صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)
{ إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } لعدم استعدادهم للهداية إلى الحق والأعمال الصالحة التي هي طريق الجنة ، والمراد من الهداية المفهومة من الاستثناء بطريق الإشارة كما قال غير واحد : خلقه سبحانه لأعمالهم السيئة المؤدية لهم إلى جهنم حسب استعدادهم ، أو سوقهم إلى جهنم يوم القيامة بواسطة الملائكة ، وذكر بعضهم أن التعبير بالهداية تهكم إن لم يرد بها مطلق الدلالة ، والطريق على عمومه ، والاستثناء متصل كما اختاره أبو البقاء وغيره ، وجوز السمين أن يراد بالطريق شيء مخصوص وهو العمل الصالح والاستثناء منقطع { خالدين فِيهَا } حال مقدرة من الضمير المنصوب لأن الخلود يكون بعد إيصالهم إلى جهنم ، ولو قدر يقيمون خالدين لم يلتئم ، وقيل : يمكن أن يستغني عن جعله حالاً مقدرة بأن هذا من الدلالة الموصلة إلى جهنم ، أو الدلالة إلى طريق يوصل إليها فهو حال عن المفعول باعتبار الإيصال لا الدلالة فتدبر ، وقوله تعالى : { أَبَدًا } نصب على الظرفية رافع احتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل { وَكَانَ ذلك } أي انتفاء غفرانه وهدايته سبحانه إياهم وطرحهم في النار إلى الأبد { عَلَى الله يَسِيراً } سهلاً لا صارف له عنه ، وهذا تحقير لأمرهم وبيان لأنه تعالى لا يعبأ بهم ولا يبالي . (4/323)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)
{ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } خطاب لجميع المكلفين بعد أن حكى سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم تعلل اليهود بالأباطيل واقتراحهم الباطل تعنتاً ، ورد جل شأنه عليهم بما رد وأكد ذلك بما أكد ، وفي توجيه الخطاب إليهم وأمرهم بالإيمان مشفوعاً بالوعد والوعيد بعد تنبيه على أن المحجة قد وضحت والحجة قد لزمت فلم يبق لأحد عذر في القبول ، وقيل : الخطاب لأهل مكة لأن الخطاب بيا أيها الناس أينما وقع لهم ، ولا يخفى أن التعميم أولى ، وما ذكر في حيز الاستدلال وإن روى عن بعض السلف أغلبي ، وقيل : هو للكفار مطلقاً إبقاءاً للأمر على ظاهره ، ولم يحتج إلى حمله على ما يعم الأحداث والثبات . (4/324)
{ قَدْ جَاءكُمُ الرسول } يعني به محمداً صلى الله عليه وسلم ، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب طاعته { بالحق } أي متلبساً به ، وفسر بالقرآن . وبدين الإسلام . وبشهادة التوحيد ، وجوز أن تكون الباء للتعدية أو للسببية متعلقة بجاء أي جاءكم بسبب إقامة الحق ، وقوله سبحانه : { مّن رَّبّكُمْ } متعلق إما بالفعل أيضاً ، أو بمحذوف وقع حالاً من ( الحق ) ؛ أي جاءكم به من عند الله تعالى ، أو كائناً منه سبحانه ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغهم إلى كمالهم اللائق بهم ترغيباً لهم في الامتثال لما بعد من الأمر كما أن في ذكر الجملة تمهيداً لما يعقبها من ذلك؛ وقيل : إنها تكرير للشهادة وتقرير للمشهود به وتمهيد لما ذكر .
{ فَئَامِنُواْ } أي بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الحق ، والفاء للدلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها ، وقوله سبحانه : { خَيْراً لَّكُمْ } منصوب بفعل محذوف وجوباً تقديره وافعلوا أو ائتوا خيراً لكم ، وإلى هذا ذهب الخليل وسيبويه ، وذهب الفراء إلى أنه نعت لمصدر محذوف أي إيماناً خيراً لكم ، وأورد عليه أنه يقتضي أن الإيمان ينقسم إلى خير وغيره ودفع بأنه صفة مؤكدة ، وأن مفهوم الصفة قد لا يعتبر ، وعلى القول باعتباره قد يقال : إن ذكره تعريض بأهل الكتاب فإن لهم إيماناً ببعض ما يجب الإيمان به كاليوم الآخر مثلاً إلا أنه ليس خيراً حيث لم يكن على الوجه المرضي . وذهب الكسائي وأبو عبيدة إلى أنه خبر كان مضمرة ، والتقدير يكن الإيمان خيراً لكم ، ورد بأن كان لا تحذف مع اسمها دون خبرها إلا في مواضع اقتضته ، وأن المقدر جواب شرط محذوف فيلزم حذف الشرط وجوابه إذ التقدير إن تؤمنوا يكن الإيمان خيراً ، وأجيب بأن تخصيص حذف كان واسمها في مواضع لا يسلمه هذا القائل؛ وبأن لزوم حذف الشرط وجوابه مبني على أن الجزم بشرط مقدر ، وإن قلنا : بأنه بنفس الأمر وأخواته كما هو مذهب لبعض النحاة لم يرد ذلك ، ونقل مكي عن بعض الكوفيين أنه منصوب على الحال وهو بعيد .
{ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى * السموات والارض } من الموجودات سواء كانت داخلة في حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على أبلغ وجه وآكده ، أو خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم ويدخل في ذلك المخاطبون دخولاً أولياً أي كل ذلك له تعالى خلقاً وملكاً وتصرفاً ، ولا يخرج من ملكوته وقهره ذرة فما دونها ، والجملة دليل الجواب أقيم مقامه لأن مضمونها مقرر قبل كفرهم فلا يصلح للجواب ، والتقدير وإن تكفروا فهو سبحانه قادر على تعذيبكم بكفرهم لأن له جل شأنه ما في السموات والأرض ، أو فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم ، وقال بعضهم : التقدير وإن تكفروا فقد كابرتم عقولكم فإن لله سبحانه ما له مما يدل على ما ينافي حالكم واعتقادكم فكيف يتأتى الكفر به مع ذلك ، وقيل : التقدير وإن تكفروا فإن عبيداً غيركم لا يكفرون بل يعبدونه وينقادون لأمره ولا يخلو عن بعد . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بأحوال كل ويدخل في ذلك كفرهم دخولاً أولياً { حَكِيماً } في جميع أفعاله وتدبيراته ، ويدخل في ذلك كذلك تعذيب من كفر . (4/325)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)
{ مّنْ أَهْلِ الكتاب } تجريد للخطاب وتخصيص له بالنصارى زجراً لهم عما هم عليه من الضلال البعيد ، وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي وأبو مسلم وجماعة من المفسرين ، وعن الحسن أنه خطاب لهم ولليهود لأن الغلو أي مجاوزة الحد والإفراط المنهي عنه في قوله تعالى : { لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } وقع منهم جميعاً ، أما النصارى فقال بعضهم : عيسى عليه السلام ابن الله عز وجل ، وبعضهم أنه الله سبحانه ، وآخرون ثالث ثلاثة وأما اليهود فقالوا : إنه عليه السلام ولد لغير رشده ، ورجح ما عليه الجماعة بأن قول اليهود قد نعى فيما سبق وبأنه أوفق بما بعد { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } أي لا تذكروا ولا تعتقدوا إلا القول الحق دون القول المتضمن لدعوى الاتحاد والحلول واتخاذ الصاحبة والولد والاستثناء مفرغ ، وهو متصل عند الأكثرين . وادعى بعض أن المراد من الحق هنا تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد ، والأشبه بالإستثناء الانقطاع لأن التنزيه لا يكون مقولاً عليه بل له وفيه لأن معنى قال عليه افترى وهو مخالف لما عليه الأكثر في الاستثناء المفرغ فافهم . (4/326)
{ إِنَّمَا المسيح } بالتخفيف ، وقد مر معناه ، وقرىء المسيح بكسر الميم وتشديد السين كالسكيت وهو مبتدأ ، وقوله تعالى : { عِيسَى } بدل منه أو عطف بيان له كما قال أبو البقاء وغيره وقوله تعالى : { ابن مَرْيَمَ } صفة له مفيدة بطلان ما زعموه فيه من بنوته عليه السلام له عز وجل ، وقوله سبحانه : { رَسُولِ الله } خبر المبتدأ والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي عن القول الباطل المستلزم للأمر بضده أي أنه عليه السلام مقصور على رتبة الرسالة لا يتخطاها إلى ما تقولون { وَكَلِمَتُهُ } عطف على { رَسُولِ الله } ومعنى كونه ( كلمة ) أنه حصل بكلمة كن من غير مادة معتادة ، وإلى ذلك ذهب الحسن وقتادة .
وقال الغزالي قدس سره : لكل مولود سبب قريب وبعيد ، فالأول : المني والثاني : قول كن ، ولما دل الدليل على عدم القريب في حق عيسى عليه السلام أضافه إلى البعيد ، وهو قول كن إشارة إلى انتفاء القريب ، وأوضحه بقوله سبحانه : { ألقاها إلى مَرْيَمَ } أي أوصلها إليها وحصلها فيها ، فجعله كالمني الذي يلقى في الرحم فهو استعارة ، وقيل : معناه أنه يهتدي بكلام الله تعالى ، وروي ذلك عن أبي علي الجبائي ، وقيل : معناه بشارة الله تعالى التي بشر بها مريم عليها السلام على لسان الملائكة كما قال سبحانه : { إِذْ قَالَتِ الملئكة يامريم * مَرْيَمَ *إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ } [ آل عمران : 45 ] وجملة { ألقاها } حال على ما قيل : من الضمير المجرور في { *كلمته } بتقدير قد والعامل فيها معنى الإضافة ، والتقدير وكلمته ملقياً إياها وقيل : حال من ضميره عليه السلام المستكن فيما دل عليه { الله وَكَلِمَتُهُ } من معنى المشتق الذي هو العامل فيها ، وقيل : حال من فاعل كان مقدرة مع إذ المتعلقة بالكلمة باعتبار أن المراد بها المكون ، والتقدير إذ كان ألقاها إلى مريم .
{ وَرُوحٌ مّنْهُ } عطف على ما قبله وسمي عليه السلام روحاً لأنه حدث عن نفخة جبرائيل عليه السلام في درع مريم عليها السلام بأمره سبحانه ، وجاء تسمية النفخ روحاً في كلامهم ، ومنه قول ذي الرمة في نار ( اقتدحها وأمر صاحبه بالنفخ فيها فقال ) : (4/327)
وأحيها بروحك ... و من متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح ، وهي لابتداء الغاية مجازاً لا تبعيضية كما زعمت النصارى .
يحكى أن طبيباً نصرانياً حاذقاً للرشيد ناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له : إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى ، وتلى هذه الآية ، فقرأ الواقدي قوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى * السموات وَمَا فِي الارض *جَمِيعاً مّنْهُ } [ الجاثية : 13 ] فقال : إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءاً منه سبحانه وتعالى علواً كبيراً فانقطع النصراني فأسلم ، وفرح الرشيد فرحاً شديداً ، ووصل الواقدي بصلة فاخرة ، وقيل : سمي روحاً لأن الناس يحيون به كما يحيون بالأرواح ، وإلى ذلك ذهب الجبائي ، وقيل : الروح هنا بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى : { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } [ المجادلة : 22 ] على وجه ، وقيل : أريد بالروح الوحي الذي أوحى إلى مريم عليها السلام بالبشارة ، وقيل : جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة قالوا : إنه روح فلما كان عيسى عليه السلام متكوناً من النفخ لا من النطفة وصف بالروح ، وقيل : أريد بالروح السر كما يقال : روح هذه المسألة كذا أي أنه عليه السلام سر من أسرار الله تعالى وآية من آياته سبحانه ، وقيل : المراد ذو روح على حذف المضاف ، أو استعمال الروح في معنى ذي الروح ، والإضافة إلى الله تعالى للتشريف ، ونظير ذلك ما في التوراة أن موسى عليه السلام رجل الله . وعصاه قضيب الله وأورشليم بيت الله ، وقيل : المراد من الروح جبريل عليه السلام ، والعطف على الضمير المستكن في ألقاها والمعنى ألقاها الله تعالى وجبريل إلى مريم ، ولا يخفى بعده . وعلى العلات لا حجة للنصارى على شيء مما زعموا في تشريف عيسى عليه السلام بنسبة الروح إليه إذ لغيره عليه السلام مشاركة له في ذلك ، ففي «إنجيل لوقا» قال يسوع لتلاميذه : إن أباكم السماوي يعطي روح القدس الذين يسألونه ، وفي «إنجيل متى» : إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه ، وفي «التوراة» : قال الله تعالى لموسى عليه السلام اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التي عليك فيحملوا عنك ثقل هذا النعت ، ففعل فأفاض عليهم من روحه فتبنوا لساعتهم ، وفيها في حق يوسف عليه السلام : يقول الملك : هل رأيتم مثل هذا الفتى الذي روح الله تعالى عز وجل حال فيه ، وفيها أيضاً : إن روح الله تعالى حلت على دانيال إلى غير ذلك .
ولعل الروح في جميع ذلك أمر قدسي وسر إلهي يفيضه الله تعالى على من يشاء من عباده حسبما يشاء وفي أي وقت يشاء ، وإطلاق ذلك على عيسى عليه السلام من باب المبالغة على حد ما قيل في زيد : عدل ، وليس المراد به الروح الذي به الحياة أصلاً ، وقد يظهر ذلك بصورة كما يظهر القرآن بصورة الرجل الشاحب ، والموت بصورة الكبش ، ويؤيد ذلك في الجملة ما في «إنجيل متى» في تمام الكلام على تعميد عيسى عليه السلام : إن يسوع لما تعمد وخرج من الماء انفتحت له أبواب السماء ونظر روح الله تعالى جاءت له في صفة حمامة وإذا بصوت من السماء هذا ابن الحبيب الذي سرت به نفسي فإنه على تقدير صحته يهدم ما يزعمه النصارى من أنه عليه السلام تجسد بروح القدس في بطن أمه . وما فيه من وصفه عليه السلام بالبنوة سيأتي إن شاء الله تعالى الجواب عنه . (4/328)
{ مَّا كَانَ } وخصوه بالألوهية { وَرُسُلِهِ } أجمعين ولا تخرجوا أحداً منهم إلى ما يستحيل وصفه به من الألوهية { وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة } أي الآلهة ثلاثة : الله سبحانه والمسيح ومريم كما يبنىء عنه قوله تعالى : { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } [ المائدة : 116 ] إذ معناه إلهين غير الله تعالى فيكونون معه ثلاثة . وحكي هذا التقدير عن الزجاج ، أو الله سبحانه ثلاثة إن صح عنهم أنهم يقولون : الله تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم ، أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس ، وأنهم يريدون بالأول الذات أو الوجود ، وبالثاني العلم أي الكلمة ، وبالثالث الحياة كذا قيل .
وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعض المحققين أن النصارى اتفقوا على أن الله تعالى جوهر بمعنى قائم بنفسه غير متحيز ولا مختص بجهة ولا مقدر بقدر ولا يقبل الحوادث بذاته ولا يتصور عليه الحدوث والعدم ، وأنه واحد بالجوهرية ، ثلاثة بالأقنومية ، والأقانيم صفات للجوهر القديم ، وهي الوجود والعلم والحياة ، وعبروا عن الوجود بالأب والحياة بروح القدس والعلم بالكلمة . ثم اختلفوا فذهب الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم ، وأن كل واحد منها إله ، وصرحوا بإثبات التثليث ، وقالوا : إن الله ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عما يشركون ، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر وانقلبت الكثرة وحدة وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم أزلي ، وأن مريم ولدت إلهاً أزلياً مع اختلافهم في مريم أنها إنسان كلي أو جزئي ، واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم ، وأن القتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معاً ، وأطلقوا لفظ الأب على الله تعالى ، والابن على عيسى عليه السلام .
وذهب نسطور الحكيم في زمان المأمون إلى أن الله تعالى واحد والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته ، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج بل بمعنى الإشراق أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور . ومن النسطورية من قال : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود ، وصرحوا بالتثليث كالملكانية ، ومنهم من منع ذلك ، ومنهم من أثبت صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوها لكن لم يجعلوها أقانيم ، وزعموا أن الابن لم يزل متولداً من الأب وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد ، والحدوث راجع إلى الناسوت ، فالمسيح إله تام وإنسان تام ، وهما قديم وحادث ، والاتحاد غير مبطل لقدم القديم ولا لحدوث الحادث ، وقالوا : إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوت . (4/329)
وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح ، وقالوا : إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم ، ورووا عن يوحنا الإنجيلي أنه قال في صدر «إنجيله» : إن الكلمة صارت جسداً وحلت فينا ، وقال : في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله تعالى هو الكلمة ، ومنهم من قال : ظهر اللاهوت بالناسوت بحيث صار هو هو وذلك كظهور الملك في الصورة المشار إليه بقوله تعالى : { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } [ مريم : 17 ] ومنهم من قال : جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا تركب النفس الناطقة مع البدن وصارا جوهراً واحداً وهو المسيح وهو الإله ، ويقولون صار الإله إنساناً وإن لم يصر الإنسان إلهاً كما يقال في الفحمة الملقاة في النار : صارت ناراً ولا يقال : صارت النار فحمة ، ويقولون : إن اتحاد اللاهوت بالإنسان الجزئي دون الكلي ، وأن مريم ولدت إلهاً وأن القتل والصلب واقع على اللاهوت والناسوت جميعاً إذ لو كان على أحدهما بطل الاتحاد ، ومنهم من قال : المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه . محدث من وجه .
