صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ وَمَا يُشْعِرُكُمْ } [ الأنعام : 109 ] الخ على القراءة المشهورة ، وعلى الثاني : بيان لمنشأ خطأ المقسمين ومناط أقسامهم على تلك القراءة أيضاً وتقرير له على قراءة { لاَ تُؤْمِنُونَ } [ الأنعام : 109 ] بالفوقانية ، وكذا على قراءة { وَمَا * يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } .
واستدل أهل السنة بالآية على أن الله تعالى يشاء من الكافر كفره وقرر ذلك بأنه سبحانه لما ذكر أنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله تعالى إيمانهم دل على أنه جل شأنه ما شاء إيمانهم بل كفرهم . وأجاب عنه المعتزلة بأن المراد لا أن يشاء مشيئة قسر وإكراه ، وعدم إيمانهم يستلزم عدم المشيئة القسرية وهي لا تستلزم عدم المشيئة مطلقاً . واستدل بها الجبائي على حدوث مشيئته تعالى وإلا يلزم قدم ما دل الحس على حدوثه . وأهل السنة تفصوا عن ذلك بدعوى أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة فتأمل جميع ذلك :

(5/488)


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } كلام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ( كان ) يشاهده من عداوة قريش وما بنوا عليها من الأقاويل والأفاعيل ، وذلك إشارة إلى ما يفهم مما تقدم ، والكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر مؤكد لما بعده ، والتقديم للقصر المفيد للمبالغة ، و { عَدُوّا } بمعنى أعداء كما في قوله
: إذا أنا لم أنفع صديقي بوده ... فإن عدوي لم يضرهم بغضي
أي مثل ذلك الجعل في حقك حيث جعلنا لك أعداء يضادونك ( ويضارونك ) ( 1 ) ولا يؤمنون ويبغونك الغوائل ( ويدبرون في إبطال أمرك مكايد ) جعلنا لكل نبي تقدمك فعلوا معهم نحو ما فعل معك أعداؤك لا جعلاً أنقص منه . وجعله الإمام على هذا الوجه عطفاً على معنى ما تقدم من الكلام ، ولعله ليس المراد منه العطف الإصطلاحي ، وجوز أن يكون مرتبطاً بقوله سبحانه : و { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } [ الأنعام : 108 ] أي كما فعلنا ذلك جعلنا لكل نبي عدواً وفيه بعد .
وأياً ما كان فالآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة من أنه تعالى خالق الشر كما أنه خالق الخير ، وحملها على أن المراد بها وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأعدائهم لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الإمتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر خلاف الظاهر . ومثله قول أبي بكر الأصم إن هذا الجعل بطريق التسبب حيث أرسل سبحانه الأنبياء عليهم السلام وخصهم بالمعجزات فحسدهم من حسدهم وصار ذلك سبباً للعداوة القوية ، ونظير ذلك قول المتنبي
: فأنت الذي صيرتهم حسداً ... وقيل : المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين كذلك أمرنا من قبلك من الأنبياء بمعاداة نحو أولئك أو كما أخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بذلك أخبرنا الأنبياء بعداوة أعدائهم وحكمنا بذلك والكل ليس بشيء ، وهكذا غالب تأويلات المعتزلة .
{ شياطين الإنس والجن } أي مردة النوعين كما روي عن الحسن وقتادة ومجاهد على أن الإضافة بمعنى من البيانية؛ وقيل : هي إضافة الصفة للموصوف والأصل الإنس والجن الشياطين ، وقيل : هي بمعنى اللام أي الشياطين ( التي ) للإنس والجن . وفي «تفسير الكلبي» عن ابن عباس ما يؤيده فإنه روى عنه أنه قال : إن إبليس عليه اللعنة جعل جنده فريقين فبعث فريقاً منهم إلى الإنس وفريقاً آخر إلى الجن . وفي رواية أخرى عنه أن الجن هم الجان وليسوا بشياطين والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا معه والجن يموتون ومنهم المؤمن والكافر ، وهو نصب على البدلية من { عَدُوّا } والجعل متعد إلى واحد أو إلى إثنين وهو أول مفعوليه قدم عليه الثاني مسارعة إلى بيان العداوة ، واللام على التقديرين متعلقة بالجعل أو بمحذوف وقع حالاً من { عَدُوّا } قدم عليه لنكارته ، وجوز أن يكون متعلقاً به وقدم عليه للإهتمام ، وأن يكون نصب { شياطين } بفعل مقدر .

(5/489)


وقوله سبحانه : { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام عداوتهم أو حال من { شياطين } أو صفة لعدو ، وجمع الضمير باعتبار المعنى كما في البيت السابق ، «وأصل الوحي كما قال الراغب الإشارة السريعة ولتضمن السرعة قيل أمر وحي ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض ، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة أيضاً» ، والمعنى هنا يلقى ويوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس أو بعض كل من الفريقين إلى الآخر .
{ زُخْرُفَ القول } أي المزوق من الكلام الباطل منه . وأصل الزخرف الزينة المزوقة ، ومنه قيل للذهب : زخرف ، وقال بعضهم : أصل معنى الزخرف الذهب ، ولما كان حسناً في الأعين قيل لكل زينة زخرفة ، وقد يخص بالباطل { غُرُوراً } مفعول له أي ليغروهم ، أو مصدر في موقع الحال أي غارين ، أو مصدر لفعل مقدر هو حال من فاعل { يُوحِى } أي يغرون غروراً ، وفسر الزمخشري الغرور بالخداع والأخذ على غرة ، ونسب للراغب أنه قال : يقال غره غروراً كأنما طواه على غره بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وهو طيه الأول .
{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } رجوع كما قيل إلى بيان الشؤون الجارية بينه عليه الصلاة والسلام وبين قومه المفهومة من حكاية ما جرى بين الأنبياء عليهم السلام وبين أممهم كما ينبىء عنه الالتفات ، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام المعربة عن كمال اللطف في التسلية ، والضمير المنصوب في { فَعَلُوهُ } عائد إلى عداوتهم له صلى الله عليه وسلم وإيحاء بعضهم إلى بعض مزخرفات الأقاويل الباطلة المتعلقة بأمر عليه الصلاة والسلام باعتبار انفهام ذلك مما تقدم وأمر الأفراد سهل ، وقيل : إنه عائد إلى ما ذكر من معاداة الأنبياء عليهم السلام ، وإيحاء الزخارف أعم من أن تكون في أمره صلى الله عليه وسلم وأمور إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
وفيه أن قوله تعالى : { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } كالصريح في أن المراد بهم الكفرة المعاصرون له عليه الصلاة والسلام ، وقيل : هو عائد إلى الإيحاء أو الزخرف أو الغرور ، وفي أخذ ذلك عاماً أو خاصاً احتمالان لا يخفى الأولى منهما ، ومفعول المشيئة محذوف أي عدم ما ذكر ولا إشكال في جعل العدم الخاص متعلق المشيئة ، وقدره بعضهم إيمانهم . واعترض بأن القاعدة المستمرة أن مفعول المشيئة عند وقوعها شرطاً يكون مضمون الجزاء كما في «علم المعاني» وهو هنا { مَّا فَعَلُوهُ } وتعقب بأنه ههنا ذكر المشيئة فيما تقدم متعلقاً بشيء وهو الإيمان كما أشير إليه ثم ذكر في حيز الشرط بدون متعلق فالظاهر أنه يجوز أن يقدر متعلقه مضمون الجزاء وأن يقدر ما علق به فعل المشيئة سابقاً ، ولا بأس بمراعاة كل من الأمرين بحسب ما يقتضيه الحال .

(5/490)


والمذكور في المعاني إنما هو فيما لم يتكرر فيه فعل المشيئة ولم يكن قرينة غير الجزاء فليعرف ذلك فإنه بديع ، والأولى عندي اعتبار مضمون الجزاء مطلقاً ، وإنما قال سبحانه هنا { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } [ الأنعام : 137 ] وفيما يأتي { وَلَوْ شَاء الله مَا فَعَلُوهُ } فغاير بين الإسمين في المحلين لما ذكر بعضهم وهو أن ما قبل هذه الآية من عداوتهم له عليه الصلاة والسلام كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي لو شاء منعهم عنها فلا يصلون إلى المضرة أصلاً يقتضي ذكره جل شأنه بهذا العنوان إشارة إلى أنه مربيه صلى الله عليه وسلم في كنف حمايته وإنما لم يفعل سبحانه ذلك لأمر اقتضته حكمته ، وأما الآية الأخرى فذكر قبلها إشراكهم فناسب ذكره عز اسمه بعنوان الألوهية التي تقتضي عدم الاشتراك فكأنه قيل ههنا : إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتك من فنون المفاسد بمشيئة ربك جل شأنه الذي لم تزل في كنف حمايته وظل تربيته فاتركهم وافتراءهم أو وما يفترونه من أنواع المكايد ولا تبال به فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء مشيئته سبحانه على الحكم البالغة ألبتة .

(5/491)


وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)

{ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ } أي إلى زخرف القول ، وقيل : الضمير للوحي أو للغرور أو للعداوة لأنها بمعنى التعادي ، والواو للعطف وما بعدها عطف على { غُرُوراً } [ الأنعام : 112 ] بناء على أنه مفعول له فيكون علة أخرى للإيحاء وما في البين اعتراض ، وإنما لم ينصب لفقد شرط النصب إذ الغرور فعل الموحي وصغو الأفئدة فعل الموحى إليه . وهو على الوجهين الأخيرين علة لفعل محذوف يدور عليه المقام أي وليكون ذلك جعلنا ما جعلنا . «وأصل الصغو كما قال الراغب الميل يقال : صغت الشمس والنجوم صغوا مالت للغروب وصغيتُ الإناء وأصغيته وأصغيت إلى فلان ملت بسمعي نحوه ، وحُكِي صغوت إليه أصغو وأصغى صغواً وصُغِيَّاً؛ وقيل : صغيت أصغى وأصغيت أُصغي» . وفي «القاموس» «صغا يصغو ويصغي صغواً وصغى يصغي صغاً وصغياً مال» . وذكر بعض الفضلاء أن هذا الفعل مما جاء واوياً ويائياً فقيل : يصغو ويصغى؛ ويقال : في مصدره صغيا بالفتح والكسر . وزاد الفراء صغياً وصغوا بالياء والواو مشددتين ، ويقال : إن أصغى مثله . والمراد هنا ولتميل إليه .
{ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } أي على الوجه الواجب . وخص عدم إيمانهم بها دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمان بها وهم بها كافرون قال مولانا شيخ الإسلام «إشعاراً بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة بالمكاره وآلامها مزينة بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراء تلك المكاره لذات ودون هذه الشهوات آلاما وإنما ينظرون ما بدا لهم في الدنيا بادي الرأي فهم مضطرون إلى حب الشهوات التي من جملتها مزخرفات الأقاويل ومموهات الأباطيل ، وأما المؤمنون بها فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحال ناظرين إلى عواقب الأمور لم يتصور منهم الميل إلى تلك المزخرفات لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها» اه .
والآية حجة على المعتزلة في وجه . وأجاب الكعبي بأن اللام للعاقبة وليست للتعليل بوجه وهو خلاف الظاهر . وقال غيره : إنها لام القسم كسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون . واعترض بأن النون حذفت ولام القسم باقية على فتحها كقوله
: لئن تكن قد ضاقت على بيوتكم ... ليعلم ربي أن بيتي واسع
بفتح لام ليعلم ، نعم حُكِي عن بعض العرب كسر لام جواب القسم الداخلة على المضارع كقوله
: لتغني عن ذا إنائك أجمعا ... وهو غير مجمع عليه أيضاً فإن أناساً أنكروا ورود ذلك ، وجعلوا اللام في البيت للتعليل والجواب محذوف أي لتشربن لتغني عني . واستشهد الأخفش بالبيت على إجابة القسم بلام كي . وقال الرضي : لا يجوز عند البصريين في جواب القسم الاكتفاء بلام الجواب عن نون التوكيد إلا في الضرورة .

(5/492)


وعن الجبائي أن اللام هنا لام الأمر ، والمراد منه التهديد أو التخلية واستعمال الأمر في ذلك كثير .
واعترض بأنها لو كانت لام الأمر لحذف حرف العلة . وأجيب بأن حرف العلة قد يثبت في مثله كما خرج عليه قراءة { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً * نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } و { إِنَّهُ مِنَ * يَتَّقِى * وَيِصْبِرْ } فليكن هذا كذلك . ويؤيد أنها لام الأمر أنه قرىء بحذف حرف العلة . وقرأ الحسن بتسكين اللام في هذا وفي الفعلين بعده . فدعوى إن ضعف كونها للأمر أظهر من ضعف الوجهين الأولين غير ظاهرة .
واستدل أصحابنا بإسناد الصغو إلى الأفئدة على أن البنية ليست شرطاً للحياة فالحي عندهم هو الجزء الذي قامت به الحياة ، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم ، وقالت المعتزلة : الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء ، والإسناد هنا مجازي2 .
{ وَلِيَرْضَوْهُ } لأنفسهم بعدما مالت إليه أفئدتهم { وَلِيَقْتَرِفُواْ } أي ليكتسبوا ، قال الراغب : «أصل القرف والإقتراف قشر اللحاء عن الشجرة والجليدة عن الجرح وما يؤخذ منه قِرَف ، واستعير الإقتراف للإكتساب حسناً كان أو سوءاً وفي الإساءة أكثر استعمالاً ، ولهذا يقال : الإعتراف يزيل الإقتراف ، ويقال : قرفت فلاناً بكذا إذا عبته به واتهمته؛ وقد حمل على ذلك ما هنا» وفيه بعد . ومثله ما نقل عن الزجاج أن المعنى فيه وليختلقوا وليكذبوا { مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } أي الذي هم مقترفوه من القبائح التي لا يليق ذكرها . وجوز أن تكون { مَا } موصوفة ، والعائد محذوف أيضاً . وأن تكون مصدرية فلا حاجة إلى تقدير عائد .

(5/493)


أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)

{ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً } كلام مستأنف ( وارد ) على إرادة القول . والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي قل لهم يا محمد : أأميل إلى زخارف الشياطين أو أعدل عن الطريق المستقيم فأطلب حكماً غير الله تعالى يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل . وقيل : إن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت . وإسناد الابتغاء المنكر لنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم لا إلى المشركين كما في قوله سبحانه : { أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } [ آل عمران : 83 ] مع أنهم الباغون لإظهار كمال النصفة أو لمراعاة قولهم : اجعل بيننا وبينك حكماً ، و ( غير ) مفعول { أَبْتَغِى } و { حُكْمًا } حال منه ، وقيل : تمييز لما في ( غير ) من الإبهام كقولهم : إن لنا إبلاً غيرها ، وقيل : مفعول له؛ وأولى المفعول همزة الاستفهام دون الفعل لأن الإنكار إنما هو في ابتغاء غير الله تعالى حكماً لا في مطلق الابتغاء فكان أولى بالتقديم وأهم ، وقيل : تقديمه للتخصيص . وحمل على أن المراد تخصيص الإنكار لا إنكار التخصيص ، وقيل : في تقديمه إيماء إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضى بكونه حكماً . وجوز أن يكون { غَيْرِ } حالاً من { حُكْمًا } وحكماً مفعول { أَبْتَغِى } والتقديم لكونه مصب الانكار ، والحَكَم يقال للواحد والجمع كما قال الراغب ، وصرح هو وغيره بأنه أبلغ من الحاكم لا مساو له كما نقل الواحدي عن أهل اللغة ، وعلل بأنه صفة مشبهة تفيد ثبوت معناها ولذا لا يوصف به إلا العادل أو من تكرر منه الحكم .
{ وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب } جملة حالية مؤكدة للإنكار ، ونسبة الإنزال إليهم خاصة مع أن مقتضى المقام إظهار تساوي نسبته إلى المتحاكمين لاستمالتهم نحو المنزل واستنزالهم إلى قبول حكمه بإيهام قوة نسبته إليهم وقيل : لأن ذلك أوفق بصدر الآية بناء على أن المراد بها الانكار عليهم وإن عبر بما عبر إظهاراً للنصفة ، ونظير ذلك قوله تعالى : { وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ يس : 22 ] . ومعنى الآية عند بعض المحققين أغيره تعالى أبتغي حكماً والحال أنه هو الذي أنزل إليكم الكتاب وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون القرآن الناطق بالحق والصواب الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب .
{ مُفَصَّلاً } أي مبيناً فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من الأحكام بحيث لم يبق في أمر الدين شيء من التخليط والإبهام فأي حاجة بعد ذلك إلى الحكم ، ثم قال : وهذا كما ترى صريح في أن القرآن الكريم كاف في أمر الدين مغن عن غيره ببيانه وتفصيله؛ وأما أن يكون لإعجازه دخل في ذلك كما قيل فلا انتهى .

