صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
« يا عائش { إِنَّ الذين * فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً } هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليس لهم توبة يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء فإنهم ليس لهم توبة وأنا منهم بريء وهم مني برآء » فيكون الكلام استئنافاً لبيان حال المبتدعين إثر بيان حال المشركين إشارة إلى أنهم ليسوا منهم ببعيد ، ولعل جملة { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ } الخ على هذا ليست للتعليل وإنما هي للوعيد على ما فعلوا أي أن رجوعهم إليه سبحانه . (6/89)
{ ثُمَّ يُنَبّئُهُم } يوم القيامة { بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } في الدنيا على الاستمرار بالعقاب عليه .
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)
{ مَن جَاء بالحسنة } استئناف مبين لمقادير أجزية العاملين وقد صدر ببيان أجزية المحسنين المدلول عليهم بذكر أضدادهم أي من جاء من المؤمنين بالخصلة الواحدة من خصال الطاعة أي خصلة كانت ، وقيل : التوحيد ونسب إلى الحسن وليس بالحسن { فَلَهُ عَشْرُ } حسنات { أمثالها } فضلاً من الله تعالى . وقرأ يعقوب { عَشَرَ } بالتنوين { أمثالها } بالرفع على الوصف ، وهذا أقل ما وعد من الأضعاف ، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغير حساب ، ولذلك قيل : المراد بالعشر الكثرة لا الحصر في العدد الخاص . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة وأبو الشيخ عن ابن عباس وعبد بن حميد وغيره عن ابن عمر أن الآية نزلت في الأعراب خاصة ، وأما المهاجرون فالحسنة مضاعفة لهم بسبعمائة ضعف ، والظاهر العموم . وتجريد { عَشَرَ } من التاء لكون المعدود مؤنثاً كما أشرنا إليه لكنه حذف وأقيمت صفته مقامه ، وقيل : إنه المذكور إلا أنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه . (6/90)
{ وَمَن جَاء بالسيئة } كائناً من كان من العالمين { فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا } بحكم الوعد واحدة بواحدة ، وإيجاب كفر ساعة عقاب الأبد لأن الكافر على عزم أنه لو عاش أبداً لبقي على ذلك الاعتقاد أبداً { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص الثواب وزيادة العقاب . فإن ذلك منه تعالى لا يعد ظلماً إذ له سبحانه أن يعذب المطيع ويثيب العاصي ، وقيل : المعنى لا ينقصون في الحسنات من عشر أمثالها وفي السيئة من مثلها في مقام الجزاء .
ومن المعتزلة من استدل بهذه الآية على إثبات الحسن والقبح العقليين ، واختلف في تقريره فقيل : إنهم لما رأوا أن أحد أدلة الأشاعرة على النفي أن العبد غير مستبد في إيجاد فعله كما بين في محله فلا يحكم العقل بالاستقلال على ترتب الثواب والعقاب عليه قالوا : إن قوله سبحانه : { مَن جَاء بالحسنة } الخ صريح في أن العبد مستبد مختار في فعله الحسن والقبيح ، وإذا ثبت ذلك يثبت الحسن والقبح العقليان . وأجيب عنه بأن الآية لا تدل على استبداد العبد ، غاية ما فيها أنها تدل على المباشرة وهم لا ينكرونها ، وقيل : إن الآية دلت على أن لله تعالى فعلاً حسناً ولو كان حسن الأفعال لكونها مأمورة أو مأذوناً فيها لما كان فعل الله تعالى حسناً إذ هو غير مأمور ولا مأذون ، وأيضاً لو توقف معرفة الحسن والقبح على ورود الشرع لما كانت أفعاله تعالى حسنة قبل الورود وهو خروج عن الدين .
وأجيب أما عن الأول : فبأنا لا ندعي أنه لا حسن إلا ما أمر به أو أذن في فعله حتى يقال : يلزم أن تكون أفعال الله تعالى غير حسنة إذ يستحيل أن يكون مأموراً بها أو مأذوناً فيها بل ما أمر الشارع بفعله أو أذن فيه فهو حسن ولا ينعكس كنفسه بل قد يكون الفعل حسناً باعتبار موافقة الغرض أو باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله ، وبهذا الاعتبار كان فعل الله تعالى حسناً سواء وافق الغرض أو خالف ، وأما عن الثاني : فبأن الحسن والقبح وإن فسرا بورود الشرع بالمنع والإطلاق لكن لا نسلم أنه لا حسن ولا قبح إلا بالشرع حتى يلزمنا ذلك بل الحسن والقبح أعم مما ذكر كما عرف في موضعه ، ولا يلزم من تحقق معنى الحسن والقبح بغير ورود الشرع بالمنع والإطلاق أن يكون داتياً للأفعال ، ولا يخفى على المطلع أن قولهم : لو كان حسن الأفعال الخ وقولهم : لو توقف معرفة الحسن والقبح الخ شبهتان مستقلتان من شبه عشر إلزامية ذكرها الآمدي في «إبكار الأفكار» / وأن كلاً من التقريرين السابقين لا يخلو بعد عن نظر فتدبر .
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)
{ قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى } أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يبين ما هو عليه من الدين الحق الذي يدعي المفرقون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية ، وتصدير الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال العناية بمضمونها ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لما مر غير مرة أي قل يا محمد لهؤلاء المفرقين أو للناس كافة : أرشدني ربي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفس من الآيات { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } موصل إلى الحق . وقوله سبحانه : { دِينًا } بدل من محل { إلى } إذ المعنى فهداني صراطاً نظير قوله تعالى : { عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ الفتح : 2 ] أو مفعول فعل مضمر دل عليه المذكور أي هداني أو أعطاني أو عرفني ديناً ، وجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للمذكور . وقوله سبحانه : { قَيِّماً } مصدر كالصغر والكبر نعت به مبالغة . وجوز أن يكون التقدير ذا قيم ، والقياس قوماً كَعِوَض وحِوَل ، فأَعِلَّ تبعاً لإعلال فعله أعني قام كالقيام . وقرأ كثير { قَيِّماً } وهو فيعل من قام أيضاً كسيد من ساد وهو على ما قيل أبلغ من المستقيم باعتبار الهيئة والمستقيم أبلغ منه باعتبار مجموع المادة والهيئة ، وقيل : أبلغية المستقيم لأن السين للطلب فتفيد طلب القيام واقتضاءه ، ولا فرق بين القيم والمستقيم في أصل المعنى عند الكثير ، وفسروا القيم بالثابت المقوم لأمر المعاش والمعاد ، وجعلوا المستقيم من استقام الأمر بمعنى ثبت وإلا لا يتأتى ما ذكر ، وقيل : المستقيم مقابل المعوج والقيم الثابت الذي لا ينسخ . (6/91)
{ مِلَّةِ إبراهيم } نصب بتقدير أعني أو عطف بيان لديناً بناء على جواز تخالف البيان والمبين تعريفاً وتنكيراً { حَنِيفاً } أي مائلاً عن الأديان الباطلة أو مخلصاً لله تعالى في العبادة وهو حال من إبراهيم ، وقد أطبقوا على جواز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً منه أو بمنزلة الجزء حيث يصح قيامه مقامه . والعامل في هذه الحال هو العامل في المضاف . وقيل : معنى الإضافة لما فيه من معنى الفعل المشعر به حرف الجر ، وقد تقوى هذا المعنى هنا بما بين المتضايفين من الجزئية أو شبهها . وجوز أن يكون مفعولاً لفعل مقدر أي أعني حنيفاً .
{ وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } اعتراض مقرر لنزاهته عليه الصلاة والسلام عما عليه المبطلون ، وقيل : عطف على ما تقدم . وفيه رد على الذين يدعون أنهم على ملته عليه الصلاة والسلام من أهل مكة القائلين : الملائكة بنات الله واليهود القائلين : عزيز ابن الله والنصارى القائلين : عيسى ابن الله .
قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)
{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِى } أي جنسها لتشمل المفروضة وغيرها . وأعيد الأمر لمزيد الاعتناء ، وقيل : لأن المأمور به متعلق بفروع الشرائع وما سبق بأصولها { وَنُسُكِى } أي عبادتي كلها كما قال الزجاج والجبائي ، وهو من عطف العام على الخاص . وعن سعيد بن جبير ومجاهد والسدي أن المراد به الذبيحة للحج والعمرة . وعن قتادة الأضحية ، وجمع بينه وبين الصلاة كما في قوله تعالى : { فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر } [ الكوثر : 2 ] على المشهور . وقيل : المراد به الحج أي إن صلاتي وحجي { وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى } أي ما يقارن حياتي وموتي من الإيمان والعمل الصالح . وقيل : يحتمل أن يكون المراد بالمحيا والممات ظاهرهما والأول هو المناسب لقوله تعالى : { للَّهِ رَبّ العالمين } إذا المراد به الخلوص بحسب الظاهر ، وقيل : المراد به نظراً لهذا الاحتمال أن ذلك له تعالى ملكاً وقدرة . (6/92)
لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)
{ لاَ شَرِيكَ لَهُ } أي في عبادتي أو فيها وفي الإحياء ولإماتة . وقرأ نافع «محياي» بإسكان إجراء للوصل مجرى الوقف ، وفي رواية أنه كسر الياء ، وعلى الرواية الأولى إنما جاز التقاء الساكنين لنية الوقف وفيه يجوز ذلك فطعن بعضهم في ذلك بأن فيه الجمع بين الساكنين وهو لا يجوز ليس في محله ، وقد روى هذه القراءة عن نافع جماعة ، وما قيل : إنه رجع عنها وإنه لا يحل لأحد نقلها عنه ليس بشيء } { * } { وبذلك } أي القول أو الإخلاص { أُمِرْتُ } لا بشيء غيره { وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } أي المنقادين إلى امتثال ما أمر الله تعالى به ، وقيل : المستسلمين لقضاء الله تعالى وقدره ، والمراد مسلمي أمته كما قيل ، وهذا شأن كل نبي بالنسبة إلى أمته ، وقيل : هذا إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام : " أول ما خلق الله تعالى نوري " (6/93)
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)
{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } إنكار لبغية غيره تعالى رباً لا لبغية الرب ولهذا قدم المفعول ، وليس التقديم للاختصاص إذ المقصود أغير الله أطلب رباً وأجعله شريكاً له ، وعلى تقدير الاختصاص لا يكون إشراكاً للغير بل توحيد ، وقال بعض المحققين : لا يبعد أن يقال التقديم للاختصاص . وذكر في رد دعوته إلى الغير رد الاختصاص تنبيهاً على أن إشراك الغير بغية غير الله تعالى إذ لا بغية له سبحانه إلا بتوحيده عز وجل ، وما في النظم الكريم أبلغ من أغير الله أعبد ونحوه كما لا يخفى { وَهُوَ } سبحانه { رَبُّ كُلّ شَىْء } جملة حالية مؤكدة للإنكار أي والحال أن كل ما سواه مربوب ( له مثلي ) فكيف يتصور أن يكون شريكاً له ( في المعبودية ) ( 1 ) . (6/94)
{ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } يروى أنهم كانوا يقولون للمسلمين : «اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم» فرد عليهم بما ذكر أي أن ما كسبته كل نفس من الخطايا محمولة عليها لا على غيرها حتى يصح قولكم ، وعلى هذا يكون قوله سبحانه : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ } أي نفس آثمة { وِزْرَ أخرى } تأكيداً لما قبله ، وقيل : إن قولهم ذلك يحتمل معنيين . الأول : اتبعوا سبيلنا وليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم . والثاني : اتبعوا لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا .
وقوله تعالى : { وَلاَ تَكْسِبُ } الخ رد له بالمعنى الأول؛ وقوله سبحانه : { وَلاَ تَزِرُ } الخ رد له بالمعنى الثاني ، وقيل : إن جواب قولهم هو الثاني ، وأن الأول من جملة الجواب عن دعواهم إلى عبادة آلهتهم يعني لو أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه لم أكن معذوراً بأنكم سبقتموني إليه وقد فعلته متابعة لكم ومطاوعة فلا يفيدني ذلك شيئاً ولا ينجيني من الله تعالى لأن كسب كل أحد وعمله عائد عليه ، ورجحه بعضهم على الأول بأن التأسيس خير من التأكيد { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكل لتأكيد الوعد وتشديد الوعيد أي إلى مالك ( أموركم و ) رجوعكم يوم القيامة { فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ببيان الرشد من الغي وتمييز الحي من اللي .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)
{ وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الارض } أي يخلف بعضكم بعضاً كلما مضى قرن جاء قرن حتى تقوم الساعة ولا يكون ذلك إلا من عالم مدبر ، وإلى هذا ذهب الحسن ، أو جعلكم خلفاء الله تعالى في أرضه تتصرفون فيها كما قيل والخطاب عليهما عام ، وقيل : الخطاب لهذه الأمة ، وروي ذلك عن السدي أي جعلكم خلفاء الأمم السالفة { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ } في الفضل والغنى كما روي عن مقاتل { درجات } كثيرة متفاوتة { لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا * ءاتاكم } أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم لينظر ماذا تعملون مما يرضيه وما لا يرضيه . (6/95)
{ إِنَّ رَبَّكَ } تجريد الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة اسم الرب إليه عليه الصلاة والسلام لإبراز مزيد اللطف به صلى الله عليه وسلم { سَرِيعُ العقاب } أي عقابه سبحانه الأخروي سريع الإتيان لمن لم يراع حقوق ما آتاه لأن كل آت قريب أو سريع التمام عند إرادته لتعاليه سبحانه عن استعمال المبادىء والآلات . وجوز أن يراد بالعقاب عقاب الدنيا كالذي يعقب التقصير من البعد عن الفطرة وقساوة القلب وغشاوة الأبصار وصم الأسماع ونحو ذلك { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن راعى حقوق ما آتاه الله تعالى كما ينبغي . وفي جعل خبر هذه الجملة هذين الوصفين الواردين على بناء المبالغة مع التأكيد باللام مع جعل خبر الأولى صفة جارية على غير من هي له ما لا يخفى من التنبيه على أنه سبحانه غفور رحيم بالذات لا تتوقف مغفرته ورحمته على شيء كما يشير إليه قوله سبحانه في الحديث القدسي « سبقت رحمتي غضبي » مبالغ في ذلك فاعل للعقوبة بالعرض وبعد صدور ذنب من العبد يستحق به ذلك ، وما ألطف افتتاح هذه السورة بالحمد وختمها بالمغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يجعل لنا الحظ الأوفر منهما إنه ولي الأنعام وله الحمد في كل ابتداء وختام .
