صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
{ أَن صَدُّوكُمْ } بفتح الهمزة بتقدير اللام على أنه علة للشنآن أي لأن صدوكم عام الحديبية ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أن ( أن ) شرطية ، وما قبلها دليل الجواب ، أو الجواب على القول المرجوح بجواز تقدمه ، وأورد على ذلك أنه لا صد بعد فتح مكة . وأجيب بأنه للتوبيخ على أن الصدّ السابق على فتح مكة مما لا يصح أن يكون وقوعه إلا على سبيل الفرض ، وذلك كقوله تعالى : { أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } [ الزخرف : 5 ] وجوز أن يكون بتقدير إن كانوا قد صدوكم ، وأن يكون على ظاهره إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم بعد ظهور الإسلام وقوته ، ويعلم منه النهي عن ذلك باعتبار الصد السابق بالطريق الأولى { عَنِ المسجد الحرام } أي عن زيارته والطواط به للعمرة ، وهذه كما قال شيخ الإسلام آية بينة في عموم آمّين للمشركين قطعاً ، وجعلها البعض دليلاً على تخصيصه بهم { أَن تَعْتَدُواْ } أي عليهم ، وحذف تعويلاً على الظهور ، وإيماءاً إلى أن المقصد الأصلي منع صدور الاعتداء من المخاطبين محافظة على تعظيم الشعائر لا منع وقوعه على القوم مراعاة لجانبهم ، وأن على حذف الجار أي على أن تعتدوا ، والمحل بعده إما جر ، أو نصب على المذهبين أي لا يحملنكم بغض قوم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفي ، أو لا حذف ، والمنسبك ثاني مفعولي يجرمنكم أي لا يكسبنكم ذلك اعتداؤكم ، وهذا على التقديرين وإن كان بحسب الظاهر نهياً للشنآن عما نسب إليه لكنه في الحقيقة نهي لهم عن الاعتداء على أبلغ وجه وآكده ، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسببية ، ويقال : لا أرينك ههنا والمقصود نهى المخاطب على الحضور . (4/369)
ووجه العلامة الطيبي الاعتراض بقوله تعالى : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا } بين ما تقدم وبين هذا النهي المتعلق به ليكون إشارة وإدماجاً إلى أن القاصدين ما داموا محرمين مبتغين فضلاً من ربهم كانوا كالصيد عند المحرم فلا تتعرضوهم ، وإذا حللتم أنتم وهم فشأنكم وإياهم لأنهم صاروا كالصيد المباح أبيح لكم تعرضهم حينئذ . وقال شيخ الإسلام : لعل تأخير هذا النهي عن ذلك مع ظهور تعلقه بما قبله للإيذان بأن حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء حرمة الاصطياد به بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتهم عن الشعائر بالكلية ، وبذلك يعلم بقاء حرمة التعرض لسائر الآمّين بالطريق الأولى ، ولعله الأولى .
{ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } عطف على { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } من حيث المعنى كأنه قيل : لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأجل أن صددتم عنه وتعاونوا على العفو والإغضاء . وقال بعضهم : هو استئناف والوقف على أن تعتدوا لازم ، واختار غير واحد أن المراد بالبر متابعة الأمر مطلقاً ، وبالتقوى اجتناب الهوى لتصير الآية من جوامع الكلم وتكون تذييلاً للكلام ، فيدخل في البر والتقوى جميع مناسك الحج ، فقد قال تعالى : { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب } [ الحج : 32 ] ويدخل العفو والإغضاء أيضاً دخولاً أولياً ، وعلى العموم أيضاً حمل قوله تعالى : { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } فيعم النهي كل ماهو من مقولة الظلم والمعاصي ، ويندرج فيه النهي عن التعاون على الاعتداء والانتقام . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وأبي العالية أنهما فسرا الإثم بترك ما أمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه ، والعدوان بمجاوزة ما حده سبحانه لعباده في دينهم وفرضه عليهم في أنفسهم ، وقدمت التحلية على التخلية مسارعة إلى إيجاب ما هو المقصود بالذات . (4/370)
وقوله تعالى : { واتقوا الله } أمر بالاتقاء في جميع الأمور التي من جملتها مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي ، ويثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهاني .
{ أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن لا يتفيه ، وهذا في موضع التعليل لما قبله ، وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة .
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)
{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } شروع في بيان المحرمات التي أشير إليها بقوله سبحانه : { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } [ المائدة : ا ] والمراد تحريم أكل الميتة ، هي ما فارقه الروح حتف أنفه من غير سبب خارج عنه { والدم } أي المسفوح منه وكان أهل الجاهلية يجعلونه في المباعر ويشوونه ويأكلونه ، وأما الدم غير المسفوح كالكبد فمباح ، وأما الطحال فالأكثرون على إباحته ، وأجمعت الإمامية على حرمته ، ورويت الكراهة فيه عن علي كرم الله تعالى وجهه . وابن مسعود رضي الله تعالى عنه { وَلَحْمَ الخنزير } إقحام اللحم لما مر ، وأخذ داود . وأصحابه بظاهره فحرموا اللحم وأباحوا غيره ، وظاهر العطف أنه حرام حرمة غيره ، وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة أنه قال : «من أكل لحم الخنزير عرضت عليه التوبة فإن تاب وإلا قتل» وهو غيرب ، ولعل ذلك لأن أكله صار اليوم من علامات الكفر كلبس الزنار ، وفيه تأمل { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } أي رفع الصوت لغير الله تعالى عند ذبحه ، والمراد بالاهلال هنا ذكر ما يذبح له كاللات . والعزى { والمنخنقة } قال السدى : هي التي يدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت ، وقال الضحاك . وقتادة : هي التي تختنق بحبل الصائد فتموت . (4/371)
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان أهل الجاهلية يخنقون البهيمة ويأكلونها فحرم ذلك على المؤمنين ، والأولى أن تحمل على التي ماتت بالخنق مطلقاً { والموقوذة } أي التي تضرب حتى تموت ، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقتادة . والسدى ، وهو من وقذته بمعنى ضربته ، وأصله أن تضربه حتى يسترخي ، ومنه وقذه النعاس أي غلب عليه { والمتردية } أي التي تقع من مكان عال أو في بئر فتموت { والنطيحة } أي التي ينطحها غيرها فتموت ، وتاؤها للنقل فلا يرد أن فعيل بمعنى مفعول لا يدخله التاء ، وقال بعض الكوفيين : إن ذلك حيث ذكر الموصوف مثل كف خضيب . وعين كحيل وأما إذا حذف فيجوز دخول التاء فيه ، ولا حاجة إلى القول بأنها للنقل ، وقرىء والمنطوحة { وَمَا أَكَلَ السبع } أي ما أكل منه السبع فمات؛ وفسر بذلك لأن ما أكله كله لا يتعلق به حكم ولا يصح أن يستثنى منه قوله تعالى : { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } أي إلا ما أدركتموه وفيه بقية حياة يضطرب اضطراب المذبوح وذكيتموه ، وعن السيدين السندين الباقر . والصادق رضي الله تعالى عنهما أن أدنى ما يدرك به الذكاة أن يدركه وهو يحرك الأذن . أو الذنب . أو الجفن ، وبه قال الحسن . وقتادة . وإبراهيم . وطاوس . والضحاك . وابن زيد ، وقال بعضهم : يشترط الحياة المستقرة وهي التي لا تكون على شرف الزوال وعلامتها على ما قيل : أن يضطرب بعد الذبح لا وقته ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه .
وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الاستثناء راجع إلى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل الذكاة من الميتة . والدم . والخنزير . وما أكل السبع على تقدير إبقائه على ظاهره ، وقيل : هو استثناء من التحريم لا من المحرمات ، والمعنى حرم عليكم سائر ما ذكر لكن ما ذكيتم مما أحله الله تعالى بالتذكية فإنه حلال لكم . (4/372)
وروي ذلك عن مالك . وجماعة من أهل المدينة ، واختاره الجبائي ، والتذكية في الشرع قطع الحلقوم والمريء بمحدد ، والتفصيل في الفقه ، واستدل بالآية على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما صادته لم يحل .
وقرأ الحسن : { السبع } بسكون الباء ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأكيل السبع .
{ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } جمع نصاب كحمر . وحمار ، وقيل : واحد الأنصاب كطنب وأطناب ، واختلف فيها فقيل هي حجارة كانت حول الكعبة وكانت ثلثمائة وستين حجراً ، وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها فعلى على أصلها ، ولعل ذبحهم عليها كان علامة لكونه لغير الله تعالى؛ وقيل : هي الأصنام لأنها تنصب فتعبد من دون الله تعالى ، و { على } إما بمعنى اللام ، أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأصنام .
واعترض بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله سبحانه : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } والأمر في ذلك هين ، والموصول معطوف على المحرمات ، وقرىء { النصب } بضم النون وتسكين الصاد تخفيفاً ، وقرىء بفتحتين ، وبفتح فسكون { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ } جمع زلم كجمل أو زلم كصرد وهو القدح ، أي وحرم عليكم الاستقسام بالاقداح وذلك أنهم كما روي عن الحسن . وغيره إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح ، مكتوب على أحدها أمرني ربي ، وعلى الثاني نهاني ربي . وأبقوا الثالث غفلاً لم يكتب عليه شيء فإن خرج الآمر مضوا لحاجتهم ، وإن خرج الناهي تجنبوا ، وإن خرج الغفل أجالوها ثانياً ، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم بالأزلام ، واستشكل تحريم ما ذكر بأنه من جملة التفاؤل ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل .
وأجيب بأنه كان استشارة مع الأصنام واستعانة منهم كما يشير إلى ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أنهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيت أصنامهم وفعلوا ما فعلوا فلهذا صار حراماً ، وقيل : لأن فيه افتراء على الله تعالى إن أريد بربي الله تعالى ، وجهالة وشركاً إن أريد به الصنم ، وقيل : لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به ، واعترض بأنا لا نسلم أن الدخول في علم الغيب حرام ، ومعنى استئثار الله تعالى بعلم الغيب انه لا يعلم إلا منه ، ولهذا صار استعلام الخير والشر من المنجمين والكهنة ممنوعاً حراماً بخلاف الاستخارة من القرآن فإنه استعلام من الله تعالى ، ولهذا أطبقوا على جوازها .
ومن ينظر في ترتيب المقدمات أو يرتاض فهو لا يطلب إلا علم الغيب منه سبحانه فلو كان طلب علم الغيب حراماً لا نسد طريق الفكر والرياضة ، ولا قائل به . (4/373)
وقال الإمام رحمه الله تعالى : لو لم يجز طلب علم الغيب لزم أن يكون علم التعبير كفراً لأنه طلب للغيب ، وأن يكون أصحاب الكرامات المدعون للالهامات كفاراً ، ومعلوم أن كل ذلك باطل ، وتعقب القول بجواز الاستخارة بالقرآن بأنه لم ينقل فعلها عن السلف ، وقد قيل : إن الإمام مالكاً كرهها . وأما ما في فتاوي الصوفية نقلاً عن الزندوستي من أنه لا بأس بها وأنه قد فعلها علي كرم الله تعالى وجهه . ومعاذ رضي الله تعالى عنه .
/ وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : من أراد أن يتفاءل بكتاب الله تعالى فليقرأ { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] سبع مرات ، وليقل ثلاث مرات : اللهم بكتابك تفاءلت ، وعليك توكلت ، اللهم أرني في كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون في غيبك ، ثم يتفاءل بأول الصحيفة ففي النفس منه شيء .
وفي كتاب الأحكام للجصاص أن الآية تدل على بطلان القرعة في عتق العبيد لأنها في معنى ذلك بعينه إذا كان فيها إثبات ما أخرجته القرعة من غير استحقاق كما إذا أعتق أحد عبيده عند موته على ما بين في الفقه ، ولا يرد أن القرعة في جازت في قسمة الغنائم مثلاً ، وفي إخراج النساء لأنا نقول : إنها فيما ذكر لتطييب النفوس والبراءة من التهمة في إيثار البعض ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة ، وأما الحرية الواقعة على واحد من العبيد فيما نحن فيه فغير جائز نقلها عنه إلى غيره ، وفي استعمال القرعة النقل ، وخالف الشافعي في ذلك ، فجوز القرعة في العتق كما جوزها في غيره ، وظواهر الأدلة معه وتحقيق ذلك في موضعه .
والحق عندي أن الاستقسام الذي كان يفعله أهل الجاهلية حرام بلا شبهة كما هو نص الكتاب ، وأن حرمته ناشئة من سوء الاعتقاد ، وأنه لا يخلو عن تشاؤم ، وليس بتفاؤل محض ، وإن مثل ذلك ليس من الدخول في علم الغيب أصلاً بل هو من باب الدخول في الظن ، وأن الاستخارة بالقرآن مما لم يرد فيها شيء يعول عليه عن الصدر الأول ، وتركها أحب إلي لا سيما وقد أغنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها بما سن من الاستخارة الثابتة في غير ما خبر صحيح ، وأن تصديق المنجمين فيما ليس من جنس الخسوف والكسوف مما يخبرون به من الحوادث المستقبلة محظور وليس من علم الغيب ولا دخولاً فيه ، وإن زعمه الزجاج لبنائه على الأسباب ، ونقل الشيخ محيي الدين النووي في «شرح مسلم» عن القاضي كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب .
أحدها : أن يكون للإنسان رئي من الجن يخبره به بما يسترقه من السمع من السماء ، وهذا القسم بطل من حين بعث الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم الثاني : أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد ، وهذا لا يبعد وجوده ، ونفت المعتزلة . وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما ، ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده لكنهم يصدقون ويكذبون ، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام ، الثالث : المنجمون وهذا الضرب بخلق الله تعالى في بعض الناس قوة مّا لكن الكذب فيه أغلب ، ومن هذا الفن العرافة فصاحبها عرّاف وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها كالزجر . والطرق بالحصى وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة ، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم انتهى . (4/374)
ولعل النهي عن ذلك لغلبة الكذب في كلامهم ولأن في تصديقهم فتح باب يوصل إلى لظى إذ قد يجر إلى تعطيل الشريعة والطعن فيها لا سيما من العوام ، واستثناء ما هو من جنس الكسوف والخسوف لندرة خطئهم فيه بل لعدمه إذا أمكنوا الحساب ، ولا كذلك ما يخبرون به من الحوادث إذ قد بنوا ذلك على أوضاع السيارات بعضها مع بعض ، أو مع بعض الثوابت ولا شك أن ذلك لا يكفي في الغرض والوقوف على جميع الأوضاع ، وما تقتضيه مما يتعذر الوقوف عليه لغير علام الغيوب فليفهم ، وقيل : المراد بالاستقسام استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة أي طلب قسم من الجزور أو ما قسمه الله تعالى له منه ، وهذا هو الميسر وقد تقدم بيانه ، وروى ذلك علي بن إبراهيم عن الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم ، ورجح بأنه يناسب ذكره مع محرمات الطعام ، وروي عن مجاهد أنه فسر الأزلام بسهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها .
/ وعن وكيع أنها أحجار الشطرنج { ذلكم } أي الاستقسام بالأزلام ، ومعنى البعد فيه الإشارة إلى بعد منزلته في الشر { فِسْقٌ } أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته لما أشرنا إليه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن { ذلكم } إشارة إلى تناول جميع ما تقدم من المحرمات المعلوم من السياق { اليوم } أي الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية ، وقيل : يوم نزول الآية ، وروي ذلك عن ابن جريج . ومجاهد . وابن زيد ، وكان كما رواه الشيخان عن عمر رضي الله تعالى عنه عصر يوم الجمعة عرفة حجة الوداع ، وقيل : يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع ، وقيل : سنة ثمان ، وهو منصوب على الظرفية بقوله تعالى : { يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } والياس انقطاع الرجاء وهو ضد الطمع .