(5/494)


ولا يخفى أن ملاحظة الإعجاز أمر مطلوب على تقدير كون الآية مرتبطة معنى بقوله سبحانه : { وَأَقْسَمُواْ بالله } [ الأنعام : 109 ] الآية ، وبيان ذلك على ما ذكره الإمام أنه سبحانه وتعالى «لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أتتهم آية ليؤمنن بها أجاب عنه جل شأنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم ، ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته عليه الصلاة والسلام قد حصل وكمل فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، ثم نبه على حصول الدليل من هذه الآية بوجهين ، الأول : أنه تعالى أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته فيكون ظهور هذا المعجز دليلاً على أنه تعالى قد حكم بنبوته ، فمعنى الآية قل يا محمد : إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله سبحانه حكماً؟ فإن كل أحد يقول : إن ذلك غير جائز ثم قل : إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز . الثاني : اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم رسول حق وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى وهذا هو المراد من الآية بعد» انتهى .
ووجه بعضهم مدخلية الإعجاز بأنه لا يتم الإلزام إلا بالعلم بكون المنزل من عند الله تعالى وهو يتوقف على الإعجاز بحيث يستغني عن آية أخرى دالة على صدق دعواه عليه الصلاة والسلام أنه من عند الله تعالى لكن قال : إن في دلالة النظم الكريم على ذلك خفاء إلا أن يقال : الجملة الاسمية الحالية تفيده لما فيها من الدلالة على ثبوته وتقرره في نفسه أو يجعل الكتاب بمعنى المعهود إعجازه ، وذكر أن هذا من عدم تدبر الآية إذ المعنى لا أبتغي حكماً في شأني وشأن غيري إلا الله سبحانه الذي نزل الكتاب لذلك ، وهو إنما يحكم له صلى الله عليه وسلم بصدق مدعاه بالإعجاز ، فإنهم لما طعنوا في نبوته عليه الصلاة والسلام وأقسموا إن جاءتهم آية آمنوا بين سبحانه أنهم مطبوع على قلوبهم وأمره أن يوبخهم وينكر عليهم بقوله تعالى : { أَفَغَيْرَ الله } الخ أي أأزيغ عن الطريق السوي فأخص غيره بالحكم وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز الذي أفحمكم وألزمكم الحجة فكفي به سبحانه حاكماً بيني وبينكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات من التوحيد والنبوة وغيرهما الذي أعجزكم عن آخركم ، ويؤول هذا إلى أنه صلى الله عليه وسلم أجابهم بالقول بالموجب لأنهم طعنوا في معجزاته فكبتهم على أحسن وجه وضم إليه علم أهل الكتاب ، وعلى هذا فكونه معجزاً مأخوذ من كونه مغنياً عما عداه في شأنه وشأن غيره على ما أشير إليه ، وهذا له نوع قرب مما ذكره الإمام وما أشار إليه من ارتباط الآية معنى بما تقدم من قوله تعالى :

(5/495)


{ وَأَقْسَمُواْ بالله } [ الأنعام : 109 ] الخ لا يخلو عن حسن إلا أن دعوى خفاء دلالة النظم الكريم على الإعجاز مما لا خفاء في صحتها عندي ، ولم يظهر مما ذكر ما ما يزيل ذلك الخفاء ، وكون سوق الآية دليلاً على ملاحظة ذلك غير بعيد عن المأخذ الذي سمعته فتدبر . ومن الناس من قال : يحتمل أن يراد بالكتاب التوراة أي إنه تعالى حكم بيني وبينكم بما أنزل فيه مفصلاً حيث أخبركم بنبوتي وفصل فيه علاماتي وهو كما ترى ، والحق ما تقدم .
{ والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } كلام مستأنف غير داخل تحت القول المقدر مسوق من جهته تعالى لتحقيق حقية الكتاب الذي نيط بإنزاله أمر الحكمية وتقرير كونه منزلاً من عنده عز وجل ، وليس المراد منه الاستدلال على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم كما يلوح من كلام الإمام ، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل ، والتعبير عنهما بذلك للإيماء إلى ما بينهما وبين القرآن من المجانسة المقتضية للاشتراك في الحقية والنزول من عنده تعالى مع ما فيه من الايجاز ، والمراد بالموصول إما علماء اليهود والنصارى وإما الفريقان مطلقاً والعلماء داخلون دخولاً أولياً ، والإيتاء على الأول التفهيم بالفعل وعلى الثاني أعم منه ومن التفهيم بالقوة ، وإيراد الطائفتين بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بأنهم علموا ما علموا من جهة كتابهم ، وقيل : المراد بالموصول مؤمنو أهل الكتاب . وعن عطاء أن المراد بالكتاب القرآن وبالموصول كبراء الصحابة وأهل بدر رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ولا يخفى أنه أبعد من الثريا . والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم مع الإيذان بأن نزوله من آثار الربوبية . و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بمنزل ، والباء للملابسة وهي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكن في { مُنَزَّلٌ } أي متلبساً بالحق . وقرأ غالب السبعة { مُنَزَّلٌ } بالتخفيف من الإنزال . والفرق بين أنزل ونزل قد أشرنا إليه فيما مر وأن الأول دفعي والثاني تدريجي وأنه أكثري ، والقراءة بهما تدل على قطع النظر عن الفرق ، وليس إشارة إلى المعنيين باعتبار إنزاله إلى السماء الدنيا ثم إنزاله إلى الأرض لأن إنزاله دفعة إلى السماء على ما قيل لا يعلمه أهل الكتاب .
{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } أي المترددين في أنهم يعلمون ذلك لما لا يشاهد منهم آثار العلم وأحكام المعرفة ، فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب أو في أنه منزل من ربك بالحق فليس المراد حقيقة النهي له صلى الله عليه وسلم عن الإمتراء في ذلك بل تهييجه وتحريضه عليه الصلاة والسلام كقوله سبحانه :

(5/496)


{ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] ويحتمل أن يكون الخطاب في الحقيقة للأمة على طريق التعريض وإن كان له عليه الصلاة والسلام صورة ، وأن يكون لكل أحد ممن يتصور منه الإمتراء بناء على ما تقرر أن أصل الخطاب أن يكون مع معين وقد يترك لغيره كما في قوله سبحانه : { وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون } [ السجدة : 12 ] والفاء على هذه الأوجه لترتيب النهي على نفس علمهم بحال القرآن .

(5/497)


وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)

{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } شروع في بيان كمال القرآن من حيث ذاته إثر بيان كماله من حيث إضافته إليه عز وجل بكونه منزلاً منه سبحانه بالحق وتحقيق ذلك بعلم أهل الكتابين به ، «وتمام الشيء كما قال الراغب انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه» . والمراد بالكلمة وأريد به كما قال قتادة وغيره القرآن ، وإطلاقها عليه إما من باب المجاز المرسل أو الاستعارة وعلاقتها تأبى أن تطلق الكلمة على الجملة غير المفيدة وعلاقته لا لكن لم يوجد في كلامهم ذلك الإطلاق ، واختير هذا التعبير لما فيه من اللطافة التي لا تخفى على من دقق النظر . وقال البعض لما أن الكلمة هي الأصل في الاتصاف بالصدق والعدل وبها تظهر الآثار من الحكم . وعن أبي مسلم أن المراد بالكلمة دين الله تعالى كما في قوله سبحانه : { وَكَلِمَةُ الله هِىَ العليا } [ التوبة : 40 ] . وقيل : المراد بها حجته عز وجل على خلقه والأول هو الظاهر . وقرأ بالتوحيد عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب ، وقرأ الباقون { كلمات * رَبَّكَ } .
{ صِدْقاً وَعَدْلاً } مصدران نصبا على الحال من { رَبَّكَ } أو من { كلمات } كما ذهب إليه أبو علي الفارسي . وجوز أبو البقاء نصبهما على التمييز وعلى العلة؛ والصدق في الأخبار والمواعيد منها في المشهور والعدل في الأقضية والأحكام { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } استئناف مبين لفضلها على غيرها إثر بيان فضلها في نفسها . وقال بعض المحققين : إنه سبحانه لما أخبر بتمام كلمته وكان التمام يعقبه النقص غالباً كما قيل
: إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالاً إذا قيل تم
ذكر هذا احتراساً وبياناً لأن تمامها ليس كتمام غيرها . وجوز أن يكون حالاً من فاعل { تَمُتْ } على أن الظاهر مغن عن الضمير الرابط . قال أبو البقاء : ولا يجوز أن يكون حالاً من ربك لئلا يفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي وهو { صِدْقاً وَعَدْلاً } إلا أن يجعلا حالين منه أيضاً . والمعنى لا أحد يبدل شيئاً من كلماته بما هو أصدق وأعدل منه ولا بما هو مثله فكيف يتصور ابتغاء حكم غيره تعالى . والمراد بالأصدق الأبين والأظهر صدقاً فلا يرد أن الصدق لا يقبل الزيادة والنقص لأن النسبة إن طابقت الواقع فصدق وإلا فكذب .
وذكر الكرماني في حديث " أصدق الحديث " الخ أنه جعل الحديث كمتكلم فوصف به كما يقال زيد أصدق من غيره والمتكلم يقبل الزيادة والنقص في ذلك ، وقيل : المعنى لا يقدر أحد أن يحرفها شائعاً كما فعل بالتوراة فيكون هذا ضماناً منه سبحانه بالحفظ كقوله جل وعلا : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون }

(5/498)


[ الحجر : 9 ] أو لا نبي ولا كتاب بعدها يبدلها وينسخ أحكامها . وعيسى عليه السلام يعمل بعد النزول بها لا ينسخ شيئاً كما حقق في محله .
وقيل : المراد إن أحكام الله تعالى لا تقبل التبدل والزوال لأنها أزلية والأزلي لا يزول . وزعم الإمام «أن الآية على هذا أحد الأصول القوية في إثبات الجبر لأنه تعالى لما حكم على زيد بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة ثم قال : { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } يلزم امتناع أن ينقلب السعيد شقيا والشقي سعيداً فالسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» وأنا أقول لا يخفى أن الشقي في العلم لا يكون سعيداً والسعيد فيه لا يكون شقياً أصلاً لأن العلم لا يتعلق إلا بما المعلوم عليه في نفسه وحكمه سبحانه تابع لذلك العلم . وكذا إيجاده الأشياء على طبق ذلك العلم . ولا يتصور هناك جبر بوجه من الوجوه لأنه عز شأنه لم يفض على القوابل إلا ما طلبته منه جل وعلا بلسان استعدادها كما يشير إليه قوله سبحانه : { أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } [ طه : 50 ] نعم يتصور الجبر لو طلبت القوابل شيئاً وأفاض عليها عز شأنه ضده والله سبحانه أجل وأعلى من ذلك .
{ وَهُوَ السميع } لكل ما يتعلق به السمع { العليم } بكل ما يمكن أن يعلم فيدخل في ذلك أقوال المتحاكمين وأحوالهم الظاهرة والباطنة دخولاً أولياً .

(5/499)


وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)

«ثم إنه تعالى على ما ذكر الإمام لما أجاب عن سبهات الكفار وبين بالدليل صحة النبوة أرشد إلى أنه بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال فقال سبحانه2 :
{ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } وقال شيخ الإسلام : إنه لما تحقق اختصاصه تعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجب ذلك من إنزال الكتاب ( الكامل ) الفاصل بين الحق والباطل وتمام صدق كلامه وكمال عدله في أحكامه وامتناع وجود من يبدل شيئاً منها واستبداده سبحانه بالإحاطة التامة بجميع الموسوعات والمعلومات عقب ذلك ببيان أن الكفرة متصفون بنقائض تلك الكمالات من النقائص التي هي الضلال والإضلال واتباع الظنون الفاسدة الناشىء من الجهل والكذب على الله تعالى إبانة لكمال مباينة حالهم لما يرومونه وتحذيراً عن الركون إليهم والعمل بآرائهم فقال سبحانه ما قال . ويحتمل أن يكون هذا من باب الإرشاد إلى اتباع القرآن والتمسك به بعد بيان كماله على أكمل وجه خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأمته .
وقيل : خوطب عليه الصلاة والسلام وأريد غيره . والمراد بمن في الأرض الناس وبأكثرهم الكفار وقيل : ما يعمهم وغيرهم من الجهال واتباع الهوى . وقيل : أهل مكة والأرض أرضها وأكثر أهلها كانوا حينئذ كفاراً . ومن الناس من زعم أن هذا نهى في المعنى عن متابعة غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ هم والكرام قليل أقل الناس عدداً . وقد قال سبحانه : { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] وهو كما ترى . ومثله احتمال أنه نهى عن متابعة غير الله سبحانه لأنه لو أطيع أكثر من في الأرض لأضلوا فضلاً عن إطاعة قليل أو واحد منهم . والمعنى إن تطع أحداً من الكفار بمخالفة ما شرع لك وأودعه كلماته المنزلة من عنده إليك يضلوك عن الحق أو إن تطع الكفار بأن جعلت منهم حكما يضلوك عن الطريق الموصل إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده .
{ إِن يَتَّبِعُونَ } أي ما يتبعون فيما هم عليه من الشرك والضلال { إِلاَّ الظن } وإن الظن فيما يتعلق بالله تعالى لا يغني من الحق شيئاً ولا يكفي هناك إلا العلم وأنى لهم به ، وهذا بخلاف سائر الأحكام وأسبابها مثلاً فإنه لا يشترط فيها العلم وإلا لفات معظم المصالح الدنيوية والأخروية ، «والفرق بينهما على ما قاله العز بن عبد السلام في «قواعده الكبرى» أن الظان مجوز لخلاف مظنونه فإذا ظن صفة من صفات الإله عز شأنه فإنه يجوز نقيضها وهو نقص ولا يجوز ( تجويز ) النقص عليه سبحانه ( لأن الظن لا يمنع من تجويز نقيض المظنون ) بخلاف الأحكام فإنه لو ظن الحلال حراماً أو الحرام حلالاً لم يكن في ذلك تجويز نقص على الرب جل شأنه لأنه سبحانه لو أحل الحرام وحرم الحلال لم يكن ذلك نقصاً عليه عز وجل فدار تجويزه بين أمرين كل ( واحد ) منهما كمال بخلاف الصفات» .

