صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
{ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم } هذه الإراءة من الرؤية البصرية المستعارة استعارة لغوية للمعرفة من إطلاق السبب على المسبب أي عرفناه وبصرناه ، وكان الظاهر أرينا بصيغة الماضي إلا أنه عدل إلى صيغة المستقبل حكاية للحال الماضية استحضاراً لصورتها حتى كأنها حاضرة مشاهدة ، وقيل : إن التعبير بالمستقبل لأن متعلق الإراءة لا يتناهى وجه دلالته فلا يمكن الوقوف على ذلك إلا بالتدريج وليس بشيء . والإشارة إلى مصدر «نري» لا إلى إراءة أخرى مفهومة من قوله تعالى : { إِنّى أَرَاكَ } [ الأنعام : 74 ] ولا إلى ما أنذر به أباه وضلل قومه من المعرفة والبصارة . وجوز كل ، وقيل : يجوز أن يجعل المشبه التبصير من حيث إنه واقع والمشبه به التبصير من حيث إنه مدلول اللفظ ، ونظيره وصف النسبة بالمطابقة للواقع وهي عين الواقع ، وجوز كون الكاف بمعنى اللام والإشارة إلى القول السابق ، وأنت تعلم ما هو الأجزل والأولى مما تقدم لك في نظائره وليس هو إلا الأول أي ذلك التبصير البديع نبصره عليه السلام . (5/392)
{ مَلَكُوتَ * السموات والارض } أي ربوبيته تعالى ومالكيته لهما لا تبصيراً آخر أدنى منه ، «فالملكوت مصدر كالرغبوت والرحموت كما قاله ابن مالك وغيره من أهل اللغة وتاؤه زائدة للمبالغة ولهذا فسر بالملك العظيم والسلطان القاهر ، وهو كما قال الراغب مختص به تعالى» خلافاً لبعضهم . وعن مجاهد أن المراد بالملكوت الآيات ، وقيل : العجائب التي في السموات والأرض فإنه عليه السلام فرجت له السموات السبع فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش وفرجت له الأَرَضون السبع فنظر إلى ما فيهن . وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله تعالى فدعا عليه فهلك ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله تعالى فدعا عليه فهلك ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي فإنهم مني على ثلاث ، إما أن يتوب العاصي فأتوب عليه ، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت " وروي نحو موقوفاً ومرفوعاً من طرق شتى ولا خلاف فيها لدلائل المعقول خلافاً لمن توهمه ، وقيل : ملكوت السموات : الشمس والقمر والنجوم . وملكوت الأرض : الجبال والأشجار والبحار . وهذه الأقوال على ما قيل لا تقتضي أن تكون الإراءة بصرية إذ ليس المراد بإراءة ما ذكر من الأمور الحسية مجرد تمكينه عليه السلام من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها بل اطلاعه عليه السلام على حقائقها وتعريفها من حيث دلالتها على شؤونه عز وجل ، ولا ريب في أن ذلك ليس مما يدرك حساً كما ينبىء عنه التشبيه السابق .
وقرىء «تري» بالتاء وإسناد الفعل إلى الملكوت أي تبصره عليه السلام دلائل الربوبية . (5/393)
{ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } أي من زمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى ، وهذا لا يقتضي سبق الشك كما لا يخفى ، واللام متعلقة بمحذوف مؤخر ، والجملة اعتراض مقرر لما قبلها أي وليكون كذلك فعلنا ما فعلنا من التبصير البديع المذكور ، والحصر باعتبار أن هذا الكون هو المقصود الأصلي من ذلك التبصير ونحو إرشاد الخلق وإلزام الكفار من مستتبعاته ، وبعضهم لم يلاخظ ذلك فقدر الفعل مقدماً لعدم انحصار العلة فيما ذكر . وقيل : هي متعلقة بالفعل السابق ، والجملة معطوفة على علة مقدرة ينسحب عليها الكلام أي ليستدل ( بها ) وليكون ، واعترض بأن الاستدلال مع قطع النظر عن كونه سبباً للالتفات لا يكون علة للإراءة فكيف يعطف عليه بإعادة اللام وليس بشيء ، وادعى بعضهم أنه ينبغي على ذلك أن يراد بملكوت السموات والأرض بدائعهما وآياتهما لأن الاستدلال من غايات إراءتها لا من غاية إراءة نفس الربوبية ، وأنت تعلم أن رؤية الربوبية إنما هي برؤية دلائلها وآثارها ، ومن الناس من جوز كون الواو زائدة واللام متعلقة بما قبل وفيه بعد وإن ذكروه وجهاً كالأولين في كل ما جاء في القرآن من هذا القبيل .
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)
وقوله تعالى : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } يحتمل أن يكون عطفاً على { وَإِذْ قَالَ إبراهيم } [ الأنعام : 74 ] وما بينهما اعتراض مقرر لما سبق ولحق ، فإن تعريفه عليه السلام ربوبيته ومالكيته تعالى للسموات والأرض وما فيهن وكون الكل مقهوراً تحت ملكوته مفتقراً إليه عز شأنه في جميع أحواله وكونه من الراسخين في المعرفة الواصلين إلى ذروة عين اليقين مما يقتضي بأن يحكم باستحالة ألوهية ما سواه سبحانه من الأصنام والكواكب التي كان يعبدها قومه ، واختاره بعض المحققين ، ويحتمل أن يكون تفصيلاً لما ذكر من إراءة الملكوت وبيانا لكيفية استدلاله عليه السلام ووصوله إلى رتبة الإيقان ، والترتيب ذكري لتأخر التفصيل عن الإجمال في الذكر ، ومعنى { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } ستره بظلامه ، وهذه المادة بمتصرفاتها تدل على الستر ، وعن الراغب أصل الجن الستر عن الحاسة يقال : جنه الليل وأجنه وجن عليه فجنه وجن عليه ستره وأجنه جعل له ما يستره . (5/394)
وقوله سبحانه : { رَأَى كَوْكَباً } جواب لما فإن رؤيته إنما تتحقق عادة بزوال نور الشمس عن الحس وهذا كما قال شيخ الإسلام صريح في أنه لم يكن في ابتداء الطلوع بل كان بعد غيبته عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس ، والتحقيق عنده أنه كان قريباً من الغروب وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى سبب ذلك ، والمراد بالكوكب فيما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المشتري . وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنه الزهرة .
{ قَالَ هذا رَبّى } استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابق ، وهذا منه عليه السلام على سبيل الفرض وإرخاء العنان مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب فإن المستدل على فساد قول يحكيه ثم يكر عليه بالإبطال وهذا هو الحق الحقيق بالقبول . وقيل : إن في الكلام استفهاماً إنكارياً محذوفاً ، وحذف أداة الاستفهام كثير في كلامهم ، ومنه قوله
: ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... وقوله
: فقلت وأنكرت الوجوه هم هم . ... وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله تعالى : { فَلاَ اقتحم العقبة } [ البلد : 11 ] إن المعنى أفلا اقتحم وجعل من ذلك قوله تعالى : { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ } [ الشعراء : 22 ] وقيل : إنه مقول على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوماً : هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء ، وقيل : إنه عليه السلام أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوا ولم يلتفتوا فمال إلى طريق يستدرجهم إلى استماع الحجة وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم مع أن قلبه كان مطمئناً بالإيمان ، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإن لم يقبلوا .
وقرر الإمام هذا «بأنه عليه السلام لما لم يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق وكان مأموراً بالدعوة إلى الله تعالى كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر ومعلوم أنه عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان ، وإذا جاز ذلك لبقاء شخص واحد فبأن يجوز لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى ، فكلام إبراهيم عليه السلام كان من باب الموافقة ظاهراً للقوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم له أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل ، ثم قال : ومما يقوي هذا القول أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله تعالى : { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النجوم * فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ } [ الصافات : 88 ، 89 ] وذلك لأن القوم كانوا يستدلون بعلم النجوم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم في الظاهر مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام ، فمتى جازت الموافقة لهذا الغرض فلم لا تجوز في مسألتنا لمثل ذلك ، وقيل : إن القوم بينما كانوا يدعونه عليه السلام إلى عبادة النجوم وكانت المناظرة بينهم قائمة على ساق إذ طلع النجم فقال : { هذا رَبّى } على معنى هذا هو الرب الذي تدعونني إليه2 . (5/395)
وقيل وقيل والكل ليس بشيء عند المحققين لا سيما ما قرره الإمام ، وتلك الأقوال كلها مبنية على أن هذا القول كان بعد البلوغ ودعوة القوم إلى التوحيد وسياق الآية وسباقها شاهدا عدل على ذلك . وزعم بعضهم أنه كان قبل البلوغ ولا يلزمه اختلاج شك مؤد إلى كفر لأنه لما آمن بالغيب أراد أن يؤيد ما جزم به بأنه لو لم يكن الله تعالى إلهاً وكان ما يعبده قومه لكان إما كذا وإما كذا والكل لا يصلح لذلك فيتعين كون الله تعالى إلهاً وهو خلاف الظاهر ويأباه السياق والسباق كما لا يخفى . وزعم أنه عليه السلام قال ما قال إذ لم يكن عارفاً بربه سبحانه والجهل حال الطفولية قبل قيام الحجة لا يضر ولا يعد ذلك كفراً مما لا يلتفت إليه أصلاً ، فقد قال المحققون المحقون : إنه لا يجوز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء ، وقد قص الله تعالى من حال إبراهيم عليه السلام خصوصاً في صغره ما لا يتوهم معه شائبة مما يناقض ذلك فالوجه الأول لا غير . ولعل سلوك تلك الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكوكب دون بيان استحالة إلهية الأصنام كما قيل لما أن هذا أخفى بطلانا واستحالة من الأول فلو صدع بالحق من أول الأمر كما فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد ولجوا في طغيانهم يعمهون ، وكان تقديم بطلان إلهية الأصنام على ما ذكر من باب الترقي من الخفي إلى الأخفى .
وقيل : إن القوم كانوا يعبدون الكواكب فاتخذوا لكل كوكب صنماً من المعادن المنسوبة إليه كالذهب للشمس والفضة للقمر ليتقربوا إليها فكان الصنم كالقبلة لهم فأنكر أولا عبادتهم للأصنام بحسب الظاهر ثم أبطل منشآتها وما نسبت إليه من الكواكب بعدم استحقاقها لذلك أيضاً ، ولعلهم كانوا يعتقدون تأثيرها استقلالا دون تأثير الأصنام ولهذا تعرض لبطلان الالهية في الأصنام والربوبية فيها . وقرأ أبو عمرو وورش من طريق البخاري «رأى» بفتح الراء وكسر الهمزة حيث كان . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ويحيى عن أبي بكر «رأئي» بكسر الراء والهمزة . (5/396)
{ فَلَمَّا أَفَلَ } أي غرب { قَالَ لا أُحِبُّ الافلين } أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال ، ونفي المحبة قيل : إشارة إلى نفي اعتقاد الربوبية . وقيل كنى بعدم المحبة عن عدم العبادة لأنه يلزم من نفيها نفيها بالطريق الأولى ، وقدر بعضهم في الكلام مضافاً أي لا أحب عبادة الآفلين ، وأياً ما كان فمبتدأ الاشتقاق علة للحكم لأن الأفول انتقال واحتجاب وكل منهما ينافي استحقاق الربوبية والألوهية التي هي من مقتضيات الربوبية لاقتضاء ذلك الحدوث والإمكان المستحيلين على الرب المعبود القديم .
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)
{ فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً } أي مبتدأ في الطلوع منتشر الضوء ، ولعله كما قال الأزهري مأخوذ من البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا ويقال . بزغ الناب إذا ظهر وبزغ البيطار الدابة إذا أسال دمها . ويقال : بزغ الدم أي سال ، وعلى هذا فيمكن أن يكون بزوغ القمر مشبهاً بما ذكر وكلام الراغب صريح فيه ، وظاهر الآية أن هذه الرؤية بعد غروب الكوكب . (5/397)
وقوله سبحانه : { قَالَ هذا رَبّى } جواب لما وهو على طرز الكلام السابق { فَلَمَّا أَفَلَ } كما أفل الكوكب { قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى } إلى جنابه الحق الذي لا محيد عنه { لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } فإن شيئاً مما رأيته لا يصلح للربوبية ، وهذا مبالغة منه عليه السلام في النصفة ، «وفيه كما قال الزمخشري تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلهاً وهو نظير الكواكب في الأفول فهو ضال» ، «والتعريض بضلالهم هنا كما قال ابن المنير أصرح وأقوى من قوله أولا { لا أُحِبُّ الافلين } [ الأنعام : 76 ] وإنما ترقى عليه السلام إلى ذلك لأن الخصوم قد أقامت عليهم بالاستدلال الأول حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال ، فما عرض لهم عليه السلام بأنهم على ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود واستماعهم له إلى آخره . والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم ( والتصريح ) بأنهم على شرك حين تم قيام الحجة عليهم وتبلج الحق وبلغ من الظهور غايته2 .
وفي هذه الجملة دليل من غير وجه على أن استدلاله عليه السلام ليس لنفسه بل كان محاجة لقومه . وكذا ما سيأتي . وحمل هذا على أنه عليه الصلاة والسلام استعجز نفسه فاستعان بربه عز وجل في درك الحق وما سيأتي على أنه إشارة إلى حصول اليقين من الدليل خلاف الظاهر جداً ، على أنه قيل : إن حصول اليقين من الدليل لا ينافي المحاجة مع القوم ، ثم الظاهر على ما قال شيخ الإسلام أنه عليه السلام كان إذ ذاك في موضع كان في جانبه الغربي جبل شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل وكان الكوكب قريباً منه وأفقه الشرقي مكشوف أولاً وإلا فطلوع القمر بعد أفول الكوكب ثم أفوله قبل طلوع الشمس كما ينبىء عنه قوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)
{ فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً } أي مبتدأة في الطلوع مما لا يكاد يتصور ، وقال آخر : إن القمر لم يكن حين رآه في ابتداء الطلوع بل كان وراء جبل ثم طلع منه أو في جانب آخر لا يراه وإلا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكوكب ثم يغرب قبل طلوع الشمس انتهى . (5/398)
وأنت تعلم أن القول بوجود جبل في المغرب أو المشرق خلاف الظاهر لا سيما على قول شيخ الإسلام لأن هذا الاحتجاج كان في نواحي بابل على ما يشير إليه كلام المؤرخين وأهل الأثر وليس هناك اليوم جبل مرتفع بحيث يستتر به الكوكب وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل ، واحتمال كونه كان إذ ذاك ولم يبق بتتالي الأعوام بعيد ، وكذا يقال على القول المشهور عند الناس اليوم : إن واقعة إبراهيم عليه السلام كانت قريباً من حلب لأنه أيضاً ليس هناك جبل شامخ كما يقوله الشيخ على أن المتبادر من البزوغ والأفول البزوغ من الأفق الحقيقي لذلك الموضع والأفول عنه لا مطلق البزوغ والأفول .
وقال الشهاب : إن الذي ألجاهم إلى ما ذكر التعقيب بالفاء ويمكن أن يكون تعقيباً عرفياً مثل تزوج فولد له إشارة إلى أنه لم تمض أيام وليال بين ذلك سواء كان استدلالاً أو وضعاً واستدراجاً لا أنه مخصوص بالثاني كما توهم على أنا لا نسلم ما ذكر إذا كان كوكباً مخصوصاً وإنما يرد لو أريد جملة الكواكب أو واحد لا على التعيين فتأمل انتهى . ولا يخفى أن القول بالتعقيب العرفي والتزام أن هذا الاستدلال لم يكن في ليلة واحدة وصبيحتها هو الذي يميل إليه القلب ، ودعوى إمكان طلوع القمر بعد أفول الكوكب حقيقة وقبل طلوع الشمس وأفوله قبل طلوعها لا يدعيها عارف بالهيئة في هذه الآفاق التي نحن فيها لأن امتناع ذلك عادة ولو أريد كوكب مخصوص أمر ظاهر لا سيما على ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن رؤية القمر كانت في ءاخر الشهر . نعم قد يمكن ذلك في بعض البروج في عروض مخصوصة لكن بيننا وبينها مهامه فيح ، ولعله لذلك أمر بالتأمل فتأمل .