ومن اليعقوبية من قال : إن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئاً وإنما مرت بها كمرور الماء بالميزاب ، ومنهم من زعم أن الكلمة كانت تداخل جسد المسيح فتصدر عنه الآيات التي كانت تظهر عنه وتفارقه تارة فتحله الآفات والآلام ، ومن النصارى من زعم أن معنى اتحاد اللاهوت بالناسوت ظهور اللاهوت على الناسوت وإن لم ينتقل من اللاهوت إلى الناسوت شيء ولا حل فيه ، وذلك كظهور نقش الطابع على الشمع والصورة المرئية في المرآة ، ومنهم من قال : إن الوجود والكلمة قديمان والحياة مخلوقة . ومنهم من قال إن الله تعالى واحد وسماه أباً وأن المسيح كلمة الله تعالى وابنه على طريق الاصطفاء وهو مخلوق قبل العالم وهو خالق للأشياء كلها .
وحكى المؤرخون وأصحاب النقل أن أريوس أحد كبار النصارى كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره ولا يرى في المسيح ما يراه النصارى بل يعتقد رسالته وأنه مخلوق بجسمه وروحه ففشت مقالته في النصرانية فتكاتبوا أو اجتمعوا بمدينة نيقية عند الملك قسطنطين وتناظروا فشرح أريوس مقالته ، فرد عليه الاكصيدروس بطريق الإسكندرية وشنع على مقالته عند الملك ، ثم تناظروا فطال تنازعهم فتعجب الملك من انتشار مقالتهم وكثرة اختلافهم وقام لهم البترك وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي فاتفق رأيهم على شيء فحرروه وسموه بالأمانة وأكثرهم اليوم عليها ، وهي نؤمن بالله تعالى الواحد الأب ( صانع كل شيء ) مالك كل شيء صانع ما يرى وما لا يرى ، ( وبالرب ) الواحد ( يسوع ) المسيح ابن الله تعالى الواحد بكر الخلائق كلها الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها وليس بمصنوع ، إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم؛ وخلق كل شيء الذي من أجلنا معاشر الناس ، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ( ومريم ) وصار إنساناً وحبل به وولد من مريم البتول ( واتجع ) ، وصلب أيام فيلاطس ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه وهو مستعد للمجىء تارة أخرى ( للقضاء ) ( 1 ) بين الأموات والأحياء ، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه ( وبعمودية ) واحدة لغفران الخطايا ، ( وبجماعة ) واحدة قدسية ( مسيحية ) ( كاطولكية ) ( وبقيام أبداننا ) وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين انتهى . (4/330)
وهذه جملة الأقاويل وما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل وهي مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول مما لا مستند لها ولا معول لهم فيها غير التقليد لأسلافهم والأخذ بظواهر ألفاظ لا يحيطون بها علماً على أن ما سموه أمانة لا أصل له في شرع الإنجيل ولا مأخوذة من قول المسيح ولا من أقوال تلاميذه ، وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت يكذب بعضه بعضاً ويعارضه ويناقضه ، وإذ قد علمت ذلك فاستمع لما يتلى عليك في ردهم تتميماً للفائدة وتأكيداً لإبطال تلك العقائد الفاسدة .
أما قولهم : بأن الله تعالى جوهر بالمعنى المذكور فلا نزاع لنا معهم فيه من جهة المعنى بل من جهة الإطلاق اللفظي سمعاً ، والأمر فيه هين ، وأما حصرهم الأقانيم في ثلاثة؛ صفة الوجود ، وصفة الحياة ، وصفة العلم فباطل لأنه بعد تسليم أن صفة الوجود زائدة لو طولبوا بدليل الحصر لم يجدوا إليه سبيلاً سوى قولهم : بحثنا فلم نجد غير ما ذكرناه وهو غير يقيني كما لا يخفى ، ثم هو باطل بما تحقق في موضعه من وجوب صفة القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، فإن قالوا : الأقانيم هي خواص الجوهر وصفات نفسه ، ومن حكمها أن تلزم الجوهر ولا تتعداه إلى غيره وذلك متحقق في الوجود والحياة إذ لا تعلق لوجود الذات القديمة وحياتها بغيرها ، وكذلك العلم إذ العلم مختص بالجوهر من حيث هو معلوم به ، وهذا بخلاف القدرة والإرادة فإنهما لا اختصاص لهما بالذات القديمة بل يتعلقان بالغير مما هو مقدور ومراد ، والذات القديمة غير مقدورة ولا مرادة ، وأيضاً فإن الحياة تجزىء عن القدرة والإرادة من حيث إن الحي لا يخلو عنهما بخلاف العلم فإنه قد يخلو عنه ، ولأنه يمتنع إجزاء الحياة عن العلم لاختصاص الحياة بامتناع جريان المبالغة والتفضيل بخلاف العلم ، قلنا : أما قولهم : إن الوجود والحياة مختصة بذات القديم ولا تعلق لهما بغيره فمسلم ، ولكن يلزم عليه أن لا يكون العلم أقنوماً لتعلقه بغير ذات القديم إذ هو معلوم به فلئن قالوا : العلم إنما كان أقنوماً من حيث كان متعلقاً بذات القديم لا من حيث كان متعلقاً بغيره فيلزمهم أن يكون البصر أقنوماً لتعلقه بذات القديم من حيث إنه يرى نفسه ولم يقولوا به ، ويلزمهم من ذلك أن يكون بقاء ذات الله تعالى أقنوماً لاختصاص البقاء بنفسه وعدم تعلقه بغيره كما في الوجود والحياة ، فلئن قالوا : البقاء هو نفس الوجود فيلزم أن يكون الموجود في زمان حدوثه باقياً وهو محال .
وقولهم : بأن الإرادة تجزىء عن القدرة والإرادة إما أن يريدوا به أن القدرة والإرادة نفس الحياة ، أو أنهما خارجتان عنها لازمتان لها لا تفارقانها ، فإن كان الأول فقد نقضوا مذهبهم حيث قالوا : إن الحياة أقنوم لاختصاصها بجوهر القديم والقدرة والإرادة غير مختصتين بذات القديم تعالى ، وذلك مشعر بالمغايرة ولا اتحاد معها ، وإن قالوا : إنها لازمة لها مع المغايرة فهو ممنوع فإنه كما يجوز خلو الحي عن العلم ، فكذلك قد يجوز خلوه عن القدرة والإرادة كما في حالة النوم والإغماء مثلاً ، وقولهم : إنه يمتنع إجزاء الحياة عن العلم لاختصاص العلم بالمبالغة والتفضيل ، فيلزم منه أن لا تكون مجزئة عن القدرة أيضاً لاختصاصها بهذا النوع من المبالغة والتفضيل ، وأما قولهم : بأن الكلمة حلت في المسيح وتدرعت به فهو باطل من وجهين . الأول : أنه قد تحقق امتناع حلول صفة القديم في غيره ، الثاني : أنه ليس القول بحلول الكلمة أولى من القول بحلول الروح وهي الحياة ، ولئن قالوا : إنما استدللنا على حلول العلم فيه لاختصاصه بعلوم لا يشاركه فيها غيره قلنا : أولاً : لا نسلم ذلك فقد روى النصارى أنه عليه السلام سئل عن القيامة فلم يجب ، وقال لا يعرفها إلا الله تعالى وحده ، وثانياً : سلمنا لكنه قد اختص عندكم بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وبأمور لا يقدر عليها غيره من المخلوقين بزعمكم ، والقدرة عندكم في حكم الحياة إما بمعنى أنها عينها أو ملازمة لها فوجب أن يقال بحلول الحياة فيه ولم تقولوا به . (4/331)
وأما قول الملكانية بالتثليث في الآلهة ، وأن كل أقنوم إله فلا يخلو إما أن يقولوا : إن كل واحد متصف بصفات الإله تعالى من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغير ذلك من الصفات أو ألا يقولوا به ، فإن قالوا به فهو خلاف أصلهم ، وهو مع ذلك ممتنع لقيام الأدلة على امتناع إلهين ، وأيضاً فإنهم إما أن يقولوا : بأن جوهر القديم أيضاً إله أو ألا يقولوا ، فإن كان الأول فقد أبطلوا مذهبهم فإنهم مجمعون على الثالوث ، وبقولهم هذا يلزم التربيع ، وإن كان الثاني لم يجدوا إلى الفرق سبيلاً مع أن جوهر القديم أصل والأقانيم صفات تابعة ، فكان أولى أن يكون إلااها ، وإن قالوا بالثاني فحاصله يرجع إلى منازعة لفظية ، والمرجع فيها إلى ورود الشرع بجواز إطلاق ذلك ، وأما قولهم : بأن الكلمة امتزجت بجسد المسيح فيبطله امتناع حلول صفات القديم بغير ذات الله تعالى ، ودعواهم الاتحاد ممتنعة من جهة الدلالة والإلزام ، أما الأول فإنهما عند الاتحاد إما أن يقال : ببقائهما أو بعدهما أو ببقاء أحدهما وعدم الآخر ، أما على التقدير الأول فهما إثنان كما كانا ، وإن كان الثاني فالواحد الموجود غيرهما . وإن كان الثالث فلا اتحاد للإثنينية وعدم أحدهما ، وأما على التقدير الثاني فمن أربعة أوجه : الأول : أنه إذا جاز اتحاد أقنوم الجوهر القديم بالحادث ، فما المانع من اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم؟ فلئن قالوا : المانع أن اتحاد صفة الحادث بالجوهر القديم يوجب نقصه وهو ممتنع ، واتحاد صفة القديم بالحادث يوجب شرفه ، وشرف الحادث بالقديم غير ممتنع ، قلنا : فكما أن ذات القديم تنقص باتحاد صفة الحادث بها فالأقنوم القديم ينقص باتحاده بالناسوت الحادث فليكن ذلك ممتنعاً ، الثاني : أنه قد وقع الاتفاق على امتناع اتحاد أقنوم الجوهر القديم بغير ناسوت المسيح فما الفرق بين ناسوت وناسوت؟ فلئن قالوا إنما اتحد بالناسوت الكلي دون الجزئي رددناه بما ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى ، الثالث : أن مذهبهم أن الأقانيم زائدة على ذات الجوهر القديم مع اختصاصها به ولم يوجب قيامها به الاتحاد فأن لا يوجب اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى . الرابع : أن الإجماع منعقد على أن أقنوم الجوهر القديم مخالف للناسوت كما أن صفة نفس الجوهر تخالف نفس العرض ، وصفة نفس العرض تخالف الجوهر ، فإن قالوا بجواز اتحاد صفة الجوهر بالعرض أو صفة العرض بالجوهر حتى أنه يصير الجوهر في حكم العرض والعرض في حكم الجوهر ، فقد التزموا محالاً مخالفاً لأصولهم ، وإن قالوا : بامتناع اتحاد صفة نفس الجوهر بالعرض ونفس العرض بالجوهر مع أن العرض والجوهر أقبل للتبدل والتغير فلأن يمتنع في القديم والحادث أولى . (4/332)
وقولهم إن المسيح إنسان كلي باطل من أربعة أوجه : الأول : أن الإنسان الكلي لا اختصاص له بجزئي دون جزئي من الناس ، وقد اتفقت النصارى أن المسيح مولود من مريم عليهما السلام ، وعند ذلك فإما أن يقال : إن إنسان مريم أيضاً كلي كما حكي عن بعضهم أو جزئي ، فإن كان كلياً فإما أن يكون هو عين إنسان المسيح أو غيره ، فإن كان عينه لزم أن يولد الشيء من نفسه وهو محال ، ثم يلزم أن يكون المسيح مريم ومريم المسيح ولم يقل به أحد ، وإن كان غيره فالإنسان الكلي ما يكون عاماً مشتركاً بين جميع ، وطبيعته جزء من معنى كل إنسان ، ويلزم من ذلك أن يكون إنسان المسيح بطبيعته جزء من مفهوم إنسان مريم وبالعكس وذلك محال ، وإن كان إنسان مريم جزئياً فمن ضرورة كون المسيح مولوداً عنها أن يكون الكلي الصالح لاشتراك الكثرة منحصراً في الجزئي الذي لا يصلح لذاته وهو ممتنع ، الثاني : أن النصارى مجمعون على أن المسيح كان مرئياً ومشاراً إليه ، والكلي ليس كذلك . الثالث أنهم قائلون : إن الكلمة حلت في المسيح إما بجهة الاتحاد أو لا بجهة الاتحاد ، فلو كان المسيح إنساناً كلياً لما اختص به بعض أشخاص الناس دون البعض ولما كان المولود من مريم مختصاً بحلول الكلمة دون غيره ولم يقولوا به ، الرابع : أن الملكانية متفقون على أن القتل وقع على اللاهوت والناسوت ، ولو كان ناسوت المسيح كلياً لما تصور وقوع الجزئي عليه . (4/333)
وأما ما ذهب إليه نسطور من أن الأقانيم ثلاثة ، فالكلام معه في الحصر على طرز ما تقدم ، وقوله : ليست عين ذاته ولا غير ذاته فإن أراد بذلك ما أراد به الأشعري في قوله : إن الصفات لا عين ولا غير فهو حق ، وإن أراد غيره فغير مفهوم؛ وأما تفسيره العلم بالكلمة ، فالنزاع معه في هذا الإطلاق لفظي ، ثم لا يخلو إما أن يريد بالكلمة الكلام النفسي أو الكلام اللساني ، والكلام في ذلك معروف؛ وقوله : إن الكلمة اتحدت بالمسيح بمعنى أنها أشرقت عليه لا حاصل له لأنه إما أن يريد بإشراق الكلمة عليه عليه السلام ما هو مفهوم من مثاله ، وهو أن يكون مطرحاً لشعاعها عليه ، أو يريد أنها متعلقة به كتعلق العلم القديم بالمعلومات ، أو يريد غير ذلك فإن كان الأول يلزم أن تكون الكلمة ذات شعاع ، وفي جهة من مطرح شعاعها ، ويلزم من ذلك أن تكون جسماً ، وأن لا تكون صفة للجوهر القديم وهو محال ، وإن كان الثاني فهو حق غير أن تعلق الأقنوم بالمسيح بهذا التفسير لا يكون خاصة ، وإن كان الثالث فلا بد من تصويره ليتكلم عليه .