والمراد انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها ، أو من أن يعلبوكم عليه لما شاهدوا أن الله تعالى وفي بوعده حيث أظهره على الدين كله . (4/375)
وروي أنه لما نزلت الآية نظر صلى الله عليه وسلم في الموقف فلم ير إلا مسلماً ، ورجح هذا الاحتمال بأنه الأنسب بقوله سبحانه : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أن يظهروا عليكم وهو متفرع عن اليأس { واخشون } أن أحل بكم عقابي إن خالفتم أمري وارتكبتم معصيتي { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } بالنصر والإظهار لأنهم بذلك يجرون أحكام الدين من غير مانع وبه تمامه ، وهذا كما تقول : تم لي الملك إذا كفيت ما تخافه ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وعن ابن عباس . والسدى أن المعنى اليوم أكملت لكم حدودي . وفرائضي . وحلالي . وحرامي بتنزيل ما أنزلت . وبيان ما بينت لكم فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم ، وكان يوم عرفة عام حجة الوداع ، واختاره الجبائي . والبلخي . وغيرهما ، وادعوا أنه لم ينزل بعد ذلك شيء من الفرائض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحليل ولا تحريم ، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يلبث بعد سوى أحد وثمانين يوماً ، ومضى روحي فداه إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم .
وفهم عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع الآية نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عنترة « أن عمر رضي الله تعالى عنه لما نزلت الآية بكى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك؟ قال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص فقال عليه الصلاة والسلام : صدقت » ولا يحتج بها على هذا القول على إبطال القياس كما زعم بعضهم لأن المراد إكمال الدين نفسه بيان ما يلزم بيانه ، ويستنبط منه غيره والتنصيص على قواعد العقائد ، والتوقيف على أصول الشرع وقوانين الاجتهاد ، وروي عن سعيد بن جبير . وقتادة أن المعنى { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ } حجكم وأقررتكم بالبلد الحرام تحجونه دون المشركين واختاره الطبري وقال : يرد على ما روي عن ابن عباس . والسدي رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى أنزل بعد ذلك آية الكلالة وهي آخر آية نزلت ، واعترض بالمنع ، وتقديم الجار للإيذان من أول الأمر بأن الإكمال لمنفعتهم ومصلحتهم ، وفيه أيضاً تشويق إلى ذكر المؤخر كما في قوله تعالى : { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } وليس الجار فيه متعلقاً بنعمتي لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله ، وقيل : متعلق به ولا بأس بتقدم معمول المصدر إذا كان ظرفاً ، وإتمام النعمة على المخاطبين بفتح مكة ، ودخولها آمنين ظاهرين ، وهدم منار الجاهلية ومناسكها ، والنهي عن حج المشركين وطواف العريان ، وقيل : بإتمام الهداية والتوفيق باتمام سببهما ، وقيل : بإكمال الدين ، وقيل : بإعطائهم من العلم والحكمة ما لم يعطه أحداً قبلهم ، وقيل : معنى { أَتْمَمْتَ * عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } أنجزت لكم وعدي بقوله سبحانه : { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } { وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً } أي اخترته لكم من بين الأديان ، وهو الدين عند الله تعالى لا غير وهو المقبول وعليه المدار .
وأخرج ابن جبير عن قتادة قال : «ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة ، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير حتى يجيء الإسلام فيقول : رب أنت السلام وأنا الإسلام ، فيقول : إياك اليوم أقبل وبك اليوم أجزي» وقد نظر في الرضا معنى الاختيار ولذي عدى باللام ، ومنهم من جعل الجار صفة لدين قدم عليه فانتصب حالا ، و { الإسلام } و { دِينًا } مفعولاً { *رضيت } إن ضمن معنى صير ، أو { الإسلام دِينًا } منصوب على الحالية من الإسلام ، أو تميين من { لَكُمْ } والجملة على ما ذهب إليه الكرخي مستأنفة لا معطوفة على { أَكْمَلْتُ } وإلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرضى لهم الإسلام قبل ذلك اليوم ديناً ، وليس كذلك إذ الإسلام لم يزل ديناً مرضياً لله تعالى . وللنبي صلى الله عليه وسلم . وأصحابه رضي الله تعالى عنهم منذ شرع . والجمهور على العطف ، وأجيب عن التقييد بأن المراد برضاه سبحانه حكمه جل وعلا باختياره حكماً أبدياً لا ينسخ وهو كان في ذلك اليوم ، وأخرج الشيعة عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه في غدير خم : من كنت مولاه فعلى مولاه فلما نزلت قال عليه الصلاة والسلام : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضاء الرب برسالتي وولاية علي كرم الله تعالى وجهه بعدي ، ولا يخفى أن هذا من مفترياتهم ، وركاكة الخبر شاهدة على ذلك في مبتدأ الأمر ، نعم ثبت عندنا أنه صلى الله عليه وسلم قال في حق الأمير كرم الله تعالى وجهه هناك : من كنت مولاه فعلى مولاه وزاد على ذلك كما في بعض الروايات لكن لا دلالة في الجميع على ما يدعونه من الإمامة الكبرى والزعامة العظمى كما سيأتي إن شاء الله تعالى غير بعيد . (4/376)
وقد بسطنا الكلام عليه في كتابنا النفحات القدسية في رد الإمامية ولم يتم إلى الآن ونسأل الله تعالى إتمامه ، ورواياتهم في هذا الفصل ينادي لفظها على وضعها ، وقد أكثر منها يوسف إلا والى عليه ما عليه { فَمَنِ اضطر } متصل بذكر المحرمات وما بينهما ، وهو سبع جمل على ما قال الطيبي اعتراض بما يوجب التجنب عنها ، وهو أن تناولها فسق عظيم ، وحرمتها في جملة الدين الكامل .
والنعمة التامة . والإسلام المرضى ، والاضطرار الوقوع في الضرورة ، أي فمن وقع في ضرورة تناول شيء من هذه المحرمات { فِى مَخْمَصَةٍ } أي مجاعة تخمص لها البطون أن تضمر يخاف معها الموت أو مباديه { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } أي غير مائل ومنحرف إليه ومختار له بأن يأكل منها زائداً على ما يمسك رمقه ، فإن ذلك حرام كما روي عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة رضي الله تعالى عنهم وبه قال أهل العراق ، وقال أهل المدينة : يجوز أن يشبع عند الضرورة ، وقيل : المراد غير عاص بأن يكون باغياً ، أو عادياً بأن ينتزعها من مضطر آخر أو خارجاً في معصيته ، وروي هذا أيضاً عن قتادة { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يؤاخذه بأكله وهو الجواب في الحقيقة ، وقد أقيم سببه مقامه ، وقيل : إنه مقدر في الكلام . (4/377)
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)
{ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا * أُحِلَّ لَهُمْ } شروع في تفصيل المحللات التي ذكر بعضها على وجه الإجمال إثر بيان المحرمات ، أخرج ابن جرير . والبيهقي في سننه . وغيرهما عن أبي رافع قال : «جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ فأخذ رداءه فخرج إليه وهو قائم بالباب فقال عليه الصلاة والسلام : قد أذنا لك قال : أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو ، قال أبو رافع : فأمرني صلى الله عليه وسلم أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت ، وجاء الناس فقالوا : يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى يسألونك الآية2 . (4/378)
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن السائل عاصم بن عدي . وسعد بن خيثمة . وعويم بن ساعدة ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن السائل عدي بن حاتم . وزيد بن المهلهل الطائيان ، وقد ضمن السؤال معنى القول ، ولذا حكيت به الجملة كما تحكى بالقول ، وليس معلقاً لأنه وإن لم يكن من أفعال القلوب لكنه سبب للعلم وطريق له ، فيعلق كما يعلق خلافاً لأبي حيان ، فاندفع ما قيل : إن السؤال ليس مما يعمل في الجمل ويتعدى بحرف الجر ، فيقال : سئل عن كذا ، وادعى بعضهم لذلك أنه بتقدير مضاف أي جواب ماذا ، والأول مختار الأكثرين ، وضمير الغيبة دون ضمير المتكلم الواقع في كلامهم لما أن يسألون بلفظ الغيبة كما تقول : أقسم زيد ليضربن ، ولو قلت : لأضربن جاز ، والمسؤول نظراً للكلام السابق ما أحل من المطاعم والمآكل ، وقيل : إن المسؤول ما أحل من الصيد والذبائح { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } أي ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه ، وإلى ذلك ذهب البلخي ، وعن أبي علي الجبائي . وأبي مسلم هي ما أذن سبحانه في أكله من المأكولات والذبائح والصيحد ، وقيل : ما لم يرد بتحريمه نص أو قياس ، ويدخل في ذلك الإجماع إذ لا بد من استناده لنص وإن لم نقف عليه ، والطيب على هذين القولين بمعنى الحلال ، وعلى الأول بمعنى المستلذ ، وقد جاء بالمعنيين { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } عطف على الطيبات بتقدير مضاف على أن { مَا } موصولة ، والعائد محذوف أي وصيد ما علمتموه ، قيل : والمراد مصدره لأنه الذي أحل بعطفه على { الطيبات } من عطف الخاص على العام ، وقيل : الظاهر أنه لا حاجة إلى جعل الصيد بمعنى المصيد لأن الحل والحرمة مما يتعلق بالفعل ، ويحتمل أن تكون { مَا } شرطية مبتدأ ، والجواب فكلوا ، والخبر الجواب ، والشرط على المختار ، والجملة عطف على جملة { أُحِلَّ لَكُمُ } ولا يحتاج إلى تقدير مضاف .
ونقل عن الزمخشري أنه قال بالتقدير فيه ، وقال تقديره لا يبطل كون { مَا } شرطية لأن المضاف إلى اسم الشرط في حكم المضاف إليه كما تقول غلام من يضرب أضرب كما تقول من يضرب أضرب ، وتعقب بأنه على ذلك التقدير يصير الخبر خالياً عن ضمير المبتدأ إلا أن يتكلف بجعل { مَا * أَمْسَكْنَ } من وضع الظاهر موضع ضمير دما علمتم } فافهم ، وجوز كونها مبتدأ على تقدير كونها موصولة أيضاً ، والخبر كلوا ، والفاء إنما دخلت تشبيهاً للموصول باسم الشرط لكنه خلاف الظاهر ، و { * } فافهم ، وجوز كونها مبتدأ على تقدير كونها موصولة أيضاً ، والخبر كلوا ، والفاء إنما دخلت تشبيهاً للموصول باسم الشرط لكنه خلاف الظاهر ، و { مّنَ الجوارح } حال من الموصول ، أو من ضميره المحذوف ، و { الجوارح } جمع جارحة ، والهاء فيها كما قال أبو البقاء للمبالغة ، وهي صفة غالبة إذ لا يكاد يذكر معها الموصوف ، وفسرت بالكواسب من سباع البهائم والطير ، وهو من قولهم : جرح فلان أهله خيراً إذا أكسبهم ، وفلان جارحة أهله أي كاسبهم ، وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح الصيد غاباً . (4/379)
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . والسدى . والضحاك وهو المروي عن أئمة أهل البيت بزعم الشيعة أنها الكلاب فقط { مُكَلّبِينَ } أي معلمين لها الصيد ، والمكلب مؤدب الجوارح؛ ومضربها بالصيد ، وهو مشتق من الكلب لهذا الحيوان المعروف لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه؛ أو لأن كل سبع يسمى كلباً على ما قيل ، فقد أحرج الحاكم في المستدرك وقال : صحيح الإسناد من حديث أبي نوفل قال : « كان لهب بن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك أو كلبك فخرج في قافلة يريد الشام فنزلوا منزلاً فيه سباع فقال : إني أخاف دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فجعلوا متاعه حوله وقعدوا يحرسونه فجاء أسد فانتزعه وذهب به » ، ولا يخفى أن في شمول ذلك لسباع الطير نظراً ، ولا دلالة في تسمية الأسد كلباً عليه .
وجوز أن يكون مشتقاً من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال : هو كلب بكذا إذا كان ضارياً به ، وانتصابه على الحالية من فاعل { عَلِمْتُمُ } ، وفائدتها المبالغة في التعليم لما أن المكلب لا يقع إلا على النحرير في علمه ، وعن ابن عباس . وابن مسعود . والحسن رضي الله تعالى عنهم أنهم قرأوا { مُكَلّبِينَ } بالتخفيف من أكلب ، وفعل وأفعل قد يستعملان بمعنى واحد { تُعَلّمُونَهُنَّ } حال من ضمير { مُكَلّبِينَ } أو استئنافية إن لم تكن { مَا } شرطية وإلا فهي معترضة ، وجوز أن تكون حالاً ثانية من ضمير { عَلِمْتُمُ } ومنع ذلك أبو البقاء بأن العامل الواحد لا يعمل في حالين وفيه نظر ، ولم يستحسن جعلها حالاً من { الجوارح } للفصل بينهما .
{ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من الحيل وطرق التعليم والتأديب ، وذلك إما بالإلهام منه سبحانه ، أو بالعقل الذي خلقه فيهم جل وعلا ، وقيل : المراد مما عرفكم سبحانه أن تعلموه من اتباع الصيد بأن يسترسل بارسال صاحبه . وينزجر بزجره . وينصرف بدعائه . ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه . (4/380)
ورجح بدلالته على أن المعلم ينبغي أن يكون مكلباً فقيهاً أيضاً ، و من أجلية ، وقيل : تبعيضية أي بعض ما علمكم الله { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة مبينة للمضاف المقدر ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره ، أو جواب للشرط ، أو خبر للمبتدأ ، و من تبعيضية إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم وغير ذلك ، وقيل : زائدة على رأي الأخفش؛ وخروج ما ذكر بديهي؛ و { مَا } موصولة أو موصوفة ، والعائد محذوف أي أمسكنه ، وضمير المؤنث للجوارح ، و { عَلَيْكُمْ } متعلق بأمسكن ، والاستعلاء مجازي؛ والتقييد بذلك لا خراج ما أمسكنه على أنفسهن ، وعلامته أن يأكلن منه فلا يؤكل منه؛ وقد أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم ، روي أصحاب السنن عن عدي بن حاتم قال : «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب المعلم فقال عليه الصلاة والسلام : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك ، فإن أكل منه فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه» وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه . والشعبي . وعكرمة ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه . وأصحابه : إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم لا يؤكل صيده ، ويؤكل صيد البازي ونحوه وإن أكل ، لأن تأديب سباع الطير إلى حيث لا تؤكل متعذر ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد أخرج عبد بن حميد عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : إذا أكل الكلب فلا تأكل وإذا أكل الصقر فكل ، لأن الكلب تستطيع أن تضربه ، والصقر لا تستطيع أن تضربه ، وعليه إمام الحرمين من الشافعية؛ وقال مالك . والليث : يؤكل وإن أكل الكلب منه ، وقد روي عن سلمان . وسعد بن أبي وقاص . وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أنه إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وقد ذكرت اسم الله تعالى عليه فكل { ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } الضمير لما علمتم كما يدل عليه الخبر السابق ، والمعنى سموا عليه عند إرساله؛ وروي ذلك عن ابن عباس . والحسن . والسدي ، وقيل : لما أمسكن أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، وقيل : للمصدر المفهوم من كلوا أي سموا الله تعالى على الأكل وهو بعيد وإن استظهره أبو حيان ، والأمر للوجوب عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وللندب عند الشافعي ، وهو على القول الأخير للندب بالاتفاق { واتقوا الله } في شأن محرماته ، ومنها أكل صيد الجوارح الغير المعلمة { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } أي سريع إتيان حسابه ، أو سريع إتمامه إذا شرع فيه ، فقد جاء أنه سبحانه يحاسب الخلق كلهم في نصف يوم والمراد على التقديرين أنه جل شأنه يواخذكم على جميع الأفعال حقيرها وجليلها ، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وتعليل الحكم ، ولعل ذكر هذا إثر بيان حكم الصيد لحث متعاطية على التقوى لما أنه مظنة التهاون والغفلة عن طاعة الله تعالى فقد رأينا أكثر من يتعاطى ذلك يترك الصلاة ولا يبالي بالنجاسة ، والمحتاجون للصيد الحافظون لدينهم أعز من الغراب الأبيض وهم مثابون فيه .
