ألف ونيف ففتح الله تعالى مكة وحنيناً حتى إذا كنا بين حنين والطائف في أرض فيها سدرة عظيمة كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط فكانت تعبد من دون الله فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها فقال له رجل : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها السنن قلتم والذي نفس محمد بيده كما قالت بنو إسرائيل { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة } [ الأعراف : 138 ] » وفي هذا الخبر تصريح بأن القائل رجل واحد ، ولعل ذلك كان عن جهل يعذر به ولا كون به كافراً وإلا لأمره صلى الله عليه وسلم بتجديد الإسلام ولم ينقل ذلك فيما وقفت عليه ، والناس اليوم قد اتخذوا من قبيل ذات الأنواط شيئاً كثيراً لا يحيط به نطاق الحصر ، والآمر بالمعروف أعز من بيض الأنوق والامتثال بفرض الأمر منوط بالعيوق والأمر لله الواحد القهار . (6/335)
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
{ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً } روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعون سأل موسى عليه السلام ربه الكتاب فأمره أن يصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة . (6/336)
وأخرج الديلمي عن ابن عباس يرفعه لما أتى موسى عليه السلام ربه عز وجل وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين وقد صام ليلهن ونهارهن كره أن يكلم ربه سبحانه وريح فمه ريح فم الصائم فتناول من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه : لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان قال : أي رب كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح ، قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك؟ ارجع فصم عشرة أيام ثم ائتني ففعل موسى عليه السلام الذي أمره ربه وذلك أمره ربه وذلك قوله سبحانه : { فَأْتُواْ بِعَشْرِ } والتعبير عنها بالليالي كما قيل لأنها غرر الشهور .
وقيل : إنه عليه السلام أمره الله تعالى أن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها بما يقر به من الله تعالى ثم أنزلت عليه التوراة وكلم فيها ، وقد أجمل ذكر الأربعين في البقرة وفصل هنا ، { وواعدنا } بمعنى وعدنا ، وبذلك قرأ أبو عمرو . ويعقوب ، ويجوز أن تكون الصيغة على بابها بناء على تنزيل قبول موسى عليه السلام منزلة الوعد ، وقد تقدم تحقيقة . و { ثلاثين } كما قال أبو البقاء مفعول ثان لواعدنا بحذق المضاف أي إتمام ثلاثين ليلة أو اتيانها { فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } من قبيل الفذلكة لما تقدم ، وكأن النكتة في ذلك أن اتمام الثلاثين بعشر يحتمل المعنى المتبادر وهو ضم عشرة إلى ثلاثين لتصير بذلك أربعين ، ويحتمل أنها كانت عشرين فتمت بعشرة ثلاثين كما يقال أتممت العشرة بدرهمين على معنى أنها لولا الدرهمان لم تصر عشرة فلدفع توهم الاحتمال الثاني جيء بذلك ، وقيل : إن الإتمام بعشر مطلق يحتمل أن يكون تعيينها بتعيين الله تعالى أو بإرادة موسى عليه السلام فجيء بما ذكر ليفيد أن المراد الأول ، وقيل : جيء به رمزاً إلى أنه لم يقع في تلك العشر ما يوجب الجبر ، والميقات بمعنى الوقت ، وفرق جمع بينهما بأن الوقت مطلق والميقات وقت قدر فيه عمل من الأعمال ومنه مواقيت الحج ، ونصب { أَرْبَعِينَ } قيل : على الحالية أي بالغاً أربعين ، ورده أبو حيان بأنه على هذا يكون معمولاً للحال المحذوف لا حالاً ، وأجيب بأن النحويين يطلقون الحكم الذي للعامل لمعموله القائم مقامه فيقولون في زيد في الدار إن الجار والمجرور خبر مع أن الخبر إنما هو متعلقة .
