صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
{ وَأَقْرَضْتُمُ الله } أي بالإنفاق في سبيل الخير ، وقيل : بالتصدق بالصدقات المندوبة وأياً مّا كان فهو استعارة لأنه سبحانه لما وعد بجزائه والثواب عليه شبه بالقرض الذي يقضى بمثله ، وفي كلام العرب قديماً الصالحات قروض { قَرْضًا حَسَنًا } وهو ما كان عن طيب نفس على ما قال الأخفش ، وقيل : ما لا يتبعه منّ ولا أذى ، وقيل : ما كان من حلال . وذكر غير واحد أن قرضاً يحتمل المصدر والمفعول به . (4/416)
{ لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم } دال على جواب الشرط المحذوف وسادّ مسدّه معنى ، وليس هو الجواب له خلافاً لأبي البقاء بل هو جواب للقسم ، فقد تقرر أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب السابق منهما إلا أن يتقدمه ذو خبر ، وجوز أن يكون هذا جواباً لما تضمنه قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } من القسم ، وقيل : إن جوابه { لَئِنْ أَقَمْتُمُ } فلا تكون اللام موطئة ، أو تكون ذات وجهين وهو غريب وجملة القسم المشروط وجوابه مفسرة لذلك الميثاق المتقدم . { وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جنات * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار } عطف على ما قبله داخل معه في حكمه متأخر عنه في الحصول ضرورة تقدم التخلية على التحلية .
{ فَمَن كَفَرَ } أي برسلي أو بشيء مما عدد في حيز الشرط ، والفاء لترتيب بيان حكم من كفر على بيان حكم من آمن تقوية للترغيب بالترهيب { بَعْدَ ذَلِكَ } الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم أعني لأكفرن ، وقيل : بعد الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم أعني أني معكم بناءاً على حمل المعية على المعية بالنصرة والإعانة ، أو التوفيق للخير فإن الشرط معلق به من حيث المعنى نحو أنا معتن بشأنك إن خدمتني رفعت محلك ، وقيل : المراد بعد ما شرطت هذا الشرط ووعدت هذا الوعد وأنعمت هذا الإنعام ، وقوله تعالى : { مّنكُمْ } متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل كفر ، ولعل تغيير السبك حيث لم يقل وإن كفرتم عطفاً على الشرطية السابقة كما قال شيخ الإسلام لإخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال وإسقاط من كفر عن رتبة الخطاب ، ثم ليس المراد بالكفر إحداثه بعد الإيمان ، بل ما يعم الاستمرار عليه أيضاً كأنه قيل : فمن اتصف بالكفر بعد ذلك إلا أنه قصد بإيراد ما يدل على الحدوث بيان ترقيهم في مراتب الكفر فإن الاتصاف بشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه ، وإن كان استمراراً عليه لكن بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث . { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } أي وسط الطريق وحاقه ضلالاً لا شبهة فيه ولا عذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن أن يكون له شبهة ويتوهم عذر .
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)
{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } أي بسبب نقضهم ميثاقهم المؤكد لا بشيء آخر استقلالاً وانضماماً ، فالباء سببية ، و ( ما ) مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه في النفس ، أو بمعنى شيء كما قال أبو البقاء ، والجار متعلق بقوله تعالى : { لَّعَنَهُمُ } أي طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا عقوبة لهم قاله عطاء وجماعة وعن الحسن ومقاتل أن المعنى مسخناهم قردة وخنازير ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عذبناهم بضرب الجزية عليهم ، ولا يخفى أن ما قاله عطاء أقرب إلى المعنى الحقيقي لأن حقيقة اللعن في اللغة الطرد والابعاد فاستعماله في المعنيين الأخيرين مجاز باستعماله في لازم معناه ، وهو الحقارة بما ذكر لكنه لا قرينة في الكلام عليه ، وتخصيص البيان بما ذكر مع أن حقه أن يبين بعد بيان تحقق ( نفس ) اللعن والنقض بأن يقال مثلاً : فنقضوا ميثاقهم فلعناهم ضرورة تقدم هيئة الشيء البسيطة على هيئته المركبة كما قال شيخ الإسلام للإيذان بأن تحققهما أمر جلي غني عن البيان ، وإنما المحتاج إلى ذلك ما بينهما من السببية والمسببية . (4/417)
{ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ } يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تلين قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقيل : المراد سلبناهم التوفيق واللطف الذي تنشرح به صدورهم حتى ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وهذا كما تقول لغيرك : أفسدت سيفك إذا ترك تعاهده حتى صدىء ، وجعلت أظافيرك سلاحك إذا لم يقصها ، وقال الجبائي المعنى : بينا عن حال قلوبهم وما هي عليه من القساوة وحكمنا بأنهم لا يؤمنون ولا تنفع فيهم موعظة ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وما دعا إليه إلا الاعتزال ، وقرأ حمزة والكسائي ( قسية ) ، وهي إما مبالغة قاسية لكونه على وزن فعيل ، أو بمعنى ردية من قولهم : درهم قسى إذا كان مغشوشاً ، وهو أيضاً من القسوة ، فإن المغشوش فيه يبس وصلابة ، وقيل : إن قسى غير عربي بل معرب ، وقرىء ، قسية بكسر القاف للاتباع .
{ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } استئناف لبيان مرتبة قساوة قلوبهم فإنه لا مرتبة أعظم مما ينشأ عنه الاجتراء على تحريف كلام رب العالمين والافتراء عليه عز وجل ، والتعبير بالمضارع للحكاية واستحضار الصورة ، وللدلالة على التجدد والاستمرار ، وجوز أن يكون حالا من مفعول { لعناهم } ، أو من المضاف إليه في قلوبهم وضعف بما ضعف ، وجعله حالا من القلوب ، أو من ضميره في { قَاسِيَةً } كما قيل ، لا يصح لعدم العائد منه إلى ذي الحال ، وجعل القلوب بمعنى أصحابها مما لا يلتفت إليه أصحابها { وَنَسُواْ حَظَّا } أي وتركوا نصيباً وافياً ، واستعمال النسيان بهذا المعنى كثير { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } من التوراة أو مما أمروا به فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : حرفوا التوراة فسقطت بشؤم ذلك أشياء منها عن حفظهم ، وأخرج ابن المبارك وأحمد في «الزهد» عن ابن مسعود قال : إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها ، وفي معنى ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه :
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي (4/418)
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي
{ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } أي خيانة كما قرىء به على أنها مصدر على وزن فاعلة كالكاذبة ، واللاغية أو فعلة خائنة أي ذات خيانة ، وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو فرقة خائنة ، أو نفس خائنة ، أو شخص خائنة على أنه وصف ، والتاء للمبالغة لكنها في فاعل قليلة ، و { مِنْهُمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة لها ، خلا أن من على الوجهين الأولين ابتدائية أي على خيانة ، أو فعلة ذات خيانة كائنة منهم صادرة عنهم ، وعلى الأوجه الأخر تبعيضية ، والمعنى إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم كما يعلم من وصفهم بالتحريف وما معه بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } استثناء من الضمير المجرور في { مِنْهُمْ } ؛ والمراد بالقليل عبد الله بن سلام وأضرابه الذين نصحوا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وجعله بعضهم استثناء من { خَائِنَةَ } على الوجه الثاني ، فالمراد بالقليل الفعل القليل : و { مِنْ } ابتدائية كما مر أي إلا فعلا قليلاً كائناً منهم ، وقيل : الاستثناء من قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } .
{ فاعف عَنْهُمْ واصفح } أي إذا تابوا أو بذلوا الجزية كما روي عن الحسن وجعفر بن مبشر واختاره الطبري ، فضمير عنهم راجع إلى ما رجع إليه نظائره ، وعن أبي مسلم أنه عائد على القليل المستثنى أي فاعف عنهم ما داموا على عهدك ولم يخونوك ، وعلى القولين فالآية محكمة ، وقيل : الضمير عائد على ما اختاره الطبري ، وهي مطلقة إلا أنها نسخت بقوله تعالى : { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله } [ التوبة : 29 ] الآية . وروي ذلك عن قتادة ، وعن الجبائي أنها منسوخة بقوله تعالى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَاء } [ الأنفال : 58 ] { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } تعليل للأمر وحث على الامتثال وتنبيه على أن العفو على الإطلاق من باب الإحسان .
هذا ومن باب الإشارة في الآيات { الخاسرين يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أمر بالتطهير لمن أراد الوقوف بين يدي الملك الكبير جل شأنه وعظم سلطانه ، وبدأ بالوجه لأنه سبحانه وتعالى نقشه بنقش خاتم صفاته ، وفي «الفتوحات» لا خلاف في أن غسل الوجه فرض وحكمة في الباطن المراقبة والحياء من الله تعالى مطلقاً ، ثم اختلف الحكم في الظاهر في أن تحديد غسل الوجه في الوضوء في ثلاثة مواضع : منها البياض الذي بين العذار والأذن ، والثاني : ما سدل من اللحية ، والثالث : تخليل اللحية ، فأما البياض المذكور فمن قائل : إنه من الوجه ، ومن قائل : إنه ليس من الوجه ، وأما ما انسدل من اللحية فمن قائل : بوجوب إمرار الماء عليه ، ومن قائل : بأنه لا يجب ، وكذلك تخليل اللحية ، فمن قائل : بوجوبه ، ومن قائل : بأنه لا يجب ، وحكم ذلك في الباطن أما غسل الوجه مطلقاً من غير نظر إلى تحديد الأمر في ذلك فإن فيه ما هو فرض ، وفيه ما هو ليس بفرض ، فأما الفرض فالحياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك ، أو يفقدك حيث أمرك ، وأما السنة منه فالحياء من الله تعالى أن تنظر إلى عورتك أو عورة امرأتك ، وإن كان ذلك قد أبيح لك ، ولكن استعمال الحياء فيها أفضل وأولى فما يتعين منه فهو فرض عليك ، وما لا يتعين ففعلته فهو سنة واستحباب ، فيراقب الإنسان أفعاله ظاهراً وباطناً ، ويراقب ربه في باطنه ، فإن وجه قلبه هو المعتبر ، ووجه الإنسان على الحقيقة ذاته يقال : وجه الشيء أي حقيقته وعينه وذاته ، فالحياء خير كله ، و الحياء من الإيمان ولا يأتي إلا بخير ، وأما البياض الذي بين العذار والأذن ، وهو الحد الفاصل بين الوجه والأذن فهو الحد بين ما كلف الإنسان من العمل في وجهه والعمل في سماعه ، فالعمل في ذلك إدخال الحدّ في المحدود ، فالأولى بالإنسان أن يصرف حياءه في سمعه كما صرفه في بصره ، فكما أن الحياء غض البصر كما قال تعالى :
{ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم } [ النور : 30 ] كذلك يلزم الحياء من الله تعالى أن لا يسمع ما لا يحل له من غيبة؛ وسوء قول من متكلم بما لا ينبغي فإن ذلك البياض هو بين العذار والأذن وهو محل الشبهة وهو أن يقول : أصغيت إليه لأرد عليه ، وهذا معنى العذار فإنه من العذر أي الإنسان يعتذر إذا قيل له : لم أصغيت إلى هذا القول بأذنك؟ فيقول : إني أردت أن أحقق سماع ما قال حتى أنهاه عنه ، فكنى عنه بالعذار فمن رأى وجوب ذلك عليه غسله ، ومن لم ير وجوب ذلك إن شاء غسل وإن شاء ترك ، وأما غسل ما استرسل من اللحية وتخليلها فهي الأمور العوارض ، فإن اللحية شيء يعرض في الوجه وليست من أصله ، فكل ما يعرض لك في وجه ذلك من المسائل فأنت فيها بحكم ذلك العارض ، فإن تعين عليك طهارة ذلك العارض فهو قول من يقول بوجوب غسله ، وإن لم يتعين عليك طهارته فطهرته استحباباً أو تركته لكونه ما تعين عليك فهو قول من لم يقل بوجوب الطهارة فيه ، وقد بين أن حكم الباطن يخالف الظاهر بأن فيه وجهاً إلى الفريضة ، ووجها إلى السنة والاستحباب ، فالفرض من ذلك لا بد من إتيانه ، وغير الفرض عمله أولى من تركه ، وذلك سار في جميع العبادات انتهى . (4/419)
وقال بعض العارفين : هذا خطاب للمؤمنين بالإيمان العلمي إذا قاموا عن نوم الغفلة وقصدوا صلاة الحضور والمناجاة الحقيقية والتوجه إلى الحق أن يطهروا وجوه قواهم بماء العلم النافع الطاهر المطهر من علم الشرائع والأخلاق والمعاملات الذي يتعلق بإزالة الموانع عن لوث صفات النفس ، وأول هذا الأيدي في قوله تعالى : { وَأَيْدِيَكُمْ } بالقوى والقدر أي طهروا أيضاً قواكم وقدركم عن دنس تناول الشهوات والتصرفات في مواد الرجس { إِلَى المرافق } أي قدر الحقوق والمنافع ، وقال الشيخ الأكبر قدس سره : أجمع الناس على غسل اليدين والذراعين ، واختلفوا في إدخال المرافق في هذا الغسل ، فمن قائل : بوجوب إدخالهما ، ومن قائل : بعدم الوجوب ، لكن لم ينازع بالاستحباب ، وحكم الباطن في ذلك أن غسل اليدين والذراعين إشارة إلى غسلهما بالكرم والجود والسخاء والهباة والاعتصام والتوكل ، فإن هذا وشبهه من نعوت اليدين والمعاصم للمناسبة ، بقي غسل المرافق وهي رؤية الأسباب التي يرتفق العبد ويأنس بها لنفسه ، فمن رأى إدخال المرافق في نفسه رأى أن الأسباب إنما وضعها الله تعالى حكمة منه في خلقه فلا يرد أن تعطل حكمة الله تعالى لا على طريق الاعتماد عليها فإن ذلك يقدح في اعتماده على الله تعالى ، ومن رأى عدم إيجابها في الغسل رأى سكون النفس إلى الأسباب ، وأنه لا يخلص له مقام الاعتماد على الله تعالى مع وجود رؤية الأسباب ، وكل من يقول : بأنه لا يجب غسلها يقول : يستحب كذلك رؤية الأسباب مستحبة عند الجميع وإن اختلفت أحكامهم فيها ، فإن الله تعالى ربط الحكمة في وجودها : { وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } قال بعض العارفين : أي بجهات أرواحكم عن قتام كدورة القلب وغبار تغيره بالتوج إلى العالم السفلي ومحبة الدنيا بنور الهدى ، فإن الروح لا يتكدر بالتعلق بل يحتجب نوره عن القلب فيسود القلب ويظلم ويكفى في انتشار نوره صقل الوجه العالي الذي يتوجه إليه ، فإن القلب ذو وجهين : أحدهما : إلى الروح والرأس هنا إشارة إليه ، والثاني : إلى النفس وقواها ، وأحرى بالرجل أن تكون إشارة إليه . وقال الشيخ الأكبر قدس الله سره بعد أن بين اختلاف العلماء في القدر الذي يجب مسحه : وأما حكم مسح الرأس في الباطن فأصله من الرياسة وهي العلو والارتفاع ، ولما كان أعلا ما في البدن في ظاهر العين وجميع البدن تحته سمي رأساً ، فإن الرئيس فوق المرؤوس وله جهة فوق ، وقد وصف الله تعالى نفسه بالفوقية على عباده بصفة القهر ، فقال سبحانه : (4/420)