ومن باب الإشارة في الآيات : { سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ } بالله تعالى وأثبتوا وجوداً غير وجوده { لَوْ شَاء الله } تعالى { مَا أَشْرَكْنَا } به سبحانه شيئاً { وَلاَ } أشرك { ءابَاؤُنَا } من قبلنا { وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء } قالوا ذلك تكذيباً للرسل عليهم السلام { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } وقالوا مثل قولهم { حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } الذي حل بهم لتكذيبهم وهو الحجاب { قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } بالبيان { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } [ الأنعام : 148 ] لأنكم محجوبون في مقام النفس { قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة } أي إن كان الأمر كما قلتم فليس لكم حجة بل لله تعالى الحجة عليكم لأنه تعالى لا يشاء إلا ما يعلمه في الأزل ولا يعلم الشيء إلا على ما هو عليه في نفسه فلو لم تكونوا في أنفسكم مشركين سيئي الاستعداد لما شاء الله تعالى ذلك منكم
{ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأنعام : 149 ] لكنه لم يشأ إذ ليس في استعدادكم الأزلي ذلك . وتحتمل الآية وجوهاً أخر لعلها غير خفية { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } فإن إثبات موجود غير الله تعالى ظلم عظيم { وبالوالدين } أي الروح والقلب أحسنوا { إحسانا } برعاية حقوقهما { وَلاَ تَقْتُلُواْ } أي تهلكوا { أولادكم } قواكم باستعمالها في غير ما هي له { مّنْ إملاق } أي من أجل فقركم من الفيض الأقدس { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } بأن نفيض عليكم وعليهم ما تتغذون به من المعارف بمقدار إذا توجهتم إلينا { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش } الأعمال الشنيعة { مَا ظَهَرَ مِنْهَا } كأفعال الجوارح { وَمَا بَطَنَ } كأفعال القلب { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله } تعالى قتلها { إِلاَّ بالحق } [ الأنعام : 151 ] أي إلا بسببه بأن تريدوا توجهها إليه أو إلا قتلاً متلبساً به ، وهو قتلها إذا مالت إلى السوي { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } أي ما أعد ليتيم القلب المنقطع عن علائق الدنيا والآخرة من المعارف التي هي وراء طور العقل { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } وهي التصديق بذلك إجمالاً وعدم إنكاره { حَقّ * يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فيقوى على قبول أنواع التجليات ، وحينئذٍ يصح لكم أن تقربوا ما أعد الله تعالى له من هاتيك المعارف لقوة قلوبكم وتقدس أرواحكم . ومن الناس من جعل اليتيم إشارة إلى حضرة الرسالة عليه الصلاة والسلام وهو كما ترى { وَأَوْفُوا الكيل } أي كيل الشرع بمراعاة الحقوق الظاهرة { والميزان } أي ميزان الحقيقة بمراعاة الحقوق الباطنة { بالقسط } بالعدل { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا } أي لا تقولوا إلا الحق { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } [ الأنعام : 152 ] وهو التوحيد { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا } غير مائل إلى اليمين والشمال { فاتبعوه } لتصلوا إلى الله تعالى { وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } التي وصفها أهل الاحتجاب { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [ الأنعام : 153 ] فتضلوا ولا تصلوا إليه سبحانه . { هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } لتوفي أرواحهم { أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } بالتجلي الصوري يوم القيامة كما صح في ذلك الحديث { هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ } وهو الكشف عن ساق { يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايات رَبّكَ } وهو الكشف المذكور { لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } [ الأنعام : 158 ] حينئذٍ لانقطاع التكليف . { إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } أي جعلوا دينهم أهواء متفرقة كالذين غلبت عليهم صفات النفس { وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً مختلفة بحسب غلبة تلك الأهواء { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } إذ هم أهل التفرقة والاحتجاب بالكثرة فلا تجتمع هممهم ولا تتحد مقاصدهم { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله } في جزاء تفرقهم { ثُمَّ يُنَبّئُهُم } عند ظهور هيئات أهوائهم المختلفة المتفرقة (6/96)
{ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } ( الأنعام؛ 159 ) من السيئات واتباع الهوى { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } [ الأنعام : 160 ] وذلك لأن السيئة من مقام النفس وهي مرتبة الآحاد والحسنة أول مقاماتها مقام القلب وهي مرتبة العشرات وأقل مراتبها عشرة ، وقد يضاعف الحسنة بأكثر من ذلك إذا كانت من مقام الروح أو مقام السر وهذا هو السر في تفاوت جزاء الحسنات التي تشير إليه النصوص { قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } هو طريق التوحيد الذاتي { دِينًا قِيَمًا } ثابتاً لا تنسخه الملل والنحل { مِلَّةِ إبراهيم } التي أعرض بها عن السوي { حَنِيفاً } [ الأنعام : 161 ] مائلاً عن كل دين فيه شرك { قُلْ إِنَّ صَلاَتِى } حضوري وشهودي بالروح { وَنُسُكِى } تقربي بالقلب { وَمَحْيَاىَ } بالحق { وَمَمَاتِى } بالنفس { للَّهِ رَبّ العالمين } [ الأنعام : 162 ] لا نصيب لأحد مني في ذلك { لاَ شَرِيكَ لَهُ } في شيء أصلاً إذ لا وجود سواه { وبذلك } الإخلاص وعدم رؤية الغير { أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } [ الأنعام : 163 ] المنقادين للفناء فيه سبحانه . { قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } فأطلب مستحيلاً { وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء } أي وما سواه باعتبار تفاصيل صفاته سبحانه مربوب { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } إذ كسب النفس شرك في أفعاله تعالى وكل من أشرك فوباله عليه . { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام : 164 ] لعدم تجاوز الملائكة إلى غير صاحبها { وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الارض } بأن جعلكم له مظهر أسمائه { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } في تلك المظهرية لأنها حسب الاستعداد وهو متفاوت { لِيَبْلُوَكُمْ * فِيمَا *ءاتاكم } ويظهر علمه بمن يقوم برعاية ما آتاه وبمن لا يقوم { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } لمن لم يراع { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ الأنعام : 165 ] لمن يراعي ذلك ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمراضيه ويجعل مستقبل حالنا خيراً من ماضيه . (6/97)
المص (1)
بسْم الله الرحمن الرَّحيم . { المص } سبق الكلام في مثله وبيان ما فيه فلا حاجة إلى الإعادة خلا أنه قيل هنا : إن معنى ذلك المصور وروي ذلك عن السدي ، وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس أن المعنى أنا الله أعلم وأفصل ، واختاره الزجاج وروي عن ابن جبير ، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه وكذا نظائره قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسمائه سبحانه . وعن الضحاك أن معناه أنا الله الصادق ، وعن محمد بن كعب القرظي أن الألف واللام من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد؛ وقيل : المراد به ألم نشرح لك صدرك . وذكر بعضهم أنه ما من سورة افتتحت بألم إلا وهي مشتملة على ثلاثة أمور بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش وإليها الإشارة بالاشتمال على المخارج الثلاثة الحلق واللسان والشفتين ، وزيد في هذه السورة على ذلك الصاد لما فيها مع ما ذكر من شرح القصص وهو كما ترى والله تعالى أعلم بمراده . (6/98)
كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
/ وقوله سبحانه : { كِتَابٌ } على بعض الاحتمالات خبر لمبتدأ محذوف أي هو أو ذلك كتاب ، وقوله سبحانه : { أَنزَلَ إِلَيْكَ } أي من عنده تعالى صفة له مشرفة لقدره وقدر من أنزل إليه صلى الله عليه وسلم . وبني الفعل للمفعول جرياً على سنن الكبرياء وإيذاناً بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهور تعينه وهو السر في ترك ذكر مبدأ الإنزال ، والتوصيف بالماضي إن كان الكتاب عبارة ، كالقرآن عن القدر المشترك بين الكل والجزء ظاهر ، وإن كان المجموع فلتحققه جعل كالماضي . واختار الزمخشري ومن وافقه أن المراد بالكتاب هنا السورة وفيه من المبالغة ما لا يخفى إن قلنا : إنه لم يطلق على البعض وإذا قلنا بإطلاقه على ذلك كما في قولهم : ثبت هذا الحكم بالكتاب فالأمر واضح . ومن الناس من جوز جعل { كِتَابٌ } مبتدأ والجملة بعده خبره على معنى كتاب أي كتاب أنزل إليك . ولا يخفى أن الأول أولى لأن هذا خلاف الأصل . وحذف المبتدأ أكثر من أن يحصى . (6/99)
{ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي شك كما قال ابن عباس وغيره . وأصله الضيق واستعماله في ذلك مجاز كما في «الأساس» علاقته اللزوم فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر كما أن المتيقن يعتريه انشراحه وانفساحه . والقرينة المانعة هو امتناع حقيقة الحرج والضيق من الكتاب وإن جوزتها فهو كناية . وعلى التقديرين هو قد صار حقيقة عرفية في ذلك كما قاله بعض المحققين .
وجوز أن يكون باقياً على حقيقته لكن في الكلام مضاف مقدر كخوف عدم القبول والتكذيب فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف قومه وتكذيبهم وإعراضهم عنه وأذاهم له . ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } [ هود : 12 ] الآية . وللأول قوله تعالى : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } [ يونس : 94 ] وقد يقال : إنه كناية عن الخوف والخوف كما يقع على المكروه يقع على سببه .
«وتوجيه النهي إلى الحرج بمعنى الشرك مع أن المراد نهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك قيل : إما للمبالغة في تنزيه ساحة الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك فإن النهي عن الشيء مما يوهم إمكان صدور المنهي عنه عن المنهي وإما للمبالغة في النهي فإن وقوع الشك في صدره عليه الصلاة والسلام سبب لاتصافه وحاشاه به والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني ونفى له بالمرة كما في قوله سبحانه : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ } [ المائدة : 8 ] وليس هذا من قبيل لا أرينك ههنا فإن النهي هناك وارد على المسبب مراداً به النهي عن السبب فيكون المآل نهيه عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يورث الحرج فتأمل» انتهى .
والذي ذهب إليه بعض المحققين أن المراد نهي المخاطب عن التعرض للحرج بطريق الكناية وأنه من قبيل لا أرينك ههنا في ذلك لما أن عدم كون الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرضاً للحرج كما أن عدم الرؤية من لوازم عدم الكون ههنا فالنافي لكونه من قبيل ذلك إن أراد الفرق بينهما باعتبار أن المراد في أحدهما النهي عن السبب والمراد المسبب وفي الآخر بالعكس فلا ضير فيه ، ولهذا عبر البعض باللزوم دون السببية . وإن أراد أنه ليس من الكناية أصلاً فباطل . نعم جوز أن يكون من المجاز . والمشهور أن الداعي لهذا التأويل أن الظاهر يستدعي نهي الحرج عن الكون في الصدر والحرج مما لا ينهى وله وجه وجيه فليفهم . (6/100)
والجملة على تقدير كون الحرج حقيقة كما يفهمه كلام الكشاف كناية عن عدم المبالات بالأعداء . وأياً ما كان فالتنوين في { حَرَجٌ } للتحقير ، و ( من ) متعلقة بما عندها أو بمحذوف وقع صفة له أي حرج ما كائن منه . والفاء تحتمل العطف إما على مقدر أي بلغه فلا يكن في صدرك الخ وإما على ما قبله بتأويل الخبر بالإنشاء أو عكسه أي تحقق إنزاله من الله تعالى إليك أو لا ينبغي لك الحرج وتحتمل الجواب كأنه قيل : إذا أنزل إليك فلا يكن الخ . وقال الفراء إنها اعتراضية ، وقال بعض المشايخ هي لترتيب النهي أو الانتهاء على مضمون الجملة إن كان المراد لا يكن في صدرك شك ما في حقيته فإنه مما يوجب انتفاء الشك فيما ذكر بالكلية وحصول اليقين به قطعاً ، ولترتيب ما ذكر على الإخبار بذلك لا على نفسه إن كان المراد لا يكن فيه شك في كونه كتاباً منزلاً إليك . وللترتيب على مضمون الجملة أو على الإخبار به إذا كان المراد لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة أن يكذبوك أو أن تقصر في القيام بحقه فإن كلاً منهما موجب للإقدام على التبليغ وزوال الخوف قطعاً وإن كان إيجاب الثاني بواسطة الأول . ولا يخفى ما في أوسط هذه الشقوق من النظر فتدبر .
{ لِتُنذِرَ بِهِ } أي بالكتاب المنزل . والفعل قيل إما منزل منزلة اللازم أو أنه حذف مفعوله لإفادة العموم ، وقد يقال : إنه حذف المفعول لدلالة ما سيأتي عليه . واللام متعلقة بأنزل عند الفراء وجملة النهي معترضة بين العلة ومعلولها وهو المعنى بما نقل عنه أنه على التقديم والتأخير . قيل : وهذا مما ينبغي التنبيه له فإن المتقدمين يجعلون الاعتراض على التقديم والتأخير لتخلله بين أجزاء كلام واحد وليس مرادهم أن في الكلام قلباً . ووجه التوسيط إما أن الترتيب على نفس الإنزال لا على الإنزال للإنذار وإما رعاية الاهتمام مع ما في ذلك على ما قيل من الإشارة إلى كفاية كل من الإنزال والإنذار في نفي الحرج .
أما كفاية الثاني فظاهرة لأن المخوف لا ينبغي أن يخاف من يخوفه ليتمكن من الإنذار على ما يجب . وأما كفاية الأول فلأن كون الكتاب البالغ غاية الكمال منزلاً عليه عليه الصلاة والسلام خاصة من بين سائر إخوانه الأنبياء عليهم السلام يقتضي كونه رحيب الصدر غير مبال بالباطل وأهله ، وعن ابن الأنباري أن اللام متعلقة بمتعلق الخبر أي لا يكن الحرج مستقراً في صدرك لأجل الإنذار ، وقيل : إنها متعلقة بفعل النهي وهو الكون بناءً على جواز تعلق الجار بكان الناقصة لدلالتها على الحدث على الصحيح ، وقيل : يجوز أن يتعلق بحرج على معنى أن الحرج للإنذار والضيق له لا ينبغي أن يكون . وقال العلامة الثاني : إنه معمول للطلب أو المطلوب أعني انتفاء الحرج وهذا أظهر لا للمنهي أي الفعل الداخل عليه النهي كما قيل لفساد المعنى . وأطلق الزمخشري تعلقه بالنهي ، واعترض بأنه لا يتأتى على التفسير الأول للحرج لأن تعليل النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكير مع إيهامه لإمكان صدوره عنه صلى الله عليه وسلم مشعر بأن المنهي عنه ليس بمحذور لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذار والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظم غائلته ولا ريب في فساده ، وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى التعليل بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبة خوف حتى يجعل غاية لانتفائه؛ وأنت خبير بأن كون المنهى عنه محذوراً لذاته ظاهر ظهور نار القرى ليلاً على علم فلا يكاد يتوهم نقيضه . والقول بأنه لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظم غائلته لا فساد فيه بناءً على ما يقتضيه المقام وإن كان بعض غوائله في نفس الأمر أعظم من ذلك وأن الآية ليست نصاً في تعليل النهي بالإنذار والتذكير كما سيتضح لك قريباً إن شاء الله تعالى حتى يتأتى الاعتراض نظراً للتفسير الثاني ، سلمنا أنها نص لكنا نقول : لم لا يجوز أن يكون ذلك من قبيل قوله تعالى : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } [ الفتح : 1 ، 2 ] الآية . (6/101)
{ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } نصب بإضمار فعله عطفاً على ( تنذر ) أي وتذكر المؤمنين تذكيراً . ومنع الزمخشري فيما نقل عنه العطف بالنصب على محل { لّتُنذِرَ } معللاً بأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل المعلل واحداً حتى يجوز حذف اللام منه . ويمكن كما في «الكشف» أن يقال : لا منع من أن يكون التذكير فعل المنزل الحق تعالى إلا أنه يفوت التقابل بين الإنذار والتذكير . نعم يحتمل الجر بالعطف على المحل أي للإنذار والتذكير .