(5/500)


وقال غير واحد : المراد ما يتبعون إلا ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق وجهالاتهم وآراءهم الباطلة ، ويراد من الظن ما يقابل العلم أي الجهل فليس في الآية دليل على عدم جواز العمل بالظن مطلقاً فلا متمسك لنفاة القياس بها ، والإمام بعد أن قرر وجه استدلالهم قال : «والجواب لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل ( ظن ) الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إليها فلا يسمى ظناً» وهو كما ترى .
{ وَإِنْ هُمْ } أي وما هم { إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي يكذبون . وأصل الخرص القول بالظن وقول من لا يستيقن ويتحقق كما قال الأزهري ، ومنه خرص النخل خرصاً بفتح الخاء وهي خرص بالكسر أي مخروصة ، والمراد أن شأن هؤلاء الكذب وهم مستمرون على تجدده منهم مرة بعد مرة مع ما هم عليه من اتباع الظن في شأن خالقهم عز شأنه وقال الإمام : «المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كاذبون في ادعاء القطع»؛ ولا يخفى بعد تقييد الكذب بادعاء القطع . وقال غير واحد : المراد أنهم يكذبون على الله تعالى فيما ينسبون إليه جل شأنه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان ذريعة إليه سبحانه وتحليل الميتة و ( تحريم ) البحائر ونظير ذلك . ولعل ما ذهبنا إليه أولى وأبلغ في الذم ، ويحتمل أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار يتبعون في أمور دينهم ظن أسلافهم وأن شأنهم أنفسهم الظن أيضاً ، وحاصل ذلك ذمهم بفسادهم وفساد أصولهم إلا أن ذلك بعيد جداً .

(6/1)


إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)

{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } تقرير كما قال بعض المحققين لمضمون الشرطية وما بعدها وتأكيد لما يفيده من التحذير أي هو أعلم بالفريقين فاحذر أن تكون من الأولين . و { مِنْ } موصولة أو موصوفة في محل النصب على المفعولية بفعل دل عليه { أَعْلَمُ } كما ذهب إليه الفارسي أي يعلم لا به فإن أفعل لا ينصب الظاهر فيما إذا أريد به التفضيل على الصحيح خلافاً لبعض الكوفيين لأنه ضعيف لا يعمل عمل فعله ، وإذا جرد لمعنى اسم الفاعل ، فمنهم من جوز نصبه كما صرح به في «التسهيل» ، وحينئذ يؤتى بمفعوله مجروراً بالباء أو اللام . ومن الناس من ادعى أن الباء هنا مقدرة ليتطابق طرفا الآية . ولا يجوز أن يكون أفعل مضافاً إلى ( من ) لفساد المعنى .
وجوز أن تكون إستفهامية مبتدأ والخبر { يُضِلَّ } والجملة معلق عنها الفعل المقدر ، وإلى هذا ذهب الزجاج . ولا يخفى ما في التعبير في جانب الفريق الأول بما عبر به وفي جانب الفريق الثاني بالمهتدين مع عدم بيان ما اهتدوا إليه من الإعتناء بشأن الآخرين ومزيد التفرقة بينهم وبين الأولين . وقرىء { مَن يَضِلُّ } بضم الياء على أن «من» مفعول لما أشير إليه من الفعل المقدر وفاعل { يُضِلَّ } ضمير راجع إليه ومفعوله محذوف أي يعلم من يضل الناس فيكون تأكيداً للتحذير عن طاعة الكفرة ، وجوز أن تكون مجرورة بالإضافة أي أعلم المضلين من قوله تعالى : { مَن يُضْلِلِ الله } [ الأعراف : 186 ] أو من قولك : أضللته إذا وجدته ضالاً كأحمدته إذا وجدته محموداً ، وأن تكون إستفهامية معلقاً عنها الفعل أيضاً ، وأن يكون فاعل { يُضِلَّ } ضمير الله تعالى ، و ( من ) منصوبة بما ذكر من الفعل المقدر أن يعلم من يضله الله تعالى ، قيل : وكان الظاهر أن يقال : بالمهديين . وكأنه وجه العدول عنه الإشارة إلى أن الهداية صفة سابقة ثابتة لهم في أنفسهم كأنها غير محتاجة إلى جعل لقوله عليه الصلاة والسلام «كل مولود يولد على الفطرة» بخلاف الضلال فإنه أمر طار أوجده فيهم فتأمل . والتفضيل في العلم إما بالنظر إلى المعلومات فإنها غير متناهية أو إلى وجوه العلم التي يمكن تعلقه بها ، وإما باعتبار الكيفية وهي لزوم العلم له سبحانه أو كونه بالذات لا بالغير .

(6/2)


فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)

{ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } أمر مترتب على النهي عن اتباع المضلين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحرام وتحريم الحلال ، فقد ذكر الواحدي أن المشركين قالوا : يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قبلها فقال عليه الصلاة والسلام : الله تعالى قتلها قالوا : فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال وما قتله الله تعالى حرام فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال عكرمة : إن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية وكانت بينهم مكاتبة أن محمداً عليه الصلاة والسلام وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله تعالى ثم يزعمون أن ما ذبحوا فهو حلال وما ذبح الله تعالى فهو حرام فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فأنزل سبحانه لآية وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما يقتل الله تعالى فأنزل الله تعالى الآية ، والمعنى على ما ذهب إليه غير واحد : كلوا مما ذكر اسم الله تعالى على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره خاصة أو مع اسمه عز اسمه أو مات حتف انفه ، والحصر كما قيل مستفاد من عدم اتباع المضلين ومن الشرط ولولا ذلك لكان هذا الكلام متعرضاً لما لا يحتاج إليه ساكتاً عما يحتاج إليه ، وادعى بعضهم أن لا حصر واستفادة عدم حل ما مات حتف أنفه من صريح النظم أعنى قوله تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا } الخ وهو مخالف لما عليه الجمهور .
{ إِن كُنتُم بآياته } التي من جملتها الآيات الواردة في هذا الشأن { مُّؤْمِنِينَ } فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحل الله تعالى واجتناب ما حرم ، وقيل : المعنى إن صرتم عالمين حقائق الأمور التي هذا الأمر من جملتها بسبب إيمانكم ، وقيل : المراد إن كنتم متصفين بالإيمان وعلى يقين منه فإن التصديق يختلف ظناً وتقليداً وتحقيقاً ، والجار والمجرور متعلق بما بعده وقدم رعاية للفواصل؛ وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه .

(6/3)


وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)

{ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر اسم الله تعالى عليه ، فما للاستفهام الإنكاري وليست نافية كما قيل وهي مبتدأ و { لَكُمْ } الخبر وأن تأكلوا بتقدير حرف الجر أي في أن تأكلوا ، والخلاف في محل المنسبك بعد الحذف مشهور . وجوز أن يكون ذلك حالا ، ورد بأن المصدر المؤول من أن والفعل لا يقع حالا كما صرح به سيبويه لأنه معرفة ولأنه مصدر بعلامة حرف الاستقبال المنافية للحالية إلا أن يؤول بنكرة أو يقدر مضاف أي ذوي أن لا تأكلوا ومقعول { تَأْكُلُواْ } كما قال أبو البقاء : محذوف أي شيئاً مما الخ ، قيل : وظاهر الآية مشعر بأنه يجوز الأكل مما ذكر اسم الله تعالى عليه وغيره معا وليست من التبعيضية لإخراجه بل لإخراج ما لم يؤكل كالروث والدم وهو خارج بالحصر السابق فلا تغفل ، وسبب نزول الآية على ما قاله الإمام أبو منصور أن المسلمين كانوا يتحرجون من أكل الطيبات تقشفاً ونزهداً فنزلت .
{ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } بقوله تعالى : { قُل لا أَجِدُ * فِيمَا *أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } [ الأنعام : 145 ] الآية فبقي ما عدا ذلك على الحل ، وقيل بقوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم } [ المائدة : 3 ] واعترضه الإمام بأن سورة المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة وهذه مكية كما علمت فلا يتأتى ذلك وأما التأخر في التلاوة فلا يوجب التأخر في النزول فلا يضر تأخر { قُل لا أَجِدُ } الخ عن هذه الآية في هذه السورة ، وقيل : التفصيل بوحي غير متلو ، والجملة حالية مؤكدة للإنكار السابق . قرأ أهل الكوفة غير حفص «فصل . . . ما حرم» ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول . وقرأ أهل المدينة وحفص ويعقوب وسهل «فصل» «وحرم» كليهما بالبناء للفاعل . وقرأهما الباقون بالبناء للمفعول .
{ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة ، وظاهر تقرير الزمخشري كما قال العلامة الثاني يقتضي أن ( ما ) موصولة فلا يستقيم غير جعل الاستثناء منقطعاً أي لكن الذي اضطررتم إلى أكله مما هو حرام عليكم حلال لكم حال الضرورة ، وجوز عليه الرحمة جعله استثناء من ضمير «حرم» و ( ما ) مصدرية في معنى المدة أي فصل لكم الأشياء التي حرمت عليكم إلا وقت الاضطرار إليها ، واعترض بأنه لا يصح حينئذ الاستثناء من الضمير بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر كأنه قيل : حرمت عليكم كل وقت إلا وقت الخ ، ومن الناس من أورد هنا شيئاً لا أظنه مما يضطر إليه حيث قال بعد كلام : والمهم في هذا المقام بيان فائدة { إِلاَّ مَا اضطررتم } ، وقد أعني عنه قوله سبحانه : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } لأن تفصيل ما حرم يتضمن قوله تعالى : { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } وكأن الفائدة فيه والله تعالى أعلم المبالغة في النهي عن الإمتناع عن الأكل بأن ما حرم يصير مما لا يؤكل بخلاف ما حل فإنه لا يصير مما لا يؤكل فكيف يجتنب عما يؤكل فتأمل .

(6/4)


{ وَإِنَّ كَثِيرًا } من الكفار { لَّيُضِلُّونَ } الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام كعمرو بن لحي وأضرابه الذين اتخذوا البحائر والسوائب وأحلوا أكل الميتة ، وعن الزجاج إن المراد بهذا الكثير الذين ناظروا في الميتة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { لَّيُضِلُّونَ } بفتح الياء { بِأَهْوَائِهِم } الزائغة وشهواتهم الباطلة { بِغَيْرِ عِلْمٍ } مقتبس من الشريعة مستند إلى الوحي أو بغير علم أصلا كما قيل وذكر ذلك للإيذان بأن ما هم عليه محض هوى وشهوة ، وجوز أن يكون من قبيل قوله تعالى : { وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } [ آل عمران : 112 ] .
{ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين } المتجاوزين ( لحدود ) الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام فيجازيهم على ذلك ، ولعل المراد بهم هذا الكثير ، ووضع الظاهر موضع ضميرهم لوسمهم بصفة الإعتداء .

(6/5)


وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)

{ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } أي ما يعلن وما يسر كما قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس أو ما بالجوارح وما بالقلب كما قاله الجبائي أو نكاح ما نكح الآباء ونحوه والزنا بالأجنبيات كما روي عن ابن جبير أو الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان كما روى عن الضحاك والسدي وقد روي أن أهل الجاهلية كانوا يرون أن الزنا إذا ظهر كان إثماً وإذا استسر به صاحبه فلا إثم فيه . قال الطيبي : وهو على هذا الوجه مقصود بالعطف مسبب عن عدم الإتباع ، وعلى الأول معترض توكيداً لقوله سبحانه : { فَكُلُواْ } [ الأنعام : 118 ] أولاً و { لاَ تَأْكُلُواْ } [ الأنعام : 121 ] ثانياً وهو الوجه ، ولعل الأمر على الوجه الذي قبله مثله . { إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم } أي يعملون المعاصي التي فيها الإثم ويرتكبون القبائح الظاهرة أو الباطنة { سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } أي يكسبون من الإثم كائناً ما كان فلا بد من اجتناب ذلك ، والجملة تعليل للأمر .

(6/6)


وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)

{ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } أي من الحيوان كما هو المتبادر ، والآية ظاهرة في تحريم متروك التسمية ، عمداً كان أو نسياناً ، وإليه ذهب داود . وعن أحمد والحسن وابن سيرين والجبائي مثله ، وقال الشافعي بخلافه لما رواه أبو داود وعبد بن حميد عن راشد بن سعد مرسلا ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله تعالى أو لم يذكر» . وعن مالك وهي الرواية المعول عليها عند أئمة مذهبه أن متروك التسمية عمدا لا يؤكل سواء كان تهاوناً أو غير تهاون ، ولأشهب قول شاذ بجواز غير المتهاون في ترك التسمية عليه . وزعم بعضهم أن مذهب مالك كمذهب الشافعي ، وآخرون أنه كمذهب داود ومن معه ، وما ذكرناه هو الموجود في «كتب المالكية» وأهل مكة أدري بشعابها . ومذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه التفرقة بين العمد والنسيان كالصحيح من مذهب مالك ، قال العلامة الثاني : إن الناسي على مذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ليس بتارك للتسمية بل هي في قلبه على ما روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن متروك التسمية ناسياً فقال عليه الصلاة والسلام : " كلوه فإن تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم " ولم يلحق به العامد إما لامتناع تخصيص الكتاب بالقياس وإن كان منصوص العلة ، وإما لأنه ترك التسمية عمداً فكأنه نفى ما في قلبه ، واعترض بأن تخصيص العام الذي خص منه البعض جائز بالقياس المنصوص العلة وفاقاً وبأنا لا نسلم أن التارك عمدا بمنزلة النافي لما في قلبه بل ربما يكون لوثوقه بذلك وعدم افتقاره لذكره ، ثم قال : فذهبوا إلى أن الناسي خارج بقوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } إذ الضمير عائد إلى المصدر المأخوذ من مضمون { لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } وهو الترك لكونه الأقرب ، ومعلوم أن الترك نسياناً ليس بفسق لعدم تكليف الناسي والمؤاخذة عليه فيتعين العمد .
واعترض ما ذكر بأن كون ذلك فسقاً لا سيما على وجه التحقيق والتأكيد خلاف الظاهر ولم يذهب إليه أحد ولا يلائم قوله تعالى : { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } [ الأنعام : 145 ] مع أن القرآن يفسر بعضه بعضاً سيما في حكم واحد وبأن ما لم يذكر اسم الله عليه يتناول الميتة مع القطع بأن ترك التسيمة عليها ليس بفسق ، وبعضهم أرجع الضمير إلى ( ما ) بمعنى الذبيحة وجعلها عين الفسق على سبيل المبالغة لكن لا بد من ملاحظة كونها متروكة التسمية عمداً إذ لا فسق في النسيان وحينئذ لا يصح الحمل أيضاً ومما تقدم يعلم ما فيه .
وذكر العلامة للشافعي في دعوى حل متروك التسمية عمداً أو نسياناً وحرمة ما ذبح على النصب أو مات حتف أنفه وجوهاً الأول أن التسمية على ذكر المؤمن وفي قلبه ما دام مؤمناً فلا يتحقق منه عدم الذكر فلا يحرم من ذبيحته إلا ما أهل به لغير الله تعالى .

