صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)
وقوله سبحانه : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ } خطاب للمنافقين بطريق الالتفات مفيد لتشديد التوبيخ الذي يستدعيه تعديد جناياتهم . وقرأ ما عدا عاصماً ويعقوب { نَزَّلَ } بالبناء لما لم يسم فاعله ، والجملة حال من ضمير { يَتَّخِذُونَ } [ النساء : 139 ] مفيدة أيضاً لكمال قباحة حالهم ببيان أنهم فعلوا ما فعلوا من موالاة أعداء الله تعالى مع تحقق ما يمنعهم عن ذلك ، وهو ورود النهي عن المجالسة المستلزم للنهي عن الموالاة على آكد وجه وأبلغه إثر بيان انتفاء ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة كأنه قيل : تتخذونهم أولياء؛ والحال أنه تعالى نزل عليكم قبل هذا بمكة { فِى * الكتاب } أي القرآن العظيم الشأن . (4/273)
{ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايات الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } وذلك قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } [ الأنعام : 68 ] الآية ، وهذا يقتضي الإنزجار عن مجالستهم في تلك الحالة القبيحة ، فكيف بموالاتهم والاعتزاز بهم؟ا و { ءانٍ } هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أي أنه إذا سمعتم ، وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أي أنكم ، وكون المخففة لا تعمل في غير ضمير الشأن إلا لضرورة كما قال أبو حيان في حيز المنع ، وقد صحح غير واحد جواز ذلك من غير ضرورة ، والجملة الشرطية خبر وهي تقع خبراً في كلام العرب ، و { ءانٍ } وما بعدها في موضع النصب على أنه مفعول به لنزل وهو القائم مقام الفاعل على القراءة الثانية ، واحتمال أنه قد يجعل القائم مقامه عليكم ، وتكون { ءانٍ } مفسرة لأن التنزيل في معنى القول لا يلتفت إليه ، و { يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } في موضع الحال من الآيات جىء بهما لتقييد النهي عن المجالسة ، فإن قيد القيد قيد ، والمعنى لا تقعدوا معهم وقت كفرهم واستهزائهم بالآيات ، وإضافة الآيات إلى الاسم الجليل لتشريفها وإبانة خطرها وتهويل أمر الكفر بها ، والضمير في { مَعَهُمْ } للكفرة المدلول عليهم ب { يَكْفُرْ } { وَيُسْتَهْزَأُ } والضمير في غيره راجع إلى تحديثهم بالكفر والاستهزاء ، وقيل : الكفر والاستهزاء لأنهما في حكم شيء واحد .
وقوله تعالى : { إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ } تعليل للنهي غير داخل تحت التنزيل و { إِذَا } ملغاة لأن شرط عملها النصب في الفعل أن تكون في صدر الكلام فلذا لم يجىء بعدها فعل ، و مثل خبر عن ضمير الجمع وصح مع إفراده لأنه في الأصل مصدر ، فيستوي فيه الواحد المذكر وغيره ، وقيل : لأنه كالمصدر في الوقوع على القليل والكثير؛ أو لأنه مضاف لجمع فيعم ، وقد يطابق ما قبله كقوله تعالى : { ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم }
[ محمد : 38 ] ، والجمهور على رفعه ، وقرىء شاذاً بالنصب ، فقيل : إنه منصوب على الظرفية لأن معنى قولك : زيد مثل عمرو في أنه حال مثله ، وقيل : إنه إذا أضيف إلى مبنى اكتسب البناء ولا يختص ذلك بما المصدرية كما توهم بل يكون فيها مثل { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } [ الذاريات : 23 ] ، وفي غيرها كقوله : (4/274)
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ( ما ) مثلهم بشر
وابن مالك يشترط لاكتساب البناء أن لا يقبل المضاف التثنية والجمع كدون وغير وبين ولم يصحح ذلك في مثل وأعربه حالاً من الضمير المستتر في حق في قوله تعالى : { إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } [ الذاريات : 23 ] .
وقوله تعالى : { إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً } تعليل لكونهم مثلهم في الكفر ببيان ما يستلزمه من شركتهم لهم في العذاب ، والمراد من المنافقين إما المخاطبون ، وأقيم المظهر مقام المضمر تسجيلاً لنفاقهم وتعليلاً للحكم بمأخذ الإشتقاق ، وإما للجنس وهم داخلون دخولاً أوّلياً وتقديمهم لتشديد الوعيد على المخاطبين وانتصابه على الحال طرز ما مر ، واستشكل كون الخطاب للمنافقين بأنهم مثل الكافرين في الكفر من غير سببية القعود معهم فلا وجه لترتب الجزاء على الشرط ، والعدول عن كون المماثلة في الكفر إلى المماثلة في المجاهرة به لا يحسن معه كون جملة { إِنَّ الله } الخ تعليلاً لكونهم مثلهم بتلك المماثلة بالطريق الذي ذكر ، وأيضاً الذين نهوا عن مجالسة الكافرين والمستهزئين بمكة هم المؤمنون المخلصون لا المنافقون لأن نجم النفاق إنما ظهر بالمدينة ، فكيف يذكر المنافقون فيها بنهي نزل في مكة قبل أن يكونوا؟ . وأجيب عن هذا بأنه إن سلم أن المنزل على النبي كان خوطب به خاصة منزل على الأمة مخلصهم ومنافقهم إلى قيام الساعة ، صح دخول المنافقين وإن لم يكونوا وقت النزول وإن لم يسلم ذلك فإن ادّعى الاقتصار على النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل المؤمنون المخلصون أيضاً . وإن ادّعى دخولهم فقط دون المنافقين الذين هم مؤمنون ظاهراً فلا دليل عليه ، كيف وجميع الأحكام متعلقة بالمؤمنين كيف كانوا ولسنا مكلفين بأن نشق على قلوب العباد ، بل لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر ، على أنه قد قام الدليل على أن الأحكام الشرعية التي كانت صدر الإسلام ولم تنسخ مخاطب بها من نطق بالكلمة الطيبة وبلغته قبل يوم الساعة ، فقد قال الله تعالى : { لاِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ } [ الأنعام : 19 ] ولهذه الدغدغة قال بعض المحققين : إن المقصود من الخطاب هنا المؤمنون الصادقون ، والمراد بمن يكفر ويستهزىء أعم من المنافقين والكافرين ، وضمير { مَعَهُمْ } للمفهوم من الفعلين ، ويؤيد ذلك ما نقل عن الواحدي أنه قال : كان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم ، والمراد من المماثلة في الجزاء المماثلة في الإثم لأنهم قادرون على الإعراض والإنكار لا عاجزون كما في مكة ، أو في الكفر على معنى إن رضيتم بذلك وهو مبني على أن الرضا بكفر الغير كفر من غير تفصيل ، وهي رواية عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه عثر عليها صاحب «الذخيرة» .
/ وقال شيخ الإسلام خواهر زاده : الرضا بكفر الغير إنما يكون كفراً إذا كان يستجيز الكفر أو يستحسنه أما إذا لم يكن كذلك ولكن أحب الموت أو القتل على الكفر لمن كان مؤذياً حتى ينتقم الله تعالى منه فهذا لا يكون كفراً ، ومن تأمل قوله تعالى : { رَبَّنَا اطمس } [ يونس : 88 ] الآية يظهر له صحة هذه الدعوى وهو المنقول عن الماتريدي ، وقول بعضهم : إن من جاءه كافر ليسلم فقال : اصبر حتى أتوضأ أو أخره يكفره لرضاه بكفره في زمان موافق لما روي عن الإمام لكن يدل على خلافه ما روي في الحديث الصحيح في فتح مكة أن ابن أبي سرح أتى به عثمان رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله بايعه فكف صلى الله عليه وسلم يده ونظر إليه ثلاث مرات وهو معروف في السير ، وهو يدل بظاهره على أن التوقف مطلقاً ليس كما قالوه كفراً . واستدل بعضهم بالآية على تحريم مجالسة الفساق والمبتدعين من أي جنس كانوا ، وإليه ذهب ابن مسعود وإبراهيم وأبو وائل ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وروى عنه هشام بن عروة أنه ضرب رجلاً صائماً كان قاعداً مع قوم يشربون الخمر ، فقيل له في ذلك : فتلا الآية ، وهي أصل لما يفعله المصنفون من الإحالة على ما ذكر في مكان آخر ، والتنبيه عليه والاعتماد على المعنى ، ومن هنا قيل : إن مدار الإعراض عن الخائضين فيما يرضي الله تعالى هو العلم بخوضهم ، ولذلك عبر عن ذلك تارة بالرؤية وأخرى بالسماع ، وأن المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن مجالستهم لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط ، وعن الجبائي إن المحذور مجالستهم من غير إظهار كراهة لما يسمعه أو يراه ، وعلى هذا الذي ذهب إليه بعض المحققين يحتمل أن يراد بالمنافقين والكافرين في جملة التعليل ما أريد بضمير { مَعَهُمْ } ، وصرح بهذا العنوان لما أشرنا إليه قبل ، ويحتمل أن يراد الجنس ويدخل أولئك فيه دخولاً أولياً . (4/275)
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)
والخطاب في قوله تعالى : { الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } للمؤمنين الصادقين بلا خلاف ، والموصول إما بدل من { الذين يَتَّخِذُونَ } [ النساء : 139 ] أو صفة للمنافقين فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين . وجوز أبو البقاء وغيره كونه صفة لهما أو مرفوع أو منصوب على الذم ، وجعله مبتدأ خبره الجملة شرطية لا يخلو من تكلف ، والتربص الانتظار ، والظاهر من كلام البعض أن مفعوله مقدر والجار والمجرور متعلق به أي ينتظرون وقوع أمر بكم وكلام الراغب يقتضي أنه يتعدى بالباء لأنه من انتظر بالسلعة غلاء السعر ، والفاء في قوله تعالى : { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله } لترتيب مضمونه على ما قبلها فإن حكاية تربصهم مستتبعة لحكاية ما يقع بعد ذلك أي فإن اتفق لكم فتح وظفر على الأعداء { قَالُواْ } أي لكم { أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } نجاهد عدوكم فأعطونا نصيباً من الغنيمة { وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ } أي حظ من الحرب ، فإنها سجال { قَالُواْ } أي المنافقون للكفار { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم ، أو ألم نغلبكم بالتفضل ونطلعكم على أسرار محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونكتب إليكم بأخبارهم حتى غلبتم عليهم { وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين } أي ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلنا إياهم وتثبيطنا لهم وتوانينا في مظاهرتهم وإلقائنا عليهم ما ضعفت به قلوبهم عن قتالكم فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم وهاتوا نصيبنا مما أصبتم . وقيل : المعنى ألم نغلبكم على رأيكم بالموالاة لكم ونمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين وهو خلاف الظاهر ، وأصل الاستحواذ الاستيلاء ، وكان القياس فيه استحاذ يستحيذ استحاذة بالقلب لكن صحت فيه الواو وكثر ذلك فيه ، وفي نظائر له حتى ألحق بالمقيس وعُدّ فصيحاً ، وقال أبو زيد : إنه قياسي ، وعلى كل حال لا يرد على فصاحة القرآن كما حقق في موضعه . وقرىء { وَنَمْنَعْكُمْ } بالنصب بإضمار أن ، والتقدير لم يكن منا الاستحواذ والمنع كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، سمي ظفر المسلمين فتحاً وما للكافرين نصيباً لتعظيم شأن المسلمين وتخسيس حظ الكافرين ، وقيل : سمي الأول فتحاً إشارة إلى أنه من مداخل فتح دار الإسلام بخلاف ما للكافرين فإنه لا فتح لهم في استيلائهم بل سينطفىء ضياء ما نالوا . (4/276)
{ فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة } فيثيب أحباءه ويعاقب أعداءه ، وأما في الدنيا فأنتم وهم سواء في العصمة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : « فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم » وفي الكلام قيل : تغليب ، وقيل : حذف أي بينكم وبينهم { وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً } أي يوم القيامة وحين الحكم كما قد يجعل ذلك في الدنيا ابتلاءاً واستدراجاً ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو في الدنيا أي لم يجعل لهم على المؤمنين سلطاناً تاماً بالاستئصال ، أو حجة قائمة عليهم مفحمة لهم ، وحكي ذلك عن السدي ، ويجوز إبقاء الكلام على إطلاقه ليشمل الدنيا والآخرة ولعله الأولى ، واحتج الشافعية بالآية على فساد شراء الكافر العبد المسلم لأنه لو صح لكان له عليه يد وسبيل بتملكه ، ونحن نقول : يصح ولكن يمنع من استخدامه والتصرف فيه إلا بالبيع والإخراج عن ملكه فلم يحصل له سبيل عليه ، واحتج بظاهرها بعض الأصحاب على وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج لأن عقد النكاح يثبت للزوج سبيلاً في إمساكها في بيته وتأديبها ومنعها من الخروج وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح ، والمؤمنين والكافرين شامل للإناث وكذا الكافر إذا أسلمت زوجته ، وضعف بأن الارتداد لا ينفي أن يكون النكاح إذا عاد إلى الإيمان قبل مضي العدة ، واعترض بأنه حين الكفر لا سبيل له ونفي السبيل بوقوع الفرقة وبعد وقوع الفرقة لا بدّ لحدوث العلقة من موجب وهو ظاهر فإن كان العود يكون الارتداد كالطلاق الرجعي ، والعود كالرجعة فلا ضعف فيه . وأنت تعلم أنه إذا كان نفي السبيل في الآخرة أو في الدنيا بالاستئصال ، أو السبيل بمعنى الحجة لا متمسك في الآية لأصحابنا ولا الشافعية فلا تغفل .