{ قَالَ } أي على المنوال السابق { هذا رَبّى } إشارة إلى الجرم المشاهد من حيث هو لا من حيث هو مسمى باسم من الأسامي فضلاً عن حيثية تسميته بالشمس ولذا ذكر اسم الإشارة . وقال أبو حيان «يمكن أن يقال : إن أكثر لغة العجم لا تفرق في الضمائر ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث بل المؤنث والمذكر عندهم سواء فأشير في الآية إلى المؤنث بما يشار به إلى المذكر حين حكى كلام إبراهيم عليه السلام وحين أخبر سبحانه عن المؤنث ببازغة وأفلت أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية2 .
وتعقب بأن هذا إنما يظهر لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم أما إذا عبر عنه بلغة العرب فالمعتبر حكم لغة العرب ، وقد صرح غير واحد بأن العبرة في التذكير والتأنيث بالحكاية لا المحكي ألا ترى أنه لو قال أحد : الكوكب النهاري طلع فحكيته بمعناه وقلت : الشمس طلعت لم يكن لك ترك التأنيث بغير تأويل لما وقع في عبارته ، وإذا تتبعت ما وقع في النظم الكريم رأيته إنما يراعي فيه الحكاية على أن القول بأن محاورة إبراهيم عليه السلام كانت بالعجمية دون العربية مبني على أن إسماعيل عليه السلام أول من تكلم بالعربية والصحيح خلافه . (5/399)
وقيل : التذكير لتذكير الخبر وقد صرحوا في الضمير واسم الإشارة مثله أن رعاية الخبر فيه أولى من رعاية المرجع لأنه مناط الفائدة في الكلام وما مضى فات ، وفي «الكشاف» «بعد جعل التذكير لتذكير الخبر وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرب عن شبهة التأنيث ألا تراهم قالوا في صفة الله تعالى : علام ولم يقولوا علامة وإن كان العلامة أبلغ احترازاً من علامة التأنيث» واعترض عليه بأن هذا في الرب الحقيقي مسلم وما هنا ليس كذلك . وأجيب بأن ذلك على تقدير أن يكون مسترشداً ظاهر ، والمراد على المسلك الآخر إظهار صون الرب ليستدرجهم إذ لو حقر بوجه ما كان سبباً لعدم إصغائهم .
وقوله تعالى : { هذا أَكْبَرُ } تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام من إظهار النصفة مع إشارة خفية كما قيل إلى فساد دينهم من جهة أخرى ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر ، وكون الشمس أكبر مما قبلها مما لا خفاء فيه ، والآثار في مقدار جرمها مختلفة . والذي عليه محققو أهل الهيئة أنها مائة وستة وستون مثلاً وربع وثمن مثل الأرض وست آلاف وستمائة وأربعة وأربعون مثلاً وثلثا مثل للقمر ، وذكروا أن الأرض تسعة وثلاثون مثلاً وخمس وعشر مثل للقمر ، وتحقيق ذلك في «شرح مختصر الهيئة» للبرجندي .
{ فَلَمَّا أَفَلَتْ } كما أفل ما قبلها { قَالَ } لقومه صادعاً بالحق بين ظهرانيهم . { قَالَ ياقوم إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } أي من إشراككم أو من الذي تشركونه من الأجرام المحدثة المتغيرة من حال إلى أخرى المسخرة لمحدثها ، وإنما احتج عليه السلام بالأفول دون البزوغ مع أنه أيضاً انتقال قيل لتعدد دلالته لأنه انتقال مع احتجاب والأول : حركة وهي حادثة فيلزم حدوث محلها ، والثاني : اختفاء يستتبع إمكان موصوفه ولا كذلك البزوغ لأنه وإن كان انتقالاً مع البروز لكن ليس للثاني مدخل في الاستدلال . واعترض بأن البزوغ أيضاً انتقال مع احتجاب لأن الاحتجاب في الأول لاحق وفي الثاني : سابق ، وكونه عليه السلام رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء كما قيل ولم يشاهد بزوغه فإنما يصير نكتة في الكوكب دون القمر والشمس إلا أن يقال بترجح الأفول بعمومه بخلاف البزوغ .
والأولى : ما قيل : «إن ترتيب هذا الحكم ونظيريه على الأفول دون البزوغ والظهور من ضروريات سوق الاحتجاج على هذا المساق الحكيم فإن كلاً منهما وإن كان في نفسه انتقالاً منافياً لاستحقاق معروضه للربوبية قطعاً لكن لما كان الأول حالة موجبة لظهور الآثار والأحكام ملائمة لتوهم الاستحقاق في الجملة رتب عليه الحكم الأول أعني { هذا رَبّى } على الطريق المذكورة ، وحيث كان الثاني حالة مقتضية لانطماس الآثار وبطلان الأحكام المنافيين للاستحقاق المذكور منافاة بينة يكاد يعترف بها كل مكابر عنيد رتب عليها ما رتب انتهى2 . (5/400)
وبمعنى هذا ما قاله الإمام في وجه الاستدلال بالأفول من «أن دلالته على المقصود ظاهرة يعرفها كل أحد ، فإن الآفل يزول سلطانه وقت الأفول ، ونقل عن بعض المحققين أن الهوى في ( حضيض ) الإمكان أفول؛ وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان وكل ممكن محتاج والمحتاج لا يكون ( مقطعاً للحاجة ) فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون منزهاً عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال سبحانه : { وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى } [ النجم : 42 ] وأما الأوساط فهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة وكل متحرك محدث وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الآفل إلهاً بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل ، وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوؤه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان كذلك لم يصلح للإلهية ثم قال : فكلمة { لا أُحِبُّ الافلين } مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين . وهناك أيضاً دقيقة أخرى وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي وكان صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيم التأثير أما إذا كان غريباً وقريباً من الأفول فإنه يكون ضعيف الأثر قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان ، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص التأثير عاجزاً عن التدبير وذلك يدل على القدح في إلهيته . ويظهر من هذا أن للأفول على قول المنجمين مزيد خاصية في كونه موجباً للقدح في إلهيته2 .
ولا يخفى أن فهم الهوى في حضيض الإمكان من { فَلَمَّا أَفَلَ } [ الأنعام : 77 ] في هذه الآية مما لا يكاد يسلم ، وكون المراد فلما تحقق إمكانه لظهور أمارات ذلك من الجسمية والتحيز مثلاً قال الخ لا يخفى ما فيه ، نعم فهم هذا المعنى من
{ لا أُحِبُّ الافلين } [ الأنعام : 76 ] ربما يحتمل على بعد ، ونقل عن حجة الإسلام الغزالي أنه «حمل الكوكب على النفس الحيوانية التي لكل كوكب والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك ، والشمس على العقل المجرد الذي لكل فلك ، وعن بعضهم أنه حمل الكوكب على الحس ، والقمر على الخيال والوهم والشمس على العقل ، والمراد أن هذه القوى المدركة قاصرة متناهية القوة ومدبر العالم مستولي عليها قاهر لها» وهو خلاف الظاهر أيضاً ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة نظير ذلك ، وإنما لم يقتصر عليه السلام في الاحتجاج على قومه بأفول الشمس مع أنه يلزم من امتناع صفة الربوبية فيها لذلك امتناعها في غيرها من باب أولى . (5/401)
وفيه أيضاً رعاية الإيجاز والاختصار ترقياً من الأدون إلى الأعلى مبالغة في التقرير والبيان على ما هو اللائق بذلك المقام ولم يحتج عليهم بالجسمية والتحيز ونحوهما مما يدركه الرائي عند الرؤية في أمارات الحدوث والإمكان اختياراً لما هو أوضح من ذلك في الدلالة وأتم ، ثم إنه عليه السلام لما تبرأ مما تبرأ منه توجه إلى مبدع هذه المصنوعات وموجودها
[ بم فقال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
{ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ } أي أوجد وأنشأ { السموات } التي هذه الأجرام من أجزائها { والارض } التي تلك الأصنام من أجزائها { حَنِيفاً } أي مائلاً عن الأديان الباطلة والعقائد الزائغة كلها { وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } أصلاً في شيء من الأقوال والأفعال ، والمراد من توجيه الوجه للذي فطر الخ قصده سبحانه بالعبادة . وقال الإمام : «المراد وجهت عبادتي وطاعتي ، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره فإنه يتوجه بوجهه إليه فجعل توجه الوجه إليه كناية عن الطاعة» والظاهر أن اللام صلة وجه . وفي «الصحاح» «وجهت وجهي لله وتوجهت نحوك وإليك» ، ظاهره التفرقة بين وجه وتوجه باستعمال الأول باللام والثاني بإلى ، وعليه وجه اللام هنا دون إلى ظاهر ، وليس في «القاموس» تعرض لهذا الفرق . وادعى «الإمام أنه حيث كان المعنى توجيه وجه القلب إلى خدمته تعالى وطاعته لأجل عبوديته لا توجه القلب إليه جل شأنه لأنه متعالٍ عن الحيز والجهة تركت إلى واكتفى باللام فتركها . والاكتفاء باللام ههنا دليل ظاهر على كون المعبود متعالياً عن الحيز والجهة» وفي القلب من ذلك شيء . (5/402)
فإن قيل : إن قصارى ما يدل عليه الدليل أن الكوكب والشمس والقمر لا يصلح شيء منها للربوبية والألوهية ولا يلزم من هذا القدر نفي الشرك مطلقاً وإثبات التوحيد فلم جزم عليه السلام بإثبات التوحيد ونفي الشرك بعد إقامة ذلك الدليل؟ فالجواب بأن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل على أن هذه الأشياء ليست أرباباً ولا آلهة وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق . ثم إن المشهور أن هذا الاستدلال من أول ضروب الشكل الثاني . والشخصية عندهم في حكم الكلية كأنه قيل : هذا أو القمر أو هذه أفل أو أفلت ولا شيء من الإله بآفل أو ربي ليس بآفل ينتج هذا أو القمر أو هذه ليس بإله أو ليس بربى . أما الصغرى فهي كالمصرح بها في قوله تعالى : { فَلَمَّا أَفَلَ } [ الأنعام : 76 ، 77 ] في الموضعين ، وقوله سبحانه : { فَلَمَّا أَفَلَتْ } [ الأنعام : 78 ] في الأخير ، وأما الكبرى فمأخوذة من قوله تعالى : { لا أُحِبُّ الافلين } [ الأنعام : 76 ] لأنه يشير إلى قياس وهو كل آفل لا يستحق العبودية . وكل من لا يستحق العبودية فليس بإله ينتج من الأول كل آفل ليس بإله ، ويستلزم لا شيء من الآفل بإله لاستلزام الموجبة المعدولة السالبة المحصلة . ويصح جعل الكبرى ابتداء سالبة فينتج ما ذكر وينعكس إلى لا شيء من الإله بآفل ، وهي إحدى الكبريين . ويعلم من هذا بأدنى التفات كيفية أخذ الكبرى الثانية .
وقال الملوي : الأحسن أن يقال إن قوله تعالى : { لا أُحِبُّ الافلين } يتضمن قضية وهي لا شيء من الآفل يستحق العبودية فتجعل كبرى لصغرى ضرورية وهي الإله المستحق للعبودية ينتج لا شيء من الإله بآفل وإذا ضمت هذه النتيجة إلى القضية السابقة وهي هذا آفل ونحوه أنتج من الثاني هذا ليس بإله أو لا شيء من القمر بإله ، وإن ضممت عكسها المستوي إليها أنتج من الأول المطلوب بعينه فلا يتعين الثاني في الآية بل الأول مأخوذ منها أيضاً اه . فتأمل فيه ولا تغفل .
وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)
{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } أي خاصموه كما قال الربيع أو شرعوا في مغالبته في أمر التوحيد تارة بإيراد أدلة فاسدة واقعة في حضيض التقليد وأخرى بالتخويف والتهديد { قَالَ } منكراً عليهم محاجتهم له عليه السلام مع قصورهم عن تلك المرتبة وعزة المطلب وقوة الخصم ووضوح الحق { أَتُحَاجُّونّى فِى الله } أي في شأنه تعالى ووحدانيته سبحانه . وقرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان بتخفيف النون ففيه حذف إحدى النونين . واختلف في أيهما المحذوفة فقيل : نون الرفع وهو مذهب سيبويه ورجح بأن الحاجة دعت إلى نون مكسورة من أجل الياء ونون الرفع لا تكسر . وبأنه جاء حذفها كما في قوله (5/403)
: كل له نية في بغض صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقولنا
أراذ تقلوننا والنون الثانية هنا ليست وقاية بل هي من الضمير وحذف بعض الضمير لا يجوز وبأنها نائبة عن الضمة وهي قد تحذف تخفيفاً كما في قراءة أبي عمرو ( ينصركم ) و ( يشعركم ) ( ويأمركم ) . وقيل نون الوقاية وهو مذهب الأخفش ، ورجح بأنها الزائدة التي حصل بها الثقل .
وقوله تعالى : { وَقَدْ هَدَانَا } في موضع الحال من ضمير المتكلم مؤكدة للإنكار فإن كونه عليه الصلاة والسلام مهدياً من جهة الله تعالى ومؤيداً من عنده سبحانه مما يوجب الكف عن محاجته صلى الله عليه وسلم وعدم المبالاة بها والالتفات إليها إذا وقعت . قيل : والمراد وقد هدان إلى إقامة الدليل عليكم بوحدانيته عز شأنه ، وقيل : هدان إلى الحق بعد ما سلكت طريقتكم بالفرض والتقدير وتبين بطلانها تبييناً تاماً كما شاهدتموه ، وعلى القولين لا يقتضي سبق ضلال له عليه الصلاة والسلام وجهل بمعرفة ربه جل وعلا و { *هدان } يرسم كما قال الأجهوري بلا ياء .
{ هَدَانِى وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } جواب كما روى عن ابن جريج عما خوفوه عليه السلام من إصابة مكروه من جهة معبودهم الباطل كما قال لهود عليه السلام قومه { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } [ هود : 54 ] وهذا التخويف قيل : كان على ترك عبادة ما يعبدونه ، وقيل : بل على الاستخفاف به واحتقاره بنحو الكسر والتنقيص . قيل : ولعل ذلك حين فعل بآلهتهم ما فعل مما قص الله تعالى علينا ، وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما شب وكبر جعل آزر يصنع الأصنام فيعطيها له ليبيعها فيذهب وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بارت ذهب بها إلى نهر وضرب فيه رؤوسها وقال لها اشربي استهزاء بقومه حتى فشا فيهم استهزاؤه فجادلوه حينئذ وخوفوه . و ( ما ) موصولة إسمية حذف عائدها ، والضمير المجرور لله تعالى أي لا أخاف الذي تشركونه به سبحانه ، وجوز أن يكون عائداً إلى الموصول والباء سببية أي : الذي تشركون بسببه ، وأن تكون نكرة موصوفة وأن تكون مصدرية .