وأما قول بعض النسطورية : إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة إله حي ناطق فهو باطل بأدلة إبطال التثليث ، وأما من أثبت منهم لله تعالى صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوهما فقد أصاب خلا أن القول بإخراجها عن كونها من الأقانيم مع أنها مشاركة لها في كونها من الصفات تحكم بحت ، والفرق الذي يستند إليه باطل كما علمت؛ وأما قولهم : إن المسيح إنسان تام وإله تام وهما جوهران : قديم وحادث ، فطريق ردّه من وجهين : الأول : التعرض لإبطال كون الأقنوم المتحد بجسد المسيح إلها وذلك بأن يقال : إما أن يقولوا : بأن ما اتحد بجسد المسيح هو إله فقط أو أن كل أقنوم إله كما ذهبت إليه الملكانية ، فإن كان الأول : فهو ممتنع لعدم الأولوية ، وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضاً لما تقدم ، الثاني : أنه إذا كان المسيح مشتملاً على الأقنوم والناسوت الحادث ، فإما أن يقولوا بالإتحاد أو بحلول الأقنوم في الناسوت ، أو حلول الناسوت في الأقنوم ، أو أنه لا حلول لأحدهما في الآخر ، فإن كان الأول فهو باطل بما سبق في إبطال الاتحاد ، وإن كان الثاني فهو باطل بما يبطل حلول الصفة القديمة في غير ذات الله تعالى وحلول الحادث في القديم ، وإن كان الثالث فإما أن يقال بتجاورهما واتصالهما أو لا ، فإن قيل : بالأول فإما أن يقال بانفصال الأقنوم القديم عن الجوهر الحادث أو لا يقال به ، فإن قيل : بالانفصال فهو ممتنع لوجهين : الأول : ما يدل على إبطال انتقال الصفة عن الموصوف ، الثاني : أنه يلزم منه قيام صفة حال مجاورتها للناسوت بنفسها وهو محال ، وإن لم يقل بانفصال الأقنوم عن الجوهر القديم يلزم منه أن يكون ذات الجوهر القديم متصلة بجسد المسيح ضرورة اتصال أقنومها به ، وعند ذلك فليس اتحاد الأقنوم بالناسوت أولى من اتحاد الجوهر القديم به ولم يقولوا بذلك ، وإن لم يقل بتجاورهما واتصالهما فلا معنى للاتحاد بجسد المسيح ، وليس القول بالاتحاد مع عدم الاتصال بجسد المسيح أولى من العكس ، وأما قول من قال منهم : إن الإله واحد وإن المسيح ولد من مريم وإنه عبد صالح مخلوق إلا أن الله تعالى شرفه بتسميته ابناً فهو كما يقول الموحدون ، ولا خلاف معهم في غير إطلاق اسم الابن ، وأما قول بعض اليعقوبية : إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً وصار الإله هو المسيح فهو أظهر بطلاناً مما تقدم ، وبيانه من وجهين : الأول : أنه لو جاز انقلاب الأقنوم لحماً ودماً مع اختلاف حقيقتيهما لجاز انقلاب المستحيل ممكناً والممكن مستحيلاً والواجب ممكناً أو ممتنعاً والممكن أو الممتنع واجباً ، ولم يبق لأحد وثوق بشيء من القضايا البديهية ، ولجاز انقلاب الجوهر عرضاً والعرض جوهراً ، واللحم والدم أقنوماً ، والأقنوم ذاتاً والذات أقنوماً ، والقديم حادثاً والحادث قديماً ، ولم يقل به أحد من العقلاء ، الثاني : أنه لو انقلب الأقنوم لحماً ودماً ، فإما أن يكون هو عين الدم واللحم اللذين كانا للمسيح ، أو زائداً عليه منضماً إليه ، والأول : ظاهر الفساد ، والثاني : لم يقولوا به؛ وأما ما نقل عن يوحنا من قوله : في البدء كانت الكلمة والكلمة عند الله والله هو الكلمة ، فهو مما انفرد به ولم يوجد في شيء من الأناجيل ، والظاهر أنه كذب ، فإنه بمنزلة قول القائل : الدينار عند الصيرفي والصيرفي هو الدينار ، ولا يكاد يتفوه به عاقل ، وكذا قوله : إن الكلمة صارت جسداً وحلت فينا غير مسلم الثبوت ، وعلى تقدير تسليمه يحتمل التقديم والتأخير أي إن الجسد الذي صار بالتسمية كلمة حل فينا ، وعنى بذلك الجسد عيسى عليه السلام ، ويحتمل أنه أشار بذلك إلى بطرس كبير التلاميذ ووصي المسيح ، فإنه أقام بعده عليه السلام بتدبير دينه وكانت النصارى تفزع إليه على ما تشهد به كتبهم ، فكأنه يقول : إن ذهبت الكلمة أي عيسى الذي سماه الله تعالى بذلك من بيننا فإنها لم تذهب حتى صارت جسداً وحل فينا ، يريد أن تدبيرها حاضر في جسد بيننا وهو بطرس .
ومن الناس من خرج كلامه على إسقاط همزة الإنكار عند إخراجه من العبراني إلى اللسان العربي ، والمراد أصارت وفيه بعد ، ومن العجب العجيب أن يوحنا ذكر أن المسيح قال لتلاميذه : إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي فلا حياة لكم بعدي لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق ، ومن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأثبت فيه ، فلما سمع تلاميذه هذه الكلامة قالوا : ما أصعبها من يطيق سماعها فرجع كثير منهم عن صحبته ، فإن هذا مع قوله : إن الله سبحانه هو الكلمة والكلمة صارت جسداً في غاية الإشكال إذ فيه أمر الحادث بأكل الله تعالى القديم الأزلي وشربه ، والحق أن شيئاً من الكلامين لم يثبت ، فلا نتحمل مؤنة التأويل . (4/334)
وأما قولهم : إن اللاهوت ظهر بالناسوت فصار هو هو ، فإما أن يريدوا به أن اللاهوت صار عين الناسوت كما يصرح به قولهم : صار هو هو ، فيرجع إلى تجويز انقلاب الحقائق وهو محال كما علمت وإما أن يريدوا به أن اللاهوت اتصف بالناسوت فهو أيضاً محال لما ثبت من امتناع حلول الحادث بالقديم ، أو أن الناسوت اتصف باللاهوت وهو أيضاً محال لامتناع حلول القديم بالحادث ، وأما من قال منهم : بأن جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركبا وصارا جوهراً واحداً هو المسيح فباطل من وجهين : الأول : ما ذكر من إبطال الاتحاد ، الثاني : أنه ليس جعل الناسوت لاهوتاً بتركبه مع اللاهوت أولى من جعل اللاهوت ناسوتاً من جهة تركبه مع الناسوت ولم يقولوا به ، وأما جوهر الفحمة إذا ألقيت في النار فلا نسلم أنه صار بعينه جوهر النار بل صار مجاوراً لجوهر النار ، وغايته أن بعض صفات جوهر الفحمة وأعراضها بطلت بمجاورة جوهر النار ، أما إن جوهر أحدهما صار جوهر الآخر فلا .
وأما قولهم : إن الاتحاد بالناسوت الجزئي دون الكلي فمحال لأدلة إبطال الاتحاد وحلول القديم بالحادث ، وبذلك يبطل قولهم : إن مريم ولدت إلهاً ، وقولهم : القتل وقع على اللاهوت والناسوت معاً على أنه يوجب موت الإله وهو بديهي البطلان ، وأما قول من قال : إن المسيح مع اتحاد جوهره قديم من وجه محدث من وجه فباطل لأنه إذا كان جوهر المسيح متحداً لا كثرة فيه ، فالحدوث إما أن يكون لعين ما قيل بقدمه ، أو لغيره فإن كان الأول فهو محال وإلا لكان الشيء الواحد قديماً لا أول له حادثاً له أول وهو متناقض ، وإن كان الثاني فهو خلاف المفروض ، وأما قول من قال : إن الكلمة مرت بمريم كمرور الماء في الميزاب فيلزم منه انتقال الكلمة وهو ممتنع كما لا يخفى ، وبه يبطل قول من قال : إن الكلمة كانت تدخل جسد المسيح تارة وتفارقه أخرى ، وقولهم : إن ما ظهر من صورة المسيح في الناسوت لم يكن جسماً بل خيالاً كالصورة المرئية في المرآة باطل لأن من أصلهم أن المسيح إنما أحيا الميت وأبرأ الأكمه والأبرص بما فيه من اللاهوت ، فإذا كان ما ظهر فيه من اللاهوت لا حقيقة له بل هو خيال محض لا يصلح لحدوث ما حدث عن الإله عنه ، والقول : بأن أقنوم الحياة مخلوق حادث ليس كذلك لقيام الأدلة على قدم الصفات فهو قديم أزلي كيف وأنه لو كان حادثاً لكان الإله قبله غير حي ، ومن ليس بحي لا يكون عالماً ولا ناطقاً ، وقول من قال : إن المسيح مخلوق قبل العالم وهو خالق لكل شيء باطل لقيام الأدلة على أنه كان الله تعالى ولا شيء غيره . (4/335)
وأما الأمانة التي هم بها متقربون وبما حوته متعبدون فبيان اضطرابها وتناقضها وتهافتها من وجوه : الأول أن قولهم : نؤمن بالواحد الأب صانع كل شيء ، يناقض قولهم : وبالرب الواحد المسيح الخ مناقضة لا تكاد تخفى ، الثاني أن قولهم : إن يسوع المسيح ابن الله تعالى بكر الخلائق مشعر بحدوث المسيح إذ لا معنى لكونه ابنه إلا تأخره عنه إذ الوالد والولد لا يكونان معاً في الوجود وكونهما معاً مستحيل ببداهة العقول لأن الأب لا يخلو إما أن يكون ولد ولداً لم يزل أو لم يكن ، فإن قالوا : ولد ولداً لم يزل ، قلنا : فما ولد شيئاً إذ الابن لم يزل وإن ولد شيئاً لم يكن ، فالولد حادث مخلوق وذلك مكذب لقولهم : إله حق من إله حق من جوهر أبيه وأنه أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء ، الثالث أن قولهم : إله حق من إله حق من جوهر أبيه يناقضه قول المسيح في الإنجيل : وقد سئل عن يوم القيامة فقال : لا أعرفه ولا يعرفه إلا الأب وحده ، فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب على أنه لو جاز أن يكون إله ثان من إله أول لجاز أن يكون إله ثالث من إله ثان ولما وقف الأمر على غاية وهو محال ، الرابع أن قولهم : إن يسوع أتقن العوالم بيده وخلق كل شيء باطل مكذب لما في الإنجيل إذ يقول متى : هذا مولد يسوع المسيح بن داود ، وأيضاً خالق العالم لا بد وأن يكون سابقاً عليه وأنى بسبق المسيح وقد ولدته مريم؟ا وأيضاً في الإنجيل إن إبليس قال للمسيح : أسجد لي وأعطيك جميع العالم وأملكك كل شيء ولا زال يسحبه من مكان إلى مكان ويحول بينه وبين مراده ويطمع في تعبده له فكيف يكون خالق العالم محصوراً في يد بعض العالم؟ا نعوذ بالله تعالى من الضلالة .
الخامس أن قولهم : المسيح الإله الحق الذي نزل من السماء لخلاص الناس وتجسد من روح القدس وصار إنساناً وحبل به وولد ، فيه عدة مفاسد : منها أن المسيح لا يخص مجرد الكلمة ولا مجرد الجسد بل هو اسم يخص هذا الجسد الذي ولدته مريم عليها السلام ولم تكن الكلمة في الأزل مسيحاً فبطل أن يكون هو الذي نزل من السماء ، ومنها أن الذي نزل من السماء لا يخلو إما أن يكون الكلمة أو الناسوت ، فإن زعموا أن الذي نزل هو الناسوت فكذب صراح لأن ناسوته من مريم ، وإن زعموا أنه اللاهوت فيقال : لا يخلو إما أن يكون الذات أو العلم المعبر عنه بالكلمة فإن كان الأول لزم لحوق النقائص للبارىء عز اسمه ، وإن كان الثاني لزم انتقال الصفة وبقاء البارىء بلا علم وذلك باطل . (4/336)
ومنها أن قولهم : إنما نزل لخلاص معشر الناس يريدون به أن آدم عليه السلام لما عصى أوثق سائر ذريته في حبالة الشيطان وأوجب عليهم الخلود في النار فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتنكيل به وذلك دعوى لا دلالة عليها ، هب أنا سلمناها لهم لكن يقال : أخبرونا مم هذا الخلاص الذي تعنى الإله الأزلي له وفعل ما فعل بنفسه لأجله؟ ولم خلصكم؟ وممن خلصكم؟ وكيف استقل بخلاصكم دون الأب والروح والربوبية بينهم؟ وكيف ابتذل وامتهن في خلاصكم دون الأب والروح؟ فإن زعموا أن الخلاص من تكاليف الدنيا وهمومها أكذبهم الحس ، وإن كان من تكاليف الشرع وأنهم قد حط عنهم الصلاة والصوم مثلاً أكذبهم المسيح . والحواريون بما وضعوه عليهم من التكاليف ، وإن زعموا أنهم قد خلصوا من أحكام الدار الآخرة فمن ارتكب محرماً منهم لم يؤاخذ أكذبهم الإنجيل والنبوات إذ يقول المسيح في الإنجيل إني أقيم الناس يوم القيامة عن يميني وشمالي فأقول لأهل اليمين : فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى النعيم المعد لكم قبل تأسيس الدنيا ، وأقول لأهل الشمال : فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى العذاب المعدّ لكم قبل تأسيس العالم ، السادس أن قولهم : وتجسد من روح القدس باطل بنص الإنجيل إذ يقول مَتّى في الفصل الثاني منه : إن يوحنا المعمداني حين عمد المسيح جاءت روح القدس إليه من السماء في صفة حمامة وذلك بعد ثلاثين من عمره .
السابع أن قولهم : إن المسيح نزل من السماء وحملت به مريم وسكن في رحمها مكذب بقول لوقا الإنجيلي : إذ يقول في «قصص الحواريين» في الفصل الرابع عشر منه : إن الله تعالى هو خالق العالم بما فيه وهو رب السماء والأرض لا يسكن الهياكل ولا تناله أيدي الرجال ولا يحتاج إلى شيء من الأشياء لأنه الذي أعطى الناس الحياة ، فوجودنا به وحياتنا وحركاتنا منه ، فقد شهد لوقا بأن الباري وصفاته لا تسكن الهياكل ولا تناله الرجال بأيديها ، وهذا ينافي كون الكلمة سكنت في هيكل مريم وتحولت إلى هيكل المسيح ، الثامن أن قولهم : إنه بعد أن قتل وصلب قام من بين الأموات وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه من الكذب الفاحش المستلزم للحدوث ، التاسع أن قولهم : إن يسوع هذا الرب الذي صلب وقتل مستعد للمجيء تارة أخرى لفصل القضاء بين الأموات والأحياء بمنزلة قول القائل : (4/337)
لألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زاداً
إذ زعموا أنه في المرة الأولى عجز عن خلاص نفسه حتى تم عليه من أعدائه ما تم فكيف يقدر على خلاصهم بجملتهم في المرة الثانية ، العاشر أن قولهم : ونؤمن بمعمودية واحدة لغفران الذنوب فيه مناقضة لأصولهم ، وذلك أن اعتقاد النصارى أنه لم تغفر خطاياهم بدون قتل المسيح ، ولذلك سموه جمل الله تعالى الذي يحمل عليه الخطايا ، ودعوه مخلص العالم من الخطيئة فإذا آمنوا بأن المعمودية الواحدة هي التي تغفر خطاياهم وتخلص من ذنوبهم فقد صرحوا بأنه لا حاجة إلى قتل المسيح لاستقلال المعمودية بالخلاص والمغفرة فإن كان التعميد كافياً للمغفرة فقد اعترفوا أن وقوع القتل عبث وإن كانت لا تحصل إلا بقتله فما فائدة التعميد وما هذا الإيمان؟ فهذه عشرة وجوه كاملة في ردّ تلك الأمانة وإظهار ما لهم فيها من الخيانة ، ومن أمعن نظره ردّها بأضعاف ذلك ، وقال أبو الفضل المالكي بعد كلام :
بطلت أمانتهم فمن مضمونها ... ظهرت خيانتها خلال سطورها
بدأوا بتوحيد الإله وأشركوا ... عيسى به ، فالخلف في تعبيرها
قالوا : بأن إلههم عيسى الذي ... ذر الوجود على الخليقة كلها
خلق أمه قبل الحلول ببطنها ... ما كان أغنى ذاته عن مثلها
هل كان محتاجاً لشرب لبانها ... أو أن يربى في مواطن حجرها
جعلوه رباً جوهراً من جوهر ... ذهبوا لما لا يرتضيه أولو النهى
قالوا : وجاء من السماء عناية ... لخلاص آدم من لظاه وحرها
قد تاب آدم توبة مقبولة ... فضلالهم جعل الفداء بغيرها
لو جاء في ظلل الغمام وحوله ... شرفاً ملائكة السماء بأسرها
وفدى الذي بيديه أحكم طينه ... بالعفو عن كل الأمور وسترها
ثم اجتباه محبباً ومفضلا ... ووقاه من غي النفوس وشرها
كنتم تحلون الإله مقامه ... فيما تراه نفوسكم من شركها
من غير أن يحتاج في تخليصه ... كل الخلائق أن تبوء بضرها
ويشينه الأعدا بما لا يرتضي ... من كيدها وبما دهى من مكرها
هذي أمانتهم وهذا شرحها ... الله أكبر من معاني كفرها