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)
{ إِنَّ المنافقين يخادعون الله } أي يفعلون ما يفعل المخادع فيظهرون الإيمان ويضمرون نقيضه ، وعن الحسن واختاره الزجاج أن المراد يخادعون النبي صلى الله عليه وسلم على حد { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أي فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموال وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار ، وقيل : خداعه تعالى لهم أن يعطيهم سبحانه نوراً يوم القيامة يمشون به مع المسلمين ثم يسلبهم ذلك النور ويضرب بينهم بسور ، وروي ذلك عن الحسن ، أيضاً والسدي واختاره جماعة من المفسرين وقد مر تحقيق ذلك ولله تعالى الحمد . والجملة في محل نصب على الحال أو معطوفة على خبر { ءانٍ } أو مستأنفة كالأولى . (4/277)
{ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى } أي متثاقلين متباطئين لا نشاط لهم ولا رغبة كالمكره على الفعل لأنهم لا يعتقدون ثواباً في فعلها ولا عقاباً على تركها ، وقرىء بفتح الكاف وهما جمعا كسلان . { يُرَاءونَ الناس } ليحسبوهم مؤمنين ، والمراآة مفاعلة من الرؤية إما بمعنى التفعيل لأن فاعل بمعنى فعل وارد في كلامهم كنعم وناعم وقراءة عبد الله وإسحق يروون تدل على ذلك ، أو للمقابلة لأنهم لفعلهم في مشاهد الناس يرون الناس والناس يرونهم وهم يقصدون أن ترى أعمالهم والناس يستحسنونها ، فالمفاعلة في الرؤية متحدة وإنما الاختلاف في متعلق الإراءة ، فلا يرد على هذا الشق أن المفاعلة لا بد في حقيقتها من اتحاذ الفعل ومتعلقه ، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يريدون بقيامهم هذا؟ فقيل : يراءون الخ ، أو حال من ضمير { قَامُواْ } أو من الضمير في { كسالى } .
{ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } عطف على { يُرَاءونَ } ، وقيل : حال من فاعله أي ولا يذكرونه سبحانه مطلقاً إلا زماناً قليلاً ، أو إلا ذكراً قليلاً إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل أحواله ، أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالنسبة إلى الذكر بالقلب ، وقيل : إنما وصف بالقلة لأنه لم يقبل وكل ما لم يقبله الله تعالى قليل وإن كان كثيراً ، وروي ذلك عن قتادة ، وأخرج البيهقي وغيره عن الحسن ما بمعناه . وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : لا يقل عمل مع تقوى وكيف يقل ما يتقبل وقيل : المراد بالذكر الذكر الواقع في الصلاة نحو التكبير والتسبيح ، وإليه ذهب الجبائي ، وأيد بما أخرجه مسلم وأبو داود عن أنس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله تعالى فيها إلا قليلاً »
، وقيل : الذكر بمعنى الصلاة لأن الكلام فيها لا بمعناه المتبادر منه ، وجوز أن يراد بالقلة العدم ، واستشكل توجيه الاستثناء حينئذٍ . وأجيب بأن المعنى : لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً ملحقاً بالعدم لأنه لا ينفعهم فلا إشكال ، ولا يخفى ما فيه فإن القلة بمعنى العدم مجاز ، وجعل العدم بمعنى ما لا نفع فيه مجاز آخر ، ومع ذلك ليس في الكلام ما يدل عليه ، وقال بعض المحققين : في توجيه الكلام على ذلك التقدير أن المعنى حينئذٍ لو صح أن يعد عدم الذكر ذكراً فذلك ذكرهم على طريقة قوله : (4/278)
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وفيه وإن كان أهون من الأول ما فيه ، واستدل بالآية على استحباب دخول الصلاة بنشاط ، وعلى كراهة قول الإنسان كسلت ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يكره أن يقول الرجل إني كسلان ويتأول هذه الآية .
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)
{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك } حال من فاعل { يُرَاءونَ } [ النساء : 142 ] أو من فاعل { يَذَّكَّرُونَ } [ النساء : 142 ] وجوز أن يكون حالاً من فاعل { قَامُواْ } [ النساء : 142 ] أو منصوب على الذم بفعل مقدر ، وذلك إشارة إلى الإيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين ، ولذا أضيف { بَيْنَ } إليه ، وروي هذا عن ابن زيد ويصح أن يكون إشارة إلى المؤمنين والكافرين فيكون ما بعده تفسيراً له على حد قوله : (4/279)
الألمعيَّ الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
والمعنى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان ، وأصل الذبذبة كما قال الراغب : صوت الحركة للشيء المعلق ، ثم استعير لكل اضطراب وحركة ، أو تردد بين شيئين ، والذال الثانية أصلية عند البصريين ، ومبدلة من باء عند الكوفيين ، وهو خلاف معروف بينهم ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { مُّذَبْذَبِينَ } بكسر الذال الثانية ومفعوله على هذا محذوف أي مذبذبين قلوبهم أو دينهم أو رأيهم ويحتمل أن يجعل لازماً على أن فعلل بمعنى تفعلل كما جاء صلصل بمعنى تصلصل أي متذبذبين ، ويؤيده ما في مصحف ابن مسعود ( متذبذبين ) .
وقرىء بالدال غير المعجمة وهو مأخوذ من الدبة بضم الدال وتشديد الباء بمعنى الطريقة والمذهب كما في «النهاية» ، ويقال : هو على دبتي أي طريقتي وسمتي ، وفي حديث ابن عباس " اتبعوا دبة قريش ولا تفارقوا الجماعة " والمعنى حينئذ أنهم أخذ بهم تارة طريقاً وأخرى أخرى .
{ لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء } أي لا منسوبين إلى المؤمنين حقيقة لإضمارهم الكفر ، ولا إلى الكافرين لإظهارهم الإيمان ، أو لا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخرين ، ومحله النصب على أنه حال من ضمير { مُّذَبْذَبِينَ } أو على أنه بدل منه ، ويحتمل أن يكون بياناً وتفسيراً له { وَمَن يُضْلِلِ الله } لعدم استعداده للهداية والتوفيق { فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } موصلاً إلى الحق والصواب فضلاً عن أن تهديه إليه ، والخطاب لكل من يصلح له وهو أبلغ في التفظيع .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)
{ سَبِيلاً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } نهى المؤمنين الصادقين عن موالاة الكفار اليهود فقط كما قيل أو ما يعمهم وغيرهم كما هو الظاهر بعد بيان حال المنافقين ، أي لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك ديدن المنافقين ودينهم فلا تتشبهوا بهم ، وقيل : المراد بالذين آمنوا المنافقون وبالمؤمنين المخلصون ، فالآية نهي للمنافقين عن موالاة الكافرين دون الملخصين؛ وقيل : المراد بالموصول المخلصون ، وبالكافرين المنافقون فكأنه قيل : قد بينت لكم أخلاق هؤلاء المنافقين فلا تتخذوا منهم أولياء ، وإلى ذلك ذهب القفال ، وفي كلا القولين بعد . (4/280)
{ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ * سلطانا مُّبِيناً } أي حجة ظاهرة في العذاب ، وفيه دلالة على أن الله تعالى لا يعذب أحداً بمقتضى حكمته إلا بعد قيام الحجة عليه ، ويشعر بذلك كثير من الآيات ، وقيل : أتريدون بذلك أن تجعلوا له تعالى حجة بينة على أنكم موافقون فإن موالاة الكافرين أوضح أدلة النفاق . ومن الناس من أبقى السلطان على معناه المعروف ، لكن أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : كل سلطان في القرآن فهو حجة ، وهو مما يجوز فيه التذكير والتأنيث إجماعاً ، فتذكيره باعتبار البرهان أو باعتبار معناه المعروف ، والتأنيث باعتبار الحجة والتأنيث أكثر عند الفصحاء على ما قاله الفراء إلا أنه لم يعتبر هنا ، واعتبر التذكير لتحسن الفاصلة ، وادعى ابن عطية أن التذكير أشهر وهي لغة القرآن حيث وقع ، و { عَلَيْكُمْ } يجوز تعلقه بالجعل وبمحذوف وقع حالاً من { سلطانا } ، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال : أتجعلون الخ للمبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته فضلاً عن صدور نفسه .