{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } [ الأنعام : 18 ] فكان الرأس أقرب عضو في الجسد إلى الحق تعالى لمناسبة الفوقية ، ثم له الشرف الآخر في المعنى الذي به رأس على البدن كله ، وهو أنه محل جميع القوى كلها الحسية والمعنوية ، فلما كانت له هذه الرياسة من هذه الجهة سمي رأساً ، ثم إن العقل الذي جعله الله تعالى أشرف ما في الإنسان جعل محله اليافوخ وهو أعلى موضع في الرأس فجعله سبحانه مما يلي جانب الفوقية ، ولما كان محلا لجميع القوى الظاهرة والباطنة ولكل قوة حكم وسلطان وفخر يورثها ذلك عزة على غيرها ، وكان محل هذه القوى من الرأس مختلفة فعمت الرأس كله وجب مسح كله في هذه العبارة لهذه الرياسة السارية فيه كله من جهة هذه القوى بالتواضع والاقناع ، فيكون لكل قوة مسح مخصوص من مناسبة دعواها ، وهذا ملحظ من يرى وجوب مسح جميع الرأس؛ ومن رأى تفاوت القوى بالرياسة فإن القوة المصورة مثلاً لها سلطان على القوة الخيالية فهي الرئيسة عليها ، وإن كانت للقوة الخيالية رياسة قال : الواجب عليه مسح بعض الرأس وهو المقسم بالأعلى ، ثم اختلفوا في هذا البعض ، فكل عارف قال بحسب ما أعطاه الله تعالى من الإدراك في مراتب هذه القوة فيمسح بحسب ما يرى ، ومعنى المسح هو التذلل وإزالة الكبرياء والشموح بالتواضع والعبودية لأن المتوضىء بصدد مناجاة ربه وطلب وصلته ، والعزيز الرئيس إذا دخل على من ولاه تلك العزة ينعزل عن عزته ورياسته بعز من دخل عليه فيقف بين يديه وقوف العبيد في محل الإذلال لا بصفة الإذلال فمن غلب على خاطره رياسة بعض القوى على غيرها وجب عليه مسح ذلك البعض من أجل الوصلة التي تطلب بهذه العبادة ولهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم لأن وضع التراب على الرأس من علامات الفراق ، فترى الفاقد حبيبه بالموت يضع التراب على رأسه ، وتفصيل رياسات القوى معلوم عند أهل هذا الشأن ، وأما التبعيض في اليد الممسوح بها ، واختلافهم في ذلك فاعمل فيه كما تعمل في الممسوح سواء ، فإن المزيل لهذه الرياسة أسباب مختلفة في القدرة على ذلك ، ومحل ذلك اليد ، فمن مزيل بصفة القهر ومن مزيل بسياسة وترغيب إلى آخر ما قال : { وَأَرْجُلَكُمْ } أشير بها إلى القوى الطبيعية البدنية المنهمكة في الشهوات والإفراط باللذات ، وغسلها بماء علم الأخلاق وعلم الرياضيات حتى ترجع إلى الصفاء الذي يستعد به القلب للحضور والمناجاة . (4/421)
وفي «الفتوحات» اختلفوا في صفة طهارتها بعد الاتفاق على أنها من أعضاء الوضوء هل ذلك بالغسل أو بالمسح أو بالتخيير بينهما؟ ومذهبنا التخيير ، والجمع أولى ، وما من قول إلا وبه قائل ، والمسح بظاهر الكتاب ، والغسل بالسنة ، ومحتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها ، وأما حكم ذلك في الباطن فاعلم أن السعي إلى الجماعات وكثرة الخطا إلى المساجد والثبات يوم الزحف مما تطهر به الأقدام فلتكن طهارة رجليك بما ذكرناه وأمثاله ، ولا تتمثل بالنميمة بين الناس ولا تمش مرحاً واقصد في مشيك واغضض من صوتك ، ومن هذا ما هو فرض بمنزلة المرة الواحدة في غسل عضو الوضوء الرجل وغيره ، ومنه ما هو سنة وهو ما زاد على الفرض ، وهو مشيك فيما ندبك الشرع إليه وما أوجبه عليك ، فالواجب عليك نقل الأقدام إلى مصلاك ، والمندوب والمستحب والسنة وما شئت فقل من ذلك نقل الأقدام إلى المساجد من قرب وبعد ، فإن ذلك ليس بواجب فإن كان الواجب من ذلك عند بعض الناس مسجداً لا بعينه وجماعة لا بعينها فعلى هذا يكون غسل رجليك في الباطن من طريق المعنى ، واعلم أن الغسل يتضمن المسح فمن غسل فقد أدرج المسح فيه كاندراج نور الكواكب في نور الشمس ، ومن مسح لم يغسل إلا في مذهب من يرى ، وينقل عن العرب أن المسح لغة في الغسل فيكون من الألفاظ المترادفة ، والصحيح في المعنى في حكم الباطن أن يستعمل المسح فيما يقتضي الخصوص من الأعمال ، والغسل فيما يقتضي العموم ، ولهذا كان مذهبنا التخيير بحسب الوقت ، فإن الشخص قد يسعى لفضيلة خاصة في حاجة شخص بعينه فذلك بمنزلة المسح ، وقد يسعى للملك في حاجة تعم الرعية فيدخل ذلك الشخص في هذا العموم فذلك بمنزلة الغسل الذي اندرج فيه المسح انتهى .
{ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا } الجنابة غربة العبد عن موطنه الذي يستحقه ، وليس إلا العبودية وتغريب صفة ربانية عن موطنها وكل ذلك يوجب التطهير ، وقوله تعالى : { وَإِنْ كُنتُم مرضى } الخ قد تقدم نظيره . وفي «الفتوحات» اختلف في حد الأيدي المذكورة في هذه الطهارة ، فمن قائل : حدها مثل حدها في الوضوء ومن قائل : هو الكف فقط وبه أقول ومن قائل : إن الاستحباب إلى المرفقين والفرض الكفان ، ومن قائل : إن الفرض إلى المناكب ، والاعتبار في ذلك أنه لما كان التراب في الأرض أصل نشأة الإنسان وهو تحقيق عبوديته وذلته أمر بطهارة نفسه من التكبر بالتراب ، وهو حقيقة عبوديته ويكون ذلك بنظره في أصل خلقه ، ولما كان من جملة ما يدعيه الاقتدار والعطاء مع أنه مجبول على العجز والبخل ، وهذه الصفات من صفات الأيدي قيل له عند هذه الدعوة ورؤية نفسه في الاقتدار الظاهر منه ، والكرم والعطاء : طهر نفسك من هذه الصفة بنظرك فيما جبلت عليه من ضعفك ومن بخلك فقد قال تعالى : { خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } [ الروم : 54 ] { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } [ الحشر : 9 ] { وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً } [ المعارج : 21 ] فإذا نظر إلى هذا الأصل زكت نفسه وتطهرت من الدعوى ، واختلفوا في عدد الضربات على الصعيد للتيمم ، فمن قائل : واحدة ، ومن قائل : اثنتان ، والقائلون بذلك ، منهم من قال : ضربة للوجه وضربة لليدين ، ومنهم من قال : ضربتان لليد وضربتان للوجه ، ومذهبنا أنه من ضرب واحدة أجزأه ، ومن ضرب اثنتين اجزأه وحديث الضربة الواحدة أثبت ، والاعتبار في ذلك التوجه إلى ما يكون به هذه الطهارة ، فمن غلب التوحيد في الأفعال قال : بالضربة الواحدة ، ومن غلب حكم السبب الذي وضعه الله تعالى ونسب الفعل إلى الله تعالى مع تعريته عنه مثل قوله تعالى : (4/422)
{ والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات : 96 ] فأثبت ونفى قال : بالضربتين ومن قال : إن ذلك في كل فعل قال : بالضربتين لكل عضو انتهى . وقد أطال الشيخ قدس سره الكلام في أنواع الطهارة وأتى فيه بالعجب العجاب . { مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } أي من ضيق ومشقة بكثرة المجاهدات { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } من الصفات الخبيثة ، وعن سهل : الطهارة على سبعة أوجه : طهارة العلم من الجهل وطهارة الذكر من النسيان وطهارة اليقين من الشك وطهارة العقل من الحمق وطهارة الظن من التهمة وطهارة الإيمان مما دونه وطهارة القلب من الإرادات ، وقال : إسباغ طهارة الظاهر تورث طهارة الباطن ، وإتمام الصلاة يورث الفهم عن الله تعالى ، والطهارة تكون في أشياء : في صفاء المطعم ومباينة الأنام وصدق اللسان وخشوع السر ، وكل واحد من هذه الأربع مقابل لما أمر الله تعالى بتطهيره وغسله من الأعضاء الظاهرة . (4/423)
وقال ابن عطاء : البواطن مواضع نظر الحق سبحانه فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم » ، فموضع نظر الحق جل وعلا أحق بالطهارة ، وذلك إنما يكون بإزالة أنواع الخيانات والمخالفات وفنون الوساوس والغش والحقد والرياء والسمعة وغير ذلك من المناهي ، وليس شيء على العارفين أشد من جمع الهم وطهارة السر ، وفي إضافة التطهير إليه تعالى ما لا يخفى من اللطف { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } بالتكميل ، وقال بعض العارفين : إتمام النعمة لقوم نجاتهم بتقواهم ، وعلى آخرين نجاتهم عن تقواهم فشتان بين قوم وقوم و { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ المائدة : 6 ] نعمة الكمال بالاستقامة والقيام بحق العدالة عند البقاء بعد الفناء { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } بالهداية إلى طريق الوصول إليه ، { وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ } وهو عقود عزائمه المذكورة { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [ المائدة : 7 ] أي إذا قبلتموها من معدن النبوة بصفاء الفطرة ، وقال بعضهم : المراد بنعمة الله تعالى هدايته سبحانه السابقة في الأزل لأهل السعادة ، وبالميثاق الميثاق الذي واثق الله تعالى به عباده أن لا يشتغلوا بغيره عنه سبحانه ، وقال أبو عثمان : النعم كثيرة وأجلها المعرفة به سبحانه ، والمواثيق كثيرة وأجلها الإيمان { الجحيم يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } أي من قوى نفوسكم المحجوبة وصفاتها { أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالاستيلاء والقهر لتحصيل مآربها وملاذها { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي فمنعها عنكم بما أراكم من طريق التطهير والتنزيه { واتقوا الله } واجعلوه سبحانه وقاية في قهرها ومنعها
{ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } [ المائدة : 11 ] برؤية الأفعال كلها منه عز وجل : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً } وهم في الأنفس الحواس الخمس الظاهرة ، والخمس الباطنة والقوة العاقلة النظرية والقوة العملية ، وذكر غير واحد من ساداتنا الصوفية أن النقباء أحد أنواع : الأولياء : نفعنا الله تعالى ببركاتهم ، ففي «الفتوحات» : ومنهم النقباء وهم إثنا عشر نقيباً في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون على عدد بروج الفلك الإثنى عشر برجاً ، كل نقيب عالم بخاصية كل برج ، وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات ، وما يعطى للنزلاء فيه من الكواكب السيارة والثوابت ، فإن للثوابت حركات وقطعاً في البروج لا يشعر به في الحس لأنه لا يظهر ذلك إلا في آلاف من السنين ، وأعمار الرصد تقصر عن مشاهدة ذلك؛ واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة ، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها ومعرفة مكرها وخداعها ، وإبليس مكشوف عندهم يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم أثر وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقي مثل العلماء بالآثار والقيافة ، وبالديار المصرية منهم كثير يخرجون الأثر في الصخور ، وإذا رأوا شخصاً يقولون : هذا الشخص هو صاحب ذلك الأثر وليسوا بأولياء ، فما ظنك بما يعطيه الله تعالى لهؤلاء النقباء من علوم الآثار؟ انتهى . (4/424)
وقد عد الشيخ قدس سره فيها أنواعاً كثيرة ، والسلفيون ينكرون أكثر تلك الأسماء ، ففي بعض «فتاوي ابن تيمية» ، وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة ، والأبدال الأربعين والنجباء الثلثمائة ، فهي ليست موجودة في كتاب الله تعالى ولا هي مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا لفظ الأبدال ، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن فيهم يعني أهل الشام الأبدال أربعين رجلاً كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلاً " ولا توجد أيضاً في كلام السلف انتهى ، وأنا أقول :
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
{ وَقَالَ الله } تعالى { إِنّى مَعَكُمْ } بالتوفيق والإعانة { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة } وتحليتم بالعبادات البدنية { وَلَقَدْ أَخَذَ } وتخليتم عن الصفات الذميمة من البخل والشح فزهدتم وآثرتم { وَلَقَدْ أَخَذَ } جميعهم من العقل والإلهامات والأفكار الصائبة والخواطر الصادقة من الروح والقلب وإمداد الملكوت { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي وعظتموهم بأن سلطتموهم على شياطين الوهم وقويتموهم ومنعتموهم من الوساوس وإلقاء الوهميات والخيالات والخواطر النفسانية { وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً } بأن تبرأتم من الحول والقوة والعلم والقدرة ، وأسندتم كل ذلك إليه عز شأنه ، بل ومن الأفعال والصفات جميعها ، بل ومن الذات بالمحو والفناء وإسلامها إلى باريها جل وعلا { لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ } التي هي الحجب والموانع لكم { سيئاتكم وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جنات } مما عندي { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } وهي أنهار علوم التوكل والرضاء والتسليم والتوحيد ، وتجليات الأفعال والصفات والذات { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك } العهد وبعث النقباء منكم
{ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } [ المائدة : 12 ] وهلك مع الهالكين { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } الذي وثقوه { لعناهم } وطردناهم عن الحضرة { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } باستيلاء صفات النفس عليها وميلها إلى الأمور الأرضية { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } حيث حجبوا عن أنوار الملكوت والجبروت التي هي كلمات الله تعالى واستبدلوا قوى أنفسهم بها واستعملوا وهمياتهم وخيالاتهم بدل حقائقها { وَنَسُواْ حَظَّا } نصيباً وافراً { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } في العهد اللاحق وهو ما أوتوه في العهد السابق من الكمالات الكامنة في استعداداتهم الموجودة فيها بالقوة { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } من نقض عهد ومنع أمانة لاستيلاء شيطان النفس عليهم وقساوة قلوبهم { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهو من جره استعداده إلى ما فيه صلاحه { فاعف عَنْهُمْ واصفح إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } [ المائدة : 13 ] إلى عباده باللطف والمعاملة الحسنة جعلنا الله تعالى وإياكم من المحسنين . (4/425)
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)
{ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم } شروع في بيان قبائح النصارى وجناياتهم إثر بيان قبائح وجنايات إخوانهم اليهود ، و { مِنْ } متعلقة بأخذنا ، وتقديم الجار للاهتمام ، ولأن ذكر ( حال ) إحدى الطائفتين مما يوقع في ذهن السامع أن حال الأخرى ماذا؟ كأنه قيل : ومن الطائفة الأخرى أيضاً أخذنا ميثاقهم والضمير المجرور راجع إلى الموصول ، أو عائد على بني إسرائيل الذين عادت إليهم الضمائر السابقة ، وهو نظير قولك : أخذت من زيد ميثاق عمرو أي مثل ميثاقه . وجوز أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع خبراً لمبتدأ محذوف أيضاً ، وجملة { أَخَذْنَا } صفة أي ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا منهم ميثاقهم وقيل : المبتدأ المحذوف { مِنْ } الموصولة ، أو الموصوفة ، ولا يخفى أن جواز حذف الموصول وإبقاء صلته لم يذهب إليه سوى الكوفيين . (4/426)
وإنما قال سبحانه : { قَالُواْ إِنَّا نصارى } ولم يقل جل وعلا ومن النصارى كما هو الظاهر بدون إطناب للإيماء كما قال بعضهم : إلى أنهم على دين النصرانية بزعمهم ولسوا عليها في الحقيقة لعدم عملهم بموجبها ومخالفتهم لما في الإنجيل من التبشير بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وقيل : للإشارة إلى أنهم لقبوا بذلك أنفسهم على معنى أنهم أنصار الله تعالى ، وأفعالهم تقتضي نصرة الشيطان ، فيكون العدول عن الظاهر ليتصور تلك الحال في ذهن السامع ويتقرر أنهم ادعوا نصرة الله تعالى وهم منها بمعزل ، ونكتة تخصيص هذا الموضع بإسناد النصرانية إلى دعواهم أنه لما كان المقصود في هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله تعالى ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بالدعوى وقولها دون فعلها ، ولا يخفى أن هذا مبني على أن وجه تسميتهم نصارى كونهم أنصار الله تعالى وهو وجه مشهور ، ولهذا يقال لهم أيضاً : أنصار ، وفي غير ما موضع أن عيسى عليه السلام ولد في سنة أربع وثلثمائة لغلبة الإسكندر في بيت لهم من المقدس ، ثم سارت به أمه عليها السلام إلى مصر ، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة عادت به إلى الشام فأقام ببلدة تسمى الناصرة ، أو «نصورية وبها سميت النصارى ونسبوا إليها ، وقيل : إنهم جمع نصران كندامى . وندمان أو جمع نصري كمهري . ومهاري والنصرانية والنصرانة واحدة النصارى ، والنصرانية أيضاً دينهم ، ويقال لهم : نصارى وأنصار ، وتنصر دخل في دينهم» .