ويحتمل الرفع على أنه معطوف على { كِتَابٌ } أو خبر مبتدأ محذوف أي هو ذكرى ، والفرق بين الوجهين على ما في «الكشف» أن الأول معناه أن هذا جامع بين الأمرين كونه كتاباً كاملاً في شأنه بالغاً حد الإعجاز في حسن بيانه وكونه ذكرى للمؤمنين يذكرهم المبدأ والمعاد . والثاني يفيد أن هذا المقيد بكونه كتاباً من شأنه كيت وكيت هو ذكرى للمؤمنين ويكون من عطف الجملة على الجملة فيفيد استقلاله بكل من الأمرين وهذا أولى ، لفظاً ومعنى وتخصيص التذكير بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به أو للإيذان باختصاص الإنذار بالكافرين وتقديم الإنذار لأنه أهم بحسب المقام . (6/102)
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)
{ اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } خطاب لكافة المكلفين ، والمراد بالموصول الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم كما روي عن قتادة إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر وجعل منزلاً إليهم لتأكيد وجوب الاتباع؛ وقيل : المراد به ما يعم الكتاب والسنة فليس من وضع المظهر موضع المضمر . وإيثاره لفائدة التعميم وتشميم من أسلوب قول الأنمارية هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها وتتميم لشرح الصدر فإنه لما شجع أمر الجميع باتباع جميع ما يرسمه ليكون أدعى لانشراح صدره عليه الصلاة والسلام ورحب ذراعه . ولا يخفى أن هذا الحمل بعيد . نعم يعم السنة بأقسامها الحكم بطريق الدلالة لا بطريق العبارة ، و { مِنْ } متعلقة بأنزل على أنها لابتداء الغاية مجازاً أو بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من ضميره في الصلة ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين مزيد لطف بهم وترغيب لهم في الامتثال بما أمروا به وتأكيد لوجوبه إثر تأكيد . (6/103)
{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } الضمير المجرور عائد إلى { رَبُّكُمْ } والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل فعل النهي أي ولا تتبعوا متجاوزين ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق أولياء من الشياطين والكهان بأن تقبلوا منهم ما يلقونه إليكم من الأباطيل ليضلوكم عن الحق بعد إذ جاءكم ويحملوكم على البدع والأهواء الزائغة . ويجوز أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من { أَوْلِيَاء } قدم عليه لكونه نكرة أي أولياء كائنة غيره تعالى ، وأن يكون متعلقاً بالفعل قبله أي تعدلوا عنه سبحانه إلى غيره . ولما كان اتباع ما أنزله سبحانه جل وعلا اتباعاً له عز شأنه عقب الأمر السابق بهذا النهي ، وقيل : الضمير لما أنزل على حذف مضاف في { أَوْلِيَاء } أي لا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء ، وكأنه قيل : ولا تتبعوا من دون دين ربكم دين أولياء ، وذلك التقدير لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم ، وجوز كون الضمير للمصدر أي لا تتبعوا أولياء اتباعاً من دون اتباعكم ما أنزل إليكم وفيه بعد . وقرأ مجاهد { تَبْتَغُواْ } بالغين المعجمة من الابتغاء .
{ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون لا كثيراً حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون الحق وتتبعون غيره ، فقليلاً نعت مصدر أو زمان محذوف أقيم مقامه ونصبه بالفعل بعده وقدم عليه للقصر ، و { مَا } مزيد لتأكيد القلة لأنها تفيدها في نحو أكلت أكلاً ما فهي ههنا قلة على قلة ، والظاهر من القلة معناها ، وجوز أن يراد بها العدم كما في قوله تعالى : { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }
[ البقرة : 88 ] وأجيز أن يكون { قَلِيلاً } نعت مصدر لتتبعوا أي اتباعاً قليلاً ، قيل : ويضعفه أنه لا معنى حينئذٍ لقوله سبحانه : { تَذَكَّرُونَ } وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضر لأنه يفهم منه غيره بالطريق البرهاني ، وأن يكون حالاً من فاعل { لاَ تَتَّبِعُواْ } و ( ما ) مصدرية أو موصولة فاعل له كما قيل ذلك في قوله تعالى : { كَانُواْ قَلِيلاً مّن اليل مَا يَهْجَعُونَ } [ الذاريات : 17 ] والنهي متوجه إلى القيد والمقيد جميعاً واعترض بأنه لا طائل تحت معناه وأن وجه بما وجه ، وأن يكون ( ما ) مصدرية أو موصولة مبتدأ ، و { قَلِيلاً } على معنى زماناً قليلاً خبره ، وقيل : إن ( ما ) نافية و { قَلِيلاً } معمول لما بعده ، والكوفيون يجوزون عمل ما بعد ( ما ) النافية فيما قبلها ، والمعنى ما تذكرون قليلاً فكيف تذكرون كثيراً وليس بشيء . (6/104)
وقرأ حمزة والكسائي وحفص { تَذَكَّرُونَ } بحذف إحدى التاءين وذال مخففة . وقرأ ابن عامر { يَتَذَكَّرُونَ } بياء تحتية ومثناة فوقية وذال مخففة ، وفي طريق شاذة عنه بتاءين فوقيتين . وقرأ الباقون بتاء فوقية وذال مشددة على إدغام التاء المهموسة في الذال المجهورة ، والجملة على ما قاله غير واحد اعتراض تذييلي مسوق لتقبيح حال المخاطبين ، والالتفات على القراءة المشهورة عن ابن عامر للإيذان باقتضاء سوء حالهم في عدم الامتثال بالأمر والنهي صرف الخطاب عنهم ، وحكاية جناياتهم لغيرهم بطريق المباتة ولا حجة في الآية لنفاة القياس كما لا يخفى .
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)
{ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها } شروع في تذكيرهم وإنذارهم ما نزل بمن قبلهم من العذاب بسبب إعراضهم عن دين الله تعالى وإصرارهم على أباطيل أوليائهم ، و { كَمْ } خبرية للتكثير في محل رفع على الابتداء؛ والجملة بعدها خبرها و { مِنْ } سيف خطيب و { قَرْيَةٌ } تمييز . ويجوز أن يكون محل { كَمْ } نصباً على الاشتغال ، وضمير { أهلكناها } راجع إلى معنى كم فإن المعنى قرى كثيرة أهلكناها ، والمراد بإهلاكها إرادة إهلاكها مجازاً كما في قوله تعالى : { إِذَا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] الآية فلا إشكال في التعقيب الذي تفهمه الفاء في قوله سبحانه : { فَجَاءهَا بَأْسُنَا } أي عذابنا ، واعترض هذا الجواب بعض المدققين بأن فيه إشكالاً أصولياً ، وهو أن الإرادة إن كانت باعتبار تعلقها التنجيزي فمجىء البأس مقارن لها لا متعقب لها وبعدها ، وإن لم يرد ذلك فهي قديمة فإن كان البأس يعقبها لزم قدم العالم وإن تأخر عنها لزم العطف بثم . وأجيب بأن المراد التعلق التنجيزي قبل الوقوع أي قصدنا إهلاكها فتدبر ، وقيل : إن المراد بالإهلاك الخذلان وعدم التوفيق فهو استعارة أو من إطلاق المسبب على السبب ، وإلى هذا يشير كلام ابن عطية وتعقب بأنه اعتزالي وأن الصواب أن يقال : معناه خلقنا في أهلها الفسق والمخالفة فجاءها بأسنا ، وقيل : المراد حكمنا بإهلاكها فجاءها ، وقيل : الفاء تفسيرية نحو توضأ فغسل وجهه الخ . وقيل : إن الفاء للترتيب الذكري . وقال ابن عصفور : إن المراد أهلكناها هلاكاً من غير استئصال فجاءها هلاك الاستئصال ، وقال الفراء : الفاء بمعنى الواو أو المراد فظهر مجىء بأسنا واشتهر ، وقيل : الكلام على القلب وفيه تقديم وتأخير أي أهلكناها بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائلُونَ فجاءها بأسنا فالإهلاك في الدنيا ومجىء البأس في الآخرة فيشمل الكلام عذاب الدارين ، ويأباه ما بعد إباء ظاهراً فإنه يدل على أن العذاب في الدنيا ، وقدر غير واحد في النظم الكريم مضافاً أي فجاء أهلها . (6/105)
وجوز بعضهم الحمل على الاستخدام لأن القرية تطلق على أهلها مجازاً ، ومن الناس من قدر في الأول المضاف أيضاً مع أن القرية تتصف بالهلاك وهو الخراب .
والبيات في الأصل مصدر بات يبيت بيتاً وبيتة وبياتاً وبيتوتة ، وذكر الراغب : «أن البيات وكذا التبييت قصد العدو ليلاً» . وقال الليث : البيتوتة الدخول في الليل ، ونصبه على الحال بتأويله ببائتين . وجوز أن يكون على الظرفية وهو خلاف الظاهر ، واحتمال النصب على المفعولية له كما زعم أبو البقاء مما لا يلتفت إليه . و ( أو ) للتنويع وما بعدها عطف على الحال وهو في موضع الحال أيضاً وأضمرت فيه الواو كما قال ابن الأنباري لوضوح المعنى ومن أجل أن ( أو ) حرف عطف والواو كذلك فاستثقلوا الجمع بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني ، ونقل ذلك عن الفراء أيضاً .
وتعقب بأن واو الحال مغايرة لواو العطف بكل حال وهي قسم من أقسام الواو كواو القسم بدليل أنها تقع حيث لا يمكن أن يكون ما قبلها حالاً وكونها للعطف يقتضي أن لا تقع إلا حيث يكون ما قبلها حالا حتى تعطف حالا على حال . وقال ابن المنير : «إن هذه الواو لا بد أن تمتاز عن واو العطف بمزية ألا تراها تصحب الجملة الاسمية بعد الفعلية [ في قولك : جاءني زيد وهو راكب ] ولو كانت عاطفة مجردة لاستقبح توسطها بين المتغايرين ( وإن لم يكن قبيحاً فالأفصح ) خلافه وحيث رأيناها تتوسط ( بينهما ) ( 1 ) والكلام ( حينئذ ) ( 1 ) هو الأفصح أو المتعين علمنا امتيازها ( بمعنى وخاصية ) عن واو العطف وإذا ثبت ذلك فلا غرو في اجتماعهما . وإن كان فيها معنى العطف مضافاً إلى تلك الخاصية فإما أن تسلبه حينئذ لغناء العاطفة عنها أو تستمر عليه ( وتجامع أو كما تجامع الواو لكن في الفصيح ) لما فيها من زيادة معنى الاستدراك ( في مثل قوله { ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 12 ] وعلى هذا فالاجتماع ممكن بلا كراهية ، فلو قلت : سَبِّحِ الله تعالى وأنت راكع أو وأنت ساجد لكان فصيحاً لا خبث فيه ولا كراهة» خلافاً لأبي حيان مدعياً أن النحويين نصوا على أن الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتنع دخول واو الحال عليها للمشابهة اللفظية فالمثال على هذا غير صحيح ، وظاهر كلام الزمخشري أن هذه الواو واو العطف في الأصل ثم استعيرت للحال لما فيها من الربط فقد خرجت عن العطف واستعملت لمعنى آخر لكنها أعطيت حكم أصلها في امتناع مجامعتها لعاطف آخر ، وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام ذينك الإمامين وهذا مذهب لهما ولمن اتبعهما . (6/106)
وقال بعض النحاة : إن الضمير هنا مغن عن إضمار الواو والاكتفاء به غير شاذ كما قيل بل هو أكثر من رمل يبرين ومها فلسطين ، وقد نقل عن الزمخشري الرجوع إلى هذا القول والمسألة خلافية وفيها تفصيل . ففي «البديع» الاسمية الحالية لا تخلو من أن تكون من سبب ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو تقول : جاء زيد وأبوه منطلق وخرج عمرو ويده على رأسه إلا ما شذ من قولهم : كلمته فوه إلى في . وإن كانت أجنبية لزمتها الواو ونابت عن العائد . وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو وبشر قام إليه وقد جاءت بلا واو ولا ضمير كما في قوله :
ثم انتصينا جبال الصفد معرضة ... عن اليسار وعن إيماننا جدد
فإن جبال الصفد معرضة حال بلا واو ولا ضمير . وعن الشيخ عبد القاهر جعل ذلك على قسمين ما يلزمه الواو مطلقاً وهو ما إذا صدر بضمير ذي الحال نحو جاء زيد وهو يسرع لأن إعادة ضميره تقتضي أن الجملة مستأنفة لئلا تلغو الإعادة فإذا لم يقصد الاستئناف فلا بد من الواو وما عداه تلزمه الواو في الفصيح إلا على طريق التشبيه بالمفرد والتأويل فإنه حينئذ قد تترك الواو جوازاً ، وقيل ولم يسلم : إن الضابط في ذلك أنه إذا كان المبتدأ ضمير ذي الحال تجب الواو وإلا فإن كان الضمير فيما صدر به الجملة سواء كان مبتدأ نحو فوه إلى في و
{ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } [ البقرة : 36 ] أو خبراً نحو وجدته حاضراه الجود والكرم فلا يحكم بضعفه لكونه الرابط في أول الجملة وإلا فضعيف قليل . (6/107)
وقال ابن مالك وتبعه ابن هشام ونقل عن السكاكي : إنه إذا كانت الجملة الاسمية مؤكدة لزم الضمير وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه و { ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ البقرة : 2 ] ، واختار ابن المنير «أن المصحح لوقوع هذه الجملة هنا حالاً من غير واو هو العاطف إذ يقتضي مشاركة الجملة الثانية لما عطفت عليه في الحالية فيستغني عن واو الحال كما أنك تعطف على المقسم به فتدخله في حكم القسم من غير واو نحو ( موقعة ) ( 1 ) { واليل إِذَا يغشى * والنهار إِذَا تجلى } [ الليل : 1 ، 2 ] وقوله سبحانه : { فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس * الجوار الكنس * واليل إِذَا عَسْعَسَ } [ التكوير : 15 17 ] ويستغنى عن تكرار حرف القسم بنيابة العاطف منابه» فليفهم . وأياً ما كان فحاصل المعنى أتاهم عذابنا تارة ليلاً كقوم لوط عليه السلام وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب عليه السلام .
والقيلولة من قال يقيل فهو قائل ويقال قيلا وقائلة ( وميقالاً ) ومقيلاً ، وهي كما في «القاموس» نصف النهار ، أو هي ( الراحة والدعة ) نصف النهار وإن لم يكن معها نوم كما في «النهاية» ، واستدل له بقوله تعالى : { أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } إذ الجنة لا نوم فيها . وقال الليث : هي نومة نصف النهار ، ودفع الاستدلال بأن ذلك مجاز ، وإنما خص إنزال العذاب عليهم في هذين الوقتين لما أن نزول المكروه عند الغفلة والدعة أفظع وحكايته للسامعين أزجر وأردع عن الاغترار بأسباب الأمن والراحة ، وفي التعبير في الحال الأولى بالمصدر وجعلها عين البيات وفي الحال الثانية بالجملة الاسمية المفيدة في المشهور للثبوت مع تقديم المسند إليه المفيد للتقوى ما لا يخفى من المبالغة ، وكذا في وصف الكل بوصف البيات والقيلولة مع أن بعض المهلكين بمعزل منهما إيذان بكمال الأمن والغفلة ، وفي هذا ذم لهم بالغفلة عما هم بصدده ، وإنما خولف بين العبارتين على ما قيل وبنيت الحال الثانية على تقوى الحكم والدلالة على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لأن القيلولة أظهر في إرادة الدعة وخفض العيش فإنها من دأب المترفين والمتنعمين دون من اعتاد الكدح والتعب . وفيه إشارة إلى أنهم أرباب أشر وبطر .