(6/7)


/ الثاني : أن قوله سبحانه : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } على وجه التحقيق والتأكيد لا يصح في حق أكل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمداً كان أو سهواً إذ لا فسق بفعل ما هو محل الاجتهاد . الثالث : أن هذه الجملة في موقع الحال إذ لا يحسن عطف الخبر على الإنشاء ، وقد بين الفسق بقوله عز شأنه : { أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } فيكون النهي عن الأكل مقيد بكون ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه قد أهل به لغير الله تعالى فيحل ما ليس كذلك إما بطريق مفهوم المخالفة وإما بحكم الأصل ، وإما بالعمومات الواردة في حل الأطعمة . وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في مجلس تذكير عقده له سلطان خوارزم فيها بمحضر منه ومن جلة الأئمة الحنفية . وعليه لا حاجة للشافعية إلى دليل خارجي في تخصيص الآية . واعترض بأنه يقتضي أن لا يتناول النهي أكل الميتة مع أنه سبب النزول ، وبأن التأكيد بإن . واللام ينفي كون الجملة حالية لأنه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه ألبتة والرد على منكر تحقيقاً أو تقديراً على ما بين في علم المعاني والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير كأنه قيل : لا تأكلوا منه إن كان فسقاً فلا يحسن وإنه لفسق بل وهو فسق . ومن هنا ذهب كثير إلى أن الجملة مستأنفة .
وأجيب عن الأول بأنه دخل في قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ما أهل به لغير الله وبقوله جل شأنه : { وَإِنَّ الشياطين } الخ الميتة فيتحقق قولهم : إن النهي مخصوص بما أهل به لغير الله تعالى أو مات حتف أنفه . وأجاب العلامة عن الثاني بأنه لما كان المراد بالفسق ههنا الإهلال لغير الله تعالى كان التأكيد مناسباً كأنه قيل : لا تأكلوا منه إذا كان هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق والمشركون ينكرونه ، ومنهم من تأول الآية بالميتة لأن الجدال فيها كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى . واستظهر رجوع الضمير إلى الأكل الذي دل عليه { وَلاَ تَأْكُلُواْ } والذي يلوح من كلام بعض المحققين أن ما لم يذكر اسم الله عليه عام لما أهل به لغير الله تعالى ولمتروك التسمية عمداً أو سهواً ولما مات حتف أنفه لأنه سبب نزول الآية . والتحقيق أن العام الظاهر متى ورد على سبب خاص كان نصاً في السبب ظاهراً باقياً على ظهوره فيما عداه . وأنه لا بد لمبيح منسى التسمية من مخصص وهو الخبر المشتمل على السؤال والجواب وادعى أن هذا عند التحقيق ليس بتخصيص بل منع لاندراج المنسي في العموم مستند بالحديث المذكور .

(6/8)


ويؤيد بأن العام الوارد على سبب خاص وإن قوي تناوله للسبب حتى ينتهض الظاهر فيه نصاً إلا أنه ضعيف التناول لما عداه حتى ينحط عن أعالي الظواهر فيه ويكتفي من معارضة ما لا يكتفي به منه لولا السبب انتهى . ولا يخفى ما فيه لمن أحاط خبراً بما ذكره العلامة قبل .
وذكر كثير من أصحابنا أن قول الشافعي عليه الرحمة مخالف للإجماع إذ لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامداً وإنما الخلاف بينهم في متروكها ناسياً فمذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يحرم ومذهب علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله عنهما أنه يحل ولم يختلفوا في حرمة متروك التسمية عامداً ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ رحمهم الله تعالى : إن متروك التسمية عامداً لا يسع فيه الاجتهاد ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفاً للإجماع وإن ظاهر الآية يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسياناً إلا أن الشرع جعل الناسي ذاكراً لعذر من جهته وفي ذلك رفع للحرج فإن الإنسان كثير النسيان . وقول بعض الشافعية عليهم الرحمة : إن التسمية لو كانت شرطاً للحل لما سقط بعذر النسيان كالطهارة في باب الصلاة مفض إلى التسوية بين العمد والنسيان ، وهي معهودة فيما إذا كان على الناسي هيئة مذكرة كالأكل في الصلاة والجماع في الإحرام لا فيما إذا لم يكن كالأكل في الصيام ، وهنا إن لم تكن هيئة توجب النسيان وهي ما يحصل للذابح عند زهوق روح حيوان من تغير الحال فليس هيئة مذكرة بموجودة .
والحق عندي أن المسألة اجتهادية وثبوت الإجماع غير مسلم ولو كان ما كان خرقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، واستدلاله على مدعاه على ما سمعت لا يخلو عن متانة ، وقول الأصفهاني كما في «المستصفى» أفحش الشافعي حيث خالف سبع آيات من القرآن ثلاث منها في سورة الأنعام ، الأولى : ( 118 ) { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } والثانية : ( 119 ) { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } والثالثة : { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } وثلاث في سورة الحج ، الأولى : ( 82 ) { لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسم الله فِى أَيَّامٍ معلومات على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الانعام } والثانية : ( 43 ) { وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسم الله } والثالثة : ( 63 ) { والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ } وآية ( 4 ) في المائدة { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } من الفحش في حق هذا الإمام القرشي ، ومثاره عدم الوقوف على فضله وسعة علمه ودقة نظره ، وبالجملة الكلام في الآية واسع المجال وبها استدل كل من أصحاب هاتيك الأقوال .

(6/9)


وعن عطاء وطاوس أنهما استدلا بظاهرها على أن متروك التسمية حيواناً كان أو غيره حرام ، وسبب النزول يؤيد خلاف ذلك كما علمت والاحتياط لا يخفى . { وَإِنَّ الشياطين } أي إبليس وجنوده { لَيُوحُونَ } أي يوسوسون { إلى أَوْلِيَائِهِمْ } الذين اتبعوهم من المشركين قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : المراد بالشياطين مردة المجوس فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أنهوا إلى قريش حسبما حكيناه عن عكرمة { ليجادلوكم } أي بالوساوس الشيطانية أو بما نقل من أباطيل المجوس { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في استحلال الحرام { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } ضرورة أن من ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره واستحل الحرام واتبعه في دينه فقد أشركه به تعالى بل آثره عليه سبحانه .
ونقل الإمام عن الكعبي أنه قال : «الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق كما جعل تعالى الشرك اسماً لكل ما كان مخالفاً لله عز وجل وإن كان في اللة مختصاً بمن يعتقد أن لله تعالى شأنه شريكاً بدليل أنه سبحانه سم طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركاً ، ثم قال : ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك ههنا اعتقاد أن لله تعالى شريكاً في الحكم والتكليف؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط» انتهى .
والظاهر أن التعبير عن هذه الإطاعة بالشرك من باب التغليظ ونظائره كثيرة والكلام هنا كما قال أبو حيان وغيره على تقدير القسم وحذف لام التوطئة أي ولئن أطعتموهم والله أنكم لمشركون وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده . وجعل أبو البقاء وتبعه بعضهم المذكور جواب الشرط ولا قسم وادعى أن حذف الفاء منه حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي كما هنا واعترض بأن هذا لم يوجد في كتب العربية بل اتفق الكل على وجوب الفاء في الجملة الإسمية ولم يجوزوا تركها إلا في ضرورة الشعر وفيه أن المجرد أجاز ذلك في الاختيار كما ذكره المرادي في «شرح التسهيل2 .

(6/10)


أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)

/ { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } تمثيل مسوق لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثر تحذيرهم عنها بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي والمشركون غارقون في ظلمات الكفر والطغيان فكيف يعقل طاعتهم له ، فالآية كما قال الطيبي متصلة بقوله سبحانه ، { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } [ الأنعام : 121 ] والهمزة للإنكار . والواو كما قال غير واحد لعطف الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام أي أأنتم مثلهم ومن كان ميتاً فاعطيناه الحياة { وَجَعَلْنَا لَهُ } مع ذلك من الخارج { نُوراً } عظيماً { يَمْشِي بِهِ } أي بسببه { فِى الناس } أي فيما بينهما آمنا من جهتهم ، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يصنع بذلك النور؟ فقيل : يمشي الخ أو صفة له . و ( من ) اسم موصول مبتدأ وما بعده صلته والخبر متعلق الجار والمجرور في قوله تعالى : { كَمَن مَّثَلُهُ } أي صفته العجيبة . و ( من ) فيه اسم موصول أيضاً و { مّثْلِهِ } مبتدأ .
وقوله سبحانه : { فِى الظلمات } خبر هو محذوف . وقوله سبحانه : { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } في موضع الحال من المستكن في الظرف ، وهذه الجملة خبر المبتدأ أعني مثله على سبيل الحكاية بمعنى إذا وصف يقال له ذلك ، وجملة { مّثْلِهِ } مع خبره صلة الموصول . وإن شئت جعلت ( من ) في الموضعين نكرة موصوفة ولم يجوز أن يكون { فِى الظلمات } خبراً عن { مّثْلِهِ } لأن الظلمات ليس ظرفاً للمثل . وظاهر كلام بعضهم كأبي البقاء أن { فِى الظلمات } هو الخبر وليس هناك هو مقدراً ، ولا يلزم كما نص عليه بعض المحققين حديث الظرفية لأن المراد أن مثله هو كونه في الظلمات والمقصود الحكاية؛ نعم ما ذكر أولاً أولى لأن خبر { مّثْلِهِ } لا يكون إلا جملة تامة والظرف بغير فاعل ظاهر لا يؤدي مؤدى ذلك . وجوز كون جملة { لَيْسَ بِخَارِجٍ } حالاً من الهاء في { مّثْلِهِ } ومنعه أبو البقاء للفصل ، قيل : ولضعف مجيء الحال من المضاف إليه وقرأ نافع ويعقوب { مَيْتًا } بالتشديد وهو أصل للمخفف والمحذوف من اليائين الثانية المنقلبة عن الواو أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب ولا فرق بينهما عند الجمهور .
«ثم إن هذا الأخير كما قال شيخ الإسلام مثل أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلاً كما أن الأول مثل أريد به من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلام وهداه بالآيات البينات إلى طريق الحق يسلكه كيف شاء لكن لا على أن يدل على كل واحد من هذه المعاني بما يليق به من الألفاظ الواردة في المثلين بواسطة تشبيهه بما يناسبه من معانيها فإن ألفاظ المثل باقية على معانيها الأصلية بل على أنه قد انتزعت من الأمور المتعددة المعتبرة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة ومن الأمور المتعددة المذكورة في كل واحد من جانب المثلين هيئة على حدة فشبهت بهما الأولتان ونزلتا منزلتهما فاستعمل فيهما ما يدل على الأخيرتين بضرب من التجوز» إلى آخر ما قال ، ونص القطب الرازي على أنهما تمثيلان لا استعارتان ، ورد كما قال الشهاب بأن الظاهر بأن من كان ميتاً ومن مثله في الظلمات من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ لا ذكر للمشبه صريحاً ولا دلالة بحيث ينافي الاستعارة والاستعارة الأولى بجملتها مشبهة والثانية مشبه به وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية أيكون الأسد كالثعلب؟ أي الشجاع كالجبان وهو من بديع المعاني الذي ينبغي أن يتنبه له ويحفظ .

(6/11)


والتفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالميت الكافر الضال وبالإحياء الهداية وبالنور القرآن وبالظلمات الكفر والضلالة ، والآية على ما أخرج أبو الشيخ عنه نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو المراد بمن أحياه الله تعالى وهداه ، وأبي جهل بن هشام لعنه الله تعالى وهو المراد بمن مثله في الظلمات ليس بخارج ، وروي عن زيد بن أسلم مثل ذلك .
وفي رواية عن ابن عباس أنها في حمزة وأبي جهل ، وعن عكرمة أنها في عمار بن ياسر ، وأبي جهل . وأيما كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيدخل في ذلك كل من إنقاد لأمر الله تعالى ومن بقى على ضلاله وعتوه { كذلك } إشارة إلى التزيين المذكور على طرز ما قرر في أمثاله أو إشارة إلى إحياء الشياطين إلى أوليائهم أو إلى تزيين الايمان للمؤمنين { زُيّنَ } من جهته تعالى خلقا أو من جهة الشياطين وسوسة { للكافرين } كأبي جهل وأضرابه { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي مااستمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم من القبائح .

(6/12)


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)

{ وكذلك } قيل أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها { جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ } من سائر القرى { أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } أو كما جعلنا أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في كل قرية ألخ ، وإلى الاحتمالين ذهب الامام الرازي . وجعل غير واحد جعل بمعنى صير المتعدية لمفعولين . واختلف في تعيينهما فقيل : { أكابر } مفعول أول و { مُجْرِمِيهَا } بدل منه ، وقيل : { أكابر } مفعول ثان و { مُجْرِمِيهَا } مفعول أول لأنها معرفة فيتعين أنه المبتدأ بحسب الأصل ، والتقدير جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر فيتعلق الجار والمجرور بالفعل .
واعترض أبو حيان كون { مُجْرِمِيهَا } بدلا من { أكابر } أو مفعول لا بأنه خطأ وذهول عن قاعدة نحوية وهي أن أفعل التفضيل يلزم أفراده وتذكيره إذا كان بمن الظاهر أو مقدره أو مضافا إلى نكرة سواء كان لمفرد مذكر أو لغيره فإن طابق ما هو له تأنيثا وجمعا وتثنيه لزمه أحد الأمرين إما الألف واللام أو الاضافه إلى معرفة و { أكابر } في التخريجين باق على الجمعية وهو غير معرف بأل ولا مضاف لمعرفة وذلك لا يجوز . وتعقبه الشهاب فقال : إنه غير وارد لأن أكابر وأصاغر أجرى مجرى الأسماء لكونه بمعنى الرؤساء كما نص عليه راغب وما ذكره إنما هو إذا بقى على معناه الأصلي . ويؤيده قول ابن عطية : انه يقال أكابر كما يقال أحمر وأحامرة كما قال
: ان الأحامرة الثلاث تعولت ... وإن رده أبو حيان بأنه لم يعلم أن أحداً من أهل اللغة والنحو أجاز في جمع أفضل أفاضلة وفيه نظر . وأما الجواب بأنه على حذف المضاف المعرفة للعلم به أي أكابر الناس أو أكابر أهل القرية فلا يخفى ضعفه اه . وظاهر كلام الزمخشري أن الظرف لغو و { أكابر } المفعولين مضاف لمجرميها و { لِيَمْكُرُواْ } المفعول الثاني .
وجوز بعضهم كون جعل متعدياً لواحد على أن المراد بالجعل التمكين بمعنى الإقرار في المكان والإسكان فيه ومفعوله { أكابر مُجْرِمِيهَا } بالإضافة ، ويفهم من كلام البعض أن احتمال الإضافة لا يجري إلا على تفسير جعلناهم بمكناهم ولا يخلو ذلك عن دغدغة . وقال العلامة الثاني بعد سرد عدة من الأقوال : والذي يقتضيه النظر الصائب أن { فِي كُلّ قَرْيَةٍ } لغو و { أكابر مُجْرِمِيهَا } مفعول أول و { لِيَمْكُرُواْ } هو الثاني؛ ولا يخفى حسنه بيد أنه مبني على جعل الإشارة لأحد الأمرين اللذين أشير فيما سبق إليهما . وناقش في ذلك شيخ الإسلام وادعى أن الأقرب جعل المشار إليه الكفرة المعهودين باعتبار اتصافهم بصفاتهم والإفراد باعتبار الفريق أو المذكور ، ومحل الكاف النصب على أنه المفعول الثاني لجعلنا قدم عليه لإفادة التخصيص كما في قوله سبحانه :

(6/13)


{ كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ } [ النساء : 94 ] والأول : { أكابر مُجْرِمِيهَا } ، والظرف لغو أي ومثل أولئك الكفرة الذين هم صناديد مكة ومجرموها جعلنا في كل قرية أكابرها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزيناً لهم أعمالهم مصرين على الباطل مجادلين به الحق ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكر فيها اه . ولا يخفى بعده . وتخصيص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم . وقرىء { أكابر مُجْرِمِيهَا } وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقوله سبحانه : { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } اعتراض على سبيل الوعد له عليه الصلاة والسلام والوعيد للكفرة الماكرين أي وما يحيق غائلة مكرهم إلا بهم { وَمَا يَشْعُرُونَ } حال من ضمير { يَمْكُرُونَ } أي إنما يمكرون بأنفسهم والحال أنهم ما يشعرون بذلك أصلاً بل يزعمون أنهم يمكرون بغيرهم .