وقوله تعالى : { إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً } بتقدير الوقت عند غير واحد مستثنى من أعم الأوقات استثناء مفرغاً . وقال بعضهم : إن المصدر منصوب على الظرفية من غير تقدير وقت ، ومنع ذلك ابن الأنباري مفرقاً بين المصدر الصريح فيجوز نصبه على الظرفية وغير الصريح فلا يجوز فيه ذلك . وابن جني لا يفرق بين الصريح وغيره ويجوز ذلك فيهما على السواء ، والاستثناء متصل في رأي . و { شَيْئاً } مفعول به أو مفعول مطلق أي لا أخاف ما تشركون به في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئته تعالى شيئاً من إصابة مكروه لي من جهتها أو شيئاً من مشيئته تعالى إصابة مكروه لي من جهتها وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دخل لآلهتكم في إيجاده وإحداثه . وجوز بعضهم أن يكون الاستثناء منقطعاً على معنى ولكن أخاف أن يشاء ربي خوفي ما أشركتم به ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام إشارة إلى أن مشيئته تلك إن وقعت غير خالية عن مصلحة تعود إليه بالتربية أو إظهار منه عليه الصلاة والسلام لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى واستسلام لأمره واعتراف بكونه تحت ملكوته وربوبيته تعالى . (5/404)
{ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً } كأنه تعليل للاستثناء أي أحاط بكل شيء علماً فلا يبعد أن يكون في علمه سبحانه إنزال المكروه بي من جهتها بسبب من الأسباب ، ونصب { عِلْمًا } على التمييز المحول عن الفاعل ، وجوز أن يكون نصباً على المصدرية لوسع من غير لفظه ، وفي الإظهار في موضع الإضمار تأكيد للمعنى المذكور واستلذاذ بذكره تعالى .
{ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } أي أتعرضون بعدما أوضحته لكم عن التأمل في أن آلهتكم بمعزل عن القدرة على شيء ما من النفع أو الضر فلا تتذكرون أنها غير قادرة على إضراري . وفي إيراد التذكر دون التفكر ونحوه إشارة إلى أن أمر آلهتكم مركوز في العقول لا يتوقف إلا على التذكير .
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)
{ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } استئناف كما قال شيخ الإسلام مسوق لنفي الخوف عنه عليه السلام بحسب زعم الكفرة بالطريق الإلزامي بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر؛ والاستفهام لإنكار الوقوع ونفيه بالكلية؛ وفي توجه الانكار إلى كيفية الخوف من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال : أأخاف لما أن كل موجود لا يخلو عن كيفية فإذا انتفى جميع كيفياته فقد انتفى وجوده من جميع الجهات بالطريق البرهاني ، و { كَيْفَ } حال والعوامل فيها { أَخَافُ } و ( ما ) موصولة أو نكرة موصوفة والعائد محذوف ، وجوز أن تكون مصدرية . (5/405)
وقوله تعالى : { وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله } في موضع الحال من ضمير { أَخَافُ } بتقدير مبتدأ لمكان الواو . وقيل : لا حاجة إلى التقدير لأن المضارع المنفي قد يقرن بالفاء ، ولا حاجة هنا إلى ضمير عائد إلى ذي الحال لأن الواو كافية في الربط وهو مقرر لإنكار الخوف ونفيه عنه عليه السلام ومفيد لاعترافهم بذلك فإنهم حيث لم يخافوا في محل الخوف فلأن لا يخاف عليه السلام في محل الأمن أولى وأحرى أي كيف أخاف أنا ما ليس في حيز الخوف أصلاً وأنتم لا تخافون غائلة ما هو أعظم المخوفات وأهولها وهو إشراككم بالله تعالى الذي ( فطر السموات والأرض ) ما هو من جملة مخلوقاته ، وعبر عنه بقوله سبحانه : { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا } أي حجة على طريق التهكم قيل مع الإيذان بأن الأمور الدينية لا يعول فيها إلا على الحجة المنزلة من عند الله تعالى . وضمير { بِهِ } عائد على الموصول والكلام على حذف مضاف أي بإشراكه . وجوز أن يكون راجعاً إلى الإشراك المقيد بتعلقه بالموصول ولا حاجة إلى العائد ، وهو على ما قيل مبني على مذهب الأخفش في الاكتفاء في الربط برجوع العائد إلى ما يتلبس بصاحبه . وذكر متعلق الإشراك وهو الاسم الجليل في الجملة الحالية دون الجملة الأولى قيل لأن المراد في الجملة الحالية تهويل الأمر وذكر المشرك به أدخل في ذلك .
وقال بعض المحققين : الظاهر أن يقال في وجه الذكر في الثانية والترك في الأولى أنه لما قيل قبيل هذا { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } [ الأنعام : 80 ] كان ( ما ) هنا كالتكرار له فناسب الاختصار وأنه عليه السلام حذفه إشارة إلى بعد وحدانيته تعالى عن الشرك فلا ينبغي عنده نسبته إلى الله تعالى ولا ذكر معه . ولما ذكر حال المشركين الذين لا ينزهونه سبحانه عن ذلك صرح به ، وقيل : إن ذكر الاسم الجليل في الجملة الثانية ليعود إليه الضمير في { مَا لَمْ يُنَزّلْ } وليس بشيء لأنه يكفي سبق ذكره في الجملة ، وقيل : لأن المقصود إنكاره عليه السلام عدم خوفهم من إشراكهم بالله تعالى لأنه المنكر المستبعد عند العقل السليم لا مطلق الإنكار ولا كذلك في الجملة الأولى فإن المقصود فيها إنكار أن يخاف عليه السلام غير الله تعالى سواء كان مما يشركه الكفار أو لا؛ وليس بشيء أيضاً لأن الجملة الثانية ليست داخلة مع الأولى في حكم الإنكار إلا عند مدعي العطف وهو مما لا سبيل إليه أصلاً لإفضائه إلى فساد المعنى قطعاً لما تقدم أن الإنكار بمعنى النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوف عنه عليه السلام ونفي نفيه عنهم وإنه بين الفساد ، وأيضاً إن { مَا أَشْرَكْتُمْ } كيف يدل على ما سوى الله تعالى غير الشريك؟ إن هذا إلا شيء عجاب ثم إن الآية نص في أن الشرك مما لم ينزل به سلطان .
وهل يمتنع عقلاً حصول السلطان في ذلك أم لا؟ ظاهر كلام بعضهم . وفي أصول الفقه ما يؤيده في الجملة الثاني والذي اختاره الأول ، وقول الإمام : «إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء» ليس من محل الخلاف كما لا يخفى على الناظر فانظر . (5/406)
{ فَأَىُّ الفريقين أَحَقُّ بالامن } كلام مرتب على إنكار خوفه عليه السلام في محل الأمن مع تحقق عدم خوفهم في محل الخوف مسوق لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه عليه السلام لما هو عليه من الأمن وبعدم استحقاقهم لما هم عليه ، وبهذا يعلم ما في دعوى أن الانكار في الجملة الأولى لنفي الوقوع وفي الثانية لاستبعاد الواقع ، وإنما جيء بصيغة التفضيل المشعرة باستحقاقهم له في الجملة لاستنزالهم عن رتبة المكابرة والاعتساف بسوق الكلام على سنن الانصاف ، والمراد بالفريقين الفريق الآمن في محل الأمن والآمن في محل الخوف ، فإيثار ما في النظم الكريم كما قيل على أن يقال : فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ لتأكيد الإلجاء إلى الجواب ( الحق ) بالتنبيه على علة الحكم والتفادي عن التصريح بتخطئتهم التي ربا تدعو إلى اللجاج والعناد مع الإشارة بمافي النظم إلى أن أحقية الأمن لا تخصه عليه السلام بل تشمل كل موحد ترغيباً لهم في التوحيد .
{ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي من هو أحق بذلك أو شيء من الأشياء أو إن كنتم من أولي العلم فأخبروني بذلك . وقرىء { سلطانا } بضم اللام ، وهي لغة اتبع فيها الضم الضم .
الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)
{ الذين ءامَنُواْ } استئناف يحتمل أن يكون من جهته تعالى مبين للجواب الحق الذي لا محيد عنه . وروي ذلك عن محمد بن إسحاق وابن زيد والجبائي ، ويحتمل أن يكون من جهة إبراهيم عليه السلام وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه ، واستشكل كونه استئنافاً بأنه لا يمكن جعله بيانياً لأنه ما كان جواب سؤال مقدر ، وهذا جواب سؤال محقق ولا نحوياً لما قال ابن هشام : إن الاستئناف النحوي ما كان في ابتداء الكلام ومنقطعاً عما قبله وهذا مرتبط بما قبله لارتباط الجواب والسؤال ضرورة وليس عندنا غيرهما . وأجيب باختيار كونه نحوياً ، ومعنى كونه منقطعاً عما قبله أن لا يعطف عليه ولا يتعلق به من جهة الإعراب وإن ارتبط بوجه آخر ، وقيل : المراد بابتداء الكلام ابتداؤه تحقيقاً أو تقديراً أي الفريق الذين آمنوا بما يجب الإيمان به . (5/407)
{ وَلَمْ يَلْبِسُواْ } أي لم يخلطوا { أيمانهم } ذلك { بِظُلْمٍ } أي شرك كما يفعله الفريق المشركون حيث يزعمون أنهم مؤمنون بالله تعالى وأن عبادتهم لغيره سبحانه معه من تتمات إيمانهم وأحكامه لكونها لأجل التقريب والشفاعة كما ينبىء عنه قوله : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] وإلى تفسير الظلم بالشرك هنا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن المسيب وقتادة ومجاهد وأكثر المفسرين ، ويؤيد ذلك أن الآية واردة مورد الجواب عن حال الفريقين .
ويدل عليه ما أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقالوا : أينا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ليس ما تظنون إنما هو ما قال لقمان عليه السلام لابنه { يَعِظُهُ يابنى لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] ولا يقال : إنه لا يلزم من قوله : { إِنَّ الشرك } الخ أن غير الشرك لا يكون ظلماً لأنهم قالوا : إن التنوين في { بِظُلْمٍ } للتعظيم فكأنه قيل : لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم ، ولما تبين أن الشرك ظلم عظيم علم أن المراد لم يلبسوا إيمانهم بشرك أو أن المتبادر من المطلق أكمل أفراده .
وقيل : المراد به المعصية وحكي ذلك عن الجبائي والبلخي وارتضاه الزمخشري تبعاً لجمهور المعتزلة . واستدلوا بالآية على أن صاحب الكبيرة لا أمن له ولا نجاة من العذاب حيث دلت بتقديم لهم الآتي على اختصاص الأمن بمن لم يخلط إيمانه بظلم أي بفسق وادعوا أن تفسيره بالشرك يأباه ذكر اللبس أي الخلط إذ هو لا يجامع الإيمان للضدية وإنما يجامع المعاصي ، والحديث خبر واحد فلا يعمل به في مقابلة الدليل القطعي ، والقول بأن الفسق أيضاً لا يجامع الإيمان عندهم أيضاً فلا يتم لهم الاستدلال لكونه اسماً لفعل الطاعات واجتناب السيئآت حتى أن الفاسق ليس بمؤمن كما أنه ليس بكافر مدفوع كما قيل بأنه كثيراً ما يطلق الإيمان على نفس التصديق بل لا يكاد يفهم منه بلفظ الفعل غير هذا حتى أنه يعطف عليه عمل الصالحات كما جاء في غير ما آية .
وأجيب بأنه أريد بالإيمان تصديق القلب وهو قد يجامع الشرك كأن يصدق بوجود الصانع دون وحدانيته كما أشرنا إليه آنفاً ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } [ يوسف : 106 ] . وكذا إذا أريد به مطلق التصديق سواء كان باللسان أو غيره بل المجامعة على هذا أظهر كما في المنافق ولو أريد به التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر يقال : إنه لا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوباً مضمحلاً أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر مراراً ، وبعد تسليم جميع ما ذكر نقول : (5/408)
إن قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ لَهُمُ الامن } إنما يدل على اختصاص الأمن بغير العصاة وهو لا يوجب كون العصاة معذبين ألبتة بل خائفين ذلك موقعين للاحتمال ورجحان جانب الوقوع . وقيل المراد من الأمن الأمن من خلود العذاب لا الأمن من العذاب مطلقاً ، والموصول مبتدأ واسم الإشارة مبتدأ ثان والإشارة إلى الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة وفي الإشارة إليه بما فيه معنى البعد بعد وصفه بما ذكر ما يلا خفى ، وجملة { لَهُمُ الامن } من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول ، وجوز أن يكون { أولئك } بدلاً من الموصول أو عطف بيان له و { لَهُمْ } هو الخبر و { الامن } فاعلاً للظرف لاعتماده على المبتدأ ، وأن يكون { لَهُمْ } خبراً مقدماً و { الامن } مبتدأ مؤخراً والجملة خبر الموصول ، وجوز أبو البقاء كون الموصول خبر مبتدأ محذوف وقال : التقدير هم الذين ولا يخلو عن بعد والأكثرون على الأول { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } إلى الحق ومن عداهم في ضلال مبين ، وقدر بعضهم إلى طريق توجب الأمن من خلود العذاب .
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)
{ وَتِلْكَ } إشارة إلى ما احتج به إبراهيم عليه السلام من قوله سبحانه : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } [ الأنعام : 76 ] الخ ، وقيل : من قوله سبحانه : { أَتُحَاجُّونّى } إلى { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } [ الأنعام : 80 82 ] وتركيب حجة اصطلاحية منه يحتاج إلى تأمل وما في اسم الإشارة من معنى البعد لتفخيم شأن المشار إليه ، وهو مبتدأ وقوله عز شأنه : { حُجَّتُنَا } خبره ، وفي إضافته إلى نون العظمة من التفخيم ما لا يخفى ، وقوله تعالى : { ءاتيناها إبراهيم } أي أرشدناه إليها أو علمناه إياها في موضع الحال من حجة والعامل فيه معنى الإشارة أو في محل الرفع على أنه خبر ثان أو هو الخبر و { حُجَّتُنَا } بدل أو بيان للمبتدأ ، وجوز أن تكون جملة { ءاتَيْنَا } الخ معترضة أو تفسيرية ولا يخفى بعده ، و { إِبْرَاهِيمَ } مفعول أول لآتينا قدم على الثاني لكونه ضميراً . وقوله سبحانه : { على قَوْمِهِ } متعلق بحجتنا أن جعل خبراً لتلك أو بمحذوف إن جعل بدلاً لئلا يلزم الفصل بين أجزاء البدل بأجنبي أي آتيناها إبراهيم حجة على قومه ، ولم يجوز أبو البقاء تعلقه بحجتنا أصلاً للمصدرية والفصل ، ولعل المجوز لا يرى المصدرية مانعة عن تعلق الظرف ويجعل الفصل مغتفراً ، وقيل : يصح تعلقه بآياتنا لتضمنه معنى الغلبة . (5/409)
وقوله عز شأنه : { نَرْفَعُ درجات } أي رتباً عظيمة عالية من العلم والحكمة مستأنف لا محل له من الإعراب مقرر لما قبله ، وجوز أبو البقاء أن يكون في محل نصب على أنه حال من فاعل { ءاتَيْنَا } أي حال كوننا رافعين ، ونصب { درجات } إما على المصدرية بتأويل رفعات أو على الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات أو على التمييز ومفعول { نَرْفَعُ } قوله تعالى : { مَّن نَّشَاء } وتأخيره على الأوجه الثلاثة الأخيرة لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ، ومفعول المشيئة محذوف أي من نشاء رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة ، وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن ذلك سنة مستمرة فيما بين المصطفين الأخيار غير مختصة بإبراهيم عليه السلام . وقرىء { يَرْفَعُ } بالياء على طريقة الالتفات وكذا { نَشَاء } وقرأ غير واحد من السبعة { درجات مَّن } بالإضافة على أنه مفعول { نَرْفَعُ } ورفع درجات الإنسان رفع له ، وجوز بعضهم جعله مفعولاً أيضاً على قراءة التنوين وجعل من بتقدير لمن وهو بعيد .