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)
{ إِنَّ المنافقين فِى الدرك الاسفل مِنَ النار } أي في الطبقة السفلى منها وهو قعرها ، ولها طبقات سبع تسمى الأولى كما قيل : جهنم ، والثانية : لظى ، والثالثة : الحطمة ، والرابعة : السعير ، والخامسة : سقر ، والسادسة : الجحيم ، والسابعة : الهاوية ، وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى ، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها؛ وتسمية تلك الطبقات دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض ، والدرك كالدرج إلا أنه يقال باعتبار الهبوط ، والدرج باعتبار الصعود ، وفي كون المنافق في الدرك الأسفل إشارة إلى شدّة عذابه . (4/281)
وقد أخرج ابن أبي الدنيا عن الأحوص عن ابن مسعود أن المنافق يجعل في تابوت من حديد يصمد عليه ثم يجعل في الدرك الأسفل وإنما كان أشد عذاباً من غيره من الكفار لكونه ضم إلى الكفر المشترك استهزاءاً بالإسلام وخداعاً لأهله ، وأما ما روى في «الصحيحين» من قوله صلى الله عليه وسلم : " أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا وعد غدر ، وإذا خاصم فجر " فقد قال المحدثون فيه : إنه مخصوص بزمانه صلى الله عليه وسلم لاطلاعه بنور الوحي على بواطن المتصفين بهذه الخصال فأعلم عليه الصلاة والسلام أصحابه رضي الله تعالى عنهم بأماراتهم ليحترزوا عنهم ، ولم يعينهم حذراً عن الفتنة وارتدادهم ولحوقهم بالمحاربين ، وقيل : ليس بمخصوص ولكنه مؤل بمن استحل ذلك ، أو المراد من اتصف بهذه فهو شبيه بالمنافقين الخلص ، وأطلق صلى الله عليه وسلم ذلك عليه تغليظاً وتهديداً له ، وهذا في حق من اعتاد ذلك لا من ندر منه ، أو هو منافق في أمور الدين عرفاً والمنافق في العرف يطلق على كل من أبطن خلاف ما يظهر مما يتضرر به وإن لم يكن إيماناً وكفراً ، وكأنه مأخوذ من النافقاء ، وليس المراد الحصر وهذا صدر منه صلى الله عليه وسلم باقتضاء المقام ، ولذا ورد في بعض الروايات «ثلاث» وفي بعضها «أربع» .
وقرأ الكوفيون { الدرك } بسكون الراء وهو لغة كالسطر والسطر ، والفتح أكثر وأفصح لأنه ورد جمعه على أفعال ، وأفعال في فعل المحرك كثير مقيس ، ووروده في الساكن نادر كفرخ وأفراخ ، وزند وأزناد وكونه استغنى بجمع أحدهما عن الآخر جائز لكنه خلاف الظاهر ، فلا يندفع به الترجيح والكلام مخرّج مخرج الحقيقة ، وزعم أبو القاسم البلخي أن لا طبقات في النار ، وأن هذا إخبار عن بلوغ الغاية في العقاب كما يقال : إن السلطان بلغ فلاناً الحضيض وفلاناً العرش ، يريدون بذل انحطاط المنزلة وعلوها لا المسافة ، ولايخفى أنه خلاف ما جاءت به الآثار ، و { مِنَ النار } في محل النصب على الحال؛ وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه { الدرك } والعامل الاستقرار ، والثاني : أنه الضمير المستتر في { الاسفل } لأنه صفة ، فيتحمل الضمير أي حال كون ذلك من النار .
{ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } يخرجهم منه أو يخفف عنهم ما هم فيه يوم القيامة حين يكونون في الدرك الأسفل وكون المراد ولن تجد لهم نصيراً في الدنيا لتكون الآية وصفاً لهم بأنهم خسروا الدنيا والآخرة ليس بشيء كما لا يخفى ، والخطاب لكل من يصلح له .
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)
{ إِلاَّ الذين تَابُواْ } عن النفاق وهو استثناء من المنافقين ، أو من ضميرهم في الخبر ، ( أو ) من الضمير المجرور في لهم؛ وقيل : هو في موضع رفع بالابتداء والخبر ما بعد الفاء؛ ودخلت لما في الكلام من معنى الشرط { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من نياتهم وأحوالهم في حال النفاق ، وقيل : ثبتوا على التوبة في المستقبل ، والأول أولى { واعتصموا بالله } أي تمسكوا بكتابه ، أو وثقوا به { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه ورضاه سبحانه لا رياء الناس ، ودفع الضرر كما في النفاق ، وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي ثمامة قال : قال الحواريون لعيسى عليه السلام : يا روح الله من المخلص لله؟ قال : الذي يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده الناس عليه { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز ( الصفة ) وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة { مَعَ المؤمنين } أي المعهودين من الذين لم يصدر منهم نفاق أصلاً منذ آمنوا ، والمراد أنهم معهم في الدرجات العالية من الجنة ، أو معدودون من جملتهم في الدنيا والآخرة . (4/282)
{ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً } لا يقادر قدره فيساهمونهم فيه ويقاسمونهم / وفسر أبو حيان الأجر العظيم بالخلود ، والتعميم أولى ، والمراد بالمؤمنين ههنا ما أريد به فيما قبله ، واعتبار المساهمة جرى عليه غير واحد ، ولولا تفسير الآية بذلك لم يكن لها في ذكر أحوال من تاب من النفاق معنى ظاهر . وذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها ، والمراد الإخبار بزيادة ثواب من لم يسبق منه نفاق أصلاً ، وعمم بعض المؤمنين ليشمل من لم يتقدم منه نفاق ومن تقدم منه وتاب عنه ، والظاهر ما ذكرناه ، ورسم { يُؤْتِ } بغير ياء ، وهو مضارع مرفوع فحق يائه أن تثبت لفظاً وخطاً إلا أنها حذفت في اللفظ لالتقاء الساكنين ، وجاء الرسم تبعاً للفظ ، والقراء يقفون عليه دونها اتباعاً للرسم إلا يعقوب فإنه يقف بالياء نظراً إلى الأصل . وروي ذلك أيضاً عن الكسائي وحمزة ونافع ، وادعى السمين أن الأولى اتباع الرسم لأن الأطراف قد كثر حذفها .
مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)
{ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } خطاب للمنافقين وقيل : للمؤمنين ، وضعف مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنما هو كفرهم لا شيء آخر ، فتكون الجملة مقررة لما قبلها من ( ثباتهم عند توبتهم ) ، و { مَا } استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ وجه وآكده ، وقيل : نافية والباء سببية ، وقيل : زائدة أي أيّ شيء يفعل الله سبحانه بسبب تعذيبكم أيتشفى به من الغيظ أم يدرك به الثأر أم يستجلب [ به ] نفعاً أو يستدفع به ضرراً كما هو شأن الملوك ، وهو الغني المطلق المتعالي عن أمثال ذلك؟ وإنما هو أمر يقتضيه مرض كفركم ونفاقكم فإذا احتميتم عن النفاق ونقيتم نفوسكم بشربة الإيمان والشكر في الدنيا برئتم وسلمتم وإلا هلكتم هلاكاً لا محيص عنه بالخلود في النار ، وإنما قدم الشكر مع أن الظاهر تأخيره لأنه لا يعتد به إلا بعد الإيمان لما أنه طريق موصل إليه في أول درجاته ، فقد ذكر العارف أبو إسماعيل الأنصاري أن الشكر في الأصل اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم وله ثلاث درجات لأنه إذا نظر إلى النعمة كالرزق والخلق ينبعث منه شوق إلى معرفة المنعم وهذه الحركة تسمى باليقظة والشكر القلبي والشكر المبهم لأن منعمه لم يتضح له تعيينه ، وإنما عرف منعماً مّا فهو منعم عليه فإذا تيقظ لهذا وفق لنعمة أكبر منها ، وهي المعرفة بأن المنعم عليه هو الصمد الواسع الرحمة المثيب المعاقب فتتحرك جوارحه لتعظيمه؛ ويضيف إلى شكر الجنان شكر الأركان ، ثم ينادي على ذلك الجميل باللسان ، ويقول : (4/283)
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
فالمذكور في الآية هو الشكر المبهم وهو مقدم على الإيمان ، فلا حاجة إلى ما زعمه الإمام من أن الكلام على التقديم والتأخير أي آمنتم وشكرتم ، وأما القول : بأن هذا السؤال إنما هو على تقدير أن تكون الواو للترتيب ، وأما إذا لم تكن للترتيب فلا سؤال فمما لا ينبغي أن يتفوه به من له أدنى ذوق في علم الفصاحة والبلاغة لأن الواو وإن لم تفد الترتيب لكن تقديم ما ليس مقدماً لا يليق بالكلام الفصيح فضلاً عن المعجز ، ولذا تراهم يذكرون لما يخالفه وجهاً ونكتة ، وذكر النيسابوري وجهاً آخر في التقديم لكنه بناه على إفادة الواو للترتيب فقال : لعل الوجه في ذلك أن الآي مسوقة في شأن المنافقين ولا نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني ، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله تعالى فيما خلف لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة انتهى ، ولايخفى أنه لم يحمل الشكر في الآية على الشكر المبهم ، ولا يخلو عن حسن .