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)
{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } أي دعاؤهم واستغاثتهم كما في قوله تعالى : { دعواهم فِيهَا } [ يونس : 10 ] وقول بعض العرب فيما حكاه الخليل وسيبويه : اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين أو ادعاءهم كما هو المشهور في معنى الدعوى { إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا } عذابنا وشاهدوا أماراته { إِلاَّ أَن قَالُواْ } جميعاً { إِنَّا كُنَّا ظالمين } أي إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وشهادتهم ببطلانه تحسراً ( عليه ) وندامة وطمعاً في الخلاص وهيهات ولات حين نجاة . وفي جعل هذا الاعتراف عين ذلك مبالغة على حد قوله (6/108)
: تحية بينهم ضرب وجيع ... و { دَعْوَاهُمْ } يجوز فيه كما قال أبو البقاء أن يكون اسم كان والخبر { إِلاَّ أَن قَالُواْ } أن يكون هو الخبر و { إِلاَّ أَن قَالُواْ } الاسم ، ورجح الثاني بأن جعل الأعراف اسماً هو المعروف في كلامهم . والمصدر هنا يشبه المضمر لأنه لا يوصف وهو أعرف من المضاف . وأورد عليه أن الاسم والخبر إذا كانا معرفتين وإعرابهما غير ظاهر لا يجوز تقديم أحدهما على الآخر فتعين الأول . وأجيب عنه بأن ذلك عند عدم القرينة والقرينة هنا كون الثاني أعرف وترك التأنيث ، وأيضاً ذاك لم يكن حصر فإن كان يلاحظ ما يقتضيه . ورجح في «الكشف» الثاني بأنه الوجه المطابق لنظائره في القرآن . والمعنى عليه أشد ملاءمة لأن الفرض أن قولاً آخر لم يقع هذا الموقع ، فالمقصود الحكم على القول المخصوص بأنه هو الدعاء وزيد تأكيداً بإدخال أداة القصر ، وليس من التقديم في شيء لأن حق المقصور عليه التأخير أبداً فتأمل وتذكر .
فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)
{ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } بيان كما قال الطبرسي لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي خلا أنه تعرض كما قيل لبيان مبادي أحوال المكلفين جميعاً لكونه أدخل في التهويل . والفاء عند البعض لترتيب الأحوال الأخروية على الدنيوية ذكراً حسب ترتبها عليها وجوداً . وذكر العلامة الطيبي أن الفاء فصيحة على معني فما كان دعواهم في الدنيا إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا فقطعنا دابرهم ثم لنحشرنهم فلنسألنهم ، ووضع على هذا الظاهر موضع الضمير لمزيد التقرير . وقال في «الكشف» : لعل الأوجه أن يجعل هذا متعلقاً بقوله تعالى : { اتبعوا * وَلاَ تَتَّبِعُواْ } [ الأعراف : 3 ] ويجعل قوله سبحانه : { وَكَم مّن قَرْيَةٍ } [ الأعراف : 4 ] الخ معترضاً حثا على الاعتبار بحال السابقين ليتشمروا في الاتباع اه . والأمر عند من جعل الكلام السابق على التقديم والتأخير وادعى أن مجيء البأس في الآخرة سهل كما لا يخفى ، أي لنسألن الأمم قاطبة أو هؤلاء قائلين ماذا أجبتم المرسلين؟ . (6/109)
{ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } ماذا أجيبوا ، والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم ، والمنفي في قوله تعالى : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] سؤال الاستعلام فلا منافاة بين الآيتين ، وجمع آخرون بينهما بأن للمثبت موقفاً وللمنفي آخر . وقال الإمام : «إنهم لا يسألون عن الأعمال ( أي ما فعلتم ) ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال والصوارف التي صرفتهم عنها» أي لم كان كذا ، وقيل : معنى { لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } لا يعاقب بذنبه غيره ، وقيل : المراد من الذين أرسل إليهم الأنبياء ومن المرسلين الملائكة الذين بلغوهم رسالات ربهم . وروي ذلك عن فرقد وهو كما ترى ، وقيل : لا حاجة إلى التوفيق فإن المنفى هو السؤال عن الذنب لا مطلق السؤال . ورد بأن عدم قبول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذنب وأي ذنب فسؤالهم عنه ينافيه وفيه نظر .
وتخصيص سؤال المرسلين عليهم السلام بما ذكرنا هو الذي يشهد به الأخبار وتدل عليه الآثار ، وفي القرآن ما يؤيد ذلك فقد قال سبحانه : { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } [ المائدة : 109 ] وتخصيص سؤال الذين أرسل إليهم بما تقدم هو الذي جرى عليه جماعة من المفسرين . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه يقال للذين أرسل إليهم : هل بلغكم الرسل؟ ويقال للمرسلين : ماذا ردوا عليكم . وأخرج أيضاً عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه تلا هذه الآية فقال يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال يقول ربك : ألم أجعل لك جسداً ففيم أبليته؟ ألم أجل لك علماً ففيم عملت بما علمت؟ ألم أجعل لك ماًلا ففيم أنفقته في طاعتي أم في معصيتي؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته؟ . وأخرج هو وغيره عن طاوس أنه قرأ ذلك فقال الإمام : يسأل عن الناس والرجل يسأل عن أهله والمرأة تسأل عن بيت زوجها والعبد يسأل عن مال سيده ، ولعل الظاهر أن سؤال كل من المرسل إليهم والمرسلين هنا عن أمر يتعلق بصاحبه ، ولا يأبى هذا أن المكلفين يسألون عن أمور أخر والمواقف يوم القيامة شتى ويسأل السيد ذو الجلال عباده فيها عن مقاصد عديدة فطوبى لمن أحذ بعضده السعد فأجاب بما ينجيه .
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)
{ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم } قيل أي على الرسل حين يكلون الأمر إلى علمه تعالى ويقولون : { لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } [ المائدة : 109 ] أو عليهم وعلى المرسل إليهم جميعاً جميع أحوالهم . وعن ابن عباس أنه ينطق عليهم كتاب أعمالهم { بِعِلْمِ } أي عالمين بظواهرهم وبواطنهم أو بمعلومنا منهم ، والباء على الأول للملابسة؛ والجار والمجرور حال من فاعل ( نقص ) ، وعلى الثاني الباء متعلق بنقص { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عنهم في حال من الأحوال ، والمراد الإحاطة التامة بأحوالهم وأفعالهم بحيث لا يشذ منها شيء عن علمه سبحانه ، والجملة إما حال أو استئناف لتأكيد ما قبله . (6/110)
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)
والوزن } أي وزن الأعمال والتمييز بين الراجح منها والخفيف والجيد والرديء ، وهو مبتدأ وقوله تعالى : { * } أي وزن الأعمال والتمييز بين الراجح منها والخفيف والجيد والرديء ، وهو مبتدأ وقوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ } متعلق بمحذوف خبره ، وقوله تعالى : { الحق } صفته أي والوزن الحق ثابت يوم إذ يكون السؤال والقص . واختار هذا بعض من المعربين ، وقيل : الظاهر أن { الحق } خبر و { يَوْمَئِذٍ } ظرف للوزن لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف . ولعل وجه عدم اختيار هذا أن فيه أعمال المصدر المعرف وهو قليل . وفي «الكشف» ليس المعنى على أن الوزن هو الحق بل أن الوزن الحق يكون يومئذ ألا يرى إلى قوله سبحانه : { وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة } [ الأنبياء : 47 ] وذكر الأصفهاني في شرح اللمع لابن جني أن ( الحق ) بدل من الضمير المستتر في الظرف ، وهو وجه حسن إلا أن الأول رجح جانب المعنى ولم يبال بالفصل بالخبر لاتحاده من وجه بالمبتدأ لا سيما والظرف يتوسع فيه . وجوز أبو البقاء أن يكون ( الحق ) خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل : ما ذلك الوزن؟ فقيل : هو الحق أي العدل السوي . وأن يكون ( الوزن ) خبر مبتدأ محذوف أيضاً أي هذا الوزن وهو كما ترى . وقرىء { القسط } «والوزن كما قال الراغب معرفة قدر الشيء يقال : وزنته وزنا وزنة ، والمتعارف فيه عند العامة ما يقدر ( بالقسطاس ) والقبان» . واختلف في كيفيته يوم القيامة . (6/111)
والجمهور كما قال القاضي على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان لينظر إليه الخلائق إظهاراً للمعادلة وقطعاً للمعذرة كما يسألون عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم . ولا تعرض لهم لماهية هاتيك الصحائف والله تعالى أعلم بحقيقتها . ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر فيقول سبحانه : أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون فيقول : لا يا رب فيقول سبحانه أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول لا يا رب فيقول جل شأنه : بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال : إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات ثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء "
وهذه الشهادة على ما قاله القرطبي نقلاً عن الحيكم الترمذي ليست شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في إحدى كفتيه شيء وفي الأخرى ضده فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة ومن المستحيل أن يؤتى لعبد واحد بكفر وإيمان معاً فيستحيل أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد الإيمان فإن النطق بهذه الكلمة الطيبة حسنة فتوضع في الميزان كسائر الحسنات . وأيد ذلك بقوله جل وعلا في الحديث : " إن لك عندنا حسنة " دون أن يقول سبحانه : إيماناً . وجوز أن يكون المراد هذه الكلمة إذا كانت آخر كلامه في الدنيا . وجوز غيره أن تكون كلمة التوحيد ، ومنع لزوم وضع الضد في الكفة الأخرى ليلزم المحال فتدبر . (6/112)
وجاء في خبر آخر أخرجه ابن أبي الدنيا والنميري في كتاب «الإعلام» عن عبد الله أيضاً قال : إن لآدم عليه السلام من الله عز وجل موقفا في فسح من العرش عليه ثوبان أخضران كأنه نخلة سحوق ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة ومن ينطلق به إلى النار فبينا آدم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينطلق به إلى النار فينادي آدم عليه السلام يا أحمد يا أحمد فيقول عليه الصلاة والسلام : لبيك يا أبا البشر فيقول : هذا رجل من أمتك ينطلق به إلى النار قال صلى الله عليه وسلم : فأشد المئزر وأسرع في أثر الملائكة فأقول : يا رسل ربي قفوا فيقولون . نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصي الله تعالى ما أمرنا ونفعل ما نؤمر فإذا أيس النبي صلى الله عليه وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه فيقول : يا رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي فيأتي النداء من قبل العرش أطيعوا محمداً وردوا هذا العبد إلى المقام فيخرج صلى الله عليه وسلم بطاقة بيضاء كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى وهو يقول بسم الله فترجح الحسنات على السيئات فينادي المنادي سعد وسعد جده وثقلت موازينه انطلقوا به إلى الجنة فيقول يا رسل ربي : قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه فيقول : يا بني أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت؟ فقد أقلتني عثرتي ورحمت عبرتي فيقول عليه الصلاة والسلام . أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي وفيتكها أحوج ما تكون إليها انتهى .
ولعل فعل مثل هذا إذا صح الخبر مبالغة في إظهار كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على ربه عز وجل بين الأولين والآخرين . وقيل : توزن الأشخاص ، واحتجوا له بما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : « إنه ليؤتى العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة ولا أدري على هذا ما يوضع في الكفة الأخرى من الميزان إذا وضع المذنب في إحداهما ، ووضع شخص في مقابلة شخص لا أراه إلا كما ترى ، والخبر ليس نصاً في الدعوى كما لا يخفى ، وقيل : إن هذه الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية تظهر في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح ، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وصححه غير واحد وقال : إن عليه الاعتقاد ، وفي الآثار ما يؤيده .
فقد أخرج ابن عبد البر عن إبراهيم النخعي قال : يجاء بعمل الرجل فيوضع بكفة ميزانه يوم القيامة فيخف فيجاء بشيء أمثال الغمام فيوضع في كفة ميزانه فيرجحه فيقال له : أتدري ما هذا؟ فيقول : لا فيقال له : هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس ، وأخرج ابن المبارك عن حماد بن أبي سليمان بمعناه . (6/113)
وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل ، واستعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكتاية وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك ، وإليه ذهب المعتزلة إلا أن منهم من جوز الوزن بالمعنى المتعارف عقلاً وإن لم يقض بثبوته كالعلاف وبشر بن المعتمر ، ومنهم من أحاله لأن الأعمال أعراض وهي مما لا تبقى ومما لا يمكن إعادتها ، سلمنا بقاءها أو إمكان إعادتها لكنها أعراض والأعراض يمتنع وزنها إذ لا توصف بثقل ولا خفة ، سلمنا إمكان وزنها لكن لا فائدة في ذلك إذ المقصود إنما هو العلم بتفاوت الأعمال والله تعالى عالم بذلك وما لا فائدة فيه ففعله قبيح والرب تعالى منزه عن فعل القبيح ، وجوابه يعلم مما قدمنا .
وفسر هؤلاء الميزان بالعدل والإنصاف . واعترض الآمدي على ذلك بأن الميزان موصوف بالثقل والخفة ، والعدل والإنصاف لا يوصفان بذلك ، وفي الأخبار ما هو صريح في أن الميزان جسماني ، فقد أخرج الحاكم وصححه عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسع فتقول الملائكة : يا رب من يزن هذا؟ فيقول الله تعالى : من شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك " وفي رواية ابن المبارك واللالكائي عنه قال : يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه فتقول الملائكة من يزد هذا؟ الحديث . وأخرج ابن مردويه عن عائشة " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «خلق الله تعالى كفتيْ الميزان مثل السموات والأرض فقال الملائكة : يا ربنا من تزن بهذا؟ فقال : أزن به من شئت " وفي بعض الآثار " أن الله تعالى كشف عن بصر داود عليه السلام فرأى من الميزان ما هاله حتى أغمي عليه فلما أفاق قال : يا رب من يملأ كفة هذا حسنات فقال جل شأنه : يا داود إذا رضيت عن عبد ملأتها بشق تمرة تصدق بها "
إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة . فالأولى كما قال الزجاج اتباع ما جاء في الأحاديث ولا مقتضي للعدول عن ذلك ، فإن قيل : إن المكلف يوم القيامة إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن الجور فيكفيه حكمه تعالى بكيفيات الأعمال وكمياتها وإما منكر له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على بعض لخصوصيات راجعة إلى ذوات تلك الأعمال بل يسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه فما الفائدة في الوزن؟ أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحسن والقبح وغير ذلك وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في أنها هي التي كانت في الدنيا بعينها وإن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقية المستتبعة لصفاته ولا يخطر بباله خلاف ذلك قاله بعض المحققين والله تعالى أعلم بحقيقة الحال . (6/114)
{ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن ، والموازين إما جمع ميزان وجمعه مع أن المشهور الصحيح أن الميزان مطلقاً واحد باعتبار تعدد الأوزان أو الموزونات ، وكذا إذا قلنا بأن ميزان كل شخص واحد وفي الكلام مضاف مقدر أي كفة موازينه ، وإما جمع موزون وإضافته للعهد ، لترتب الفلاح على ذلك فالمراد الحسنات ، والجمع على هذا ظاهر ، وكذا لو قلنا إن لكل عمل ميزاناً { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة ، والجمعية باعتبار معناه كما أن إفراد ضمير { موازينه } العائد إليه باعتبار لفظه ، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة ، وهو مبتدأ و { هُمْ } إما ضمير فصل يفصل به بين الخبر والصفة ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه و { المفلحون } أي الفائزون بالنجاة والثواب خبر . وإما مبتدأ ثان و { المفلحون } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول ، وتعريف المفلحين للدلالة على أنهم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون في الآخرة أو إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصائصهم . { وَمَنْ خَفَّتْ موازينه فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بتضييع فطرة الإسلام التي ما من مولود إلا يولد عليها أو فطرة الخير الذي هو أصل الجبلة .