فقد أخرج الطبراني عن صفوان بن أمية « أن عرطفة بن نهيك التميمي قال : يا رسول الله إني وأهل بيتي مرزوقون من هذا الصيد ولنا فيه قسم وبركة وهو مشغلة عن ذكر الله تعالى ، وعن الصلاة في جماعة ، وبنا إليه حاجة أفتحله أم تحرمه؟ قال صلى الله عليه وسلم : أحله لأن الله تعالى قد أحله ، نعم العمل والله تعالى أولى بالعذر قد كانت قبلى رسل كلهم يصطاد أو يطلب الصيد ويكفيك من الصلاة في جماعة إذا غبت عنها في طلب الرزق حبك الجماعة وأهلها وحبك ذكر الله تعالى وأهله وابتغ على نفسك وعيالك حلالها فإن ذلك جهاد في سبيل الله تعالى » واعلم أن عون الله تعالى في صالح التجار ، واستدل بالآية على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة لأن التعليم قد يحتاج لذلك ، وعلى إباحة اتخاذ الكلب للصيد وقيس به الحراسة ، وعلى أنه لا يحل صيد الكلب المجوس ، وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد روي عنه في المسلم يأخذ كلب الجوسي . أو بازه . أو صقره . أو عقابه فيرسله أنه قال : لا تأكله وإن سميت لأنه من تعليم المجوسي ، وإنما قال الله تعالى : { تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } . (4/381)
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)
{ اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } إعادة هذا الحكم للتأكيد والتوطئة لما بعده ، وسبب ذكر اليوم يعلم مما ذكر أمس . (4/382)
وقال النيسابوري : فائدة الإعاذة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ، والأول أولى . { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } أي حلال ، والمراد بالموصول اليهود والنصارى حتى نصارى العرب عندنا ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه استثنى نصارى بني تغلب ، وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ، وإلى ذلك ذهب ابن جبير ، وحكاه الربيع عن الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ والمراد بطعامهم ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة كما روي عن ابن عباس . وأبي الدرداء . وإبراهيم . وقتادة . والسدى . والضحاك . ومجاهد رضوان الله عليهم أجمعين وبه قال الجبائي . والبلخي . وغيرهم .
/ وفي «البخاري» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد به الذبائح لأن غيرها لم يختلف في حله ، وعليه أكثر المفسرين ، وقيل : إنه مختص بالحبوب وما لا يحتاج فيه إلى التذكية وهو المروي عند الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ، وبه قال جماعة من الزيدية ، فلا تحل ذبائحهم عند هؤلاء ، وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وقال صاحباه : الصابئة صنفان : صنف يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة ، وصنف لا يقرأون كتاباً ويعبدون النجوم ، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب ، وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي من طريق الحسن بن محمد بن علي قال : «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل ومن أصر ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم» وهو وإن كان مرسلاً وفي إسناده قيس بن الربيع وهو ضيعف إلا أن إجماع أكثر المسلمين كما قال البيهقي عليه يؤكده ، واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير الله تعالى كعزير وعيسى عليهما السلام فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : لا تحل وهو قول ربيعة ، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تحل وهو قول الشعبي . وعطاء قالا : فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون . وقال الحسن : إذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر اسم غير الله تعالى وأنت تسمع يفلا تأكل ، فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله تعالى لك .
{ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } قال الزجاج وكثير من المتأخرين : إن هذا خطاب للمؤمنين ، والمعنى لا جناح عليكم أيها المؤمنون أن تطعموا أهل الكتاب من طعامكم ، فلا تصلح الآية دليلاً لمن يرى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأن التحليل حكم ، وقد علقه سبحانه بهم فيها كما علق الحكم بالمؤمنين ، واعترض على ظاهره بأنه إنما يتأتى لو كان الإطعام بدل الطعام ، فإن زعموا أن الطعام يقوم مقام الإطعام توسعاً ورد الفصل بين المصدر وصلته بخبر المبتدأ ، وهو ممتنع فقد صرحوا بأنه لا يجوز إطعام زيد حسن للمساكين وضربك شديد زيداً فكيف جاز { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } ؟ وعن بعضهم فإن قيل : ما الحكمة في هذه الجملة وهم كفار لا يحتاجون إلى بياننا؟ أجيب بأن المعنى انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم فإن أطعموكموه فكلوه ولا تنظروا إلى ما كان محرماً عليهم ، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت محرمة عليهم ، ثم نسخ ذلك في شريعتنا ، فالآية بيان لنا لا لهم أي اعلموا أن ما كان محرماً عليهم مما هو حلال لكم قد أحل لكم أيضاً ولذلك لو أطعمونا خنزيراً أو نحوه وقالوا : هو حلال في شريعتنا ، وقد أباح الله تعالى لكم طعامنا كذبناهم وقلنا : إن الطعام الذي يحل لكم هو الذي يحل لنا لا غيره ، فحاصل المعنى طعامهم حل لكم إذا كان الطعام الذي أحللته لكم ، وهذا التفسير معنى قول السدي وغيره فافهمه فقد أشكل على بعض المعاصرين .
{ والمحصنات مِنَ المؤمنات } عطف على { الطيبات } . أو مبتدأ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي حل لكم أيضاً ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المحصنات ، أو من الضمير فيها على ما قاله أبو البقاء ، والمراد بهن عند الحسن والشعبي وإبراهيم : العفائف ، وعند مجاهد : الحرائر ، واختاره أبو علي ، وعند جماعة العفائف والحرائر ، وتخصيصهن بالذكر للبعث على ما هو أولى لا لنفي ما عداهن ، فإن نكاح الإماء المسلمات بشرطه صحيح بالاتفاق ، وكذا نكاح غير العفائف منهن ، وأما الإماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه . (4/383)
{ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } وإن كن حربيات كما هو الظاهر ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا يجوز نكاح الحربيات ، وخص الآية بالذميات ، واحتج له بقوله تعالى : { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ } [ المجادلة : 22 ] والنكاح مقتض للمودة لقوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } [ الروم : 21 ] قال الجصاص : وهذا عندنا إنما يدل على الكراهة ، وأصحابنا يكرهون مناكحة أهل الحرب ، وذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابيات لقوله تعالى : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] ولقوله سبحانه : { وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] وأولوا هذه الآية بأن المراد من المحصنات من الذين أوتوا الكتاب اللاتي أسلمن منهن ، والمراد من المحصنات من المؤمنات اللاتي كن في الأصل مؤمنات ، وذلك أن قوماً كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر فبين الله تعالى أنه لا حرج في ذلك ، وإلى تفسير المحصنات بمن أسلمن ذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضاً ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ويأباه النظم ، ولذلك زعم بعضهم أن المراد هو الظاهر إلا أن الحل مخصوص بنكاح المتعة وملك اليمين ، ووطؤهن حلال بكلا الوجهين عند الشيعة ، وأنت تعلم أن هذا أدهى وأمر ، ولذلك هرب بعضهم إلى دعوى أن الآية منسوخة باآيتين المتقدمتين آنفاً احتجاجاً بما رواه الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه في ذلك ، ولا يصح ذلك من طريق أهل السنة ، نعم أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام» .
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن جابر بن عبد الله «أنه سئل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية فقال : تزوجناهن زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيراً فلما رجعنا طلقناهن . وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه سئل أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ فقال : ما له ولأهل الكتاب وقد أكثر الله تعالى المسلمات فإن كان لا بد فاعلاً فليعمد إليها حصاناً غير مسافحة ، قال الرجل : وما المسافحة؟ قال : هي التي إذا لمح الرجل إليها بعينه اتبعته2 . (4/384)
{ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي مهورهن وهي عوض الاستمتاع بهن كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره وتقييد الحل بإيتائها لتأكيد وجوبها لا للاحتراز ، ويجوز أن يراد بالإيتاء التعهد والالتزام مجازاً ، ولعله أقرب من الأول ، وإن كان المآل واحداً ، و { إِذَا } ظرف لحل المحذوف ، ويحتمل أن تكون شرطية حذف جوابها أي إذا آتيتموهن أجورهن حللن لكم . { مُّحْصِنِينَ } أي أعفاء بالنكاح وهو منصوب على الحال من فاعل { ءاتَيْتُمُوهُنَّ } وكذا قوله تعالى : { غَيْرَ مسافحين } ، وقيل : هو حال من ضمير { مُّحْصِنِينَ } ، وقيل : صفة لمحصنين أي غير مجاهرين بالزنا ، { وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } أي ولا مسرين به ، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى ، وقيل : الأول : نهى عن الزنا ، والثاني : نهى عن مخالطتهنّ ، و { مُتَّخِذِى } يحتمل أن يكون مجروراً عطفاً على { مسافحين } وزيدت لا لتأكيد النفي المستفاد من { غَيْرِ } ، ويحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على { غَيْرَ مسافحين } باعتبار أوجهه الثلاثة .
{ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } أي من ينكر المؤمن به ، وهو شرائع الإسلام التي من جملتها ما بين هنا من الأحكام المتعلقة بالحل والحرمة ، ويمتنع عن قبولها { فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } أي الذي عمله واعتقد أنه قربة له إلى الله تعالى .
{ وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ * الخاسرين } أي الهالكين ، والآية تذييل لقوله تعالى : { اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } الخ تعظيماً لشأن ما أحله الله تعالى وما حرمه ، وتغليظاً على من خالف ذلك ، فحمل الإيمان على المعنى المصدري وتقدير مضاف كما قيل أي بموجب الإيمان وهو الله تعالى ليس بشيء ، وإن أشعر به كلام مجاهد ، وضمير الرافع مبتدأ ، و { مّنَ الخاسرين } خبره ، و { فِى } متعلقة بما تعلق به الخبر من الكون المطلق ، وقيل : بمحذوف دل عليه المذكور أي خاسرين في الآخرة ، وقيل : بالخاسرين على أن أل معرفة لا موصولة لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها ، وقيل : يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله : (4/385)
ربيته حتى إذا ما تمعددا ... كان جزائي بالعصا أن أجلدا
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } بالإيمان العلمي { أَوْفُواْ بالعقود } أي بعزائم التكليف ، وقال أبو الحسن الفارسي : أمر الله تعالى عباده بحفظ النيات في المعاملات ، والرياضات في المحاسبات ، والحراسة في الخطرات ، والرعاية في المشاهدات ، وقال بعضهم : { أَوْفُواْ بالعقود } عقد القلب بالمعرفة ، وعقد اللسان بالثناء ، وعقد الجوارح بالخضوع ، وقيل : أول عقد عقد على المرء عقد الإجابة له سبحانه بالربوبية وعدم المخالفة بالرجوع إلى ما سواه ، والعقد الثاني عقد تحمل الأمانة وترك الخيانة { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام } أي أحل لكم جميع أنواع التمتعات والحظوظ بالنفوس السليمة التي لا يغلب عليها السبعية والشره { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } من التمتعات المنافية للفضيلة والعدالة { غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي لا متمتعين بالحظوظ في حال تجردكم للسلوك وقصدكم كعبة الوصال وتوجهكم إلى حرم صفات الجمال والجلال { إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } [ المائدة : 1 ] فليرض السالك بحكمه ليستريح ، ويهدي إلى سبيل رشده { يُرِيدُ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } من المقامات والأحوال التي يعلم بها السالك إلى حرم ربه سبحانه من الصبر والتوكل والشكر ونحوها أي لا تخرجوا عن حكمها { وَلاَ الشهر الحرام } وهو وقت الحج الحقيقي وهو وقت السلوك إلى ملك الملوك ، وإحلاله بالخروج عن حكمه والاشتغال بما ينافيه { وَلاَ الهدى } وهو النفس المستعدة المعدة للقربان عند الوصول إلى الحضرة ، وإحلالها باستعمالها بما يصرفها ، أو تكليفها بما يكون سبب مللها { وَلاَ القلائد } وهي ما قلدته النفس من الأعمال الشرعية التي لا يتم الوصول إلا بها ، وإحلالها بالتطفيف بها وعدم إيقاعها على الوجه الكامل { وَلاَ الشهر الحرام وَلاَ } وهم السالكون ، وإحلالهم بتنفيرهم وشغلهم بما يصدهم أو يكسلهم { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ } بتجليات الأفعال { وَرِضْوَاناً } بتجليات الصفات ، { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا } أي إذا رجعتم إلى البقاء بعد الفناء فلا جناح عليكم في التمتع { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ } أي لا يكسبنكم بغض القوى النفسانية بسبب صدها إياكم عن السلوك أن تعتدوا عليها ، وتقهروها بالكلية فتتعطل أو تضعف عن منافعها ، أو لا يكسبنكم بغض قوم من أهاليكم أو أصدقائكم بسبب صدهم إياكم أن تعتدوا عليهم بمقتهم وإضرارهم وإرادة الشر لهم { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } بتدبير تلك القوى وسياستها ، أو بمراعاة الأهل والأصدقاء والإحسان إليهم { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } فإن ذلك يقطعكم عن الوصول ، وعن سهل أن البر الإيمان والتقوى السنة والإثم الكفر والعدوان البدعة ، وعن الصادق رضي الله تعالى عنه البر الإيمان والتقوى الإخلاص والإثم الكفر والعدوان المعاصي ، وقيل : البر ما توافق عليه العلماء من غير خلاف والتقوى مخالفة الهوى والإثم طلب الرخص { والعدوان } التخطي إلى الشبهات { واتقوا الله } في هذه الأمور
{ أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } [ المائدة : 2 ] فيعاقبكم بما هو أعلم { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } وهي خمود الشهوة بالكلية فإنه رذيلة التفريط المنافية للعفة { والدم } وهو التمتع بهوى النفس { وَلَحْمَ الخنزير } أي وسائر وجوه التمتعات بالحرص والشره وقلة الغيرة { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } من الأعمال التي فعلت رياءاً وسمعة { والمنخنقة } وهي الأفعال الحسنة صورة مع كمون الهوى فيها ، { والموقوذة } وهي الأفعال التي أجبر عليها الهوى ( والمتردية ) وهي الأفعال المائلة إلى التفريط والنقصان ( والنطيحة ) وهي الأفعال التي تصدر خوف الفضيحة وزجر المحتسب مثلاً { وَمَا أَكَلَ السبع } وهي الأفعال التي هي من ملائمات القوة الغضبية من الأنفة والحمية النفسانية { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } من الأفعال الحسنة التي تصدر بإرادة قلبية لم يمازجها ما يشينها { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } وهو ما يفعله أبناء العادات لا لغرض عقلي أو شرعي { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالازلام } بأن تطلبوا السعادة والكمال بالحظوظ والطوالع وتتركوا العمل وتقولوا : لو كان مقدراً لنا لعملنا فإنه ربما كان القدر معلقاً بالسعي { ذلكم فِسْقٌ } خروج عن الدين الحق لأن فيه الأمر والنهي ، والإتكال على المقدر بجعلهما عبثاً { اليوم } وهو وقت حصول الكمال { يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } بأن يصدّوكم عن طريق الحق { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } فإنهم لا يستولون عليكم بعد { واخشون } لتنالوا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } ببيان ما بينت { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } بذلك أو بالهداية إليَّ { وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام } أي الانقياد للانمحاء { دِيناً فَمَنِ اضطر } إلى تناول لذة في { مَخْمَصَةٍ } ، وهي الهيجان الشديد للنفس { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } غير منحرف لرذيلة { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ المائدة : 3 ] فيستر ذلك ويرحم بمدد التوفيق . (4/386)