ثم اعلم أنه لا حجة للنصارى القائلين بالتثليث بما روي عن متى التلميذ أنه قال : إن المسيح عندما ودعهم قال : اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس ، ومن هنا جعلوا مفتتح الإنجيل ذلك كما أن مفتتح القرآن بسم الله الرحمن الرحيم ، ويوهم كلام بعض منا أن هذه التسمية نزلت من السماء كالبسملة عندنا لأنا نقول على تقدير صحة الرواية ، ودونها خرط القتاد : يحتمل أن يراد بالأب المبدأ ، فإن القدماء كانوا يسمون المباديء بالآباء ، ومن الابن الرسول ، وسمي بذلك تشريفاً وإكراماً كما سمي إبراهيم عليه السلام خليلاً ، أو باعتبار أنهم يسمون الآثار أبناء ، وقد رووا عن المسيح عليه السلام أنه قال : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، وقال : لا تعطوا صدقاتكم قدّام الناس لتتراءوهم فإنه لا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء . وربما يقال : إن الابن بمعنى الحبيب أو نحوه ، ويشير إلى ذلك ما رووه أنه عليه السلام قال عقيب وصية وصى بها الحواريين : لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء وتكونوا تامّين كما أن أباكم الذي في السماء تام ، ويراد بروح القدس جبريل عليه السلام ، والمعنى عمدوا ببركة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والملك المؤيد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تبليغ أوامر ربهم ، وفي «كشف الغين عن الفرق بين البسملتين» للشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره أن بسملة النصارى مشيرة إلى ثلاث حضرات للأمر الإلهي الواحد الأحد : الغيب المطلق ، فالأب إشارة إلى الروح الذي هو أول مخلوق لله تعالى كما في الخبر وهو المسمى بالعقل والقلم والحقيقة المحمدية ، ويضاف إلى الله تعالى فيقال : روح الله تعالى للتشريف والتعظيم ك { نَاقَةُ الله } [ الشمس : 13 ] تعالى ، و { رُوحُ القدس } [ النحل : 102 ] إشارة إليه أيضاً باعتبار ظهوره بصورة البشر السوي النافخ في درع مريم عليها السلام ، والابن إشارة إلى عيسى عليه السلام وهو ابن لذلك الروح باعتبار أن تكوّنه بسبب نفخه ، والأب هو الابن ، والابن هو روح القدس في الحقيقة ، والغيب المطلق منزه مقدس عن هذه الثلاثة ، فإنه سبحانه من حيث هو لا شيء معه ولا يمكن أن يكون معه شيء ، فبسملة الإنجيل من مقام الصفات الإلهية والأسماء الربانية لا من مقام الذات الأقدسية . (4/338)
ثم لا يتوهمن متوهم أن كلمات ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم تدندن حول كلمات النصارى كما يزعمه من لا اطلاع له على تحقيق كلامهم ولا ذوق له في مشربهم ، وذلك لأن القوم نفعنا الله تعالى بهم مبرؤون عما نسبه المحجوبون إليهم من اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول ، أما إنهم لم يقولوا بالتجسيم فلما تقرر عندهم من أن الحق سبحانه هو الوجود المحض الموجود بذاته القائم بذاته المتعين بذاته ، وكل جسم فهو صورة في الوجود المنبسط على الحقائق المعبر عنه بالعماء متعينة بمقتضى استعداد ماهية المعدومة ولا شيء من الوجود المجرد من الماهية المتعين بذاته بالصورة المتعينة في الوجود المنبسط بمقتضى الماهية المعدومة فلا شيء من الجسم بالوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته ، وتنعكس إلى لا شيء من الوجود المجرد عن الماهية المتعين بذاته بجسم وهو المطلوب ، وأما أنهم لم يقولوا بالعينية ، فلأن الحق تعالى هو ما علمت من الوجود المحض ، الخ ، والمخلوق هو الصورة الظاهرة في الوجود المنبسط على الحقائق المتعين بحسب ماهيته المعدومة ولا شيء من المجرد عن الماهية المتعين بذاته بالمقترن بالماهية المتعين بحسبها ، ومما يشهد لذلك قول الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة من «الفتوحات» في حضرة البديع بعد بسط : وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق وإنما ظهر في الوجود الحق إذ لو كان عين الحق ما صح كونه بديعاً ، وقوله في هذا الباب أيضاً في قوله تعالى : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } [ الأنعام : 59 ] انفرد سبحانه بعلمها ونفى العلم عن كل ما سواه ، فأثبتك في هذه الآية وأعلمك أنك لست هو إذ لو كنت هو لعلمت مفاتح الغيب بذاتك ، وما لا تعلمه إلا بموقف فلست عين الموقف ، وكذا قال غير واحد ، وقال الشيخ شرف الدين إسماعيل بن سودكين في «شرح التجليات» نقلاً عن الشيخ قدس سره أيضاً : لما ظهرت الممكنات بإظهار الله تعالى لها وتحقق ذلك تحققاً لا يمكن للممكن أن يزيل هذه الحقيقة أبداً فبقي متواضعاً لكبرياء الله تعالى خاشعاً له وهذه سجدة الأبد وهي عبارة عن معرفة العبد بحقيقته . ومن هنا يعلم حقيقة قوله سبحانه : «كنت سمعه وبصره» الحديث ، ولما لاح من هذا المشهد لبعض الضعفاء لائح قال : أنا الحق فسكر وصاح ولم يتحقق لغيبته عن حقيقته انتهى ، وأما أنهم لم يقولوا بالاتحاد فلأن الاتحاد إما بصيرورة الوجود المحض المجرد المتعين بذاته وجوداً مقترناً بالماهية المعدومة متعيناً بحسبها أو بالعكس ، وذلك محال بوجهيه لأن التجرد عن الماهية ذاتي للحق تعالى والاقتران بها ذاتي للممكن وما بالذات لا يزول . (4/339)
وفي كتاب «المعرفة» للشيخ الأكبر قدس سره : إذا كان الاتحاد مصيّر الذاتين واحدة فهو محال لأنه إن كان عين كل منهما موجوداً في حال الاتحاد فهما ذاتان وإن عدمت العين الواحدة وثبتت الأخرى فليست إلا واحدة ، وقال في كتاب الياء وهو كتاب الهو الاتحاد محال ، وساق الكلام إلى أن قال : فلا اتحاد ألبتة لا من طريق المعنى ولا من طريق الصورة ، وقال في الباب الخامس من «الفتوحات» خطاباً من الحق تعالى للروح الكلي : وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بالأسرار الإلهية إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها ، إذ لو عرفتها لاتحدت الأنية واتحاد الإنية محال ، فمشاهدتك لذلك محال ، هل ترجع إنية المركب إنية البسيط؟ لا سبيل إلى قلب الحقائق ، وأما إنهم لم يقولوا بالحلول فلأنهم فسروا الحلول تارة بأنه الحصول على سبيل التبعية ، وتارة بأنه كون الموجود في محل قائماً به ، ومن المعلوم أن الواجب تعالى وهو الوجود المحض القائم بذاته المتعين كذلك يستحيل عليه القيام بغيره . قال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثاني والتسعين ومائتين من «الفتوحات» : نور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر لا شك في ذلك ، كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلى في العبد يظهر الأفعال عن الخلق فهو وإن كان بالاقتدار الإلهي ، لكن يختلف الحكم لأنه بواسطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه ، وكما يعلم عقلاً أن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليها بذاتها وإنما كان لها مجلي ، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه وإنما هو مجلي له وخاصة ومظهر له انتهى . (4/340)
وهذا نص في نفي الحلول ومنشأ غلط المحجوبين المنكرين عدم الفهم لكلام هؤلاء السادة نفعنا الله تعالى بهم على وجهه ، وعدم التمييز بين الحلول والتجلي ولم يعلموا أن كون الشيء مجلي لشيء ليس كونه محلاً له ، فإن الظاهر في المرآة خارج عن المرآة بذاته قطعاً بخلاف الحال في محل فإنه حاصل فيه فالظهور غير الحلول ، فإن الظهور في المظاهر للواسع القدوس يجامع التنزيه بخلاف الحلول ، نعم وقع في كلامهم التعبير بالحلول ومرادهم به الظهور ، ومن ذلك قوله :
يا قبلتي قابليني بالسجود فقد ... رأيت شخصاً لشخص في قد سجدا
لاهوته حل ناسوتي فقدسني ... إني عجبت لمثلي كيف ما عبدا
وكان الأولى بحسب الظاهر عدم التعبير بمثل ذلك ولكن للقوم أحوال ومقامات لا تصل إليها أفهامنا ، ولعل عذرهم واضح عند المنصفين ، إذا علمت ذلك وتحققت اختلاف النصارى في عقائدهم ، فاعلم أنه سبحانه إنما حكى في بعض الآيات قول بعض منهم ، وفي بعض آخر قول آخرين ، وحكاية دعواهم ألوهية مريم عليها السلام كدعواهم ألوهية عيسى عليه السلام مما نطق بها القرآن ولم يشع ذلك عنهم صريحاً لكن يلزمهم ذلك بناءاً على ما حققه الإمام الرازي رحمه الله تعالى ، والنصارى اليوم ينكرونه والله تعالى أصدق القائلين ، ويمكن أن يقال : إن مدعي ألوهيتها عليها السلام صريحاً طائفة منهم هلكت قديماً كالطائفة اليهودية التي تقول عزير ابن الله تعالى على ما قيل .
ثم إنه سبحانه بالغ في زجر القائلين فأردف سبحانه النهي بقوله عز من قائل : { انتهوا } عن القول بالتثليث { خَيْراً لَّكُمْ } قد مر الكلام في أوجه انتصابه { إِنَّمَا الله إله واحد } أي بالذات منزه عن التعدد بوجه من الوجوه { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أي أسبحه تسبيحاً عن ، أو من أن يكون له ولد ، أو سبحوه عن ، أو من ذلك لأن الولد يشابه الأب ويكون مثله والله تعالى منزه عن التشبيه والمثل ، وأيضاً الولد إنما يطلب ليكون قائماً مقام أبيه إذا عدم ولذا كان التناسل والله تعالى باق لا يتطرق ساحته العلية فناء فلا يحتاج إلى ولد ولا حكمة تقتضيه ، وقد علمت ما أوقع النصارى في اعتقادهم أن عيسى عليه السلام ابن الله تعالى . ومن الاتفاقات الغريبة ما نقله مولانا راغب باشا رحمه الله تعالى ملخصاً من «تعريفات أبي البقاء» قال : قال الإمام العلامة محمد بن سعيد الشهير بالبوصيري نور الله تعالى ضريحه : إن بعض النصارى انتصر لدينه وانتزع من البسملة الشريفة دليلاً على تقوية اعتقاده في المسيح عليه السلام وصحة يقينه به فقلب حروفها ونكر معروفها وفرق مألوفها وقدّم فيها وأخر وفكر وقدّر فقتل كيف قدّر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر ، فقال : قد انتظم من البسملة المسيح ابن الله المحرر ، فقلت له : حيث رضيت البسملة بيننا وبينك حكماً وحزت منها أحكاماً وحكماً فلتنصرن البسملة منا الأخيار على الأشرار ، ولتفضلن أصحاب الجنة على أصحاب النار إذ قد قالت لك البسملة بلسان حالها : إنما الله رب المسيح راحم النحر لأمم لها المسيح رب ، ما برح الله راحم المسلمين ، سل ابن مريم أحل له الحرام ، لا المسيح ابن الله المحرر ، لا مرحم للئام أبناء السحرة رحم حرّ مسلم أناب إلى الله ، لله نبي مسلم حرم الراح ، ربح رأس مال كلمة الإيمان ، فإن قلت : إنه عليه السلام رسول صدقتك ، وقالت : إيل أرسل الرحمة بلحم ، وإيل من أسماء الله تعالى بلسان كتبهم وترجمة بلحم ببيت لحم ، وهو المكان الذي ولد فيه عيسى عليه السلام إلى غير ذلك مما يدل على إبطال مذهب النصارى ، ثم انظر إلى البسملة قد تخبر أن من وراء خلها خيولاً وليوثا ، ومن دون طلها سيولاً وغيوثا ، ولا تحسبني استحسنت كلمتك الباردة فنسجت على منوالها وقابلت الواحدة بعشر أمثالها بل أتيتك بما يغنيك فيبهتك ويسمعك ما يصمك عن الإجابة فيصمتك ، فتعلم أن هذه البسملة مستقر لسائر العلوم والفنون ومستودع لجوهر سرها المكنون ، ألا ترى أن البسملة إذا حصلت جملتها كان عددها سبعمائة وستة وثمانين فوافق جملها إن مثل عيسى كآدم ليس لله من شريك بحساب الألف التي بعد لامي الجلالة ولا أشرك بربي أحداً ، يهدي الله لنوره من يشاء ، بإسقاط ألف الجلالة ، فقد أجابتك البسملة بما لم تحط به خبراً ، وجاءك ما لم تستطع عليه صبراً انتهى . (4/341)
وقد تقدم نظير ذلك في الباقي بعد إسقاط المكرر من حروف المعجم في أوائل السور حيث رتب الشيعي منه ما ظنه مقوياً لما هو عليه أعني صراط علي حقاً نمسكه وقابلناه بما يبهته مرتباً من هذا الحروف أيضاً فتذكر ، وقرأ الحسن { أَن يَكُونَ } بكسر الهمزة ورفع النون أي سبحانه ما يكون له ولد على أن الكلام جملتان . (4/342)
{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه ، وبيان ذلك أنه سبحانه مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها لا يخرج من ملكوته شيء منها ، ولو كان له ولد لكان مثله في المالكية فلا يكون مالكها لجميعها ، وقوله تعالى : { وكفى بالله وَكِيلاً } إشارة إلى دليل آخر لأن الوكيل بمعنى الحافظ فإذا استقل سبحانه وتعالى في الحفظ لم يحتج إلى الولد فإن الولد يعين أباه في حياته ويقوم مقامه بعد وفاته والله تعالى منزه عن كل هذا فلا يتصور له ولد عقلاً ويكون افتراؤه حمقاً وجهلاً .
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)
{ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح } استئناف مقرر لما سبق من التنزيه ، وروي أن وفد نجران قالوا لنبينا صلى الله عليه وسلم : «يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال : ومن صاحبكم؟ قالوا : عيسى عليه السلام ، قال : وأي شيء أقول فيه؟ قالوا : تقول : إنه عبد الله ورسوله فنزلت» والاستنكاف استفعال من النكف ، «وأصله كما قال الراغب من نكفت الشيء نحيته وأصله تنحية الدمع عن الخد بالأصبع ، وقالوا : بحر لا ينكف أي لا ينزح» ، ومنه قوله : (4/343)
فبانوا ( ولولا ) ما تذكر منهم ... من ( الخلف ) لم ينكف لعينيك مدمع
وقيل : النكف قول السوء ، ويقال : ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف ، واستفعل فيه للسلب قاله المبرد ، وفي «الأساس» «استنكف ( منه ) ونكف امتنع وانقبض أنفاً وحمية» . وقال الزجاج : الاستنكاف تكبر في تركه أنفة وليس في الاستكبار ذلك ، والمعنى لن يأنف ولن يمتنع ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لن يستكبر المسيح .
{ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } أي عن ، أو من أن يكون عبداً لله تعالى مستمراً على عبادته تعالى وطاعته حسبما هو وظيفة العبودية كيف وأن ذلك أقصى مراتب الشرف ، وقد أشار القاضي عياض إلى شرف العبودية بقوله :
ومما زادني عجباً وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك : يا عبادي ... وجعلك خير خلقك لي نبياً
والاقتصار على ذكر عدم استنكافه عليه السلام عن ذلك مع أن شأنه عليه السلام المباهاة به كما تدل عليه أحواله وتفصح عنه أقواله لوقوعه في موضع الجواب عما قاله الكفرة كما علمت آنفاً . وهو السر في جعل المستنكف منه كونه عليه السلام عبداً له تعالى دون أن يقال : عن عبادة الله تعالى ونحو ذلك مع إفادته كما قيل فائدة جليلة هي كمال نزاهته عليه السلام عن الاستنكاف بالكلية لاستمرار هذا الوصف واستتباعه وصف العبادة فعدم الاستنكاف عنه مستلزم لعدم استنكاف ذلك بخلاف وصف العبادة فإنها حالة متجددة غير مستلزمة للدوام يكفي في اتصاف موصوفها بها تحققها مرة ، فعدم الاستنكاف عنها لا يستلزم عنها عدم الاستنكاف عن دوامها .
/ ومما يدل على عبوديته عليه السلام من كتب النصارى أن قولس قال في «رسالته الثانية» : أنظروا إلى هذا الرسول رئيس أحبارنا يسوع المؤتمن من عند من خلقه مثل موسى عليه السلام في جميع أحواله غير أنه أفضل من موسى عليه السلام ، وقال مرقس في «إنجيله» : قال يسوع : إن نفسي حزينة حتى الموت ، ثم خر على وجهه يصلي لله تعالى ، وقال : أيها الأب كل شيء بقدرتك أخر عني هذا الكاس لكن كما تريد لا كما أريد ، ثم خرّ على وجهه يصلي لله تعالى ، ووجه الدلالة في ذلك ظاهر إذ هو سائل والله تعالى مسؤول ، وهو مصل والله تعالى مصلى له ، وأي عبودية تزيد على ذلك ، ونصوص «الأناجيل» ناطقة بعبوديته عليه السلام في غير ما موضع ، ولله تعالى در أبي الفضل حيث يقول فيه :
هو عبد مقرب ونبي ... ورسول قد خصه مولاه (4/344)
طهر الله ذاته وحباه ... ثم أتاه وحيه وهداه
وبكن خلقه بدا كلمة الل ... ه إلى مريم البتول براه
هكذا شأن ربه خالق الخل ... ق بكن خلقهم فنعم الإله
والأناجيل شاهدات وعنه ... إنما الله ربه لا سواه
كان لله خاشعاً مستكينا ... راغباً راهباً يرجى رضاه
ليس يحيا وليس يخلق إلا ... أن دعاه وقد أجاب دعاه
إنما فاعل الجميع هو الل ... ه ولكن على يديه قضاه
ويكفي في إثبات عبوديته عليه السلام ما أشار الله تعالى إليه بقوله : { مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام } [ المائدة : 57 ] وفي التعبير بالمسيح ما يشعر بالعبودية أيضاً .