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)
وقوله تعالى : { بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ } متعلق بخسروا ، وما مصدرية و { بئاياتنا } متعلق بيظلمون؛ وقدم عليه للفاصلة ، وعدى الظلم بالباء لتضمنه معنى التكذيب أو الجحود ، والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للدلالة على استمرار الظلم في الدنيا . وظاهر النظم الكريم أن الوزن ليس مختصاً بالمسلمين بل الكفار أيضاً توزن أعمالهم التي لا توقف لها على الإسلام وإلى ذلك ذهب البعض . وادعى القرطبي أن الصحيح أنه يخفف بها عذابهم وإن لم تكن راجحة كما ورد في حق أبي طالب . وذهب الكثير إلى أن الوزن مختص بالمسلمين . وأما الكفار فتحبط أعمالهم كيفما كانت ، وهو أحد الوجهين في قوله تعالى : { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } [ الكهف : 105 ] ولا يخفف بها عنهم من العذاب شيء ، وما ورد من التخفيف عن أبي طالب فقد قال السخاوي : إن المعتمد أنه مخصوص به ، وعلى هذا فلا بد من ارتكاب خلاف الظاهر في الآية ، وهي على كلا التقديرين ساكتة عن بيان حال من تساوت حسناته وسيئاته وهم أهل الأعراف على قول . ومن هنا استدل بها بعضهم على عدم وجود هذا القسم ، ورد بأنه قد يدرج في القسم الأول لقوله سبحانه : { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ * شَيْئاً *عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 102 ] وعسى من الله تعالى تحقيق كما صرحوا به وفيه نظر . (6/115)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)
{ وَلَقَدْ مكناكم فِى الارض } ترغيب في قبول دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بتذكير النعم إثر ترهيب . وذكر الطيبي أن هذا نوع آخر من الإنذار فإنه جملة قسمية معطوفة على قوله سبحانه : { اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } [ الأعراف : 3 ] على تقدير قل اتبعوا وقل والله لقد مكناكم ، والمعنى جعلنا لكم في الأرض مكاناً وقراراً . وقيل : أقدرناكم على التصرف فيها فهو حينئذ كناية ورجحت هنا الحقيقة . (6/116)
{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } أي ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب ونحوها أو ما تتوصلون به إلى ذلك ، وهو في الأصل مصدر عاش يعيش عيشاً وعيشة ومعاشا ومعيشة بوزن مفعلة ، والجمهور على التصريح بالياء فيها ، وروي عن نافع ( معائش ) بالهمز وغلطه النحويون ومنهم سيبويه في ذلك لأنه لا يهمز عندهم بعد ألف الجمع إلا الياء الزائدة كصحيفة وصحائف وأما معايش فياؤه أصلية هي عين الكلمة لأنها من العيش وبالغ أبو عثمان فقال : إن نافعا لم يكن يدري بالعربية ، وتعقب ذلك بأن هذه القراءة وإن كانت شاذة غير متواترة مأخوذة من الفصحاء الثقات والعرب قد تشبه الأصلي بالزائد لكونه على صورته ، وقد سمع هذا عنهم فيما ذكر وفي مصائب ومنائر أيضاً . وقول سيبويه : إنها غلط يمكن أن يراد به أنها خارجة عن الجادة والقياس ، وكثيراً ما يستعمل الغلط في كتابه بهذا المعنى .
والجعل بمعنى الإنشاء والإبداع وكل واحد من الظرفين متعلق به أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله المنكر إذ لو تأخر لكان صفة له؛ وتقديمهما على المفعول مع أن حقهما التأخير عنه كما قال بعض المحققين للاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر فإن النفس عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما عند كون المقدم منبئاً عن منفعة السامع تبقى مترقبة لورود المؤخر فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن ، وأما تقديم اللام على في فلما أنه المنبىء عما ذكر من المنفعة والاعتناء بشأنه أتم والمسارعة إلى ذكره أهم ، وقيل : إن الجعل متعد إلى مفعولين ثانيهما أحد الظرفين على أنه مستقر قدم على الأول ، والظرف الآخر إما لغو متعلق بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالاً من المفعول الأول كما مر ، واعترض بأنه لا فائدة يعتد بها في الأخبار بجعل المعايش حاصلة لهم أو حاصلة في الأرض .
{ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } تلك النعمة الجسيمة ، وهو تذييل مسوق لبيان سوء ( حال ) المخاطبين وتحذيرهم قال الطيبي : والتذييل بذلك لأن الشكر مناسب لتمكينهم في البلاد والتصرف فيها كما أن التذكر في الجملة السابقة موافق للتمييز بين اتباع دين الحق ودين الباطل ، وبقية الكلام في هذه الجملة على طرز ما مر في نظيرها فتذكر .
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)
{ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } تذكير لنعمة أخرى ، وتأخيره عن تذكير ما وقع ( بعده ) من نعمة التمكن في الأرض إما لأنها فائضة على المخاطبين بالذات وهذه بالواسطة ، وإما للإيذان بأن كلا منهما نعمة مستقلة ، والمراد خلق آدم عليه السلام وتصويره كما يقتضيه ظاهر العطف الآتي لكن لما كان مبتدأ للمخاطبين جعل خلقه خلقاً بهم ونزل منزلته فالتجوز على هذا في ضمير الجمع بجعل آدم عليه السلام كجميع الخلق لتفرعهم عنه أو في الإسناد إذ أسند ما لآدم الذي هو الأصل والسبب إلى ما تفرع عنه وتسبب . وجعل بعضهم الكلام على تقدير المضاف ، وذهب الإمام إلى أنه كناية عن خلق آدم عليه السلام ، والمعنى خلقنا أباكم آدم عليه السلام طيناً غير مصور ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم سار ذلك إليكم . وجوز أن يكون التجوز في الفعل ، والمراد ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه ، ويعود هذا إلى ابتداء خلق الجنس وابتداء خلق كل جنس بإجاد أول أفراده . فهو نظير قوله تعالى : { خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ } [ السجدة : 7 ] . (6/117)
وعلى هذين الوجهين يظهر وجه العطف بثم في قوله تعالى : { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ } وزعم الأخفش أن { ثُمَّ } هنا بمعنى الواو ، وتعقبه الزجاج بأنه خطأ لا يجيزه الخليل وسيبويه ولا من يوثق بعلمه لأن ثم للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غيره ، وإنما المعنى إنا ابتدأنا خلق آدم عليه السلام من تراب ثم صورناه أي هذا أصل خلقكم ثم بعد الفراغ من أصلكم قلنا الخ ، وقيل : إن { ثُمَّ } لترتيب الأخبار لا للترتيب الزماني حتى يحتاج إلى توجيه ، والمعنى خلقناكم يا بني آدم مضغاً غير مصورة ثم صورناكم بشق السمع والبصر وسائر الأعضاء كما روي عن يمان أو خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء كما روي عن عكرمة ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة الخ وإلى هذا ذهب جماعة من النحويين منهم علي بن عيسى والقاضي أبو سعيد السيرافي وغيرهما ، وقال الطيبي : يمكن أن تحمل { ثُمَّ } على التراخي في الرتبة لأن مقام الامتنان يقتضي أن يقال : إن كون أبيهم مسجوداً للملائكة أرفع درجة من خلقهم وتصويرهم .
وفيه تلويح إلى شرف العلم وتنبيه للمخاطبين على تحصيل ما فاز به أبوهم من تلك الفضيلة ، ومن ثم عقب في البقرة الأمر بالسجود مسألة التحدي بالعلم . وعن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسديأن المعنى خلقنا آدم عليه السلام ثم صورناكم في ظهره ثم قلنا الخ . وقد تقدم الكلام في المراد بالملائكة المأمورين بالسجود ، وكذا الكلام في المراد بالسجود .
/ وذكر بعض المحققين أن الظاهر أن يقال : ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم إلا أنه عدل عن ذلك لأن الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم عليه السلام على ما نطق به قوله تعالى :
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } [ الحجر : 29 و ص : 72 ] والواقع بعد تصويره إنما هو قوله سبحانه : { اسجدوا لاِدَمَ } وذلك لتعيين وقت السجدة المأمور بها قبل ، والحاصل أنه سبحانه أمرهم أولاً أمراً معلقاً ثم أمرهم ثانياً أمراً منجزاً مطابقاً للأمر للأمر السابق فلذا جعله حكاية له ، وفي ذلك ما لا يخفى من الاعتناء بشأن آدم عليه السلام . (6/118)
{ فَسَجَدُواْ } أي الملائكة عليهم السلام بعد القول من غير تلعثم كلهم أجمعون { إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناء متصل سواء قلنا : إن إبليس من الملائكة حقيقة أم لا ، أما على الأول : فظاهر ، وأما على الثاني : فلأنه لما كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة متصفاً بغالب صفاتهم غلبوا عليه في { سَجَدُواْ } ثم استثنى استثناء واحد منهم . وقيل : منقطع بناء على أنه من الجن وأنهم ليسوا من جنس الملائكة ولا تغليب ، والأول هو المختار .
وذكر قوله تعالى : { لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } أي ممن سجد لآدم عليه السلام مع أنه علم من الاستثناء عدم السجود لأن المعلوم من الاستثناء عدم العموم لا عموم العدم ، والمراد الثاني أي أنه لم يصدر منه السجود مطلقاً لا معهم ولا منفرداً . وهذا إنما يفيده التنصيص كذا قيل ، ونظر فيه بأن التنصيص المذكور لا يفيد عموم الأحوال والأوقات فلا يتم ما ذكر ، وتحقيق هذا المقام على ما ذكره المولى سري الدين أن يقال : إن القوم اختلفوا في أن الاستثناء من النفي إثبات أم لا ، فقال الشافعي : نعم فيكون نقيض الحكم ثابتاً للمستثنى بطريق العبارة ، ويوافقه ظاهر عبارة «الهداية» . وذهب طائفة من الحنفية إلى أنه بطريق الإشارة . وذهب آخرون إلى أن المستثنى في حكم المسكوت عنه ، وإنما يستفاد الحكم بطريق مفهوم المخالفة . واختار صاحب «البحر» أنه منطوق إشارة تارة وعبارة أخرى .
وإذا تقرر هذا فيمكن أن يقال في الجواب : إن المقام لما كان مقام التسجيل على إبليس بعدم السجود والتشهير والتوبيخ بتلك القبيحة الهائلة كان خليقاً بالتصريح جديراً بالاحتياط لضعف التعويل على القرينة لائقاً بكمال الإيضاح والتقرير فعدل عن طريق الحذف ، وإن كان الكلام دالاً على المحذوف إلى منهج الذكر والتصريح به ، وهذا على رأي الشافعي ومن وافقه ظاهر وإليه أشار السراج الهندي في مباحث الاستثناء من «شرح المغني» ، وأما على باقي المذاهب فالأمر أظهر لأن الحكم على المستثنى بنقيض حكم المستثنى منه إما بطريق الإشارة أو مفهوم المخالفة ، وعلى كل فالمقام يأبى الاكتفاء بمثل ذلك ويقتضي التصريح بذكر الحكم .
وادعى مولانا ابن الكمال أن هذه الجملة إنما جيء بها لانقطاع الاستثناء وأنه لو كان الاستثناء متصلاً يكون الاتيان بها ضائعاً لأن عدم كون إبليس من الساجدين يفهم من الاستثناء على تقدير اتصاله . ولا يخفى ما فيه على من أحاط علماً بما ذكرنا . واعترضه البعض أيضاً بأنه على تقدير الانقطاع يكون ذلك ضائعاً أيضاً بناء على ما ظنه فإن ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى غير مختص بالمتصل ، ولذا لا نراهم يذكرون مع المستثنى المنقطع أيضاً نقيض حكم المستثنى منه إلا قليلاً ، ولو تم ما ذكره لوجب ذكر الخبر مع كل منقطع فليفهم .
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)
{ قَالَ } استئناف مسوق للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدم سجوده كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ وبه كما قيل يظهر وجه الالتفات إلى الغيبة إذ لا وجه لتقدير السؤال على وجه المخاطبة . وفيه فائدة أخرى هي الإشعار بعدم تعلق المحكي بالمخاطبين كما في حكاية الخلق والتصوير أي قال الله تعالى لإبليس حين لم يكن من الساجدين . { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } المشهور أن ( لا ) مزيدة بدليل قوله سبحانه في آية أخرى { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [ ص : 75 ] وقد جاءت كذلك في قوله سبحانه : { لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } [ الحديد : 29 ] أي ليعلم ، وهي في ذلك كما قال غير واحد لتأكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه . واستشكل بأنها كيف تؤكد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه . قال الشهاب : والذي يظهر لي أنها لا تؤكده مطلقاً بل إذا صحب نفياً مقدماً أو مؤخراً صريحاً أو غير صريح كما في { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } ( الفاتحة؛ 7 ) وكما هنا فإنها تؤكد تعلق المنع به ، ومن هنا قالوا إنها منبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود . وقيل : إنها غير زائدة بأن يكون المنع مجازاً عن الإلجاء والإضطرار فالمعنى؛ ما اضطرك إلى أن لا تسجد . وجعله السكاكي مجازاً عن الحمل ولا قرينة للمجاز أي ما حملك ودعاك إلى أن لا تسجد؟ وليس بين الجعلين كثير فرق . وجوز أن يكون ذلك من باب التضمين ، وقال الراغب : «المنع يقال في ضد العطية كرجل مانع ومناع أي بخيل ، ويقال في الحماية ومنه مكان منيع وقد منع وفلان ذو منعة أي عزيز ممتنع على من يرومه ، والمنع في الآية من الثاني أي ما حملك عن عدم السجود2 . (6/119)
{ إِذْ أَمَرْتُكَ } بالسجود ، و { إِذْ } ظرف لتسجد ، وهذه الآية أحد أدلة القائلين بأن الأمر ( المطلق للوجوب و ) للفور لأنه ذم على ترك المبادرة ولولا أن الأمر للفور لم يتوجه الذم عليه وكان له أن يجيب بأنك ما أمرتني بالبدار وسوف أسجد . وأجيب بأن الفور إنما هو من قوله تعالى : { فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } [ ص : 72 ] وليس من صيغة الأمر إلا أن بعضهم منع دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ ، وقال آخرون : إن الاستدلال إنما هو بترتب اللوم على مخالفة الأمر المطلق حيث قال سبحانه : { إِذْ أَمَرْتُكَ } ولم يقل جل شأنه إذ قلت فقعوا له ساجدين فتدبر ، وفي حكاية التوبيخ ههنا بهذه العبارة وفي سورة الحجر ( 32 ) بقوله تعالى : { قَالَ يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين } وفي سورة ص ( 75 ) بقوله سبحانه : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } إشارة إلى أن اللعين أدمج في معصية واحدة غير واحدة وقد وبخ على كل من ذلك لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر وإشعاراً بأن كل واحدة من هاتيك المعاصي كافية في التوبيخ و ( إظهار ) بطلان ما ارتكبه ، وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه والله تعالى أعلم بحكمة كل .