وتعقب بأن الذي ذكره النحاة في الظرف دون غيره فالأحسن أنه حال بتقدير معدوداً ، وفيه أن دعوى تخصيص الذكر في الظرف خلاف الواقع كما لا يخفى على المتتبع ، وأن ما زعمه أحسن مما تقدم يرد عليه ما يرد عليه ، وقيل : إنه تمييز ، وقيل : إنه مفعول به بتضمين { تم } معنى بلغ ، وقيل : إن تم من الأفعال الناقصة وهذا خبره وهو خبر غريب ، وقيل : إنه منصوب على الظرفية . وأورد عليه أنه كيف تكون الأربعين ظرفاً للتمام والتمام إنما هو بآخرها إلا أن يتجوز فيه . (6/337)
{ وَقَالَ مُوسَى } حين توجه إلى المناجاة حسبما أمر به { لاِخِيهِ هارون } اسم أعجمي عبراني لم يقع في كلام العرب بطريق الاصالة ، ويكتب بدون الف ، وهو هنا بفتح النون على أنه مجرور بدلاً من أخيه أو بياناً له ، أو منصوب مفعولاً به لمقدر أعني أعني وقرىء شاذا بالضم على أنه خبر مبتدأ محذوف هو هو أو منادي حذف منه حرف النداء أي يا هرون { اخلفنى } أي كن خليفتي { فِى قَوْمِى } وراقبهم فيما يأتون وما يذرون ، واستخلافه عليه السلام لأخيه مع أنه عليه السلام كان نبياً مرسلاً مثله قيل : لأن الرياسة كانت له دونه ، واجتماع الرياسة مع الرسالة والنبوة ليس أمراً لازماً كما يرشد إلى ذلك سبر قصص أنبياء بني اسرائيل ، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته أن هارون ذكر له أن نبي بحكم الأصالة ورسول بحكم التبعية فلعل هذا الاستخلاف من آثار تلك التبعية ، وقيل : إن هذا كما يقول أحد المأمورين بمصلحة للآخر إذا أراد الذهاب لأمر : كن عوضا عني على معنى أبذل غاية وسعك ونهاية جهدك بحيث يكون فعلك فعل شخصين { وَأَصْلَحَ } ما يحتاج إلى الاصلاح من أمور دينهم ، أو كن مصلحا على أنه منزل منزلة اللازم من غير تقدير مفعول .
وعن ابن عباس أنه يريد الرفق بهم والإحسان إليهم ، وقيل : المراد احملهم على الطاعة والصلاح { وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين } أي ولا تتبع سبيل من سلك الافساد بدعوة وبدونها ، وهذا من باب التوكيد كما لا يخفى .
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
{ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } أي لوقتنا الذي وقتناه أي لتمام الأربعين ، واللام للاختصاص كما في قوله سبحانه : { لِدُلُوكِ الشمس } [ الإسراء : 78 ] وهي بمعنى عند عند بعض النحويين { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } من غير واسطة بحرف وصوت ومع هذا لا يشبه كلام املخلوقين ولا محذور في ذلك كما أوضحناه في الفائدة الرابعة ، وإلى ما ذكر ذهب السلف الصالح ، وقد أخرج البزار . وابن أبي حاتم . وأبو نعيم في الحلية . والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال : قال " رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما كلم الله تعالى موسى يوم الطهور كملة بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه فقال له موسى : يا رب أهذا كلامك الذي كلتني به؟ قال يا موسى : أنا كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا : يا موسى صف لنا كلام الرحمن ، فقال : لا تستطيعونه ألم تروا إلى صوت الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتوه فذاك قريب منه وليس به " . وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال : «إنما كلم الله تعالى موسى بقدر ما يطيق من كلامه ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء» وأخرج جماعة عن كعب قال : «لما كلم الله تعالى موسى كلمه بالألسنة كلها فجعل يقول : يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسان بمثل صوته» الخبر ، وأخرجوا عن ابن كعب القرظي أنه قال : قيل لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق؟ فقال عليه السلام : بالرعد الساكن ، وأخرج الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة فأول ما كلمه بالبربرية ، ونقل عن الأشعري أن موسى عليه السلام إنما سمع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى ولم يكن ما سمعه مختصاً بجهة من الجهات ، وجمله على السماع بالفعل مشكل مع الأخبار الدالة على خلافه؛ والظاهر أن ذلك إن صح نقله فهو قول رجع عنه إلى مذهب السلف الذي أبان عن اعتقاده له في الإبانة { قَالَ رَبّ أَرِنِى } أي ذاتك أو نفسك فالمفعول الثاني محذوف لأنه معلوم ، ولم يصرح به تأدبا { أَنظُرْ إِلَيْكَ } مجزوم في جواب الدعاء ، واستشكل بأن الرؤية مسببة عن النظر متأخرة عنه كما يريك ذلك النظر إلى قولهم : نظرت إليه فرأيته ، ووجهه أن النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماساً لرؤيته والرؤية الإدراك بالباصرة بعد التلقيب وحينئذ كيف يجعل النظر جواباً لطلب الرؤية مسبباً عنه وهو عكس القضية . (6/338)
وأجيب بأن المراد بالاراءة ليس إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقاً أو بالتجلي والظهور وهو مقدم على النظر وسبب له ، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم أي مكنى من رؤيتك أو تجل لي فانظر إليك وأراك { قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال رب العزة حين قال موسى عليه السلام ذلك ، فقيل : قال : { لَنْ } أي لا قابلية لك لرؤيتي وأنت على ما أنت عليه ، وهو نفي للإراءة المطلوبة على أتم وجه { تَرَانِى ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } إستدراك لبيان أنه عليه السلام لا يطيق الرؤية ، والمراد من الجبل طور سيناء كما ورد في غير ما خبر ، وفي تفسير الخازن وغيره أن اسمه زبير بزاي مفتوحة وباء موحدة مكسورة وراء مهملة بوزن أمير { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ } ولم يفتته التجلي { فَسَوْفَ تَرَانِى } إذا تجليت لك { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } أي ظهر له على الوجه اللائق بجنابه تعالى بعد جعله مدركاً لذلك { جَعَلَهُ دَكّا } أي مدكوكاً متفتتاً ، والدك والدق أخوان كالشك والشق .