{ فَنَسُواْ } على إثر أخذ الميثاق { حَظّاً } نصيباً وافراً { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى وغير ذلك من الفرائض ، وقيل : هو ما كتب عليهم في الإنجيل من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فنبذوه وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم وتفرقوا إلى اثنتين وسبعين فرقة { فَأَغْرَيْنَا } أي ألزمنا وألصقنا ، وأصله اللصوق يقال : غريت بالرجل غرى إذا لصقت به قاله الأصمعي ، وقال غيره : غريت به غراءاً بالمد ، وأغريت زيداً بكذا حتى غرى به ، ومنه الغراء الذي يلصق به الأشياء ، وقوله تعالى : { بَيْنَهُمْ } ظرف لأغرينا أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفعوله أي أغرينا { العداوة والبغضاء } كائنة بينهم .
قال أبو البقاء : ولا سبيل إلى جعله ظرفاً لهما لأن المصدر لا يعمل فيما قبله ، وأنت تعلم أن منهم من أجاز ذلك إذا كان المعمول ظرفاً ، وقوله تعالى : { إلى يَوْمِ القيامة } إما غاية للإغراء ، أو للعداوة والبغضاء أي يتعادون ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة وآراؤهم الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الكثيرة ، ومنها النسطورية واليعقوبية والملكانية ، وقد تقدم الكلام فيهم ، فضمير { بَيْنَهُمْ } إلى النصارى كما روي عن الربيع ، واختاره الزجاج . والطبري ، وعن الحسن . وجماعة من المفسرين أنه عائد على اليهود والنصارى . (4/427)
{ وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } في الدنيا من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به ، والكلام مساق للوعيد الشديد بالجزاء والعقاب؛ فالإنباء مجاز عن وقوع ذلك وانكشافه لهم ، لا أن ثمت أخباراً حقيقة ، والنكتة في التعبير بالإنباء الإنباء بأنهم لا يعلمون حقيقة ما يعملونه من الأعمال السيئة واستتباعها للعذاب ، فيكون ترتيب العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها ، والالتفات إلى ذكر الاسم الجليل لما مرّ مراراً ، والتعبير عن العمل بالصنع للإيذان برسوخهم فيه و { سَوْفَ } لتأكيد الوعيد .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)
{ مّنْ أَهْلِ الكتاب } التفات إلى خطاب الفريقين من اليهود والنصارى على أن الكتاب جنس صادق بالواحد والاثنين وما فوقهما ، والتعبير عنهم بعنوان أهلية الكتاب للتشنيع ، فإن أهلية الكتاب من موجبات مراعاته والعمل بمقتضاه وبيان ما فيه من الأحكام ، وقد فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون { قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا } محمد صلى الله عليه وسلم ، والتعبير عنه بذلك مع الإضافة إلى ضمير العظمة للتشريف والإيذان بوجوب اتباعه عليه الصلاة والسلام { يُبَيّنُ لَكُمْ } حال من { رَسُولِنَا } وإيثار الفعلية للدلالة على تجدد البيان أي حال كونه مبيناً لكم على سبيل التدريج حسبما تقتضيه المصلحة { كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } أي التوراة والإنجيل ، وذلك كنعت النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وبشارة عيسى بأحمد عليهما الصلاة والسلام ، وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه قال : إن نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم فقال عليه الصلاة والسلام : « أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والذي رفع الطور وبالمواثيق التي أخذت عليهم حتى أخذه أفكل فقال : إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم فأنزل الله تعالى هذه الآية » وتأخير { كَثِيراً } عن الجار والمجرور لما مرّ غير مرة ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على الكتم والإخفاء ، و { مّمَّا } متعلق بمحذوف وقع صفة لكثيراً وما موصولة اسمية وما بعدها صلتها ، والعائد محذوف ، و { مّنَ الكتاب } حال من ذلك المحذوف أي يبين لكم كثيراً من الذي تخفونه على الاستمرار حال كونه من الكتاب الذي أنتم أهله والعاكفون عليه { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } أي ولا يظهر كثيراً مما تخفونه إذا لم تدع إليه داعية دينية صيانة لكم عن زيادة الافتضاح ، وقال الحسن : أي يصفح عن كثير منكم ولا يؤاخذه إذا تاب واتبعه ، وأخرج ابن حميد عن قتادة مثله ، واعترض أنه مخالف للظاهر لأن الظاهر أن يكون هذا الكثير كالكثير السابق ، وفيه نظر كما قال الشهاب لأن النكرة إذا أعيدت نكرة فهي متغايرة ، نعم اختار الأول الجبائي وجماعة من المفسرين ، والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلة في حكمها . (4/428)
{ قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ } عظيم وهو نور الأنوار والنبي المختار صلى الله عليه وسلم ، وإلى هذا ذهب قتادة واختاره الزجاج ، وقال أبو علي الجبائي : عنى بالنور القرآن لكشفه وإظهاره طرق الهدى واليقين واقتصر على ذلك الزمخشري ، وعليه فالعطف في قوله تعالى : { وكتاب مُّبِينٌ } لتنزيل المغايرة بالعنوان منزلة المغايرة بالذات ، وأما على الأول : فهو ظاهر ، وقال الطيبي : إنه أوفق لتكرير قوله سبحانه : { قَدْ جَاءكُمُ } بغير عاطف فعلق به أولاً وصف الرسول والثاني : وصف الكتاب ، وأحسن منه ما سلكه الراغب حيث قال : بين في الآية الأولى والثانية النعم الثلاث التي خص بها العباد النبوة والعقل والكتاب ، وذكر في الآية الثالثة ثلاثة أحكام يرجع كل واحد إلى نعمة مما تقدم ف
{ يَهْدِى بِهِ } [ المائدة : 16 ] إلى آخره يرجع إلى قوله سبحانه : { قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا } و { يُخْرِجُهُم } [ المائدة : 16 ] الخ يرجع إلى قوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمُ من الله نُورٍ } و { وَيَهْدِيهِمْ } [ المائدة : 16 ] يرجع إلى قوله عز شأنه : { وكتاب مُّبِينٌ } كقوله : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] انتهى . (4/429)
وأنت تعلم أنه لا دليل لهذا الإرجاع سوى اعتبار الترتيب اللفظي ، ولو أرجعت الأحكام الثلاثة إلى الأول لم يمتنع ، ولا يبعد عندي أن يراد بالنور والكتاب المبين النبي صلى الله عليه وسلم ، والعطف عليه كالعطف على ما قاله الجبائي ، ولا شك في صحة إطلاق كل عليه عليه الصلاة والسلام ، ولعلك تتوقف في قبوله من باب العبارة فليكن ذلك من باب الإشارة ، والجار والمجرور متعلق بجاء ، و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً ، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من نور ، وتقديم ذلك على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون المجىء من جهته تعالى العالية والتشويق إلى الجائي ، ولأن فيه نوع طول يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم ، والمبين من بان اللازم بمعنى ظهر فمعناه الظاهر الإعجاز ، ويجوز أن يكون من المتعدي فمعناه المظهر للناس ما كان خافياً عليهم .
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)
{ يَهْدِى بِهِ الله } توحيد الضمير لاتحاد المرجع بالذات ، أو لكونهما في حكم الواحد ، أو لكون المراد يهدي بما ذكر ، وتقديم المجرور للاهتمام نظراً إلى المقام وإظهار الاسم الجليل لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية ، ومحل الجملة الرفع على أنها صفة ثانية لكتاب ، أو النصب على الحالية منه لتخصيصه بالصفة . جوز أبو البقاء أن تكون حالاً من { رَسُولِنَا } بدلاً من { يُبِينُ } [ المائدة : 15 ] وأن تكون حالاً من الضمير في { يُبِينُ } ، وأن تكون حالاً من الضمير في { مُّبِينٌ } ، وأن تكون صفة لنور { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } أي من علم الله تعالى أنه يريد اتباع رضا الله تعالى بالإيمان به ، و { مِنْ } موصولة أو موصوفة { سُبُلَ السلام } أي طرق السلامة من كل مخافة قاله الزجاج فالسلام مصدر بمعنى السلامة . وعن الحسن والسدي أنه اسمه تعالى ، ووضع المظهر موضع المضمر رداً على اليهود والنصارى الواصفين له سبحانه بالنقائص تعالى عما يقولون علواً كبيراً ، والمراد حينئذٍ بسبله تعالى شرائعه سبحانه التي شرعها لعباده عز وجل ، ونصبها قيل : على أنها مفعول ثان ليهدي على إسقاط حرف الجر نحو { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] . وقيل : إنها بدل من رضوان بدل كل من كل ، أو بعض من كل أو اشتمال ، والرضوان بكسر الراء وضمها لغتان ، وقد قرىء بهما ، و السبل بضم الباء والتسكين لغة ، وقد قرىء به . (4/430)
{ وَيُخْرِجُهُمْ } الضمير المنصوب عائد إلى { مِنْ } والجمع باعتبار المعنى كما أن إفراد الضمير المرفوع في { أَتَّبِعُ } باعتبار اللفظ . { مِنَ الظلمات إِلَى النور } أي من فنون الكفر والضلال إلى الإيمان { بِإِذْنِهِ } أي بإرادته أو بتوفيقه . { وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو دين الإسلام الموصل إلى الله تعالى كما قال الحسن وفي «إرشاد العقل السليم» ، «وهذه الهداية عين الهداية إلى { سُبُلَ السلام } وإنما عطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } » [ هود : 58 ] .
وقال الجبائي : المراد بالصراط المستقيم طريق الجنة .
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)
{ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ } لا غير المسيح كما يقال : الكرم هو التقوى ، وأن الله تعالى هو الدهر أي الجالب للحوادث لا غير الجالب ، فالقصر هنا للمسند إليه على المسند بخلاف قولك : زيد هو المنطلق فإن معناه لا غير زيد ، والقائلون لذلك على ما هو المشهور هم اليعقوبية المدعون بأن الله سبحانه قد يحل في بدن إنسان معين أو في روحه . وقيل : لم يصرح بهذا القول أحد من النصارى ، ولكن لما زعموا أن فيه لاهوتاً مع تصريحهم بالوحدة ، وقولهم : لا إله إلا واحد لزمهم أن الله سبحانه هو المسيح ، فنسب إليهم لازم قولهم توضيحاً لجهلهم وتفضيحاً لمعتقدهم ، وقال الراغب : فإن قيل : إن أحداً لم يقل الله تعالى هو المسيح وإن قالوا المسيح هو الله تعالى وذلك أن عندهم أن المسيح من لاهوت وناسوت فيصح أن يقال المسيح هو اللاهوت وهو ناسوت كما صح أن يقال : الإنسان هو حيوان مع تركبه من العناصر ، ولا يصح أن يقال : اللاهوت هو المسيح كما لا يصح أن يقال : الحيوان هو الإنسان ، قيل : إنهم قالوا : هو المسيح على وجه آخر غير ما ذكرت ، وهو ما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه لما رفع عيسى عليه الصلاة والسلام اجتمع طائفة من علماء بني إسرائيل فقالوا : ما تقولون في عيسى عليه الصلاة والسلام؟ فقال أحدهم : أو تعلمون أحداً يحيي الموتى إلا الله تعالى؟ فقالوا : لا ، فقال : أو تعلمون أحداً يبرىء الأكمه والأبرص إلا الله تعالى؟ قالوا : لا ، قالوا : فما الله تعالى إلا من هذا وصفه أي حقيقة الآلهية فيه ، وهذا كقولك : الكريم زيد أي حقيقة الكرم في زيد ، وعلى هذا قولهم : إن الله تعالى هو المسيح انتهى ، وأنت تعلم أنه مع دعوى أن القائلين بالاتحاد يقولون بانحصار المعبود في المسيح كما هو ظاهر النظم لا يرد شيء . (4/431)
{ قُلْ } يا محمد تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان قولهم الفاسد وإلقاماً لهم الحجر ، وقد يقال : الخطاب لكل من له أهلية ذلك ، والفاء في قوله تعالى : { فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً } عاطفة على مقدر ، أو جواب شرط محذوف ، و { مِنْ } استفهامية للإنكار والتوبيخ ، والملك الضبط والحفظ التام عن حزم ، والمراد هنا فمن يمنع أو يستطيع كما في قوله :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
و { مِنَ الله } متعلق به على حذف مضاف أي ليس الأمر كذلك ، أو إن كان كما تزعمون فمن يمنع من قدرته تعالى وإرادته شيئاً { إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الارض جَمِيعاً } ومن حق من يكون إلهاً أن لا يتعلق به ولا بشأن من شؤونه ، بل بشيء من الموجودات قدرة غيره فضلاً عن أن يعجز عن دفع شيء منها عند تعلقها بهلاكه ، فلما كان عجزه بينا لا ريب فيه ظهر كونه بمعزل عما تقولون فيه .
والمراد بالإهلاك الإماتة والإعدام مطلقاً لا عن سخط وغضب ، وإظهار المسيح على الوجه الذي نسبوا إليه الألوهية حيث ذكرت معه الصفة في مقام الإضمار لزيادة التقرير والتنصيص على أنه من تلك الحيثية بعينها داخل تحت قهره تعالى وملكوته سبحانه ، وقيل : وصفه بذلك للتنبيه على أنه حادث تعلقت به القدرة بلا شبهة لأنه تولد من أم ، وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها في عموم المعطوف لزيادة تأكيد عجز المسيح ، ولعل نظمها في سلك من فرض ( إرادة ) إهلاكهم مع تحقق هلاكها قبل لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير مضمون الكلام بجعل حالها أنموذجاً لحال بقية من فرض إهلاكه ، وتعميم إرادة الإهلاك مع حصول الغرض بقصرها على عيسى عليه الصلاة والسلام لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره وملكوته تعالى لا يقدر ( أحد ) على دفع ما أريد به فضلاً عما أريد بغيره ، وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك كما أنه أسوة لهم في العجز وعدم استحقاق الألوهية . قاله المولى أبو السعود ، و { جَمِيعاً } حال من المتعاطفات ، وجوز أن يكون حالاً من { مِنْ } فقط لعمومها . (4/432)
وقوله تعالى : { وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } أي ما بين طرفي العالم الجسماني فيتناول ما في السموات من الملائكة وغيرها ، وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات ، قيل : تنصيص على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته إثر الإشارة إلى كون البعض كذلك أي له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها إيجاداً وإعداماً ، وإحياءاً وإماتة لا لأحد سواه استقلالاً ولا اشتراكاً ، فهو تحقيق لاختصاص الألوهية به تعالى إثر بيان انتفائها عما سواه ، وقيل : دليل آخر على نفي ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام لأنه لو كان إلهاً كان له ملك السموات والأرض وما بينهما ، وقيل : دليل على نفي كونه عليه الصلاة والسلام ابناً ببيان أنه مملوك لدخوله تحت العموم ، ومن المعلوم أن المملوكية تنافي البنوة .