{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } من الحقائق التي تحصل لكم بعقولكم وقلوبكم وأرواحكم { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } وهي الحواس الظاهرة والباطنة وسائر القوى والآلات البدنية { مُكَلّبِينَ } معلمين لها على اكتساب الفضائل { تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من علوم الأخلاق والشرائع { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } مما يؤدي إلى الكمال { واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } [ المائدة : 4 ] بأن تقصدوا أنه أحد أسباب الوصول إليه عز شأنه لا أنه لذة نفسانية { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } وهو مقام الفرق والجمع { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } فلا عليكم أن تطعموهم منه بأن تضموا لأهل الفرق جمعاً ، ولأهل الجمع فرقاً { والمحصنات مِنَ المؤمنات } وهي النفوس المهذبة الكاملة { والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } أي حقوقهن من الكمال اللائق بهن وألحقتموهن بالمحصنات من المؤمنات { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } بل قاصدين تكميلهن واستيلاء الآثار النافعة منهن لا مجرد الصحبة وإفاضة ماء المعارف من غير ثمرة { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } بأن ينكر الشرائع والحقائق ويمتنع من قبولها { فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } بإنكاره الشرائع { وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين } [ المائدة : 5 ] بإنكاره الحقائق ، والظاهر عدم التوزيع ، والله تعالى أعلم بمراده ، وهو الموفق للصواب . (4/387)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } شروع في بيان الشرائع المتعلقة بدينهم بعد بيان ما يتعلق بدنياهم ، ووجه التقديم والتأخير ظاهر { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } أي إذا أردتم القيام إليها والاشتغال بها ، فعبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها مجازاً ، وفائدته الإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة ، وقيل : يجوز أن يكون المراد إذا قصدتم الصلاة ، فعبر عن أحد لازمي الشيء بلازمه الآخر . وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً نظراً إلى عموم { الذين كَفَرُواْ } من غير اختصاص بالمحدثين ، وإن لم يكن في الكلام دلالة على تكرار الفعل ، وإنما ذلك من خارج على الصحيح ، لكن الإجماع على خلاف ذلك ، وقد أخرج مسلم وغيره « أنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال عمر رضي الله تعالى عنه : صنعت شيئاً لم تكن تصنعه ، فقال عليه الصلاة والسلام : عمداً فعلته يا عمر » يعني بياناً للجواز ، فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة ، والمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة محدثين بقرينة دلالة الحال ، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلاً ، وقوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُواْ ماءاً } صريح في البدلية ، وبعض المتأخرين أن في الكلام شرطاً مقدراً أي : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الخ إن كنتم محدثين لأنه يلائمه كل الملاءمة عطف { الكعبين وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا } عليه ، وقيل : الأمر للندب ، ويعلم الوجوب للمحدث من السنة؛ واستبعد لإجماعهم على أن وجوب الوضوء مستفاد من هذه الآية مع الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل ، وأبعد منه أنه ندب بالنسبة إلى البعض ، ووجوب بالنسبة إلى آخرين ، وقيل : هو للوجوب ، وكان الوضوء واجباً على كل قائم أول الأمر ثم نسخ ، فقد أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي والحاكم عن عبد الله بن حنظلة الغسيل « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث » ولا يعارض ذلك خبر أن المائدة آخر القرآن نزولاً الخ لأنه ليس في القوة مثله حتى قال العراقي : لم أجده مرفوعاً ، نعم الاستدلال على الوجوب على كل الأمة أولاً ، ثم نسخ الوجوب عنهم آخراً بما يدل على الوجوب عليه عليه الصلاة والسلام أولاً؛ ونسخه عنه آخراً لا يخلو عن شيء كما لا يخفى . (4/388)
وأخرج مالك والشافعي وغيرهما عن زيد بن أسلم أن تفسير الآية إذا قمتم من المضاجع يعني النوم إلى الصلاة والأمر عليه ظاهر ، ويحكى عن داود أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يتوضؤون كذلك ، وكان علي كرم الله تعالى وجهه يتوضأ كذلك ويقرأ هذه الآية ، وفيه أن حديث عمر رضي الله تعالى عنه يأبى استمرار النبي عليه الصلاة والسلام على ما ذكر ، والخبر عن علي كرم الله تعالى وجهه لم يثبت ، وفعل الخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب ، وقد ورد «من توضأ على طهر كتب الله تعالى له عشر حسنات2 . (4/389)
{ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أي أسيلوا عليها الماء ، وحد الإسالة أن يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يشترط التقاطر ، وأما الدلك فليس من حقيقة الغسل خلافاً لمالك فلا يتوقف حقيقته عليه ، قيل : ومرجعهم فيه قول العرب : غسل المطر الأرض ، وليس في ذلك إلا الإسالة ، ومنع بأن وقعه من علو خصوصاً مع الشدة والتكرر دلك أيّ دلك ، وهم لا يقولونه إلا إذا نظفت الأرض ، وهو إنما يكون بدلك ، وبأنه غير مناسب للمعنى المعقول من شرعية الغسل ، وهو تحسين هيئة الأعضاء الظاهرة للقيام بين يدي الرب سبحانه وتعالى الذي لا يتم بالنسبة إلى سائر المتوضئين إلا بالدلك . وحكي عنه أن الدلك ليس واجباً لذاته ، وإنما هو واجب لتحقق وصول الماء فلو تحقق لم يجب كما قاله ابن ( أمير ) الحاج في «شرح المنية» ومن الغريب أنه قال باشتراط الدلك في الغسل ولم يشترط السيلان فيما لو أمرَّ المتوضىء الثلج على العضو فإنه قال : يكفي ذلك وإن لم يذب الثلج ويسيل ، ووافقه عليه الأوزاعي مع أن ذلك لا يسمى غسلاً أصلاً ويبعد قيامه مقامه .
وحد الوجه عندنا طولاً من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل اللحيين ، وعرضاً ما بين شحمتي الأذن لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها ، واشتقاق الثلاثي من المزيد إذا كان المزيد أشهر في المعنى الذي يشتركان فيه شائع ، وقال العلامة أكمل الدين : إن ما ذكروا من منع اشتقاق الثلاثي من المزيد إنما هو في الاشتقاق الصغير ، وأما في الاشتقاق الكبير وهو أن يكون بين كلمتين تناسب في اللفظ والمعنى فهو جائز ، ويعطى ظاهر التحديد وجوب إدخال البياض المعترض بين العذار والأذن بعد نباته ، وهو قولهما خلافاً لأبي يوسف ، ويعطى أيضاً وجوب الإسالة على شعر اللحية ، وقد اختلفت الروايات فيه عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وغيره ، فعنه يجب مسح ربعها ، وعنه مسح ما يلاقي البشرة وعنه لا يتعلق به شيء ، وهو رواية عن أبي يوسف ، وعن أبي يوسف يجب استيعابها ، وعن محمد أنه يجب غسل الكل ، قيل : وهو الأصح وفي «الفتاوى الظهيرية» ، وعليه الفتوى لأنه قام مقام البشرة فتحول الفرض إليه كالحاجب .
وقال في «البدائع» عن ابن شجاع : إنهم رجعوا عما سوى هذا . وكل هذا في الكثة ، أما الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها ولو أمرّ الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب غسل الذقن ، وفي البقال : لو قص الشارب لا يجب تخليله ، وإن طال وجب تخليله ، وإيصال الماء إلى الشفتين وكأن وجهه أن قطعه مسنون فلا يعتبر قيامه في سقوط ما تحته بخلاف اللحية فإن إعفاءها هو المسنون ، وعد شيخ الإسلام المرغيناني في «التجنيس» إيصال الماء إلى منابت شعر الحاجبين والشارب من الآداب من غير تفصيل ، وأما الشفة فقيل : تبع للفم ، وقال أبو جعفر : ما انكتم عند انضمامه تبع له وما ظهر فللوجه ، وروي هذا التحديد عن ابن عباس ، وابن عمر والحسن وقتادة والزهري رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وغيرهم ، وقيل : الوجه كل ما دون منابت الشعر من الرأس إلى منقطع الذقن طولاً ، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً ما ظهر من ذلك لعين الناظر ، وما بطن كداخل الأنف والفم ، وكذا ما أقبل من الأذنين ، وروي عن أنس بن مالك وأم سلمة وعمار ومجاهد وابن جبير وجماعة فأوجبوا غسل ذلك كله ولم أر لهم نصاً في باطن العين ، والظاهر عدم وجوب غسله عندهم لمزيد الحرج وتوقع الضرر ، ولهذا صرح البعض بعدم سنية الغسل أيضاً ، بل قال بعضهم : يكره ، نعم يخطر في الذهن رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يوجب غسل باطن العين في الغسل ويفعله ، وأنه كان سبباً في كف بصره رضي الله تعالى عنه . (4/390)
{ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق } جمع مرفق بكسر ففتح أفصح من عكسه ، وهو موصل الذراع في العضد ، ولعل وجه تسميته بذلك أنه يرتفق به أي يتكأ عليه من اليد ، وجمهور الفقهاء على دخولها . وحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا أعلم خلافاً في أن المرافق يجب غسلها ، ولذلك قيل { إلى } بمعنى مع كما في قوله تعالى : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } [ هود : 52 ] و { مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } [ آل عمران : 52 ] ، وقيل : هي إنما تفيد معنى الغاية ، ومن الأصول المقررة أن ما بعد الغاية إن دخل في المسمى لولا ذكرها دخل وإلا فلا ، ولا شك أن المرافق داخلة في المسمى فتدخل ، وما أورد على هذا الأصل من أنه لو حلف لا يكلم فلاناً إلى غد لا يدخل مع أنه يدخل لو تركت الغاية غير قادح فيه لأن الكلام هنا في مقتضى اللغة ، والأيمان تبنى على العرف ، وجاز أن يخالف العرف اللغة .
وذكر بعض المحققين أن { إلى } جاءت وما بعدها داخل في الحكم فيما قبلها ، وجاءت وما بعدها غير داخل ، فمنهم من حكم بالاشتراك ، ومنهم من حكم بظهور الدخول ، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول وعليه النحويون ، ودخول المرافق ثابت بالسنة ، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أدار الماء عليها . ونقل أصحابنا حكاية عدم دخولها عن زفر ، واستدل بتعارض الأشباه وبأن في الدخول في المسمى اشتباهاً أيضاً فلا تدخل بالشك ، وحديث الإدارة لا يستلزم الافتراض لجواز كونه على وجه السنة كالزيادة في مسح الرأس إلى أن يستوعبه ، وأجيب بأنه لا تعارض مع غلبة الاستعمال في الأصل المقرر ، وأيضاً على ما قال يثبت الإجمال في دخولها فيكون اقتصاره صلى الله عليه وسلم على المرفق وقع بياناً للمراد من اليد ، فيتعين دخول ما أدخله واغسل يدك للأكل من إطلاق اسم الكل على البعض اعتماداً على القرينة . (4/391)
وقال العلامة ابن حجر : دل على دخولها الإتباع والإجماع ، بل والآية أيضاً بجعل { إلى } غاية للترك المقدر بناءاً على أن اليد حقيقة إلى المنكب كما هو الأشهر لغة ، وكأنه عنى بالإجماع إجماع أهل الصدر الأول وإلا فلا شك في وجود المخالف بعد ، وعدوا داود وكذا الإمام مالك رضي الله تعالى عنه من ذلك ولي في عد الأخير تردد ، فقد نقل ابن هبيرة إجماع الأئمة الأربعة على فرضية غسل اليدين مع المرفقين ، قيل : ويترتب على هذا الخلاف أن فاقد اليد من المرفق يجب عليه إمرار الماء على طرف العظم عند القائل بالدخول ، ولا يجب عند المخالف لأن محل التكليف لم يبق أصلاً كما لو فقد اليد مما فوق المرفق ، نعم يندب له غسل ما بقي من العضد محافظة على التحجيل .
هذا واستيعاب غسل المأمور به من الأيدي فرض كما هو الظاهر من الآية ، فلو لزق بأصل ظفره طين يابس أو نحوه ، أو بقي قدر رأس إبرة من موضع الغسل لم يجز ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه إذا كان واسعاً ، والمختار في الضيق الوجوب ، وفي «الجامع الأصغر» إن كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو عجين جاز في القروي والمدني على الصحيح المفتى به كما قال الدبوسي وقيل : يجب إيصال الماء إلى ما تحتها إلا الدرن لتولده منه . وقال الصفار : يجب الإيصال مطلقاً إن طال الظفر ، واستحسنه ابن الهمام لأن الغسل وإن كان مقصوراً على الظواهر لكن إذا طال الظفر يصير بمنزلة عروض الحائل كقطرة شمعة ، وفي «النوازل» يجب في المصري لا القروي لأن دسومة أظفار المصري مانعة من وصول الماء بخلاف القروي ، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رؤوس الأصابع وجب غسلها قولاً واحداً ، ولو خلق له يدان على المنكب فالتامة هي الأصلية يجب غسلها ، والأخرى زائدة فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله وما لا فلا ، ومن الغريب أن بعضاً من الناس أوجب البداية في غسل الأيدي من المرافق ، فلو غسل من رؤوس الأصابع لم يصح وضوؤه .
وقد حكى ذلك الطبرسي في «مجمع البيان» ، والظاهر أن هذا البعض من الشيعة ، ولا أجد لهم في ذلك متمسكاً . (4/392)
{ وامسحوا } ، قيل : الباء زائدة لتعدي الفعل بنفسه؛ وقيل : للتبعيض ، وقد نقل ابن مالك عن أبي علي في «التذكرة» أنها تجىء لذلك ، وأنشد :
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
وقيل : إن العرف نقلها إلى التبعيض في المتعدي ، والمفروض في المسح عندنا مقدار الناصية ، وهو ربع الرأس من أي جانب كان فوق الأذنين لما روى مسلم عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته؛ والكتاب مجمل في حق الكمية فالتحق بياناً له ، والشافعي رضي الله تعالى عنه يمنع ذلك ، ويقول : هو مطلق لا مجمل فإنه لم يقصد إلى كمية مخصوصة أجمل فيها ، بل إلى الإطلاق فيسقط عنده بأدنى ما يطلق عليه مسح الرأس ، على أن في حديث المغيرة روايتان : على ناصيته . وبناصيته ، والأولى لا تقتضي استيعاب الناصية لجواز كون ذكرها لدفع توهم أنه مسح على الفود ، أو القذال ، فلا يدل على مطلوبكم ولو دل مثل هذا على الاستيعاب لدل مسحَ على الخفين عليه أيضاً ، ولا قائل به هناك عندنا وعندكم ، وإذا رجعنا إلى الثانية كان محل النزاع في الباء كالآية ، ويعود التبعيض ، ومن هنا قال بعضهم : الأولى أن يستدل برواية أبي داود عن أنس رضي الله تعالى عنه : «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه» وسكت عليه أبو داود فهو حجة ، وظاهره استيعاب تمام المقدم ، وتمام مقدم الرأس هو الربع المسمى بالناصية ، ومثله ما رواه البيهقي عن عطاء «أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم رأسه ، أو قال : ناصيته» فإنه حجة وإن كان مرسلاً عندنا ، وكيف وقد اعتضد بالمتصل؟ بقي شيء وهو أن ثبوت الفعل كذلك لا يستلزم نفي جواز الأقل فلا بدّ من ضم الملازمة القائلة لو جاز الأقل لفعله مرة تعليماً للجواز ، وقد يمنع بأن الجواز إذا كان مستفاداً من غير الفعل لم يحتج إليه فيه ، وهنا كذلك نظراً إلى الآية فإن الباء فيها للتبعيض وهو يفيد جواز الأقل فيرجع البحث إلى دلالة الآية ، فيقال حينئذٍ : إن الباء للإلصاق وهو المعنى المجمع عليه لها بخلاف التبعيض ، فإن الكثير من محققي أئمة العربية ينفون كونه معنى مستقلاً للباء بخلاف ما إذا كان في ضمن الإلصاق كما فيما نحن فيه ، فإن إلصاق الآلة بالرأس الذي هو المطلوب لا يستوعب الرأس ، فإذا ألصق فلم يستوعب خرج عن العهدة بذلك البعض ، وحينئذٍ فتعين الربع لأن اليد إنما تستوعب قدره غالباً فلزم .