وقال سيخنا الكوراني : إن الجبل مندرج في الأشياء التي تسبح بحمد الله بنص { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء : 44 ] المحمول على ظاهره عند التحقيق المستلزم لكونه حياً مدركاً حياة وإدراكاً لائقين بعالمه ونشأته ، وقيل : هذا مثل لظهور اقتداره سبحانه وتعلق إرادته بما فعل بالجبل لا أن ثم تجليا وهو نظير ما قرر في قوله تعالى : { أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ يس : 82 ] من أن المراد أن ما قضاه سبحانه وأراد كونه يدخل تحت الوجود من غير توقف لا أن ثمة قولا . وتعقبه صاحب الفوائد بأن هذا المعنى غير مفهوم من الآية لأن تجلي مطاوع جليته أي أظهرته يقال : جليته فتجلى أي أظهرته فظهر ولا يقدر تجلي اقتداره لأنه خلاف الأصل ، على أن هذا الحمل بعيد عن المقصود بمراحل . وأخرج أحمد . وعبد بن حميد . والترمذي والحاكم وصححاه . والبيهقي وغيرهم من طرق عن أنس بن مالك « أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ } الخ قال هكذا وأشار باصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل » وعن ابن عباس أنه قال ما تجلى منه سبحانه للجبل إلا قدر الخنصر فجعله تراباً ، وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم أو التأويل بما يليق بجلال ذاته تعالى . وقرأ حمزة . والكسائي { دَكَّاء } بالمد أي أرضا مستوية ، ومنه قولهم ناقة دكاء للتي لم يرتفع سنامها . وقرأ يحيى بن وثاب { دَكّاً } بضم الدال والتنوين جمع دكاء كحمر وحمراء أي قطعا دكا فهو صفة جمع ، وفي شرح التسهيل لأبي حيات أنه أجرى مجرى الأسماء فاجرى على المذكر { وَخَرَّ موسى } أي سقط من هول ما رأى ، وفرق بعضهم بين السقوط والخرور بأن الأول مطلق والثاني سقوط له صوت كالخرير { صَعِقًا } أي صاعقا وصائحا من الصعقة ، والمراد أنه سقط مغشياً عليه عند ابن عباس . (6/339)
والحسن رضي الله تعالى عنهم . وميتا عند قتادة . (6/340)
روي أنه بقي كذلك مقدار جمعة ، وعن ابن عباس أنه عليه السلام أخذته الغشية عشية يوم الخميس يوم عرفة إلى عشية يوم الجمعة ، ونقل بعض القصاصين أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ فيلكزونه بارجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه ، فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل والغضب في الخطاب { فَلَمَّا أَفَاقَ } بأن عاد إلى ما كان عليه قبل وذلك بعود الروح إليه على ما قال قتادة أو بعود الفهم والحس على ما قال غيره ، والمشهور أن الإفاقة رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما عنه بسبب من الأسباب ، ولا يقال للميت إذا عادت إليه روحه أفاق وإنما يقال ذلك للمغشى عليه ولهذا اختار الأكثرون ما قاله الحبر { قَالَ } تعظيماً لأمر الله سبحانه { سبحانك } أي تنزيهاً لك من مشابهة خلقك في شيء ، أو من أن يثبت أحد لرؤيتك على ما كان عليه قبلها ، أو من أن أسألك شيئاً بغير اذن منك { تُبْتُ إِلَيْكَ } من الاقدام على السؤال بغير أذن ، وقيل : من رؤية وجودي والميل مع ارادتي { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } بعظمتك وجلالك أو بأنه لا يراك أحد في هذه النشأة فيثبت على ما قيل ، وأراد كما قال الكوراني أنه أول المؤمنين بذلك عن ذوق مسبوق بعين اليقين في نظره ، وقبل : أراد أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك .
واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في الجملة ، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك وقامت الحرب بينهما على ساق ، وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين . الأول أن موسى عليه السلام سألها بقوله : { رَبّ أَرِنِى } الخ ، ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عليه السلام عالماً بالاستحالة فالعاقل فضلاً عن النبي مطلقاً فضلاً عمن هو من أولي العزم لا يسأل المحال ولا يطلبه ، وإن لم يكن عالماً بذلك لزم أن يكون آحاد المعتزلة ومن حصل طرفا من علومهم أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبي الصفى ، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة ، وحيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز ، والثاني أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه وما علق على الممكن ممكن .
واعترض الخصوم الوجه الأول بوجوه . الأول أنا لا نسلم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به تعالى إلا أنه عبر عنه بالرؤسة مجازاً لما بينهما من التلازم ، والتعبير بأحد المتلازمين عن الآخر شائع في كلامهم ، وإلى هذا ذهب أبو الهذيل بن العلاف وتابعه عليه الجبائي وأكثر البصريين . الثاني أنا سلمنا أنه لم يسأل العلم بل سأل الرؤية حقيقة لكنا نقول : إنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فمعنى { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } أرني أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة ، وإلى هذا ذهب الكعبي والبغداديون ، الثالث أنا سلمنا أنه سأل رؤية الله تعالى نفسه حقيقة ولكن لم يكن ذلك لنفسه عليه السلام بل لدفع قومه القائلين { أَرِنَا الله جَهْرَةً } [ النساء : 153 ] وإنما أضاف الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ في دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيهاً بالأعلى على الأدنى ، وإلى هذا ذهب الجاحظ ومتبعوه ، الرابع أنا سلمنا أنه سأل لنفسه لكن لا نسلم أن ذلك ينافي العلم بالإحالة إذ المقصود من سؤالها إنما هو أن يعلم الإحالة بطريق سمعي مضاف إلى ما عنده من الدليل العقلي لقصد التأكيد ، وذلك جائز كما يدل عليه طلب إبراهيم عليه السلام إراءة كيفية إحياء الموتى ، وقوله : { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة : 260 ] وإلى ذلك ذهب أبو بكر الأصم ، الخامس أنا سلمنا أن سؤال الرؤية ينافي العلم بالإحالة لكنا نلتزم القول بعدم العلم وهو غير قادح في نبوته عليه السلام فإن النبوة لا تتوقف على العلم بجميع العقائد الحقة أو جميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز بل ما يتوقف عليه الغرض من البعثة والدعوة إلى الله تعالى وهو وحدانيته وتكليف عباده بالأوامر والنواهي تحريضاً لهم على النعم المقيم ، وليس امتناع الرؤية من هذا القبيل ، ويؤيد ذلك أنه سأل وقوع الرؤية في الدنيا وهي غير واقعة عندنا وعندكم ، ونسب هذا القول إلى الحسن منا وهو غريب منه . (6/341)
السادس أنا سلمنا العلم بالإحالة لكن لا نسلم امتناع السؤال وإنما يمتنع أن لو كان محرماً في شرعه لم لا يجوز أن لا يكون محرماً؟ ، السابع أنا سلمنا الحرمة لكن لا نسلم أن ذلك كبيرة لم لا يجوز أن يكون صغيرة وهي غير ممتنعة على الأنبياء عليهم السلام؟ .