وقوله تعالى : { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبه في أمر المسيح عليه السلام لولادته من غير أب وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، و { مَا } نكرة موصوفة محلها النصب على المصدرية أي يخلق أي خلق يشاؤه ، فتارة يخلق من غير أصل كخلق السموات والأرض مثلاً ، وأخرى من أصل كخلق بعض ما بينهما وذلك متنوع أيضاً ، فطوراً ينشىء من أصل ليس من جنسه كخلق آدم ، وكثير من الحيوانات وتارة من أصل يجانسه إما من ذكر وحده كخلق حواء أو من أنثى وحدها كخلق عيسى عليه الصلاة والسلام أو منهما كخلق سائر الناس ، ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات ككثير من المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق آخر كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام معجزة له .
وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فينبغي أن ينسب كل ذلك إليه تعالى لا من أجرى على يده قاله غير واحد . وقيل : إن الجملة جيء بها ههنا مبينة لما هو المراد من قوله تعالى : { وَللَّهِ مُلْكُ * السموات والارض } الخ بحسب اقتضاء المقام ، و { مَا } نصب على المصدرية أيضاً ، وقيل : يجوز أن تكون موصولة ومحلها النصب على المفعولية أي يخلق الذي يشاء أن يخلقه ، والجملة مسوقة لبيان أن قدرته تعالى أوسع من عالم الوجود ، وعلى كل تقدير فقوله سبحانه : { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله وإظهار الاسم الجليل لما مر من التعليل وتقوية استقلال الجملة . (4/433)
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)
{ وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله } حكاية لما صدر من الفريقين من الدعوى الباطلة لأنفسهم ، وبيان لبطلانها إثر ذكر ما صدر عن أحدهما من الدعوى الباطلة لغيره وبيان بطلانها أي قال كل من الطائفتين هذا القول الباطل ، ومرادهم بالأبناء المقربون أي نحن مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من والدهم ، و بالأحباء جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب ، ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة كما يقال : أبناء الدنيا ، وأبناء الآخرة ، وأن يكون أرادوا أشياع من وصف بالبنوة أي قالت اليهود نحن أشياع ابنه عزير ، وقالت النصارى : نحن أشياع ابنه المسيح عليهما السلام ، وأطلق الأبناء على الأشياع مجازاً إما تغليباً أو تشبيهاً لهم بالأبناء في قرب المنزلة ، وهذا كما يقول أتباع الملك : نحن الملوك ، وكما أطلق على أشياع أبي خبيب عبد الله بن الزبير الخبيبون في قوله : (4/434)
قدنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبِيْنَ قَدِي ... على رواية من رواه بالجمع ، فقد قال ابن السكيت : يريد أبا خبيب ومن كان معه ، فحيث جاز جمع خبيب وأشياع أبيه فأولى أن يجوز جمع ابن الله عز اسمه وأشياع الابن بزعم الفريقين ، فاندفع ما قيل : إنهم لا يقولون ببنوة أنفسهم ولم يحمل على التوزيع بمعنى أنفسنا الأحباء وأبناؤنا الأبناء بجمع الإبنين لمشاكلة الأحباء لأن خطاب { بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ } يأباه ظاهراً ويدل على ادعائهم البنوة بأي معنى كان . وقيل : الكلام على حذف المضاف أي نحن أبناء أنبياء الله تعالى وهو خلاف الظاهر ، وقائل ذلك من اليهود بعضهم ، ونسب إلى الجميع لما مر غير مرة ، فقد أخرج ابن جرير . والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن آص وبحرى بن عمرو وشاش / بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله تعالى وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه ، وقالت النصارى ذلك قبلهم ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية» وعن الحسن أن النصارى تأولوا ما في الإنجيل من قول المسيح : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم فقالوا ما قالوا .
وعندي أن إطلاق ابن الله تعالى على المطيع قد كان في الزمن القديم ، ففي التوراة قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام : اذهب إلى فرعون وقل له يقول لك الرب إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني فإن أبيت أن ترسل ابني بكري قتلت ابنك بكرك ، وفيها أيضاً في قصة الطوفان أنه لما نظر بنو الله تعالى إلى بنات الناس وهم حسان جداً شغفوا بهن فنكحوا منهن ما أحبوا واختاروا فولدوا جبابرة فأفسدوا فقال الله تعالى : لا تحل عنايتي على هؤلاء القوم ، وأريد بأبناء الله تعالى أولاد هابيل ، وبأبناء الناس أبناء قابيل ، وكنّ حساناً جداً فصرفن قلوبهن عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الأوثان ، وفي المزامير أنت ابني سلني أعطك ، وفيها أيضاً أنت ابني وحبيبي ، وقال شعيا في نبوته عن الله تعالى : تواصوا بي في أبنائي وبناتي يريد ذكور عباد الله تعالى الصالحين وإناثهم ، وقال يوحنا الإنجيلي في الفصل الثاني من «الرسالة الأولى» انظروا إلى محبة الأب لنا أن أعطانا أن ندعى أبناء وفي الفصل الثالث أيها الأحباء الآن صرنا أبناء الله تعالى فينبغي لنا أن ننزله في الإجلال على ما هو عليه فمن صح له هذا الرجاء فليزك نفسه بترك الخطيئة والإثم ، واعلموا أن من لابس الخطيئة فإنه لم يعرفه وقال متى : قال المسيح : أحبوا أعداءكم ، وباركوا على لاعنيكم ، وأحسنوا إلى من يبغضكم ، وصلوا على من طردكم ، كيما تكونوا بني أبيكم المشرق شمسه على الأخيار والأشرار ، والممطر على الصديقين والظالمين ، وقال يوحنا التلميذ في «قصص الحواريين» : يا أحبائي إنا أبناء الله تعالى سمانا بذلك ، وقال بولس الرسول في «رسالته إلى ملك الروم» : إن الروح تشهد لأرواحنا أننا أبناء الله تعالى وأحباؤه ، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة ، وقد جاء أيضاً إطلاق الابن على العاصي ولكن بمعنى الأثر ونحوه ، ففي «الرسالة الخامسة لبولس» إياكم والسفه والسب واللعب فإن الزاني والنجس كعابد الوثن لا نصيب له في ملكوت الله تعالى واحذروا هذه الشرور فمن أجلها يأتي رجز الله على الأبناء الذين لا يطيعونه ، وإياكم أن تكونوا شركاء لهم فقد كنتم قبل في ظلمة فاسعوا الآن سعي أبناء النور .
ومقصود الفريقين ب { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } هو المعنى المتضمن مدحاً ، وحاصل دعواهم أن لهم فضلاً ومزية عند الله تعالى على سائر الخلق ، فرد سبحانه عليهم ذلك ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : { قُلْ } إلزاماً لهم وتبكيتاً { فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } أي إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم يوم القيامة بالنار أياماً بعدد أيام عبادتكم العجل ، وقد اعترفتم بذلك في غير ما موطن ، وهذا ينافي دعواكم القرب ومحبة الله تعالى لكم أو محبتكم له المستلزمة لمحبته لكم كما قيل : ما جزاء من يحب إلا يحب ، أو فلأيّ شيء أذنبتم بدليل أنكم ستعذبون ، وأبناء الله تعالى إنما يطلق إن أطلق في مقام الافتخار على المطيعين كما نطقت به كتبكم ، أو إن صح ما زعمتم فلم عذبكم بالمسخ الذي لا يسعكم إنكاره ، وعدّ بعضهم من العذاب البلايا والمحن كالقتل والأسر ، واعترض ذلك بأنه لا يصلح للإلزام فإن البلايا والمحن قد كثرت في الصلحاء ، وقد ورد «أشد الناس بلاءاً الأنبياء عليهم السلام ثم الأمثل فالأمثل» ، وقال الشاعر : (4/435)
ولكنهم أهل الحفائظ والعلا ... فهم لملمات الزمان خصوم (4/436)
/ وقوله تعالى : بَلْ أَنتُم بَشَرٌ عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ليس الأمر كذلك { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ } وإن شئت قدرت مثل هذا في أول الكلام وجعلت الفاء عاطفة ، وقوله سبحانه : { مّمَّنْ خَلَق } متعلق بمحذوف وقع صفة { بُشّرَ } أي بشر كائن من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم .
{ يَغْفِرُ * مَن يَشَآء } أن يغفر له من أولئك المخلوقين وهم المؤمنون به تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } أن يعذبه وهم الذين كفروا به سبحانه وبرسله عليهم السلام مثلكم ، والذي دل على التخصيص قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [ النساء : 48 ] إن قلنا بعمومه كما هو المعروف المشهور ، ومن الغريب ما في «شرح مسلم» للنووي أنه يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه الأمة وفيه نظر . هذا وأورد بعض المحققين هنا إشكالاً ذكر أنه قوي وهو أنه إذا كان معنى { نَحْنُ أَبْنَاء الله } تعالى أشياع بنيه فغاية الأمر أن يكونوا على طريقة الابن تحقيقاً للتبعية لكن من أين يلزم أن يكونوا من جنس الأب كما صرح به الزمخشري في انتفاء فعل القبائح ، وانتفاء البشرية والمخلوقية ليحسن الرد عليهم بأنهم بشر ممن خلق ، نعم ما ذكروه في هذا المقام من استلزام المحبة عدم العصيان والمعاقبة ربما يتمشى لأن من شأن المحب أن لا يعصي الحبيب ولا يستحق منه المعاقبة ، ومن هنا قيل :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وفيه مناقشة لأن هذا شأن المحبين والأحباء هم المحبون ، وأجاب عن إشكال إثبات البشرية بأنه ليس إثباتاً لمطلق البشرية ليجب أن يكون رد الدعوى بانتفائه بل هو إثبات أنهم بشر مثل سائر البشر ، ومن جنس سائر المخلوقين منهم العاصي والمطيع والمستحق للمغفرة والعذاب لا كما ادعوا من أنهم الأشياع المخصوصون بمزيد قرب واختصاص لا يوجد في سائر البشر ولذا وصف بشراً بقوله سبحانه : { ممن خلق } حتى لا يبعد أن يكون { يغفر لمن يشاء } أيضاً في موقع الصفة على حذف العائد أي لمن يشاء منهم ، وأما إشكال الجنسية فقيل في جوابه : المراد أنكم لو كنتم أشياع بني الله تعالى لكنتم على صفتهم في ترك القبائح وعدم استحقاق العذاب لأن من شأن الأشياع والأتباع أن يكونوا على صفة المتبوعين ، والمتبوعون هنا هم الأبناء بالزعم ، ومن شأن الأبناء أن يكونوا على صفة الأب فمن شأن الأتباع أن يكونوا على صفة الأب بالواسطة ، وقيل : كلام من قال : يلزم أن يكونوا من جنس الأب على حذف مضاف ، أي لو كنتم أشياع بني الله تعالى لكنتم من جنس أشياع الأب يعني أهل الله تعالى الذين لا يفعلون القبائح ولا يستوجبون العقاب .
وفي «الكشف» أن قولهم : { نحن أبناء الله } تعالى فيه إثبات الإبن ، وأنهم من أشياعه مستوجبون محبة الأب لذلك فينبغي أن يكون الرد مشتملاً على هدم القولين فقيل : من أسندتم إليه البنوة لا يصلح لها لإمكان القبيح عليه وصدوره هفوة ومؤاخذته بالزلة ودعواكم المحبة كاذبة وإلا لما عذبتم ، وأيضاً إذا بطل أن يكون له تعالى ابن بطل أن يكون أشياعه ، وكذلك المحبة المبنية على ذلك ، ثم قال : وجاز أن يقال : إنه لإبطال أن يكونوا أبناءاً حقيقة كما يفهم من ظاهر اللفظ أو مجازاً كما فسره الزمخشري اه . (4/437)
وأنت تعلم أن كل ما ذكره ليس بشيء كما لا يخفى على من له أدنى تأمل ، وما ذكرناه كاف في الغرض . / نعم ذكر الشهاب عليه الرحمة توجيهاً لا بأس به ، وهو أن اللائق أن يكون مرادهم بكونهم أبناء الله تعالى أنه لما أرسل إليهم الابن على زعمهم وأرسل لغيرهم رسل عباده دل ذلك على امتيازهم عن سائر الخلق ، وأن لهم مع الله تعالى مناسبة تامة وزلفى تقتضي كرامة لا كرامة فوقها ، كما أن الملك إذا أرسل لدعوة قوم أحد جنده ولآخرين ابنه علموا أنه مريد لتقريبهم وأنهم آمنون من كل سوء يطرق غيرهم ، ووجه الرد أنكم لا فرق بينكم وبين غيركم عند الله تعالى ، فإنه لو كان كما زعمتم لما عذبكم وجعل المسخ فيكم ، وكذا على كونه بمعنى المقربين المراد قرب خاص فيطابقه الرد ويتعانق الجوابان فافهمه انتهى ، والجواب عن المناقشة التي فعلها البعض يعلم مما أشرنا إليه سابقاً فلا تغفل .