{ قَالَ } استئناف كما تقدم مبني على سؤال نشأ من حكاية التوبيخ كأنه قيل : فماذا قال اللعين عند ذلك؟ فقيل : قال : { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } هو من الأسلوب الأحمق فإن الجواب المطابق للسؤال منعني كذا وهذا جواب عن أيكما خير؟ وفيه دعوى شيء بين الاستلزام للمقصود بزعمه ومشعر بأن من هذا شأنه لا يحسن أن يسجد لمن دونه فكيف يحسن أن يؤمر به؟ فاللعين أول من أسس بنيان التكبر واخترع القول بالحسن والقبح العقليين . (6/120)
وقوله تعالى حكاية عنه : { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تعليل لما ادعاه عليه اللعنة من فضله عليه عليه السلام ، وحاصله أني مخلوق من عنصر أشرف من عنصره لأن عنصري علوي نير قوي التأثير مناسب لمادة الحياة وعنصره بضد ذلك والمخلوق من الأشرف أشرف لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع فأنا كذلك والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه ، وقد أخطأ اللعين فإن كون النار أشرف من التراب ممنوع فإن كل عنصر من العناصر الأربع يختص بفوائد ليست لغيره وكل منها ضروري في هذه النشأة ولكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على بعض تطويل بلا طائل ، على أن من نظر إلى أن الأرض أكثر منافع للخلق لأنها مستقرهم وفيها معايشهم وأنها متصفة بالرزانة التي هي من مقتضيات الحلم والوقار وإلى أن النار دونها في المنافع وأنها متصفة بالخفة التي هي من مقتضيات الطيش والاستكبار والترفع علم ما في كلام اللعين ، وأيضاً شرف الأصل لا يوجب شرف الفرع
. إنما الورد من الشوك ولا ... ينبت النرجس إلا من بصل
ويكفي في ذلك أنه قد يخرج الكافر من المؤمن ، وأيضاً قد خص الشرف بما هو من جهة المادة والعنصر مع أن الشيء كما يشرف بمادته وعنصره يشرف بفاعله وغايته وصورته ، وهذا الشرف في آدم عليه السلام دونه فإن الله تعالى خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وجعله خليفة في الأرض كما قص سبحانه لما أودعه فيه ، وأيضاً أي قبح في خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحظ النفس على أن الخدمة في الحقيقة إنما كانت لله تعالى ، وإلى هذا أشار ظافر الإسكندري بقوله
: أنت المراد بنظم كل قصيدة ... بنيت على الأفهام في تبجيله كسجود أملاك السماء لآدم
وسجودهم لله في تأويله ...
ثم الظاهر أن هذا الجواب من اللعين كان مع تسليم أنه مأمور بالسجود وحينئذ فخطؤه أظهر من نار على علم إذ يعود ذلك إلى الاعتراض على المالك الحكيم . (6/121)
وقال بعضهم : إنه لم يسلم أنه كان مأموراً بل أخرج نفسه من العموم بالقياس . واستدل أهل هذا القول بهذا التوبيخ على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس . وأجيب بأن هذا ليس من التخصيص بل هو إبطال للنص ورفع له بالكلية وفيه تأمل . وأخرج أبو نعيم في «الحلية» والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له : اسجد لآدم فقال : أنا خير منه " الخ . قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه أتبعه بالقياس . واستدل بهذا ونحوه من منع القياس مطلقاً . وأجيب عن ذلك بأن المذموم هو القياس والرأي في مقابلة النص أو الذي يعدم فيه شرط من الشروط المعتبرة وتحقيق ذلك في محله .
وفي الآية دليل على الكون والفساد لدلالتها على خلق آدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة وإيجادهما ، وعلى استحالة الطين والنار عما كانا عليه من الطينية والنارية لما ترتب منهما ما تركب ، وعلى أن إبليس ونحوه أجسام حادثة لا أرواح قديمة ، قيل : ولعل إضافة خلق آدم عليه السلام إلى الطين وخلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب ، وإلا فقد تقرر أن الأجسام من العناصر الأربعة وبعض الناس من وراء المنع .
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)
{ قَالَ } استئناف كما سلف ، والفاء في قوله تعالى : { فاهبط مِنْهَا } لترتيب الأمر على ما ظهر منه من الباطل ، وضمير { مِنْهَا } قيل للجنة ، وكونه من سكانها مشهور ، والمراد بها عند بعض الجنة التي يسكنها المؤمنون يوم القيامة . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها روضة بعدن وفيها خلق آدم عليه السلام وكانت على نشز من الأرض في قول . «وأصل الهبوط الانحدار على سبيل القهر كما في هبوط الحجر . وإذا استعمل في الإنسان ونحوه فعلى سبيل الاستخفاف» كما قال الراغب . ولم يشترط بعضهم فيه سوى الانتقال من شريف إلى ما دونه لقوله تعالى : { اهبطوا مِصْرًا } [ البقرة : 61 ] والأمر عليه واضح وإن لم نقل : إن تلك الجنة كانت على نشز ، وقيل : الضمير لزمرة الملائكة أي اخرج من زمرة الملائكة المعززين ، فإن الخروج من زمرتهم هبوط وأي هبوط . وفي سورة الحجر ( 43 ) { فاخرج مِنْهَا } وقيل : الضمير للسماء ، وإليه ذهب جماعة . ورد بأن وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد هذا الطرد فلا بد أن يحمل على أحد الوجهين السابقين قطعاً ، ويكون وسوسته على الوجه الأول بطريق النداء من باب الجنة كما روي عن الحسن البصري . وأجيب بأنه يحتمل أن يكون المراد من ذلك الجنة أو زمرة الملائكة أيضاً بناء على أن الأولى ومعظم الثانية في السماء أو يقال : إن القصة وقعت في الأرض وكانت الجنة فيها وبعد العصيان حجب اللعين من السماء التي هي مقره ومعبده ، ومعني أمره بالخروج منها أمره بقطع علائقه عنها واتخاذها مأوى له بعد . وهذا كما تقول لمن غصب دارك مثلاً عند نحو القاضي : أخرج من داري مع أنه إذ ذاك ليس فيها تريد لا تدخلها واقطع علائقك عنها . (6/122)
وقيل : الضمير للأرض . فقد روي أنه أخرج منها إلى الجزائر وأمر أن لا يدخلها إلا خفية ، ويبعده أنه لا يظهر للتخصيص في قوله تعالى : { فَمَا يَكُونُ لَكَ } أي فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك { أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } على هذا وجه إلا على بعد . وأما على الأوجه السابقة فالوجه ظاهر وهو مزيد شرافة المخرج منه وعلو شأنه وتقدس ساحته . ومن هنا يعلم أنه لا دلالة في الآية على جواز التكبر في غير ذلك عند القائلين بالمفهوم ، والجملة تعليل للأمر بالهبوط ولايخفى لطافة التعبير به دون الخروج في مقابلة قوله : { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } [ الأعراف : 12 ] المشير إلى ارتفاع عنصره وعلو محله ، والتكبر على ما قيل كالكبر وهو الحالة التي يختص بها الشخص من إعجابه بنفسه . وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم ، والمراد بالتكبر ههنا إما التكبر على الله تعالى وهو أعظم التكبر ويكون بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة .
وفسره بعضهم بالمعصية . وإما التكبر على آدم عليه السلام بزعمه أنه خير منه وأكبر قدراً . وقيل : المراد ما هو أعم منه ومن التكبر على الملائكة حيث زعم أن له خصوصية ميزته عليهم وأخرجته من عمومهم وفيه تأمل . وزعم البعض أن في الآية تنبيهاً على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة فكما يمنع من القرار فيها يمنع من دخولها بعد ذلك وأنه تعالى إنما طرده لتكبره لا لمجرد عصيانه ، وهو ظاهر على أحد الاحتمالات كما لا يخفى . والظرف إما متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالاً . (6/123)
وقوله تعالى : { فاخرج } تأكيد للأمر بالهبوط متفرع عليه . وقوله سبحانه : { إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } تعليل للأمر بالخروج مشعر بأنه لتكبره أي إنك من أهل الصغار والهوان على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبرك . أخرج البيهقي في «شعب الايمان» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تواضع لله رفعه الله تعالى ، ومن تكبر وضعه الله عز وجل " ومن حديثه رضي الله تعالى عنه " من تواضع لله تعالى رفع الله تعالى حكمته وقال : انتعش نعشك الله ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله تعالى إلى الأرض " وقيل : المراد من الأذلاء في الدنيا بالذم واللعن وفي الآخرة بالعذاب بسبب ما ارتكبه من المعصية والتكبر ، وإذلال الله تعالى المتكبرين يوم القيامة مما نطقت به الأخبار . أخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له : بولس يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار " وفسر بعضهم الصاغر بالراضي بالذل كما هو المشهور فيه . والمراد وصفه بأنه خسيس الطبع دنيء وأنه رأى نفسه أكبر من غيره وليس بالكبير . ولقد أبدع أبو نواس بقوله خطاباً له :
سوأة بالعين أنت اختلست الن ... اس غيظاً عليهم أجمعينا
تهت لما أمرت في سالف الده ... ر وفارقت زمرة الساجدينا
عند ما قلت لا أطيق سجودا ... لمثال خلقته رب طينا
حسداً إذ خلقت من مارج الن ... ار لما كان مبتدأ العالمينا
ثم صيرت في القيادة تسعى ... يا مجير الزناة واللائطينا
وله أيضاً من أبيات فيه :
تاه على آدم في سجدة ... وصار قواداً لذريته
قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)
{ قَالَ } استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل : فماذا قال اللعين بعدما سمع ما سمع؟ فقيل : قال : { أَنظِرْنِى } أي أمهلني ولا تمتني { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي آدم عليه السلام وذريته وهو وقت النفخة الثانية ، وأراد بذلك أن يجد فسحة في الإغواء وأخذ الثأر ونجاة من الموت إذ لا موت بعد البعث . (6/124)
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)
{ قَالَ } استئناف كما مر { إِنَّكَ مِنَ المنظرين } ظاهره { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ الأعراف : 14 ] حيث وقع في مقابلة كلامه لكن في سورة الحجر وص التقييد بيوم الوقت المعلوم ، واختلف في المراد منه فالمشهور أنه يوم النفخة الأولى دون يوم البعث لأنه ليس بيوم موت ، وجوز بعضهم أن يكون المراد منه يوم البعث ولا يلزم أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلق في تضاعيفه . وفي كتاب «العرائس» عن كعب الأحبار أن إبليس إنما يذوق طعم الموت يوم الحشر وذكر في كيفية موته وقبض عزرائيل روحه ما يقضي منه العجب ، ولم ترضِ ذلك الفاضل السفاريني وقال في كتابه «البحور الزاخرة» : أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» والحاكم في «المستدرك» عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا يلبثون يعني الناس بعد يأجوج ومأجوج حتى تطلع الشمس من مغربها فتجف الأقلام وتطوى الصحف فلا يقبل من أحد توبة ويخر إبليس ساجداً ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت وتجتمع إليه الشياطين فتقول يا سيدنا إلى من نفزع؟ فيقول : إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم البعث فأنظرني إلى يوم الوقت المعلوم وقد طلعت الشمس من مغربها وهذا يوم الوقت المعلوم وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتى يقول الرجل : هذا قريني الذي كان فالحمد لله الذي أخزاه ولا يزال إبليس ساجداً باكياً حتى تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد انتهى . (6/125)
ومنه يعلم أن المراد باليوم المعلوم ما صرح به اللعين وهو قبل يوم النفخة الأولى بكثير ، وهذا قول لم نر أحداً من المفسرين ذكره وهو الذي ارتضاه هذا الفاضل وقال : إن الخبر في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي وليس ابن مسعود ككعب الأحبار ممن يتلقى من كتب أهل الكتاب . وأنت تعلم أنه إن صحت نسبة هذا الخبر إلى ابن مسعود ينبغي أن لا يعدل إلى القول بما يخالفه ولكن في صحة نسبته إليه رضي الله تعالى عنه عندي تردد . وقيل : المراد به وقت يعلم الله تعالى انتهاء أجله فيه وقد أخفي عنا وكذا عن اللعين ، وأوجب على هذا أن يكون قبل النفخة الثانية . واستدل له بعضهم بأن اللعين كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فتقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً . وأجيب بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء عليهم السلام أو على الكفر والمعاصي كإبليس وأشياعه فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام .
وظاهر النظم الكريم عند غير واحد أن هذه إجابة لدعائه كلاً أو بعضاً ، وفي ذلك دليل لمن قال : إن دعاء الكافر قد يستجاب وهو الذي ذهب إليه الدبوسي وغيره من الفقهاء خلافاً لما نقله في «البزازية» عن البعض من أنه لا يجوز أن يقال : إن دعاء الكافر مستجاب لأنه لا يعرف الله تعالى ليدعوه ، والفتوى على الأول للظاهر ولقوله صلى الله عليه وسلم : " دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كافراً " . وحمل الكفر على كفران النعمة لا كفران الدين خلاف الظاهر ، ولا يلزم من الاستجابة المحبة والإكرام فإنها قد تكون للاستدراج . وقال بعض المحققين : الجملة أخبار عن كونه من المنظرين في قضاء الله عالى من غير ترتب على دعائه ، وادعى أن ورودها اسمية مع التعرض لشمول ما سأله اللعين الآخرين على وجه يشعر بأن السائل تبع لهم في ذلك صريح في أن ذلك إخبار بأن الإنظار المذكور لهم أزلاً لا إنشاء لا لإنظار خاص به إجابة لدعائه ، ويعلم من ذلك أيضاً أن استنظاره كان طلباً لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه من جملتهم لا لتأخير العقوبة كما قيل ولا يخلو عن حسن . والحكمة في إنظاره ذلك الزمن الطويل مع ما هو عليه عليه اللعنة من الإفساد مما ينبغي أن يفوض علمها إلى خالق العباد . (6/126)
وقد ذكر الشهرستاني «عن شارح الأناجيل الأربعة صورة مناظرة جرت بين الملائكة وبين إبليس بعد هذه الحادثة وقد ذكرت في التوراة ، وهي أن اللعين قال للملائكة : إني أسلم أن لي إلهاً هو خالقي وموجدي وهو خالق الخلق لكن لي على حكمه أسئلة ، الأول : ما الحكمة في الخلق؟ لا سيما وقد كان عالماً أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار . الثاني : ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث : هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع : لما عصيته في ترك السجود فلم لعنني وأجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ولي فيه أعظم الضرر؟ الخامس : أنه لما فعل ذلك لم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟ السادس : لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني ، ومعلوم أن العالم لو كان خالياً من الشر لكان ذلك خيراً؛ قال شارح الأناجيل فأوحى الله تعالى إليه من سرادق العظمة والكبرياء يا إبليس أنت ما عرفتني ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسئل عما أفعل» انتهى . / وفي السؤال السادس : ما يؤيد القول الأول في الجملة .
ولا يخفى أن هذه الشبهات يصعب على القائلين بالحسن والقبح العقليين الجواب عنها بل قال الإمام : إنه لو اجتمع الأولون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا من هذه الشبهات مخلصاً وكان الكل لازماً . ويعجبني ما يحكى أن سيف الدولة بن حمدان خرج يوماً على جماعته فقال : قد عملت بيتاً ما أحسب أن أحداً يعمل له ثانياً إلا إن كان أبا فراس وكان أبو فراس جالساً فقيل له : ما هو؟ فقال قولي (6/127)
: لك جسمي تعله ... فدمي لم تطله
فابتدر أبو فراس قائلاً
: قال إن كنت مالكا ... فلي الأمر كله
وعلل الزمخشري إجابته إلى استنظاره بأن في ذلك ابتلاء العباد وفي مخالفته أعظم الثواب وحكمه حكم ما خلق الله تعالى في الدنيا من صنوف الزخارف وأنواع الملاهي والملاذ وما ركب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده . وتعقبه العلامة الثاني كغيره بأنه مبني على تعليل أفعاله تعالى بالأغراض وعدم إسناد خلق القبائح والشرور إليه سبحانه مع أنه ليس بشيء لأن حقيقة الابتلاء في حقه تعالى محال ومجاز لا يدفع السؤال ، ولأن ما في متابعته من أليم العقاب أضعاف ما في مخالفته من عظيم الثواب بل لو لم يكن له الإنظار والتمكين لم يكن من العباد إلا الطاعات وترك المعاصي فلم يكن إلا الثواب كالملائكة . ولا يخفى ما فيه إلا أن قوله بعد : والأولى : أن لا يخوض العبد في أمثال هذه الأسرار ويفوض حقيقتها إلى الحكيم المختار مما نقول به لأن معرفة ذلك في غاية الصعوبة على أرباب القال وأهل الجدال . هذا وإنما ترك التوقيت في هذه الآية ثقة بما وقع في سورة الحجر وص كما ترك ذكر النداء والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلاً على ما ذكر فيهما .