وفي بعض الروايات إن المفروض مقدار ثلاث أصابع ، وصححها بعض المشايخ نظراً إلى أن الواجب إلصاق اليد والأصابع أصلها ، ولذا يلزم كمال دية اليد بقطعها والثلاث أكثرها ، وللأكثر حكم الكل ، ولا يخفى ما فيه ، وإن قيل : إنه ظاهر الرواية . (4/393)
وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه والإمام أحمد في أظهر الروايات عنه إلى أنه يجب استيعاب الرأس بالمسح ، والإمامية إلى ما ذهب إليه الشافعي رضي الله تعالى عنه ، ولو أصاب المطر قدر الفرض سقط عندنا ، ولا يشترط إصابته باليد لأن الآلة لم تقصد إلا للإيصال إلى المحل فحيث وصل استغنى عن استعمالها ، ولو مسح ببل في يده لم يأخذه من عضو آخر جاز ، وإن أخذه لا يجوز ، ولو مسح بإصبع واحدة مدها قدر الفرض ، وكذا بإصبعين على ما قيل لا يجوز خلافاً لزفر ، وعللوه بأن البلة صارت مستعملة وهو على إشكاله بأن الماء لا يصير مستعملاً قبل الانفصال ليستلزم عدم جواز مد الثلاث على القول بأنه لا يجزىء أقل من الربع ، والمشهور في ذلك الجواز ، واختار شمس الأئمة أن المنع في مد الأصبع والاثنتين غير معلل باستعمال البلة بدليل أنه لو مسح بإصبعين في التيمم لا يجوز مع عدم شيء يصير مستعملاً خصوصاً إذا تيمم على الحجر الصلد ، بل الوجه عنده أنا مأمورون بالمسح باليد والإصبعان منها لا تسميان يداً بخلاف الثلاث لأنها أكثر ما هو الأصل فيها ، وهو حسن كما قال ابن الهمام لكنه يقتضي تعين الإصابة باليد وهو منتف بمسألة المطر ، وقد يدفع بأن المراد تعينها أو ما يقول مقامها من الآلات عند قصد الإسقاط بالفعل اختياراً غير أن لازمه كون تلك الآلة التي هي غير اليد مثلاً قدر ثلاث أصابع من اليد حتى لو كان عوداً مثلاً لا يبلغ ذلك القدر قلنا : بعدم جواز مده ، وقد يقال : عدم الجواز بالإصبع بناءاً على أن البلة تتلاشى وتفرغ قبل بلوغ قدر الفرض بخلاف الإصبعين ، فإن الماء يتحمل بين الإصبعين المضمومتين فضل زيادة تحتمل الامتداد إلى قدر الفرض وهذا مشاهد أو مظنون ، فوجب إثبات الحكم باعتباره ، فعلى اعتبار صحة الاكتفاء بقدر ثلاث أصابع يجوز مد الإصبعين لأن ما بينهما من الماء يمتد قدر إصبع ثالثة ، وعلى اعتبار توقف الإجزاء على الربع لا يجوز لأنّ ما بينهما لا يغلب على الظنّ إيعابه الربع إلا أن هذا يعكر عليه عدم جواز التيمم بإصبعين فلو أدخل رأسه إناء ماء ناوياً للمسح جاز ، والماء طهور عند أبي يوسف لأنه لا يعطى له حكم الاستعمال إلا بعد الانفصال والذي لاقى الرأس من أجزائه لصق به فطهره ، وغيره لم يلاقه فلا يستعمل .
واتفقت الأئمة على أن المسح على العمامة غير مجزىء إلا أحمد فإنه أجاز ذلك بشرط أن يكون من العمامة شيء تحت الحنك رواية واحدة ، وهل يشترط أن يكون قد لبسها على طهارة؟ فيه روايتان ، واختلفت الرواية عنه أيضاً في مسح المرأة على قناعها المستدير تحت حلقها ، فروي عنه جواز المسح كعمامة الرجل ذات الحنك وروي عنه المنع ، ونقل عن الأوزاعي والثوري جواز المسح على العمامة ، ولم أر حكاية الاشتراط ولا عدمه عنهما ، وقد ذكرنا دليل الجواز في كتاب الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية» . (4/394)
{ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين } وهما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم ، ومنه الكاعب وهي الجارية التي تبدو ثديها للنهود وروى هشام عن محمد أن الكعب هو المفصل الذي في وسط القدم عند معترك الشراك لأن الكعب اسم للمفصل ، ومنه كعوب الرمح والذي في وسط القدم مفصل دون ما على الساق ، وهذا صحيح في المحرم إذا لم يجد نعلين فإنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين ، ولعل ذلك مراد محمد ، فأما في الطهارة فلا شك أنه ما ذكرنا ، وفي الأرجل ثلاث قراآت : واحدة شاذة واثنتان متواترتان؛ أما الشاذة فالرفع وهي قراءة الحسن وأما المتواترتان فالنصب ، وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب والجر وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم ، وفي رواية أبي بكر عنه ، ومن هنا اختلف الناس في غسل الرجلين ومسحهما ، قال الإمام الرازي : «فنقل القفال في «تفسيره» عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهم أن الواجب فيها المسح وهو مذهب الإمامية ( من الشيعة ) ، وقال جمهور الفقهاء والمفسرين : فرضهما الغسل ، وقال داود : يجب الجمع بينهما ، وهو قول الناصر للحق من الزيدية ، وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل . وحجة القائلين بالمسح قراءة الجر فإنها تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح فيها وجب فيها والقول إنه جرّ بالجوار كما في قولهم : هذا جحر ضب خرب ، وقوله :
( كان ثبيراً في عرانين وبله ) ... كبير أناس في بجاد مزمل
باطل من وجوه : أولها : أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام الله تعالى يجب تنزيهه عنه ، وثانيها : أن الكسر إنما يصار إليه حيث حصل الأمن من الالتباس كما فيما استشهدوا به ، وفي الآية الأمن من الالتباس غير حاصل ، وثالثها : أن ( الجر ) بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف ، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب ، وردوا قراءة النصب إلى قراءة الجر فقالوا : إنها تقتضي المسح أيضاً لأن العطف حينئذ على محل الرؤوس لقربه فيتشاركان في الحكم؛ وهذا مذهب مشهور للنحاة ، ثم قالوا ( ولا يجوز دفع ) ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، ثم قال الإمام : واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين : الأول : أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط ، فوجب المصير إليه ، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحها ، والثاني : أن فرض الأرجل محدود إلى الكعبين ، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح ، والقوم أجابوا عنه من وجهين : الأول : أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم ، وعلى هذا التقدير يجب المسح على ظهر القدمين ، والثاني : أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق ، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين وحينئذ لا يبقى هذا السؤال» انتهى .
ولايخفى أن بحث الغسل والمسح مما كثر فيه الخصام ، وطالما زلت فيه أقدام ، وما ذكره الإمام رحمه الله تعالى يدل على أنه راجل في هذا الميدان ، وضالع لا يطيق العروج إلى شاوي ضليع تحقيق تبتهج به الخواطر والأذهان ، فلنبسط الكلام في تحقيق ذلك رغماً لأنوف الشيعة السالكين من السبل كل سبيل حالك ، فنقول وبالله تعالى التوفيق ، وبيده أزمة التحقيق : إن القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين بل بإطباق أهل الإسلام كلهم ، ومن القواعد الأصولية عند الطائفتين أن القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين ، فلا بدّ لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما أولاً مهما أمكن لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرر عند أهل الأصول؛ ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما ، ثم إذا لم يتيسر لنا الترجيح بينهما نتركهما ونتوجه إلى الدلائل الأخر من السنة ، وقد ذكر الأصوليون أن الآيات إذا تعارضت بحيث لا يمكن التوفيق ، ثم الترجيح بينهما يرجع إلى السنة فإنها لما لم يمكن لنا العمل بها صارت معدومة في حقنا من حيث العمل وإن تعارضت السنة كذلك نرجع إلى أقوال الصحابة وأهل البيت ، أو نرجع إلى القياس عند القائلين بأن قياس المجتهد يعمل به عند التعارض ، فلما تأملنا في هاتين القراءتين في الآية وجدنا التطبيق بينهما بقواعدنا من وجهين : الأول : أن يحمل المسح على الغسل كما صرح به أبو زيد الأنصاري وغيره من أهل اللغة ، فيقال للرجل إذا توضأ : تمسح ويقال : مسح الله تعالى ما بك أي أزال عنك المرض ، ومسح الأرض المطر إذا غسلها فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس في قراءة الجر لا يتعين كونها ممسوحة بالمعنى الذي يدعيه الشيعة . (4/395)
واعترض ذلك من وجوه : أولها : أن فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة ، وقد فرق الله تعالى بين الأعضاء المغسولة والممسوحة ، فكيف يكون معنى الغسل والمسح واحدا؟ا وثانيها : أن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤوس وكان الفرض في الرؤوس المسح الذي ليس بغسل بلا خلاف وجب أن يكون حكم الأرجل كذلك ، وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وثالثها : أنه لو كان المسح بمعنى الغسل يسقط الاستدلال على الغسل بخبر «أنه صلى الله عليه وسلم غسل رجليه» لأنه على هذا يمكن أن يكون مسحها فسمي المسح غسلاً . ورابعها : أن استشهاد أبي زيد بقولهم : تمسحت للصلاة لا يجدي نفعاً لاحتمال أنهم لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز ، ولم يجز أن يقولوا : تغسلت للصلاة لأن ذلك يوهم الغسل ، قالوا بدله : تمسحت لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً ، فتجوزوا بذلك تعويلاً على فهم المراد ، وذلك لا يقتضي أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل ، وأجيب عن الأول : بأنا لا ننكر اختلاف فائدة اللفظين لغة وشرعاً ولا تفرقة الله تعالى بين المغسول والممسوح من الأعضاء ، لكنا ندعي أن حمل المسح على الغسل في بعض المواضع جائز وليس في اللغة والشرع ما يأباه ، على أنه قد ورد ذلك في كلامهم ، وعن الثاني : بأنا نقدر لفظ امسحوا قبل أرجلكم أيضاً وإذا تعدد اللفظ فلا بأس بأن يتعدى المعنى ولا محذور فيه ، فقد نقل شارح «زبدة الأصول» من الإمامية أن هذا القسم من الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز بحيث يكون ذلك اللفظ في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي وفي المعطوف بالمعنى المجازي ، وقالوا في آية { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } [ النساء : 43 ] : إن الصلاة في المعطوف عليه بالمعنى الحقيقي الشرعي وهو الأركان المخصوصة وفي المعطوف بالمعنى المجازي وهو المسجد فإنه محل الصلاة ، وادعى ذلك الشارح أن هذا نوع من الاستخدام ، وبذلك فسر الآية جمع من مفسري الإمامية وفقهائهم ، وعليه فيكون هذا العطف من عطف الجمل في التحقيق ، ويكون المسح المتعلق بالرؤوس بالمعنى الحقيقي ، والمسح المتعلق بالأرجل بالمعنى المجازي ، على أن من أصول الإمامية كالشافعية جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وكذا استعمال المشترك في معنييه ، ويحتمل هنا إضمار الجار تبعاً للفعل فتدبر؛ ولا يشكل أن في الآية حينئذ إبهاماً؛ ويبعد وقوع ذلك في التنزيل لأنا نقول : إن الآية نزلت بعد ما فرض الوضوء وعلمه عليه الصلاة والسلام روح القدس إياه في ابتداء البعثة بسنين فلا بأس أن يستعمل فيها هذا القسم من الإبهام ، فإن المخاطبين كانوا عارفين بكيفية الوضوء ولم تتوقف معرفتهم بها على الاستنباط من الآية ، ولم تنزل الآية لتعليمهم بل سوقها لإبدال التيمم من الوضوء والغسل في الظاهر ، وذكر الوضوء فوق التيمم للتمهيد؛ والغالب فيما يذكر لذلك عدم البيان المشبع ، وعن الثالث : بأن حمل المسح على الغسل لداع لا يستلزم حمل الغسل على المسح بغير داع ، فكيف يسقط الاستدلال؟ا سبحان الله تعالى هذا هو العجب العجاب . (4/396)
وعن الرابع : بأنا لا نسلم أن العدول عن تغسلت لإيهامه الغسل فإن تمسحت يوهم ذلك أيضاً بناءاً على ما قاله من أن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضاً سلمنا ذلك لكنا لم نقتصر في الاستشهاد على ذلك ، ويكفي مسح الأرض المطر في الفرض . (4/397)
والوجه الثاني : أن يبقى المسح على الظاهر ، وتجعل الأرجل على تلك القراءة معطوفة على المغسولات كما في قراءة النصب ، والجر للمجاورة ، واعترض أيضاً من وجوه ، الأول والثاني والثالث : ما ذكره الإمام من عدّ الجر بالجوار لحناً وأنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس ولا أمن فيما نحن فيه ، وكونه إنما يكون بدون حرف العطف ، والرابع : أن في العطف على المغسولات سواء كان المعطوف منصوب اللفظ أو مجروره الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ليست اعتراضية وهو غير جائز عند النحاة ، على أن الكلام حينئذ من قبيل ضربت زيداً ، وأكرمت خالداً وبكراً بجعل بكر عطفاً على زيد ، أو إرادة أنه مضروب لا مكرم ، وهو مستهجن جداً تنفر عنه الطباع ولا تقبله الأسماع ، فكيف يجنح إليه أو يحمل كلام الله تعالى عليه؟ا وأجيب عن الأول : بأن إمام النحاة الأخفش وأبا البقاء وسائر مهرة العربية وأئمتها جوزوا جرّ الجوار ، وقالوا بوقوعه في الفصيح كما ستسمعه إن شاء الله تعالى ، ولم ينكره إلا الزجاج وإنكاره مع ثبوته في كلامهم يدل على قصور تتبعه ، ومن هنا قالوا : المثبت مقدم على النافي ، وعن الثاني : بأنا لا نسلم أنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس ولا نقل في ذلك عن النحاة في الكتب المعتمدة ، نعم قال بعضهم : شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكتة وهو هنا كذلك لأن الغاية دلت على أن هذا المجرور ليس بممسوح إذ المسح لم يوجد مغياً في كلامهم ، ولذا لم يغي في آية التيمم ، وإنما يغيا الغسل ، ولذا غيي في الآية حين احتيج إليه فلا يرد أنه لم يغي غسل الوجه لظهور الأمر فيه ، ولا قول المرتضى : إنه لا مانع من تغييه ، والنكتة فيه الإشارة إلى تخفيف الغسل حتى كأنه مسح ، وعن الثالث : بأنهم صرحوا بوقوعه في النعت كما سبق من الأمثلة ، وقوله تعالى : { عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } [ هود : 84 ] بجر { مُحِيطٌ } مع أنه نعت للعذاب ، وفي التوكيد كقوله :
ألا بلغ ذوي الزوجات ( كلهم ) ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
بجر كلهم على ما حكاه الفراء ، وفي العطف كقوله تعالى :
{ وَحُورٌ عِينٌ * كأمثال اللؤلؤ المكنون } [ الواقعة : 22 ، 23 ] على قراءة حمزة والكسائي . وفي رواية المفضل عن عاصم فإنه مجرور بجوار أكواب وأباريق ومعطوف على { ولدان مُّخَلَّدُونَ } [ الواقعة : 17 ] ، وقول النابغة : (4/398)
لم يبق إلا أسير غير منفلت ... ( وموثق ) في حبال القد مجنوب
بجر موثق مع أن العطف على أسير ، وقد عقد النحاة لذلك باباً على حدة لكثرته ولما فيه من المشاكلة؛ وقد كثر في الفصيح حتى تعدوا عن اعتباره في الإعراب إلى التثنية والتأنيث وغير ذلك ، وكلام ابن الحاجب في هذا المقام لا يعبأ به ، وعن الرابع : بأن لزوم الفصل بالجملة إنما يخل إذا لم تكن جملة { وامسحوا } متعلقة بجملة المغسولات فإن كان معناها . وامسحوا الأيدي بعد الغسل برؤوسكم فلا إخلال كما هو مذهب كثير من أهل السنة من جواز المسح ببقية ماء الغسل ، واليد المبلولة من المغسولات ، ومع ذلك لم يذهب أحد من أئمة العربية إلى امتناع الفصل بين الجملتين المتعاطفتين ، أو معطوف ومعطوف عليه ، بل صرح الأئمة بالجواز ، بل نقل أبو البقاء إجماع النحويين على ذلك ، نعم توسط الأجنبي في كلام البلغاء يكون لنكتة وهي هنا ما أشرنا إليه ، أو الإيماء إلى الترتيب ، وكون الآية من قبيل ما ذكر من المثال في حيز المنع ، وربما تكون كذلك لو كان النظم وامسحوا رؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين والواقع ليس كذلك .