(6/14)


وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)

{ وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } رجوع إلى بيان حال مجرمي أهل مكة بعدما بين بطريق التسلية حال غيرهم فإن العظيمة المنقولة إنما صدرت عنهم لا عن سائر المجرمين أي وإذا جاءتهم آية بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام . { قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله } قال شيخ الإسلام : «قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل عليه السلام فيخبرنا أن محمداً عليه الصلاة والسلام صادق كما قالوا { أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً } [ الإسراء : 92 ] . وعن الحسن البصري مثله ، وهذا كما ترى صريح في أن ما علق بإيتاء ما أوتي الرسل عليهم السلام هو إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه إيماناً حقيقياً كما هو المتبادر منه عند الإطلاق خلا أنه يستدعي أن يحمل ما أوتي رسل الله على مطلق الوحي ومخاطبة جبريل عليه السلام في الجملة وأن يصرف الرسالة في قوله سبحانه : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } عن ظاهرها وتحمل على رسالة جبريل عليه السلام بالوجه المذكور ، ويراد بجعلها تبليغها إلى المرسل إليه لا وضعها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتى كونه جواباً عن اقتراحهم ورداً له بأن كون معنى الاقتراح لن نؤمن بكون تلك الآية نازلة من عند الله تعالى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يأتينا جبريل بالذات عياناً كما يأتي الرسل فيخبرنا بذلك ، ومعنى الرد الله أعلم بمن يليق بإرسال جبريل عليه السلام إليه لأمر من الأمور إيذاناً بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريف ، وفيه من التمحل ما لا يخفى2 .
وأنت تعلم أنه لا تمحل في حمل ما أوتي رسل الله على مطلق الوحي بل في العدول عن قول لن نؤمن حتى نجعل رسلاً إلى ما في النظم الكريم نوع تأييد لهذا الحمل ، نعم صرف الرسالة عن ظاهرها وحمل الجعل على التبليغ لا يخلو عن بعد ، ولعل الأمر فيه سهل . ويفهم من كلام البعض أن مطلق الوحي ومخاطبة جبريل عليه السلام في الجملة وإن لم يستدع تلك الرسالة إلا أنه قريب من منصبها فيصلح ما ذكر جواباً بدون حاجة إلى الصرف والحمل المذكورين ، وفيه ما فيه . وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل حين قال : زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً حتى يأتينا وحي كما يأتيه . وقال الضحاك : سأل كل واحد من القوم أن يخص بالرسالة والوحي كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله سبحانه : { بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مّنْهُمْ أَن * يُؤْتِى *صُحُفاً مُّنَشَّرَةً }

(6/15)


[ المدثر : 52 ] قال الشيخ : «ولا يخفى أن كل واحد من هذين القولين وإن كان مناسباً للرد المذكور لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المعلق بإيتاء مثل ما أوتي الرسل مجرد تصديقهم برسالته صلى الله عليه وسلم في الجملة من غير شمول لكافة الناس ، وأن يكون كلمة حتى في قول اللعين . حتى يأتينا وحي كما يأتيه إلخ غاية لعدم الرضى لا لعدم الاتباع فإنه مقرر على تقديري إتيان الوحي وعدمه ، فالمعنى لن نؤمن برسالته أصلاً حتى نوتى نحن من ( الوحي و ) النبوة مثل ما أوتي رسل الله أو إيتاء مثل إيتاء رسل الله» ، ولا يخفى أنه يجوز أن تكون حتى في كلام اللعين غاية للاتباع أيضاً على أن المراد به مجرد الموافقة وفعل مثل ما يفعله صلى الله عليه وسلم من توحيد الله تعالى وترك عبادة الأصنام لا قفو الأثر بالإئتمار ، على أن اللعين إنما طلب إتيان وحي كما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وليس ذلك نصاً في طلب الاستقلال المنافي للاتباع .
ولعل مراده عليه اللعنة المشاركة في الشرف بحيث لا ينحط عنه عليه الصلاة والسلام بالكلية؛ ويمكن أن يدعي أيضاً أن هؤلاء الكفرة لكون كل منهم أبا جهل بما يقتضيه منصب الرسالة لا يأبون كون الرسولين يجوز أن يبعث أحدهما إلى الآخر ويلزم أحدهما امتثال أمر الآخر واتباعه وإن كان مشاركاً له في أصل الرسالة فليفهم ، وقيل : إن الوليد بن المغيرة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر مالاً وولداً فنزلت هذه الآية . وتعقبه الشيخ قدس سره «أنه لا تعلق له بكلامهم المردود إلا أن يراد بالإيمان المعلق بما ذكر مجرد الإيمان بكونه الآية النازلة وحياً صادقاً لا الإيمان بكونها نازلة إليه عليه الصلاة والسلام فيكون المعنى وإذا جاءتهم آية نازلة إلى الرسول قالوا : لن نؤمن بنزولها من عند الله حتى يكون نزولها إلينا لا إليه لأنا نحن المستحقون دونه فإن ملخص معنى قوله : ( لو كانت النبوة حقاً ) الخ لو كان ما تدعيه من النبوة حقاً لكنت أنا النبي لا أنت وإذا لم يكن الأمر كذلك فليست بحق ، ومآله تعليق الايمان بحقية النبوة بكون نفسه نبياً» . وأنت تعلم أن إطلاق النبوة وقولهم { رُسُلُ الله } ليس بينهما كمال الملاءمة بحسب الظاهر كما لا يخفى ، فالحق سقوط هذا القول عن درجة الإعتبار وإن روي مثله عن ان جريج لما في تطبيقه على ما في الآية من مزيد العناية .
و { مِثْلَ مَا أُوتِىَ } نصب على أنه نعت لمصدر محذوف و ( ما ) مصدرية أي حتى نؤتاها إيتاء مثل إيتاء رسل الله ، وإضافة الإيتاء إليهم لأنهم منكرون لإيتائه عليه الصلاة والسلام ، و { حَيْثُ } مفعول لفعل مقدر أي يعلم وقد خرجت عن الظرفية بناء على القول بتصرفها ولا عبرة بمن أنكره ، والجملة بعدها كما نص عليه أبو علي في «كتاب الشعر» صفة لها ، وإضافتها إلى ما بعدها حيث استعملت ظرفاً .

(6/16)


وقال الرضي : الأولى : أن حيث مضافة ولا مانع من إضافتها وهي اسم إلى الجملة ، وبحث فيه ، ولا يجوز فيها هنا عند الكثير أن تكون مجرورة بالإضافة لأن أفعل بعض ما يضاف إليه ، ولا منصوبة بأفعل نصب الظرف لأن علمه تعالى غير مقيد بالظرف وممن نص على ذلك ابن الصائغ ، وجوز بعضهم الثاني ورد ما علل به المنع منه بأن يجوز جعل تقييد علمه تعالى بالظرف مجازياً باعتبار ما تعلق به بل ذلك أولى من إخراج حيث عن الظرفية فإنه إما نادر أو ممتنع .
وجملة { الله أَعْلَمُ } الخ استئناف بياني ، والمعنى أن منصب الرسالة ليس مما ينال بما يزعمونه من كثرة المال والولد وتعاضد الأسباب والعدد وإنما ينال بفضائل نفسانية ونفس قدسية أفاضها الله تعالى بمحض الكرم والجود على من كمل استعداده ، ونص بعضهم على أنه تابع للاستعداد الذاتي وهو لا يستلزم الايجاب الذي يقوله الفلاسفة لأنه سبحانه إن شاء أعطى ذلك وإن شاء أمسك وإن استعد المحل ، وما في «المواقف» من أنه لا يشترط في الإرسال الاستعداد الذاتي بل الله تعالى يختص برحمته من يشاء محمول على الاستعداد الذاتي الموجب ، فقد جرت عادة الله تعالى أن يبعث من كل قوم أشرفهم وأطهرهم جبلة ، وتمام البحث في موضعه . وقرأ أكثر السبعة { *رسالاته } بالجمع ، وعن بعضهم أنه يسن الوقف على { أُوتِىَ رُسُلُ الله } وأنه يستجاب الدعاء بين الآيتين ولم أر في ذلك ما يعول عليه .
{ سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ } استئناف آخر ناع عليهم ما سيلقونه من فنون الشر بعدما نعى عليهم حرمانهم مما أملوه ، والسين للتأكيد ، ووضع الموصول موضع الضمير لمزيد التشنيع ، وقيل : إشعاراً بعلية مضمون الصلة أي يصيبهم ألبتة مكان ما تمنوه وعلقوا به أطماعهم الفارغة من عز النبوة وشرف الرسالة { صَغَارٌ } أي ذل عظيم هوان بعد كبرهم { عَندَ الله } يوم القيامة . وقيل : من عند الله وعليه أكثر المفسرين كما قال الفراء ، واعترضه بأنه لا يجوز في العربية أن تقول جئت عند زيد وأنت تريد من عند زيد ، وقيل : المراد أن ذلك في ضمانه سبحانه أو ذخيرة لهم عنده وهو جار مجرى التهكم كما لا يخفى { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة أو في الدنيا { بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } أي بسبب مكرهم المستمر أو بمقابلته ، وحيث كان هذا من أعظم مواد إجرامهم صرح بسببه .

(6/17)


فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)

{ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ } أي يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان ، وقالت المعتزلة؛ المراد يهديه إلى الثواب أو إلى الجنة أو يثيبه على الهدى أو يزيده ذلك { يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } فيتسع له وينفسح وهو مجاز أو كناية عن جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم حين قال له : كيف الشرح يا رسول الله؟ فقال : " نور يقذف في الصدر فينشرح له وينفسح فقيل : هل لذلك من آية يعرف بها يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } أي يخلق فيه الضلالة ( لسوء اختياره ) ، وقيل : المراد يضله عن الثواب أو عن الجنة أو عن زيادة الإيمان أو يخذله ويخلي بينه وبين ما يريده { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يكاد ( يكون فيه للخير منفذ ) وقرأ ابن كثير { ضَيّقاً } بالتخفيف ، ونافع وأبو بكر عن عاصم { حَرَجاً } بكسر الراء أي شديد الضيق والباقون بفتحها وصفاً بالمصدر للمبالغة «وأصل معنى الحرج كما قال الراغب مجتمع الشي ( وتُصوِّر منه ضيق ما بينهما ) ، ومنه قيل : للضيق حرج» ، وقال بعض المحققين : أصل معناه شدة الضيق فإن الحرجة غيضة أشجارها ملتفة بحيث يصعب دخولها . وأخرج ابن حميد وابن جرير وغيرهما عن أبي الصلت الثقفي أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ { حَرَجاً } بفتح الراء وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم { حَرَجاً } بكسرها فقال عمر : أبغوني رجلاً من كنانة واجعلوه راعياً وليكن مدلجياً فأتوه به فقال له عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال : الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء فقال عمر رضي الله تعالى عنه : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير .
{ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السماء } استئناف أو حال من ضمير الوصف أو وصف آخر ، والمراد المبالغة في ضيق صدره حيث شبه بمن يزاول ما لا ( يكاد ) يقدر عليه فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة الاستطاعة ، وفيه تنبيه على أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود ، والامتناع في ذلك عادي . وعن الزجاج معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبواً عن الحق وتباعداً في الهرب منه ، وأصل { يَصْعَدُ } يتصعد وقد قرىء به فادغمت التاء في الصاد . وقرأ ابن كثير { يَصْعَدُ } وأبو بكر عن عاصم { *يصاعد } وأصله أيضاً يتصاعد ففعل به ما قتدم .
{ قَالَ كذلك } إشارة إلى الجعل المذكور بعده على ما مر تحقيقه أو إشارة إلى الجعل السابق أي مثل ذلك الجعل أي جعل الصدر حرجاً على الوجه المذكور { يَجْعَلُ الله الرجس } أي العذاب أو الخذلان . وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال : الرجس ما لا خير فيه . وقال الراغب : «الرجس الشيء القذر» ، وقال الزجاج : هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة . وأصله على ما قيل من الارتجاس وهو الاضطراب { عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } أي عليهم . ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل .

(6/18)


وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126)

{ وهذا } أي ما جاء به القرآن كما روي عن ابن مسعود أو الإسلام كما روي عن ابن عباس أو ما سبق من التوفيق والخذلان كما قيل . { صراط رَبّكَ } أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته وطريقته التي اقتضتها حكمته . ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطب من اللطف { مُّسْتَقِيماً } لا اعوجاج فيه ولا زيغ أو عادلاً مطرداً وهو إما حال مؤكدة لصاحبها وعاملها محذوف وجوباً مثل هذا أبوك عطوفاً أو مؤسسة والعامل فيها معنى الإشارة أو ها التي للتنبيه { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات } بيناها مفصلة { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } أي يتذكرون ما في تضاعيفها فيعلمون أن كل الحوادث بقضائه سبحانه وقدره وأنه جل شأنه حكيم عادل في جميع أفعاله ، وتخصيص هؤلاء القوم بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك التفصيل .

(6/19)


لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)

{ لَهُمْ } أي لهؤلاء القوم { دَارُ السلام } أي الجنة كما قال قتادة ، والسلام هو الله تعالى كما قال الحسن . وأبن زيد والسدي . وإضافة الدار إليه سبحانه للتشريف . وقال الزجاج والجبائي : { السلام } بمعنى السلامة أي دار السلامة من الآفات والبلايا وسائر المكاره التي يلقاها أهل النار . وقيل : هو بمعنى التسليم أي دار تحيتهم فيها سلام { عِندَ رَبّهِمْ } أي في ضمانه وتكفله التفضلي أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنه ذلك غيره . والجملة مستأنفة ، وقيل : صفة لقوم { وَهُوَ وَلِيُّهُم } أي محبهم أو ناصرهم { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي بسبب أعمالهم الصالحة أو متوليهم متلبساً بجزائها بأن يتولى إيصال الثواب إليهم .
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } [ الأنعام : 112 ] لتفاوت مراتب أرواحهم في الصفاء والكدورة والنور والظلمة والقرب والبعد . ومن هنا قيل : والجاهلون لأهل العلم أعداء . وكلما اشتد التفاوت اشتدت العداوة وزاد الإيذاء الناشيء منها . ولهذا ورد في بعض الآثار « ما أوذي نبي مثل ما أوذيت » . وتسبب هذه العداوة مزيد التوجه إلى الحق جل شأنه والإعراض عن الملاذ والحرص على الفضيلة التي يقهر بها العدو والاحتراز عما يوشك أن يكون سبباً للطعن إلى غير ذلك { وَلِتَصْغَى } أي تميل { إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ * اللذين * لاَ يُؤْمِنُونَ } وهم المحجوبون لوجود المناسبة { وَلِيَرْضَوْهُ } بمحبتهم إياه { وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } [ الأنعام : 113 ] من اسم التعاضد والتظاهر { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً * بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ *الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب } المعجز الجامع { مُفَصَّلاً } [ الأنعام : 114 ] فيه الحق والباطل بحث لا يبقى معه مقال لقائل فطلب ما سواه مما لا يليق بعاقل ولا يميل إليه إلا جاهل { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } أي تم قضاؤه في الأزل بما قضى وقدر { صِدْقاً } مطابقاً لما يقع { وَعَدْلاً } مناسباً للاستعداد ، وقيل : صدقاً فيما وعد وعدلاً فيما أوعد { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } [ الأنعام : 115 ] لأنها على طرز ما ثبت في علمه والانقلاب محال { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الارض } أي من الجهة السفلية بالركون إلى الدنيا وعالم النفس والطبيعة { يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } لأنهم لا يدعون إلا للشهوات المبعدة عن الله تعالى { إِن يَتَّبِعُونَ } أي ما يتبعون لكونهم محجوبين في مقام النفس بالأوهام والخيالات { إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } [ الأنعام : 116 ] بقياس الغائب على الشاهد { وَذَرُواْ ظاهر الإثم } من الأقوال والأفعال الظاهرة على الجوارح { وَبَاطِنَهُ } [ الأنعام : 120 ] من العقائد الفاسدة والعزائم الباطلة . وقال سهل : ظاهر الإثم المعاصي كيف كانت وباطنه حبها ، وقال الشبلي : ظاهر الإثم الغفلة وباطنه نسيان مطالعة السوابق ، وقال بعضهم : ظاهر الإثم طلب الدنيا وباطنه طلب الجنة لأن الأمرين يشغلان عن الحق وكل ما يشغل عنه سبحانه فهو إثم ، وقيل : ظاهر الإثم حظوظ النفس وباطنه حظوظ القلب ، وقيل : ظاهر الإثم حب الدنيا وباطنه حب الجاه ، وقيل : ظاهر الإثم رؤية الأعمال وباطنه سكون القلب إلى الأحوال .