وقوله سبحانه : { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } أي في كل ما يفعل من رفع وخفض { عَلِيمٌ } أي بحال من يرفعه واستعداده له على مراتب متفاوتة ، وإن شئت عممت ويدخل حينئذ ما ذكر دخولاً أولياً تعليل لما قبله ، وفي وضع الرب مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام موضع نون العظمة بطريق الالتفات في تضاعيف بيان حال إبراهيم عليه السلام ما لا يخفى من إظهار مزيد اللطف والعناية به صلى الله عليه وسلم .
هذا وقد ذكر الإمام في هذه الآيات الإبراهيمية عدة أحكام ، الأول : «أن قوله سبحانه : { لا أُحِبُّ الافلين } [ الأنعام : 76 ] يدل على أنه عز وجل ليس بجسم إذ لو كان جسماً لكان غائباً عنا ( أبداً ) فيكون آفلاً ( أبداً ) » ( 3 ) والأفول ينافي الربوبية ، ولا يخفى أن عد تلك الغيبة المفروصة أفولاً لا يخلو عن شيء لأن الأفول احتجاب مع انتقال وتلك الغيبة المفروضة لم تكن كذلك بل هي مجرد احتجاب فيما يظهر نعم إنه ينافي الربوبية أيضاً لكن الكلام في كونه أفولاً ليتم الاحتجاج بالآية ، لا يقال قد جاء في حديث الإسراء ذكر الحجاب فكيف يصح القول بأن الاحتجاب مناف للربوبية لأنا نقول : الحجاب الوارد كما قال القاضي عياض إنما هو في حق العباد لا في حقه تعالى فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس ، ونص غير واحد أن ذكر الحجاب له تعالى تمثيل لمنعه الخلق عن رؤيته . وقال السيد النقيب في «الدرر والغرر» العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه بيني وبينك حجاب ويقولون لما يستصعب طريقه : بيني وبينه كذا حجب وموانع وسواتر وما جرى مجرى ذلك . والظاهر على هذا أن فيما ذكر مجاز في المفرد فتدبر . الثاني : «أن هذه الآية تدل على أنه يمتنع أن يكون تعالى بحيث ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى وإلا لحصل معنى الأفول . وأنت تعلم أن الواصفين ربهم عز شأنه بصفة النزول حيث سمعوا حديثه الصحيح عن رسولهم صلى الله عليه وسلم لا يقولون : إنه حركة وانتقال كما هو كذلك في الأجسام بل يفوضون تعيين المراد منه إلى الله تعالى بعد تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين وحينئذ لا يرد عليه أنه في معنى الأفول الممتنع على الرب جل جلاله . /الثالث : «أنها تدل على أنه جل شأنه ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقول الكرامية وإلا لكان متغيراً وحينئذ يحصل معنى الأفول» ( وهو ظاهر ) . الرابع : «إن ما ذكر يدل على أن الدين يجب أن يكون مبنياً على الدليل لا على التقليد وإلا لم يكن للاستدلال فائدة ألبتة» . الخامس : «أنه يدل على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية وإلا لما احتاج إبراهيم عليه السلام إلى الاستدلال» . السادس : «أنه يدل على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل عليه السلام إلى هذه الطريقة» ، ولا يخفى عليك ما في هذين الأخيرين . (5/410)
السابع : أن قوله سبحانه : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } الخ يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله تعالى وإظهارها في عقله وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى؛ ويتأكد ذلك بقوله سبحانه : { نَرْفَعُ درجات } الخ . الثامن : «أن قوله سبحانه { نَرْفَعُ } الخ . يدل على فساد طعن الحشوية في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل» ، وفيها أحكام أخر لا تخفى على من يتدبر . (5/411)
ومن باب الإشارة فيها : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم لاِبِيهِ ءازَرَ } حين رآه محتجباً بظواهر عالم الملك عن حقائق الملكوت وربوبيته تعالى للأشياء معتقداً تأثير الأكوان والأجرام ذاهلاً عن الملكوت جل شأنه { أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً } أي أشباحاً خالية بذواتها عن الحياة { ءالِهَةً } فتعتقد تأثيرها { إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضلال مُّبِينٍ } [ الأنعام : 74 ] ظاهر عند من كشف عن عينه الغين { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ * السموات والارض } أي نوقفه على القوى الروحانية التي ندبر بها أمر العالم العلوي والسفلي أو نوقفه على حقيقتها { وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } [ الأنعام : 75 ] أي أهل الإيقان العالمين أن لا تأثير إلا لله تعالى يدبر الأمر بأسمائه سبحانه { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } أي أظلم عليه ليل عالم الطبيعة الجسمانية ، وذلك عند الصوفية في صباه وأول شبابه { رَأَى كَوْكَباً } وهو كوكب النفس المسماة روحاً حيوانية الظاهر في ملكوت الهيكل الإنساني فقال حين رأى فيضه وحياته وتربيته من ذلك بلسان الحال { هذا رَبّى } وكان الله تعالى يريه في ذلك الحين باسمه المحيي { فَلَمَّا أَفَلَ } بطلوع نور القلب { قَالَ لا أُحِبُّ الافلين } [ الأنعام : 76 ] { فَلَمَّا رَأَى القمر } أي قمر القلب { بَازِغاً } من أفق النفس ووجد فيضه بمكاشفات الحقائق والمعارف وتربيته منه { قَالَ هذا رَبّى } وكان الله تعالى يريه إذ ذاك باسمه العالم والحكيم { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى } إلى نور وجهه { لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } [ الأنعام : 77 ] المحتجبين بالبواطن عنه سبحانه : { فَلَماَّ رَأَى الشمس } أي شمس الروح { بَازِغَةً } متجلية عليه { قَالَ } إذ وجد فيضه وشهوده وتربيته منها { هذا رَبّى } وكان سبحانه يريه حينئذ باسمه الشهيد والعلي العظيم { هذا أَكْبَرُ } من الأولين { فَلَمَّا أَفَلَتْ } بتجلي أنوار الحق وتشعشع سبحات الوجه { قَالَ يَاءادَمُ * قَوْمٌ * إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 78 ] إذ لا وجود لغيره سبحانه { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } أي أسلمت ذاتي ووجودي { لِلَّذِى فَطَرَ } أوجد { السموات والارض } أي سموات الأرواح وأرض النفس { حَنِيفاً } مائلاً عن كل ما سواه حتى عن وجودي وميلي بالفناء فيه جل جلاله { وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 79 ] في شيء { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } في ترك السوى { قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى الله وَقَدْ هَدَانِى }
[ الأنعام : 80 ] إلى وجوده الحق وتوحيده { الذين كَفَرُواْ } الايمان الحقيقي { وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ } من ظهور نفس أو قلب أو وجود بقية { أُوْلَئِكَ لَهُمُ الامن } الحقيقي { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } [ الأنعام : 82 ] حقيقة إلى الحق . وقال النيسابوري : قد يدور في الخلد أن إبراهيم عليه السلام جن عليه ليل الشبهة وظلمتها فنظر أولاً : في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغيير فلم يرها تصلح للإلهية فارتقى منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجرد فصادفها ءافلة في أفق الإمكان فلم يبق إلا الواجب ، وقيل : غير ذلك ، وما ذكره مبني على أن الاحتجاج كان مع نفسه عليه السلام وهو الذي ذهب إليه البعض من المفسرين ورووا في ذلك خبراً طويلاً وهو مذكور في كثير من الكتب مشهور بين العامة ، والمختار عندي ما علمت والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل . (5/412)
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)
{ وَوَهَبْنَا لَهُ } أي لإبراهيم عليه السلام { إسحاق } وهو ولده من سارة عاش مائة وثمانين سنة . وفي «نديم الفريد» أن معنى إسحق بالعربية الضحاك { وَيَعْقُوبَ } وهو ابن إسحق عاش مائة وسبعاً وأربعين سنة ، والجملة عطف على قوله تعالى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } [ الأنعام : 83 ] الخ ، وعطف الفعلية على الاسمية مما لا نزاع في جوازه ، ويجوز على بعد أن تكون عطفاً على جملة { ءاتيناها } [ الأنعام : 83 ] بناء على أنها لا محل لها من الإعراب كما هو أحد الاحتمالات . وقوله تعالى : { كَلاَّ } مفعول لما بعده وتقديمه عليه للقصر لا بالنسبة إلى غيرهما بل بالنسبة إلى أحدهما أي كل واحد منهما { هَدَيْنَا } لا أحدهما دون الآخر ، وقيل : المراد كلا من الثلاثة ، وعليه الطبرسي . واختار كثير من المحققين الأول لأن هداية إبراهيم عليه السلام معلومة من الكلام قطعا وترك ذكر المهدي إليه لظهور أنه الذي أوتى إبراهيم عليه السلام فإنهما ( متعبدان به . (5/413)
وقال الجبائي : المراد هديناهم بنيل الثواب والكرمات .
{ وَنُوحاً } قال شيخ الإسلام : منصوب بمضمر يفسره { هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } ولعله إنما لم يجعله مفعولاً مقدماً للمذكور لئلا يفصل بين العاطف والمعطوف بشيء أو يخلو التقديم عن الفائدة السابقة أعني القصر ولا يحلو ذلك عن تأمل أي من قبل إبراهيم عليه السلام ونوح كما قال الجواليقي أعجمي معرب زاد الكرماني : ومعناه بالسريانية الساكن ، وقال الحاكم في «المستدرك» : إنما سمي نوحاً لكثرة بكائه على نفسه واسمه عبد الغفار ، والأول : أثبت عندي ، وأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنه كما قال الحاكم أنه عليه السلام كان قبل إدريس عليه السلام . وذكر النسابون أنه ابن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف ابن متوشلخ بفتح الميم وتشديد المثناة المضمومة بعدها واواً ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام والخاء المعجمة ابن أخنوخ بفتح المعجمة وضم النون الخفيفة وبعدها واو ساكنة ثم معجمة وهو إدريس فيما يقال . وروى الطبراني عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال : " قلت يا رسول الله من أول الأنبياء؟ قال : آدم عليه السلام قلت : ثم من؟ قال نوح عليه السلام : وبينهما عشرة قرون " وهذا ظاهر في أن إدريس عليه السلام كان بعد وفاة آدم عليه السلام لم يكن قبله وذكر ابن جرير أن مولده عليه السلام بمائة وستة وعشرين عاماً . وذكره سبحانه هنا قيل لأنه لما ذكر سبحانه إنعامه على خليله من جهة الفرع ثنى بذكر إنعامه عليه من جهة الأصل فإن شرف الوالد سار إلى الولد ، وقيل : إنما ذكره سبحانه لأن قومه عبدوا الأصنام فذكره ليكون له به أسوة ، وأما أنه ذكر لما مر فلا إذ لا دلالة على علاقة الأبوة ليقبل ودلالة { مِن قَبْلُ } على ذلك غير ظاهرة .
وقنع بعضهم بالشهرة عن ذلك . (5/414)
{ وَمِن ذُرّيَّتِهِ } الضمير عند جمع لإبراهيم عليه السلام لأن مساق النظم الجليل لبيان شؤونه وما منَّ الله تعالى به عليه من إيتاء الحجة ورفع الدرجات وهبة الأولاد الأنبياء وإبقاء هذه الكرامة في نسله كل ذلك لإلزام من ينتمي إلى ملته من المشركين واليهود ، واختار آخرون كونه لنوح عليه السلام لأنه أقرب ولأنه ذكر في الجملة لوطاً عليه السلام وليس من ذرية إبراهيم بل كان ابن أخيه كما سيأتي إن شاء الله تعالى آمن به وشخص معه مهاجراً إلى الشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم ، وكذلك يونس عليه السلام لم يكن من ذريته فيما ذكر محيي السنة فلو كان الضمير له لاختص بالمعدودين في هذه الآية والتي بعدها ، وأما المذكورون في الآية الثالثة فعطف على { نُوحاً } ولا يجب أن يعتبر في المعطوف ما هو قيد في المعطوف عليه ، ولا يضر ذكر إسماعيل هناك وإن كان من ذرية إبراهيم عليهما السلام لأن السكوت عن إدراجه في الذرية لا يقتضي أنه ليس منهم وإنما لم يعد كما قال بعض المحققين : في موهبته كإسحاق كانت في كبره وكبر زوجته فكانت في غاية الغرابة ، وذكر يعقوب لأن إبقاء النبوة بطناً بعد بطن غاية النعمة ، ولم يعطف { كُلاًّ هَدَيْنَا } لأنه مؤكد لكونه نعمة .
ومن الناس من ادعى أن يونس عليه السلام من ذرية إبراهيم عليه السلام وصرح في «جامع الأصول» إنه كان من الأسباط في زمن شعيا ، وحينئذ يبقى لوط فقط خارجاً ولا يترك له إرجاع الضمير على إبراهيم وجعله مختصاً بالمعدودين في الآيات الثلاث لأنه لما كان ابن أخيه آمن به وهاجر معه أمكن أن يجعل من ذريته على سبيل التغليب كما قال الطيبي . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هؤلاء الأنبياء عليهم السلام كلهم مضافون إلى ذرية إبراهيم وإن كان منهم من لم يلحقه بولادة من قبل أم ولا أب لأن لوطاً ابن أخي إبراهيم والعرب تجعل العم أباً كما أخبر الله تعالى عن أبناء يعقوب أنهم قالوا { نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [ البقرة : 133 ] مع أن إسماعيل عم يعقوب . والجار والمجرور متعلق بفعل مضمر مفهوم مما سبق ، وقيل : بمحذوف وقع حالاً من المذكورين في الآية واختير الأول أي وهدينا من ذريته .
{ دَاوُودُ } هو كما قال الجلال السيوطي ابن إيشا بكسر الهمزة وسكون الياء المثناة التحتية وبالشين المعجمة ابن عوبر بمهملة وموحدة بوزن جعفر ابن عابر بموحدة ومهملة مفتوحة ابن سلمون بن يخيثون بن عمي بن يارب بتحتية وآخره باء موحدة ابن رام بن حضرموت بمهملة ثم معجمة بن فارص بفاء وآخره مهملة بن يهوذا بن يعقوب .
قال كعب : كان أحمر الوجه سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت والخلق وجمع له بين النبوة والملوك : ونقل النووي عن المؤرخين أنه عاش مائة سنة ومدة ملكه منها أربعون وله اثنا عشر ابناً . (5/415)
{ وسليمان } ولده ، قال كعب : كان أبيض جسيماً وسيماً وضيئاً جميلاً خاشعاً متواضعاً كان أبوه يشاوره في كثير من أموره في صغر سنه لوفور عقله وعلمه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ملك الأرض ، وعن المؤرخين أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ملكه بأربع سنين وتوفي وله ثلاث وخمسون سنة ، وتقديم المفعول الصريح للاهتمام بشأنه مع ما في المفاعيل من نوع طول ربما يخل تأخيره بتجاوب النظم الكريم { *وَأَبُّوبَ } قال ابن جرير : هو ابن موص بن روم بن عيص بن إسحاق . وقيل : ابن موص بن تارخ بن روم الخ ، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام وأن أباه ممن آمن بإبراهيم فهو قبل موسى عليه السلام؛ وقال ابن جرير : إنه كان بعد شعيب ، وقال ابن أبي خيثمة كان بعد سليمان ، وروى الطبراني أن مدة عمره كانت ثلاثاً وتسعين سنة { وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ } وهو على الصحيح المشهور ابن يعقوب بن إبراهيم؛ ويشهد له ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة مرفوعاً «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» . عاش مائة وعشرين سنة وفيه ست لغات تثليث السين مع الياء والهمز والصواب أنه أعجمي لا اشتقاق له .