{ وَلله مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } من تتمة الرد أي كل ذلك له تعالى لا ينتمي إليه سبحانه شيء منه إلا بالمملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيه كيف يشاء إيجاداً وإعداماً ، إحياءاً وإماتة ، إثابة وتعذيباً فأنى لهؤلاء ادّعاء ما زعموا؟! وربما يقال : إن هذا مع ما تقدم ردّ لكونهم أبناء الله تعالى بمعنى أشياع بنيه ، فنفى أولاً كونهم أشياعاً وثانياً وجود بنين له عز شأنه { وَإلَيْه المصير } أي الرجوع في الآخرة لا إلى غيره استقلالاً أو اشتراكاً فيجازي كلاً من المحسن والمسيء بما يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)
{ يَاأَهْلَ الكتاب } تكرير للخطاب بطريق الإلتفات ولطف في الدعوة ، وقيل : الخطاب هنا لليهود خاصة { قَدْ جَاءَكُم رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ } على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة الشرائع والأحكام النافعة معاداً ومعاشاً المقرونة بالوعد والوعيد ، وحذف هذا المفعول اعتماداً على الظهور إذ من المعلوم أن ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحكام ، ويجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم أي يفعل البيان ويبذله لكم في كل ما تحتاجون فيه من أمور الدين ، وأما إبقاؤه متعدياً مع تقدير المفعول { كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } كما قيل ، فقد قيل فيه : مع كونه تكريراً من غير فائدة يرده قوله سبحانه : { عَلَى فَتْرَة مِّنَ الرسل } فإن فتور الإرسال وانقطاع الوحي إنما يحوج إلى بيان الشرائع والأحكام لا إلى بيان ما كتموه ، و { على فترة } متعلق بجاءكم على الظرفية كما في قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } [ البقرة : 102 ] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع الوحي ومزيد الاحتياج إلى البيان . وجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ضمير { يبين } أو من ضمير { لكم } أي يبين لكم حال كونه على فترة ، أو حال كونكم على فترة . و { من الرسل } صفة { فترة } و { من } ابتدائية ، أي فترة كائنة من الرسل مبتدأة من جهتهم ، والفترة فعلة من فتر عن عمله يفتر فتوراً إذا سكن ، والأصل فيها الإنقطاع عما كان عليه من الجد في العمل ، وهي عند جميع المفسرين انقطاع ما بين الرسولين . (4/438)
واختلفوا في مدتها بين نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام ، فقال قتادة : كان بينهما عليهما الصلاة والسلام خمسمائة سنة وستون سنة ، وقال الكلبي : خمسمائة وأربعون سنة ، وقال ابن جريج : خمسمائة سنة ، وقال الضحاك : أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة ، وأخرج ابن عساكر عن سلمان رضي الله تعالى عنه أنها ستمائة سنة ، وقيل : كان بين نبينا صلى الله عليه وسلم وأخيه عيسى عليه السلام ثلاثة أنبياء هم المشار إليهم بقوله تعالى : { أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } [ ياس : 14 ] ، وقيل : بينهما عليهما الصلاة والسلام أربعة : الثلاثة المشار إليهم ، وواحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان عليه السلام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : " ذلك نبي ضيعه قومه " ولا يخفى أن الثلاثة الذين أشارت إليهم الآية رسل عيسى عليه السلام ونسبة إرسالهم إليه تعالى بناءاً على أنه كان بأمره عز وجل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك؛ وأما خالد بن سنان العبسي فقد تردد فيه الراغب في «محاضراته» ، وبعضهم لم يثبته ، وبعضهم قال : إنه كان قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام لأنه ورد في حديث
" لا نبي بيني وبين عيسى " صلى الله تعالى عليهما وسلم ، لكن في التواريخ إثباته ، وله قصة في «كتب الآثار» مفصلة ، وذكر أن بنته أتت النبي صلى الله عليه وسلم وآمنت به ، ونقش الشيخ الأكبر قدس سره له فصاً في كتابه «فصوص الحكم» ، وصحح الشهاب أنه عليه السلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأنه قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام ، وعلى هذا فالمراد ببنته الجائية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صح الخبر بنته بالواسطة لا البنت الصلبية إذ بقاؤهما إلى ذلك الوقت مع عدم ذكر أحد أنها من المعمرين بعيد جداً ، وكان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ألف وسبعمائة سنة في المشهور ، لكن لم يفتر فيها الوحي ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى بعث فيها ألف نبي من بني إسرائيل سوى من بعث من غيرهم . (4/439)
{ أَن تَقُولُواْ } تعليل لمجىء الرسول بالبيان أي كراهة أن تقولوا كما قدره البصريون أو لئلا تقولوا كما يقدر الكوفيون معتذرين من تفريطكم في أحكام الدين يوم القيامة { مَا جَاءَنَا من بَشير وَلاَ نذير } وقد انطمست آثار الشريعة السابقة وانقطعت أخبارها ، وزيادة { من } في الفاعل للمبالغة في نفي المجىء ، وتنكير بشير و نذير على ما قال شيخ الإسلام : للتقليل؛ وتعقيب { قد جاءكم } الخ بهذا يقتضي أن المقدر ، أو المنوي فيما سبق هو الشرائع والأحكام لا كيفما كانت بل مشفوعة بذكر الوعد والوعيد ، والفاء في قوله تعالى : { فَقَدْ جَاءَكُم بَشيرٌ وَنَذيرٌ } تفصح عن محذوف ما بعدها علة له ، والتقدير هنا لا تعتذروا فقد جاءكم وتسمى الفاء الفصيحة ، وتختلف عبارة المقدر قبلها ، فتارة يكون أمراً أو نهياً ، وتارة يكون شرطاً كما في قوله تعالى : { فهذا يوم البعث } [ الروم : 56 ] ، وقول الشاعر :
فقد جئنا خراساناً ... وتارة معطوفاً عليه كما في قوله تعالى : { فانفجرت } [ البقرة : 60 ] وقد يصار إلى تقدير القول كما في الفرقان ( 19 ) في قوله تعالى : { فقد كذبوكم } ، وإن شئت قدرت هنا أيضاً فقلنا : لا تعتذروا فقد الخ ، وقد صرح بعض علماء العربية أن حقيقة هذه الفاء أنها تتعلق بشرط محذوف ، ولا ينافي ذلك إضمار القول لأنه إذا ظهر المحذوف لم يكن بدّ من إضمار ليرتبط بالسابق فيقال : في البيت مثلاً ، وقلنا ، أو فقلنا : إن صح ما ذكرتم فقد جئنا خراساناً ، وكذلك ما نحن فيه فقلنا : لا تعتذروا فقد جاءكم ، ثم إنه في المعنى جواب شرط مقدر سواء صرح بتقديره أم لا لأن الكلام إذا اشتمل على مترتبين أحدهما على الآخر ترتب العلية كان في معنى الشرط والجزاء ، فلا تنافي بين التقادير . والتقادير المختلفة ، ولو سلم التنافي فهما وجهان ذكروا أحدهما في موضع والآخر في آخر كما حققه في «الكشف» وقد مرت الإشارة من بعيد إلى أمر هذه الفاء فتذكر ، وتنوين بشير و ونذير ) للتفخيم { والله على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ } فيقدر على إرسال الرسل تترى ، وعلى الإرسال بعد الفترة .
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)
{ وَإذْ قَالَ موسى لقَوْمه } جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما فعلت بنو إسرائيل بعد أخذ الميثاق منهم ، وتفصيل كيفية نقضهم له مع الإشارة إلى انتفاء فترة الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما بينهم؛ و { إذ } نصب على أنه مفعول لفعل محذوف خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد عليهم ما سلف من بعضهم من الجنايات ، أي واذكر لهم يا محمد وقت قول موسى عليه السلام ( لقومه ) ناصحاً ومستميلاً لهم بإضافتهم إليه { ياقوم اذكروا نَعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت أبلغ من توجيهه إلى ما وقع فيه ، وإن كان هو المقصود بالذات كما مرت الإشارة إليه ، و { عليكم } متعلق إما بالنعمة إن جعلت مصدراً ، وإما بمحذوف وقع حالاً منها إذا جعلت اسماً أي اذكروا إنعامه عليكم بالشكر ، واذكروا نعمته كائنة عليكم ، وكذا { إذ } في قوله تعالى : { إذْ جَعَلَ فيكُمْ أنبيَاءَ } متعلقة بما تعلق به الجار والمجرور أي اذكروا إنعامه عليكم في وقت جعله ، أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم في وقت جعله فيما بينكم من أقرابئكم أنبياء ، وصيغة الكثرة على حقيقتها كما هو الظاهر ، والمراد بهم موسى وهارون ويوسف وسائر أولاد يعقوب على القول بأنهم كانوا أنبياء ، أو الأولون ، والسبعون الذين اختارهم موسى لميقات ربه ، فقد قال ابن السائب ومقاتل : إنهم كانوا أنبياء . وقال الماوردي وغيره : المراد بهم الأنبياء الذين أرسلوا من بعد في بني إسرائيل؛ والفعل الماضي مصروف عن حقيقته ، وقيل : المراد بهم من تقدم ومن تأخر ولم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني إسرائيل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . (4/440)
{ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } عطف على { جعل فيكم } وغير الأسلوب فيه لأنه لكثرة الملوك فيهم أو منهم صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلكهم في السعة والترفه ، فلذا تجوز في إسناد الملك إلى الجميع بخلاف النبوة فإنها وإن كثرت لا يسلك أحد مسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنها أمر إلهي يخص الله تعالى به من يشاء ، فلذا لم يتجوز في إسنادها ، وقيل : لا مجاز في الإسناد ، وإنما هو في لفظ الملوك فإن القول كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله تعالى ، فسمى ذلك الإنقاذ ملكاً ، وقيل : لا مجاز أصلاً بل جعلوا كلهم ملوكاً على الحقيقة ، والملك من كان له بيت وخادم كما جاء عن زيد بن أسلم مرفوعاً . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً » وأخرج ابن جرير عن الحسن هل الملك إلا مركب وخادم ودار ، وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله : ألك زوجة تأوي إليها؟ قال؛ نعم ، قال : ألك مسكن تسكنه؟ قال : نعم ، قال : فأنت من الأغنياء ، قال : فإن لي خادماً ، قال : فأنت من الملوك ، وقيل : الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار ، وقيل : من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق ، وإليه ذهب أبو علي الجبائي ، وأنت تعلم أن الظاهر هنا القول بالمجاز وما ذكر في معرض الاستدلال محتمل له أيضاً .
{ وءاتاكم مَّا لَمْ يُؤْت أَحَداً مِّنَ العالمين } من فلق البحر وإغراق العدو وتظليل الغمام وانفجار الحجر وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور المخصوصة ، والخطاب لقوم موسى عليه السلام كما هو الظاهر ، وأل في { العالمين } للعهد ، والمراد عالمي زمانهم ، أو للاستغراق ، والتفضيل من وجه لا يستلزم التفضيل من جميع الوجوه ، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل ، وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية ، وإيتاء ما لم يؤت أحد وإن لم يلزم منه التفضيل لكن المتبادر من استعماله ذلك ، ولذا أول بما أول ، وعن سعيد بن جبير وأبي مالك أن الخطاب هنا لهذه الأمة وهو خلاف الظاهر جداً ولا يكاد يرتكب مثله في الكتاب المجيد لأن الخطابات السابقة واللاحقة لبني إسرائيل فوجود خطاب في الأثناء لغيرهم مما يخل بالنظم الكريم ، وكأن الداعي للقول به ظن لزوم التفضيل مع عدم دافع له سوى ذلك ، وقد علمت أنه من بعض الظن . (4/441)
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)
{ ياقوم ادخلوا الأَرْضَ المقدسة } كرر النداء مع الإضافة التشريفية اهتماماً بشأن الأمر ، ومبالغة في حثهم على الامتثال به ، والأرض المقدسة هي ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي . وابن زيد بيت المقدس ، وقال الزجاج : دمشق وفلسطين والأردن ، وقال مجاهد هي أرض الطور وما حوله ، وعن معاذ بن جبل هي ما بين الفرات وعريش مصر ، والتقديس : التطهير ، ووصفت تلك الأرض بذلك إما لأنها مطهرة من الشرك حيث جعلت مسكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو لأنها مطهرة من الآفات ، وغلبة الجبارين عليها لا يخرجها عن أن تكون مقدسة ، أو لأنها طهرت من القحط والجوع ، وقيل : سميت مقدسة لأن فيها المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب . (4/442)
{ التي كَتَبَ الله لَكُمْ } أي قدرها وقسمها لكم ، أو كتب في اللوح المحفوظ أنها تكون مسكناً لكم . روي أن الله تعالى أمر الخليل عليه الصلاة والسلام أن يصعد جبل لبنان فما انتهى بصره إليه فهو له ولأولاده فكانت تلك الأرض مدى بصره ، وعن قتادة والسدي أن المعنى التي أمركم الله تعالى بدخولها وفرضه عليكم ، فالكتب هنا مثله في قوله تعالى : { كتب عليكم الصيام } [ البقرة : 183 ] وذهب إلى الاحتمالين الأولين كثير من المفسرين ، والكتب على أولهما مجاز ، وعلى ثانيهما حقيقة ، وقيدوه بإن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعدما عصوا : { فإنها محرمة عليهم } [ المائدة : 26 ] .
وقوله سبحانه : { وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَاركُمْ فَتَنْقَلبُواْ خاسرين } فإن ترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعاً ، والأدبار جمع دبر وهو ما خلفهم من الأماكن من مصر وغيرها ، والجار والمجرور حال من فاعل { ترتدوا } أي لا ترجعوا عن مقصدكم منقلبين خوفاً من الجبابرة ، وجوز أن يتعلق بنفس الفعل ، ويحتمل أن يراد بالارتداد صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفاً غير محسوس أي لا ترجعوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى وإليه ذهب أبو علي الجبائي ، وقوله تعالى : { فتنقلبوا } إما مجزوم بالعطف وهو الأظهر ، وإما منصوب في جواب النهي ، قال الشهاب : على أنه من قبيل لا تكفر تدخل النار وهو ممتنع خلافاً للكسائي ، وفيه نظر لا يخفى ، والمراد بالخسران خسران الدارين .
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)
{ قَالُواْ ياموسى إنَّ فيهَا قَوْماً جَبَّارينَ } شديدي البطش متغلبين لا تتأتى مقاومتهم ولا تجز لهم ناصية ، والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي على القياس لا من أجبره على خلافه كالحساس من الإحساس وهو الذي يقهر الناس ويكرههم كائناً من كان على ما يريده كائناً ما كان ، ومعناه في البخل ما فات اليد طولاً ، وكان هؤلاء القوم من العمالقة بقايا قوم عاد وكانت لهم أجسام ليست لغيرهم ، أخرج ابن عبد الحكم في «فتوح مصر» عن ابن حجيرة قال : استظل سبعون رجلاً من قوم موسى عليه السلام في قحف رجل من العمالقة ، وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن زيد بن أسلم قال : بلغني أنه رؤيت ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل منهم إلى غير ذلك من الأخبار ، وهي عندي كأخبار عوج بن عنق وهي حديث خرافة . (4/443)
{ وَإنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ منْهَا } بقتال غيرنا ، أو بسبب يخرجهم الله تعالى به فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها ، وهذا امتناع عن القتال على أتم وجه { فَإن يَخْرُجُواْ منْهَا } بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها { فَإنَّا دَاخلُونَ } فيها حينئذ ، وأتوا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوماً مما تقدم تصريحاً بالمقصود وتنصيصاً على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها ، وأتوا في الجزاء بالجملة الإسمية المصدرة بإن دلالة على تقرر الدخول وثباته عند تحقق الشرط لا محالة وإظهاراً لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر .
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)
{ قَالَ رَجُلاَن منَ الذين يَخَافُونَ } أي يخافون الله تعالى وبه قرىء ، والمراد رجلان من المتقين وهما كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والسدي والربيع يوشع بن نون وكالب بن يوقنا ، وفي وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو ، وقيل : المراد بالرجلين ما ذكر ، و { من الذين يخافون } بنو إسرائيل؛ والمراد يخافون العدو ، ومعنى كون الرجلين منهم أنهما منهم في النسب لا في الخوف ، وقيل : في الخوف أيضاً ، والمراد : أنهما لم يمنعهما الخوف عن قول الحق ، وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير أن الرجلين كانا من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى عليه السلام ، فعلى هذا يكون { الذين } عبارة عن الجبابرة ، والواو ضمير بني إسرائيل ، وعائد الموصول محذوف أي يخافونهم ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير { يخافون } بضم الياء ، وجعلها الزمخشري شاهدة على أن الرجلين من الجبارين كأنه قيل : من المخوّفين أي يخافهم بنو إسرائيل ، وفيها احتمالان آخران : الأول : أن يكون من الإخافة ، ومعناه من الذين يخوّفون من الله تعالى بالتذكير والموعظة؛ أو يخوّفهم وعيد الله تعالى بالعقاب ، والثاني : أن معنى { يخافون } يهابون ويوقرون ، ويرجع إليهم لفضلهم وخيرهم؛ ومع هذين الاحتمالين لا ترجيح في هذه القراءة لكونهما من الجبارين ، وترجيح ذلك بقوله تعالى : { أنْعَمَ الله عَلَيْهمَا } أي بالإيمان والتثبيت غير ظاهر أيضاً لأنه صفة مشتركة بين يوشع وكالب وغيرهما ، وكونه إنما يليق أن يقال لمن أسلم من الكفار لا لمن هو مؤمن في حيز المنع ، والجملة صفة ثانية لرجلين أو اعتراض ، وقيل : حال بتقدير قد من ضمير { يخافون } أو من { رجلان } لتخصيصه بالصفة ، أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور أي قالا مخاطبين لهم ومشجعين . (4/444)
{ ادخلوا عَلَيْهمُ الباب } أي باب مدينتهم وتقديم { عليها } عليه للاهتمام به لأن المقصود إنما هو دخول الباب وهم في بلدهم أي فاجئوهم وضاغطوهم في المضيق ولا تمهلوهم ليصحروا ويجدوا للحرب مجالاً { فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ } عليهم الباب { فَإنَّكُمْ غالبون } من غير حاجة ( إلى ) القتال فإنا قد رأيناهم وشاهدناهم أن قلوبهم ضعيفة وإن كانت أجسامهم عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون على الكر والفر ، وقيل : إنما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى عليه السلام ، و ( من ) قوله : { التي كتب الله لكم } [ المائدة : 21 ] ، وقيل : من جهة غلبة الظن ، وما تبينا من عادة الله تعالى في نصرة رسله ، وما عهدا من صنع الله تعالى لموسى عليه السلام في قهر أعدائه ، قيل : والأول : أنسب بتعليق الغلبة بالدخول .