وقد ذكر بعض أهل السنة أيضاً وجهاً آخر في التطبيق ، وهو أن قراءة الجر محمولة على حالة التخفف ، وقراءة النصب على حال دونه ، واعترض بأن الماسح على الخف ليس ماسحاً على الرجل حقيقة ولا حكماً ، لأن الخف اعتبر مانعاً سراية الحدث إلى القدم فهي طاهرة ، وما حل بالخف أزيل بالمسح فهو على الخف حقيقة وحكماً ، وأيضاً المسح على الخف لا يجب إلى الكعبين اتفاقاً ، وأجيب بأنه يجوز أن يكون لبيان المحل الذي يجزىء عليه المسح لأنه لا يجزىء على ساقه ، نعم هذا الوجه لا يخلو عن بعد ، والقلب لا يميل إليه ، وإن ادعى الجلال السيوطي أنه أحسن ما قيل في الآية ، وللإمامية في تطبيق القراءتين وجهان أيضاً لكن الفرق بينهما وبين ما سبق من الوجهين اللذين عند أهل السنة أن قراءة النصب التي هي ظاهرة في الغسل عند أهل السنة ، وقراءة الجر تعاد إليها ، وعند الإمامية بالعكس ، الوجه الأول : أن تعطف الأرجل في قراءة النصب على محل { وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } فيكون حكم الرؤوس والأرجل كليهما مسحاً ، الوجه الثاني : أن الواو فيه بمعنى مع من قبيل استوى الماء والخشبة ، وفي كلا الوجهين بحث لأهل السنة من وجوه : الأول : أن العطف على المحل خلاف الظاهر بإجماع الفريقين ، والظاهر العطف على المغسولات والعدول عن الظاهر إلى خلافه بلا دليل لا يجوز وإن استدلوا بقراءة الجر ، قلنا : إنها لا تصلح دليلاً لما علمت ، والثاني إنه لو عطف { وَأَرْجُلَكُمْ } على محل { بِرُؤُوسِكُمْ } جاز أن نفهم منه معنى الغسل ، إذ من القواعد المقررة في العلوم العربية أنه إذا اجتمع فعلان متغايران في المعنى ويكون لكل منهما متعلق جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف على متعلق المذكور كأنه متعلقه ، ومن ذلك قوله :
يا ليت بعلك قد غدا ... متقلداً سيفاً ورمحا (4/399)
فإن المراد وحاملاً رمحاً ، ومنه قوله :
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا
فإنه أراد وكحلن العيونا ، وقوله :
تراه كان مولاه يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه كان له وفر
أي يفقىء عينيه إلى ما لا يحصى كثرة ، والثالث : أن جعل الواو بمعنى مع بدون قرينة مما لا يكاد يجوز ، ولا قرينة ههنا على أنه يلزمه كما قيل : فعل المسحين معاً بالزمان ، ولا قائل به بالاتفاق ، بقي لو قال قائل : لا أقنع بهذا المقدار في الاستدلال على غسل الأرجل بهذه الآية ما لم ينضم إليها من خارج ما يقوي تطبيق أهل السنة فإن كلامهم وكلام الإمامية في ذلك عسى أن يكون فرسا رهان ، قيل له : إن سنة خير الورى صلى الله عليه وسلم وآثار الأئمة رضي الله تعالى عنهم شاهدة على ما يدعيه أهل السنة وهي من طريقهم أكثر من أن تحصى ، وأما من طريق القوم ، فقد روى العياشي عن علي عن أبي حمزة قال : «سألت أبا هريرة عن القدمين فقال : تغسلان غسلاً» وروى محمد بن النعمان عن أبي بصير عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : " إذا نسيت مسح رأسك حتى غسلت رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك " وهذا الحديث رواه أيضاً الكلبي وأبو جعفر الطوسي بأسانيد صحيحة بحيث لا يمكن تضعيفها ولا الحمل على التقية لأن المخاطب بذلك شيعي خاص ، وروى محمد بن الحسن الصفار عن زيد بن علي عن أبيه عن جده أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه قال : «جلست أتوضأ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غسلت قدمي قال : " يا علي خلل بين الأصابع " ونقل الشريف الرضي عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه في «نهج البلاغة» حكاية وضوئه صلى الله عليه وسلم وذكر فيه غسل الرجلين ، وهذا يدل على أن مفهوم الآية كما قال أهل السنة ، ولم يدع أحد منهم النسخ ليتكلف لإثباته كما ظنه من لا وقوف له ، وما يزعمه الإمامية من نسبة المسح إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأنس بن مالك وغيرهما كذب مفترى عليهم ، فإن أحداً منهم ما روي عنه بطريق صحيح أنه جوز المسح ، إلا أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فإنه قال بطريق التعجب : «لا نجد في كتاب الله تعالى إلا المسح ولكنهم أبوا إلا الغسل» ومراده أن ظاهر الكتاب يوجب المسح على قراءة الجر التي كانت قراءته ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوا إلا الغسل ، ففي كلامه هذا إشارة إلى قراءة الجر مؤلة متروكة الظاهر بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ونسبة جواز المسح إلى أبي العالية وعكرمة والشعبي زور وبهتان أيضاً ، وكذلك نسبة الجمع بين الغسل والمسح ، أو التخيير بينهما إلى الحسن البصري عليه الرحمة ، ومثله نسبة التخيير إلى محمد بن جرير الطبري صاحب «التاريخ» الكبير «والتفسير» الشهير ، وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلفة ، ورواها بعض أهل السنة ممن لم يميز الصحيح والسقيم من الأخبار بلا تحقق ولا سند ، واتسع الخرق على الراقع ، ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب «الإيضاح للمترشد في الإمامة» لا أبو جعفر محمد بن جرير بن ( يزيد بن كثيرين ) غالب الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنة ، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل فقط لا المسح ولا الجمع ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه ، ولا حجة لهم في دعوى المسح بما روي عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه «أنه مسح وجهه ويديه ، ومسح رأسه ورجليه ، وشرب فضل طهوره قائماً ، وقال : إن الناس يزعمون أن الشرب قائماً لا يجوز ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت» وهذا وضوء من لم يحدث لأن الكلام في وضوء المحدث لا في مجرد التنظيف بمسح الأطراف كما يدل عليه ما في الخبر من مسح المغسول اتفاقاً ، وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمه بروايات ضعيفة أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على قدميه فهو كما قال الحفاظ : شاذ منكر لا يصلح للاحتجاج مع احتمال حمل القدمين على الخفين ولو مجازاً؛ واحتمال اشتباه القدمين المتخففين بدون المتخففين من بعيد ، ومثل ذلك عند من اطلع على أحوال الرواة ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازي عن فضالة عن حماد بن عثمان عن غالب بن هذيل قال : «سألت أبا جعفر رضي الله تعالى عنه عن المسح على الرجلين فقال : هو الذي نزل به جبريل عليه السلام» وما روي عن أحمد بن محمد قال : «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر رضي الله تعالى عنه عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع بكفيه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين فقلت له : لو أن رجلاً قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين أيجزىء؟ قال : لا إلا بكفه كلها» إلى غير ذلك مما روته الإمامية في هذا الباب ، ومن وقف على أحوال رواتهم لم يعول على خبر من أخبارهم .
وقد ذكرنا نبذة من ذلك في كتابنا «النفحات القدسية في رد الإمامية» على أن لنا أن نقول : لو فرض أن حكم الله تعالى المسح على ما يزعمه الإمامية من الآية فالغسل يكفي عنه ولو كان هو الغسل لا يكفي عنه فبالغسل يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح ، وذلك لأن الغسل محصل لمقصود المسح من وصول البلل وزيادة ، وهذا مراد من عبر بأنه مسح وزيادة ، فلا يرد ما قيل : من أن الغسل والمسح متضادان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض ، وأيضاً كان يلزم الشيعة الغسل لأنه الأنسب بالوجه المعقول من الوضوء وهو التنظيف للوقوف بين يدي رب الأرباب سبحانه وتعالى لأنه الأحوط أيضاً لكون سنده متفقاً عليه للفريقين كما سمعت دون المسح للاختلاف في سنده ، وقال بعض المحققين : قد يلزمهم بناءاً على قواعدهم أن يجوزوا الغسل والمسح ولا يقتصروا على المسح فقط ، وزعم الجلال السيوطي أنه لا إشكال في الآية بحسب القراءتين عند المخيرين إلا أنه يمكن أن يدعى لغيرهم أن ذلك كان مشروعاً أولاً ثم نسخ بتعيين الغسل ، وبقيت القراءتان ثابتتين في الرسم كما نسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وبقي رسم ذلك ثابتاً ، ولا يخفى أنه أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت . هذا وأما قراءة الرفع فلا تصلح في الاستدلال للفريقين إذ لكل أن يقدر ما شاء ، ومن هنا قال الزمخشري فيها : { أَنَّهَا * على } ، لكن ذكر الطيبي أنه لا شك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الإسمية وحذف خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها ، وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لا يلتبس ، وإنما يكون كذلك إذا جعلت القرينة ما علم من منطوق القراءتين ومفهومهما ، وشوهد وتعورف من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ، وسمع منهم واشتهر فيما بينهم . وقد قال عطاء : والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين ، وكل ذلك دافع لتفسيره هذه القراءة بقوله : { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } مغسولة أو ممسوحة على الترديد لا سيما العدول من الإنشائية إلى الإخبارية المشعر بأن القوم كأنهم سارعوا فيه وهو يخبر عنه انتهى ، فالأولى أن يقدر ما هو من جنس الغسل على وجه يبقى معه الإنشاء . وبمجموع ما ذكرنا يعلم ما في كلام الإمام الرازي قدس الله تعالى سره ، ونقله مما قدمناه ، فاعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل . (4/400)
ثم اعلم أنهم اختلفوا في أن الآية هل تقتضي وجوب النية أم لا؟ فقال الحنفية : إن ظاهره لا يقتضي ذلك والقول بوجوبها يقتضي زيادة في النص ، والزيادة فيه تقتضي النسخ ، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير واقع بل غير جائز عند الأكثرين ، وكذا بالقياس على المذهب المنصور للشافعي رضي الله تعالى عنه كما قاله المروزي فإذن لا يصح إثبات النية ، وقال بعض الشافعية : إن الآية تقتضي الإيجاب لأن معنى قوله تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ } إذا أردتم القيام وأنتم محدثون ، والغسل وقع جزاءاً لذلك ، والجزاء مسبب عن الشرط فيفيد وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة ، وبذلك يثبت المطلوب ، وقال آخرون وعليه المعول عندهم وجه الاقتضاء أن الوضوء مأمور به فيها وهو ظاهر ، وكل مأمور به يجب أن يكون عبادة وإلا لما أمر به ، وكل عبادة لا تصح بدون النية لقوله تعالى : { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ } [ البينة : 5 ] والإخلاص لا يحصل إلا بالنية ، وقد جعل حالاً للعابدين ، والأحوال شروط فتكون كل عبادة مشروطة بالنية ، وقاسوا أيضاً الوضوء على التيمم في كونهما طهارتين للصلاة ، وقد وجبت النية في المقيس عليه فكذا في المقيس . (4/401)
ولنا القول بموجب العلة يعني سلمنا أن كل عبادة بنية ، والوضوء لا يقع عبادة بدونها لكن ليس كلامنا في ذلك بل في أنه إذا لم ينو حتى لم يقع عبادة سبباً للثواب فهل يقع الشرط المعتبر للصلاة حتى تصح به أو لا؟ ليس في الآية ولا في الحديث المشهور الذي يوردونه في هذا المقام دلالة على نفيه ولا إثباته ، فقلنا : نعم لأن الشرط مقصود التحصيل لغيره لا لذاته ، فكيف حصل المقصود وصار كستر العورة؟ا وباقي شروط الصلاة التي لا يفتقر اعتبارها إلى أن ينوى ، ومن ادعى أن الشرط وضوء هو عبادة فعليه البيان ، والقياس المذكور على التيمم فاسد ، فإن من المتفق عليه أن شرط القياس أن لا يكون شرعية حكم الأصل متأخرة عن حكم الفرع ، وإلا لثبت حكم الفرع بلا دليل وشرعية التيمم متأخرة عن الوضوء فلا يقاس الوضوء على التيمم في حكمه ، نعم إن قصد الاستدلال بآية التيمم بمعنى أنه لما شرع التيمم بشرط النية ظهر وجوبها في الوضوء وكان معنى القياس أنه لا فارق لم يرد ذلك .