{ وموسى } وهو ابن عمران ابن يصهر بن ماهيث بن لاوي بن يعقوب ولاخلاف في نسبه وهو اسم سرياني . وأخرج أبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إنما سمي موسى لأنه ألقي بين شجر وماء فالماء بالقبطية مو والشجر شا ، وفي الصحيح وصفه بأنه آدم طوال جعد كأنه من رجال شنوءة وعاش كما قال الثعلبي مائة وعشرين سنة { وهارون } أخوه شقيقه ، وقيل : لأمه ، وقيل : لأبيه فقط حكاهما الكرماني في «عجائبه» مات قبل موسى عليهما السلام وكان ولد قبله بسنة وفي بعض أحاديث الإسراء " صعدت إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته أبيض ونصفها أسود تكاد تضرب سرته من طولها فقلت : يا جبريل من هذا؟ قال : المحبب في قومه هارون بن عمران " وذكر بعضهم أن معنى هارون بالعبرانية المحبب .
{ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } قيل : أي نجزيهم مثل ما جزينا إبراهيم عليه السلام برفع درجاته وكثرة أولاده والنبوة فيهم ، والمراد مطلق المشابهة في مقابلة الإحسان بالإحسان والمكافآت بين الأعمال والأجزية من غير بخس لا المماثلة من كل وجه لأن اختصاص إبراهيم صلى الله عليه وسلم بكثرة النبوة في عقبه أمر مشهور .
واختار بعض المحققين كون التشبيه على حد ما تقدم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة : 341 ] ونظائره ، وأل في { المحسنين } للعهد ، والإظهار في موضع الإضمار للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارة عن الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المقارن لحسنها الذاتي ، وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله : « أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » والجملة اعتراض مقرر لما قبلها . (5/416)
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85)
{ وَزَكَرِيَّا } هو ابن ازن بن بركيا كان من ذرية سليمان عليهما السلام وقتل بعد قتل ولده وكان له يوم بشر به اثنتان وتسعون ، وقيل : تسع وتسعون ، وقيل : مائة وعشرون سنة وهو اسم أعجمي وفيه خمس لغات أشهرها المد والثانية القصر وقرىء بهما في السبع وَزكَرِيُّ بتشديد الياء وتخفيفها وزكر كقلم . { ويحيى } ابنه وهو اسم أعجمي ، وقيل : عربي ، وعلى القولين كما قال الواحدي لا ينصرف ، وسمي بذلك على القول الثاني لأنه حيي به رحم أمه ، وقيل : غير ذلك { وَعِيسَى } ابن مريم وهو اسم عبراني أو سرياني وفي «الصحيح» «أنه ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس» وفي ذكره عليه السلام دليل على أن الذرية يتناول أولاد البنات لأن انتسابه ليس إلا من جهة أمه وأورد عليه أنه ليس له أب يصرف إضافته إلى الأم إلى نفسه فلا يظهر قياس غيره عليه في كونه ذرية لجده من الأم . وتعقب بأن مقتضى كونه بلا أب أن يذكر في حيز الذرية وفيه منع ظاهر والمسألة خلافية ، والذاهبون إلى دخول ابن البنت في الذرية يستدلون بهذه الآية وبها احتج موسى الكاظم رضي الله تعالى عنه على ما رواه البعض عن الرشيد . وفي «التفسير الكبير» «أن أبا جعفر رضي الله تعالى عنه استدل بها عند الحجاج بن يوسف» وبآية المباهلة حيث دعا صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما بعد ما نزل { تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } [ آل عمران : 61 ] . وادعى بعضهم أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقد اختلف إفتاء أصحابنا في هذه المسألة ، والذي أميل إليه القول بالدخول . (5/417)
{ وَإِلْيَاسَ } قال ابن إسحق في «المبتدأ» : هو ابن يس بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران عليهم السلام . وحكى القتبي أنه من سبط يوشع ، وقيل : من ولد إسمعيل عليه السلام . وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه إدريس وهو على ما قال ابن إسحق يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم وهو جد نوح كما أشرنا إليه وروي ذلك عن وهب بن منبه ، وفي «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان بين نوح وإدريس ألف سنة وعلى القول بأنه قبل نوح يكون البيان مختصاً بمن في الآية الأولى ، ونص الشهاب أن قوله تعالى : { وَزَكَرِيَّا } وما بعده حينئذ معطوفاً على مجموع الكلام السابق .
{ كُلٌّ } أي كل واحد من أولئك المذكورين { مّنَ الصالحين } أي الكاملين في الصلاح الذي هو عبارة عن الإتيان بما ينبغي والتحرز عما لا ينبغي وهو مقول بالتشكيك فيوصف بما هو من أعلى مراتب الأنبياء عليهم السلام والجملة اعتراض جيء بها للثناء عليهم بمضمونها .
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)
{ وإسماعيل } هو كما قال النووي أكبر ولد إبراهيم عليه السلام ويقال كما نقل عن الجواليقي بالنون آخره قيل ومعناه : مطيع الله { واليسع } قال ابن جرير : هو ابن أخطوب بن العجوز . وقرأ حمزة والكسائي { *الليسع } بوزن ضيغم وهو أعجمي دخلت عليه اللام على خلاف القياس وقارنت النقل فجعلت علامة التعريب كما قاله التبريزي ونص على أن استعماله بدونها خطأ يغفل عنه الناس فليس كاليزيد في قوله (5/418)
: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ... شديداً بأعباء الخلافة كاهله
من جميع الوجوه ، وهو على القراءة الأولى أعجمي أيضاً ، وقيل : إنه معرب يوشع وقيل : عربي منقول من يسع مضارع وسع { واليسع وَيُونُسَ } وهو ابن متى بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية مقصور كحتى ويقال متتى بالفك وهو اسم أبيه كما قاله ابن حجر وغيره من الحفاظ ، ووقع في «تفسير عبد الرزاق» أنه اسم أمه وهو مردود ولم نقف كغيرنا على اتصال نسبه عليه السلام ، وقد مر ما في «جامع الأصول» . وقيل : إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس وهو مثلث النون ويهمز . وقرأ أبو طلحة { يُونُسَ } بكسر النون قيل : أراد أن يجعله عربياً من أنس وهو شاذ { وَلُوطاً } قال ابن إسحق : هو ابن هاران بن آزر ، وفي «المستدرك» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ابن أخي إبراهيم ولم يصرح باسم أبيه { وَكُلاًّ } أي كل واحد من هؤلاء المذكورين لا بعضهم دون بعض { فَضَّلْنَا } بالنبوة { عَلَى العالمين } أي عالمي عصرهم ، والجملة اعتراض كأختيها ، وفيها دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة .
وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)
{ وَمِنْ ءابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم } يحتمل كما قيل أن يتعلق بما تعلق به { مِنْ * ذُرّيَّتَهُ } [ الأنعام : 84 ] و ( من ) ابتدائية والمفعول محذوف أي وهدينا من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم جماعات كثيرة أو معطوف على { كَلاَّ * فَضَّلْنَا } [ الأنعام : 86 ] و ( من ) تبعيضية أي فضلنا بعض ءابائهم الخ وجعله بعضهم عطفاً على { نُوحاً } [ الأنعام : 84 ] ، و ( من ) واقعة موقع المفعول به مؤولاً ببعض . واعتبار البعضية لما أن منهم من لم يكن نبياً ولا مهدياً قيل . وهذا في غير الآباء لأن آباء الأنبياء كلهم مهديون موحدون ، وأنت تعلم أن هذا مختلف فيه نظراً إلى ءاباء نبينا صلى الله عليه وسلم وكثير من الناس من وراء المنع فما ظنك بآباء غيره من الأنبياء عليهم السلام . ولا يخفى أن إضافة الآباء والأبناء والأخوان إلى ضميرهم لا يقتضي أن يكون لكل منهم أب أو ابن أو أخ فلا تغفل . (5/419)
{ واجتبيناهم } عطف على { فَضَّلْنَا } [ الأنعام : 86 ] أي اصطفيناهم { وهديناهم إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } تكرير للتأكيد وتمهيد لبيان ما هدوا إليه ولم يظهر لي السر في ذكر هؤلاء الأنبياء العظام عليهم من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل السلام على هذا الأسلوب المشتمل على تقديم فاضل على أفضل ومتأخر بالزمان على متقدم به وكذا السر في التقرير أولاً بقوله تعالى : { وكذلك نَجْزِى } [ الأنعام : 84 ] الخ وثانياً بقوله سبحانه : { كُلٌّ مّنَ الصالحين } [ الأنعام : 85 ] والله تعالى أعلم بأسرار كلامه .
ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)
{ ذلك } أي الهدى إلى الطريق المستقيم أو ما يفهم من النظم الكريم من مصادر الأفعال المذكورة أو ما دانوا به ، وما في ذلك من معنى البعد لما مر مراراً { هُدَى الله } الإضافة للتشريف { يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء } هدايته { مِنْ عِبَادِهِ } وهم المستعدون لذلك ، وفي تعليق الهداية بالموصول إشارة إلى علية مضمون الصلة ويفيد ذلك أنه تعالى متفضل بالهداية { وَلَوْ أَشْرَكُواْ } أي أولئك المذكورون { لَحَبِطَ } أي لبطل وسقط { عَنْهُمْ } مع فضلهم وعلو شأنهم { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ثواب أعمالهم الصالحة فكيف بمن عداهم وهم هم وأعمالهم أعمالهم . (5/420)
أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)
{ أولئك } إشارة إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة كما قيل . واقتصر الإمام على المذكورين من الأنبياء ، وعن ابن بشير قال : سمعت رجلاً سأل الحسن عن أولئك فقال له : من في صدر الآية وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه : { الذين ءاتيناهم الكتاب } أي جنسه . والمراد بإيتائه التفهيم التام لما فيه من الحقائق والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق أعم من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداء وبالإيراث بقاء فإن ممن ذكر من لم ينزل عليه كتاب معين . { والحكم } أي فصل الأمر بين الناس بالحق أو الحكمة وهي معرفة حقائق الأشياء { والنبوة } فسرها بعضهم بالرسالة وعلل بأن المذكورين هنا رسل لكن في «المحاكمات» لمولانا أحمد بن حيدر الصفوي أن داود عليه السلام ليس برسول وإن كان له كتاب ولم أجد في ذلك نصاً . وذهب بعضهم إلى أن يوسف بن يعقوب عليه السلام ليس برسول أيضاً . ويوسف في قوله تعالى : { وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات } [ غافر : 34 ] ليس هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام وإنما هو يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وهو غريب . وأغرب منه القول بأنه كان من الجن رسولاً إليهم . وقال الشهاب : قد يقال إنما ذكر الأعم في النظم الكريم لأن بعض من دخل في عموم آبائهم وذرياتهم ليسوا برسل . (5/421)
{ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين { هَؤُلاء } أي أهل مكة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة مع دلالة الإشارة والمقام على ما قيل . وقيل : المراد بهم الكفار الذين جحدوا بنبوته صلى الله عليه وسلم مطلقاً ، وأياً ما كان فكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن يستلزم كفرهم بما يصدقه جميعاً . وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر غير مرة .
{ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا } أي أمرنا برعايتها ووفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها { قَوْماً } فخاماً { لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } في وقت من الأوقات بل مستمرون على الإيمان بها ، والمراد بهم على ما أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب أهل المدينة من الأنصار . وقيل : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً ، وقيل : كل مؤمن من بني آدم عليه السلام . وقيل : الفرس فإن كلاً من هؤلاء الطوائف موفقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب المنزلة إليهم عاملون بما فيها من أصول الشرائع وفروعها الباقية في شريعتنا . وعن قتادة أنهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورون وعليه يكون المراد بالتوكيل الأمر بما هو أعم من إجراء أحكامها كما هو شأنهم في حق كتابهم ومن اعتقاد حقيتها كما هو شأنهم في حق سائر الكتب التي ( نور فرقها ) القرآن ، ورجح واختار هذا الزجاج ورجحه الزمخشري بوجهين ، الأول : أن الآية التي بعد إشارة إلى الأنبياء المذكورين عليهم السلام فإن لم يكن الموكلون هم لزم الفصل بالأجنبي .
الثاني : أنه مرتب بالفاء على ما قبله فيقتضي ذلك ، واستبعده بعضهم فإن الظاهر كون مصدق النبوة ومنكرها مغايراً لمن أوتيها . (5/422)
وأخرج ابن حميد وغيره عن أبي رجاء العطاري أنهم الملائكة فالتوكيل حينئذ هو الأمر بإنزالها وحفظها واعتقاد حقيتها ، واستبعده الإمام لأن القوم قلما يقع على غير بني آدم ، وأياً ما كان فتنوين { قَوْماً } للتفخيم كما أشرنا إليه . وهو مفعول { وَكَّلْنَا } و { بِهَا } قبله متعلق بما عنده ، وتقديمه على المفعول الصريح لما مر ولأن فيه طولاً ربما يؤدي تقديمه إلى الإخلال بتجاوب النظم الكريم أو إلى الفصل بين الصفة والموصوف ، والباء التي بعد صلة لكافرين قدمت محافظة على الفواصل والتي بعدها لتأكيد النفي . وجواب الشرط محذوف يدل عليه جملة { فَقَدْ وَكَّلْنَا } الخ أي فإن يكفر بها هؤلاء فلا اعتداد به أصلاً فقد وفقنا للإيمان قوماً مستمرين على الإيمان بها والعمل بما فيها ففي إيمانهم مندوحة عن إيمان هؤلاء ، ومن هذا يعلم أن الأرجح كما قال شيخ الإسلام تفسير القوم بإحدى الطوائف ممن عدا الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام إذ بإيمانهم بالقرآن والعمل بأحكامه يتحقق الغنية عن إيمان الكفرة به والعمل بأحكامه ولا كذلك إيمان الأنبياء والملائكة عليهم السلام .
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)
{ أولئك } أي الأنبياء المذكورون كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي وابن زيد ، وقيل : الإشارة إلى المؤمنين الموكلين وروى ذلك عن الحسن وقتادة ولا يخفى ما فيه ، وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه : { الذين هَدَى الله } أي هديناهم إلى الحق والصراط المستقيم ، والالتفات إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية وحفظ المهدي إليه اعتماداً على غاية ظهوره { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } أي اجعل هداهم منفرداً بالاقتداء واجعل الاقتداء مقصوراً عليه ، والمراد بهداهم عند جمع طريقهم في الإيمان بالله تعالى وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع القابلة للنسخ فإنها بعد النسخ لا تبقى هدى وهم أيضاً مختلفون فيها فلا يمكن التأسي بهم جميعاً ، ومعنى أمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بذلك الأخذ به لا من حيث إنه طريق أولئك الفخام بل من حيث إنه طريق العقل والشرع ففي ذلك تعظيم لهم وتنبيه على أن طريقهم هو الحق الموافق لدليل العقل والسمع ، وبهذا أجاب العلامة الثاني عما أورده سؤالاً من أن الواجب في الاعتقادات وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل والسمع فلا يجوز سيما للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقلد غيره فما معنى أمره عليه الصلاة والسلام بالاقتداء . وأورد عليه أن اعتقاده عليه الصلاة والسلام حينئذ ليس لأجل اعتقادهم بل لأجل الدليل فلا معنى لأمره بالاقتداء بذلك . واعترض أيضاً بأن الأخذ بأصول الدين حاصل له قبل نزول الآية فلا معنى للأمر بأخذ ما قد أخذ قبل اللهم إلا أن يحمل على الأمر بالثبات عليه . وحقق القطب الرازي في «حواشيه على الكشاف» أنه يتعين أن الاقتداء المأمور به ليس إلا في الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة كالحلم والصبر والزهد وكثرة الشكر والتضرع ونحوها ويكون في الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل منهم قطعاً لتضمنها أن الله تعالى هدى أولئك الأنبياء عليهم السلام إلى فضائل الأخلاق وصفات الكمال وحيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهداهم جميعاً امتنع للعصمة أن يقال : إنه لم يمتثل فلا بد أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام قد امتثل وأتى بجميع ذلك وحصل تلك الأخلاق الفاضلة التي في جميعهم فاجتمع فيه من خصال الكمال ما كان متفرقاً فيهم وحينئذ يكون أفضل من جميعهم قطعاً كما أنه أفضل من كل واحد منهم وهو استنباط حسن . (5/423)
واستدل بعضهم بها على أنه صلى الله عليه وسلم متعبد بشرع من قبله وليس بشيء ، وفي أمره عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بهداهم دون الاقتداء بهم ما لا يخفى من الإشارة إلى علو مقامه صلى الله عليه وسلم عند أرباب الذوق .