(6/20)


{ وَإِنَّ الشياطين } وهم المحجوبون بالظاهر عن الباطن { لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ } أي من يواليهم من المنكرين { ليجادلوكم } بما يتلقونه من الشبه { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } وتركتم ما أنتم عليه من التوحيد { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] مثلهم { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } بالجهل وهوى النفس أو الاحتجاب بصفاتها { فأحييناه } بالعلم ومحبة الحق أو كشف حجب صفاته { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } من هدايتنا وعلمنا أو نوراً من صفاتنا { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } بالمجاهدات { فأحييناه } بروح المشاهدات أو ميتاً بشهوات النفس { فأحييناه } بصفاء القلب أو ميتاً برؤية الثواب فأحييناه برؤية المآب إلى الوهاب وجعلنا له نور الفراسة أو الإرشاد ، وقال جعفر الصادق : المعنى أو من كان ميتاً عنا فأحييناه بنا وجعلناه إماماً يهدي بنور الإجابة ويرجع إليه الضلال ، وقال ابن عطاء : أو من كان ميتاً بحياة نفسه وموت قلبه فأحييناه بإماتة نفسه وحياة قلبه وسهلنا عليه سبل التوفيق وكحلناه بأنوار القرب فلا يرى غيرنا ولا يلتفت إلى سوانا { كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات } أي ظلمات نفسه وصفاته وأفعاله { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } لسوء استعداده { كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين } المحجوبين { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأنعام : 122 ] فاحتجبوا به { وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } ويكون ذلك سبباً لمزيد كمال العارفين حسبما تقدم في جعل الأعداء للأنبياء عليهم السلام . ويمكن أن يكون إشارة إلى ما في الأنفس أي { وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ } وجود الإنسان التي هي البدن { أكابر مُجْرِمِيهَا } من قوى النفس الأمارة { لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } بإضلال القلب { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } [ الأنعام : 123 ] لأن عاقبة مكرهم راجع إليهم ءافاقاً وأنفساً { وَإِذَا جَاءتْهُمْ } على يد الرسول عليه الصلاة والسلام { قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله الله } من الرسالة إليهم { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } وذلك حيث خزينة الاستعداد عامرة والنفس قدسية { سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ } بالاحتجاب عن الحق { صَغَارٌ عِندَ الله } أي ذل بذهاب قدرهم حين خراب أبدانهم { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ } [ الأنعام : 124 ] بحرمانهم الملائم ووصول المنافي إليهم في المعاد الجسماني { فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ } إليه ويعرفه به { يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } بأن يقذف فيه نوراً من أنواره فيعرفه بذلك { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } لا يدخل فيه شيء من أنوار شمس العرفان { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السماء } نبواً وهرباً عن قبول ذلك لأنه خلاف استعداده ، وقيل : المعنى فمن يرد الله أن يهديه للتوحيد يشرح صدره لقبول نور الحق وإسلام الوجود إلى الله سبحانه بكشف حجب صفات نفسه عن وجه قلبه الذي يلي النفس فينفسح لقبول نور الحق ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً باستيلاء النفس عليه وضغطها له كما يصعد في سماء روحه مع تلك الهيآت البدنية المظلمة وذلك أمر محال ، وقيل : غير ذلك { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس } أي رجس التلوث بنتن الطبيعة

(6/21)


{ عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنعام : 125 ] وهم المحجوبون عن الحق { وهذا } أي طريق التوحيد أو الجعل { صراط رَبّكَ } أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته التي اقتضتها حكمته { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } [ الأنعام : 126 ] المعارف والحقائق المركوزة في استعدادهم { لَهُمْ دَارُ السلام عِندَ رَبّهِمْ } [ الأنعام : 127 ] هي ساحة جلاله وحضائر قدس صفاته ومساقط وقوع أنوار جماله المنزهة عن خطر الحجاب وعلة العتاب وطريان العذاب وهو وليهم بنعت رعايتهم وكشف جماله لهم أو وليهم يحفظهم عن رؤية الغير في البين . ويجوز أن يكون المعنى لهم دار السلامة من كل خوف وآفة حيث يكون العبد فيها في ظل الذات والصفات وريف البقاء بعد الفناء؛ والكثير على أن السلام من أسمائه تعالى فما ظنك بدار تنسب إليه جل شأنه
: إذا نزلت سلمى بواد فماؤه ... زلال وسلسال وأشجاره ورد
نسأل الله تعالى أن يدخلنا هاتيك الدار بحرمة نبيه المختار صلى الله عليه وسلم .

(6/22)


وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)

{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } نصب على الظرفية والعامل فيه مقدر أي أذكر أو نقول أو كان ما لا يذكر لفظاعته ، وجوز أن يكون مفعولاً به لمقدر أيضاً أي أذكر ذلك اليوم ، والضمير المنصوب لمن يحشر من الثقلين ، وقيل : للكفار . وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب { يُحْشَرُ } بالياء والباقون بنون العظمة على الإلتفات لتهويل الأمر .
وقوله سبحانه : { كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } على إضمار القول ، والمعشر الجماعة أمرهم واحد ، وقال الطبرسي : «الجماعة التامة من القوم التي تشتمل على أصناف الطوائف ومنه العشرة لأنها تمام العقد» ، والمراد بالجن أو بمعشرهم على ما قيل الشياطين ، وذكر بعض الفضلاء أن الجن يقال على وجهين ، أحدهما : للروحانيين المستترين عن الحواس كلها فيدخل فيهم الملائكة والشياطين ، وثانيهما : للروحانيين مما عدا الملائكة ، وقال آخرون : إن الروحانيين ثلاثة أخيار وهم الملائكة وأشرار وهم الشياطين وأوساط فيهم أخيار وأشرار ، وأياً ما كان فالمقصود بالنداء الأشرار الذين يغوون الناس فإنهم أهل للخطاب بقوله سبحانه : { قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس } أي أكثرتم من إغوائهم وإضلالهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والزجاج ، فالكلام على حذف مضاف أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كما يقال : استكثر الأمير من الجنود وهذا بطريق التوبيخ والتقريع . قيل : وإنما ذكر المعشر في جانب الجن دون جانب الإنس لما أن الإغواء كثيراً ما يقتضي التظاهر والتعاون ، وفي المعشر نوع إيماء إليه ولا كذلك الغوى .
{ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم } أي الذين أطاعوهم واتبعوهم { مّنَ الإنس } أي الذين هم من الإنس أو كائنين منهم ، فمن إما لبيان الجنس أو متعلقة بمحذوف وقع حالاً من أولياء { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أي انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها والجن بالإنس حيث اتخذوهم قادة ورؤساء واتبعوا أمرهم فادخلوا عليهم السرور بذلك . وعن الحسن وابن جريج والزجاج وغيرهم أن استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا إذا سافر أحدهم وخاف الجن قال : أعوذ بسيد هذا الوادي . واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم قادرون على إعاذتهم وإجارتهم . وعن محمد بن كعب أن المراد باستمتاع بعضهم ببعض طاعة بعضهم بعضاً وموافقته له ، وقال البلخي : يحتمل أن يكون الاستمتاع مقصوراً على الإنس فيكون الإنس قد استمتع بعضهم ببعض الجن دون الجن .
{ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا } وهو يوم القيامة على ما قاله غير واحد ، وعن الحسن والسدي وابن جريج أنه الموت والأول أولى ، وإنما قال الأولياء ما قالوا اعترافاً بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى وتكذيب البعث وإظهاراً للندامة عليها وتحسراً على حالهم واستسلاماً لربهم وإلا ففائدة الخبر ولازمها مما لا تحقق له .

(6/23)


قيل : ولعل الإقتصار على حكاية كلام الضالين للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً . وقرىء { *آجالنا } بالجمع و { فَلْيُؤَدّ الذى } بالتذكير والإفراد ، قال أبو علي : هو جنس أو وقع الذي موقع التي .
{ قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى : حينئذ؟ فقيل قال : { النار مَثْوَاكُمْ } أي منزلكم ومحل إقامتكم أو ذات ثوائكم على أن الثوى اسم مكان أو مصدر { خالدين فِيهَا } حال من ضمير الجمع والعامل فيها ( مثوى ) إن كان مصدراً وقدروا عاملاً أي يبوؤن خالدين إن كان مثوى اسم مكان لأنه حيئنذ لا يصلح للعمل . وقال أبو البقاء : إن العامل في الحال على هذا التقدير معنى الإضافة ، وردوه بأن النسبة الإضافية لا تعمل ولا يصح أن تنصب الحال { إِلاَّ مَا شَاء الله } نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى استثنى قوماً قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكي وأن ما بمعنى من ، ولا يخفى أن استعمال ما للعقلاء قليل فيبعد ذلك كما يبعد شمول ما تقدم للمستثنى ، وقيل : إن ما مصدرية وقتية على ما هو الظاهر ، والمراد إلا الوقت الذين ينقلون فيه إلى الزمهرير ، فقد روي أنهم يدخلون وادياً ( فيه ) من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم ، ورد بأن فيه صرف النار من معناها العلمي وهو دار العذاب إلى اللغوي ، وأجيب عنه بأنه لا بأس به إذا دعت إليه ضرورة ، وقيل عليه : إن المعترض لا يسلم الضرورة لإمكان غير هذا التأويل مع أن قوله سبحانه : { مَثْوَاكُمْ } يقتضي ما ذهب إليه المعترض بحسب الظاهر ، وقيل : إن لهم وقتاً يخرجون فيه من دار العذاب ، وذلك أنه روي أنهم يفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم استهزاء بهم ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } [ المطففين : 34 ] .
وأنت تعلم أن ظواهر الآيات صادحة بعدم تخفيف العذاب عن الكفار بعد دخولهم النار وفي إخراجهم هذا تخفيف أي تخفيف وإن كان بعده ما يشيب منه النواصي ، ولعل الخبر في ذلك غير صحيح ، والمشهور أن المرائين يدنون من الجنة حتى إذا استنشقوا ريحها ورأوا ما أعد الله تعالى لعباده فيها نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها الخبر بتمامه وقد قدمناه ويكون ذلك قبل إدخالهم النار كما لا يخفى على من راجع الحديث .
وقيل : المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول كأنه قيل النار مثواكم أبداً إلا ما أمهلكم ، ورده أبو حيان بأنه في الاستثناء يشترط اتحاد زمان المخرج والمخرج منه فإذا قلت قام القوم إلا زيداً فإن معناه إلا زيداً ما قام ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيداً ما يقوم في المستقبل .

(6/24)


وكذلك سأضرب القوم إلا زيداً معناه إلا زيداً فإني لا أضربه في المستقبل ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيداً فإني ما ضربته؛ وأجيب بأن هذا إذا لم يكن الاستثناء منقطعاً أما إذا كان منقطعاً فإنه يسوغ كقوله تعالى : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى } [ الدخان : 56 ] أي لكن الموتة الأولى فإنهم ذاقوها فلعل القائل بأن المستثنى زمان إمهالهم يلتزم انقطاع الاستثناء كما في هذه الآية ولا محذور فيه مع ورود مثله في القرآن وفيه نظر ظاهر . «وذهب الزجاج إلى وجه لطيف إنما يظهر بالبسط فقال : المراد والله تعالى أعلم إلا ما شاء الله من زيادة العذاب ولم يبين وجه استقامة الاستثناء والمستثنى على هذا التأويل ( لم يغاير المستثنى منه في الحكم ) ، قال ابن المنير : ونحن نبينه فنقول : العذاب والعياذ بالله عز وجل على درجات متفاوتة فكأن المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية وتنتهي إلى أقصى النهاية حتى تكاد لبلوغها الغاية ومباينتها لأنواع العذاب في الشدة تعد خارجة عنه ليست من جنس العذاب والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد كما عبروا عن كثرة الفعل برب وقد وهما موضوعان لضد الكثرة من القلة وذلك أمر يعتاد في لغة العرب .
لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم ... الى المنتهى ومن السرور يكاد
فكأن هؤلاء اذا نقلوا الى غاية اعذاب ونهاية الشدة فقد وصلوا الى حد الذي يكاد أن يخرج يخرج عن اسم العذاب المطلق حتى تسوغ معاملته في التعبير بمعاملة المغاير وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط ، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ما يؤيده» انتهى ، ونقل عن بعضهم أن هذا الاستثناء معذوق بمشيئة الله تعالى رفع العذاب أي يخلدون إلى أن يشاء الله تعالى لو شاء . وفائدته إظهار القدرة والإذعان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى شأنه قد شاءه وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن لا يعذبهم ولو عذبهم لا يخلدهم وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل ، وفي الآية على هذا دفع في صدور المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة وأنه لا يجوز في العقل مقتضى ذلك ، ولعل هذا هو الحق الذي لا محيص عنه ، وفي معناه ما قيل : المراد المبالغة في الخلود بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله تعالى وهو مما لا يكون مع إيراده في صورة الخروج واطماعهم في ذلك تهكماً وتشديداً للأمر عليهم ، ومن أفاضل العصريين الأكابر من ادعى ذلك الوجه له وانه قد خلت عنه الدفاتر وهو مذكور في غير ما موضع فإن كان لا يدري فتلك مصيبة وإن كان يدري فالمصيبة أعظم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في ذلك عند قوله سبحانه : { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } [ هود : 108 ] .
{ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في التعذيب والإثابة أو في كل أفعاله { عَلِيمٌ } بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء أو بكل شيء ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً .

(6/25)


وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)

{ وكذلك } أي مثل ما سبق من تمكين الجن من إغواء الإنس وإضلالهم أو مثل ما سبق { نُوَلّى بَعْضَ الظالمين } من الإنس { بَعْضًا } آخر منهم أي نجعلهم بحيث يتولونهم ويتصرفون فيهم في الدنيا بالإغواء والإضلال وغير ذلك ، واستدل به على أن الرعية إذا كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالما مثلهم ، وفي الحديث : « كما تكونوا يولى عليكم » أو المعنى نجعل بعضهم قرناء بعض في العذاب كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقتراف ما يؤدي إليه من القبائح كما قيل ، وروي مثله عن قتادة { بمَا كَانُوا يَكْسبُونَ أي بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي .

(6/26)


يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)

{ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس } شروع في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشرين وتقريعهم بتفريطهم فيما يتعلق بخاصة أنفسهم { أَلَمْ يَأْتِكُمْ } في الدنيا { رُسُلُ } من عند الله عز وجل كائنة { مّنكُمْ } أي من جملتكم لكن لا على أن يأتي كل رسول كل واحدة من الأمم ولا على أن أولئك الرسل عليهم السلام من جنس الفريقين معاً بل على أن يأتي كل أمة رسول خاص بها وعلى أن تكون من الإنس خاصة إذ المشهور أنه ليس من الجن رسل وأنبياء ، ونظيره في هذا قوله تعالى : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } ( الرحمن؛ 22 ) فإنهما إنما يخرجان من الملح فقط كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى . والفراء قدر هنا مضافاً لذلك أي من أحدكم ، وقال غير واحد : المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل ، وقد ثبت أن الجن استمعوا القرآن وأنذروا به قومهم فقد قال سبحانه : { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرءان } إلى قوله عز وجل : { وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } [ الأحقاف : 29 ] . وعن الضحاك وغيره أن الله تعالى أرسل للجن رسلاً منهم وصرح بعضهم أن رسولاً منهم يسمى يوسف ، وظاهر الآية يقتضي إرسال الرسل إلى كل من المعشرين من جنسهم وادعى بعض قيام الإجماع على أنه لم يرسل إلى الجن رسول منهم وإنما أرسل إليهم من الإنس وهل كان ذلك قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام أم لا؟ الذي نص عليه الكلبي الثاني قال : كان الرسل يرسلون إلى الإنس حتى بعد محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى } التي أوحيتها إليهم ، والجملة صفة أخرى لرسل محققة لما هو المراد من إرسالهم من التبليغ والإنذار وقد حصل ذلك بالنسبة إلى الثقلين { وَيُنذِرُونَكُمْ } أي يخوفونكم بما في تضاعيفها من القوارع { لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } أي يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه ما عاينوا .
{ قَالُواْ } استئناف بياني ، والمقصود منه حكاية قولهم : كيف يقولون وكيف يعترفون { شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } أي بإتيان الرسل وقصهم وإنذارهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب ، وقوله سبحانه : { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } مع ما عطف عليه اعتراض لبيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكاب القبائح التي ارتكبوها وألجاهم في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذاب وذم لهم بذلك وتسفيه لرأيهم فلا تكرار في الشهادتين أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئة واللذات الخسيسة الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسل عليهم السلام واجترأوا على ارتكاب ما يجرهم إلى العذاب المؤبد الذي أنذروهم إياه { وَشَهِدُواْ } في الآخرة { عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ } في الدنيا كَافرينَ } بالآيات والنذر واضطروا إلى الاستسلام لأشد العذاب ، وفي ذلك من تحسرهم وتحذير السامعين عن مثل صنيعهم ما لا مزيد عليه .

(6/27)


ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)

{ ذلك } إشارة إلى إتيان الرسل أو السؤال المفهوم من { أَلَمْ يَأْتِكُمْ } [ الأنعام : 130 ] أو ما قص من أمرهم أعني شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب ، وهو إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر أي الأمر ذلك أو مبتدأ خبره مقدر أو خبره قوله سبحانه : { أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى } بحذف اللام على أنَّ ( أَنْ ) مصدرية أو مخففة من أن وضمير الشأن الذي هو اسمها ، وإما منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر كخذ وفعلنا ونحو ذلك ، وجوز أن يكون { إِن لَّمْ } الخ بدلا من اسم الإشارة ، وقوله تعالى : { بِظُلْمٍ } متعلق إما بمهلك أي بسبب ظلم أو بمحذوف وقع حالا من القرى أي متلبسة بظلم أو حالا من { رَبَّكَ } أو من ضمير في { مُهْلِكَ } ، والمراد مهلك أهل القرى إلا أنه تجوز في النسبة أو حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولا يأباه قوله تعالى : { وَأَهْلُهَا غافلون } لأن أصله وهم غافلون فلما حذف المضاف أقيم الظاهر مقام ضميره .
واعترض شيخ الإسلام على جعل { بِظُلْمٍ } حالاً من { رَبَّكَ } أو من ضميره بأنه يأباه أن غفلة أهلها مأخوذة في معنى الظلم وحقيقته لا محالة فلا يحسن تقييده بالجملة بعد ، وأورد عليه أنه قد يتصور الظلم مع عدم الغفلة بأن يكون حال التيقظ ومقارنة الإنقياد ، وإن كان المراد ههنا هو الإهلاك حال الغفلة ففائدة التقييد تعيين المراد ولا يخفى حسنه ولا يخفى ما فيه ، واختار قدس سره من احتمالات المشار إليه وأوجه إعراب اسم الإشارة الثالث من كل قال : والمعنى ذلك ثابت لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلم قبل أن ينهوا عنه وينبهوا على بطلانه برسول وكتاب وإن قضى به بداهة العقول وينذروا عاقبة جناياتهم أي لولا انتفاء كونه تعالى معذباً لهم قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب لما أمكن التوبيخ بما ذكر ولما شهدوا على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب ولا اعتذروا بعدم إتيان الرسل إليهم كما في قوله سبحانه : { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } [ طه : 134 ] وإنما علل ما ذكر بانتفاء التعذيب الدنيوي الذي هو إهلاك القرى قبل الإنذار مع أن التقريب في تعليله بانتفاء مطلق التعذيب من غير بعث الرسل أتم على ما نطق به قوله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسرارء : 15 ] على ما اختاره أهل السنة في معناه لبيان كمال نزاهته سبحانه على كلا التعذيبين من غير إنذار على أبلغ وجه وآكده .

(6/28)


ولا يخفى أن لما اختاره وجهاً وجيهاً خلا أن قوله فيما بعد إن جعل ذلك إشارة إلى ارسال الرسل عليهم السلام وإنذارهم وخبر المبتدأ محذوف كما أطبق عليه الجمهور بمعزل عن مقتضى المقام ممنوع وعلى سائر الاحتمالات الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب ، والظاهر أن انتفاء الإهلاك قبل الإنذار لا يختص بالإنس بل الجن أيضاً لا يهلكون قبل إنذارهم وإن لم يشع إطلاق أهل القرى عليهم ، وهذا مبني على محض فضل الله تعالى عندنا ، والمعتزلة يقولون : يجب على الله تعالى أن لا يعذب قبل الإنذار وقيام الحجة وبنوه على قاعدة الحسن والقبح العقليين ، وأئمتنا يثبتون ذلك لكنهم لا يجعلونه مناط الحكم كما زعم المعتزلة .

(6/29)


وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)

{ وَلِكُلّ } من المكلفين جناً كانوا أو إنساً { درجات } أي مراتب فيتناول الدركات حقيقة أو تغليباً { مّمَّا عَمِلُواْ } أي من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة أو من أجل أعمالهم أو من جزائها ، فمن إما ابتدائية أو تعليلية أو بيانية بتقدير مضاف { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } فلا يخفى عليه سبحانه عمل عامل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب . وقرأ ابن عامر { تَعْمَلُونَ } بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة ولو أريد شمول { يَعْمَلُونَ } بالتحتية للمخاطب بأن يراد جميع الخلق فلا مانع من اعتبار تغليب الغائب على المخاطب سوى أن ذلك لم يعهد مثله في كلامهم .

(6/30)


وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ (133)

{ وَرَبُّكَ الغنى } أي لا غنى عن كل شيء كائناً ما كان إلا هو سبحانه فلا احتياج له عز شأنه إلى العباد ولا إلى عبادتهم ، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإظهار في مقام الإضمار والإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من اللطف الجزيل ، والكلام مبتدأ وخبر . وقوله سبحانه : { ذُو الرحمة } خبر آخر ، وجوز أن يكون هو الخبر و { الغنى } صفة أي الموصوف بالرحمة العامة فيترحم على العباد بالتكليف تكميلاً لهم ويمهلهم على المعاصي إلى ما شاء ، وفي ذلك تنبيه على أن ما تقدم ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتوطئة لقوله سبحانه : { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أي ما به حاجة إليكم أصلاً إن يشأ يذهبكم أيها العصاة أو أيها الناس بالإهلاك ، وفي تلوين الخطاب من تشديد الوعيد ما لا يخفى { وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم } أي وينشىء من بعد إذهابكم { مَا يَشَاء } من الخلق ، وإيثار ( ما ) على من لإظهار كمال الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء { كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ } أي من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام لكنه سبحانه أبقاكم ترحماً عليكم ، وما في { كَمَا } مصدرية ومحل الكاف النصب على المصدرية أو الوصفية لمصدر الفعل السابق أي وينشىء إنشاء كإنشائكم أو يستخلف استخلافاً كائناً كإنشائكم ، و { مِنْ } لابتداء الغاية ، وقيل : هي بمعنى البدل والشرطية استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الغنى والرحمة .

(6/31)


إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)

{ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ } أي إن الذي توعدونه من القيامة والحساب والعقاب والثواب وتفاوت الدرجات والدركات ، وصيغة الاستقبال للدلالة على الإستمرار التجددي ، و { مَا } اسم ( إنَّ ) ولا يجوز أن تكون الكافة لأن قوله سبحانه : { لأَتٍ } يمنع من ذلك كما قال أبو البقاء ، وهو خبر ( إنَّ ) ، والمراد : إن ذلك لواقع لا محالة ، وإيثار آت على واقع لبيان كمال سرعة وقوعه بتصويره بصورة طالب حثيث لا يفوته هارب حسبما يعرب عنه قوله تعالى : { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي جاعلي من طلبكم عاجزاً عنكم غير قادر على إدراككم . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى وما أنتم بسابقين ، وإيثار صيغة الفاعل على المستقبل للإيذان بقرب الإتيان والدوام الذي يفيده العدول عن الفعلية إلى الإسمية متوجه إلى النفي فالمراد دوام انتفاء الإعجاز لا بيان دوام انتفائه ، وله نظائر في الكتاب الكريم .

(6/32)


قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)

{ قُلْ ياأهل * قَوْمٌ } أمر له صلى الله عليه وسلم أن يواجه الكفار بتشديد التهديد وتكرير الوعيد ويظهر لهم ما هو عليه من غاية التصلب في الدين ونهاية الوثوق بأمره وعدم المبالاة بهم أصلاً إثر ما بين لهم حالهم ومآلهم أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار . { اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } أي على غاية تمكنكم واستطاعتكم على أن المكانة مصدر مكن إذا تمكن أبلغ التمكن؛ وجوز أن يكون ظرفاً بمعنى المكان كالمقام والمقامة ، ومن هنا فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه ابن المنذر عنه بالناحية وتجوز به عن ذلك من فسره بالحالة أي اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها . وقرأ أبو بكر عن عاصم { *مكاناتكم } على الجمع في كل القرآن ، وزعم الواحدي أن الوجه الإفراد وفيه نظر ، والمعنى أثبتوا على كفركم ومعاداتكم لي { مَكَانَتِكُمْ إِنّى عامل } على مكانتي أي ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم . / والأمر للتهديد . وإيراده بصيغة الأمر كما قال غير واحد مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعاً عازماً عليه فيحمله بالأمر على ما يؤدي إليه وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن يتفصى عنه . وجعل العلامة الثاني ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية تشبيهاً لذلك المعنى بالمعنى المأمور به الواجب الذي لا بد أن يكون ممن ضربت عليه الشقوة .
{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } أي إنكم لتعلمون ذلك لا محالة فسوف لتأكيد مضمون الجملة . والعلم عرفاني فيتعدى إلى واحد ، و ( من ) استفهامية معلقة لفعل العلم محلها الرفع على الابتداء . والجملة بعدها خبرها ومجموعهما ساد مسد مفعول العلم . والمراد بالدار الدنيا لا دار السلام كما قيل ، وبالعاقبة العاقبة الحسنى أي عاقبة الخير لأنها الأصل فإنه تعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة وقنطرة المجاز إليها وأراد من عباده أعمال الخير لينالوا حسن الخاتمة . وأما عاقبة الشر فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها ويجوز أن تكون ما موصولة فمحلها النصب على أنها مفعول { تَعْلَمُونَ } أي فسوف تعلمون الذي له عاقبة الدار ، وفيه مع الإنذار المستفاد من التهديد إنصاف في المقال وتنبيه على كمال وثوق المنذر بأمره . وقرأ حمزة والكسائي { يَكُونَ } بالتحتية لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي .
{ أَنَّهُ } أي الشأن { لاَ يُفْلِحُ الظالمون } أي لا يظفروا بمطلوبهم ، وإنما وضع الظلم موضع الكفر لأنه أعم منه وهو أكثر فائدة لأنه إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم .

(6/33)


وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)

{ وَجَعَلُواْ } أي مشركو العرب { لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ } أي خلق . قال الراغب : «الذرء ، إظهار الله تعالى ما ( أبدعه ) يقال : ذرأ الله تعالى الخلق أي أوجد أشخاصهم» ، وقال الطبرسي : «الذرء الخلق على وجه الاختراع وأصله الظهور ومنه ملح ذرْآني ( وذَرَآني ) لظهور بياضه» . و ( من ) متعلقة بجعل و ( ما ) موصولة وجملة { ذَرَأَ } صلته والعائد محذوف . وقوله سبحانه : { مِنَ الحرث والانعام } متعلق بذرأ . وجوز أبو البقاء أن يكون { مّمَّا } متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من قوله تعالى : { نَصِيباً } وأن يكون { مِنَ الحرث } حالاً أيضاً من ما أو من العائد المحذوف . و { نَصِيباً } على كل تقدير مفعول جعل وهو متعد لواحد ، وجوز أن يكون متعدياً لاثنين أولهما { مِمَّا ذَرَأَ } على أن من تبعيضية وثانيهما { نَصِيباً } ، وقيل : الأمر بالعكس . واعترض بأنه لا يساعده سداد المعنى ، وأياً ما كان فهذا شروع في تقبيح أحوالهم الفظيعة بحكاية أقوالهم وأفعالهم الشنيعة .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : إنهم كانوا إذا احترثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله تعالى منه جزءاً وجزءاً للوثن فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه فإن سقط شيء مما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقي شيئاً مما جعلوه لله تعالى جعلوه للوثن وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله تعالى فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا : هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوا لله تعالى وإن سبقهم الماء الذي سموا لله تعالى فسقي ما سموا للوثن تركوه للوثن ، وكانوا يحرمون من أنعامهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فيجعلونه للأوثان ويزعمون أنهم يحرمون لله سبحانه . وروي أنهم كانوا يعينون شيئاً من حرث ونتاج لله تعالى فيصرفونه إلى الضيفان والمساكين وأشياء منهما لآلهتهم فينفقون منها لسدنتها ويذبحون عندها فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً رجعوا فجعلوه لآلهتهم وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم تركوه معتلين بأن الله تعالى غني وما ذاك إلا لفرط جهلهم حيث أشركوا الخالق القادر جماداً لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه سبحانه بأن جعلوا الزاكي له ، واختار هذه الرواية الزجاج وغيره .
وأصل النظم الكريم وجعلوا لله الخ ولشركائهم فطوى ذكر الشركاء لأنه على ما قيل أمر محقق عندهم وأشير إلى تقديره بالتصريح به في قوله تعالى : { فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا } أي الأوثان ، وسموهم شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم فهم شركاؤهم فيها : ويحتمل أن الإضافة لأدنى ملابسة حيث إنهم زعموا كونهم شركاء لله تعالى .