وذكر بعض المحققين في الفرق بين الوضوء والتيمم وجهين ، الأول : أن التيمم ينبىء لغة عن القصد فلا يتحقق بدونه بخلاف الوضوء ، والثاني : أن التراب جعل طهوراً في حالة مخصوصة والماء طهور بنفسه كما يستفاد من قوله تعالى : { مَاء طَهُوراً } [ الفرقان : 48 ] وقوله سبحانه : { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } [ الأنفال : 11 ] فحينئذ يكون القياس فاسداً أيضاً . واعترض الوجه الأول : بأن النية المعتبرة ليست نية نفس الفعل بل أن ينوي المقصود به الطهارة والصلاة ولو صلاة الجنازة وسجدة التلاوة على ما بين في محله ، وإذا كان كذلك فإنما ينبىء عن قصد هو غير المعتبر نية فلا يكون النص بذلك موجباً للنية المعتبرة ، ومن هنا يعلم ما في استدلال بعد الشافعية بآية الوضوء على وجوب النية فيه السابق آنفاً ، وذلك لأن المفاد بالتركيب المقدر إنما هو وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة مع الحدث لا إيجاب أن يغسل لأجل الصلاة إذ عقد الجزاء الواقع طلباً بالشرط يفيد طلب مضمون الجزاء إذا تحقق مضمون الشرط ، وأن وجوبه اعتبر مسبباً عن ذلك ، فأين طلبه على وجه مخصوص هو فعله على قصد كونه لمضمون الشرط فتأمل ، فقد خفي هذا على بعض الأجلة حتى لم يكافئه بالجواب ، والوجه الثاني : بأنه إن أريد بالحالة المخصوصة حالة الصلاة فهو مبني على أن الإرادة مرادة في الجملة المعطوفة عليها جملة التيمم .
وأنت قد علمت الآن أن لا دلالة فيها على اشتراط النية ، وإن أريد حالة عدم القدرة على استعمال الماء فظاهر أن ذلك لا يقتضي إيجاب النية ولا نفيها ، واستفاد كون الماء طهوراً بنفسه مما ذكر بأن كون المقصود من إنزاله التطهير به ، وتسميته طهوراً لا يفيد اعتباره مطهراً بنفسه أي رافعاً للأمر الشرعي بلا نية ، وهو المطلوب بخلاف إزالته الخبث لأن ذلك محسوس أنه مقتضى طبعه ولا تلازم بين إزالته حساً صفة محسوسة وبين كونه يرتفع عند استعماله اعتبار شرعي ، والمفاد من { لّيُطَهّرَكُمْ } كون المقصود من إنزاله التطهير به ، وهذا يصدق مع اشتراط النية كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه وعدمه كما قلنا ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه كما هو المقرر فتدبر . (4/402)
واختلفوا أيضاً في أنها هل تقتضي وجوب الترتيب أم لا؟ فذهب الحنفية إلى الثاني لأن المذكور فيها الواو وهي لمطلق الجمع على الصحيح المعول عليه عندهم ، والشافعية إلى الأول لأن الفاء في اغسلوا للتعقيب فتفيد تعقيب القيام إلى الصلاة بغسل الوجه ، فيلزم الترتيب بين الوجه وغيره ، فيلزم في الكل لعدم القائل بالفصل . وأجيب بأنا لا نسلم إفادتها تعقيب القيام به بل جملة الأعضاء وتحقيقه أن المعقب طلب الغسل وله متعلقات وصل إلى أولها ذكراً بنفسه وإلى الباقي بواسطة الحرف المشترك فاشتركت كلها فيه من غير إفادة طلب تقديم تعليقه ببعضها على بعض في الوجود؛ فصار مؤدى التركيب طلب إعقاب غسل جملة الأعضاء ، وهذا نظير قولك : ادخل السوق فاشتر لنا خبزاً ولحماً حيث كان المفاد أعقاب الدخول بشراء ما ذكر كيفما وقع . وزعم بعضهم أن إفادة النظم للترتيب لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول ، ولأنهم يقدمون الأهم فالأهم ، وفيه نظر لأن قصارى ما يدل عليه النظم أولوية الترتيب ونحن لا ننكر ذلك ، وقال آخرون : الدليل على الترتيب فعله صلى الله عليه وسلم فقد توضأ عليه الصلاة والسلام مرتباً ، ثم قال :
« هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به » وفيه أن الإشارة كانت لوضوء مرتب موالى فيه . فلو دلّ على فرضية الترتيب لدل على فرضية الموالاة ولا قائل بها عند الفريقين ، نعم أقوى دليل لهم قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : « ابدأوا بما بدأ الله تعالى به » بناءاً على أن الأمر للوجوب ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وأجيب عن ذلك بما أجيب إلا أن الاحتياط لا يخفى ، وهذا المقدار يكفي في الكلام على هذه الآية ، والزيادة على ذلك ببيان سنن الوضوء ونواقضه وما يتعلق به مما لا تفهمه الآية كما فعل بعض المفسرين فضول لا فضل ، وإظهار علم يلوح من خلاله الجهل . (4/403)
{ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً } أي عند القيام إلى الصلاة { فاطهروا } أي فاغتسلوا على أتم وجه ، وقرىء { فاطهروا } أي فطهروا أبدانكم ، والمضمضة والاستنشاق هنا فرض كغسل سائر البدن لأنه سبحانه أضاف التطهير إلى مسمى الواو ، وهو جملة بدن كل مكلف ، فيدخل كل ما يمكن إليه إلا ما فيه حرج كداخل العينين فيسقط للحرج ولا حرج في داخل الفم والأنف فيشملهما نص الكتاب من غير معارض كما شملها قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود : « تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة » وكونهما من الفطرة كما جاء في الخبر لا ينفي الوجوب لأنها الدين ، وهو أعم منه ، وتشعر الآية بأنه لا يجب الغسل على الجنب فوراً ما لم يرد فعل ما لا يجوز بدونه؛ ويؤيد ذلك ما صح أنه صلى الله عليه وسلم خرج لصلاة الفجر ناسياً أنه جنب حتى إذا وقف تذكر فانصرف راجعاً فاغتسل وخرج ورأسه الشريف يقطر ماءاً .
{ وَإِنْ كُنتُم مرضى } مرضاً تخافون به الهلاك ، أو ازدياده باستعمال الماء .
{ أَوْ على سَفَرٍ } أي مستقرين عليه . { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ * مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ } من لابتداء الغاية ، وقيل : للتبعيض وهو متعلق بامسحوا وقرأ عبد الله فأموا صعيداً وقد تقدم تفسير الآية في سورة النساء ( 43 ) فليراجع ، ولعل التكرير ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة ، ولئلا يتوهم النسخ على ما قيل بناءاً على أن هذه السورة من آخر ما نزل .
{ مَا يُرِيدُ الله } بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة والغسل من الجنابة ، أو بالأمر بالتيمم { لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } أي ضيق في الامتثال ، و الجعل يحتمل أن يكون بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو { مِنْ حَرَجٍ } و { مِنْ } زائدة ، و { عَلَيْكُمْ } حينئذٍ متعلق بالجعل وجوز أن يتعلق بحرج وإن كان مصدراً متأخراً ، ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير ، فيكون { عَلَيْكُمْ } هو المفعول الثاني { ولكن يُرِيدُ } أي بذلك { لّيُطَهّرَكُمْ } أي لينظفكم ، فالطهارة لغوية ، أو ليذهب عنكم دنس الذنوب ، فإن الوضوء يكفر الله تعالى به الخطايا ، فقد أخرج مالك ومسلم وابن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه :
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب " فالطهارة معنوية بمعنى تكفير الذنوب لا بمعنى إزالة النجاسة ، لأن الحدث ليس نجاسة بلا خلاف ، وإطلاق ذلك عليه باعتبار أنه نجاسة حكمية بمعنى كونه مانعاً من الصلاة لا بمعنى كونه بحيث يتنجس الطعام أو الشراب الرطب بملاقاة المحدث أو تفسد الصلاة بحمله ، وأما تنجس الماء فيما شاع عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وروي رجوعه عنه فلانتقال المانعية والآثام إليه حكماً ، وقيل : المراد تطهير القلب عن دنس التمرد عن طاعة الله تعالى . وجوز أن يكون المراد ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء ، والمراد بالتطهر رفع الحدث والمانع الحكمي ، وأما ما نقل عن بعض الشافعية كإمام الحرمين من أن القول بأن التراب مطهر قول ركيك ، فمراده به : منع الطهارة الحسية فلا يرد عليه أنه مخالف للحديث الصحيح " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " والإرادة صفة ذات ، وقد شاع تفسيرها ، ومفعولها في الموضعين محذوف كما أشير إليه ، واللام للعلة ، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين ، وقيل : هي مزيدة والمعنى ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج حتى لا يرخص لكم في التيمم ولكن يريد أن يطهركم وضعف بأن ألا تقدر بعد المزيدة ، وتعقب بأن هذا مخالف لكلام النحاة ، فقد قال الرضي : الظاهر أن تقدر أن بعد اللام الزائدة التي بعد فعل الأمر والإرادة ، وكذا في «المغني» ( لابن هشام ) وغيره ، ووقوع هذه اللام بعد الأمر والإرادة في القرآن . وكلام العرب شائع مقيس ، وهو من مسائل «الكتاب» ( لسيبويه ) ( 1 ) قال فيه : سألته أي الخليل عن معنى أريد لأن يفعل فقال : إنما تريد أن تقول : أريد لهذا كما قال تعالى : (4/404)
{ وَأُمِرْتُ لاِنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين } [ الزمر : 12 ] انتهى ، واختلف فيه النحاة فقال السيرافي : فيه وجهان : أحدهما : ما اختاره البصريون أن مفعوله مقدر أي أريد ما أريد لأن تفعل ، فاللام تعليلية غير زائدة ، الثاني : أنها زائدة لتأكيد المفعول ، وقال أبو علي في «التعليق» عن المبرد : إن الفعل دال على المصدر فهو مقدر أي أردت وإرادتي لكذا فحذف إرادتي واللام زائدة وهو تكلف بعيد ، والمذاهب ثلاثة : أقربها الأول ، وأسهلها الثاني وهو من بليغ الكلام القديم كقوله : (4/405)
أريد ( لأنسي ) ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
البلاغة فيه مما يعرفه الذوق السليم قاله الشهاب { وَلَّيْتُم } بشرعه ما هو مطهرة لأبدانكم { نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } في الدين ، أو ليتم برخصة إنعامه عليكم بالعزائم { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته بطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه .
ومن لطائف الآية الكريمة كما قال بعض المحققين أنها مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى : طهارتان أصل وبدل ، والأصل إثنان : مستوعب وغير مستوعب ، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح ، وباعتبار المحل محدود وغير محدود ، وأن آلتهما مائع وجامد ، وموجبهما حدث أصغر وأكبر ، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر ، وأن الموعود عليهما التطهير وإتمام النعمة ، وزاد البعض مثنيات أخر ، فإن غير المحدود وجه ورأس ، والمحدود يد ورجل ، والنهاية كعب ومرفق ، والشكر قولي وفعلي .
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
{ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } وهي نعمة الإسلام ، أو الأعم على إرادة الجنس ، وأمروا بذلك ليذكرهم المنعم ويرغبهم في شكره { وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ } أي عهده الذي أخذه عليكم وقوله تعالى : { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ظرف لواثقكم به أو لمحذوف وقع حالاً من الضمير المجرور في { بِهِ } أو من ميثاقه أي كائناً وقت قولكم : سمعنا وأطعنا وفائدة التقييد به تأكيد وجوب مراعاته ( بتذكير قبولهم ) والتزامهم بالمحافظة عليه ، والمراد به الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية سنة ثلاث عشرة من النبوة على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت ، وقيل : هو الميثاق الواقع في العقبة الأولى سنة إحدى عشرة ، أو بيعة الرضوان بالحديبية ، فإضافة الميثاق إليه تعالى مع صدوره عنه صلى الله عليه وسلم لكون المرجع إليه سبحانه كما نطق به قوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] . وأخرج ابن جرير وابن حميد عن مجاهد قال : هو الميثاق الذي واثق به بني آدم حين أخرجهم من صلب أبيهم عليه السلام وفيه بعد . (4/406)
{ واتقوا الله } في نسيان نعمته ونقض ميثاقه ، أو في كل ما تأتون وتذرون فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي مخفياتها الملابسة لها ملابسة تامة مصححة لإطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها ، فما ظنكم بجليات الأعمال؟ والجملة اعتراض وتعليل للأمر وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)
{ خَبِيراً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } شروع في بيان الشرائع المتعلقة لما يجري بينهم وبين غيرهم إثر ( بيان ) ما يتعلق بأنفسهم { كُونُواْ * يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } أي كثيري القيام له بحقوقه اللازمة ، وقيل : أي ليكن من عادتكم القيام بالحق في أنفسكم بالعمل الصالح ، وفي غيركم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ابتغاء مرضاة الله تعالى { شُهَدَاء بالقسط } أي بالعدل ، وقيل : دعاة لله تعالى مبينين عن دينه بالحجج الحقة { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } أي لا يحملنكم { عَلَيْهِ قَوْمٌ } أي شدة بغضكم لهم { عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } فلا تشهدوا في حقوقهم بالعدل ، أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل { اعدلوا } أيها المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم ، واقتصر بعضهم على الأعداء بناءاً على ما روي أنه لما فتحت مكة كلف الله تعالى المسلمين بهذه الآية أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم ، وأن يعدلوا في القول والفعل { هُوَ } راجع إلى العدل الذي تضمنه الفعل ، وهو إما مطلق العدل فيندرج فيه العدل الذي أشار إليه سبب النزول ، وإما العدل مع الكفار { أَقْرَبُ للتقوى } أي أدخل في مناسبتها لأن التقوى نهاية الطاعة وهو أنسب الطاعات بها ، فالقرب بينهما على هذا مناسبة الطاعة للطاعة ، ويحتمل أن يكون أقربيته على التقوى باعتبار أنه لطف فيها فهي مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب وهو بمنزلة الجزء الأخير من العلة ، واللام مثلها في قولك : هو قريب لزيد للاختصاص لا مكملة فإنه بمن أو إلى . وتكلف الراغب في توجيه الآية فقال : فإن قيل : كيف ذكر سبحانه { أَقْرَبُ للتقوى } ، وأفعل إنما يقال في شيئين اشتركا في أمر واحد لأحدهما مزية وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من العدالة؟ قيل : إن أفعل وإن كان كما ذكرت فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعاً لكلامه وإظهاراً لتبكيته فيقال لمن اعتقد مثلاً في زيد فضلاً وإن لم يكن فيه فضل ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمراً أفضل منه : اخدم عمراً فهو أفضل من زيد ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى : { الله خَيْرٌ * أَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النمل : 59 ] وقد علم أن لا خير فيما يشركون . (4/407)
والجملة في موضع التعليل للأمر بالعدل ، وصرح لهم به تأكيداً وتشديداً ، وأمر سبحانه بالتقوى بقوله جل وعلا : { واتقوا الله } إثر ما بين أن العدل أقرب لها اعتناءاً بشأنها وتنبيهاً على أنها ملاك الأمر كله { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال فيجازيكم بذلك ، وقد تقدم نظير هذه الآية في النساء ( 135 ) ، ولم يكتف بذلك لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ ، وقيل : لاختلاف السبب ، فإن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود ، وذكر بعض المحققين وجهاً لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا ، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة ، والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام لله تعالى لأنه أردع للمؤمنين ، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجىء في كل معرض بما يناسبه .