{ وَعَلَى الله } تعالى خاصة { فَتَوَكَّلُواْ } بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها لا تؤثر من دون إذنه إن { كُنْتُمْ مُّؤْمنينَ } بالله تعالى ، والمراد بهذا الإلهاب والتهييج وإلا فإيمانهم محقق ، وقد يراد بالإيمان التصديق بالله تعالى وما يتبعه من التصديق بما وعده أي : إن كنتم مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فإن ذلك مما يوجب التوكل عليه حتماً . .
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)
{ قَالُواْ } غير مبالين بهما وبمقالتهما مخاطبين لموسى عليه السلام إظهاراً لإصرارهم على القول الأول وتصريحاً بمخالفتهم له عليه السلام { ياموسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا } أي أرض الجبابرة فضلاً عن الدخول عليهم وهم في بلدهم { أَبَدًا } أي دهراً طويلاً ، أو فيما يستقبل من الزمان كله { مَّا دَامُواْ فِيهَا } أي في تلك الأرض ، وهو بدل من { أَبَدًا } بدل البعض؛ وقيل : بدل الكل من الكل ، أو عطف بيان لوقوعه بين النكرتين؛ ومثله في الابدال قوله : (4/445)
وأكرم أخاك الدهر ( ما دمتما ) معا ... كفى بالممات فرقة وتنائيا
فإن قوله : «ما دمتما» بدل من الدهر .
{ فاذهب } أي إذا كان الأمر كذلك فاذهب { أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } أي فقاتلاهم وأخرجاهم حتى ندخل الأرض؛ وقالوا ذلك استهانة واستهزاءاً به سبحانه وبرسوله عليه الصلاة والسلام وعدم مبالاة ، وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبىء عنه غاية جهلهم وقسوة قلوبهم ، والمقابلة بقوله تعالى : { إِنَّا هاهنا قاعدون } ، وقيل : أرادوا إرادتهما وقصدهما كما تقول : كلمته فذهب يجيبني كأنهم قالوا : فأريدا قتالهم واقصداهم ، وقال البلخي : المراد : فاذهب أنت وربك يعينك ، فالواو للحال ، و { أَنتَ } مبتدأ حذف خبره وهو خلاف الظاهر ، ولا يساعده { فَقَاتِلا } ولم يذكروا أخاه هارون عليهما السلام ولا الرجلين اللذين قالا كأنهم لم يجزموا بذهابهم أو لم يعبأوا بقتالهم ، وأرادوا بالقعود عدم التقدم لا عدم التأخر أيضاً .
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)
{ قَالَ } موسى عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العناد على طريق البث والحزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة . فليس القصد إلى الإخبار وكذا كل خبر يخاطب به علام الغيوب يقصد به معنى سوى إفادة الحكم أو لازمه ، فليس قوله رداً لما أمر الله تعالى به ولا اعتذاراً عن عدم الدخول { رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى } هارون عليه السلام وهو عطف على { نَفْسِى } أي لا يجيبني إلى طاعتك ويوافقني على تنفيذ أمرك سوى نفسي وأخي ولم يذكر الرجلين اللذين أنعم الله تعالى عليهما وإن كانا يوافقانه إذا دعا لما رأى من تلون القوم وتقلب آرائهم فكأنه لم يثق بهما ولم يعتمد عليهما . وقيل : ليس القصد إلى القصر بل إلى بيان قلة من يوافقه تشبيهاً لحاله بحال من لا يملك إلا نفسه وأخاه ، وجوز أن يراد بأخي من يؤاخيني في الدين فيدخلان فيه ولا يتم إلا بالتأويل بكل مؤاخ له في الدين ، أو بجنس الأخ وفيه بعد ، ويجوز في { أَخِى } وجوهاً أخر من الإعراب : الأول : أنه منصوب بالعطف على اسم إن ، الثاني : أنه مرفوع بالعطف على فاعل { أَمْلِكُ } للفصل ، الثالث : أنه مبتدأ خبره محذوف ، الرابع : أنه معطوف على محل اسم إن البعيد لأنه بعد استكمال الخبر ، والجمهور على جوازه حينئذ ، الخامس : أنه مجرور بالعطف على الضمير المجرور على رأي الكوفيين ، ثم لا يلزم على بعض الوجوه الاتحاد في المفعول بل يقدر للمعطوف مفعول آخر أي وأخي إلا نفسه ، فلا يرد ما قيل : إنه يلزم من عطفه على اسم إن أو فاعل { أَمْلِكُ } أن موسى وهارون عليهما السلام لا يملكان إلا نفس موسى عليه السلام فقط ، وليس المعنى على ذلك كما لا يخفى ، وليس من عطف الجمل بتقدير ولا يملك أخي إلا نفسه كما توهم ، وتحقيقه أن العطف على معمول الفعل لا يقتضي إلا المشاركة في مدلول ذلك . ومفهومه الكلي لا الشخص المعين بمتعلقاته المخصوصة فإن ذلك إلى القرائن . (4/446)
{ فافرق بَيْنَنَا } يريد نفسه وأخاه عليهما الصلاة والسلام ، والفاء لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله ، وقرىء { فافرق } بكسر الراء { وَبَيْنَ القوم الفاسقين } أي الخارجين عن طاعتك بأن تحكم لنا بما نستحقه ، وعليهم بما يستحقونه كما هو المروي عن ابن عباس والضحاك رضي الله تعالى عنهم ، وقال الجبائي : سأل عليه السلام ربه أن يفرق بالتبعيد في الآخرة بأن يجعله وأخاه في الجنة ويجعلهم في النار ، وإلى الأول ذهب أكثر المفسرين ، ويرجحه تعقيب الدعاء بقوله تعالى :
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)
{ قَالَ فَإِنَّهَا } فإن الفاء فيه لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء فكان ذلك إثر الدعاء ونوع من المدعو به ، وقد أخرج ابن جرير عن السدي قال : إن موسى عليه السلام غضب حين قال له القوم ما قالوا فدعا وكان ذلك عجلة منه عليه السلام عجلها فلما ضرب عليهم التيه ندم فأوحى الله تعالى عليه { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين } والضمير المنصوب عائد إلى الأرض المقدسة أي فإنها لدعائك { مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } لا يدخلونها ولا يملكونها ، والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد ، ومثله قول امرىء القيس يصف فرسه : (4/447)
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك ( حرام )
يريد إني فارس لا يمكنك أن تصرعيني ، وجوز أبو علي الجبائي وإليه يشير كلام البلخي أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر { أَرْبَعِينَ سَنَةً } متعلق بمحرمة فيكون التحريم مؤقتاً لا مؤبداً فلا يكون مخالفاً لظاهر قوله تعالى : { كَتَبَ الله لَكُمْ } [ المائدة : 21 ] والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها ، بل بعضهم ممن بقي حسبما روي أن موسى عليه السلام سار بمن بقي من بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة ، وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض عليه السلام ، وروى ذلك عن الحسن ومجاهد ، وقيل : لم يدخلها أحد ممن قال : { لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً } [ المائدة : 24 ] وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشي من ذرياتهم ، وعليه فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جعل تحريمها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة .
وقوله تعالى : { يَتِيهُونَ فِى الارض } استئناف لبيان كيفية حرمانهم ، وقيل : حال من ضمير { عَلَيْهِمْ } ، والتيه : الحيرة ، ويقال : تاه يتيه ويتوه ، وهو أتوه وأتيه ، فهو مما تداخل فيه الواو والياء ، والمعنى يسيرون متحيرين وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق . وقيل : الظرف متعلق { يَتِيهُونَ } ، وروى ذلك عن قتادة فكيون التيه مؤقتاً والتحريم مطلقاً يحتمل التأبيد وعدمه ، وكان مسافة الأرض التي تاهوا فيها ثلاثين فرسخاً في عرض تسعة فراسخ كما قال مقاتل ، وقيل : اثني عشر فرسخاً في عرض ستة فراسخ ، وقيل : ستة في عرض تسعة ، وقيل : كان طولها ثلاثين ميلاً في عرض ستة فراسخ وهي ما بين مصر والشام ، وذكر أنهم كانوا ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون فيصبحون حيث يمسون ويمسون حيث يصبحون كما قاله الحسن . ومجاهد قيل : وحكمة ابتلائهم بالتيه أنهم لما قالوا : { إِنَّا هاهنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] عوقبوا بما يشبه القعود ، وكان أربعين سنة لأنها غاية زمن يرعوي فيه الجاهل .
وقيل : لأنهم عبدوا العجل أربعين يوماً فجعل عقاب كل يوم سنة في التيه وليس بشيء ، وكان ذلك من خوارق العادات إذ التحير في مثل تلك المسافة على عقلاء كثيرين هذه المدة الطويلة مما تحيله العادة ، ولعل ذلك كان بمحو العلامات التي يستدل بها ، أو بأن ألقي شبه بعضها على بعض . وقال أبو علي الجبائي : إنه كان بتحول الأرض التي هم عليها وقت نومهم ويغني الله تعالى عن قبوله . / وروي أنه كان الغمام يظلهم من حر الشمس وينزل عليهم المنّ والسلوى ، وجعل معهم حجر موسى عليه السلام يتفجر منه الماء دفعاً لعطشهم ، قيل : ويطلع بالليل عمود من نور يضيء لهم ولا يطول شعرهم ولا تبلى ثيابهم كما روي عن الربيع بن أنس ، وكانت تشب معهم إذا شبوا كما روى عن طاوس . (4/448)
وذكر غير واحد من القصاص أنهم كانوا إذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله ولا يبلى إلى غير ذلك مما ذكروه .
والعادة تبعد كثيراً منه فلا يقبل إلا ما صح عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولقد سألت بعض أحبار اليهود عن لباس بني إسرائيل في التيه فقال : إنهم خرجوا من مصر ومعهم الكثير من ثياب القبط وأمتعتهم ، وحفظها الله تعالى لكبارهم وصغارهم فذكرت له حديث الظفر ، فقال لم نظفر به وأنكره فقلت له : هي فضيلة فهلا أثبتها لقومك؟ فقال : لا أرضى بالكذب ثوباً ، واستشكل معاملتهم بهذه النعم مع معاقبتهم بالحيرة ، وأجيب بأن تلك المعاقبة من كرمه تعالى ، وتعذيبهم إنما كان للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له ولا يقطع عنه معروفه ، ولعلهم استغفروا من الكفر إذا كان قد وقع منهم ، وأكثر المفسرين على أن موسى وهرون عليهما السلام كانا معهم في التيه لكن لم ينلهما من المشقة ما نالهم ، وكان ذلك لهما روحاً وسلامة كالنار لإبراهيم عليه السلام ، ولعل الرجلين أيضاً كانا كذلك .
وروي أن هارون مات في التيه واتهم به موسى عليهما السلام فقالوا : قتله لحبنا له فأحياه الله تعالى بتضرعه ، فبرأه مما يقولون ، وعاد إلى مضجعه ، ومات موسى عليه السلام بعده بسنة ، وقيل : بستة أشهر ونصف ، وقيل : بثمانية أعوام ، ودخل يوشع أريحاء بعده بثلاثة أشهر ، وقال قتادة : بشهرين ، وكان قد نبىء قبل بمن بقي من بني إسرائيل ولم يبق المكلفون وقت الأمر منهم ، قيل ولا يساعده النظم الكريم فإنه بعدما قبل دعوته عليه السلام على بني إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيد أن ينجو من نجا ، ويقدر وفاة النبيين عليهما السلام في محل العقوبة ظاهراً ، وإن كان ذلك لهما منزل روح وراحة ، وأنت تعلم أن الأخبار بموتهما عليهما السلام بالتيه كثيرة لا سيما الأخبار بموت هارون عليه السلام ، ولا أرى للاستبعاد محلاً ، ولعل ذلك أنكى لبني إسرائيل .
وقيل : إنهما عليهما السلام لم يكونا مع بني إسرائيل في التيه ، وأن الدعاء وقد أجيب كان بالفرق بمعنى المباعدة في المكان بالدنيا ، وأرى هذا القول مما لا يكاد يصح ، فإن كثيراً من الآيات كالنص في وجود موسى عليه السلام معهم فيه كما لا يخفى . (4/449)
{ فَلاَ تَأْسَ } أي فلا تحزن لموتهم ، أو لما أصابهم فيه من الأسى وهو الحزن { عَلَى القوم الفاسقين } الذين استجيب لك في الدعاء عليهم لفسقهم؛ فالخطاب لموسى عليه السلام كما هو الظاهر ، وإليه ذهب أجلة المفسرين . وقال الزجاج : إنه للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالقوم الفاسقين معاصروه عليه الصلاة والسلام من بني إسرائيل كأنه قيل : هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك وردهم عليك فإنهم ورثوا ذلك عنهم .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)
{ واتل عَلَيْهِمْ } عطف على مقدر تعلق به قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ موسى } [ المائدة : 20 ] الخ ، وتعلقه به قيل : من حيث إنه تمهيد لما سيأتي إن شاء الله تعالى من جنايات بني إسرائيل بعدما كتب عليهم ما كتب وجاءتهم الرسل بما جاءتهم به من البينات . وقيل : من حيث إن في الأول الجبن عن القتل ، وفي هذا الإقدام عليه مع كون كل منهما معصية ، وضمير { عَلَيْهِمْ } يعود على بني إسرائيل كما هو الظاهر إذ هم المحدث عنهم أولاً ، وأمر صلى الله عليه وسلم بتلاوة ذلك عليهم إعلاماً لهم بما هو في غامض كتبهم الأول الذي لا تعلق للرسول عليه الصلاة والسلام بها إلا من جهة الوحي لتقوم الحجة بذلك عليهم ، وقيل : الضمير عائد على هذه الأمة أي : أتل يا محمد على قومك { نَبَأَ ابنى * ءادَمَ } هابيل عليه الرحمة وقابيل عليه ما يستحقه ، وكانا بإجماع غالب المفسرين ابني آدم عليه السلام لصلبه . وقال الحسن : كانا رجلين من بني إسرائيل ويد الله تعالى مع الجماعة وكان من قصتهما ما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين أنه كان لا يولد لآدم عليه السلام مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر ، جعل افتراق البطون بمنزلة افتراق النسب للضرورة إذ ذاك حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل ، وكان قابيل صاحب زرع ، وهابيل صاحب ضرع ، وكان قابيل أكبرهما ، وكانت له أخت واسمها إقليما أحسن من أخت هابيل ، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه ، وقال : هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى ، فقال لهما : قربا قرباناً فمن أيكما قبل تزوجها ، وإنما أمر بذلك لعلمه أنه لا يقبل من قابيل لا أنه لو قبل جاز ، ثم غاب عليه السلام عنهما آتيا مكة ينظر إليها فقال آدم للسماء : احفظي ولدي بالأمانة فأبت ، وقال للأرض : فأبت ، وقال للجبال : فأبت ، فقال لقابيل : فقال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم عليه السلام قربا قرباناً؛ فقرب هابيل جذعة ، وقيل : كبشاً ، وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل ، وكان ذلك علامة القبول ، وكان أكل القربان غير جائز في الشرع القديم وتركت قربان قابيل فغضب ، وقال : لأقتلنك فأجابه بما قص الله تعالى { بالحق } متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر { اتل } أي أتل تلاوة متلبسة بالحق والصحة ، أو حال من فاعل { اتل } أو من مفعوله أي متلبساً أنت أو نبأهما بالحق والصدق موافقاً لما في زبر الأولين . (4/450)
وقوله تعالى : { إِذْ قَرَّبَا قربانا } ظرف لنبأ ، وعمل فيه لأنه مصدر في الأصل ، والظرف يكفي فيه رائحة الفعل ، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً منه ، ورد بأنه حينئذ يكون قيداً في عامله وهو { اتل } المستقبل ، و { إِذْ } لما مضى فلا يتلاقيان ، ولذا لم يتعلق به مع ظهوره ، وقد يجاب بالفرق بين الوجهين فتأمل . وقيل : إنه بدل من { نَبَأَ } على حذف المضاف ليصح كونه متلواً أي اتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت ، ورده في «البحر» بأن { إِذْ } لا يضاف إليها إلا الزمان نحو يومئذ وحينئذ و { نَبَأَ } ليس بزمان ، وأجيب بالمنع ، ولا فرق بين { نَبَأَ } ذلك الوقت ونبأ { إِذْ } وكل منهما صحيح معنى وإعراباً ، ودعوى جواز الأول سماعاً دون الثاني دون إثباتها خرط القتاد ، والقربان اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو غيرهما كالحلوان اسم لما يحلى أي يعطى ، وتوحيده لما أنه في الأصل مصدر ، وقيل : تقديره إذ قرب كل منهما قرباناً { فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا } وهو هابيل { وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاخر } لأنه سخط حكم الله تعالى ، وهو عدم جواز نكاح التوأمة { قَالَ } استئناف سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل : فماذا قال من لم يتقبل قربانه؟ فقيل : قال لأخيه لفرط الحسد على قبول قربانه ورفعة شأنه عند ربه عز وجل كما يدل عليه الكلام الآتي ، وقيل : على ما سيقع من أخذ أخته الحسناء { لاَقْتُلَنَّكَ } أي والله تعالى لأقتلنك بالنون المشدة ، وقرىء بالمخففة . (4/451)
{ قَالَ } استئناف كالذي قبله أي قال الذي تقبل قربانه لما رأى حسد أخيه { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله } أي القربان والطاعة { مِنَ المتقين } في ذلك بإخلاص النية فيه لله تعالى لا من غيرهم ، وليس المراد من التقوى التقوى من الشرك التي هي أول المراتب كما قيل ، ومراده من هذا الجواب إنك إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها عن لباس التقوى لا من قبلي ، فلم تقتلني ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول؟ا وهو جواب حكيم مختصر جامع لمعان .
وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظاً لا في إزالة حظه ونعمته ، فإن اجتهاده فيما ذكر يضره ولا ينفعه ، وقيل : مراده الكناية عن أن لا يمتنع عن حكم الله تعالى بوعيده لأنه متق والمتقي يؤثر الامتثال على الحياة ، أو الكناية عن أنه لا يقتله دفعاً لقتله لأنه متق فيكون ذلك كالتوطئة لما بعده ، ولا يخفى بعده؛ وما أنعى هذه الآية على العاملين أعمالهم ، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة ، فقيل له : ما يبكيك ، فقد كنت وكنت؟ قال : إني أسمع الله تعالى يقول : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } .
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)
{ لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لاِقْتُلَكَ } قيل : كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفاً من الله تعالى لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك الوقت ، وفي تلك الشريعة كما روي عن مجاهد وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : كانت بنو إسرائيل قد كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع منه حتى يقتله أو يدعه ، أو تحرياً لما هو الأفضل الأكثر ثواباً وهو كونه مقتولاً لا قاتلاً بالدفع عن نفسه بناءاً على جوازه إذ ذاك ، قال بعض المحققين : واختلف في هذا الآن على ما بسطه الإمام الجصاص فالصحيح من المذهب أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره وإن أدى إلى القتل ، ولذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره : إن المعنى في الآية لئن بسطت إليّ يدك على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك على وجه الظلم والإبتداء ، وتكون الآية على ما قاله مجاهد وابن جريج : منسوخة ، وهل نسخت قبل شريعتنا أم لا؟ فيه كلام ، والدليل عليه قوله تعالى : { فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىء } [ الحجرات : 9 ] وغيره من الآيات والأحاديث ، وقيل : إنه لا يلزم ذلك بل يجوز ، واستدل بما أخرجه ابن سعد في «الطبقات» عن خباب بن الأرت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر " فتنة القاعدة فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل " وأولوه بترك القتال في الفتنة واجتنابها وأول الحديث يدل عليه ، وأما من منع ذلك الآن مستدلاً بحديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " فقد رد بأن المراد به أن يكون كل منهما عزم على قتل أخيه وإن لم يقاتله وتقابلا بهذا القصد انتهى بزيادة . (4/452)
وعن السيد المرتضى أن الآية ليست من محل النزاع لأن اللام الداخلة على فعل القتل لام كي وهي منبئة عن الإرادة والغرض ، ولا شبهة في قبح ذلك أولاً وآخراً لأن المدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم طلباً للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله ، فكأنه قال له : لئن ظلمتني لم أظلمك وإنما قال سبحانه : { مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ } في جواب { لَئِن بَسَطتَ } للمبالغة في أنه ليس من شأنه ذلك ولا ممن يتصف به ، ولذلك أكد النفي بالباء ولم يقل وما أنا بقاتل بل قال : { بِبَاسِطٍ } للتبري عن مقدمات القتل فضلاً عنه ، وقدم الجار والمجرور المتعلق ببسطت إيذاناً على ما قيل من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه ، ويخطر لي أنه قدم لتعجيل تذكيره بنفسه المنجر إلى تذكيره بالأخوة المانعة عن القتل .
وقوله تعالى : { إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ * العالمين } تعليل للامتناع عن بسط يده ليقتله ، وفيه إرشاد قابيل إلى خشية الله تعالى على أتم وجه ، وتعريض بأن القاتل لا يخاف الله تعالى .
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)
{ إِنّى أُرِيدُ أَنْ * تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } تعليل آخر لامتناعه عن البسط ، ولما كان كل منهما علة مستقلة لم يعطف أحدهما على الآخر إيذانا بالاستقلال ودفعاً لتوهم أن يكون جزء علة لاعلة تامة ، { *وأصل البوء اللزوم ، وفي «النهاية» : أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي أي ألتزم وأرجع وأقر } ، والمعنى إني أريد باستسلامي وامتناعي عن التعرض لك أن ترجع بإثمي أي تتحمله لو بسطت يدي إليك حيث كنت السبب له ، وأنت الذي علمتني الضرب والقتل ، وإثمك حيث بسطت إلي يدك ، وهذا نظير ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً { تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الارض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير وَمَن يُسْلِمْ } كذا في «الكشاف» ، قيل : وفيه نظر لأن حاصل ما قرره أن على البادىء إثمه ومثل إثم صاحبه إلا أن يتعدى الصاحب فلا يكون هذا المجموع على البادىء ، ولا دلالة فيه على أن المظلوم إذ لم يتعد كان إثمه المخصوص بسببه ساقطاً عنه اللهم إلا بضميمة تنضم إليه ، وليس في اللفظ ما يشعر بها ، ورده في «الكشف» بأنه كيف لا يدل على سقوطه عنه ، وقوله عليه الصلاة والسلام : «فعلى البادىء» مخصص ظاهر ، وقول «الكشاف» : «إلا أن الإثم محطوط» نفسير لقوله : «فعلى البادىء» وقوله : فعليه إثم سبه ، ومثل إثم سب صاحبه تفسير لقوله : ما قالا ، فكما يدل على أن عليه إثماً مضاعفاً يدل على أن إثم صاحبه ساقط . هذا ثم قال : ولعل الأظهر في الحديث أن لا يضمر المثل ، والمعنى إثم سبابهما على البادىء ، وكان ذلك لئلا يلتزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، والقول : بأنه إذا لم يكن لما قاله غير البادىء إثم ، فيكف يقال : إثم سبابهما ، وكيف يضاف إليه الإثم مشترك الإلزام؟ وتحقيقه أن لما قاله غير البادىء إثماً وليس على البادىء ، وليس بمناف لقوله تعالى : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام : 164 ] لأنه بحمله عليه عدّ جانياً ، وهذا كما ورد فيمن سن سنة حسنة أو سنة سيئة ، نعم فيما نحن فيه العامل لا إثم له إنما هو للحامل ، والحاصل أن سب غير البادىء يترتب عليه شيئان ، أحدهما بالنسبة إلى فاعله وهو ساقط إذا كان على وجه الدفع دون اعتداء ، والثاني : بالنسبة إلى حامله عليه وهو غير ساقط أعني أنه يثبت ابتداءاً لا أنه لا يعفى ، وأورد في «التحقيق» أن ما ذكره من حط الإثم من المظلوم لأنه مكافىء غير صحيح لأنه إذا سب شخص لم يستوف الجزاء إلا بالحاكم ، والجواب أن صريح الحديث يدل على ما ذكر في «الكشاف» ، والجمع بينه وبين الحكم الفقهي أن السب إما أن يكون بلفظ يترتب عليه الحد شرعاً فذلك سبيله الرفع إلى الحاكم ، أو بغير ذلك وحينئذ لا يخلو إما أن يكون كلمة إيحاش أو امتنان أو تفاخر بنسب ونحوه مما يتضمن إزراء بنسب صاحبه من دون شتم كنحو الرمي بالكفر والفسق فله أن يعارضه بالمثل ، ويدل عليه حديث زينب وعائشة رضي الله تعالى عنهما ، وقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة : «دونك فانتصري» أو يتضمن شتماً فذلك أيضاً يرفع إلى الحاكم ليعزره ، والحديث محمول على القسم الذي يجري فيه الانتصار ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «ما لم يعتد المظلوم» يدل عليه لأنه إذا كان حقه الرفع إلى الحاكم فاشتغل بالمعارضة عد متعدياً انتهى ، وهو تفصيل حسن . (4/453)
وقيل : معنى { بِإِثْمِى } بإثم قتلي ، ومعنى { *بإثمك } إثمك الذي كان قبل قتلي ، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وقتادة ومجاهد والضحاك ، وأطلق هؤلاء الإثم الذي كان قبل ، وعن الجبائي والزجاج أنه الإثم الذي من أجله لم يتقبل القربان وهو عدم الرضا بحكم الله تعالى كما مر ، وقيل : معناه بإثم قتلي وإثمك الذي هو قتل الناس جميعاً حيث سننت القتل ، وإضافة الإثم على جميع هذه الأقوال إلى ضمير المتكلم لأنه نشأ من قلبه ، أو هو على تقدير مضاف ولا حاجة إلى تقدير مضاف إليه كما قد قيل به أولاً إلا أنه لا خفاء في عدم حسن المقابلة بين التكلم والخطاب على هذا لأن كلا الإثمين إثم المخاطب ، والأمر فيه سهل ، والجار والمجرور مع المعطوف عليه حال من فاعل { أَن تَبُوء } أي ترجع متلبساً بالإثمين حاملاً لهما ، ولعل مراده بالذات : إنما هو عدم ملابسته للإثم لا ملابسة أخيه إذ إرادة الإثم من آخر غير جائزة ، وقيل : المراد بالإثم : ما يلزمه ويترتب عليه من العقوبة ، ولا يخفى أنه لا يتضح حينئذ تفريع قوله تعالى : { فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار } على تلك الإرادة ، فإن كون المخاطب من أصحاب النار إنما يترتب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلاء بعقوبتهما وهو ظاهر ، وحمل العقوبة على نوع آخر يترتب عليه العقوبة النارية يرده كما قال شيخ الإسلام قوله سبحانه : { وَذَلِكَ * مِنَ الظالمين } فإنه صريح في أن كونه من أصحاب النار تمام العقوبة وكمالها ، والجملة تذييل مقرر لما قبله ، وهي من كلام هابيل على ما هو الظاهر ، وقيل : بل هي إخبار منه تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم . (4/454)
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)
{ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } فسهلته له ووسعته من طاع له المرتع إذا اتسع ، وترتيب التطويع على ما قبله من مقالات هابيل مع تحققه قبل كما يفصح عنه قوله : { لاَقْتُلَنَّكَ } [ المائدة : 27 ] لما أن بقاء الفعل بعد تقرر ما يزيله وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهر لكنه في الحقيقة أمر حادث وصنع جديد ، أو لأن هذه المرتبة من التطويع لم تكن حاصلة قبل ذلك بناءاً على تردده في قدرته على القتل لما أن أخاه كان أقوى منه ، وأنها حصلت بعد وقوفه على استسلامه وعدم معارضته له ، والتصريح بأخوته لكمال تقبيح ما سولته نفسه ، وقرأ الحسن فطاوعت وفيها وجهان : الأول : أن فاعل بمعنى فعل كما ذكره سيبويه وغيره ، وهو أوفق بالقراءة المتواترة ، والثاني : أن المفاعلة مجازية يجعل القتل يدعو النفس إلى الإقدام عليه وجعلت النفس تأباه ، فكل من القتل والنفس كأنه يريد من صاحبه أن يطيعه إلى أن غلب القتل النفس فطاوعته ، و { لَهُ } للتأكيد والتبيين كما في قوله تعالى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [ الشرح : 1 ] . والقول بأنه للاحتراز عن أن يكون طوعت لغيره أن يقتله ليس بشيء . (4/455)
{ فَقَتَلَهُ } أخرج ابن جرير عن ابن مجاهد وابن جريج أن قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فتمثل له إبليس اللعين في هيئة طير فأخذ طيراً فوضع رأسه بين حجرين فشدخه فعلمه القتل فقتله كذلك وهو مستسلم ، وأخرج عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن قابيل طلب أخاه ليقتله فراغ منه في رؤوس الجبال فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن إلى أن بعث الله تعالى الغراب ، وكان لهابيل لما قتل عشرون سنة ، واختلف في موضع قتله ، فعن عمرو الشعباني عن كعب الأخبار أنه قتل على جبل دير المران ، وفي رواية عنه أنه قتل على جبل قاسيون ، وقيل : عند عقبة حراء ، وقيل : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ، وأخرج نعيم بن حماد عن عبد الرحمن بن فضالة أنه لما قتل قابيل هابيل مسخ الله تعالى عقله وخلع فؤاده فلم يزل تائهاً حتى مات ، وروي أنه لما قتله أسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه ، فقال : ما كنت عليه وكيلا ، قال : بل قتلته ولذلك اسود جسدك .
وأخرج ابن عساكر وابن جرير عن سالم بن أبي الجعد قال : إن آدم عليه السلام لما قتل أحد ابنيه الآخر مكث مائة عام لا يضحك حزناً عليه فأتى على رأس المائة ، فقيل له : حياك الله تعالى وبياك وبشر بغلام ، فعند ذلك ضحك ، وذكر محيي السنة أنه عليه السلام ولد له بعد قتل ولده بخمسين سنة شيث عليه السلام ، وتفسيره هبة الله يعني أنه خلف من هابيل ، وعلمه الله تعالى ساعات الليل والنهار وعبادة الخلق من كل ساعة منها وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده ، وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لما قتل ابن آدم عليه السلام أخاه بكى آدم عليه السلام ورثاه بشعر ، وأخرج نحو ذلك الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو مشهور .
وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر رضي الله تعالى عنه أنه قال : من قال : إن آدم عليه السلام قال شعراً فقد كذب إن محمداً صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء ، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم بالسرياني فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان ، وكان يتكلم بالعربية والسريانية ، فنظر فيه فقدم وأخر وجعله شعراً عربياً ، وذكر بعض علماء العربية أن في ذلك الشعر لحناً أو إقواءاً أو ارتكاب ضرورة ، والأولى عدم نسبته إلى يعرب أيضاً لما فيه من الركاكة الظاهرة . (4/456)
{ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين } دنيا وآخرة ، أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل " ، وأخرج ابن جرير والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : «إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم» وورد أنه أحد الأشقياء الثلاثة ، وهذا ونحوه صريح في أن الرجل مات كافراً . وأصرح من ذلك ما روي أنه لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس عليهما اللعنة فقال : إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدمها ويعبدها فإن عبدتها أيضاً حصل مقصودك فبنى بيت نار فعبدها فهو أول من عبد النار ، والظاهر أن عليه أيضاً وزر من يعبد النار بل لا يبعد أن يكون عليه وزر من يعبد غير الله تعالى إلى يوم القيامة ، واستدل بعضهم بقوله سبحانه : { فَأَصْبَحَ } على أن القتل وقع ليلاً وليس بشيء فإن من عادة العرب أن يقولوا : أصبح فلان خاسر الصفقة إذا فعل أمراً ثمرته الخسران ، ويعنون بذلك الحصول مع قطع النظر عن وقت دون وقت ، وإنما لم يقل سبحانه فأصبح خاسراً للمبالغة وإن لم يكن حينئذ خاسر سواه .