(6/34)


وقرأ الكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش { بِزَعْمِهِمْ } بضم الزاي وهو لغة فيه ، وجاء الكسر أيضاً فهو مثلث كالود وقد تقدم معناه ، وإنما قيد به الأول للتنبيه على أنه في الحقيقة ليس يجعل لله سبحانه غير مستتبع لشيء من الثواب كالتطوعات التي يبتغى بها وجه الله تعالى ، وقيل : للإيذان بأن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله تعالى به . ورد بأن ذلك مستفاد من الجعل ولذلك لم يقيد به الثاني . وجوز أن يكون ذلك تمهيداً لما بعده على أن معنى قولهم : { هذا لِلَّهِ } مجرد زعم منهم لا يعلمون بمقتضاه الذي هو اختصاصه به تعالى .
فقوله سبحانه : { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ } بيان وتفصيل له أي فما عينوه لشركائهم لا يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لله تعالى وما عينوه لله تعالى يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لآلهتهم { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } فيما فعلوا من إيثار مخلوق عاجز عن كل شيء على خالق قادر على كل شيء وعملهم بما لم يشرع لهم ، و { سَاء } يجري مجرى بئس ، فما سواء كانت موصولة أو موصوفة فاعل ، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم هذا ، وقيل : إن { سَاء } هنا غير الجارية مجرى بئس فلا تحتاج إلى مخصوص بالذم بل إلى فاعل فقط فإن فاعل الجارية يجب أن يكون معرفاً باللام أو مضافاً في الأشهر ، واختاره بعض المحققين .

(6/35)


وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)

{ وكذلك } أي ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان من الحرث والأنعام بين الله تعالى وبين شركائهم أو مثل ذلك التزيين البليغ المعهود من الشياطين { زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين } أي مشركي العرب { قَتْلَ أولادهم } فكانوا يئدون البنات الصغار بأن يدفنونهن أحياء ، وكانوا في ذلك على ما قيل فريقين أحدهما يقول : إن الملائكة بنات الله سبحانه فألحقوا البنات بالله تعالى فهو أحق بها . والآخر يقتلهن خشية الإنفاق ، وقيل : خشية ذلك والعار وهو المروي عن الحسن وجماعة ، وقيل : السبب في قتل البنات أن النعمان بن المنذر أغار على قوم فسبى نساءهم وكانت فيهن بنت قيس بن عاصم ثم اصطلحوا فأرادت كل امرأة منهن عشيرتها غير ابنة قيس فإنها أرادت من سباها فحلف قيس لا تولد له بنت إلا وأدها فصار ذلك سنة فيما بينهم ، وقيل : إنهم كانوا ينذر أحدهم إذا بلغ بنوه عشرة نحر واحد منهم كما فعله عبد المطلب في قصته المشهورة ، وإليها أشار صلى الله عليه وسلم بقوله : " أنا ابن الذبيحين " و { قَتْلَ } مفعول { زُيّنَ } مضاف إلى { أولادهم } من إضافة المصدر إلى مفعوله .
وقوله سبحانه : { شُرَكَاؤُهُمْ } فاعل له ، والمراد بالشركاء إما الجن أو السدنة ، ووسموا بذلك لأنهم شركاء في أموالهم كما مر آنفاً أو لإطاعتهم له كما يطاع الشريك لله عز اسمه . ومعنى تزيينهم لهم ذلك تحسينه لهم وحثهم عليه . وقرأ ابن عامر { زُيّنَ } بالبناء للمفعول الذي هو القتل ، ونصب الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله . وعقب ذلك الزمخشري «بأنه شيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سمجاً مردوداً كما سمج ورد
زج القلوص أبي مزادة ... فكيف به في الكلام المنثور فكيف به في الكلام المعجز ، ثم قال : والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف { شُرَكَائِهِمْ } مكتوباً بالياء ، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء لكان الأولاد شركاؤهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الإرتكاب» اه . «وقد ركب في هذا ( الفصل متن ) عمياي وتاه في تيهاء ، فقد تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة اختار كل منهم حرفاً قرأ به اجتهاداً لا نقلاً وسماعاً كما ذهب إليه بعض الجهلة فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبين منشأ غلطه ، وهذا غلط صريح يخشى منه الكفر والعياذ بالله تعالى فإن القراآت السبعة متواترة جملة وتفصيلاً عن أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم فتغليط شيء منها في معنى تغليط رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تغليط الله عز وجل نعوذ بالله سبحانه من ذلك ، وقال أبو حيان : «أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة ( موجود ) نظيرها في كلام العرب في غير ما بيت ، وأعجب ( لسوء ظن ) هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله تعالى شرقاً وغرباً ، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم» اه .

(6/36)


وقد شنع عليه أيضاً غير واحد من الأئمة ، ولعل عذره في ذلك جهله بعلمي القراءة والأصول .
وقد يقال : إنه لم يفرق بين المضاف الذي لم يعمل وبين غيره ومحققو النحاة قد فرقوا بينهما بأن الثاني يفصل فيه بالظرف ، والأول إذا كان مصدراً أو نحوه يفصل بمعموله مطلقاً لأن إضافته في نية الانفصال ومعموله مؤخر رتبة ففصله كلا فصل فلذا ساغ ذلك فيه ولم يخص بالشعر كغيره . وممن صرح بذلك ابن مالك ، وخطأ الزمخشري بعدم التفرقة وقال في «كافيته :
وظرف أو شبيهه قد يفصل ... جزئي إضافة وقد يستعمل فصلان
في اضطرار بعض الشعرا ... وفي اختيار قد أضافوا المصدرا
لفاعل من بعد مفعول حجز ... كقول بعض القائلين للرجز
بفرك حب السنبل الكنافج ... بالقاع فرك القطن المحالج
وعمدتي قراءة ابن عامر ... وكم لها من عاضد وناصر
انتهى . وبعد هذا كله لو سلمنا أن قراءة ابن عامر منافية لقياس العربية لوجب قبولها أيضاً بعد أن تحقق صحة نقلها كما قبلت أشياء نافت القياس مع أن صحة نقلها دون صحة القراءة المذكورة بكثير ، وما ألطف قول الإمام على ما حكاه عنه الجلال السيوطي ، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن ، فإذا استشهد في تقريره ببيت مجهول فرحوا به وأنا شديد التعجب منهم لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلاً على صحته كان أولى ، ومما ذكرنا يعلم ما في قول السكاكي : لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف ، ونحو قوله :
بين ذراعي وجبهة الأسد ... محمول على حذف المضاف إليه من الأول ، ونحو قراءة من قرأ { قَتْلَ أولادهم * شُرَكَائِهِمْ } لاستنادها إلى الثقات وكثرة نظائرها ، ومن أرادها فعليه «بخصائص» ابن جني محمولة عندي على حذف المضاف إليه من الأول واضمار المضاف في الثاني كما في قراءة من قرأ { والله يُرِيدُ الاخرة } [ الأنفال : 67 ] بالجر أي عرض الآخرة ، وما ذكرت وإن كان فيه نوع بعد إلا أن تخطئة الثقات والفصحاء أبعد اه . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ببناء { زُيّنَ } للمفعول ورفع { قَتْلَ } وجر { *أوردهم } ورفع { إلى شُرَكَائِهِمْ } بإضمار فعل دليل عليه { زُيّنَ } كما في قوله :
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
كأنه لما قيل : زين لهم قتل أولادهم قيل من زينه؟ شركاؤهم .

(6/37)


{ لِيُرْدُوهُمْ } أي ليهلكوهم بالإغواء { وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } أي ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسمعيل عليه السلام حتى زلوا عنه إلى الشرك أو دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه . وقيل : المعنى ليوقعوهم في دين ملتبس ، واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين لأن مقصودهم من إغوائهم ليس إلا ذلك ، وللعاقبة إن كان من السدنة إذ ليس محط نظرهم ذلك لكنه عاقبته { وَلَوْ * عَبْدُ الله } أي عدم فعلهم ذلك { مَّا فَعَلُوهُ } أي ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل أو ما فعل الشركاء من التزيين أو الإرداء واللبس أو ما فعل الفريقان جميع ذلك على إجراء الضمير المفرد مجرى اسم الإشارة { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } الفاء فصيحة أي إذا كان ما كان بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءهم أو ما يفترونه من الكذب ولا تبال بهم فإن في ما يشاء الله تعالى حكماً بالغة وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى .

(6/38)


وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)

{ وَقَالُواْ } حكاية لنوع آخر من أنواع كفر أولئك الكفار ، وقيل : تتمة لما تقدم { هذه } أي ما جعلوه لآلهتهم والتأنيث للخبر { أنعام وَحَرْثٌ } أي زرع { حِجْرٍ } أي ممنوع منها وهو فعل بمعنى مفعول كالذبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى لأن أصله المصدر ولذلك وقع صفة لأنعام وحرث . وقرأ الحسن وقتادة { حِجْرٍ } بضم الحاء ، وقرأ أيضاً بفتح الحاء وسكون الجيم وبضم الحاء والجيم معا . ويحتمل في هذا أن يكون مصدراً كالحلم ، وأن يكون جمعا كسقف ورهن . وعن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما { حَرَجٌ } بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم أي ضيق وأصله حرج بفتح الحاء وكسر الراء ، وقيل : هو مقلوب من حجر كعميق ومعيق .
{ لاَّ يَطْعَمُهَا } أي يأكلها { إِلاَّ مَن نَّشَاء } يعنون كما روي عن ابن زيد الرجال دون النساء ، وقيل : يعنون ذلك وخدم الأوثان ، والجملة صفة أخرى لأنعام وحرث ، وقوله سبحانه { بِزَعْمِهِمْ } متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل { قَالُواْ } أي قالوا ذلك متلبسين بزعمهم الباطل من غير حجة { وأنعام } خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على قوله سبحانه : { هذه أنعام } أي قالوا مشيرين إلى طائفة من أنعامهم وهذه أنعام . وقيل : إن الإشارة أولاً إلى ما جعل لآلهتهم السابق وما بينهما كالاعتراض وهذا عطف على { أنعام } [ الأنعام : 136 ] المتقدم إدخاله فيما تقدم لأن المراد به السوائب ونحوها وهي بزعمهم تعتق وتعفى لأجل الآلهة { حرمات } أي منعت { ظُهُورُهَا } فلا تركب ولا يحمل عليها { وأنعام } أي وهذه أنعام على ما مر .
وقوله سبحانه : { لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا } صفة لأنعام مسوق من قبله تعالى تعييناً للموصوف وتمييزاً له عن غيره كما في قوله تعالى : { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } [ النساء : 157 ] في رأي لا أنه واقع في كلامهم المحكي كنظائره كأنه قيل : وأنعام ذبحت على الأصنام فإنها التي لا يذكر اسم الله تعالى عليها وإنما يذكر عليها اسم الأصنام . وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبي وائل أن المعنى لا يحجون عليها ولا يلبون . وعن مجاهد كانت لهم طائفة من أنعامهم لا يذكرون اسم الله تعالى عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا أن حلبوا ولاولا .
{ افتراء عَلَيْهِ } أي على الله سبحانه وتعالى ، ونصب { افتراء } على المصدر إما على أن قولهم المحكي بمعنى الافتراء ، وإما على تقدير عامل من لفظه أي افتروا افتراء أو على الحال من فاعل { قَالُواْ } أي مفترين أو على العلة أي للافتراء وهو بعيد معنى ، و { عَلَيْهِ } قيل : متعلق بقالوا أو بافتروا المقدر على الاحتمالين الأولين وبافتراء على الاحتمالين الأخيرين . ولا يخفى بعد تعلقه بقالوا ، والذي دعاهم إليه ومنعهم من تعلقه بالمصدر على ما قيل أن المصدر إذا وقع مفعولاً مطلقاً لا يعمل لعدم تقديره بأن والفعل ، وفيه نظر لأن تأويله بذلك ليس بلازم لتعلق الجار به فإنه مما يكفيه رائحة الفعل . وجوز أبو البقاء أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع صفة لافتراء أي افتراء كائناً عليه { سَيَجْزِيهِم } ولا بد { بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي بسببه أو بدله ، وأبهم الجزاء للتهويل .

(6/39)


وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)

{ وَقَالُواْ } حكاية لفن آخر من فنون كفرهم . { مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام } يعنون به أجنة البحائر والسوائب كما روي عن مجاهد والسدي وروى ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم يعنون به الألبان ، و «ما» مبتدأ خبره قوله سبحانه : { خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } أي حلال لهم خاصة لا يشركهم فيه أحد من الإناث ، والتاء للنقل إلى الإسمية أو للمبالغة كراوية الشعر أي كثير الرواية له أو لأن الخالصة مصدر كما قال الفراء كالعافية وقع موقع الخالص مبالغة أو بتقدير ذو وهذا مستفيض في كلام العرب تقول : فلان خالصتي أي ذو خلوصي ، قال الشاعر
: كنت أميني وكنت خالصتي ... وليس كل امرىء بمؤتمن
نعم قيل : مجيء المصدر بوزن فاعل وفاعلة قليل ، وقيل : إن التاء للتأنيث بناء على أن «ما» عبارة عن الأجنة .
والتذكير في قوله تعالى : { وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } أي على جنس أزواجنا وهن الإناث باعتبار اللفظ ، واستبعد ذلك بأن فيه رعاية المعنى أولاً واللفظ ثانياً وهو خلاف المعهود في الكتاب الكريم من العكس ، وادعى بعض أن له نظائر فيه ، منها قوله تعالى : { كُلُّ ذلك كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } [ الإسراء : 38 ] إذ أنث فيه ضمير «كل» أولاً مراعاة للمعنى ثم ذكر حملاً على اللفظ ، وقيل : إن ما هنا جار على المعهود من رعاية اللفظ أولاً لأن صلة «ما» جار ومجرور تقدير متعلقه استقر لا استقرت ولا وجه لذلك لأن المتعلق والضمير المستتر فيه لا يعلم تذكيره وتأنيه حتى يكون مراعاة لأحد الجانبين ، والذي يقتضيه الإنصاف أن الحمل على اللفظ بعد المعنى قليل وغيره أولى ما وجد إليه سبيل ، وذكر بعضهم أن ارتكاب خلاف المعهود ههنا لا يخلو عن لطف معنوي ولفظي ، أما الأول فموافقة القول الفعل حيث إن المعهود من ذوي المروءة جبر قلوب الإناث لضعفهن . ولذا يندب للرجل إذا أعطى شيئاً لولده أن يبدأ بإنثاهم ، وأما الثاني فمراعاة ما يشبه الطباق بوجه بين خالصة وذكورنا وبين محرم وأزواجنا وهو كما ترى .
{ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } عطف على ما يفهم من الكلام أي ذلك حلال للذكور محرم على الإناث إن ولد حياً وإن ولدت ميتة { فَهُمُ } أي الذكور والإناث { فِيهِ } أي فيما في بطون الأنعام ، وقيل : الضمير للميتة إلا أنه لما كان المراد بها ما يعم الذكر والأنثى غلب الذكر فذكر الضمير كما فعل ذلك فيما قبله { شُرَكَاء } يأكلون منه جميعاً ، وهذا الذي ذكر في هذه الشرطية إنما يظهر على القول الأول في تفسير الموصول ، وأما على القول الثاني فيه فلا .

(6/40)