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)
{ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } من الواجبات والمندوبات ومن جملتها العدل والتقوى { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } جملة مستأنفة مبينة لثاني مفعولي { وَعْدُ } المحذوف كأنه قيل : أي شيء وعده؟ فقيل : لهم مغفرة الخ . ويحتمل أن يكون المفعول متروكاً والمعنى قدم لهم وعداً وهو ما بين بالجملة المذكورة ، وجوز أن تكون مفعول وعد باعتبار كونه بمعنى قال ، أو المراد حكايته لأنه يحكي بما هو في معنى القول عند الكوفيين ، ويحتمل أن يكون القول مقدراً أي وعدهم قائلاً ذلك لهم أي في حقهم فيكون إخباراً بثبوته لهم وهو أبلغ ، وقيل : إن هذا القول يقال لهم عند الموت تيسيراً لهم وتهويناً لسكرات الموت عليهم . . (4/408)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)
{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا } القرآنية التي من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالأمر بالعدل والتقوى ، وحمل بعضهم الآيات على المعجزات التي أيد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم { أولئك } الموصوفون بما ذكر { أصحاب الجحيم } أي ملابسوا النار الشديدة التأجج ملابسة مؤبدة ، والموصول مبتدأ أول ، واسم الإشارة مبتدأ ثان وما بعده خبره ، والجملة خبر الأول ، ولم يؤت بالجملة في سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد قطعاً لرجائهم ، وفي ذكر حال الكفرة بعد حال المؤمنين كما هو السنة السنية القرآنية وفاءاً بحق الدعوة ، وتطييباً لقلوب المؤمنين بجعل أصحاب النار أعداءهم دونهم . (4/409)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)
{ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ } تذكير لنعمة الإنجاء من الشر إثر تذكير نعمة إيصال الخير الذي هو نعمة الإسلام وما يتبعها من الميثاق ، أو تذكير نعمة خاصة بعد تذكير النعمة العامة اعتناءاً بشأنها ، و { عَلَيْكُمْ } متعلق بنعمة الله أو بمحذوف وقع حالاً منها ، وقوله تعالى : { إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } على الأول : ظرف لنفس النعمة ، وعلى الثاني : لما تعلق به الظرف ، ولا يجوز أن يكون ظرفاً لاذكروا لتنافي زمنيهما فإن { إِذْ } للمضي ، و { اذكروا } للمستقبل ، أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم ، أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم وقت قصد قوم { أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } أي بأن يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك ، يقال : بسط إليه يده إذا بطش به ، وبسط إليه لسانه إذا شتمه ، والبسط في الأصل مطلق المد ، وإذا استعمل في اليد واللسان كان كناية عما ذكر ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان رجوع ضرر البسط وغائلته إليهم حملاً لهم من أول الأمر على الاعتداد بنعمة دفعه . (4/410)
{ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } عطف على { هُمْ } وهو النعمة التي أريد تذكيرها ، وذكر الهم للإيذان بوقوعها عند مزيد الحاجة إليها ، والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها ، وإظهار الأيدي لزيادة التقرير وتقديم المفعول الصريح على الأصل أي منع أيديهم أن تمد إليكم عقيب همهم بذلك وعصمكم منهم ، وليس المراد أنه سبحانه كفها عنكم بعد أن مدوها إليكم ، وفي ذلك ما لا يخفى من إكمال النعمة ومزيد اللطف .
والآية إشارة إلى ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر أن المشركين رأوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعسفان قاموا إلى الظهر معاً فلما صلوا ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم ، وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى صلاة العصر ، فردّ الله تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة الخوف ، وقيل : إشارة إلى ما أخرجه أبو نعيم في «الدلائل» من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن عمرو بن أمية الضمري حيث انصرف من بئر معونة لقي رجلين كلابيين معهما أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومضى إلى بني النضير ومعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وعمر وعلي فتلقوه فقالوا : مرحباً يا أبا القاسم لماذا جئت؟ قال : رجل من أصحابي قتل رجلين من كلاب معهما أمان مني طلب مني ديتهما فأريد أن تعينوني قالوا : نعم اقعد حتى نجمع لك فقعد تحت الحصن وأبو بكر وعمر وعلي ، وقد تآمر بنو النضير أن يطرحوا عليه عليه الصلاة والسلام حجراً فجاء جبريل عليه السلام فأخبره فقام ومن معه» .
وقيل : إشارة إلى ما أخرجه غير واحد من حديث جابر « أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فسله ، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك مني؟ قال : الله تعالى قالها الأعرابي مرتين ، أو ثلاثاً والنبي صلى الله عليه وسلم في كل ذلك يقول : الله تعالى ، فشام الأعرابي السيف فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه » ، ولا يخفى أن سبب النزول يجوز تعدده ، وأن القوم قد يطلق على الواحد كالناس في قوله تعالى : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } [ آل عمران : 173 ] وأن ضرر الرئيس ونفعه يعودان إلى المرؤوس . (4/411)
{ واتقوا الله } عطف على { اذكروا } أي اتقوه في رعاية حقوق نعمته ولا تخلوا بشكرها ، أي في الأعم من ذلك ويدخل هو دخولاً أولياً . { وَعَلَى الله } خاصة دون غيره استقلالاً أو اشتراكاً { فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } فإنه سبحانه كاف في درء المفاسد وجلب المصالح ، والجملة تذييل مقرر لما قبله ، وإيثار صيغة أمر الغائب وإسنادها للمؤمنين لإيجاب التوكل على المخاطبين بطريق برهاني ولإظهار ما يدعو إلى الامتثال ، ويزع عن الإخلال مع رعاية الفاصلة ، وإظهار الاسم الجليل لتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة التذييلية وقد مرت نظائره وهذه الآية كما نقل عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه تقرأ سبعاً صباحاً وسبعاً مساءاً لدفع الطاعون .
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)
{ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق * بَنِى * إسراءيل } كلام مستأنف مشتمل على بيان بعض ما صدر من بني إسرائيل مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر نعمة الله تعالى ومراعاة حق الميثاق ، وتحذيرهم من نقضه ، أو لتقرير ما ذكر من الهم بالبطش ، وتحقيقه بناءاً على أنه كان صادراً من أسلافهم ببيان أن الغدر والخيانة فيهم شنشنة أخزمية ، وإظهار الاسم الجليل هنا لتربية المهابة وتفخيم الميثاق وتهويل الخطب في نقضه مع ما فيه من رعاية حق الاستئناف المستدعي للانقطاع عما قبله ، والالتفات في قوله تعالى : { وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً } للجري على سنن الكبرياء ، وتقديم المفعول الغير الصريح على الصريح لما مر غير مرة من الاهتمام والتشويق ، و النقيب قيل : فعيل بمعنى فاعل مشتقاً من النقب بمعنى التفتيش ، ومنه { فَنَقَّبُواْ فِى البلاد } [ ق : 36 ] وسمي بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأسرارهم ، وقيل : بمعنى مفعول كأن القوم اختاروه على علم منهم ، وتفتيش على أحوالهم . قال الزجاج : وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل ، ويقال : فلان حسن النقيبة أي جميل الخليقة ، ونقاب : للعالم بالأشياء الذكي القلب الكثير البحث عن الأمور ، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عمق ، ومن ذلك نقبت الحائط أي بلغت في النقب آخره . (4/412)
روي أن بني إسرائيل لما فرغوا من أمر فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون ، وقال سبحانه لهم : إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها فإني ناصركم ، وأمر جل شأنه موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط كفيلاً عليهم بالوفاء فيما أمروا به فأخذ عليهم الميثاق ، واختار منهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأخبار ونهاهم أن يحدثوا قومهم فرأوا أجراماً عظاماً وبأساً شديداً فهابوا ، فرجعوا وحدثوا قومهم إلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع بن نون من سبط إفرائيم بن يوسف عليه السلام ، وعند ذلك قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : { فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن النقباء لما دخلوا على الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم ، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمس أنفس بينهم في خشبة ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمس أنفس أو أربع ، وذكر البغوي أنه لقيهم رجل من أولئك يقال له عوج بن عنق ، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله ، ويروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج ، وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام ، وذلك أنه جاء وقور صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام وكان فرسخاً في فرسخ وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله .
وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم عليه السلام ، وكان مجلسها جريباً من الأرض ، فلما لقوا عوجاً وعلى رأسه حزمة حطب أخذهم جميعاً وجعلهم في حزمته ، وانطلق بهم إلى امرأته وقال : انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها ، وقال : ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته : لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل انتهى . (4/413)
وأقول : قد شاع أمر عوج عند العامة ونقلوا فيه حكايات شنيعة ، وفي «فتاوى العلامة ابن حجر» قال الحافظ العماد بن كثير : قصة عوج وجميع ما يحكون عنه هذيان لا أصل له ، وهو من مختلقات أهل الكتاب ، ولم يكن قط على عهد نوح عليه السلام ولم يسلم من الكفار أحد ، وقال ابن القيم : من الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعاً أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عوج الطويل وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث وكذب على الله تعالى إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره ولا يبين أمره ، ثم قال : ولا ريب في أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم انتهى .
وأورد ابن المنذر عن ابن عمر من قصته شيئاً عجيباً ، وتعقبه بعض المصنفين بأن هذا مما يستحي الشخص من نسبته إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، ومشى صاحب «القاموس» على أن أخباره موضوعة ، وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن حبان في كتاب «العظمة» فيه آثاراً قال الحفاظ في أطولها المشتمل على غرائب من أحواله : إنه باطل كذب ، وقال الحافظ السيوطي : والأقرب في خبر عوج أنه من بقية عاد ، وأنه كان له طول في الجملة مائة ذراع أو شبه ذلك ، وأن موسى عليه الصلاة والسلام قتله بعصاه ، وهذا هو القدر الذي يحتمل قبوله انتهى ، ونعم ما قال ، فإن بقاءه في الطوفان مع كفره الظاهر إذ لم ينقل إيمانه ، ودعوة نوح عليه السلام التي عمت الأرض مما لا يكاد يقبله المنصف ، وكذا بقاؤه بعد الطوفان مع قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } [ الصافات : 77 ] مما لا يسوغه العارف ، وشيه الحوت بعين الشمس ، مما لا يكاد يعقل على ما ذكره الحكماء فقد ذكر الخلخالي أنهم ذهبوا إلى أن الشمس ليست حارة وإلا لكان قلل الجبال أحر من الوهاد لقرب القلل إلى الشمس وبعد الوهاد عنها بل الحرارة تحدث من وصول شعاع الشمس إلى وجه الأرض وانعكاسه عنه ولذلك يرى الوهاد أحر لتراكم الأشعة المنعكسة فيها فما وصل إليه الشعاع من وجه الأرض يصير حاراً وإلا فلا ، وذكر نحو ذلك شارح «حكمة العين» ، ولا يرد على هذا أن بعض الناس روى أن كذا ملائكة ترمي الشمس بالثلج إذا طلعت ، ولولا ذلك لأحرقت أهل الأرض لأن ذلك مما لم يثبت عند الحفاظ ، وهو إلى الوضع أقرب منه إلى الصحة ، ثم كان القائل بوجود عوج هذا من الناس لا يقول بالطبقة الزمهرية التي هي الطبقة الثالثة من طبقات العناصر السبع ، ولا بما فوقها وإلا فكيف يكون الاحتجاز بالسحاب وهو كالرعد والبرق ، والصاعقة إنما ينشأ من تلك الطبقة الباردة التي لا يصل إليها أثر شعاع الشمس بالانعكاس من وجه الأرض ، وقد ذكروا أيضاً أن فوقها طبقتين : الأولى : ما يمتزج مع النار وهي التي يتلاشى فيها الأدخنة المرتفعة عن السفل ، ويتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب والنيازك ، والثانية : ما يقرب من الخلوص إذ لا يصل إليه حرارة ما فوقه ولا برودة ما تحته من الأرض والماء ، وهي التي يحدث فيها الشهب ، فإذا احتجز هذا الرجل بالسحاب وصل رأسه على زعمهم إلى إحدى تينك الطبقتين ، فكيف يكون حاله مع ذلك البرد والحر؟ا ولا أظن بشراً كيف كان يقوى على ذلك ، على أن أصل الاحتجاز مما لا يمكن بناءاً على كلام الحكماء إذ قد علمت أن منشأ السحب الطبقة الزمهريرية .
وفي كتاب «نزهة القلوب» نقلاً عن الحكيم أبي نصر أن غاية ارتفاعها اثني عشر فرسخاً وستمائة ذراع ، وعن المتقدمين أنها ثمانية عشر فرسخاً ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع انتهى . واختلفوا أيضاً في غاية انحطاطها ، ولم يذكر أحد منهم أنها تنحط إلى ما يتصور معه احتجاز الرجل الذي ذكروا من طوله ما ذكروا بالسحاب ، اللهم إلا أن يراد به سحاب لم يبلغ هذا الارتفاع ومع هذا كله قد أخطأوا في قولهم : ابن عنق ، وإنما هو ابن عوق كنوح كما نص على ذلك في «القاموس» ، وهو أيضاً اسم والده لا والدته كما ذكر هناك أيضاً فليحفظ . وأخرج ابن حميد وابن جرير عن أبي العالية أنه قال في الآية : أخذ الله تعالى ميثاق بني إسرائيل أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره؛ وبعث منهم اثني عشر كفيلاً كفلوا عليهم بالوفاء لله تعالى بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به ونهاهم عنه ، واختاره الجبائي ، والنقباء حينئذٍ يجوز أن يكونوا رسلاً ، وأن يكونوا قادة كما قال البلخي واختار أبو مسلم أنهم بعثوا أنبياء ليقيموا الدين ويعلموا الأسباط التوراة ويأمروهم بما فرضه الله تعالى عليهم ، وأخرج الطيبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا وزراء وصاروا أنبياء بعد ذلك . (4/414)
{ وَقَالَ الله } أي للنقباء عند الربيع ، ورجحه السمين للقرب ، وعند أكثر المفسرين لبني إسرائيل ورجحه أبو حيان إذ هم المحتاجون إلى ما ذكر من الترغيب والترهيب كما ينبىء عنه الإلتفات مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيد ما يتضمنه الكلام من الوعد { إِنّى مَعَكُمْ } أسمع كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك ، وقيل : معكم بالنصرة ، وقيل : بالعلم ، والتعميم أولى . (4/415)
{ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى } أي بجميعهم ، واللام موطئة للقسم المحذوف ، وتأخير الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المترتبة عليه لما أنهم كما قال غير واحد كانوا معترفين بوجوبهما حسبما يراد منهم مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ولمراعاة المقارنة بينه وبين قوله تعالى : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } ، وقال بعضهم : إن جملة { وَلَقَدْ أَخَذَ } إلى آخره كناية إيمائية عن المجاهدة ، ونصرة دين الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام والإنفاق في سبيله كأنه قيل : لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم في سبيل الله يدل عليه قوله تعالى : { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين } [ المائدة : 21 ] فإن المعنى لا ترتدوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم عليه الصلاة والسلام ، وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه القرينة دون الأولين ، وأبرزت في معرض الكناية لأن القوم كانوا يتقاعدون عن القتال ويقولون لموسى عليه السلام إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون انتهى ، ولا يخلو عن نظر . وقيل : إنما قدم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لأنها الظاهر من أحوالهم الدالة على إيمانهم ، و التعزير أصل معناه المنع والذب ، وقيل : التقوية من العزر ، وهو والأزر من واد واحد ، ولا يخفى أن في التقوية منعاً لمن قويته عن غيره فهما متقاربان ، ثم تجوز فيه عن النصرة لما فيها من ذلك وعن التأديب ، وهو في الشرع ما كان دون الحدّ لأنه رادع ومانع عن ارتكاب القبيح ، ولذا سمي في الحديث نصرة ، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره " ، وقال الراغب : «التعزير النصرة مع التعظيم» ، وبالنصرة فقط فسره الحسن . ومجاهد ، وبالتعظيم فقط فسره ابن زيد . وأبو عبيدة ، وقرىء عزرتموهم بالتخفيف .