{ وَلاَ الملئكة المقربون } عطف على { المسيح } كما هو الظاهر أي لا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً لله تعالى ، وقيل : إنه عطف على الضمير المستتر في { يَكُونَ } أو { عَبْداً } لأنه صفة وليس بشيء ، وتقدير متعلق الفعل لازم على ما ذهب إليه الأكثرون ، وقيل : أريد بالملائكة كل واحد منهم فلا حاجة إلى التقدير ، وزعم بعضهم أنه من عطف الجمل والتزم تقدير الفعل وهو كما ترى .
واحتج بالآية القاضي أبو بكر والحليمي والمعتزلة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن الذي يقتضيه السياق وقواعد المعاني وكلام العرب الترقي من الفاضل إلى الأفضل فيكون المعنى لا يستنكف المسيح ولا من هو فوقه ، كما يقال : لن يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان دون العكس ، وأجيب بأن سوق الآية وإن كان رداً على النصارى لكنه أدمج فيه الرد على عبدة الملائكة المشاركين لهم في رفع بعض المخلوقين عن مرتبة العبودية إلى درجة المعبودية ، وادعاء انتسابهم إلى الله تعالى بما هو من شوائب الألوهية ، وخص { المقربون } لأنهم كانوا يعبدونهم دون غيرهم ، ورد هذا الجواب بأن هذا لا ينفي فوقية الثاني كما هو مقتضى علم المعاني؛ قيل : ولا ورود له لأنه يعلم من التقرير دفعه لأن المقصود بالذات أمر المسيح فلذا قدم ، ولو سلم أنه لا ينفي الفوقية فهو لا يثبتها كما إذا قلت : ما فعل هذا زيد ولاعمرو ، وهو يكفي لدفع حجة الخصم ، وأما كون السباق والسياق يخالفه فليس بشيء لأن المجيب قال : إنه إدماج واستطراد ، وأجيب أيضاً على تقدير تسليم اختصاص الرد بالنصارى بأن الملائكة المقربون صيغة جمع تتناول مجموع الملائكة ، فهذا العطف يقتضي كون مجموع الملائكة أفضل من المسيح ، ولا يلزم أن يكون كل واحد منهم أفضل من المسيح ، قال في «الانتصاف» «وفيه نظر لأن مورده إذا بني على أن المسيح أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة فقد يقال : يلزمه القول بأنه أفضل من الكل كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان أفضل من كل واحد من ( آحاد ) الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان أفضل من كلهم ، ولم يفرق بين التفضيل على التفضيل ، والتفضيل على الجملة أحد ممن صنف في هذا المعنى .
وقد كان ( طار عن ) بعض ( الأئمة ) ( 2 ) المعاصرين تفضيله بين التفضيلين ، ودعوى أنه لا يلزم منه على التفضيل تفضيل على الجملة ، ولم يثبت عنه هذا القول ، ولو قاله فهو مردود بوجه لطيف ، وهو أن التفضيل المراد جل أمارته رفع درجة الأفضل في الجنة ، والأحاديث ( متظافرة ) بذلك ، وحينئذ لا يخلو إما أن ترتفع درجة واحدة من المفضولين على من اتفق أنه أفضل من كل واحد منهم ، أو لا ترتفع درجة أحد منهم عليه ، لا سبيل إلى الأول لأنه يلزم منه رفع المفضول على ( الفاضل ) فيتعين الثاني وهو ارتفاع درجة الأفضل على درجات المجموع ضرورة فيلزم ثبوت أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم قطعاً» انتهى . (4/345)
قلت : فما شاع من الخلاف بين الحنفية والشافعية في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل هو أفضل من المجموع كما أنه أفضل من الجميع أم أنه أفضل من الجميع فقط دون المجموع؟ ليس في محله على هذا فتدبر ، وقيل في الجواب : إن غاية ما تدل عليه الآية تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين حول العرش ، أو من هم أعلى رتبة منهم من الملائكة على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً وفيه النزاع؛ وردّ بأن المدعي أن في مثل هذا الكلام مقتضى قواعد المعاني الترقي من الأدنى إلى الأعلى دون العكس أو التسوية ، وقد علم أن الحكم في الجمع المحلى بأل على الآحاد وأن المدعي ليس إلا دلالة الكلام على أن الملك المقرب أفضل من عيسى عليه السلام ، وهذا كاف في إبطال القول بأن خواص البشر أفضل من خواص الملك؛ وزعم بعضهم أن عطف الملائكة على المسيح بالواو لا يقتضي ترتيباً ، وما يورد من الأمثلة لكون الثاني أعلى مرتبة من الأول معارض بأمثلة لا تقتضي ذلك كقول القائل : ما ( أعانني ) على هذا الأمر زيد ولا عمرو ، وكقولك : لا تؤذ مسلماً ولا ذمياً بل لو عكست في هذا المثال وجعلت الأعلى ثانياً لخرجت عن حد الكلام وقانون البلاغة كما قال في «الانتصاف» ثم قال فيه : «ولكن الحق أولى من المراء وليس بين المثالين تعارض ، ونحن نمهد تمهيداً يرفع اللبس ويكشف الغطاء ، فنقول : النكتة في الترتيب في المثالين الموهوم تعارضهما واحدة وهي توجب في مواضع تقديم الأعلى وفي مواضع تأخيره ، وتلك النكتة أن مقتضى البلاغة التنائي عن التكرار والسلامة عن النزول فإذا اعتمدت ذلك فهما أدى إلى أن يكون آخر كلامك نزولاً بالنسبة إلى أوله ، أو يكون الآخر مندرجاً في الأول قد أفاده ، وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما يكون ترقياً من الأدنى إلى الأعلى ، واستئنافاً لفائدة لم يشتمل عليها الأول ، مثاله الآية المذكورة فإنك لو ذهبت فيها إلى أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى رتبة لكان ذكر الملائكة بعده كالمستغنى عنه لأنه إذا كان الأفضل وهو المسيح على هذا التقدير عبداً ( لله ) غير مستنكف من العبودية لزم من ذلك أن ما دونه في الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبداً لله تعالى وهم الملائكة على هذا التقدير ، فلم يتجدد إذن بقوله تعالى : { وَلاَ الملئكة المقربون } إلا ما سلف أول الكلام ، وإذا قدرت المسيح مفضولاً بالنسبة إلى الملائكة فكأنك ترقيت من تعظيم الله تعالى بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبداً له تعالى إلى أن الأفضل لا يستنكف عن ذلك ، وليس يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم استنكاف الأفضل ، فالحاجة داعية إلى ذكر الملائكة إذ لم يستلزم الأول الآخر ، فصار الكلام على هذا التقدير متجدد الفائدة متزائدها ، ومتى كان كذلك تعين أن يحمل عليه الكتاب العزيز لأنه الغاية في البلاغة .
وبهذه النكتة يجب أن تقول : لا تؤذ مسلماً ولا ذمياً ، فتؤخر الأدنى على عكس الترتيب في الآية لأنك إذا نهيته عن أذى المسلم فقد يقال ذاك من خواصه احتراماً لدين الإسلام ، فلا يلزم من ذلك نهيه عن أذى الكافر المسلوبة عنه هذه الخصوصية ، فإذا قلت : ولا ذمياً فقد جددت فائدة لم تكن في الأول وترقيت من النهي عن بعض أنواع الأذى إلى النهي عن أكثر منه ، ولو رتبت هذا المثال كترتيب الآية فقلت : لا تؤذ ذمياً فهم المنهي أن أذى المسلم أدخل في النهي إذ يساوي الذميّ في سبب الالتزام وهو الإنسانية مثلاً ، ويمتاز عنه بسبب هو أجلّ وأعظم وهو الإسلام ، فيقنعه هذا النهي عن تجديد نهي آخر عن أذى المسلم ، فإن قلت : ولا مسلماً لم تجدد له فائدة ولم تعلمه غير ما أعلمته أولاً ، فقد علمت أنها نكتة واحدة توجب أحياناً تقديم الأعلى وأحياناً تأخيره ، ولا يميز لك ذلك إلا السياق ، وما أشك أن سياق الآية يقتضي تقديم الأدنى وتأخير الأعلى ، ومن البلاغة المرتبة على هذه النكتة قوله تعالى : (4/346)
{ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } [ الإسراء : 23 ] استغناءاً عن نهيه عن ضربهما فما فوقه ( بتقديم ) الأدنى ، ولم يلق ببلاغة الكتاب العزيز أن يريد نهياً عن أعلى من التأفيف والانتهار لأنه مستغنى عنه ، وما يحتاج المتدبر لآيات القرآن مع التأييد شاهداً سواها ، ولما اقتضى الإنصاف تسليم اقتضاء الآية لتفضيل الملائكة ، ( وكان القول بتفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتقاداً لأكثر أهل السنة والشيعة التزم ) حمل التفضيل في الآية على غير محل الخلاف ، وذلك تفضيل الملائكة في القوة وشدة البطش وسعة التمكن والاقتدار . وهذا النوع من الفضيلة هو المناسب لسياق الآية لأن المقصود الردّ على النصارى في اعتقادهم ألوهية عيسى عليه السلام مستندين إلى كونه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص ، وصدرت على يديه آثار عظيمة خارقة ، فناسب ذلك أن يقال : هذا الذي صدرت على يديه هذه الخوارق لا يستنكف عن عبادة الله تعالى بل من هو أكثر خوارقاً وأظهر آثاراً كالملائكة المقربين الذين من جملتهم جبريل عليه السلام ، وقد بلغ من قوته وإقدار الله تعالى له أن اقتلع المدائن واحتملها على ريشة من جناحه فقلبها عاليها سافلها فيكون تفضيل الملائكة إذن بهذا الاعتبار ، ولا خلاف في أنهم أقوى وأبطش وأن خوارقهم أكثر ، وإنما الخلاف في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات ورفع الدرجات في دار الجزاء ، وليس في الآية عليه دليل ، وقد يقال : لما كان أكثر ما لبس على النصارى في ألوهية عيسى عليه السلام كونه موجوداً من غير أب أنبأ الله تعالى أن هذا الموجود من غير أب لا يستنكف من عبادة الله تعالى ولا الملائكة الموجودون من غير أب ولا أم ، فيكون تأخير ذكرهم لأن خلقهم أغرب من خلق عيسى عليه السلام ، ويشهد لذلك أن الله تعالى نظر عيسى بآدم عليهما السلام ، فنظر الغريب بالأغرب وشبه العجيب من آثار قدرته بالأعجب إذ عيسى مخلوق من ( آدم عليهما الصلاة والسلام ) وآدم عليه السلام من غير أب ولا أم ، ولذلك قال سبحانه : { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ آل عمران : 59 ] ومدار هذا البحث على النكتة التي أشير إليها ، فمتى استقام اشتمال المذكور ثانياً على فائدة لم يشتمل عليها الأول بأي طريق كان من تفضيل أو غيره من الفوائد فقد طابق صيغة الآية انتهى . (4/347)
/ وبالجملة المسألة سمعية وتفصيل الأدلة والمذاهب فيها حشو الكتب الكلامية والقطع فيها منوط بالنص الذي لا يحتمل تأويلاً ووجوده عسر .
وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» بعد بسط كلام ونقض وإبرام أن هذه المسألة ظنية لا حظ للقطع فيها نفياً وإثباتاً ، ومدارها على الأدلة السمعية دون الأدلة العقلية ، وقال أفضل المعاصرين صالح أفندي الموصلي تغمده الله تعالى برحمته في «تعليقاته على البيضاوي» : الأولى عندي التوقف في هذه المسألة بالنسبة إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إذ لا قاطع يدل على الحكم فيها وليس معرفة ذلك ما كلفنا به ، والباب ذو خطر لا ينبغي المجاذفة فيه ، فالوقف أسلم والله تعالى أعلم .
{ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ } أي طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى وإنما جعل المستنكف عنه ههنا عبادته تعالى لا ما سبق كما قال شيخ الإسلام لتعليق الوعيد بالوصف الظاهر الثبوت للكفرة فإن عدم طاعتهم له تعالى مما لا سبيل لهم إلى إنكار اتصافهم به ، وعبر سبحانه عن عدم طاعتهم له بالاستنكاف مع أن ذلك كان منهم بطريق إنكار كون الأمر من جهته تعالى لا بطريق الاستنكاف لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الاستنكاف عن طاعة الله تعالى إذ لا أمر له صلى الله عليه وسلم سوى أمره عز وجل { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء : 80 ] . وقيل : التعبير بالاستنكاف من باب المشاكلة . (4/348)
{ وَيَسْتَكْبِرْ } أي عن ذلك ، وأصل الاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق لا بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله بل بمعنى عد نفسه كبيراً واعتقاده كذلك وإنما عبر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن مآله محض الطلب بدون حصول المطلوب ، ونظير ذلك على ما قيل : قوله تعالى : { يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } [ الأعراف : 45 ] ، والاستكبار على ما أشار إليه الزجاج وتقدم دون الاستنكاف؛ وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل : يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة قال : إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط الناس " وللناس في تأويل الحديث أقوال ذكرها الإمام النووي في «شرح مسلم» ، منها أن المراد بالكبر المانع من دخول الجنة «هو التكبر على الإيمان» ، واختاره مولانا أفضل المعاصرين ، ثم قال : وعليه فالمنفي أصل الدخول كما هو الظاهر المتبادر ، وتنكير الكبر للنوعية ، والمعرف في آخر الحديث هو جنس الكبر لا هذا النوع بخصوصه وإن كان الغالب في إعادة النكرة معرفة إرادة عين الأول ، إنما خص صلى الله عليه وسلم حكم ذلك النوع بالبيان ليكون أبلغ في الزجر عن الكبر فإن جنساً يبلغ بعض أنواعه بصاحبه من وخامة العاقبة وسوء المغبة ، هذا المبلغ أعني الشقاء المؤبد جدير بأن يحترز عنه غاية الاحتراز ، ثم عرف صلى الله عليه وسلم الكبر بما عرفه لئلا يتوهم انحصار الكبر المذموم في النوع المذكور . وبهذا التقرير اندفع استبعاد النووي رحمه الله تعالى لهذا التأويل بأن «الحديث ورد في سياق الزجر عن الكبر المعروف وهو إنكار الحق واحتقار الناس فحمل الكبر على ذلك خاصة خروج» عن مذاق الكلام ووجه اندفاعه غير خفي على ذوي الأفهام انتهى .