/ وأوضح منه وأطيب ما حاك في صدري ، ثم رأيت العلامة الطيبي عليه الرحمة صرح به أن الذي يقتضيه النظم الفائق أن هذا الخطاب مع المنافقين ، وأن قوله سبحانه : { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ } متصل بقوله تعالى : { إِنَّ المنافقين فِى الدرك الاسفل مِنَ النار وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } [ النساء : 145 ] الخ ، وتنبيه لهم على أن الذي ورطهم في تلك الورطة كفرانهم نعم الله تعالى وتهاونهم في شكر ما أوتوا وتفويتهم على أنفسهم بنفاقهم البغية العظمى ، وهو الإسعاد بصحبة أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم والانخراط في زمرة الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله تعالى وأخلصوا دينهم له فأولئك حكمهم أن ينتظموا في سلك أولئك السعداء من المؤمنين بعد ما كانوا مستأهلين الدرجات السفلى من النيران ، ثم التفت تعريضاً لهم أن ذلك العذاب كان منهم وبسبب تقاعدهم وكفرانهم تلك النعمة الرفيعة وتفويتهم على أنفسهم تلك الفرصة السنية وإلا فإن الله تعالى غني مطلق عن عذابهم فضلاً على أن يوقعهم في تلك الورطات ، فقوله عز وجل : { إِن شَكَرْتُمْ } فذلكة لمعنى الرجوع عن الفساد في الأرض إلى الإصلاح فيها ، ومن اللجأ إلى الخلق إلى الاعتصام بالله تعالى ، ومن الرياء في الدين إلى الإخلاص فيه ، فقوله عز من قائل : { وَءامَنتُمْ } تفسير له وتقرير لمعناه أي : وآمنتم الإيمان الذي هو حائز لتلك الخلال الفواضل جامع لتلك الخصال الكوامل ، فتقديم الشكر على الايمان وحقه التأخير في الأصل إعلام بأن الكلام فيه ، وأن الآية السابقة مسوقة لبيان كفران نعمة الله تعالى العظمى والكفر تابع فإذا أخر الشكر أخل بهذه الأسرار واللطائف ، ومن ثم ذيل سبحانه الآية على سبيل التعليل بقوله جل وعلا : (4/284)
{ وَكَانَ الله شاكرا } أي مثيباً على الشكر { عَلِيماً } بجميع الجزئيات والكليات فلا يعزب عن علمه شيء فيوصل الثواب كاملاً إلى الشاكر ، وإلى هذا ذهب الإمام ، وقال غير واحد : الشاكر وكذا الشكور من أسمائه تعالى هو الذي يجزي بيسير الطاعات كثير الدرجات ، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعماً في الآخرة غير محدودة ، وعلى التقديرين يرجع إلى صفة فعلية ، وقيل : معناه المثني على من تمسك بطاعته فيرجع إلى صفة كلامية .
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : أما في قوله سبحانه : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء } إلى قوله عز وجل : { وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً } [ النساء : 127 130 ] فقد قال النيسابوري فيه : إن النفس للروح كالمرأة للزوج ، { مّنَ النساء } صفات النفوس ، و { مَا كُتِبَ لَهُنَّ } ما أوجب الله تعالى من الحقوق . وحاصل المعنى إن نفسك مطيتك فارفق بها ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
{ والصلح خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح } [ النساء : 128 ] فالروح تشح بترك حقوق الله تعالى ، والنفس تشح بترك حظوظها فلا تميلوا كل الميل في رفض حظوظ النفس ، فقد جاء في الخبر « إن لنفسك عليك حقاً » { فَتَذَرُوهَا كالمعلقة } [ النساء : 129 ] بين العالم العلوي والعالم السفلي { وَإِن يَتَفَرَّقَا } أي الروح والنفس { يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ } فالروح يجتذب بجذبة خل نفسك وائتني إلى سعة غنى الله تعالى في عالم هويته فيستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود ، والنفس تجتذب بجذية ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله تعالى في عالم { فادخلى فِى عِبَادِى * وادخلى جَنَّتِى } [ الفجر : 28 30 ] انتهى ، ولايخفى أن باب التأويل واسع ، وما ذكره ليس بمتعين فيمكن أن تجعل الآية في شأن الشيخ والمريد؛ وأما في قوله تعالى : { المؤمنين يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ } الخ فنقول : إنه سبحانه أمر المؤمنين بالتوحيد العلمي المريدين لثواب الدارين أن يكونوا ثابتين في مقام العدالة التي هي أشرف الفضائل { قَوَّامِينَ } [ النساء : 135 ] بحقوقها بحيث تكون ملكة راسخة فيهم لا يمكن معها جور في شيء ولا ظهور صفة نفس لاتباع هوى في جلب نفع دنيوي أو رفع مضرة كذلك ، ثم قال جل وعلا : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } من حيث البرهان { ءامَنُواْ } [ النساء : 136 ] من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث العيان أو : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } بالإيمان التقليدي { ءامَنُواْ } بالإيمان العيني ، أو المراد يا أيها المدعون تجريد الإيمان لي من غير وساطة لا سبيل لكم إلى الوصول إلى عين التجريد إلا بقبول الوسائط ، فالآية إشارة إلى الفرق بعد الجمع { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } بالتقليد { ثُمَّ كَفَرُواْ } إذ لم يكن للتقليد أصل { ثُمَّ كَفَرُواْ } بالاستدلال العقلي { ثُمَّ كَفَرُواْ } إذ لم تكن عقولهم مشرفة بالنور الإلهي { ثُمَّ ازدادوا كُفْراً } بالشبهات والاعتراضات ، وقد يكون ذلك إشارة إلى وصف أهل التردد في سلوك سبيل أولياء الله تعالى ، والإيمان بأحوالهم حين هاجت رغبتهم إلى رياسة القوم . فلما جن عليهم ليل المجاهدات لم يتحملوا وأنكروا ورجعوا إلى حظوظ أنفسهم ، ولما رأوا نهاية الأكابر وظنوا اللحوق بهم لو استقاموا وآمنوا فلما لم يصلوا إلى شيء من مقامات القوم وكراماتهم لعدم إخلاصهم وسوء استعدادهم ارتدوا وصاروا منكرين عليهم وعلى مقاماتهم وازدادوا إنكاراً على إنكار حين رجعوا إلى اللذات والشهوات واختاروا الدنيا على الآخرة وجعلوا يقولون للخلق : إن هؤلاء ليسوا على الحق فقد سلكنا ما سلكوا وخضنا ما خاضوا فلم نر إلا سراباً بقيعة ، وهذا حال كثير من علماء السوء المنكرين على القوم قدس الله تعالى أسرارهم { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } لمكان الريب الحاجب وفساد جوهر القلب وزوال الاستعداد { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } [ النساء : 137 ] إلى الحق ولا إلى الكمال لعدم قبولهم ذلك { الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء } لمناسبتهم إياهم وشبيه الشيء من منجذب إليه { مِن دُونِ المؤمنين } لعدم الجنسية { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة } أي أيطلبون التعزز بهم في الدنيا والتقوي بمالهم وجاههم (4/285)
{ فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } [ النساء : 139 ] فلا سبيل لهم إليها إلا منه سبحانه عز وجل ، ثم ذكر سبحانه من وصف المنافقين أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى لعدم شوقهم إلى الحضور ونفورهم عنه لعدم استعدادهم واستيلاء الهوى عليهم { يُرَاءونَ الناس } لاحتجابهم بهم عن رؤية الله تعالى { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 142 ] لأنهم لا يذكرونه إلا باللسان وعند حضورهم بين الناس بخلاف المؤمنين الصادقين فإنهم إذا قاموا إلى الصلاة يطيرون إليها بجناحي الرغبة والرهبة بل يحنون إلى أوقاتها : (4/286)
حنين أعرابية حنت إلى ... أطلال نجد فارقته ومرخه
ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال : « أرحنا يا بلال » يريد عليه الصلاة والسلام أقم لنا الصلاة لنصلي فنستريح بها لا منها ، وظن الأخير برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر والعياذ بالله تعالى؛ وإذا عبدوا لا يرون إلا الله تعالى ، وما قدر السوى عندهم ليراءوه؟ وإن كل جزء منهم يذكر الله تعالى ، نعم إنهم قد يشتغلون به عنه فهناك لا يتأتى لهم الذكر ، وقد عد العارفون الذكر لأهل الشهود ذنباً ، ولهذا قال قائلهم :
بذكر الله تزداد الذنوب ... وتنكشف الرذائل والعيوب
وترك الذكر أفضل كل شيء ... وشمس الذات ليس لها مغيب
لكن ذكر بعضهم أنه لا يصل العبد إلى ذلك المقام إلا بكثرة الذكر ، وأشار إلى مقام عال من قال :
لا يترك الذكر إلا من يشاهده ... وليس يشهده من ليس يذكره
والذكر ستر على مذكوره ستر ... فحين أذكره في الحال يستره
فلا أزال على الأحوال أشهده ... ولا أزال على الأنفاس أذكره
/ { سَبِيلاً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } لئلا تتعدى إليكم ظلمة كفرهم { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } [ النساء : 144 ] حجة ظاهرة في عقابكم برسوخ الهيئة التي بها تميلون إلى ولايتهم { إِنَّ المنافقين } في الدرك الأسفل من النار } لتحيرهم بضعف استعدادهم { وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } [ النساء : 145 ] ينصرهم من عذاب الله تعالى لانقطاع وصلتهم وارتفاع محبتهم مع أهل الله تعالى { إِلاَّ الذين تَابُواْ } رجعوا إلى الله تعالى ببقية نور الاستعداد وقبول مدد التوفيق { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من استعدادهم بقمع الهوى وكسر صفات النفس ورفع حجاب القوى { واعتصموا بالله } بالتمسك بأوامره والتوجه إليه سبحانه { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } بإزالة خفايا الشرك وقطع النظر عن السوى { فَأُوْلَئِكَ مَعَ المؤمنين } الصادقين { وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 146 ] من مشاهدة تجليات الصفات وجنات الأفعال { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ } بالتوبة وإصلاح ما فسد والاعتصام بحبل الأوامر والتوجه إلى الله عز وجل وإخلاص الدين له سحبانه { وَءامَنتُمْ } الإيمان الحائز لذلك { وَكَانَ الله شاكرا عَلِيماً } [ النساء : 147 ] فيثيب ويوصل الثواب كاملاً ، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل .
لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)
{ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول } عدم محبته سبحانه لشيء كناية عن غضبه ، والباء متعلقة بالجهر ، وموضع الجار والمجرور نصب أو رفع ، و { مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع حالاً من السوء ، والجهر بالشيء الإعلان به والإظهار كما يفهم من «القاموس» ، وفي «الصحاح» جهر بالقول رفع صوته به ، ولعل المراد هنا الإظهار وإن لم يكن برفع صوت أي لا يحب الله سبحانه أن يعلن أحد بالسوء كائناً من القول { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } أي إلا جهر من ظلم فإنه غير مسخوط عنده تعالى ، وذلك بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء؛ وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة : هو أن يدعو على من ظلمه ، وعن مجاهد أن المراد لا يحب الله سبحانه أن يذم أحد أحداً أو يشكوه إلا من ظلم فيجوز له أن يشكو ظالمه ويظهر أمره ويذكره بسوء ما قد صنعه ، وعن الحسن . والسدي وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه المراد : لا يحب الله تعالى الشتم في الانتصار إلا من ظلم فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدين ، وجوز الحسن للرجل إذا قيل له : يا زاني أن يقابل القائل له بمثل ذلك ، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن رجلاً ضاف قوماً فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه فنزلت ، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبيّ وابن جبير والضحاك وعطاء أنهم قرءوا { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } على البناء للفاعل ، فالاستثناء منقطع ، والمعنى لكن الظالم يحبه أو لكنه يفعل ما لا يحبه الله تعالى فيجهر بالسوء ، والموصول في محل نصب ، وجوز الزمخشري أن يكون مرفوعاً بالإبدال من فاعل يحب كأنه قيل : لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول : ما جاءني زيد إلا عمرو بمعنى ما جاءني إلا عمرو ، ومنه { لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى * السموات والارض *الغيب إِلاَّ الله } [ النمل : 65 ] وهي لغة تميمية ، وعليها قول الشاعر : (4/287)
عشية ما تغنى الرماح مكانها ... ولا النبل ( إلا ) المشرفي المصمم
وقد نقل هذه اللغة سيبويه وأنكرها البعض ، وكفى بنقل شيخ الصناعة سنداً للمثبت ، ونقل عن أبي حيان أنه ليس البيت كالمثال لأنه قد يتخيل فيه عموم على معنى السلاح ، وأما زيد فلا يتوهم فيه عموم ولا يمكن تصحيحه إلا على أن أصله ما جاءني زيد ولا غيره ، فحذف المعطوف لدلالة الاستثناء وكذا الآية التي ذكرت ، ورد كما قال الشهاب بأنه لو كان التقدير ما ذكره في المثال لكان الاستثناء متصلاً والمفروض خلافه ، وأن المراد كما يفهمه كلام الطيبي جعل المبدل منه بمنزلة غير المذكور حتى كأن الاستثناء مفرغ والنفي عام إلا أنه صرح بنفي بعض أفراد العام لزيادة اهتمام بالنفي عنه ، أو لكونه مظنة توهم الإثبات ، فيقولون : ما جاءني زيد إلا عمرو ، والمعنى ما جاءني إلا عمرو فكذا ههنا المعنى لا يحب الجهر بالسوء إلا الظالم فأدخل لفظ { الله } تأكيداً لنفي محبته تعالى يعني لله سبحانه اختصاص في عدم محبته ليس لأحد غيره ذلك .
فإن قيل : ما بعد { إِلا } حينئذ لا يكون فاعلاً وهو ظاهر فتعين البدل وهو غلط ، أجيب بأنه إنما يكون غلطاً لو لم يكن هذا الخاص في موقع العام ، ولم يكن المعنى ما جاءني أحد إلا عمرو فإن قيل : فكيون لفظ { الله } مجازاً عن أحد ولا سبيل إليه ، أجيب بأن لا يحب الله مؤل بلا يحب أحد ، وواقع موقعه من غير تجوز في لفظ { الله } كذا قيل ، وتعقبه الشهاب بأن المستثنى منه إذا كان عاماً ، فإما بتقدير لفظ كما ذكره أبو حيان وإما بالتجوز في لفظ العلم ، وكلاهما مرّ ما فيه ، ولا طريق آخر للعموم ، فما ذكره المجيب لا بد من بيان طريقه اللهم إلا أن يقال : إن الاستثناء من العلم يشترط فيه أن يكون صاحبه أحق بالحكم بحيث إذا نفى عنه يعلم نفيه عن غيره بالطريق الأولى من غير تقدير ولا تجوز فيقال هنا مثلاً : إذا لم يحب الله سبحانه الجهر بالسوء وهو الغني عن جميع الأشياء فغيره لا يحبه بطريق من الطرق ، وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لأن الاشتراط المذكور مما لم يقم عليه دليل ، على أن دعوى كون نفي حب الجهر بالسوء عنه تعالى يعلم منه نفيه عن غيره بالطريق الأولى في غاية الخفاء ، فالأولى ماذكره بعد بأن يقال يقدر في الكلام ما ذكر لكنه عند الاستثناء منقطعاً بحسب المتبادر ، والنظر إلى الظاهر . وجوّز على قراءة المعلوم أن يكون متعلقاً بالسوء أي إلا سوء من ظلم فيجب الجهر به ويقبله ، وقيل : إنه متعلق بقوله تعالى : { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } [ النساء : 147 ] فقد روي عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقول هذا على التقديم والتأخير ، أي ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ، إلا من ظلم وكان يقرأها كذلك ، ولا يكاد يقبل هذا في تخريج كلام الله تعالى العزيز . (4/288)
{ وَكَانَ الله سَمِيعاً } بجميع المسموعات فيندرج فيها كلام المظلوم والظالم { عَلِيماً } بجميع المعلومات التي من جملتها حال المظلوم والظالم ، والجملة تذييل مقرر لما يفيده الاستثناء ولا يأبى ذلك التعميم كما توهم .
ووجه ربط هذه الآية بما قبلها على ما قاله العلامة الطيبي أنه سبحانه لما فرغ من بيان إيراد رحمته وتقرير إظهار رأفته جاء بقوله جل وعلا : { لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء } تتميماً لذلك وتعليماً للعباد التخلق بأخلاقه جل جلاله ، وفيه أن هذا مما لا محصل له ولا تتم به المناسبة ، وزعم أن الآية الأولى فيها أيضاً إشارة إلى تعليم التخلق بالأخلاق العلية كما قرره عصام الملة ورجا أن يكون من الملهمات ، وحينئذ يشتركان في أن كلا منهما متضمناً التعليم المذكور ليس بشيء كما لا يخفى ، ومثل ذلك ما ذكره علي بن عيسى في وجه الاتصال وهو أنه تعالى شأنه لما ذكر أهل النفاق ، وهو إظهار خلاف ما يبطن بيّن جل وعلا أن ما في النفس منه ما يجوز إبطانه ومنه ما يجوز إظهاره ، وقال شهاب الدين : الظاهر أنه لما ذكر الشكر على وجه علم منه رضاه سبحانه ومحبة إظهاره تممه عز وجل بذكر ضده ، فكأنه قيل : إنه يحب الشكر وإعلانه ويكره السوء وإعلانه ، وفيه احتباك بديع . (4/289)
إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)
{ إِن تُبْدُواْ } أي تظهروا { خَيْرًا } أي خير كان من الأقوال والأفعال ، وقيل : المراد إن تبدوا جميلاً حسناً من القول فيمن أحسن إليكم شكراً له على إنعامه عليكم ، وقيل : المراد بالخير المال والمعنى : إن تظهروا التصدق أوْ تُخْفُوهُ أي تفعلوه سراً ، وقيل : تعزموا على فعله . { أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء } أي تصفحوا عمن أساء إليكم مع ما سوّغ لكم من مؤاخذته وأذن فيها ، والتنصيص على هذا مع اندراجه في إبداء الخير وإخفائه على أحد الأقوال للاعتداد به ، والتنبيه على منزلته وكونه من الخير بمكان ، وذكر إبداء الخير وإخفائه توطئة وتمهيداً له كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى : { فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } فإن إيراد العفو في معرض جواب الشرط يدل على أن العمدة العفو مع القدرة ولو كان إبداء الخير وإخفاؤه أيضاً مقصوداً بالشرط لم يحسن الاقتصار في الجزاء على كون الله تعالى عفوّاً قديراً أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على المؤاخذة ، وقال الحسن : يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى ، وقال الكلبي : هو أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو ذنوب من ظلمكم ، وقيل : عفواً عمن عفا { قَدِيراً } على إيصال الثواب إليه ، نقله النيسابوري وغيره . (4/290)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150)
{ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ } أي على ما يؤدي إليه مذهبهم وتقتضيه آراؤهم لا أنهم يصرحون بذلك كما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ } في الإيمان بأن يؤمنوا به عز وجل ويكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام ، لكن لا يصرحون بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة ، بل بطريق الاستلزام كما يحكيه قوله تعالى : { وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } أي نؤمن ببعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونكفر ببعضهم كما فعل أهل الكتاب ، وما ذلك إلا كفر بالله تعالى وتفريق بين الله تعالى ورسله ، لأنه عز وجل قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما من نبي إلا وقد أخبر قومه بحقية دين نبينا صلى الله عليه وسلم فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله تعالى أيضاً من حيث لا يشعر { وَيُرِيدُونَ } بهذا القول { أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك } أي الإيمان والكفر { سَبِيلاً } أي طريقاً يسلكونه مع أنه لا واسطة بينهما قطعاً ، إذ الحق لا يختلف ، { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } [ يوسف : 32 ] ا هذا ما ذهب إليه البعض في تفسير الآية وهو الذي تؤيده الآثار ، فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال فيها : أولئك أعداء الله تعالى اليهود والنصارى ، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى عليه السلام ، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى عليه السلام وكفروا بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم ، فاتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله عز وجل وتركوا الإسلام وهو دين الله تعالى الذي بعث به رسله ، وأخرج ابن جرير عن السدي وابن جريج مثله ، وقال بعضهم : الذين يكفرون بالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين خلص كفرهم الصرف بالجميع فنفوا الصانع مثلاً وأنكروا النبوات ، والذين يفرقون بينه تعالى وبين رسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين آمنوا بالله تعالى وكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام لا عكسه ، وإن قيل : إنه يتصور في النصارى لإيمانهم بعيسى عليه السلام وكفرهم بالله تعالى حيث قالوا : إنه ثالث ثلاثة ، والكفر بالله سبحانه شامل للشرك والإنكار إذ لا يخفى ما فيه ، والذي يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض هم الذين آمنوا ببعض الأنبياء عليهم السلام وكفروا ببعضهم كاليهود ، فهذه أقسام متقابلة كان الظاهر عطفها بأو لكن أتى بالواو بدلها فهي بمعناها ، وقيل : إن الموصول مقدر بناءاً على جواز حذفه مع بقاء صلته ، وقيل : إن قوله تعالى : { وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ } الخ عطف تفسيري على قوله سبحانه : { يَكْفُرُونَ } لأن هذه الإرادة عين الكفر بالله تعالى لأن من كفر برسل الله سبحانه فقد كفر بالله تعالى كالبراهمة ، وأما قوله جل وعلا : { وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ } الخ فعطف على صلة الموصول والواو بمعنى أو التنويعية ، فالأولون فرقوا بين الإيمان بالله تعالى ورسوله؛ والآخرون فرقوا بين رسل الله تعالى عليهم السلام فآمنوا ببعض وكفروا ببعض كاليهود ، وعلى كل تقدير فخبر { ءانٍ } قوله تعالى : (4/291)
أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151)
{ أولئك } أي الموصوفون بالصفات القبيحة { هُمُ الكافرون } الكاملون في الكفر لا عبرة بما يدعونه ويسمونه إيماناً أصلاً { حَقّاً } مصدر مؤكد لغيره وعامله محذوف أي حق ذلك أي كونهم كاملين في الكفر حقاً ، وجوّز أن يكون صفة لمصدر الكافرين ، أي هم الذين كفروا كفراً حقاً أي لا شك فيه ولا ريب ، فالعامل مذكور؛ وحقاً بمعنى اسم المفعول ، وليس بمعنى مقابل الباطل ، ولهذا صح وقوعه صفة صناعة ومعنى ، واحتمال الحالية ما زعم أبو البقاء بعيد ، والآية على ما زعمه البعض متعلقة بقوله تعالى : { خَبِيراً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ } [ النساء : 136 ] الخ على أنها كالتعليل له وما توسط بين العلة والمعلول من الجمل والآيات إما معترض أو مستطرد عند إمعان النظر { وَأَعْتَدْنَا للكافرين } أي لهم ، ووضع المظهر موضع المضمر تذكيراً بوصف الكفر الشنيع المؤذن بالعلية ، وقد يراد جميع الكفار وهم داخلون دخولاً أولياً . { عَذَاباً مُّهِيناً } يهينهم ويذلهم جزاء كفرهم الذي ظنوا به العزة . (4/292)
وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)
{ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين كما فعل الكفرة ، ودخول بين على { أَحَدٌ } قد مرّ الكلام فيه . والموصول مبتدأ خبره جملة قوله : { أولئك } أي المنعوتون بهذه النعوت الجليلة { سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ } أي الله تعالى { أُجُورَهُمْ } الموعودة لهم ، فالإضافة للعهد . وزعم بعضهم أن الخبر محذوف أي أضدادهم ومقابلوهم ، والاتيان بسوف لتأكيد الموعود الذي هو الإيتاء والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر لا الإخبار بأنه متأخر إلى حين ، فعن الزمخشري أن يفعل الذي للاستقبال موضوع لمعنى الاستقبال بصيغته؛ فإذا دخل عليه سوف أكد ما هو موضوع له من إثبات الفعل في المستقبل لا أن يعطي ماليس فيه من أصله فهو في مقابلة لن ومنزلته من يفعل منزلة لن من لا يفعل لأن لا لنفي المستقبل فإذا وضع لن موضعه أكد المعنى الثابت وهو نفي المستقبل فإذاً كل واحد من لن وسوف حقيقته التوكيد ، ولهذا قال سيبويه : لن يفعل نفي سوف يفعل وكأنه اكتفى سبحانه ببيان ما لهؤلاء المؤمنين عن أن يقال : أولئك هم المؤمنون حقاً مع استفادته مما دل على الضدية ، وفي الآية التفات من التكلم إلى الغيبة . وقرأ نافع وابن كثير وكثير نؤتيهم بالنون فلا التفات . (4/293)
{ وَكَانَ الله غَفُوراً } لمن هذه صفتهم ما سلف لهم من المعاصي والآثام { رَّحِيماً } بهم فيضاعف حسناتهم ويزيدهم على ما وعدوا . .