وتكلموا على الوجه الثاني من وجهين : الأول أنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط لأن الجبل حال سكونه كان مستقراً بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته ، والثاني أنا وإن سلمنا أن استقرار الجبل ممكن لكن لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن فإنه يصح أن يقال : إن انعدم المعلوم انعدم العلة ، والعلة قد تكون ممتنعة العدم مع إمكان المعلول في نفسه كالصفات بالنسبة إلى الذات عند المتكلمين ، والعقل الأول بالنسبة إليه تعالى عند الحكماء ، فيجوز أن تكون الرؤية الممتنعة متعلقة بالاستقرار الممكن ، والسر في جواز ذلك أن الارتباط بين المعلق والمعلق عليه إنما هو بحسب الوقوع بمعنى أنه إن وقع عدم المعلول وقع عدم العلة ، والممكن الذاتي قد يكون ممتنع الوقوع كالممتنع الذاتي فيجوز التعليق بينهما وليس الارتباط بينهما بحسب الإمكان حتى يلزم من إمكان المعلق عليه إمكان المعلق ، ثم إنا وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه من الوجهين على جواز الرؤية فهو معارض بما يدل على عدم الجواز فإن { لَنْ } في الآية لتأبيد النفي وتأكيده وأيضاً قول موسى عليه السلام : ( تبت إليك ) دليل كونه مخطئاً في سؤاله ولو كانت الرؤية جائزة لما كان مخطئاً ، والزمخشري عامله الله تعالى بعدله زعم أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية ، وذكر في كشافه ما ذكر وقال : ثم أعجب من المتسمين بالإسلام المسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم ، والقول ما قال بعض العدلية فيهم :
وجماعة سموا هواهم سنة ... لجماعة حمر لعمري موكفه (6/342)
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفه
وأجيب عن قولهم : إنه عليه السلام إنما سأل العلم الضروري بأنه لو كانت الرؤية بمعنى العلم الضروري لكان النظر المذكور بعد أيضاً بمعناه وليس كذلك ، فإن النظر الموصول بإلى نص في الرؤية لا يحتمل سواه فلا يترك للاحتمال .
وفي شرح المواقف أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول ، وأورد عليه أن المراد هو العلم بهويته الخاصة ، والخطاب لا يقتضي إلا العلم بوجه كمن يخاطبنا من وراء الجدار ، والمراد بالعلم بالهوية الخاصة انكشاف هويته تعالى على وجه جزئي بحيث لا يمكن عند العقل صدقه على كثيرين كما في المرئى بحاسة البصر ، ولا شك في كونه ممكناً في حقه تعالى لأنه قادر على أن يخلق في البعد علماً ضرورياً بهويته الخاصة على الوجه الجزئي بدون استعمال الباصرة كما يخلق بعده ، وفي عدم لزومه الخطاب فإنه إنما يقتضي العلم بالمخاطب بأمور كلية يمكن صدقها على كثيرين عند العقل وإن كانت في الخارج منحصرة في شخص واحد فهو من قبيل التعقل ، وبهذا التحرير يعلم رصانة الإيراد ودفع ما أورد عليه ، ويظهر منه ركاكة ما قاله الآمدي . من أن حمل الرؤية على العلم يلزم منه أن يكون موسى عليه السلام غير عالم بربه لئلا يلزم تحصيل الحاصل ، ونسبة ذلك إلى الكليم من أعظم الجهالات لأنا نقول العلم بالهوية الخاصة على ما ذكرنا ليس من ضروريات النبوّة ولا المكالمة كما لا يخفى .
نعم يأبى هذا الحمل التعدية كما علمت ويبعده الجواب بلن تراني ولكن انظر الخ كما هو ظاهر وإن تكلف له الزمخشري بما تمجه الاسماع . (6/343)
وقيل : إنه لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في { أَرِنَا الله جَهْرَةً } [ النساء : 153 ] لتساوي الدلالة وهو ممتنع بالإجماع وجهرة لا يزيد على كون النظر موصولاً بإلى . وأجيب عن قولهم : إنما سأله أن يريه علماً من أعلام الساعة بأنه لا يستقيم لثلاثة أوجه .