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)
{ فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الارض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءةَ أَخِيهِ } أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال : لما قتله ندم فضمه إليه حتى أروح وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله ، وكره أن يأتي به آدم عليه الصلاة والسلام فيحزنه؛ وتحير في أمره إذ كان أول ميت من بني آدم عليه السلام ، فبعث الله تعالى غرابين قتل أحدهما الآخر وهو ينظر إليه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم دفعه برأسه حتى ألقاه في الحفرة ثم بحث عليه برجله حتى واراه ، وقيل : إن أحد الغرابين كان ميتاً . والغراب : طائر معروف ، قيل : والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الحيوان كونه يتشاءم به في الفراق والاغتراب وذلك مناسب لهذه القصة ، وقال بعضهم : إنه كان ملكاً ظهر في صورة الغراب والمستكن في يريه لله تعالى أو للغراب ، واللام على الأول متعلقة ببعث حتماً ، وعلى الثاني بيبحث ويجوز تعلقها ببعث أيضاً ، و { كَيْفَ } حال من الضمير في { يوارى } قدم عليه لأن له الصدر ، وجملة { كَيْفَ يُوَارِى } في محل نصب مفعول ثان ليرى البصرية المتعدية بالهمزة لاثنين وهي معلقة عن الثاني ، وقيل : إن يريه بمعنى يعلمه إذ لو جعل بمعنى الإبصار لم يكن لجملة { كَيْفَ يُوَارِى } موقع حسن ، وتكون الجملة في موقع مفعولين له وفيه نظر ، و البحث في الأصل التفتيش عن الشيء مطلقاً أو في التراب ، والمراد به هنا الحفر ، والمراد بالسوأة جسد الميت وقيده الجبائي بالمتغير ، وقيل : العورة لأنها تسوء ناظرها ، وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها لأن سترها آكد ، والأول أولى ، ووجه التسمية مشترك ، وضمير { أَخِيهِ } عائد على المبحوث عنه لا على الباحث كما توهم ، وبعثة الغراب كانت من باب الإلهام إن كان المراد منه المتبادر ، وبعثة حقيقة إن كان المراد منه ملكاً ظهر على صورته ، وعلى التقديرين ذهب أكثر العلماء إلى أن الباحث وارى جثته وتعلم قابيل ، ففعل مثل ذلك بأخيه ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن مسعود وغيرهما ، وذهب الأصم إلى أن الله تعالى بعث من بعثه فبحث في الأرض ووارى هابيل ، فلما رأى قابيل ما أكرم الله تعالى به أخاه : (4/457)
{ قَالَ يَاءادَمُ } كلمة جزع وتحسر ، والويلة كالويل الهلكة كأن المتحسر ينادي هلاكه وموته ويطلب حضوره بعد تنزيله منزلة من ينادي ، ولا يكون طلب الموت إلا ممن كان في حال أشدّ منه ، والألف بدل من ياء المتكلم أي يا ويلتى ، وبذلك قرأ الحسن احضري فهذا أوانك { ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب } تعجب من عجزه عن كونه مثله لأنه لم يهتد إلى ما اهتدى إليه مع كونه أشرف منه { فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِى } عطف على { أَكُونَ } وجعله في «الكشاف» منصوباً في جواب الاستفهام ، واعترضه كثير من المعربين ، وقال أبو حيان : { أَنَّهُ * ءاتيناهم كتابا مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على ءاثارهم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على ءاثارهم مُّقْتَدُونَ * قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ } ، وأجاب في «الكشف» بأن الاستفهام للإنكار التوبيخي ، ومن باب أتعصي ربك فيعفو عنك ، بالنصب لينسحب الإنكار على الأمرين ، وفيه تنبيه على أنه في العصيان وتوقع العفو مرتكب خلاف المعقول ، فإذا رفع كان كلاماً ظاهرياً في انسحاب الإنكار ، وإذا نصب جاءت المبالغة للتعكيس حيث جعل سبب العقوبة سبب العفو ، وفيما نحن فيه نعى على نفسه عجزها فنزلها منزلة من جعل العجز سبب المواراة دلالة على التعكيس المؤكد للعجز والقصور عما يهتدي إليه غراب ، ثم قال : فإن قلت : الإنكار التوبيخي إنما يكون على واقع أو متوقع ، فالتوبيخ على العصيان والعجز له وجه ، أما على العفو والمواراة فلا قلت : التوبيخ على جعل كل واحد سبباً ، أو تنزيله منزلة من جعله سبباً لا على العفو والمواراة فافهم انتهى ، ولعل الأمر بالفهم إشارة إلى ما فيه من البعد ، وقيل : في توجيه ذلك أن الاستفهام للإنكار وهو بمعنى النفي وهو سبب ، والمعنى إن لم أعجز واريت ، واعترض بأنه غير صحيح لأنه لا يكفي في النصب سببية النفي بل لا بد من سببية المنفي قبل دخول النفي ، ألا ترى أن ما تأتينا فتحدثنا مفسر عندهم بأنه لا يكون منك إتيان فتحديث ، قال الشهاب : والجواب عنه أنه فرق بين ما نصب في جواب النفي وما نصب في جواب الاستفهام ، والكلام في الثاني ، فكيف يرد الأول نقضاً ، ولو جعل في جواب النفي لم يرد ما ذكره أيضاً لأنه لا حاجة إلى أخذ النفي من الاستفهام الإنكاري مع وضوح تأويل عجزت بلم اهتد ، وقد قال في التسهيل : إنه ينتصب في جواب النفي الصريح والمؤول ، وما نحن فيه من الثاني حكمه فتأمل انتهى .
ولعل الأمر بالتأمل الإشارة إن ما في دعوى الفرق بين الاستفهام الإنكاري الذي هو بمعنى النفي ، والنفي من الخفاء ، وكذا في تأويل عجزت بلم أهتد هنا فليفهم ، وقرىء { أَعَجَزْتُ } بكسر الجيم وهو لغة شاذة في عجز ، وقرىء فأواري بالسكون على أنه مستأنف وهم يقدرون المبتدأ لإيضاح القطع عن العطف ، أو معطوف إلا أنه سكن للتخفيف كما قاله غير واحد ، واعترضه في «البحر» { بِأَنَّ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا أَبَداً رّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ * إِذَا زُلْزِلَتِ الارض زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الارض أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا } انتهى ، وعلى دعوى الضرورة منع ظاهر ، فإن تسكين المنصوب في كلامهم كثير ، وادعى المبرد أن ذلك من الضرورات الحسنة التي يجوز مثلها في النثر . (4/458)
{ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } أي صار معدوداً من عدادهم ، وكان ندمه على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره . وحمله على رقبته أربعين يوماً أو سنة أو أكثر على ما قيل وتلمذة الغراب فإنها إهانة ولذا لم يلهم من أول الأمر ما ألهم واسوداد وجهه وتبرىء أبويه منه لا على الذنب إذ هو توبة . (4/459)
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
{ مِنْ أَجْلِ ذلك } أي ما ذكر في تضاعيف القصة ، و { مِنْ } ابتدائية متعلقة بقوله تعالى : { كَتَبْنَا } أي قضينا ، وقيل : بالنادمين وهو ظاهر ما روي عن نافع ، و { كَتَبْنَا } استئناف ، واستبعده أبو البقاء وغيره . و الأجل بفتح الهمزة وقد تكسر ، وقرىء به لكن بنقل الكسرة إلى النون كما قرىء بنقل الفتحة إليها في الأصل الجناية يقال : أجل عليهم شراً إذا جنى عليهم جناية ، وفي معناه جرّ عليهم جريرة ، ثم استعمل في تعليل الجنايات ، ثم اتسع فيه فاستعمل لكل سبب أي من ذلك ابتداء الكتب ومنه نشأ لا من غيره . { على بَنِى إسراءيل } وتخصيصهم بالذكر لما أن الحسد كان منشأ لذلك الفساد وهو غالب عليهم . وقيل : إنما ذكروا دون الناس لأن التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل ، ومع ذلك كانوا أشد طغياناً فيه وتمادياً حتى قتلوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكأنه قيل : بسبب هذه العظيمة كتبنا في التوراة تعظيم القتل ، وشددنا عليهم وهم بعد ذلك لا يبالون . ومن هنا تعلم أن هذه الآية لا تصلح كما قال الحسن والجبائي وأبو مسلم على أن ابني آدم عليه السلام كانا من بني إسرائيل ، على أن بعثة الغراب الظاهر في التعليم المستغني عنه في وقتهم لعدم جهلهم فيه بالدفن تأبى ذلك { أَنَّهُ } أي الشأن { مَن قَتَلَ نَفْساً } واحدة من النفوس الإنسانية { بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص ، والباء للمقابلة متعلقة بقتل ، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالاً أي متعدياً ظالماً { أَوْ فَسَادٍ فِى الارض } أي فساد فيها يوجب هدر الدم كالشرك مثلاً ، وهو عطف على ما أضيف إليه غير والنفي هنا وارد على الترديد لأن إباحة القتل مشروطة بأحد ما ذكر من القتل والفساد ، ومن ضرورته اشتراط حرمته بانتفائهما معا فكأنه قيل : من قتل بغير أحدهما : (4/460)
{ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً } لاشتراك الفعلين في هتك حرمة الدماء والاستعصاء على الله تعالى والتجبر على القتل في استتباع القود واستجلاب غضب الله تعالى العظيم . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أن هذا التشبيه عند المقتول كما أن التشبيه الآتي عند المستنقذ ، والأول أولى وأنسب للغرض المسوق له التشبيه ، وقرىء أو فساداً بالنصب بتقدير أو عمل فساداً أو فسد فساداً { وَمَنْ أحياها } أي تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من القتل والفساد إما بنهي قاتلها عن قتلها . أو استنقاذها من سائر أسباب الهلكة بوجه من الوجوه { فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } ، وقيل : المراد ومن أعان على استيفاء القصاص فكأنما الخ ، و { مَا } في الموضعين كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها ، و { جَمِيعاً } حال من { الناس } أو تأكيد ، وفائدة التشبيه الترهيب والردع عن قتل نفس واحدة بتصويره بصورة قتل جميع الناس ، والترغيب والتحضيض على إحيائها بتصويره بصورة إحياء جميع الناس .
{ وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات } أي الآيات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيداً لوجوب مراعاته وتأييداً لتحتم المحافظة عليه . والجملة مستقلة غير معطوفة على { كَتَبْنَا } وأكدت بالقسم لكمال العناية بمضمونها ، وإنما لم يقل ولقد أرسلنا إليهم الخ للتصريح بوصول الرسالة إليهم فإنه أدل على تناهيهم في العتو والمكابرة . { ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك } المذكور من الكتب وتأكيد الأمر بالإرسال ، ووضع اسم الإشارة موضع الضمير للإيذان بكمال تميزه وانتظامه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة ، وما فيه من معنى البعد للإيماء إلى علو درجته وبعد منزلته في عظم الشأن ، و { ثُمَّ } للتراخي في الرتبة والاستبعاد { فِى الارض } متعلق بقوله تعالى : { لَمُسْرِفُونَ } وكذا بعد فيما قبل ، ولا تمنع اللام المزحلقة من ذلك ، والإسراف في كل أمر التباعد عن حدّ الاعتدال مع عدم مبالاة به ، والمراد مسرفون في القتل غير مبالين به ولما كان إسرافهم في أمر القتل مستلزماً لتفريطهم في شأن الإحياء وجوداً وعدماً وكان هو أقبح الأمرين وأفظعهما اكتفى في ذكره في مقام التشنيع المسوق له الآي ، وعن الكلبي أن المراد مجاوزون حدّ الحق بالشرك ، وقيل : إن المراد ما هو أعم من الإسراف بالقتل والشرك وغيرهما ، وإنما قال سبحانه : { وَإِنَّ كَثِيرًا * مِنْهُمْ } لأنه عز شأنه على ما في الخازن علم أن منهم من يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم قليل من كثير ، وذكر الأرض مع أن الإسراف لا يكون إلا فيها للإيذان بأن إسراف ذلك الكثير ليس أمراً مخصوصاً بهم بل انتشر شره في الأرض وسرى إلى غيرهم ، ولما بين سبحانه عظم شأن القتل بغير حق استأنف بيان حكم نوع من أنواع القتل وما يتعلق به من الفساد بأخذ المال ونظائره وتعيين موجبه ، وأدرج فيه بيان ما أشير إليه إجمالاً من الفساد المبيح للقتل ، فقال جل شأنه : (4/461)
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)
{ إِنَّمَا * جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } ذهب أكثر المفسرين كما قال الطبرسي ، وعليه جملة الفقهاء إلى أنها نزلت في قطاع الطريق ، والكلام كما قال الجصاص على حذف مضاف أي يحاربون أولياء الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فهو كقوله تعالى : { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ الأحزاب : 57 ] ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا مرتدين بإظهار محاربته ومخالفته عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر الله تعالى للتمهيد والتنبيه على رفعة محله عليه الصلاة والسلام عنده عز وجل ، ومحاربة أهل شريعته وسالكي طريقته من المسلمين محاربة له صلى الله عليه وسلم فيعم الحكم من يحاربهم بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ولو بأعصار كثيرة بطريق العبارة لا بطريق الدلالة أو القياس كما يتوهم ، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص بالمكلفين حين النزول ويحتاج في تعميمه إلى دليل آخر على ما تحقق في الأصول ، وقيل : ليس هناك مضاف محذوف وإنما المراد محاربة المسلمين إلا أنه جعل محاربتهم محاربة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم تعظيماً له وترفيعاً لشأنهم ، وجعل ذكر الرسول على هذا تمهيداً على تمهيد ، وفيه ما لا يخفى ، والحرب في الأصل السلب والأخذ ، يقال : حربه إذا سلبه ، والمراد به ههنا قطع الطريق؛ وقيل : الهجوم جهرة بالصوصية وإن كان في مصر { وَيَسْعَوْنَ } عطف على يحاربون ، وبه يتعلق قوله تعالى : { فِى الارض } ، وقيل : بقوله سبحانه : { فَسَاداً } وهو إما حال من فاعل { يَسْعَوْنَ } بتأويله بمفسدين . أو ذوي فساد . أو لا تأويل قصداً للمبالغة كما قيل ، وإما مفعول له أي لأجل الفساد ، وإما مصدر مؤكد ليسعون لأنه في معنى يفسدون ، و { فَسَاداً } إما مصدر حذف منه الزوائد أو اسم مصدر ، وقوله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاء } مبتدأ خبره المنسبك من قوله تعالى : { أَن يُقَتَّلُواْ } أي حداً من غير صلب إن أفردوا القتل ، ولا فرق بين أن يكون بآلة جارحة أولاً ، والاتيان بصيغة التفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص من أنه لكونه حق الشرع لا يسقط بعفو الولي ، وكذا التصليب في قوله سبحانه : { أَوْ يُصَلَّبُواْ } لما فيه من القتل أي يصلبوا مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ وقيل : صيغة التفعيل في الفعلين للتكثير ، والصلب قبل القتل بأن يصلبوا أحياءاً وتبعج بطونهم برمح حتى يموتوا ، وأصح قولي الشافعي عليه الرحمة أن الصلب ثلاثاً بعد القتل ، قيل : إنه يوم واحد . (4/462)
وقيل : حتى يسييل صديده ، والأولى أن يكون على الطريق في ممر الناس ليكون ذلك زجراً للغير عن الاقدام على مثل هذه المعصية .