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153)
{ يَسْئَلُكَ } يا محمد { أَهْلِ الكتاب } الذين فرقوا بين الرسل { أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء } فقالوا : إن موسى عليه السلام جاء بالألواح من عند الله تعالى فأتنا بألواح من عنده تعالى فطلبوا أن يكون المنزل جملة ، وأن يكون بخط سماوي ، وروي ذلك عن محمد بن كعب القرظي والسدي . وعن قتادة أنهم سألوا أن ينزل عليهم كتاباً خاصاً لهم ، وقريب منه ما أخرجه ابن جرير عن ابن جريج قال : إن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى من الله تعالى إلى فلان إنك رسول الله وإلى فلان إنك رسول الله ، وما كان مقصدهم بذلك إلا التحكم والتعنت ، قال الحسن : ولو سألوه ذلك استرشاداً لا عناداً لأعطاهم ما سألوا . (4/294)
{ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى } عليه السلام شيئاً أو سؤالاً . { أَكْبَرَ مِن ذلك } المذكور وأعظم ، والفاء في جواب شرط مقدر والجواب مؤل ليصح الترتيب أي إن استكبرت هذا وعرفت ما كانوا عليه تبين لك رسوخ عرقهم في الكفر ، وقيل : إنها سببية والتقدير لا تبال ولا تستكبر فإنهم قد سألوا موسى عليه السلام ما هو أكبر ، وهذه المسألة وإن صدرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا على سيرتهم في كل ما يأتون ويذرون أسند إليهم ، وجعله بعض المحققين من قبيل إسناد ما للسبب للمسبب ، وجوز أن يكون من إسناد فعل البعض إلى الكل بناءاً على كمال الاتحاد نحو :
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فيكون المراد بضمير سألوا جميع أهل الكتاب لصدور السؤال عن بعضهم ، وأن يكون المراد بأهل الكتاب أيضاً الجميع فيكون إسناده يسألك إلى أهل الكتاب من ذلك الإسناد ، وأن يكون المراد بهم هذا النوع ، ويكون المراد بيان قبائح النوع فلا تكلف ولا تجوّز لا في جانب الضمير ولا في المرجع . وأنت تعلم أن إسناد فعل البعض إلى الكل مما ألف في الكتاب العزيز ، ووقع في نحو ألف موضع . وقرأ الحسن ( أكثر ) بالمثلثة .
{ فَقَالُواْ أَرِنَا الله } الذي أرسلك { جَهْرَةً } أي مجاهرين معاينين فهو في موضع الحال من المفعول الأول كما قال أبو البقاء ويحتمل الحالية من المفعول الثاني أي معايناً على صيغة المفعول ولا لبس فيه لاستلزام كل منهما للآخر ، فلا يقال : إنه يتعين كونه حالاً من الثاني لقربه منه . وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف هو الرؤية لا الإراءة لأن الجهرة في كتب اللغة صفة للأول لا الثاني؛ فيقال : التقدير : أرنا نره رؤية جهرة ، وقيل : يقدر المصدر الموصوف سؤالاً أي سؤالاً جهرة ، وقيل : قولاً أي قولاً جهرة ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : إنهم إذا رأوه فقد رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله تعالى فهو مقدم ومؤخر وفيه بعد والفاء تفسيرية .
{ فَأَخَذَتْهُمُ } أي أهلكتهم لما سألوا وقالوا ما قالوا { الصاعقة } وهي نار جاءت من السماء . (4/295)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : الصاعقة : الموت أماتهم الله تعالى قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله تعالى أن يميتهم ، ثم بعثهم ، وفي ثبوت ذلك تردد . وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الصعقة { بِظُلْمِهِمْ } أي بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحالة التي كانوا عليها ، وإنكار طلب الكفار للرؤية تعنتاً لا يقتضي امتناعها مطلقاً ، واستدل الزمخشري بالآية على الامتناع مطلقاً ، وبنى ذلك على كون الظلم المضاف إليهم لم يكن إلا لمجرد أنهم طلبوا الرؤية ثم قال : ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا به ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة ، كما سأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً ولا رماه بالصواعق ، ثم أرعد وأبرق ودعا على مدعي جواز الرؤية بما هو به أحق . وأنت تعلم أن الرجل قد استولى عليه الهوى فغفل عن كون اليهود إنما سألوا تعنتاً ولم يعتبروا المعجز من حيث هو مع أن المعجزات سواسية الأقدام في الدلالة ويكفيهم ذلك ظلماً ، والتنظير بسؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام من العجب العجاب كما لا يخفى على ذوي الألباب .
{ ثُمَّ اتخذوا العجل } وعبدوه . / { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } أي المعجزات التي أظهرها لفرعون من العصا واليد البيضاء وفلق البحر . وغيرها ، أو الحجج الواضحة الدالة على ألوهيته تعالى ووحدته لا التوراة لأنها إنما نزلت عليهم بعد الاتخاذ { فَعَفَوْنَا عَن ذلك } الاتخاذ حين تابوا ، وفي هذا على ما قيل : استدعاء لهم إلى التوبة كأنه قيل : إن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضاً حتى نعفو عنكم . { وَءاتَيْنَا موسى سلطانا مُّبِيناً } أي تسلطاً ظاهراً عليهم حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذهم ، وهذا على ما قيل : وإن كان قبل العفو فإن الأمر بالقتل كان قبل التوبة لأن قبول القتل كان توبة لهم ، لكن الواو لا تقتضي الترتيب ، واستظهر أن لا يجعل التسلط ذلك التسلط بل تسلطاً بعد العفو حيث انقادوا له ولم يتمكنوا بعد ذلك من مخالفته .
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154)
{ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور } وهو ما روي عن قتادة جبل كانوا في أصله فرفعه الله تعالى فجعله فوقهم كأنه ظلة ، وكان كمعسكرهم قدر فرسخ في فرسخ وليس هو على ما هو في «البحر» الجبل المعروف بطور سيناء ، والظرف متعلق برفعنا وجوز أن يكون حالاً من الطور أي رفعنا الطور كائناً فوقهم { بميثاقهم } أي بسبب ميثاقهم ليعطوه على ما روي أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع عليهم فقبلوها ، أو ليخافوا فلا ينقضوا الميثاق على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض ، قيل : وهو الأنسب بقوله تعالى بعد : { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } ، وزعم الجبائي أن المراد بنقض ميثاقهم الذي أخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة فنقضوه بعبادة العجل ، وفيه إن التوراة إنما نزلت بعد عبادتهم العجل كما مر آنفاً فلا يتأتى هذا ، وقال أبو مسلم : إنما رفع الله تعالى الجبل فوقهم إظلالاً لهم من الشمس جزاءاً لعهدهم وكرامة لهم ، ولا يخفى أن هذا خرق لإجماع المفسرين ، وليس له مستند أصلاً . (4/296)
{ وَقُلْنَا لَهُمُ } على لسان يوشع عليه السلام بعد مضي زمان التيه { ادخلوا الباب } قال قتادة فيما رواه ابن المنذر وغيره عنه : كنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس ، وقيل : هو إيلياء ، وقيل : أريحاء ، وقيل : هو اسم قرية أو : قلنا لهم على لسان موسى عليه السلام والطور مظل عليهم ادخلوا الباب المذكور إذا خرجتم من التيه ، أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها لأنهم لم يخرجوا من التيه في حياته عليه السلام والظاهر عدم القيد { سُجَّدًا } متطامنين خاضعين ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ركعاً ، وقيل : ساجدين على جباهكم شكراً لله تعالى .