والظاهر أن ما في الحديث تعريف باللازم للمعنى اللغوي . (4/349)
{ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } أي المستنكفين ومقابليهم المدلول عليهم بذكر عدم استنكاف المسيح والملائكة المقربين عليهم السلام ، وقد ترك ذكر أحد الفريقين في المفصل تعويلاً على إنباء التفصيل عنه وثقة بظهور اقتضاء حشر أحدهما لحشر الآخر ضرورة عموم الحشر للخلائق أجمعين كما ترك ذكر أحد الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ } [ النساء : 175 ] مع عموم الخطاب لهما ثقة بمثل ذلك فلا يقال : التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد ، وقيل في توجيه المطابقة : إن المقصود من الحشر المجازاة ويكون قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173)
{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ * الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } الخ تفصيلاً للجزاء كأنه قيل : ومن يستنكف عن عبادته فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله تعالى ، فالضمير راجع إلى المستنكفين المستكبرين لا غير وقد روعي لفظ من ومعناها . وتعقب العلامة التفتازاني ذلك بأنه غير مستقيم لأن دخول ( أما ) على الفريقين لا على قسمي الجزاء ، وأورد هذا الفريق بعنوان الإيمان والعمل الصالح لا بوصف عدم الاستنكاف المناسب لما قبله وما بعده للتنبيه على أنه المستتبع لما يعقبه من الثمرات ، ومعنى توفيتهم أجورهم إيتاؤهم إياها من غير أن ينقص منها شيئاً أصلاً ، وقرىء { فَسَيَحْشُرُهُمْ } بكسر الشين وهي لغة ، وقرىء فسنحشرهم بنون العظمة ، وفيه التفات . (4/350)
{ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } بتضعيف أجورهم أضعافاً مضاعفة وبإعطائهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» . والإسماعيلي في «معجمه» بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يوفيهم أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا " { وَأَمَّا الذين استنكفوا } عن عبادة الله تعالى { واستكبروا } عنها { فَيُعَذّبُهُمْ } بسبب ذلك { عَذَاباً أَلِيماً } لا يحيط به الوصف { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً } يلي أمورهم ويدبر مصالحهم { وَلاَ نَصِيراً } ينصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه سبحانه .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174)
{ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } خطاب لكافة المكلفين إثر بيان بطلان ما عليه الكفرة من فنون الكفر والضلال وإلزامهم ( بالبراهين القاطعة ) بما تخرّ له صم الجبال ، وفيه تنبيه لهم على أن الحجة قد تمت فلم يبق بعد ذلك علة لمتعلل ولا عذر لمعتذر { قَدْ جَاءكُمُ } أتاكم ووصل إليكم { بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } أي حجة قاطعة ، والمراد بها المعجزات على ما قيل . وأخرج ابن عساكر عن سفيان الثوري عن أبيه عن رجل لا يحفظ اسمه أن المراد بالبرهان هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وعبر عنه عليه الصلاة والسلام بذلك لما معه من المعجزات التي تشهد بصدقه صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد بذلك دين الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، والتنوين للتفخيم ، و من لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بجاء أو بمحذوف وقع صفة مشرفة لبرهان مؤكدة لما أفاده التنوين ، وجوز أن تكون تبعيضية بحذف المضاف أي كائن من براهين ربكم ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإفاضة إلى ضمير المخاطبين لإظهار اللطف بهم والإيذان بأن مجىء ذلك لتربيتهم وتكميلهم . { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي عدم ذكر الواسطة إظهار لكمال اللطف بهم ومبالغة في الإعذار { نُوراً مُّبِيناً } وهو القرآن كما قاله قتادة ومجاهد والسدي واحتمال إرادة الكتب السابقة الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم بعيد غاية البعد ، وإذا كان المراد من البرهان القرآن أيضاً فقد سلك به مسلك العطف المبني على تغاير الطرفين تنزيلاً للمغايرة العنوانية منزلة المغايرة الذاتية ، وإطلاق البرهان عليه لأنه أقوى دليل على صدق من جاء به ، وإطلاق النور المبين لأنه بَينٌ بنفسه مستغن في ثبوت حقيته وكونه من الله تعالى بإعجازه غير محتاج إلى غيره ، مبين لغيره من حقية الحق وبطلان الباطل ، مهدي للخلق بإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وعبر عن ملابسته للمخاطبين تارة بالمجىء المسند إليه المنبىء عن كمال قوته في البرهانية كأنه يجىء بنفسه فيثبت ما ثبت من غير أن يجىء به أحد ، ويجىء على شبه الكفرة بالإبطال والأخرى بالإنزال الموقع عليه الملائم لحيثية كونه نوراً توقيراً له باعتبار كل واحد من عنوانيه حظه اللائق به ، وإسناد إنزاله إليه تعالى بطريق الالتفات لكمال تشريفه قاله مولانا شيخ الإسلام والأمر على غير ذلك التقدير هين . (4/351)
فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)
{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله } حسبما يوجبه البرهان الذي جاءهم { واعتصموا بِهِ } أي عصموا به سبحانه أنفسهم مما يرديها من زيغ الشيطان وغيره . وأخرج ابن جرير . وغيره عن ابن جريج أن الضمير راجع إلى القرآن أعني النور المبين ، وهو خلاف الظاهر { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } أي ثواب عظيم قدره بإزاء إيمانهم وعملهم رحمة منه سبحانه لا قضاءاً لحق واجب ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالرحمة الجنة ، فعلى الأول : التجوز في كلمة { فِى } لتشبيه عموم الثواب وشموله بعموم الظرف ، وعلى الثاني : التجوز في المجرور دون الجار قاله الشهاب والبحث في ذلك شهير ومنه متعلق بمحذوف وقع صفة مشرفة لرحمة { وَفَضَّلَ } أي إحسان لا يقادر قدره زائد على ذلك . (4/352)
{ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ } أي إلى الله عز وجل ، والمراد في المشهور إلى عبادته سبحانه ، وقيل : الضمير عائد على جميع ما قبله باعتبار أنه موعود ، وقيل : على الفضل { صراطا مُّسْتَقِيماً } هو الإسلام والطاعة في الدنيا ، وطريق الجنة في الأخرى ، وتقديم ذكر الوعد بالإدخال في الرحمة الثواب أو الجنة على الوعد بهذه الهداية للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصد الأصلي . وفي وجه انتصاب { صِرَاطاً } أقوال ، فقيل : إنه مفعول ثانٍ لفعل مقدر أي يعرفهم صراطاً ، وقيل : إنه مفعول ثان ليهديهم باعتبار تضمينه معنى يعرفهم ، وقيل : مفعول ثان له بناءاً على أن الهداية تتعدى إلى مفعولين حقيقة . ومن الناس من جعل { إِلَيْهِ } متعلقاً بمقدر أي مقربين إليه ، أو مقرباً إياهم إليه على أنه حال من الفاعل أو المفعول ، ومنهم من جعله حالاً من صراطاً ثم قال : ليس لقولنا : ( يهديهم ) طريق الإسلام إلى عبادته كبير معنى ، فالأوجه أن يجعل { صِرَاطاً } بدلاً من { إِلَيْهِ } وتعقبه عصام الملة والدين بأن قولنا : يهديهم طريق الإسلام موصلاً إلى عبادته معناه واضح ، ولا وجه لكون { صِرَاطاً } بدلاً من الجار والمجرور فافهم .
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
{ يَسْتَفْتُونَكَ } أي في الكلالة استغنى عن ذكره لوروده في قوله تعالى : { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة } والجار متعلق ب { يُفْتِيكُمْ } ، وقال الكوفيون : ب { يَسْتَفْتُونَكَ } وضعفه أبو البقاء بأنه لو كان كذلك لقال يفتيكم فيها في الكلالة ، وقد مر تفسير الكلالة في مطلع السورة ، والآية نزلت في جابر بن عبد الله كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم وغيره . / وأخرج الشيخان وخلق كثير عنه قال : «دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ ثم صب عليّ فعقلت ، فقلت : إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض» وهي آخر آية نزلت ، فقد أخرج الشيخان . وغيرهما عن البراء قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة ، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء ، والمراد من الآيات المتعلقة بالأحكام كما نص على ذلك المحققون ، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى وتسمى آية الصيف ، أخرج مالك ومسلم عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : " ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري ، وقال : يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء " (4/353)
{ ءانٍ * مَنْ هَلَكَ } استئناف مبين للفتيا ، وارتفع ( امرؤ ) بفعل يفسره المذكور على المشهور ، وقوله تعالى : { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } صفة له ولا يضر الفصل بالمفسر لأنه تأكيد ، وقيل : حال منه ، واعترض بأنه نكرة ، ومجىء الحال منها خلاف الظاهر إذ المتبادر في الجمل الواقعة بعد النكرات أنها صفات ، وقال الحلبي : يصح كونه حالاً منه؛ و { هَلَكَ } صفة له ، وجعله أبو البقاء حالاً من الضمير المستكن في { هَلَكَ } ، وقيل عليه : إن المفسر غير مقصود حتى ادعى بعضهم أنه لا ضمير فيه لأنه تفسير لمجرد الفعل بلا ضمير ، وإن ردّ بقوله تعالى : { قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ } [ الإسراء : 100 ] ، وقال أبو حيان : «الذي يقتضيه النظر أن ذلك ممتنع ، وذلك لأن المسند إليه في الحقيقة إنما هو الاسم الظاهر المعمول للفعل المحذوف فهو الذي ينبغي أن يكون التقييد له ، أما الضمير فإنه في جملة مفسرة لا موضع لها من الإعراب فصارت كالمؤكدة لما سبق ، وإذا دار الاتباع والتقييد بين مؤكد ومؤكد فالوجه أن يكون للمؤكد بالفتح إذ هو معتمد الإسناد الأصلي» ووافقه الحلبي ، وقال السفاقسي : الأظهر أن هذا مرجح لا موجب ، والمراد من الولد على ما اختاره البعض الذكر لأنه المتبادر ولأن الأخت وإن ورثت مع البنت عند غير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والإمامية لكنها لا ترث النصف بطريق الفرضية ، وتعقبه بعض المحققين مختاراً العموم بأنه تخصيص من غير مخصص ، والتعليل بأن الابن يسقط الأخت دون البنت ليس بسديد لأن الحكم تعيين النصف ، وهذا ثابت عند عدم الابن والبنت غير ثابت عند وجود أحدهما ، أما الابن فلأنه يسقط الأخت ، وأما البنت فلأنها تصيرها عصبة فلا يتعين لها فرض ، نعم يكون نصيبها مع بنت واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية فلا حاجة إلى تفسير الولد بالابن لا منطوقاً ولا مفهوماً ، وأيضاً الكلام في الكلالة وهو من لا يكون له ولد أصلاً وكذا ما لا يكون له والد إلا أنه اقتصر على عدم ذكر الولد ثقة بظهور الأمر والولد مشترك معنوي في سياق النفي فيعم ، فلا بد للتخصيص من مخصص وأنى به؟ فليفهم .
وقوله تعالى : { وَلَهُ أُخْتٌ } عطف على { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } ويحتمل الحالية ، والمراد بالأخت الأخت من الأبوين والأب لأن الأخت من الأم فرضها السدس ، وقد مر بيانه في صدر السورة الكريمة [ النساء : 12 ] . { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } أي بالفرض والباقي للعصبة ، أو لها بالردّ إن لم يكن له عصبة ، والفاء واقعة في جواب الشرط { وَهُوَ } أي المرء المفروض { يَرِثُهَا } أي أخته المفروضة إن فرض هلاكها مع بقائه ، والجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب؛ وقد سدت كما قال أبو البقاء مسدّ جواب الشرط في قوله تعالى : { إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } ذكراً كان أو أنثى ، فالمراد بإرثه لها إحراز جميع مالها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية لا إرثه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتها ، والآية كما لم تدل على سقوط الأخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به ، وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب إذ صح عنه صلى الله عليه وسلم : « ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر » ولا ريب في أن الأب أولى من الأخ وليس ما ذكر بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة . (4/354)
{ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } عطف على الشرطية الأولى ، والضمير لمن يرث بالأخوة ، وتثنيته محمولة على المعنى وحكم ما فوق الاثنتين كحكمهما ، واستشكل الإخبار عن ضمير التثنية بالاثنتين لأن الخبر لا بد أن يفيد غير ما يفيده المبتدأ ، ولهذا لا يصح سيد الجارية مالكها ، وضمير التثنية دال على الاثنينية فلا يفيد الإخبار عنه بما ذكر شيئاً ، وأجيب عن ذلك أن الاثنينية تدل على مجرد التعدد من غير تقييد بكبر أو صغر أو غير ذلك من الأوصاف فكأنه قيل : إنهما يستحقان ما ذكر بمجرد التعدد من غير اعتبار أمر آخر وهذا مفيد ، وإليه ذهب الأخفش ، ورد بأن ضمير التثنية يدل على ذلك أيضاً فعاد الإشكال ، وروى مكي عنه أنه أجاب بأن ذلك حمل على معنى من يرث ، وأن الأصل والتقدير إن كان من يرث بالإخوة اثنين ، وإن كان من يرث ذكوراً وإناثاً فيما يأتي؛ وإنما قيل : كانتا وكانوا لمطابقة الخبر كما قيل : من كانت أمك ، ورد بأنه غير صحيح وليس نظير المثال ، لأنه صرح فيه بمن وله لفظ ومعنى ، فمن أنث راعى المعنى وهو الأم ولم يؤنث لمراعاة الخبر ، ومدلول الخبر فيه مخالف لمدلول الاسم بخلاف ما نحن فيه فإن مدلولهما واحد .
وذكر أبو حيان لتخريج الآية وجهين : الأول «أن ضمير كانتا لا يعود على الأختين بل على الوارثتين ، وثم صفة محذوفة لاثنتين ، والصفة مع الموصوف هو الخبر ، والتقدير : فإن كانتا أي الوارثتان اثنتين من الأخوات ( فلهما الثلثانمما ترك ) فيفيد إذ ذاك الخبر ما لا يفيده الاسم ، وحذف الصفة لفهم المعنى جائز ، والثاني أن يكون الضمير عائداً على الأختين كما ذكروا ويكون خبر ( كان ) محذوفاً لدلالة المعنى عليه وإن كان حذفه قليلاً ، ويكون اثنتين حالاً مؤكدة ، والتقدير فإن كانتا أي الأختان له أي للمرء الهالك ، ويدل على حذف ( الخبر الذي هو ) له { وَلَهُ أُخْتٌ } » . { وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الانثيين } أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر بقرينة رجالاً ونساءً الواقع بدلاً ، وقيل : فيه اكتفاء . (4/355)
{ يُبَيّنُ الله لَكُمْ } حكم الكلالة أو أحكامه وشرائعه التي من جملتها حكمها ، وإلى هذا ذهب أبو مسلم { أَن تَضِلُّواْ } أي كراهة أن تضلوا في ذلك وهو رأي البصريين وبه صرح المبرد . وذهب الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين إلى تقدير اللام ولا في طرفي { ءانٍ } أي لئلا تضلوا ، وقيل : ليس : هناك حذف ولا تقدير وإنما المنسبك مفعول { يُبِينُ } أي يبين لكم ضلالكم ، ورجح هذا بأنه من حسن الختام والالتفات إلى أول السورة وهو { يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ } [ النساء : 1 ] فإنه سبحانه أمرهم بالتقوى وبين لهم ما كانوا عليه في الجاهلية ، ولما تم تفصيله قال عز وجل لهم : إني بينت لكم ضلالكم فاتقوني كما أمرتكم فإن الشر إذا عرف اجتنب ، والخير إذا عرف ارتكب ، واعترض بأن المبين صريحاً هو الحق والضلال يعلم بالمقايسة ، فكان الظاهر يبين لكم الحق إلا أن يقال : بيان الحق واضح وبيان الضلال خفي فاحتيج إلى التنبيه عليه ، وفيه تأمل ، وذكر الجلال السيوطي أن حسن الختام في هذه السورة أنها ختمت بآية الفرائض ، وفيها أحكام الموت الذي هو آخر أمر كل حي وهي أيضاً آخر ما نزل من الأحكام { والله بِكُلّ شَيْء } من الأشياء التي من جملتها أحوالكم المتعلقة بمحياكم ومماتكم { عَلِيمٌ } مبالغ في العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم .
وهذا ومن باب الإشارة في الآيات : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } ستروا ما اقتضاه استعدادهم { وَصُدُّواْ } ومنعوا غيرهم { عَنْ } سلوك { سَبِيلِ الله } أي الطريق الموصلة إليه { قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً } [ النساء : 167 ] لحرمانهم أنفسهم وغيرهم عما فيه النجاة { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } منعوا استعدادهم عن حقوقها من الكمال بارتكاب الرذائل { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } لبطلان استعدادهم { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً } [ النساء : 168 ] لجهلهم المركب واعتقادهم الفاسد { إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } وهي نيران أشواق نفوسهم الخبيثة { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } [ النساء : 169 ] لانجذابهم إليها بالطبيعة { حَكِيماً يأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } نهي لليهود والنصارى عند الكثيرين من ساداتنا ، وقد غلا الفريقان في دينهم ، أما اليهود فتعمقوا في الظواهر ونفي البواطن فحطوا عيسى عليه السلام عن درجة النبوة والتخلق بأخلاق الله تعالى ، وأما النصارى فتعمقوا في البواطن ونفي الظواهر فرفعوا عيسى عليه السلام إلى درجة الألوهية { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } بالجمع بين الظواهر والبواطن والجمع والتفصيل كما هو التوحيد المحمدي { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله } الداعي إليه { وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ } أي حقيقة من حقائقه الدالة عليه { وَرُوحٌ مّنْهُ } أي أمر قدسي منزه عن سائر النقائص ، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن سبب تخصيص عيسى عليه السلام بهذا الوصف أن النافخ له من حيث الصورة الجبريلية هو الحق تعالى لا غيره فكان بذلك روحاً كاملاً مظهراً لاسم الله تعالى صادراً من اسم ذاتي ولم يكن صادراً من الأسماء الفرعية كغيره وما كان بينه وبين الله تعالى وسائط كما في أرواح الأنبياء غيره عليهم الصلاة والسلام فإن أرواحهم وإن كانت من حضرة اسم الله تعالى لكنها بتوسط تجليات كثيرة من سائر الحضرات الأسمائية فما سمي عيسى عليه السلام روح الله تعالى وكلمته إلا لكونه وجد من باطن أحدية جمع الحضرة الإلهية ولذلك صدرت منه الأفعال الخاصة بالله تعالى من إحياء الموتى وخلق الطير وتأثيره في الجنس العالي والجنس الدون ، وكانت دعوته عليه السلام إلى الباطن والعالم القدسي فإن الكلمة إنما هي من باطن اسم الله تعالى وهويته الغيبية ، ولذلك طهر الله تعالى جسمه من الأقذار الطبيعية لأنه روح متجسدة في بدن مثالي روحاني إلى آخر ما ذكره الإمام الشعراني في «الجواهر والدرر» { مَّا كَانَ الله } بالجمع والتفصيل { وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة } لأن ذلك ينافي التوحيد الحقيقي ، وعيسى عليه السلام في الحقيقة فان وجوده بوجود الله تعالى وحياته عليه السلام بحياته جل شأنه وعلمه عليه السلام بعلمه سبحانه { إِنَّمَا الله إله واحد } وهو الوجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أي أنزهه عن أن يكون موجود غيره متولد منه مجالس له في الوجود (4/356)
{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } [ النساء : 171 ] أي ما في سموات الأرواح وأرض الأجساد لأنها مظاهر أسمائه وصفاته عز شأنه { لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } في مقام التفصيل إذ كل ما ظهر فهو ممكن والممكن لا وجود له بنفسه فيكون عبداً محتاجاً ذليلاً مفتقراً غير مستنكف عن ذلة العبودية { وَلاَ الملئكة المقربون } الذين هم أرواح مجردة وأنوار قدسية محضة ، وأما في مقام الجمع فلا عيسى ولا ملك ولا قرب ولا بعد ولا ولا . . . { وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ } بظهور أنانيته { وَيَسْتَكْبِرْ } بطغيانه في الظهور بصفاته { فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } [ النساء : 172 ] بظهور نور وجهه وتجليه بصفة القهر حتى يفنوا بالكلية في عين الجمع { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ } الإيمان الحقيقي بمحو الصفات وطمس الذات { وَعَمِلُواْ الصالحات } وراعوا تفاصيل الصفات وتجلياتها { فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } من جنات صفاته { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } بالوجود الموهب لهم بعد الفناء { وَأَمَّا الذين استنكفوا } وأظهروا الأنانية { واستكبروا } وطغوا فقال قائلهم : أنا ربكم الأعلى مع رؤيته نفسه { فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً } [ النساء : 173 ] باحتجابهم وحرمانهم { نَصِيراً يَأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } وهو التوحيد الذاتي { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } [ النساء : 174 ] وهو التفصيل في عين الجمع؛ فالأول : إشارة إلى القرآن ، والثاني : إلى الفرقان { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ } ولم يلتفتوا إلى الأغيار من حيث أنها أغيار { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ } وهي جنات الأفعال { وَفَضَّلَ } وهو جنات الصفات { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صراطا مُّسْتَقِيماً } [ النساء : 175 ] وهو الفناء في الذات ، أو الرحمة جنات الصفات ، و الفضل جنات الذات؛ و الهداية إليه صراطاً مستقيماً الاستقامة على الوحدة في تفاصيل الكثرة ، ولا حجر على أرباب الذوق ، فكتاب الله تعالى بحر لا تنزفه الدلاء ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ، ونسأله التوفيق لفهم كلامه ، وشرح صدورنا بعوائد إحسانه وموائد إنعامه لا رب غيره ولا يرجى إلا خيره . (4/357)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)
بسْم الله الرحمن الرحيم . { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } الوفاء حفظ ما يقتضيه العقد والقيام بموجبه ، ويقال : وفى ووفى وأوفى بمعنى ، لكن في المزيد مبالغة ليست في المجرد ، وأصل العقد الربط محكماً ، ثم تجوز به عن العهد الموثق ، وفرق الطبرسي بين العقد والعهد «بأن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ولا يكون إلا بين اثنين ، والعهد قد يتفرد به واحد» واختلفوا في المراد بهذه العقود على أقوال : أحدها : أن المراد به العهود التي أخذ الله تعالى على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أحل لهم أو حرم عليهم وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وثانيها : العقود التي يتعاقدها الناس بينهم كعقد الأيمان وعقد النكاح وعقد البيع ونحو ذلك ، وإليه ذهب ابن زيد وزيد بن أسلم ، وثالثها : العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة على من ظلم ، وروي ذلك عن مجاهد والربيع وقتادة . وغيرهم؛ ورابعها : العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل مما يقتضي التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وروي ذلك عن ابن جريج وأبي صالح ، وعليه فالمراد من الذين آمنوا مؤمنو أهل الكتاب؛ وهو خلاف الظاهر ، واختار بعض المفسرين أن المراد بها ما يعم جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقد عليهم من التكاليف والأحكام الدينية ، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوهما مما يجب الوفاء به ، أو يحسن ديناً ، ويحمل الأمر على مطلق الطلب ندباً أو وجوباً ، ويدخل في ذلك اجتناب المحرمات والمكروهات لأنه أوفق بعموم اللفظ إذ هو جمع محلى باللام وأوفى بعموم الفائدة . (4/358)
واستظهر الزمخشري «كون المراد بها عقود الله تعالى عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه» لما فيه كما في «الكشف» من براعة الاستهلال والتفصيل بعد الإجمال ، لكن ذكر فيه أن مختار البعض أولى لحصول الغرضين وزيادة التعميم ، وأن السور الكريمة مشتملة على أمهات التكاليف الدينية في الأصول والفروع ، ولو لم يكن إلا { عَلَى البر البر والتقوى } [ المائدة : 2 ] و { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ] لكفى ، وتعقب بما لا يخلو عن نظر .
وزعم بعضهم أن فيه نزع الخف قبل الوصول إلى الماء ، وما استظهره الزمخشري خال عن ذلك ، والأمر فيه هين ، وفي القول بالعموم رغب الراغب كما هو الظاهر فقد قال : العقود باعتبار المعقود ، والعاقد ثلاثة أضرب ، عقد بين الله تعالى وبين العبد ، وعقد بين العبد ونفسه ، وعقد بينه وبين غيره من البشر ، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان : ضرب أوجبه العقل وهو ما ركز الله تعالى معرفته في الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل ، وإما بأدنى نظر دل عليه قوله تعالى :
{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } [ الأعراف : 172 ] الآية ، وضرب أوجبه الشرع وهو ما دلنا عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فذلك ستة أضرب ، وكل واحد من ذلك إما أن يلزم ابتداء أو يلزم بالتزام الإنسان إياه ، والثاني أربعة أضرب : فالأول : واجب الوفاء كالنذور المتعلقة بالقرب نحو أن يقول : عليّ أن أصوم إن عافاني الله تعالى ، والثاني : مستحب الوفاء به ويجوز تركه كمن حلف على ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك ، والثالث : يستحب ترك الوفاء به ، وهو ما قال صلى الله عليه وسلم : « إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه » ، والرابع : واجب ترك الوفاء به نحو أن يقول : علي أن أقتل فلاناً المسلم ، فيحصل من ضرب ستة في أربعة أربعة وعشرون ضرباً ، وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو واجباً فافهم ولا تغفل . (4/359)
{ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام } شروع في تفصيل الأحكام التي أمر بإيفائها ، وبدأ سبحانه بذلك لأنه مما يتعلق بضروريات المعاش ، و البهيمة من ذوات الأرواح ما لا عقل له مطلقاً ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وسمي بهيمة لعدم تمييزه وإبهام الأمر عليه . ونقل الإمام الشعراني عن شيخه علي الخواص قدس سره أن سبب تسمية البهائم بهائم ليس إلا لكون أمر كلامها وأحوالها أبهم على غالب الخلق لا أن الأمر أبهم عليها ، وذكر ما يدل على عقلها وعلمها ، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى . وقال غير واحد : البهيمة اسم لكل ذي أربع من دواب البر والبحر ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز أي أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام ، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها ، واعترض بأن البهيمة اسم جنس ، والأنعام نوع منه ، فإضافتها إليه كإضافة حيوان إنسان وهي مستقبحة ، وأجيب بأن إضافة العام إلى الخاص إذا صدرت من بليغ وقصد بذكره فائدة فحسنة كمدينة بغداد فإن لفظ بغداد لما كان غير عربي لم يعهد معناه أضيف إليه مدينة لبيان مسماه وتوضيحه وكشجر الأراك فإنه لما كان الأراك يطلق على قضبانه أضيف لبيان المراد وهكذا وإلا فلغو زائد مستهجن ، وهنا لما كان الأنعام قد يختص بالإبل إذ هو أصل معناه على ما قيل ، ولذا لا يقال : النَّعم إلا لها أضيف إليه بهيمة إشارة إلى ما قصد به ، وذكر البهيمة وإفرادها لإرادة الجنس ، وجمع الأنعام ليشمل أنواعها وألحق بهما الظباء وبقر الوحش ، وقيل : هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب ، وروي ذلك عن الكلبي .
والفراء ، وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما ، وجوز بعض المحققين في إضافة المشبه للمشبه به كونها بمعنى اللام على جعل ملابسة المشبه اختصاصاً بينهما ، أو بمعنى من البيانية على جعل المشبه نفسه المشبه به ، وفائدة هذه الإضافة هنا الإشعار بعلة الحكم المشتركة بين المتضايفين كأنه قيل : أحلت لكم البهيمة المشبهة بالأنعام التي بين إحلالها فيما سبق لكم المماثلة لها في مناط الحكم ، وقيل : المراد ببهيمة الأنعام ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها وهي ميتة ، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم فيكون مفاد الآية صريحاً حل أكلها ، وبه قال الشافعي ، واستدل عليه بغير ما خبر ، ويفهم منها حل الأنعام ، وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعل لإظهار العناية بالمقدم لما فيه من تعجيل المسرة والتشويق إلى ذكر المؤخر . (4/360)
وفي الآية ردّ على المجوس فإنهم حرموا ذبح الحيوانات وأكلها قالوا : لأن ذبحها إيلام والإيلام قبيح خصوصاً إيلام من بلغ في العجز إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم . وزعموا لعنهم الله تعالى أن إيلام الحيوانات إنما يصدر من الظلمة دون النور ، والتناسخية لم يجوزوا صدور الآلام منه تعالى ابتداءاً بوجه من الوجوه إلا بطريق المجازاة على ما سبق من اقتراف الجرائم ، والتزموا أن البهائم مكلفة عالمة بما يجري عليها من الآلام وأنها مجازاة على فعلها ولولا ذلك لما تصور انزجارها بالآلام عن العود إلى الجريمة بتقدير انتقالها إلى بدن أشرف . وزعم البعض منهم أنه ما من جنس من البهائم إلا وفيهم نبي مبعوث إليهم من جنسهم ، بل زعم آخرون أن جميع الجمادات أحياء مكلفة وأنها مجازاة على ما تقترفه من الخير والشر ، ونسب نحواً من ذلك الإمام الشعراني إلى السادة الصوفية ، وأبى أهل الظاهر ذلك كل الإباء ، ولما أشكل على البكرية من المسلمين الجواب عن هذه الشبهة على أصولهم واعتقدوا ورود الأمر بذبح الحيوانات من الله تعالى زعموا أن البهائم لا تتألم وكذلك الأطفال الذين لا يعقلون ، ولايخفى أن ذلك مصادم للبديهة ولا يقصر عن إنكار حياة المذكورين وحركاتهم وحسهم وإدراكهم ، وأجاب المعتزلة بما ردّه أهل السنة ، وأجابوا بأن الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في خالص ملكه فلا اعتراض عليه ، والتحسين والتقبيح العقليان قد طوي بساط الكلام فيهما في علم الكلام ، وكذا القول بالنور والظلمة ، وقال بعض المحققين : لما كان الإنسان أشرف أنواع الحيوانات وبه تمت نسخة العالم لم يقبح عقلاً جعل شيء مما دونه غداءاً له مأذوناً بذبحه وإيلامه اعتناءاً بمصلحته حسبما تقتضيه الحكمة التي لا يحلق إلى سرها طائر الأفكار ، وقال بعض الناس : الآية مجملة لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو الكل ، وفيه نظر لأن ظهور تقدير الأكل مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان .
نعم ذكر ابن السبكي وغيره أن قوله تعالى : { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } مجمل للجهل بمعناه قبل نزول مبينه ، ويسري الإجمال إلى ما تقدم ، ولكن ذاك ليس محل النزاع ، والاستثناء متصل من بهيمة بتقدير مضاف محذوف مما يتلي أي إلا محرم ما يتلى عليكم ، وعنى بالمحرم الميتة وما أهل لغير الله به إلى آخر ما ذكر في الآية الثالثة من السورة ، أو من فاعل يتلى أي إلا ما يتلى عليكم آية محرمة لتكون ما عبارة عن البهيمة المحرمة لا اللفظ المتلو ، وجوز اعتبار التجوز في الإسناد من غير تقدير وليس بالبعيد؛ وأما جعله مفرغاً من الموجب في موقع الحال أي إلا كائنة على الحالات المتلوة فبعيد كما قال الشهاب جداً؛ وذهب بعضم إلى أنه منقطع بناءاً على الظاهر لأن المتلو لفظ ، والمستثنى منه ليس من جنسه؛ والأكثرون على الأول ، ومحل المستثنى النصب ، وجوز الرفع على ما حقق في النحو . (4/361)
{ غَيْرَ مُحِلّى الصيد } حال من الضمير في لكم على ما عليه أكثر المفسرين ، والصيد يحتمل المصدر والمفعول ، وقوله تعالى : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } حال عما استكن في محل والحرم جمع حرام وهو المحرم ، ومحصل المعنى أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الاصطياد ، أو أكل الصيد في الإحرام ، وفسر الزمخشري عدم إحلال الصيد في حالة الإحرام بالامتناع عنه وهم محرمون حيث قال : كأنه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حالة امتناعكم عن الصيد وأنتم حرم لئلا يكون عليكم حرج ، ولم يحمل الإحلال على اعتقاد الحل ظناً منه أن تقييد الإحلال بعدم اعتقاد الحل غير موجه ، وقد يقال : إن الأمر كذلك لو كان المراد مطلق اعتقاد الحل أما لو كان المراد عدم اعتقاد ناشيء من الشرع ومترتب منه فلا لأن حاله إن لم يكن عين حال الامتناع فليس بالأجنبي عنه كما لا يخفى على المتدبر ، وأشار إليه شيخ مشايخنا جرجيس أفندي الإربلي رحمة الله تعالى عليهم .
واعترض في «البحر» على ما ذهب إليه الأكثرون بأنه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة الأنعام بحال انتفاء حل الصيد وهم حرم ، وهي قد أحلت لهم مطلقاً فلا يظهر له فائدة إلا إذا أريد ببهيمة الأنعام الصيود المشبهة بها كالظباء وبقر الوحش وحمره ، ودفع بأنه مع عدم اطراد اعتبار المفهوم يعلم منه غيره بالطريق الأولى لأنها إذا أحلت في عدم الإحلال لغيرها وهم محرمون لدفع الحرج عنهم ، فكيف في غير هذه الحال؟ فيكون بياناً لإنعام الله تعالى عليهم بما رخص لهم من ذلك وبياناً لأنهم في غنية عن الصيد وانتهاك حرمة الحرم .
وعبارة الزمخشري كالصريحة في ذلك ، ودفعه العلامة الثاني بأن المراد من الأنعام ما هو أعم من الإنسي والوحشي مجازاً أو تغليباً أو دلالة أو كيفما شئت ، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين الصيد في الإحرام إذ معه يحرم البعض وهو الوحش ، ولا يخفى أنه توجيه وحشي لا ينبغي لحمزة غابة التنزيل أن يقصده من مراصد عباراته ، وذهب الأخفش إلى أن انتصاب غير على الحالية من ضمير أوفوا وضعف بأن فيه الفصل من الحال وصاحبها بجملة ليست اعتراضية إذ هي مبينة ، وتخلل بعض أجزاء المبين بين أجزاء المبين مع ما يجب فيه من تخصيص العقود بما هو واجب أو مندوب في الحج ، وإلا فلا يبقى للتقييد بتلك الحال مع أنهم مأمورون بمطلق العقود مطلقاً وجه . (4/362)
وزعم العلامة أنه أقرب من الأول معنى وإن كان أبعد لفظاً ، واستدل عليه بما هو على طرف الثمام ، ثم قال : ومنهم من جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله تعالى : { أُحِلَّتْ لَكُمْ } ويستلزم جعل { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أيضاً حالاً من مقدر أي حال كوننا غير محلين الصيد في حال إحرامكم وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ . وتعقبه أبوحيان «بأنه فاسد لأنهم نصوا على أن الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسياً منسياً فلا يجوز وقوع الحال منه ، قد قالوا لو قلت : أنزل الغيث مجيباً لدعائهم على أن مجيباً حال من فاعل الفعل المبني للمفعول لم يجز لا سيما على مذهب القائلين : بأن المبني للمفعول صيغة أصلية ليست محولة عن المعلوم على أن في التقييد أيضاً مقالاً ، وجعله بعضهم حالاً من الضمير المجرور في عليكم ويريده أن الذي يتلى لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم ، بل هو يتلي عليهم في هذه الحال وفي غيرها» ، ونقل العلامة البيضاوي عن بعض أن النصب على الاستثناء ، وذكر أن فيه تعسفاً ، وبينه مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله أفندي الحيدري عليه الرحمة بأنه لو كان استثناءاً لكان إما من الضمير في لكم أو في { أَوْفُواْ } إذ لا جواز لاستثنائه من بهيمة الأنعام وعلى الأول : يجب أن يخص البهيمة بما عدا الأنعام مما يماثلها ، أو تبقى على العموم لكن بشرط إدارة المماثل فقط في حيز الاستثناء ، وأن يجعل قوله تعالى : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } من تتمة المستثنى بأن يكون حالاً عما استكن في محلي ليصح الاستثناء إذ لا صحة له بدون هذين الاعتبارين ، فسوق العبارة يقتضي أن يقال : وهم حرم لأن الاستثناء أخرج المحلين من زمرة المخاطبين ، واعتبار الالتفات هنا بعيد لكونه رافعاً فيما هو بمنزلة كلمة واحدة ، وعلى الثاني : يجب تخصيص العقود بالتكاليف الواردة في الحج ، وتأويل الكلام الطلبي بما يلزمه من الخبر مع ما يلزمه من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بالأجنبي ، وكل ذلك تعسف أي تعسف انتهى ، وكأنه رحمه الله تعالى لم يذكر احتمال كون الاستثناء من الاستثناء ، مع أن القرطبي نقله عن البصريين لأن ذلك فاسد كما قاله القرطبي .