«فإن قلت : لا ريب في أن الكلام المحكي له عند صدوره عن المتكلم حالة مخصوصة تقتضي وروده على وجه خاص من وجوه النظم بحيث لو أخل بشيء من ذلك سقط الكلام عن رتبة البلاغة ألبتة فالكلام الواحد المحكي على وجوه شتى إن اقتضى الحال وروده على وجه معين من تلك الوجوه الواردة عند تلك الحكاية فذلك الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة البلاغة دون ما عداه من الوجوه ونقول حينئذ : لا يخفى أن استنظار اللعين إنما صدر عنه مرة واحدة لا غير فمقامه إن اقتضى إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على ما حلق به من اللعن والطرد على نهج استدعاء الجبر في مقابلة الكسر كما هو المتبادر من قوله : { رَبّ فَأَنظِرْنِى } [ الحجر : 36 ، ص : 79 ] حسبما حكى عنه في السورتين فما حكى عنه ههنا يكون بمعزل من المطابقة لمقتضى الحال فضلاً عن العروج إلى معارج الإعجاز .
قلت : أجاب مولانا شيخ الإسلام عن هذا السؤال بعد أن ساقه بأن «مقام استنظاره مقتضٍ لما ذكر من إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على الحرمان المدلول عليه بالطرد والرجم وكذا مقام الإنظار مقتضٍ لترتيب الإخبار بالإنظار على الإستنظار ، وقد طبق الكلام عليه في تينك السورتين ووفى كل من مقامي الحكاية والمحكي جميعاً حظه ، وأما ههنا فحيث اقتضى مقام الحكاية مجرد الإخبار بالإستنظار والإنظار سيقت الحكاية على نهج الإيجاز والإختصار من غير تعرض لكيفية كل منهما عند المخاطبة والحوار ، ولا يلزم أن لا يكون ذلك نقلاً للكلام على ما هو عليه ولا مطابقاً لمقتضى المقام . فالذي يجب اعتباره في نقل الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله ( الذي يفيده ) وأما كيفية الإفادة فقد تراعى وقد لا تراعى حسب الاقتضاء . ولا يقدح في أصل الكلام تجريده عنها بل قد تراعى عند نقله كيفيات ( وخصوصات ) ( 2 ) لم يراعها المتكلم أصلاً بل قد لا يقدر على مراعاتها . وجميع المقالات المحكية في الآيات من ذلك القبيل وإلا لما كان الكثير منها معجزاً ، وملاك الأمر في المطابقة مقام الحكاية وأما مقام المحكي فإن كان مقتضاه موافقاً لذلك وفي كل منهما حقه كما في السورتين وإلا لا كما فيما هنا» فليفهم . (6/128)
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)
{ قَالَ } استئناف كنظائره { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } الفاء لترتيب مضمون الجملة التي بعد على الإنظار ، والباء إما للقسم أو للسببية ، و ( ما ) على التقديرين مصدرية ، والجار والمجرور متعلق بأقسم؛ وقيل : إنه على تقدير السببية متعلق بما بعد اللام ، وفيه أن لها الصدر على الصحيح فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، وجوز بعضهم كون ( ما ) استفهامية لم يحذف ألفها وأن الجار متعلق بأغويتني ولا يخفى ضعفه . والإغواء خلق الغي وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل وغوى إذا بشم وفسدت معدته ، وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد فاسد كما في قوله سبحانه : { مَا ضَلَّ صاحبكم وَمَا غوى } [ النجم : 2 ] وبمعنى الخيبة كما في قوله (6/129)
: فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً
ومنه قوله تعالى : { وعصى * ءادَمَ * رَبَّهُ فغوى } [ طه : 121 ] واستعمل بمعنى العذاب مجازاً بعلاقة السببية ومنه قوله تعالى : { فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } [ مريم : 59 ] .
ولا مانع عند أهل السنة أن يراد بالإغواء هنا خلق الغي بمعنى الضلال أي بما أضللتني وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ونسبة الإغواء بهذا المعنى إلى الله عز وجل مما يقتضيه عموم قوله سبحانه : { خالق كُلّ شَىْء } [ الأنعام : 102 ] والمعتزلة يأبون نسبة مثل ذلك إليه سبحانه وقالوا في هذا تارة : إنه قول الشيطان فليس بحجة ، وأولوه أخرى بأن الإغواء النسبة إلى الغي كأكفره إذا نسبه إلى الكفر أو إنه بمعنى إحداث سبب الغي وإيقاعه وهو الأمر بالسجود . وقال بعضهم : إن الغي هنا بمعنى الخيبة أي بما خيبته من رحمتك أو الهلاك أي بما أهلكته بلعنك إياه وطردك له ، والذي دعاهم إلى هذا كله عدم قولهم بأن الله تعالى خالق كل شيء وأنه سبحان لا خالق غيره ولم يكفهم ذلك حتى طعنوا بأهل السنة القائلين بذلك . وما الظن بطائفة ترضى لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق به إبليس عليه اللعنة نعوذ بالله سبحانه وتعالى من التعرض لسخطه . نعم الإغواء بمعنى الترغيب بما فيه الغواية والأمر به كما هو مراد اللعين من قوله : { لاَغْوِيَنَّهُمْ } [ ص : 82 ] مما لا يجوز من الله تعالى شأنه كما لا يخفى ، ثم إن كانت الباء للقسم يكون المقسم به صفة من صفات الأفعال وهو مما يقسم به في العرف وإن لم تجر الفقهاء به أحكام اليمين . ولعل القسم وقع من اللعين بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر ، وإن كانت سببية فالقسم بالعزة أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك .
{ لاقْعُدَنَّ لَهُمْ } أي لآدم عليه السلام وذريته ترصداً بهم كما يقعد القطاع للسابلة { صراطك المستقيم } الموصل إلى الجنة وهو الحق الذي فيه رضاك .
أخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في «شعب الإيمان» عن سبرة بن الفاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتذر أرضك وسمائك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله؟ فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصاه فجاهد ثم قال صلى الله عليه وسلم : «فمن فعل ذلك منهم فمات أو وقصته دابته فمات كان حقاً على الله تعالى أن يدخله الجنة " ولعل الاقتصار منه صلى الله عليه وسلم على هذه المذكورات للاعتناء بشأنها والتنبيه على عظم قدرها لما أن المقام قد اقتضى ذلك لا للحصر . ونظير ذلك ما روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من تفسير الصراط المستقيم بطريق مكة والكلام من باب الكناية أو التمثيل ، ونصب ( الصراط ) إما على أنه مفعول به بتضمين { *أقعدن } معنى ألزمن أو على نزع الخافض أي على صراطك كقولك ضرب زيد الظهر والبطن أو على الظرفين وجاء نصب ظرف المكان المختص عليها قليلاً ، ومن ذلك في المشهور قوله (6/130)
: لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)
{ المستقيم ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي من الجهات الأربع التي يعتاد هجوم العدو منها ، والمراد لأسولن لهم ولأضلنهم بقدر الإمكان إلا أنه شبه حال تسويله ووسوسته لهم كذلك بحال إتيان العدو لمن يعاديه من أي جهة أمكنته ولذا لم يذكر الفوق والتحت إذ لا إتيان منهما فالكلام من باب الاستعارة التمثيلية و { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ } [ الأعراف : 16 ] على ما قيل ترشيح لها ، وبعضهم لم يخرج الكلام على التمثيل واعتذر عن ترك جهة الفوق بأن الرحمة تنزل منها وعن ترك جهة التحت بأن الإتيان منها يوحش ، والاعتذار عن الأول بما ذكر أخرجه غير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وروي أيضاً عن عكرمة والشعبي والاعتذار عن الثاني نسبه الطبرسي إلى الحبر أيضاً ، ولا يبعد على ذلك أن يكون الكلام تمثيلاً أيضاً ويكون الفرق بين التوجيهين بأن ترك هاتين الجهتين على الأول لعدمهما في الممثل به وعلى الثاني لعدمهما في الممثل . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية وما هو كذلك كأنه بين الأيدي { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة مخلفة { وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من جهة حسناتهم وسيآتهم ، وتفسير الأيمان بالحسنات والشمائل بالسيآت لأنهم يجعلون المحبوب في جهة اليمين وغيره في جهة الشمال كما قال (6/131)
: بثين أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك
وقال الأصمعي : يقال هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال على عكس ذلك ، والكلام على هذا يجوز أن يكون فيه مجازات أو استعارات أو كنايات . ونظير هذا ما قيل : { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من حيث لا يعلمون و { عَنْ * أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك ، وقال بعض حكماء الإسلام : إن في البدن قوى أربعا : القوة الخالية التي تجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله : { مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } والقوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وإليها الإشارة بقوله : { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } والقوة الشهوانية ومحلها الكبد وهو عن يمين الإنسان وإليها الإشارة بقوله : { وَعَنْ أيمانهم } والقوة الغضبية ومحلها القلب الذي هو في الشق الأيسر وإليها الإشارة بقوله : { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } والشيطان ما لم يستعن بشيء من هذه القوى لا يقدر على إلقاء الوسوسة ، وهذا عندي نوع من الإشارة كما لا يخفى ، وقيل : غير ذلك ، وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم ، ونظيره قولهم : جلست عن يمينه ، وذكر القطب في بيان وجه ذلك ما بناه على ما قاله بعض حكماء الإسلام وهو أن ( من ) للاتصال و ( عن ) للانفصال ، وأثر الشيطان في قوتي الدماغ حصول العقائد الباطلة كالشرك والتشبيه والتعطيل ، وهي مرتسمة في النفس الإنسانية متصلة بها ، وفي الشهوة والغضب حصول الأعمال السيئة الشهوانية والغضبية وهي تنفصل عن النفس وتنعدم فلهذا أورد في الجهتين الأوليين { مِنْ } الاتصالية وفي الأخريين { عَنْ } الانفصالية ، وقيل : خص اليمين والشمال بعن لأن ثمة ملكين يقتضيان التجاوز عن ذلك وفيه نظر لا يخفى ، وادعى بعضهم أن الآية كالدليل على أن اللعين لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه إذ لو أمكنه ذلك لذكره في باب المبالغة؛ وحديث
« إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » من باب التمثيل . وقد يجاب بأن التمثيل اقتضى عدم الذكر فتدبر . (6/132)
{ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } أي مطيعين ، وإنما قال ذلك ظناً كما روي عن الحسن . وأبي مسلم لقوله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } [ سبأ : 2 ] لما رأى أن للنفس تسع عشرة قوة الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع النباتية الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وإنها بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وأن ليس هناك ما يدعو إلى عالم الأرواح إلا قوة واحدة وهي العقل وما يصنع واحد مع متعدد « :
أرى ألف بأن لا يقوم بهادم
فكيف ببان خلفه ألف هادم »
وعن الجبائي أنه سمع ذلك من الملائكة فقاله على سبيل القطع ، وقيل : إنه رآه قبل في اللوح المحفوظ . ووجد إما بمعنى صادف فينصب مفعولاً واحداً وهو { أَكْثَرُهُمْ } وشاكرين حال ، وإما بمعنى علم فينصب مفعولين ثانيهما { شاكرين } والجملة إما معطوفة على المقسم عليه وإما مستأنفة ، وإنما لم يفرعها على ما تقدم لأن مضمونها بمقتضى الجبلة أيضاً لا بمجرد إغوائه ، ووجه التعبير بالأكثر ظاهر .
قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)
{ قَالَ } استئناف كما مر غير مرة . { أَخْرَجَ مِنْهَا } أي من الجنة أو من زمرة الملائكة أو من السماء الخلاف السابق { مَذْءومًا } أي مذموماً كما روي عن ابن زيد أو مهاناً لعينا كما روي عن ابن عباس وقتادة ، وفعله ذأم . وقرأ الزهري { *مذوماً } بذال مضمومة وواو ساكنة وفيه احتمالان الأول أن يكون مخففاً من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها ، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع وكان قياسه على هذا مذيم كمبيع إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم؛ مكول في مكيل مع أنه من الكيل ، ونصبه على الحال وكذا قوله تعالى : { مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } وهو من الدحر بمعنى الطرد والإبعاد ، وجوز في هذا أن يكون صفة . (6/133)
واللام في قوله سبحانه : { لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } على ما في «الدر المصون» موطئة للقسم و ( من ) شرطية في محل رفع مبتدأ . وقوله عز اسمه لأَمْلأَنَّ مَنْكُمْ أَجْمَعينَ } جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط ، والخلاف في خبر المبتدأ في مثل ذلك مشهور ، وجوز أن تكون اللام لام الابتداء و ( من ) موصولة مبتدأ صلتها { * } جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط ، والخلاف في خبر المبتدأ في مثل ذلك مشهور ، وجوز أن تكون اللام لام الابتداء و ( من ) موصولة مبتدأ صلتها { تَبِعَكَ } والجملة القسمية خبر . وقرأ عصمة عن عاصم { لِمَنْ } بكسر اللام فقيل . إنها متعلقة بلأملان . ورد بأن لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، وقيل : إنها متعلقة بالذأم والدحر على التنازع وأعمال الثاني أي أخرج بهاتين الصفتين لأجل اتباعك وقيل : إن الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف يقدر مؤخراً أي لمن اتبعك هذا الوعيد . ودل على قوله سبحانه : { لاَمْلاَنَّ } الخ ، ولعل ذلك مراد الزمخشري بقوله : أن { لاَمْلاَنَّ } في محل المبتدأ و { لَّمَن تَبِعَكَ } خبره كما يرشد إليه بيان المعنى . و { مّنكُمْ } بمعنى منك ومنهم فغلب فيه المخاطب كما في قوله سبحانه : { أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [ النحل : 55 ] ثم إن الظاهر أن هذه المخاطبات لأبليس عليه اللعنة كانت منه عز وجل من غير واسطة وليس المقصود منها الإكرام والتشريف بل التعذيب والتعنيف ، وذهب الجبائي إلى أنها كانت بواسطة بعض الملائكة لأن الله تعالى لا يكلم الكافر وفيه نظر .