{ وَقُلْنَا لَهُمُ } على لسان داود عليه السلام { لاَ تَعْدُواْ } أي لا تتجاوزوا ما أبيح لكم ، أو لا تظلموا باصطياد الحيتان { فِى السبت } ويحتمل كما قال القاضي ( البيضاوي ) بيض الله تعالى غرة أحواله أن يراد على لسان موسى عليه السلام حين ظلل الجبل عليهم فإنه شرع السبت لكن كان الاعتداء فيه ، والمسخ في زمن داود عليه السلام ، وقرأ ورش عن نافع { لاَ تَعْدُواْ } بفتح العين وتشديد الدال ، وروي عن قالون تارة سكون العين سكوناً محضاً ، وتارة إخفاء فتحة العين ، فأما الأول فأصلها تعتدوا لقوله تعالى : { اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت } [ البقرة : 65 ] فإنه يدل على أنه من الاعتداء وهو افتعال من العدوان . فأريد إدغام تائه في الدال فنقلت حركتها إلى العين وقلبت دالاً وأدغمت ، وأما السكون المحض فشيء لا يراه النحويون لأنه جمع بين ساكنين على غير حدّهما ، وأما الإخفاء والاختلاس فهو أخف من ذلك لما أنه قريب من الإتيان بحركة مّا ، وقرأ الأعمش تعتدوا على الأصل ، وأصل تعدوا في القراءة المشهورة تعدووا بواوين الأولى واو الكلمة والثانية ضمير الفاعل فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فحذفت فالتقى ساكنان فحذف الأول وهو الواو الأولى وبقي ضمير الفاعل .
{ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } أي عهداً وثيقاً مؤكداً بأن يأتمروا بأوامر الله تعالى وينتهوا عن مناهيه ، قيل : هو قولهم : سمعنا وأطعنا وكونه { ميثاقا } ظاهر ، وكونه { غَلِيظاً } يؤخذ من التعبير بالماضي ، أو من عطف الإطاعة على السمع بناءاً على تفسيره بها ، وفي أخذ ذلك مما ذكر خفاء لايخفى ، وحكي أنهم بعد أن قبلوا ما كلفوا به من الدين أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عنه فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد ، فإن صح هذا كانت وكادة الميثاق في غاية الظهور ، وزعم بعضهم أن هذا الميثاق هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به ، وهو المذكور في قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم } [ آل عمران : 81 ] الآية ، وكونه { غَلِيظاً } باعتبار أخذه من كل نبي نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأخذ كل واحد واحد له من أمته فهو ميثاق مؤكد متكرر ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر الذي يقتضيه السياق . (4/297)
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155)
{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } في الكلام مقدر والجار والمجرور متعلق بمقدر أيضاً ، والباء للسببية و ( ما ) مزيد لتوكيدها ، والإشارة إلى أنها سببية قوية ، وقد يفيد ذلك الحصر بمعونة المقام كما يفيده التقديم على العامل إن التزم هنا ، وجوز أن تكون ما نكرة تامة ، ويكون نقضهم بدلاً منهما أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم مافعلنا بنقضهم ، وإن شئت أخرت العامل . واختار أبو حيان عليه الرحمة تقدير لعناهم مؤخراً لوروده مصرحاً به كذلك في قوله تعالى : { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم } [ المائدة : 13 ] وجوز غير واحد تعلق الجار بحرمنا الآتي على أن قوله تعالى : { فَبِظُلْمٍ } [ النساء : 160 ] بدل من قوله سبحانه : { فَبِمَا نَقْضِهِم } ، وإليه ذهب الزجاج ، وتعقبه في «البحر» بأن فيه بعداً لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه ، ولأن المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم عن التحريم ، فلا يمكن أن يكون جزء سبب أو سبباً إلا بتأويل بعيد ، وبيان ذلك أن قولهم على مريم بهتاناً عظيماً وقولهم { إِنَّا قَتَلْنَا المسيح } [ النساء : 157 ] متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم ، واستحسنه السفاقسي ، ثم قال : وقد يتكلف لحله بأن دوام التحريم في كل زمن كابتدائه ، وفيه بحث ، وجعل العلامة الثاني الفاء في فبظلم على هذا التقدير تكراراً للفاء في فبما نقضهم عطفاً على { أَخَذْنَا مِنْهُمْ } ( النساء؛ 154 ) ، أو جزاء شرط مقدر ، واستبعده أيضاً من وجهين : لفظي ومعنوي ، وبين الأول بطول الفصل وبكونه من إبدال الجار والمجرور مع حرف العطف ، أو الجزاء مع القطع بأن المعمول هو الجار والمجرور فقط ، والثاني : بدلالته على أن تحريم بعض الطيبات مسبب عن مثل هذه الجرائم العظيمة ومترتب عليه ، ثم قال : ولو جعلت الفاء للعطف على { فَبِمَا نَقْضِهِم } كما في قولك : بزيد وبحسنه ، أو فبحسنه أو ثم حسنه افتتنت لم يحتج إلى جعله بدلاً ، وجوز أبو البقاء وغيره التعلق بمحذوف دل عليه قوله تعالى : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } ورد بأن ذلك لا يصلح مفسراً ولا قرينة للمحذوف ، أما الأول : فلتعلقه بكلام آخر لأنه رد وإنكار لقولهم { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } ، وأما الثاني : فلأنه استطراد يتم الكلام دونه؛ وكونه قرينة لما هو عمدة في الكلام يوجب أن لا يتم دونه . والحاصل أنه لا بد للقرينة من التعلق المعنوي بسابقتها حتى تصلح لذلك ، ومنه يعلم أنه لا مورد للنظر بأن الطبعين متوافقان في العروض ، أحدهما بالكفر ، والآخر بالنقض ، وقيل : هو متعلق بلا يؤمنون ، والفاء زائدة ، وقيل : بما دل عليه ولا يخفى ردّ ذلك . (4/298)
{ وَكُفْرِهِم بئايات الله } أي حججه الدالة على صدق أنبيائه عليهم الصلاة والسلام والقرآن ، أو ما في كتابهم لتحريفه وإنكاره وعدم العمل به .
{ وَقَتْلِهِمُ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } كزكريا ويحيى عليهما السلام { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمع غلاف بمعنى الظرف ، وأصله غلف بضمتين فخفف ، أي أوعية للعلم فنحن مستغنون بما فيها عن غيره ، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعطاء ، وقال الكلبي : يعنون إن قلوبنا بحيث لا يصل إليها شيء إلا وعته ولو كان في حديثك شيء لوعته أيضاً ، ويجوز أن يكون جمع أغلف أي هي مغشاة بأغشية خَلْقية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فيكون كقوله تعالى : { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [ فصلت : 5 ] . (4/299)
{ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } كلام معترض بين المعطوفين جىء به على وجه الاستطراد مسارعة إلى ردّ زعمهم الفاسد ، أي ليس الأمر كما زعمتم من أنها أوعية العلم فإنها مطبوع عليها محجوبة من العلم لم يصل إليها شيء منه كالبيت المقفل المختوم عليه ، والباء للسببية ، وجوز أن تكون للآلة ، ويجوز أن يكون المعنى ليس عدم وصول الحق إلى قلوبكم لكونها في أكنة وحجب خلقية كما زعمتم بل لأن الله تعالى ختم عليها بسبب كفركم الكسبي ، وهذا الطبع بمعنى الخذلان والمنع من التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ عند الكثير وطبع حقيقي عند البعض ، وأيد بما أخرجه البزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت الحرمة وعمل بالمعاصي واجترىء على الله تعالى بعث الله تعالى الطابع فطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئاً " وأخرجه البيهقي أيضاً في «الشعب» إلا أنه ضعفه .
{ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إلا إيماناً قليلاً فهو كالتصديق بنبوّة موسى عليه السلام وهو غير مفيد لأن الكفر بالبعض كفر بالكل كما مر ، أو صفة لزمان محذوف أي زماناً قليلاً ، أو نصب على الاستثناء من ضمير ( لا يؤمنون ) أي إلا قليلاً منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه ، ورده السمين بأن الضمير عائد على المطبوع على قلوبهم ، ومن طبع على قلبه بالكفر لا يقع منه إيمان ، وأجيب بأن المراد بما مر الإسناد إلى الكل ما هو للبعض باعتبار الأكثر . وقال عصام الملة : كما يجب استثناء القليل من عدم الإيمان المتفرع على الطبع على قلوبهم يجب استثناء قليل من القلوب من قلوبهم ، فكأن المراد بل طبع الله تعالى على أكثرها فليفهم .
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)
{ وَبِكُفْرِهِمْ } عطف على بكفرهم الذي قبله ، ولا يتوهم أنه من عطف الشيء على نفسه ولا فائدة فيه لأن المراد بالكفر المعطوف الكفر بعيسى عليه السلام؛ والمراد بالكفر المعطوف عليه ، إما الكفر المطلق أو الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم لاقترانه بقوله تعالى : { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } [ النساء : 155 ] ، وقد حكى الله تعالى عنهم هذه المقالة في مواجهتهم له عليه الصلاة والسلام في مواضع ، ففي العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية . وقد يعتبر في جانب المعطوف المجموع ، ومغايرته للمفرد المعطوف عليه ظاهرة ، أو عطف على { فَبِمَا نَقْضِهِم } [ النساء : 155 ] ويجوز اعتبار عطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ، ولا يتوهم المحذور ، وإن قلنا باتحاد الكفر أيضاً لمغايرة المجموع للمجموع وإن لم يغاير بعض أجزائه بعضاً ، وقد يقال بمغايرة الكفر في المواضع الثلاثة بحمله في الأخيرين على ما أشرنا إليه ، وفي الأول على الكفر بموسى عليه السلام لاقترانه بنقض الميثاق ، وتقدم حديث العدو في السبت . (4/300)
{ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً } لا يقادر قدره حيث نسبوها وحاشاها إلى ما هي عنه في نفسها بألف ألف منزل ، وتمادوا على ذلك غير مكترثين بقيام المعجزة بالبراءة ، والبهتان الكذب الذي يتحير من شدته وعظمه ، ونصبه على أنه مفعول به لقولهم وجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي قولاً بهتاناً ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال أي مباهتين .