وأبو حيان لا متعسف إذ يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأن المستثنى من المحرم حلال ، نعم ذكر أبو حيان أنه استثناء من بهيمة الأنعام على وجه عينه؛ وأنفه التكلف والتعسف فقد قال رحمه الله تعالى «إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من كون رسم محلي بالياء فظنوا أنه اسم فاعل من أحل ، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة ، وأصل غير محلين الصيد . والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله تعالى : { غَيْرَ مُحِلّى الصيد } من باب قولهم : حسان النساء ، والمعنى النساء الحسان ، وكذا هذا أصله غير الصيد المحل ، والمحلّ صفة للصيد لا للناس ( ولا للفاعل المحذوف ) ، ووصف الصيد بأنه محل ، إما بمعنى داخل في الحل كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل ، وأحرم أي دخل في الحرم ، أو بمعنى صار ذا حل أي حلالاً بتحليل الله تعالى ، ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب ، فمن الأول : أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتهم ، ومن الثاني : أعشبت الأرض وأبقلت ، وأغد البعير ، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار ( أحد ) ( 1 ) الوجهين اتضح كونه استثناءاً ثانياً ، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع ، أو الظباء ونحوها فمتصل على تفسير المحل بالذي يبلغ الحل في حال كونهم محرمين ، فإن قلت : ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضاً؟ قلت : الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم ، والقصد بيان تحريم ما يختص تحريمه بالمحرم . فإن قلت : ما ذكرته من هذا التوجيه الغريب يعكر عليه رسمه في المصحف بالياء والوقف عليه بها . قلت : قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف النطق نحو { لاَذْبَحَنَّهُ } [ النمل : 21 ] بالألف ، والوقف اتبعوا فيه الرسم» انتهى . (4/363)
وتعقبه السفاقسي بمثل ما قدمناه من حيث زيادة الياء ، وفيها التباس المفرد بالجمع وهم يفرّون من زيادة أو نقصان في الرسم ، فكيف يزيدون زيادة ينشأ عنها لبس؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس ، وقال الحلبي : إن فيه خرقاً للإجماع فإنهم لم يعربوا { غَيْرِ } إلا حالاً ، وإنما اختلفوا في صاحبها ، ثم قال السفاقسي : ويمكن فيه تخريجان : أحدهما أن يكون { غَيْرِ } استثناءاً منقطعاً ، ومحلي جمع على بابه ، والمراد به الناس الداخلون حل الصيد ، أي لكن إن دخلتم حل الصيد فلا يجوز لكم الاصطياد ، والثاني : أن يكون متصلاً من بهيمة الأنعام وفي الكلام حذف مضاف ، أي أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم فلا يحل ، ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل ، ويكون الاستثناء متصلاً والمضاف محذوف ، أي إلا صيد محلى الاصطياد وأنتم حرم ، والمراد بالمحلين الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل ، ويكون معناه أن صيد الحرم كالميتة لا يحل أكله مطلقاً ، ويحتمل أن يكون حالاً من ضمير { لَكُمْ } وحذف المعطوف للدلالة عليه وهو كثير ، وتقديره غير محلي الصيد محليه كما قال تعالى :
{ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] أي والبرد ، وهو تخريج حسن . هذا ولا يخفى أن يد الله تعالى مع الجماعة ، وأن ما ذكره غيرهم لا يكاد يسلم من الاعتراض . (4/364)
{ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة التي تقف دونها الأفكار ، فيدخل فيها ما ذكره من التحليل والتحريم دخولاً أولياً ، وضمن يحكم معنى يفعل ، فعداه بنفسه وإلا فهو متعد بالباء .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } لما بين سبحانه حرمة إحلال الحرم الذي هو من شعائر الحج عقب جل شأنه ببيان ( حرمة ) إحلال سائر الشعائر ، وهو جمع شعيرة ، وهي اسم لما أشعر ، أي جعل شعاراً وعلامة للنسك من ( مواقف ) الحج ومرامي الجمار والطواف والمسعى ، والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها ( من ) الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر ، وإضافتها إلى الله تعالى لتشريفها وتهويل الخطب في إحلالها ، والمراد منه التهاون بحرمتها ، وأن يحال بينها وبني المتنسكين بها ، وروي عن عطاء أنه فسر الشعائر بمعالم حدود الله تعالى وأمره ونهيه وفرضه ، وعن أبي علي الجبائي أن المراد بها العلامات المنصوبة للفرق بين الحل والحرم ، ومعنى إحلالها عنده مجاوزتها إلى مكة بغير إحرام ، وقيل : هي الصفا والمروة ، والهدي من البدن وغيرها ، وروي ذلك عن مجاهد . (4/365)
{ وَلاَ الشهر الحرام } أي لا تحلوه بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين كما روي عن ابن عباس وقتادة أو بالنسيء كما نقل عن القتيبي ، والأول هو الأولى بحال المؤمنين . واختلف في المراد منه فقيل : رجب ، وقيل : ذو القعدة ، وروي ذلك عن عكرمة ، وقيل : الأشهر الأربعة الحرم ، واختاره الجبائي والبلخي ، وإفراده لإرادة الجنس { وَلاَ الهدى } بأن يتعرض له بالغصب أو بالمنع من أن يبلغ محله ، والمراد به ما يهدى إلى الكعبة من إبل أو بقر أو شاء ، وهو جمع هدية كجدي وجدية وهي ما يحشى تحت السرج والرحل ، وخص ذلك بالذكر بناءاً على دخوله في الشعائر لأن فيه نفعاً للناس ، ولأنه مال قد يتساهل فيه ، وتعظيماً له لأنه من أعظمها { وَلاَ القلائد } جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو غيرهما ليعلم أنه هدي فلا يتعرض له ، والمراد النهي عن التعرض لذوات القلائد من الهدي وهي البدن ، وخصت بالذكر تشريفاً لها واعتناءاً بها ، أو التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن التعرض لذواتها كما في قوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } [ النور : 31 ] فإنهن إذا نهين عن إظهار الزينة كالخلخال والسوار علم النهي عن إبداء محلها بالطريق الأولى ، ونقل عن أبي علي الجبائي أن المراد النهي عن إحلال نفس القلائد ، وإيجاب التصدق بها إن كانت لها قيمة ، وروي ذلك عن الحسن ، وروى عن السدي أن المراد من القلائد : أصحاب الهدي فإن العرب كانوا يقلدون من لحاء شجر مكة يقيم الرجل بمكة حتى إذا انقضت الأشهر الحرم ، وأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر فيأمن حتى يأتي أهله ، وقال الفراء : أهل الحرم كانوا يتقلدون بلحاء الشجر ، وغير أهل الحرم كانوا يتقلدون بالصوف والشعر وغيرهما ، وعن الربيع .
وعطاء أن المراد نهي المؤمنين أن ينزعوا شيئاً من شجر الحرم يقلدون به كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم . (4/366)
{ وَلا ءامّينَ البيت الحرام } أي ولا تحلوا أقواماً قاصدين البيت الحرام بأن تصدوهم عنه بأي وجه كان ، وجوز أن يكون على حذف مضاف أي قتال قوم أو أذى قوم آمين . وقرىء ولا آمي البيت الحرام بالإضافة ، و ( البيت ) مفعول به لا ظرف ، ووجه عمل اسم الفاعل فيه ظاهر ، وقوله تعالى : { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا } حال من المستكن في آمين ، وجوز أن يكون صفة ، وضعف بأن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل لضعف شبهه بالفعل الذي عمل بالحمل عليه لأن الموصوفية تبعد الشبه بأنها من خواص الأسماء ، وأجيب بأن الوصف إنما يمنع من العمل إذا تقدم المعمول ، فلو تأخر لم يمنع لمجيئه بعد الفراغ من مقتضاه كما صرح به صاحب «اللب» وغيره ، وتنكير ( فضلاً ) و ( رضواناً ) للتفخيم ، ومن ربهم متعلق بنفس الفعل ، أو بمحذوف وقع صفة لفضلاً مغنية عن وصف ما عطف عليه بها ، أي فضلاً كائناً من ربهم ورضواناً كذلك ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعار بحصول مبتغاهم ، والمراد بهم المسلمون خاصة ، والآية محكمة . وفي الجملة إشارة إلى تعليل النهي واستنكار النهي عنه كذا قيل ، واعترض بأن التعرض للمسلمين حرام مطلقاً سواء كانوا آمين أم لا ، فلا وجه لتخصيصهم بالنهي عن الإحلال ، ولذا قال الحسن وغيره : المراد بالآمين هم المشركون خاصة ، والمراد من الفضل حينئذ الربح في تجاراتهم ، ومن الرضوان ما في زعمهم ، ويجوز إبقاء الفضل على ظاهره إذا أريد ما في الزعم أيضاً لكنه لما أمكن حمله على ما هو في نفس الأمر كان حمله عليه أولى ، ويؤيد هذا القول أن الآية نزلت كما قال السدي وغيره في رجل من بني ربيعة يقال له الحطيم بن هند ، وذلك أنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحده وخلف خيله خارج المدينة فقال : " إلى مه تدعو الناس؟ فقال صلى الله عليه وسلم : إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة " فقال : حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم ، ولعلي أسلم وآتي بهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : " يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان " ثم خرج من عنده ، فلما خرج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم " ، فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول :
قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بخوار على ظهر قطم ... باتوا نياماً وابن هند لم ينم
بات يقاسيها غلام كالزلم ... مدملج الساقين ممسوح القدم
فطلبه المسلمون فعجزوا ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام قضاء العمرة التي أحصر عنها سمع تلبية حجاج اليمامة فقال صلى الله عليه وسلم : " هذا الحطيم وأصحابه فدونكموه " وكان قد قلد ما نهب من السرح وجعله هدياً فلما توجهوا لذلك نزلت الآية فكفوا وروي عن ابن زيد أنها نزلت يوم فتح مكة في فوارس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة فقال المسلمون : يا رسول الله هؤلاء المشركون مثل هؤلاء ، دعنا نغير عليهم ، فأنزل الله سبحانه الآية . (4/367)
واختلف القائلون بأن المراد من الآمين : المشركون في النسخ وعدمه ، فعن ابن جريج أنه لا نسخ لأنه يجوز أن يبتدىء المشركون في الأشهر الحرم بالقتال ، وأنت تعلم أن الآية ليست نصاً في القتال على تقدير تسليم ما في حيز التعليم ، وقال أبو مسلم : إن الآية منسوخة بقوله تعالى : { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } [ التوبة : 28 ] ، وقيل : بآية السيف ، وقيل : بهما ، وقيل : لم ينسخ من هذه الآية إلا القلائد ، وروي ذلك عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وادعى بعضهم أن المراد بالآمين : ما يعم المسلمين والمشركين ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ، والنسخ حينئذ في حق المشركين خاصة . / وبعض الأئمة يسمي مثل ذلك تخصيصاً كما حقق في الأصول ، ولا بدّ على هذا من تفسير الفضل والرضوان بما يناسب الفريقين ، وقرأ حميد بن قيس الأعرج { تَبْتَغُونَ } بالتاء على خطاب المؤمنين ، والجملة على ذلك حال من ضمير المخاطبين في { لاَ تُحِلُّواْ } على أن المراد بيان منافاة حالهم هذه للمنهي عنه لا تقييد النهي بها ، واعترض بأنه لو أريد خطاب المؤمنين لكان المناسب من ربكم وربهم ، وأجيب بأن ترك التعبير بما ذكر للتخويف بأن ربهم يحميهم ولا يرضى بما فعلوه وفيه بلاغة لا تخفي وإشارة إلى ما مر من أن الله تعالى رب العالمين لا المسلمين فقط ، وقال شيخ الإسلام : إن إضافة الرب إلى ضمير آمين على قراءة الخطاب للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم وحرمان المخاطبين عنه وعن نيل المبتغى ، وفي ذلك من تعليل النهي وتأكيده والمبالغة في استنكار المنهي عنه ما لا يخفى .
{ وَإِذَا حَلَلْتُمْ } من الإحرام المشار إليه بقوله سبحانه : { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } { فاصطادوا } أي فلا جناح عليكم بالاصطياد لزوال المانع ، فالأمر للإباحة بعد الحظر ومثله لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها فإذا أديت فادخلها أي إذا أديت أبيح لك دخولها ، وإلى كون الأمر للإباحة بعد الحظر ذهب كثير . وقال صاحب «القواطع» : إنه ظاهر كلام الشافعي في «أحكام القرآن» ، ونقله ابن برهان ( في «الوجيز» ) عن أكثر الفقهاء والمتكلمين لأن سبق الحظر قرينة صارفة ، وهو أحد ثلاثة مذاهب في المسألة ، ثانيها : أنه للوجوب لأن الصيغة تقتضيه ، ووروده بعد الحظر لا تأثير له ، وهو اختيار القاضي أبي الطيب ( الطبري في «شرح الكفاية» ) ( 2 ) والشيخ أبي إسحاق و ( ابن ) ( 2 ) السمعاني والإمام في «المحصول» ، ونقله الشيخ أبو حامد الإسفرايني في «كتابه» عن أكثر الشافعية ، ثم قال : وهو قول كافة الفقهاء ، وأكثر المتكلمين ، وثالثها : الوقف بينهما ، وهو قول إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف في لفظه ابتداءاً من غير تقدم حظر ، ولا يبعد على ما قاله الزركشي أن يقال هنا برجوع الحال إلى ما كان قبل ، كما قيل في مسألة النهي الوارد بعد الوجوب .
ومن قال : إن حقيقة الأمر المذكور للإيجاب قال : إنه مبالغة في صحة المباح حتى كأنه واجب ، وقيل : إن الأمر في مثله لوجوب اعتقاد الحل فيكون التجوز في المادة كأنه قيل : اعتقدوا حل الصيد وليس بشيء ، وقرىء أحللتم وهو لغة في حل ، وعن الحسن أنه قرىء { فاصطادوا } بكسر الفاء بنقل حركة همزة الوصل عليها ، وضعفت من جهة العربية بأن النقل إلى المتحرك مخالف للقياس ، وقيل : إنه لم يقرأ بكسرة محضة بل أمال لإمالة الطاء ، وإن كانت من المستعلية . (4/368)
{ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } أي لا يحملنكم كما فسره به قتادة ، ونقل عن ثعلب والكسائي وغيرهما ، وأنشدوا له بقوله :
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... ( جرمت ) فزارة بعدها أن تغضبا
فجرم على هذا يتعدى لواحد بنفسه ، وإلى الآخر بعلى ، وقال الفراء وأبو عبيدة : المعنى لا يكسبنكم ، وجرم جار مجرى كسب في المعنى ، والتعدي إلى مفعول واحد وإلى اثنين يقال : جرم ذنباً نحو كسبه ، وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه خلا أن جرم يستعمل غالباً في كسب ما لا خير فيه ، وهو السبب في إيثاره ههنا على الثاني ، ومنه الجريمة ، وأصل مادته موضوعة لمعنى القطع لأن الكاسب ينقطع لكسبه ، وقد يقال : أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين كما يقال : أكسبته ذنباً ، وعليه قراءة عبد الله لا يجرمنكم بضم الياء { شَنَانُ قَوْمٍ } بفتح النون؛ وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ، وإسماعيل عن نافع بسكونها ، وفيهما احتمالان : الأول : أن يكونا مصدرين بمعنى البغض أو شدته شذوذاً لأن فعلان بالفتح مصدر ما يدل على الحركة كجولان ولا يكون لفعل متعد كما قال : س ، وهذا متعد إذ يقال : شنئته ، ولا دلالة له على الحركة إلا على بعد ، وفعلان بالسكون في المصادر قليل نحو لويته لياناً بمعنى مطلته ، والثاني : أن يكون صفتين لأن فعلان في الصفات كثير كسكران ، وبالفتح ورد فيها قليلاً كحمار قطوان عسر السير ، وتيس عدوان كثير العدو فإن كان مصدراً فالظاهر أن إضافته إلى المفعول أي إن تبغضوا قوماً ، وجوز أن تكون إلى الفاعل أي إن يبغضكم قوم ، والأول أظهر كما في «البحر» وإن كان وصفاً فهو بمعنى بغيض ، وإضافته بيانية وليس مضافاً إلى مفعوله أو فاعله كالمصدر أي البغيض من بينهم .