والهاء في { اقتده } هاء السكت التي تزاد في الوقف ساكنة ، وقد تثبت في الدرج ساكنة أيضاً إجراء للوصل مجرى الوقف ، وبذلك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ويحذف الهاء في الوصل خاصة حمزة والكسائي وقرأ ابن عامر { اقتده } بكسر الهاء من غير إشباع وهو الذي تسميه القراء اختلاساً وهي رواية هشام عنه وروى غيره إشباعها وهو كسرها ووصلها بياء ، وزعم أبو بكر بن مجاهد أن قراءة ابن عامر غلط معللاً ذلك بأن الهاء هاء الوقف فلا تحرك في حال من الأحوال وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها . وتعقبه أبو علي الفارسي بأن الهاء ضمير المصدر وليست هاء السكت أي اقتد الاقتداء ومثله كما قال أبو البقاء قوله (5/424)
: هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الوشا إن يلقها ذيب
فإن الهاء فيه ضمير الدرس لا مفعول لأن يدرس قد تعدى إلى القرآن . وقال بعضهم : إن هاء السكت قد تحرك تشبيهاً لها بهاء الضمير ، والعرب كثيراً ما تعطي الشيء حكم ما يشبهه وتحمله عليه ، وقد روى قول أبي الطيب
: واحر قلباه مما قلبه شبم ... بضم الهاء وكسرها على أنها هاء السكت شبهت بهاء الضمير فحركت . واستحسن صاحب «الدر المصون» جعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبه الضمير لأن هاءه لا تكسر بعد الألف فكيف ما يشبهها . وزعم الإمام أن إثبات الهاء في الوصل للاقتداء بالإمام ولا يقتدى به في ذلك لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل تقليداً للخط وهو وهم .
{ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ } أي لا أطلب منكم { عَلَيْهِ } أي على القرآن أو على التبليغ فإن مساق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر ذكرهما { أَجْراً } أي جعلاً قلَّ أو كثر كما لم يسأله من قبلي من الأنبياء عليهم السلام أممهم قيل : وهذا من جملة ما أمرنا بالاقتداء به من هداهم عليهم السلام ، وهو ظاهر على ما قاله القطب لأن الكف عن أخذ أجر في مقابلة الإحسان من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال ، وأما على قول من خص الهدى السابق بالأصول فقد قيل : إن بين القول به والقول بذلك الاختصاص تنافياً . وأجيب بأن استفادة الاقتداء بالأصول من الأمر الأول لا ينافي أن يؤمر عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بأمر آخر كالتبليغ . وتقديم المتعلق هناك إنما هو لنفي اتباع طريقة غيرهم في شيء آخر . واستدل بالآية على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام . وفيه كلام للفقهاء على طوله مشهور غني عن البيان . { إِنْ هُوَ } أي ما القرآن { إِلاَّ ذكرى } أي تذكير فهو مصدر ، وحمله على ضمير القرآن للمبالغة ولا حاجة لتأويله بمذكر { للعالمين } كافة فلا يختص به قوم دون ءاخرين . واستدل بالآية على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم .
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)
{ وَمَا قَدَرُواْ الله } لما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك ، وقرر جل شأنه ذلك الدليل بأوضح وجه شرع سبحانه بعد في تقرير أمر النبوة لأن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وبهذا ترتبط الآية بما قبلها كما قال الإمام وأولى منه ما قيل : إنه سبحانه ( لما بين ) شأن القرءان العظيم وأنه نعمة جليلة منه تعالى على كافة الأمم حسبما نطق به قوله عز وجل : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] عقب ذلك ببيان غمطهم إياها وكفرهم بها على وجه سرى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب الإلهية ، وأصل القدر معرفة المقدار بالسبر ثم استعمل في معرفة الشيء على أتم الوجوه حتى صار حقيقة فيه ، وقال الواحدي : يقال قدر الشيء إذا سبره وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدراً ، وقال صلى الله عليه وسلم : « إن غم عليكم فاقدروا له » أي فاطلبوا أن تعرفوه ، ثم قيل : لمن عرف شيئاً هو يقدر قدره وإذا لم يعرفه بصفاته إنه لا يقدر قدره . (5/425)
واختلف التفسير هنا فعن الأخفش أن المعنى ما عرفوا الله تعالى { حَقَّ قَدْرِهِ } أي حق معرفته . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما عظموا الله تعالى حق تعظيمه . وقال أبو العالية : ما وصفوه حتى صفته والكل محتمل . واختار بعض المحققين ما عليه الأخفش لأنه الأوفق بالمقام أي ما عرفوه سبحانه معرفته الحق في اللطف بعباده والرحمة عليهم ولم يراعوا حقوقه تعالى في ذلك بل أخلوا بها إخلالاً عظيماً { إِذْ قَالُواْ } منكرين لبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام وإنزال الكتب كافرين بنعمه الجليلة فيهما أو ما عرفوه جل شأنه حق معرفته في السخط على الكفار وشدة بطشه بهم حين اجترؤا على إنكار ذلك بقولهم : { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } أي شيئاً من الأشياء فمن للتأكيد ونصب { حَقّ } على المصدرية وهو كما قال أبو البقاء في الأصل صفة للمصدر أي قدره الحق فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه . و { إِذْ } ظرف للزمان الزمان وهل فيها معنى العلة هنا أم لا؟ احتمالان ، وأبو البقاء يعلقها بقدروا وليس بالمتعين . وقرىء { قَدْرِهِ } بفتح الدال .
واختلف في قائلي ذلك القول الشنيع ، فأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أنهم مشركو قريش . والجمهور على أنهم اليهود ومرادهم من ذلك الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة فقيل لهم على سبيل الالزام { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } فإن المراد أنه تعالى قد أنزل التوراة على موسى عليه السلام ولا سبيل لكم إلى إنكار ذلك فلم لا تجوزون إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا ينحل استشكال ما عليه الجمهور بأن اليهود يقولون إن التوراة كتاب الله تعالى أنزله على موسى عليه السلام فكيف يقولون : { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } وحاصل ذلك أنهم أبرزوا إنزال القرآن عليه عليه الصلاة والسلام في صورة الممتنعات حتى بالغوا في إنكاره فألزموا بتجويزره ، وقيل : إن صدور هذا القول كان عن غضب وذهول عن حقيقته ، فقد أخرج ابن جرير والطبراني عن سعيد بن جبير أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدك الله تعالى الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله تعالى يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود فضحك القوم فغضب فالتفت إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال : ما أنزل الله على بشر من شيء فقال له قومه : ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال : إنه أغضبني فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف فأنزل الله تعالى هذه الآية ، واعترض بأن هذا لا يلائم الإلزام بإنزال التوراة على موسى عليه السلام فقد اعترف القائل بأنه إنما صدر ذلك عنه من الغضب فليفهم .
ولا يرد أن هذه السورة مكية والمناظرات التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود كلها مدنية فلا يتأتى القول بأن الآية نزلت في اليهود لما أخرج أبو الشيخ عن سفيان والكلبي أن هذه الآية مدنية ، واستشكل أيضاً قول مجاهد بأن مشركي قريش كما ينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ينكرون رسالة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم . ودفع بأن ذلك لما أنه كان إنزال التوراة من المشاهير الذائعة ولذلك كانوا يقولون : { لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } [ الأنعام : 157 ] حسن إلزامهم بما ذكر ، ومع هذا ما ذهب إليه الجمهور أحرى بالقبول . (5/426)
ومن الناس من ادعى أن في الآية حجة من الشكل الثالث وهي أن موسى بشر وموسى أنزل عليه كتاب ينتج أن بعض البشر أنزل عليه كتاب وتؤخذ الصغرى من قوة الآية والكبرى من صريحها والنتيجة موجبة جزئية تكذب السالبة الكلية التي ادعتها اليهود وهي لا شيء من البشر أنزل عليه كتاب المأخوذة من قولهم { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } وإنما نتجت هاتان الشخصيتان مع أن شرط الشكل الثالث كلية إحدى المقدمتين لأن الشخصية عندهم في حكم الكلية . وقال الإمام : «تفلسف حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة [ فقال : ] إن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وذلك لأن حاصلها يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئاً و ( واحد ) من البشر ما أنزل الله تعالى عليه شيئاً ينتج ( من الشكل الثاني ) أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال ، وهذه الاستحالة ليست بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم : { أَنزَلَ الله وَلاَ } الخ فوجب القول بانها كاذبة» وفي ذلك تأمل فليتأمل .
ثم إن وصف الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريع وتشديد التبكيت ، وكذا تقييده بقوله سبحانه : { نُوراً وَهُدًى } فإن كونه بينا بنفسه ومبيناً لغيره مما يؤكد الإلزام أي توكيد ، وانتصابهما على الحالية من الكتاب والعامل { أَنَزلَ } أو من ضمير { بِهِ } والعامل جاء ، والظاهر تعلق الظرف بجاء ، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من الفاعل ، واللام في قوله سبحانه : { لِلنَّاسِ } إما متعلق بهدى أو بمحذوف وقع صفة له أي هدى كائناً للناس ، والمراد بهم بنو إسرائيل ، وقيل : هم ومن عداهم ، ومعنى كونه هدى لهم أنه يرشد من وقف عليه بالواسطة أو بدونها إلى ما ينجيه من الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . (5/427)
وقوله تعالى : { تَجْعَلُونَهُ قراطيس } استئناف لا موضع له من الإعراب مسوق لنعي ما فعلوه من التحريف والتغيير عليهم . وجوز أن يكون في موضع نصب على الحال كما تقدم أي تضعونه في قراطيس مقطعة وأوراق مفرقة بحذف الجار بناء على تشبيه القراطيس بالظرف المبهم كما قيل . وقال أبو علي الفارسي : المراد تجعلونه ذا قراطيس ، وجوز غير واحد عدم التقدير على معنى تجعلونه نفس القراطيس ، وفيه زيادة توبيخ لهم بسوء صنيعهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزلوه منزلة القراطيس الخالية عن الكتابة ، وليس المراد على الأول توبيخهم بمجرد وضعهم له في قراطيس إذ كل كتاب لا بد وأن يودع في القراطيس بل المراد التوبيخ على الجعل في قراطيس موصوفة بقوله سبحانه : { تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } فالجملة المعطوفة والمعطوف عليها في موضع الصفة لقراطيس ، والعائد على الموصوف من المعطوفة محذوف أي كثيراً منها ، والمراد من الكثير نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ما كتموه من أحكام التوراة كرجم الزاني المحصن . وهذا خطاب لليهود بلا مرية وكانوا يفعلون ذلك مع عوامهم متواطئين عليه ، وهو ظاهر على تقدير أن يكون الجواب السابق لهم لأن مشافهتهم به يقتضي خطابهم ، ومن جعل ما تقدم للمشركين حمل هذا على الإلتفات لخطاب اليهود حيث جرى ذكرهم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأفعال الثلاثة بياء الغيبة .
وضمير الجمع لليهود أيضاً إلا أنه التفت عن خطابهم تبعيداً لهم بسبب ارتكابهم القبيح عن ساحة الخطاب ولذا خاطبهم حيث نسب إليهم الحسن في قوله سبحانه : { وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ } وهذا أحسن كما قيل من الإلتفات على القول الأول لأن فيه نقلاً من الكلام مع جماعة هم المشركون إلى الكلام مع جماعة أخرى هم اليهود قبل إتمام الكلام الأول لأن إتمامه بقوله سبحانه : { قُلِ الله } الخ بخلاف الإلتفات على القول الثاني ، والجملة على ما قال أبو البقاء في موضع الحال من فاعل { تَجْعَلُونَهُ } بإضمار قد أو بدونه على اختلاف الرأيين ، وعليه كما قال شيخ الإسلام « فينبغي أن يجعل ما عبارة عما أخذوه من الكتاب من العلوم والشرائع ليكون التقييد بالحال مفيداً لتأكيد التوبيخ وتشديد التشنيع لا على ما تلقوه من جهة النبي صلى الله عليه وسلم زيادة على ما في التوراة وبياناً لما التبس عليهم وعلى آبائهم من مشكلاتها حسبما ينطق به قوله تعالى :
{ إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [ النمل : 76 ] لأن تلقيهم ذلك ليس مما يزجرهم عما صنعوا بالتوراة فتكون الجملة حينئذ خالية عن تأكيد التوبيخ فلا تستحق أن تقع موقع الحال بل الوجه حينئذ أن يكون استئنافاً مقرراً لما قبله من مجيء الكتاب بطريق التكملة والاستطراد والتمهيد لما يعقبه من مجيء القرآن ، ولا سبيل كما قال إلى جعل ما عبارة عما كتموه من أحكام التوراة كما يفصح عنه قوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } [ المائدة : 15 ] فإن ظهوره وإن كان مزجرة لهم عن الكتم مخافة الإفتضاح ومصححاً لوقوع الجملة في موقع الحال لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتماً» . وجوز أن تكون الجملة معطوفة على { مَنْ أَنزَلَ الكتاب } من حيث المعنى أي قل من أنزل الكتاب ومن علمكم ما لم تعلموا وفيه بعد . وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أن هذا خطاب للمسلمين . وروي عنه أنه قرأ ( وعلمتم معشر العرب ما لم ) الخ وهو عند قوم اعتراض للإمتنان على النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه بهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن . وقال بعضهم : إن الناس فيما تقدم عام يدخل فيهم المسلمون واليهود ، و { عَلِمْتُمُ } عطف على { تَجْعَلُونَهُ } والخطاب فيه للناس باعتبار اليهود وفي { عَلِمْتُمُ } لهم باعتبار المسلمين ولا يخفى أنه تكلف . (5/428)
وقوله سبحانه : { قُلِ الله } أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب السؤال السابق عنهم إشارة إلى أنهم ينكرون الحق مكابرة منهم ، وإشعاراً بتعين الجواب وإيذاناً بأنهم أفحموا ، ولم يقدروا على التكلم أصلاً ، والاسم الجليل إما فاعل فعل مقدر أو مبتدأ خبره جملة مقدرة أي أنزل الله أو الله تعالى أنزله ، والخلاف في الأرجح من الوجهين مشهور { ثُمَّ ذَرْهُمْ } أي دعهم { فِى خَوْضِهِمْ } أي باطلهم فلا عليك بعد إلزام الحجة وإلقام الحجر { يَلْعَبُونَ } في موضع الحال من هم الأول ، والظرف صلة { ذَرْهُمْ } أو { يَلْعَبُونَ } أو حال من مفعول { ذَرْهُمْ } أو من فاعل { يَلْعَبُونَ } وجوز أن يكون في موضع الحال من هم الثاني ، وهو في المعنى فاعل المصدر المضاف إليه ، والظرف متصل بما قبله إما على أنه لغو أو حال من هم ولا يجوز حينئذ جعله متصلاً بيلعبون على الحالية أو اللغوية لأنه يكون معمولاً له متأخراً عنه رتبة ومعنى مع أنه متقدم عليه رتبة أيضاً لأن العامل في الحال عامل في صاحبها فيكون فيه دور وفساد في المعنى . والآية عند بعض منسوخة بآية السيف ، واختار الإمام عدم النسخ لأنها واردة مورد التهديد وهو لا ينافي حصول المقاتلة فلم يكن ورود الآية الدالة على وجوبها رافعاً للمدلول فلم يحصل النسخ فيه .