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { المص } [ الأعراف : 1 ] الألف إشارة إلى الذات الأحدية واللام إلى الذات مع صفة العلم والميم إلى معنى محمد وهي حقيقته والصاد إلى صورته عليه الصلاة والسلام . وقد يقال : الألف إشارة إلى التوحيد والميم إلى الملك واللام بينهما واسطة لتكون بينهما رابطة والصاد لكونه حرفاً كري الشكل قابلاً لجميع الأشكال كما قال الشيخ الأكبر قدس سره : فيه إشارة إلى أن الأمر وإن ظهر بالأشكال المختلفة والصور المتعددة أوله وآخره سواء ، ولا يخفى لطف افتتاح هذه السورة بهذه الأحرف بناء على ما ذكره الشيخ قدس سره في «فتوحاته» من أن لكل منها ما عدا الألف الأعراف وأما الألف فقد ذكر نفعنا الله تعالى ببركات علومه أنه ليس من الحروف عند من شم رائحة من الحقائق لكن قد سمته العامة حرفاً فإذا قال المحقق ذلك فإنما هو على سبيل التجوز في العبادة والله تعالى أعلم بحقيقة الحال { كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي ضيق من حمله فلا تسعه لعظمه فتتلاشى بالفناء والوحدة والاستغراق في عين الجمع
{ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى * لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 2 ] أي ليمكنك الإنذار والتذكير إذ بالاستغراق لا ترى إلا الحق فلا يتأتى منك ذلك { وَكَم مّن قَرْيَةٍ } من قرى القلوب { أهلكناها } أفسدنا استعدادها { فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا } أي بائتين على فراش الغفلة في ليل الشباب { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } [ الأعراف : 4 ] تحت ظلال الأمل في نهار المشيب { والوزن يَوْمَئِذٍ الحق } [ الأعراف : 8 ] هو عند كثير من الصوفية اعتبار الأعمال . وذكروا أن لسان ميزان الحق هو صفة العدل وإحدى كفتيه هو عالم الحس والكفة الأخرى هو عالم العقل فمن كانت مكاسبه من المعقولات الباقية والأخلاق الفاضلة والأعمال الخيرية المقرونة بالنية الصادقة ثقلت أي كانت ذا قدر وأفلح هو أي فاز بالنعيم الدائم ومن كانت مقتنياته من المحسوسات الفانية واللذات الزائلة والشهوات الفاسدة والأخلاق الرديئة خفت ولم يعتن بها وخسر هو نفسه لحرمانه النعيم هلاكه { وَلَقَدْ مكناكم فِى الارض } إذ جعلناكم خلفاء فيها { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } متعددة دون غبركم فإن له معيشة واحدة ، وذلك لأن الإنسان فيه ملكية وحيوانية وشيطانية فمعيشة روحه معيشة الملك ومعيشة بدنه معيشة الحيوان ومعيشة نفسه الأمارة معيشة الشيطان . وله معايش غير ذلك وهي معيشة القلب بالشهود ومعيشة السر بالكشوف ومعيشة سر السر بالوصال « قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ » [ الأعراف : 10 ] ولو شكرتم ما رضيتم بالدون . { وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } أي ابتدأنا ذلك بخلق آدم عليه السلام وتصويره { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ } فإنه المظهر الأعظم ، وفي الخبر « خلق الله آدم على صورته » وفي رواية « على صورة الرحمن » { فَسَجَدُواْ } وانقادوا للحق { إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } [ الأعراف : 11 ] لنقصان بصيرته { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ الأعراف : 12 ] أراد اللعين أنه من الحضرة الروحانية وأن آدم عليه السلام ليس كذلك { قَالَ فاهبط مِنْهَا } أي من تلك الحضرة { فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } لأن الكبر ينافيها { فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } (6/134)
[ الأعراف : 13 ] الأذلاء بالميل إلى مقتضيات النفس { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } قسم بما هو من صفات الأفعال ولم يكن محجوباً عنها بل كان محجوباً عن الذات الأحدية { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } [ الأعراف : 16 ] وهو طريق التوحيد { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي لأجتهدن في إضلالهم ، وقد تقدم ما قاله بعض حكماء الإسلام في ذلك ، وفي «تأويلات النيسابوري» كلام كثير فيه وما قاله البعض أحسنه في هذا الباب ، وذكر بعضهم لعدم التعرض لجهتي الفوق والتحت وجها وهو أن الإتيان من الجهة الأولى غير ممكن له لأن الجهة العلوية هي التي تلي الروح ويرد منها الإلهامات الحقة والالقاءات الملكية ونحو ذلك ، والجهة السفلية يحصل منها الأحكام الحسية والتدابير الجزئية في باب المصالح الدنيوية وذلك غير موجب للضلالة بل قد ينتفع به في العلوم الطبيعية والرياضية وفيه نظر . { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } [ الأعراف : 17 ] مستعملين ما خلق لهم لما خلق له . { قَالَ اخرج مِنْهَا } حقيراً { مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً { لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } بالأنانية ورؤية غير الله تعالى وارتكاب المعاصي { لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأعراف : 18 ] فتبقون محبوسين في سجين الطبيعة معذبين بنار الحرمان عن المراد وهو أشد العذاب وكل شيء دون فراق المحبوب سهل وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل . (6/135)
وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)
{ أَجْمَعِينَ وَيَئَادَمُ اسكن } أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة ( 53 ) فهذه القصة بتمامها معطوفة على مثلها وهو قوله سبحانه : { قُلْنَا للملائكة اسجدوا } [ الأعراف : 11 ] على ما ذهب إليه غير واحد من المحققين ، وإنما لم يعطفوه على ما بعد { قَالَ } [ الأعراف : 18 ] أي قال يا إبليس اخرج ويا آدم اسكن لأن ذلك في مقام الاستئناف والجزاء لما حلف عليه اللعين وهذا من تتمة الامتنان على بني آدم والكرامة لأبيهم ، ولا على ما بعد { قُلْنَا } [ الأعراف : 11 ] لأنه يؤول إلى قلنا للملائكة يا آدم . وادعى بعضهم أن الذي يقتضيه الترتيب العطف على ما بعد { قَالَ } وبينه بما له وجه إلا أنه خلاف الظاهر ، وتصدير الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به ، وتخصيص الخطاب بآدم عليه السلام للإيذان بأصالته بالتلقي وتعاطي المأمور به . و { اسكن } من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار دون السكون الذي هو ضد الحركة ، وقد تقدم الكلام في ذلك وفي قوله سبحانه : { أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } وتوجيه الخطاب إليهما في قوله تعالى : { فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به فإن حواء أسوة له عليه السلام في حق الأكل بخلاف السكنى فإنها تابعة له فيها ولتعليق النهي الآتي بهما صريحاً ، والمعنى فكلا منها حيث شئتما كما في البقرة ، ولم يذكر { رَغَدًا } هنا ثقة بما ذكر هناك . (6/136)
وقوله سبحانه : { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة } مبالغة في النهي عن الأكل منها وقرىء «هذي» وهو الأصل إلا أنه حذفت الياء وعوض عنها الهاء فهي هاء عوض لا هاء سكت . قال ابن جني : ويدل على أن الأصل هو الياء قولهم في المذكر : ذا والألف بدل من الياء إذ الأصل ذي بالتشديد بدليل تصغيره على ذيا وإنما يصغر الثلاثي دون الثنائي كما ومن فحذفت إحدى اليائين تخفيفاً ثم أبدلت الأخرى ألفاً كراهة أن يشبه آخره أخر كي . { فَتَكُونَا } أي فتصيراً { مِنَ الظالمين } أي الذين ظلموا أنفسهم ، و { تَكُونَا } يحتمل الجزم على العطف على { تَقْرَبَا } والنصب على أنه جواب النهي .
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان } أي فعل الوسوسة لأجلهما أو ألقى إليهما الوسوسة وهي في الأصل الصوت الخفي المكرر ، ومنه قيل لصوت الحلي وسوسة ، وقد كثرت فعللة في الأصوات كهينمة وهمهمة وخشخشة ، وتطلق على حديث النفس أيضاً وفعلها وسوس وهو لازم ويقال : رجل موسوس بكسر الواو لا تفتح على ما قاله ابن الأعرابي . وقال غيره : يقال موسوس بالفتح وموسوس إليه فيكون الأول على الحذف والإيصال . والكلام في كيفية وسوسة اللعين قد تقدمت الإشارة إليه في سورة البقرة . (6/137)
{ لِيُبْدِيَ لَهُمَا } أي ليظهر لهما ، واللام إما للعاقبة لأن الشيطان لم يقصد بوسوسته ذلك ولم يخطر له ببال وإنما ءال الأمر إليه ، وإما للتعليل على ما هو الأصل فيها ، ولا يبعد أنه أراد بوسوسته أن يسوءهما انكشاف عورتيهما ولذلك عبر عنهما بالسوأة ، ويكون هذا مبنياً على الحدس أو العلم بالسماع من الملائكة أو الاطلاع على اللوح . قيل : وفي ذلك دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع .
{ مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءتِهِمَا } أي ما غطي وستر عنهما من عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وكانت مستورة بالنور على ما أخرجه الحكيم الترمذي وغيره عن وهب بن منبه أو بلباس كالظفر على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي ، وجمع السوآت على حد { صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] واعتبار الأجزاء بعيد ، والمتبادر من هذا الكلام حقيقته ، وقيل هو كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه ، و { وُورِيَ } بواوين ماضي وارى كضارب وضورب أبدلت ألفه واواً فالواو الأولى فاء الكلمة والثانية زائدة . وقرأ عبد الله { *أوري } بالهمزة لأن القاعدة إذا اجتمع واوان في أول كلمة فإن تحركت الثانية أو كان لها نظير متحرك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفاً مثال الأول أو يصل وأواصل في تصغير واصل وتصغيره ومثال الثاني أولى أصله وولى فأبدلت الأولى لما تحركت الثانية في الجمع وهو أول فإن لم يتحرك بالفعل أو القوة جاز الإبدال وعدمه كما هنا قاله الشهاب نقلاً عن النحاة . وقرىء { *سوأتهما } بالإفراد والهمزة على الأصل و { *سوتهما } بإبدال الهمزة واواً وإدغام الواو في الواو ، وقرىء { *سواتهما } بالجمع وطرح حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها و { *سواتهما } بالطرح وقلب الهمزة واواً والإدغام .
{ أَبَوَيْهِ وَقَالَ } عطف على ( وسوس ) بطريق البيان { مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة } أي الأكل منها { إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفي ليكون علة أي كراهية أن تكونا أو لئلا تكونا ملكين { أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } أي الذين لا يموتون أصلاً أو الذين يخلدون في الجنة .
وقرأ ابن عباس ويحيى بن كثير { مَلَكَيْنِ } بكسر اللام . قال الزجاج : ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى حكاية عن اللعين { هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } [ طه : 120 ] . (6/138)
استدل بالآية على أفضلية الملائكة حيث إن اللعين قال ذلك ولم ينكر عليه ، وارتكب آدم عليه السلام المنهي عنه طمعاً فيما أشار إليه الشيطان من الصيرورة ملكاً فلولا أنه أفضل لم يرتكبه ، وأجيب بأن رغبتهما إنما كانت في أن يحصل لهما أوصاف الملائكة من الكمالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة ونحو ذلك ونحن لا نمنع أفضلية الملائكة من هذه الأوجه وإنما نمنع أفضليتهم من كل الوجوه والآية لا تدل عليه ، وأيضاً قد يقال : إن رغبتهما كانت في الخلود فقط وفي آية طه ( 120 ) ما يشير إليه حيث عقب فيها الترغيب في الخلود بالأكل ، واعترض بأن رغبتهما في الخلود تستلزم الكفر لما يلزم ذلك من إنكار البعث والقيامة ، ومن ثم قال الحسن لعمرو بن عبيد لما قال له : إن آدم وحواء هل صدقا قول الشيطان : معاذ الله تعالى لو صدقا لكانا من الكافرين ، وأجيب بأن المراد من الخلود طول المكث والتصديق به ليس بكفر ولو سلم أن المراد الدوام الأبدي فلا نسلم أن اعتقاد ذلك إذ ذاك كفر لأن العلم بالموت والبعث بعده يتوقف على الدليل السمعي ولعله لم يصل إليهما وقتئذ . وادعى بعضهم أن المراد بالخلود العارض بعد الموت بدخول الجنة وحينئذ لا إشكال إلا أنه خلاف الظاهر . وعن السيد المرتضى في معنى الآية أنه قال : إن اللعين أوهمهما أن المنهي عن تناول الشجرة الملائكة والخالدون خاصة دونهما كما يقول أحدنا لغيره : ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا يريد أن المنهي هو فلان دونك ، وهو كما ترى .
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)
أقسم لهما ، وإنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة لأن من يباري أحداً في فعل يجد فيه فاستعمل في لازمه ، وقيل : المفاعلة على بابها ، والقسم وقع من الجانبين لكنه اختلف متعلقه فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول . وتعقب بأن هذا إنما يتم لو جرد المقاسمة عن ذكر المقسم عليه وهو النصيحة ، أما حيث ذكر فلا يتم إلا أن يقال : سمى قبول النصيحة نصيحة للمشاكلة والمقابلة كما قيل في قوله تعالى : { وواعدنا موسى } [ الأعراف : 142 ] أنه سمى التزام موسى عليه السلام الوفاء والحضور للميعاد ميعاداً فأسند التعبير بالمفاعلة ، وقيل : قالا له أتقسم بالله تعالى إنك لمن الناصحين؟ وأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة . وعلى هذا فيكون كما قال ابن المنير «في الكلام لف لأن آدم وحواء عليهما السلام لا يقسمان ( له ) بلفظ التكلم بل بلفظ الخطاب» ، وقيل : إنه إلى التغليب أقرب ، وقيل : إنه لا حاجة إليه بأن يكون المعنى حلفا عليه بأن يقول لهما : إني لكما لمن الناصحين . (6/139)
فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)
{ فدلاهما } أي حطهما عن درجتهما وأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية فهو من دلى الدلو في البئر كما قاله أبو عبيدة وغيره . وعن الأزهري أن معناه أطمعهما . وأصله من تدلية العطشان شيئاً في البئر فلا يجد ما يشفي غليله . وقيل : هو من الدالة وهي الجرأة في فجرأهما كما قال (6/140)
: أظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
فأبدل أحد حرفي التضعيف ياء { بِغُرُورٍ } أي بما غرهما به من القسم أو متلبسين به ، فالباء للمصاحبة أو الملابسة . والجار والمجرور حال من الفاعل أو المفعول . وجعل بعضهم الغرور مجازاً عن القسم لأنه سبب له ولا حاجة إليه ، وسبب غرورهما على ما قاله غير واحد أنهما طنا أن أحداً لا يقسم بالله تعالى كاذباً ورووا في ذلك خبراً . وظاهر هذا أنهما صدقا ما قاله فأقدما على ما نهيا عنه . وذهب كثير من الحققين أن التصديق لم يوجد منهما لا قطعا ولا ظناً ، وإنما أقدما على المنهي عنه لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال . ولعل كلام اللعين على هذا من قبيل المقدمات الشعرية أثار الشهوة حتى غلبت ونسي معها النهي فوقع الإقدام من غير روية ، وقال القطب : يمكن أن يقال إن اللعين لما وسوس لهما بقوله : { مَا نهاكما } [ الأعراف : 20 ] الخ فلم يقبلا منه عدل إلى اليمين على ما قال سبحانه : { وَقَاسَمَهُمَا } [ الأعراف : 21 ] فلم يصدقاه أيضاً فعدل بعد ذلك إلى شيء آخر وكانه أشار إليه سبحانه بقوله تعالى : { فدلاهما بِغُرُورٍ } وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات حتى صارا مستغرقين بها فنسي النهي كما يشير إليه قوله / تعالى : { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [ طه : 115 ] وجعل العتاب الآتي على ترك التحفظ فتدبر .
{ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة } أي أكلا منها أكلاً يسيراً { بَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا } قال الكلبي : تهافت عنهما لباسهما فأبصر كل منهما عورة صاحبه فاستحيا { *وَطعفقَا } أخذا وجعلا فهو من أفعال الشروع وكسر الفاء فيه أفصح من فتحها وبه قرأ أبو السمال { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ } أي يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ، وأصل معنى الخصف الخرز في طاقات النعال ونحوها بءلصاق بعضها ببعض . وقيل أصله الضم والجمع { عَلَيْهِمَا } أي على سوآتهما أو على بدنهما ففي الكلام مضاف مقدر . وقيل : الضمير عائد على { سَوْءتِهِمَا } .
{ مِن وَرَقِ الجنة } وكان ذلك بعض ورق التين على ما روي عن قتادة . وقيل : الموز . وقرأ الزهري { يَخْصِفَانِ } من أخصف ، وأصله خصف إلا أنه كما قال الجاربردي نقل إلى أخصف للتعدية ، وضمن الفعل لذلك معنى التصيير فصار الفاعل في المعنى مفعولاً للتصيير ( على أصل ) الفعل فيكون التقدير يخصفان أنفسهما أي يجعلان أنفسهما خاصفين عليهما من ورق الجنة فحذف مفعول التصير .