أحدها : أنه خلاف الظاهر من غير دليل . ثانيها : أنه أجيب بلن تراني وهو إن كان محمولاً على نفي ما وقع السؤال عنه من رؤية بعض الآيات فهو خلف فإنه قد أراه سبحانه أعظم الآيات وهو تدكدك الجبل ، وإن كان محمولاً على نفي الرؤية لزمن أن لا يكون الجواب مطابقاً للسؤال . ثالثها : أن قوله سبحانه : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } إن كان محمولاً على رؤية الآية فهو محال لأن الآية ليست في استقرار الجبل بل في تدكدكه ، وإن كان محمولاً على الرؤية لا يكون مرتبطاً بالسؤال ، فإذن لا ينبغي حمل ما في الآية على رؤية الآية ، وعن قولهم : إن الرؤية وقعت لدفع قومه بأن ذلك خلاف الظاهر من غير دليل ، وكون الدليل أخد الصعقة ليس بشيء . وأيضاً كان يجب عليه السلام أن يبادر إلى ردعهم وزجرهم عن طلب ما لا يليق بجلال الله تعالى كما قال : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [ الأعراف : 138 ] عند قولهم : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] وقولهم : إن المقصود ضم الدليل السمعي إلى العقلي ليس بشيء إذ ذلك كان يمكن بطلب إظهار الدليل السمعي له من غير أن يطلب الرؤية مع إحالتها ، وقصته تقدم الكلام فيها ، وما ذكروه في الوجه الخامس ظاهر رده من تقرير الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما أهل السنة ، وحاصله أنه يلزمهم أن يكون الكليم عليه السلام دون آحاد المعتزلة علماً ودون من حصل طرفاً من الكلام في معرفة ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز ، وهذه كلمة حمقاء وطريقة عوجاء لا يسلكها أحد من العقلاء ، فإن كون الأنبياء عليهم السلام أعلم ممن عداهم بذاته تعالى وصفاته العلا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ، وكون الرؤية في الدنيا غير واقعة عند الفريقين إن أريد به أنها غير ممكنة الوقوع فهو أول المسألة وإن أريد أنها ممكنة لكنها لا تقع لأحد فلا نسلم أنه أجمع على ذلك الفريقان ، أما المعتزلة فلأنهم لا يقولون بإمكانها ، وأما أهل السنة فلأن كثيراً منهم ذهب إلى أنها وقعت لنبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ، وهو قول ابن عباس . وأنس وغيرهما ، وقول عائشة رضي الله تعالى عنها : من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله سبحانه الفرية مدفوع أو مؤول بأن المراد من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم في نوره الذي هو نوره أعني النور الشعشعاني الذي يذهب بالأبصار ، وهو المسار إليه في حديث
« لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره » فقد أعظم الفرية ، ومن هذا يعلم ما في احتمال إرادة عدم الوقوع مع قطع النظر عن الإمكان وعدمه . وقولهم : إنه يجوز أن لا يكون ذلك الطلب محرماً في شرعه فلا يمتنع يرد عليه أن دليل الحرمة ظاهر ، فإن طلب المحال لو لم يكن حراماً في شرعه عليه السلام لما بلغ في التشنيع على قومه حين طلبوا ما طلبوا على أنا لو سلمنا أنه ليس بحرام يقال : إنه لا فائدة فيه وما كان كذلك فمنصب النبوة منزه عنه ، ومن هذا يعلم ما في قولهم الأخير . (6/344)
وأجيب عن قولهم : إن المعلق عليه هو استقرار الجبل حال حركته بأنهم إن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار حال وجود الحركة مع الحركة فهو زيادة اضمار وترك لظاهر اللفظ من غير دليل فلا يصح ، وإن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار في الحالة التي وجدت فيها الحركة بدلاً عن الحركة فلا يخفى جوازه ، فكيف يدعى أنه محال لذاته؟ ، وبعضهم قال في الرد : إن المعلق عليه استقرار الجبل بعد النظر بدليل الفاء ، وحين تعلقت إرادة الله تعالى بعدم استقراه عقيب النظر استحال استقراره وإن كان بالغير فعدل عن القول بالمحال بالذات إلى القول بالمحال بالغير لأن الغرض يتم به أيضاً ، وتعقبه السالكوتي وغيره بأنه ليس بشيء لأن استقرار الجبل حين تعلق إرادته تعالى بعدم استقراره أيضاً ممكن بأن يقع بدله الاستقرار إنما المحال استقراره مع تعلق إرادته سبحانه بعدم الاستقرار ، ولبعض فضلاء الروم ههنا كلام نقله الشهاب لا تغرنك قعقعته فإن الظواهر لا تترك لمجرد الاحتمال المرجوح ، وأجيب عن قولهم لا نسلن أن المعلق بالممكن ممكن الخ بأن المراد بالممكن المعلق عليه الممكن الصرف والخالي عن الامتناع مطلقاً ، ولا شك أن إمكان المعلول فيما امتنع عدم علته ليس كذلك بل التعليق بينهما إنما هو بحسب الامتناع بالغير فإن استلزام عدم الصفات وعدم العقل الأول عدم الواجب من حيث إن وجود كل منهما واجب وعدمه ممتنع بوجود الواجب ، وأما بالنظر إلى ذاته مع قطع النظر عن الأمور الخارجة فلا استلزام بخلاف استقرار الجبل فإنه ممكن صرف غير ممتنع لا بالذات ولا بالعرض كما لا يخفى ، على أن بعضهم نظر في صحة المثال لغة وإن كان فيه ما فيه ، وما قيل : إنه ليس المقصود في الآية بيان جواز الرؤية وعدم جوازها إذ هو غير مسؤول عنه بل المقصود إنما هو بيان عدم وقوعها وعدم الشرط مكتفل بذلك كلام لا طائل تحته ، إذ الجواز وعدم الجواز من مستتبعات التعليق بإجماع جهابذة الفريقين ، وما ذكروه في المعارضة من أن { لَنْ } تفيد تأبيد النفي غير مسلم ، ولو سلم فيحتمل أن ذلك بالنسبة إلى الدنيا كما في قوله تعالى :
{ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } [ البقرة : 95 ] فإن إفادة التأبيد فيه أظهر ، وقد حملوه على ذلك أيضا لأنهم يتمنونه في الآخرة للتخلص من العقوبة ، ومما يهدي إلى هذا أن الرؤية المطلوبة إنما هي الرؤية في الدنيا وحق الجواب أن يطابق السؤال ، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن أن نفي الرؤية مقيد لا مطلق فليتبع بيانه عليه الصلاة والسلام ، فقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول . وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال : « تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { رَبّ أَرِنِى } الخ فقال : قال الله تعالى يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم » وهذا ظاهر في أن مطلوب موسى عليه السلام كان الرؤية في الدنيا مع بقائه على حالته التي هو عليها حين السؤال من غير أن يعقبها صعق لأن قوله عز وجل : إنه لن يراني حي الخ لا ينفي إلا الرؤية في الدنيا مع الحياة لا الرؤية مطلقاً ، فمعنى { لَن تَرَانِى } في الآية لن تراني وأنت باق على هذه الحالة لا لن تراني في الدنيا مطلقاً فضلاً عن أن يكون المعنى لن تراني مطلقاً لا في الآخرة . نعم إن هذا الحديث مخصص بما صح مرفوعاً وموقوفاً أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء مع عدم الصعق ، ولعل الحكمة في اختصاصه صلى الله عليه وسلم بذلك أن نشأته عليه الصلاة والسلام أكمل نشأة وأعدلها صورة ومعنى لجامعيته صلى الله عليه وسلم للحقائق على وجه الاعتدال وهي فيه متجاذبة ومقتضى ذلك الثبات بإذن الله تعالى ومع ذلك فلم يقع له التجلي إلا في دار البقاء فاجتمع مقتضى الموطن مع مقتضى كمال اعتدال النشأة ، وقد يقال أيضاً على سبيل التنزل : لو سلمنا دلالة لن على التأبيد مطلقاً لكان غاية ذلك انتفاء وقوع الرؤية ولا يلزم منه انتفاء الجواز ، والمعتزلة يزعمون ذلك وقولهم : قوله عليه السلام { تُبْتُ إِلَيْكَ } يدل على كونه مخطئاً ليس بشيء لأن التوبة قد تطلق بمعنى الرجوع وأن لم يتقدمها ذنب ، وعلى هذا فلا يبعد أن يكون المراد من تبث إليك أي رجعت إليك عن طلب الرؤية . (6/345)
وذكر ابن المنير أن تسبيح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه ، وأما التوبة في حق الأنبياء عليهم السلام فلا يلزم أن تكون عن ذنب لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال ، وكان عليه عليه السلام نظراً إلى علو شأنه أن يتوقف في سؤال الرؤية على الاذن فحيث سأل من غير إذن كان تاركاً الأولى بالنسبة إليه ، وقد ورد
« حسنات الابرار سيئات المقربين » وذكر الإمام الرازي نحو ذلك . وقال الآمدي : إن التوبة وان كانت تستعدي سابقية الذنب إلا أنه ليس هناك ما يدل قطعاً على أن الذنب في سؤاله بل جاز أن تكون التوبة عما تقدم قبل السؤال مما يعده هو عليه السلام ذنباً والداعي لذلك ما رأى من الأهوال العظيمة من تدكدك الجبل على ما هو عادة المؤمنين الصلحاء من تجديد التوبة عما سلف إذا رأوا آية وأمراً مهولا ، وذكر أن قوله عليه السلام : { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } ليس المراد منه ابتداء الإيمان في تلك الحالة بل المراد به إضافة الأولية إليه لا إلى الإيمان ، ولعل المراد من ذلك الإخبار الاستعطاف لقبول توبته عليه السلام عما هو ذنب عنده ، وأراد بالمؤمنين قومه على ما روي عن مجاهد ، وما يشير إليه كلام الزمخشري من أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية لا يخفى ما فيه على من أحاط خبرا بما ذكرناه ، ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضاً ، وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له : { لَن تَرَانِى } ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب لست بمرئي ، ألا ترى لو قال : أرني أنظر إلى صورتك ومكانك لم يحسن في الجواب أن يقال لن ترى صورتي ولا مكاني بل الحسن لست بذي صورة ولا مكان . وقال بعضهم بعد أن بين كون الآية دليلاً على أن الرؤية جائزة في الجملة ببعض ما تقدم : ولذلك رده سبحانه بقوله : { لَن تَرَانِى } دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إلى تنبيها على أنه عليه السلامقاصر عن رؤيته تعالى لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه بعد ، وذلك لأن لن أرى يدل على امتناع الرؤية مطلقاً ولن أريك يقتضي أن المانع من جهته تعالى ، وليس في لن تنظر تنبيه على المقصود لأن النظر لا يتوقف على معد وإنما المتوقف عليه الرؤية والإدراك ، وعلل النيسابوري عدم كون الجواب لن تنظر إلى المناسب لأنظر إليك بأن موسى عليه السلام لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل أرني . وانتصر بعضهم للمعتزلة بأن لهم أن يقولوا : إن طلب الإراءة متضمن لطلب رفع الموانع من الرؤية وإيجاد ما تتوقف هي عليه لأن معنى ذلك مكنى من الرؤية والتمكين إنما يتم بما ذكر من الرفع والإيجاد ، وكان الظاهر في رد هذا الطلب لن أمكنك من رؤيتي لكن عدل عنه إلى لن تراني إشارة إلى استحالة الرؤية وعدم وقوعها بوجه من الوجوه ، كأنه قيل : إن رؤيتك لي أمر محال في نفسه وتمكيني إنما يكون من الممكن ، ولو لم يكن المراد ذلك بل كان المراد أنك لا قابلية لك لرؤيتي لكان لموسى عليه السلام أن يقول يا رب أنا أعلم عدم القابلية لكني سألتك التمكين وهو متضمن لسؤال إيجادها لأنها مما تتوقف الرؤية عليه ، فعلى هذا لا يكون الجواب مفيداً لموسى عليه السلام ولا مقنعاً له بخلافه على الأول ، فيكون حينئذ هو المتعين . (6/346)
فإن قيل : القابلية وعدم القابلية من توابع الاستعداد وعدم الاستعداد وهما غير مجعولين ، قلنا : هذا على ما فيه من الكلام العريض والنزاع الطويل مستلزم لمطلوبنا من امتناع الرؤية كما لا يخفى على من له أدنى استعداد لفهم الحقائق . (6/347)
وأجيب بأن طلب التمكين من شيء إنما يتضمن طلب رفع الموانع التي في جانب المطلوب منه فقط على ما هو الظاهر لا مطلقاً بحيث يشمل ما كان في جانب المطلوب منه وما كان في جانب الطالب ، ويرشد إلى ذلك أن قولك : لم يمكني زيد من قتل عمرو مثلاً ظاهر في أنه حال بينك وبين قتله مع تهيئك له وارتفاع الموانع التي من قبلك عنه ، فكأن موسى عليه السلام لما كلمه ربه هاج به الشوق إلى الرؤية كما قال الحسن : لأن دو الله إبليس غاص في الأرض حتى خرج من بين قدميه فوسوس إليه إن مكلمك شيطان فعند ذلك سألها كما قال السدي : وأعوذ بالله من اعتقاده فذهل عن نفسه وما فيها من الموانع فلم يخطر بباله إلا طلب رفع الموانع عنها من قبل الرب سبحانه فنبهه جل شأنه بقوله : { لَن تَرَانِى } على وجود المانع فيه عن الرؤية وهو الضعف عن تحملها وأراه ضعف من هو أقوى منه عن ذلك بدك الجبل عند تجليه له ، ففائدة الاستدراك على هذا أن يتحقق عنده عليه السلام أنه أضعف من أن يقوم لتجلي الرؤية ، وهو على ما هو عليه ، ويمكن أن تكون التوبة منه عليه السلام بعد أن أفاق من هذه الغفلة ، وحينئذ لا شك أن الجواب ب { لَن تَرَانِى } الخ مفيد مقنع .
هذا وذكر بعض المحققين أن حاصل الكلام في هذا المقام أن موسى عليه السلام كان عالماً بإمكان الرؤية ووقوعها في الدنيا لمن شاء الله تعالى من عباده عقلاً؛ والشروط التي تذكر لها ليست شروطاً عقلية وإنما هي شروط عادية ولم يكن عالماً بعدم الوقوع مع عدم تغير الحال حتى سمع ذلك من الرب المتعال ، وليس في عدم العلم بما ذكر نقص في مرتبته عليه السلام لأنه من الأمور الموقوفة على السمع ، والجهل بالأمور السمعية لا يعد نقصاً ، فقد صح أن أعلم الخلق على الإطلاق نبينا صلى الله عليه وسلم سئل عن أشياء فقال : سأسأل جبريل عليه السلام ، وأن جبريل عليه السلام سئل فقال : سأسأل رب العزة ، وقد قالت الملائكة :