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)
{ وهذا كتاب أنزلناه } تحقيق لإنزال القرآن الكريم بعد تقرير إنزال ما بشر به من التوراة وتكذيب لكلمتهم الشنعاء إثر تكذيب ، وتنكير { كِتَابٌ } للتفخيم ، وجملة { أنزلناه } في موضع الرفع صفة له وقوله سبحانه : { مُّبَارَكٌ } أي كثير الفائدة والنفع لاشتماله على منافع الدارين وعلوم الأولين والآخرين صفة بعد صفة . قال الإمام : «جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عن هذا الكتاب المتمسك به يحصل به عز الدنيا وسعادة الآخرة» ولقد شاهدنا والحمد لله عز وجل ثمرة خدمتنا له في الدنيا فنسأله أن لا يحرمنا سعادة الآخرة إنه البر الرحيم . وقوله جل وعلا : { مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } صفة أخرى ، والإضافة على ما نص عليه أبو البقاء غير محضة ، والمراد بالموصول إما التوراة لأنها أعظم كتاب نزل قبل ولأن الخطاب مع اليهود ، وأما ما يعمها وغيرها من الكتب السماوية وروي ذلك عن الحسن ، وتذكير الموصول باعتبار الكتاب أو المنزل أو نحو ذلك ، ومعنى كونها بين يديه أنها متقدمة عليه فإن كل ما كان بين اليدين كذلك وتصديقه للكل في إثبات التوحيد والأمر به ونفي الشرك والنهي عنه وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ . (5/429)
{ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى } قيل : عطف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قيل : أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه والإنذار . واختار العلامة الثاني كونه عطفاً على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار ، وادعى أنه لاحاجة مع هذا إلى ذلك التكلف فإن عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير ، ودعوى أن الداعي إليه عرو تلك الصفات السابقة عن حرف العطف واقتران هذا به تستدعي القول بأن الصفات إذا تعددت ولم يعطف أولها يمتنع العطف أو يقبح والواقع خلافه ، والأولى ما يقال : إن الداعي أن اللفظ والمعنى يقتضيانه ، أما المعنى فلأن الإنذار علة لإنزاله كما يدل عليه { وأوحى الي هذا القرآن لأنذركم به } [ الأنعام : 19 ] ولو عطف لكان على أول الصفات على الراجح في العطف عند التعدد ، ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجار والمجرور على الجملة الفعلية . فإنه نظير هذا رجل قام عندي وليخدمني وهو كما ترى . ومنه يعلم الداعي اللفظي وجوز أن يكون علة لمحذوف يقدر مؤخراً أو مقدماً أي ولتنذر أنزلناه أو وأنزلناه لتنذر ، وتقديم الجار للاهتمام أو للحصر الإضافي ، وأن يكون عطفاً على مقدر أي لتبشر ولتنذر ، وأياً ما كان ففي الكلام مضاف محذوف أي أهل أم القرى ، والمراد بها مكة المكرمة ، وسميت بذلك لأنها قبلة أهل القرى وحجهم وهم يتجمعون عندها تجمع الأولاد عند الأم المشفقة ويعظمونها أيضاً تعظيم الأم ، ونقل ذلك عن الزجاج والجبائي ، ولأنها أعظم القرى شأناً فغيرها تبع لها كما يتبع الفرع الأصل .
وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها فكأنها خرجت من تحتها كما تخرج الأولاد من تحت الأم أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس . ونقل ذلك عن السدي وقرأ أبو بكر عن عاصم { لّيُنذِرَ } بالياء التحتية على الإسناد المجازي للكتاب لأنه منذر به . (5/430)
{ وَمَنْ حَوْلَهَا } من أهل المدر والوبر في المشارق والمغارب لعموم بعثه صلى الله عليه وسلم الصادع بها القرآن في غير آية ، واللفظ لا يأبى هذا الحمل فلا متمسك بالآية لطائفة من اليهود زعموا أنه صلى الله عليه وسلم مرسل للعرب خاصة ، على أنه يمكن أن يقال : خص أولئك بالذكر لأنهم أحق بإنذاره عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } [ الشعراء : 214 ] ولذا أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه { والذين يُؤْمِنُونَ بالاخرة } وبما فيها من الثواب والعقاب ، ومن اقتصر على الثاني في البيان لاحظ سبق الإنذار { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بالكتاب ، قيل : أو بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يرهبون من العذاب ويرغبون في الثواب ولا يزال ذلك يحملهم على النظر والتأمل حتى يؤمنوا به { وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } يحتمل أن يراد بالصلاة مطلق الطاعة مجازاً أو اكتفى ببعضها الذي هو عماد الدين وعلم الإيمان ولذا أطلق على ذلك الإيمان مجازاً كقوله تعالى : { مَّا كَانَ الله * لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة : 341 ] .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } كالذين قالوا { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } [ الأنعام : 91 ] { أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ } من جهته تعالى { وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ } أي والحال أنه لم يوح إليه { شَىْء } كمسيلمة . والأسود العنسي { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } أي أنا قادر على مثل ذلك النظم كالذين قالوا : { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } [ الأنفال : 31 ] وتفسير الأول : بما ذكرناه لم نقف عليه لغيرنا ، وتفسير الثاني : ذهب إليه الزمخشري وغيره وتفسير الثالث : ذهب إليه الزجاج ومن وافقه . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج أن قوله سبحانه : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } نزلت في مسيلمة الكذاب والأخير نزل في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وجعل بعضهم على هذا عطف { أَوْ قَالَ } الأول على { افترى } الخ من عطف التفسير . (5/431)
وتعقب بأنه لا يكون بأو ، واستحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان وأو للتنويع يعني أنه تارة ادعى أن الله تعالى بعثه نبياً وأخرى أن الله تعالى أوحى إليه وإن كان يلزم النبوة في نفس الأمر الإيحاء ويلزم الإيحاء النبوة ، ويفهم من صنيع بعضهم أن أو بمعنى الواو ، وأما ابن أبي سرح فلم يدع صريحاً القدرة ولكن قد يقتضيها كلامه على ما يفهم من بعض الروايات ، وفسر بعضهم الثاني بعبد الله ودعواه ذلك على سبيل الترديد ، فقد روي أن عبد الله بن سعد كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فكتب له شيئاً فلما نزلت الآية في المؤمنين { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله سبحانه { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال : { تَبَارَكَ الله * أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] فقال رسول الله : هكذا أنزلت عليَّ فشك حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقاً لقد أوحيَّ إليَّ ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال ، وجعل الشق الثاني في معنى دعوى القدرة على المثل فيصح تفسير الثاني والثالث به لا يصح إلا إذا اعتبر عنوان الصلة في الأخير من باب المماشاة مثلاً كما لا يخفى . واعتبر الإمام عموم افتراء الكذب على الله تعالى وجعل المعطوف عليه نوعاً من الأشياء التي وصفت بكونها افتراء ثم قال : والفرق بين هذا القول وما قبله أن في الأول : كان يدعي أنه أوحي إليه فيما يكذب به ولم ينكر نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وفي الثاني : أثبت الوحي لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام فكان جمعاً بين أمرين عظيمين من الكذب إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود انتهى .
وفيه عدول عن الظاهر حيث جعل ضمير { إِلَيْهِ } راجعاً للنبي صلى الله عليه وسلم والواو في { وَلَمْ يُوحَ } للعطف والمتعاطفان مقول القول والمنساق للذهن جعل الضمير لمن والواو للحال وما بعدها من كلامه سبحانه وتعالى ، وربما يقال لو قطع النظر عن سبب النزول : إن المراد بمن افترى على الله كذباً من أشرك بالله تعالى أحداً يحمل افتراء الكذب على أعظم أفراده ، وهو الشك وكثير من الآيات يصدح بهذا المعنى وبمن قال : { أُوحِىَ إِلَيْكَ } والحال لم يوح إليه مدعي النبوة كاذباً وبمن قال : { سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } الطاعن في نبوة النبي عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل : من أظلم ممن أشرك بالله عز وجل أو ادعى النبوة كاذباً أو طعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم الكلام على مثل هذه الجملة الاستفهامية فتذكر وتدبر . (5/432)
{ وَلَوْ تَرَى } أي تبصر ، ومفعوله محذوف لدلالة الظرف في قوله تعالى { إِذِ الظالمون } عليه ثم لما حذف أقيم الظرف مقامه والأصل لو ترى الظالمين إذ هم ، و { إِذْ } ظرف لترى و { الظالمون } مبتدأ ، وقوله تعالى { فِى غَمَرَاتِ الموت } خبره و ( إذ ) ظرف لترى ، وتقييد الرؤية بهذا الوقت ليفيد أنه ليس المراد مجرد رؤيتهم بل رؤيتهم على حال فظيعة عند كل ناظر ، وقيل : المفعول { إِذْ } والمقصود تهويل هذا الوقت لفظاعة ما فيه ، وجواب الشرط محذوف أي لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً ، والمراد بالظالمين ما يشمل الأنواع الثلاثة من الإفتراء والقولين الأخيرين ، والغمرة كما قال الشهاب في الأصل : المرة من غمر الماء ثم استعير للشدة وشاع فيها حتى صار كالحقيقة . ومنه قول المتنبي
: وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
والمراد هنا سكرات الموت كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
{ والملئكة } الذين يقبضون أرواحهم وهم أعوان ملك الموت { بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ } أي بالعذاب ، وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم قائلين لهم { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي خلصوها مما أنتم فيه من العذاب ، والأمر للتوبيخ والتعجيز ، وذهب بعضهم أن هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج ما لي عليك الساعة ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك ، وفي «الكشف» إنه كناية عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ولا بسط ولا قول حقيقة هناك ، واستظهر ابن المنير أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية ، وإذا أمكن البقاء على الحقيقة فلا معدل عنها2 .
{ اليوم } المراد به مطلق الزمان لا المتعارف ، وهو إما حين الموت أو ما يشمله وما بعده { تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } أي المشتمل على الهوان والشدة والإضافة كما في رجل سوء تفيد أنه متمكن في ذلك لأن الإختصاص الذي تفيده الإضافة أقوى من اختصاص التوصيف ، وجوز أن تكون الإضافة على ظاهرها لأن العذاب قد يكون للتأديب لا للهوان والخزي . ومن الناس من فسر غمرات الموت بشدائد العذاب في النار فإنها وإن كانت أشد من سكرات الموت في الحقيقة إلا أنها استعملت فيها تقريباً للإفهام ، وبسط الملائكة أيديهم بضربهم للظالمين في النار بمقامع من حديد والإخراج بالإخراج من النار وعذابها واليوم باليوم المعلوم . (5/433)
{ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ } مفترين { عَلَى الله غَيْرَ الحق } من نفي إنزاله على بشر شيئاً وادعاء الوحي أو من نسبة الشرك إليه ودعوى النبوة كذباً ونفيها عمن اتصف بها حقيقة أو نحو ذلك . وفي التعبير { بِغَيْرِ الحق } عن الباطل ما لا يخفى وهو مفعول { تَقُولُونَ } ، وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولاً غير الحق { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } أي تعرضون فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون .
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا } للحساب { فرادى } أي منفردين عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم أو عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا . أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عكرمة قال : النضر بن الحرث سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت ، والجملة على ما ذهب إليه بعض المحققين مستأنفة من كلامه تعالى ولا ينافي قوله تعالى : { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } [ البقرة : 174 ] لأن المراد نفي تكليمهم بما ينفعهم أو لأنه كناية عن الغضب ، وقيل : معطوفة على قول { الملائكة * أَخْرِجُواْ } [ الأنعام : 93 ] الخ وهي من جملة كلامهم وفيه بعد وإن ظنه الإمام أولى وأقوى . ونصب { فرادى } على الحال من ضمير الفاعل وهو جمع فرد على خلاف القياس كأنه جمع فردان كسكران على ما في «الصحاح» ، والألف للتأنيث ككسالى ، والراء في فرده مفتوحة عند صاحب «الدر المصون» وحكى بصيغة التمريض سكونها ، ونقل عن الراغب «أنه جمع فريد كأسير وأسارى» ، وفي «القاموس» «يقال : جاءوا فُرَاداً وفِرَاداً وفُرَادَى وفُرَادَ وفَرَادَ وفَرْدَى كسَكْرَى أي واحداً بعد واحد والوَاحِدُ فَرْدٌ وفَرِدٌ وفَرِيد وفَرْدَان ولا يجوز فَرْدٌ في هذا المعنى» ، ولعل هذا بعيد الإرادة في الآية . وقرىء { *فراداً } كرخال المضموم الراء وفراد كآحاد ورباع في كونه صفة معدولة ، ولا يرد أن مجيء هذا الوزن المعدول مخصوص بالعدد بل ببعض كلماته لما نص عليه الفراء وغيره من عدم الاختصاص ، نعم هو شائع فيما ذكر . وفردى كسكرى تأنيث فردان والتأنيث لجمع ذي الحال . (5/434)
{ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } بدل من { فرادى } بدل كل لأن المراد المشابهة في الانفراد المذكور ، والكاف اسم بمعنى مثل أي مثل الهيئة ، التي ولدتم عليها في الانفراد ويجوز أن يكون حالاً ثانية على رأي من يجوز تعدّد الحال من غير عطف وهو الصحيح أو حالاً من الضمير في { فرادى } فهي حال مترادفة أو متداخلة والتشبيه أيضاً في الانفراد ، ويحتمل أن يكون باعتبار ابتداء الخلقة أي مشبهين ابتداء خلقكم بمعنى شبيهة حالكم حال ابتداء خلقكم حفاة عراة غرلاً بهما ، وجوز أن يكون صفة مصدر { جِئْتُمُونَا } أي مجيئاً كخلقنا لكم .
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قرأت هذه الآية فقالت : " يا رسول الله واسوأتاه إن النساء والرجال سيحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } [ عبس : 37 ] لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض " .
{ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم } أي ما أعطيناكم في الدنيا من المال والخدم وهو متضمن للتوبيخ أي فشغلتم به عن الآخرة { وَرَاء ظُهُورِكُمْ } ما قدمتم منه شيئاً لأنفكسم .
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن قال : يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول له تبارك وتعالى : أين ما جمعت؟ فيقول : يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول : أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئاً وتلا هذه الآية ، والجملة قيل مستأنفة أو حال بتقدير قد . (5/435)
{ وَمَا نرى } أي نبصر وهو على ما نص عليه أبو البقاء حكاية حال وبه يتعلق قوله تعالى : { مَّعَكُمْ } وليس حالاً من مفعول { نُرِى } أعني قوله سبحانه : { شُفَعَاءكُمُ } ولا مفعولاً ثانياً ، والرؤية علمية . وإضافة الشفعاء إلى ضمير المخاطبين باعتبار الزعم كما يفصح عنه وصفهم بقوله عز وجل : { الذين زَعَمْتُمْ } في الدنيا { أَنَّهُمْ فِيكُمْ } أي شركاء لله تعالى في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم ، والزعم هنا نص في الباطل وجاء استعماله في الحق كما تقدمت الإشارة إليه ، ومن ذلك قوله :
تقول هلكنا إن هلكت وإنما ... على الله أرزاق العباد كما زعم
{ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } بنصب بين وهي قراءة عاصم والكسائي وحفص عن عاصم ، واختلف في تخريج ذلك فقيل : الكلام على إضمار الفاعل لدلالة ما قبل عليه أي تقطع الأمر أو الوصل بينكم ، وقيل : إن الفاعل ضمير المصدر ، وتعقبه أبو حيان بأنه غير صحيح لأن شرط إفادة الإسناد مفقودة فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو أي القيام وجلس هو أي الجلوس . ورد بأنه سمع بدا بداء ، وقد قدروا في قوله تعالى : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ } [ يوسف : 35 ] بدا البداء . وقال السفاقسي : إن من جعل الفاعل ضمير المصدر قال : المراد وقع التقطع والتغاير حاصل بهذا الاعتبار ولو سلم فالتقطع المعتبر مرجعاً معرف بلام الجنس و { تُقَطَّعَ } منكر فكيف يقال اتحد الحكم والمحكوم عليه . ولا يخفى أن القول بالتأويل متعين على هذا التقدير لأنه إذا تقطع التقطع حصل الوصل وهو ضد المقصود وقيل : إن بين هو الفاعل وبقي على حاله منصوباً حملاً له على أغلب أحواله وهو مذهب الأخفش ، وقيل : إنه بني لإضافته إلى مبنى ، وقيل غير ذلك . واختار أبو حيان «أن الكلام من باب ( التنازع سلط ) على ما كنتم تزعمون تقطع وضل ( عنكم ) فأعمل الثاني وهو { ضَلَّ } وأضمر في { تُقَطَّعَ } ( ضميره ) . والمراد بذلك الأصنام ، والمعنى لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضلوا عنكم كما قال تعالى : { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب } [ البقرة : 166 ] أي لم يبق اتصال بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنهم شركاء فعبدتموهم2 .
/ وقرأ باقي السبعة { بَيْنِكُمْ } بالرفع على الفاعلية وهو من الأضداد كالقرء يستعمل في الوصل والفصل ، والمراد به هنا الوصل أي تقطع وصلكم وتفرق جمعكم ، وطعن ابن عطية في هذا بأنه لم يسمع من العرب أن البين بمعنى الوصل وإنما انتزع من هذه الآية .
وأجيب بأنه معنى مجازي ولا يتوقف على السماع لأن بين يستعمل بين الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك رحم وصداقة وشركة فصار لذلك بمعنى الوصلة . على أنه لو قيل بأنه حقيقة في ذلك لم يبعد ، فإن أبا عمر . وأبا عبيدة وابن جني والزجاج وغيرهم من أئمة اللغة نقلوه وكفى بهم سنداً فيه ، فكونه منتزعاً من هذه الآية غير مسلم ، وعليه فيكون مصدراً لا ظرفاً . وقيل : إن بين هنا ظرف لكنه أسند إليه الفعل على سبيل الاتساع . وقرأ عبد الله { لَقَد تَّقَطَّعَ * مَا * بَيْنِكُمْ } وما فيه موصوفة أو موصولة { وَضَلَّ عَنكُم } ضاع وبطل { مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنها شفعاؤكم أو أنها شركاء لله تعالى فيكم أو أن لا بعث ولا جزاء . (5/436)
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)
{ إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } شروع في تقرير بعض أفاعيله تعالى العجيبة الدالة على كمال علمه تعالى وقدرته ولطيف صنعه وحكمته إثر تقرير أدلة التوحيد ، وفي ذلك «تنبيه على أن المقصود ( الأصلي ) من جميع المباحث العقلية والنقلية وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأفعاله سبحانه» . والفالق الموجد والمبدع كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك والحب معلوم . والنوى جمع نواة التمر كما في «القاموس» وغيره يؤنث ويذكر ويجمع على أنواء ونوى بضم النون وكسرها . وفسره الإمام بالشيء الموجود في داخل الثمرة بالمثلثة أعم من التمر بالمثناة وغيره ، والمشهور أن النوى إذا أطلق فالمراد منه ما في «القاموس» وإذا أريد غيره قيد فيقال : نوى الخوخ ونوى الإجاص ونحو ذلك . وأصل الفلق الشق . وكان إطلاق الفالق على الموجد باعتبار أن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق فمتى أوجد الشيء تخيل الذهن أنه شق ذلك العدم وفلقه وأخرج ذلك المبدع منه ، وعن الحسن وقتادة والسدي أن المعنى شاق الحبة اليابسة ومخرج النبات منها وشاق النواة ومخرج النخل والشجر منها وعليه أكثر المفسرين ولعله الأولى . وفي ذلك دلالة على كمال القدرة لما فيه من العجائب التي تصدح أطيارها على أفنان الحكم وتطفح أنهارها في رياض الكرم . وعن مجاهد وأبي مالك أن المراد بالفلق الشق الذي بالحبوب وبالنوى أي أنه سبحانه خالقهما كذلك كما في قولك : ضيق فم الركية ووسع أسفلها . وضعف بأنه لا دلالة له على كمال القدرة كما في سابقه . (5/437)
{ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } أي يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات والشجر مما لا ينمو من النطفة . والحب والنوى ، والجملة مستأنفة مبينة لما قبلها على ما عليه الأكثر ولذلك ترك العطف وقيل : خبر ثان ولم يعطف للإيذان باستقلاله في الدلالة على عظمة الله تعالى { وَمُخْرِجُ الميت } كالنطفة وأخويها { مِنَ الحى } كالحيوان وأخويه ، وهذا عند بعض عطف على { فَالِقُ } لا على { يُخْرِجُ الحى } الخ لأنه كما علمت بيان لما قبله وهذا لا يصلح للبيان وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه . واختار ابن المنير كونه معطوفاً على { يَخْرُجُ } قال : «وقد وردا جميعاً بصيغة المضارع كثيراً وهو دليل على أنهما توأمان مقترنان وهو يبعد القطع ، فالوجه والله تعالى أعلم أن يقال : كان الأصل أن يؤتى بصيغة اسم الفاعل أسوة أمثاله في الآية إلا أنه عدل عن ذلك إلى المضارع في هذا الوصف وحده إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع وذلك إنما يتأتى بالمضارع دون اسم الفاعل والماضي ألم تر
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَتُصْبِحُ الارض مُخْضَرَّةً } [ الحج : 63 ] كيف عدل فيه عن الماضي المطابق لأنزل لذلك ، وقوله (5/438)
: بأني قد لقيت الغول يسعى ... بسهب كالصحيفة صحصحان فآخذه وأضربه فخرت
صريعاً لليدين وللجران ... فإنه عدل فيه إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته واستحضارها لذهن السامع إلى ما لا يحصى كثرة ، وهو إنما يجيء فيما تكون العناية فيه أقوى ، ولا شك أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة من عكسه وهو أيضاً أول الحالين والنظر أول ما يبدأ فيه ثم القسم الآخر ناشىء عنه فكان الأول جديراً بالتصوير والتأكيد في النفس ولذلك هو مقدم أبداً على القسم الآخر في الذكر حسب ترتبهما في الواقع ، وسهل عطف الاسم على الفعل وحسنه أن اسم الفاعل في معنى المضارع وكل منهما يقدر بالآخر فلا جناح في عطفه عليه2 .
وقال الإمام في وجه ذلك الاختلاف : «إن لفظ الفعل يدل على أن الفاعل معتن بالفعل في كل حين وأوان ، وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة ، ويرشد إلى هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» من أن قوله سبحانه : { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء } [ فاطر : 3 ] قد ذكر فيه الرزق بلفظ الفعل لأنه يفيد أنه تعالى يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة ، وقوله عز شأنه { وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } [ الكهف : 18 ] قد ذكر فيه الاسم ليفيد البقاء على تلك الحالة ، وإذا ثبت ذلك يقال : لما كان الحي أشرف من الميت وجب أن يكون الإعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي ، فلذا وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل وعن الثاني بصيغة الاسم تنبيهاً على أن الإعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الإعتناء بإيجاد الميت من الحي2 .
ثم العطف لاشتمال الكلام به على زيادة لا يضر بكون الجملة بياناً لما تقدم كما لا يضر شمول الحي والميت في الجملة المعطوف عليها للحيوان والنبات فيه . وأياً ما كان فلا بد من القول بعموم المجاز أو الجمع بين المجاز والحقيقة على مذهب من يرى صحته إن قلنا : إن الحي حقيقة فيمن يكون موصوفاً بالحياة وهي صفة توجب صحة الإدراك والقدرة والميت حقيقة فيمن فارقته تلك الصفة أو نحو ذلك . وأن إطلاقه على نحو النبات والشجر الغض والحب والنوى مجاز . وبهذا يشعر كلام الإمام فإنه جعل ما نقل عن الزجاج أن المعنى يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي من الوجوه المجازية كالمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المعنى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن .
{ ذلكم } القادر العظيم الشأن الساطع البرهان هو { الله } الذات الواجب الوجود المستحق للعبادة وحده { فأنى تُؤْفَكُونَ } فكيف تصرفون عن عبادته وتشركون به من لا يقدر على شيء لا سبيل إلى ذلك أصلاً . «وتمسك الصاحب بن عباد بهذا على أن فعل العبد ليس مخلوقاً لله تعالى لأنه سبحانه لو خلق فيه الإفك لم يلق به عز شأنه أن يقول : { فأنى تُؤْفَكُونَ } « وقد قدمنا الجواب على ذلك على أتم وجه فتذكر .
فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)
{ فَالِقُ الإصباح } خبر لمبتدأ محذوف أي هو فالق أو خبر آخر لإن . والإصباح بكسر الهمزة مصدر سمي به الصبح؛ قال امرؤ القيس (5/439)
: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... يصبح وما الإصباح منك بأمثل
وقرأ الحسن بالفتح على أنه جمع صبح كقفل وأقفال . وأنشد قوله
: أفنى رياحاً وبنى رياح ... تناسخ الإمساء والإصباح
بالكسر والفتح مصدرين وجمعي مسي وصبح . والفالق الخالق على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة والضحاك وقال غير واحد : الشاق . واستشكل بأن الظاهر أن الظلمة هي التي تفلق عن الصبح . وأجيب بأن الصبح صبحان ، صادق وهو المنتشر ضوؤه معترضاً بالأفق ، وكاذب وهو ما يبدو مستطيلاً وأعلاه أضوأ من باقيه وتعقبه ظلمة . وعلى الأول : يراد فلقه عن بياض النهار أو يقال : في الكلام مضاف مقدر أي فالق ظلمة الإصباح بالأصباح وذلك لأن الأفق من الجانب الغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور إنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة فشق سبحانه ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولاً من النور فيه . وعلى الثاني : فإيراد أنه سبحانه فالقه عن ظلمة آخر الليل وشاقه منه . وما ذكر من تقسيم الصبح إلى صادق وكاذب مما يشهد له العيان ولا يمتري فيه إثنان إلا أن في سبب ذلك كلاماً لأهل الهيئة حاصله أن الصبح وكذا الشفق استنارة في كرة البخار لتقارب الشمس من أفق المشرق وتباعدها عن أفق المغرب .
وقد تحقق أن كرة البخار عبارة عن هواء متكاثف بما فيه من الأجزاء الأرضية والمائية المتصاعدة من كرتيهما بتسخين الشمس وغيرها إياها وأن شكل ذلك الهواء شكل كرة محيطة بالأرض على مركزها وسطح مواز لسطحها المتساوي غاية ارتفاعها عن مركز الأرض في جميع النواحي المستلزم لكرويتها وأنها مختلفة القوام لأن ما كان منها أقرب إلى الأرض فهو أكثف مما بعد لأن الألطف يتصاعد ويتباعد أكثر من الأكثف ولكن لا يبلغ في التكاثف إلى حيث يحجب ما وراءه . وأن هذه الكرة تنتهي إلى حد لا تتجاوزه وهو من سطح الأرض أحد وخمسون ميلاً تقريباً وأن للأرض ظلاً على هيئة مخروط قاعدته دائرة عليها تكاد تكون عظيمة وهي مواجهة للشمس ورأسه في مقابلها . وتنقسم الأرض بهذه القاعدة إلى قسمين : أحدهما أكبر مستضيء مواجه للشمس والآخر مظلم مقابل لها ، ويتحرك الضياء والظلمة على سطح الأرض في يوم بليلته دورة واحدة كعلمين متقابلين أحدهما أبيض والآخر أسود . وأن شعاع الشمس محيط بمخروط الظل من جميع جوانبه ومنبث في جميع الأفلاك سوى مقدار يسير من فلك القمر وفلك عطارد وقع في مخروط ظل الأرض لكن الأفلاك لكونها مشعة في الغاية ينفذ فيها الشعاع ولاينعكس عنها فلذلك لا نراها مضيئة .
وكذا الهواء الصافي المحيط بكرة البخار لا يقبل ضوءاً . (5/440)
وأما كرة البخار فهي مختلفة القوام لأن ما قرب منها إلى الأرض أكثف مما بعد والأكثف أقبل للاستضاءة فالكثيف الخشن باختلاط الهيئات الكثيرة من سطح مخروط الظل قابل للضوء وأن النهار مدة كون ذلك المخروط تحت الأفق والليل مدة كونه فوقه . وحيث تحقق كل ذلك يقال : إذا ازداد قرب الشمس من شرقي الأفق ازداد ميل المخروط إلى غربيه ولا يزال كذلك حتى يرى الشعاع المحيط به وأول ما يرى هو الأقرب إلى موضع الناظر وهو خط يخرج من بصره في سطح دائرة سمتية تمر بمركز الشمس عموداً على الخط المماس للشمس والأرض وهو الذي في سطح الفصل المشترك بين الشعاع والظل فيرى الضوء أولاً مرتفعاً عن الأفق عند موقع العمود مستطيلاً كخط مستقيم وما بينه وبين الأفق يرى مظلماً لبعده وإن كان مستنيراً في الواقع ولكثافة الهواء عند الأفق مدخل في ذلك أيضاً وهو الصبح الكاذب ، ثم إذا قربت من الأفق الشرقي رؤى الضوء معترضاً منبسطاً يزداد لحظة فلحظة وينمحي الأول بهذا الضياء القوى كما ينمحي ضياء المشاعل والكواكب في ضوء الشمس فيخيل أن الأول قد عدم وهو الصبح الصادق .
وتوضيح ما ذكر على ما في «التذكرة» و «شرح سيد المحققين» أنه يتوهم لبيان ذلك سطح يمر بمركز الشمس والأرض وبسهم المخروط ومركز قاعدته فيحدث مثلث حاد الزوايا قاعدته على الأفق وضلعاه على سطح المخروط . أما حدوث المثلث فلما تقرر أنه إذا مر سطح مستو بسهم المخروط ومركز قاعدته أحدث فيه مثلثاً . وأما حدة الزوايا فلأن رأس المخروط في نصف الليل يكون على دائرة نصف النهار فوق الأرض . وحينئذ إما أن يكون المخروط قائماً على سطح الأفق . وذلك إذا كانت الشمس على سمت القدم أو مائلاً إلى الشمال أو الجنوب مع تساوي بعده عن جهة المشرق والمغرب . وذلك إذا لم تكن الشمس على سمت القدم .
وأياً ما كان فذلك السطح المفروض ممتد فيما بين الخافقين أما على التقدير الأول فظاهر . وأما على التقدير الثاني فلتساوي بعد رأس المخروط عن جانبي المشرق والمغرب فيكون زوايتا قاعدة المثلث حادتين لوجوب تساويهما وامتناع وقوع قائمتين أو منفرجتين في مثلث . وإذا مال رأس المخروط عن نصف النهار المغرب فوق الأرض بسبب انتقال الشمس عنه إلى جانب المشرق تحت الأرض تضايقت الزاوية الشرقية من ذلك المثلث فتصير أحد مما كانت واتسعت الزاوية الغربية حتى تصير منفرجة لكن المقصود لا يختلف . ولا شك أن الأقرب من الضلع الذي يلي الشمس إلى الناظر يكون موقع العمود الخارج من النظر الواقع على ذلك الضلع لا موضع اتصال الضلع بالأفق .