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)
{ وَقَوْلِهِمْ } على سبيل التبجح . { إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } ذكروه بعنوان الرسالة تهكماً واستهزاءاً كما في قوله تعالى حكاية عن الكفار : { يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } [ الحجر : 6 ] الخ ، ويحتمل أن يكون ذلك منهم بناءاً على قوله عليه الصلاة والسلام وإن لم يعتقدوه ، وقيل : إنهم وصفوه بغير ذلك من صفات الذم فغير في الحكاية ، فيكون من الحكاية لا من المحكي ، وقيل : هو استئناف منه مدحاً له عليه الصلاة والسلام ورفعاً لمحله وإظهاراً لغاية جراءتهم في تصديهم لقتله ونهاية وقاحتهم في تبجحهم . (4/301)
{ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ } حال أو اعتراض { ولكن شُبّهَ لَهُمْ } روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رهطاً من اليهود سبوه عليه السلام وأمه فدعا عليهم فمسخوا قردة وخنازير فبلغ ذلك يهوذا رأس اليهود فخاف فجمع اليهود فاتفقوا على قتله فساروا إليه ليقتلوه فأدخله جبريل عليه السلام بيتاً ورفعه منه إلى السماء ولم يشعروا بذلك فدخل عليه طيطانوس ليقتله فلم يجده وأبطأ عليهم وألقى الله تعالى عليه شبه عيسى عليه السلام فلما خرج قتلوه وصلبوه . وقال وهب بن منبه في خبر طويل رواه عنه ابن المنذر : «أتى عيسى عليه السلام ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صيرهم الله تعالى كلهم على صورة عيسى عليه السلام فقالوا لهم : سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى عليه السلام أو لنقتلنكم جميعاً فقال عيسى لأصحابه : من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم : أنا ، فخرج إليهم فقال : أنا عيسى فقتلوه وصلبوه ورفع الله تعالى عيسى عليه السلام» ، وبه قال قتادة والسدي ومجاهد وابن إسحاق ، وإن اختلفوا في عدد الحواريين ولم يذكر أحد غير وهب أن شبهه عليه السلام ألقي على جميعهم بل قالوا : ألقي شبهه على واحد ورفع عيسى عليه السلام من بينهم . ورجح الطبري قول وهب وقال : إنه الأشبه ، وقال أبو علي الجبائي : إن رؤساء اليهود أخذوا إنساناً فقتلوه وصلبوه على موضع عال ولم يمكنوا أحداً من الدنو منه فتغيرت حليته ، وقالوا : إنا قتلنا عيسى ليوهموا بذلك على عوامهم لأنهم كانوا أحاطوا بالبيت الذي به عيسى عليه السلام فلما دخلوه ولم يجدوه فخافوا أن يكون ذلك سبباً لإيمان اليهود ففعلوا ما فعلوا ، وقيل : كان رجل من الحواريين ينافق عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتله قال : أنا أدلكم عليه وأخذ على ذلك ثلاثين درهماً فدخل بيت عيسى عليه السلام فرفع عليه السلام وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى عليه السلام ، وقيل غير ذلك ، و { شُبّهَ } مسند إلى الجار والمجرور ، والمراد وقع لهم تشبيه بين عيسى عليه السلام ومن صلب ، أو في الأمر على قول الجبائي أو هو مسند إلى ضمير المقتول الذي دل عليه { إِنَّا قَتَلْنَا } أي شبه لهم من قتلوه بعيسى عليه السلام ، أو الضمير للأمر و { شُبّهَ } من الشبهة أي التبس عليهم الأمر بناءاً على ذلك القول ، وليس المسند إليه ضمير المسيح عليه الصلاة والسلام لأنه مشبه به لا مشبه .
{ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ } أي في شأن عيسى عليه السلام فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعضهم : إنه كان كاذباً فقتلناه ( حقاً ) ، وتردد آخرون فقال بعضهم : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ا وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ، وقال من سمع منه إن الله تعالى يرفعني إلى السماء إنه رفع إلى السماء ، وقالت النصارى الذين يدعون ربوبيته عليه السلام : صلب الناسوت وصعد اللاهوت ، ولهذا لا يعدون القتل نقيصة حيث لم يضيفوه إلى اللاهوت ويرد هؤلاء إن ذلك يمتنع عند اليعقوبية القائلين : إن المسيح قد صار بالاتحاد طبيعة واحدة إذ الطبيعة الواحدة لم يبق فيها ناسوت متميز عن لاهوت والشيء الواحد لا يقال : مات ولم يمت ، وأهين ولم يهن . وأما الروم القائلون : بأن المسيح بعد الاتحاد باق على طبيعتين ، فيقال لهم : فهل فارق اللاهوت ناسوته عند القتل؟ فإن قالوا : فارقه فقد أبطلوا دينهم ، فلم يستحق المسيح الربوبية عندهم إلا بالاتحاد ، وإن قالوا : لم يفارقه فقد التزموا ما ورد على اليعقوبية وهو قتل اللاهوت مع الناسوت ، وإن فسروا الاتحاد بالتدرع وهو أن الإله جعله مسكناً وبيتاً ثم فارقه عند ورود ما ورد على الناسوت أبطلوا إلهيته في تلك الحالة ، وقلنا لهم : أليس قد أهين؟ وهذا القدر يكفي في إثبات النقيصة إذ لم يأنف اللاهوت لمسكنه أن تناله هذه النقائص ، فإن كان قادراً على نفيها فقد أساء مجاورته ورضي بنقيصته وذلك عائد بالنقص عليه في نفسه ، وإن لم يكن قادراً فذلك أبعد له عن عز الربوبية ، وهؤلاء ينكرون إلقاء الشبه ، ويقولون : لا يجوز ذلك لأنه إضلال ، ورده أظهر من أن يخفى ، ويكفي في إثباته أنه لو لم يكن ثابتاً لزم تكذيب المسيح ، وإبطال نبوته بل وسائر النبوات على أن قولهم في الفصل : إن المصلوب قال : إلهي إلهي لم تركتني وخذلتني ، وهو ينافي الرضا بمرّ القضاء؛ ويناقض التسليم لأحكام الحكيم ، وأنه شكى العطش وطلب الماء والإنجيل مصرح بأن المسيح كان يطوي أربعين يوماً وليلة إلى غير ذلك مما لهم فيه إن صح مما ينادي على أن المصلوب هو الشبه كما لا يخفى . فالمراد من الموصول ما يعم اليهود والنصارى جميعاً . (4/302)
{ لَفِى شَكّ مّنْهُ } أي لفي تردد ، وأصل الشك أن يستعمل في تساوي الطرفين وقد يستعمل في لازم معناه ، وهو التردد مطلقاً وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا ولذا أكده بنفي العلم الشامل لذلك أيضاً بقوله سبحانه : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } والاستثناء منقطع ، أي لكنهم يتبعون الظن . وجوز أن يفسر الشك بالجهل ، والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزماً كان أو غيره؛ فالاستثناء حينئذٍ متصل ، وإليه ذهب ابن عطية إلا أنه خلاف المشهور ، وما قيل : إن اتباع الظن ليس من العلم قطعاً فلا يتصور اتصاله فمدفوع بأن من قال به جعله بمعنى الظن المتبع . (4/303)
{ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } الضمير لعيسى عليه السلام كما هو الظاهر أي ما قتلوه قتلاً يقيناً ، أو متيقنين ، ولا يرد أن نفي القتل المتيقن يقتضي ثبوت القتل المشكوك لأنه لنفي القيد ولا مانع من أنه قتل في ظنهم فإنه يقتضي أنه ليس في نفس الأمر كذلك فلا حاجة إلى التزام جعل { يَقِيناً } مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف ، والتقدير تيقنوا ذلك يقيناً ، وقيل : هو راجع إلى العلم؛ وإليه ذهب الفراء وابن قتيبة أي وما قتلوا العلم يقيناً من قولهم : قتلت العلم والرأي ، وقتلت كذا علماً إذا تبالغ علمك فيه ، وهو مجاز كما في «الأساس» ، والمعنى ما علموه يقيناً ، وقيل : الضمير للظن أي ما قطعوا الظن يقيناً ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي ، وحكى ابن الأنباري أن في الكلام تقديماً وتأخيراً ، وأن { يَقِيناً } متعلق بقوله تعالى :
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)
{ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } أي بل رفعه سبحانه إليه يقيناً ، ورده في «البحر» بأنه قد نص الخليل على أنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها ، والكلام ردّ وإنكار لقتله وإثبات لرفعه عليه الصلاة والسلام ، وفيه تقدير مضاف عند أبي حيان أي إلى سمائه ، قال : «وهو حي في السماء الثانية على ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج ، وهو هنالك مقيم حتى ينزل إلى الأرض يقتل الدجال ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً ثم يحيا فيها أربعين سنة» أو تمامها من سنّ رفعه ، وكان إذ ذاك ابن ثلاث وثلاثين سنة ويموت كما تموت البشر ويدفن في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو في بيت المقدس ، وقال قتادة : رفع الله تعالى عيسى عليه السلام إليه فكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش فصار إنسياً ملكياً سماوياً أرضياً ، وهذا الرفع على المختار كان قبل صلب الشبه ، وفي إنجيل لوقا ما يؤيده؛ وأما رؤية بعض الحواريين له عليه السلام بعد الصلب فهو من باب تطور الروح ، فإن للقدسيين قوة التطور في هذا العالم وإن رفعت أرواحهم إلى المحل الأسنى ، وقد وقع التطور لكثير من أولياء هذه الأمة ، وحكاياتهم في ذلك يضيق عنها نطاق الحصر . (4/304)
{ وَكَانَ الله عَزِيزاً } لا يغالب فيما يريده { حَكِيماً } في جميع أفعاله فيدخل فيه تدبيراته سبحانه في أمر عيسى عليه السلام وإلقاء الشبه على من ألقاه دخولاً أولياً .
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)
{ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب } أي اليهود خاصة كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو هم والنصارى كما ذهب إليه كثير من المفسرين و { ءانٍ } نافية بمعنى ما ، وفي الجار والمجرور وجهان : أحدهما : أنه صفة لمبتدأ محذوف ، وقوله تعالى : { إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } جملة قسمية ، والقسم مع جوابه خبر المبتدأ ولا يرد عليه أن القسم إنشاء لأن المقصود بالخبر جوابه وهو خبر مؤكد بالقسم ، ولا ينافيه كون جواب القسم لا محل له لأن ذلك من حيث كونه جواباً فلا يمتنع كونه له محل باعتبار آخر لو سلم أن الخبر ليس هو المجموع ، والتقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا والله ليؤمنن به ، والثاني : أنه متعلق بمحذوف وقع خبراً لذلك المبتدأ ، وجملة القسم صفة له لا خبر ، والتقدير : وإن أحد إلا ليؤمنن به كائن من أهل الكتاب ومعناه كل رجل يؤمن به قبل موته من أهل الكتاب ، وهو كلام مفيد ، فالاعتراض على هذا الوجه بأنه لا ينتظم من أحد ، والجار والمجرور إسناد لأنه لا يفيد لا يفيد لحصول الفائدة بلا ريب ، نعم المعنى على الوجه الأول كل رجل من أهل الكتاب يؤمن به قبل موته ، والظاهر أنه المقصود ، وأنه أتم فائدة ، والاستثناء مفرغ من أعم الأوصاف ، وأهل الكوفة يقدرون موصولاً بعد إلا ، وأهل البصرة يمنعون حذف الموصول وإبقاء صلته ، والضمير الثاني راجع للمبتدأ المحذوف أعني أحد ، والأول لعيسى عليه السلام فمفاد الآية أن كل يهودي ونصراني يؤمن بعيسى عليه السلام قبل أن تزهق روحه بأنه عبد الله تعالى ورسوله ، ولا ينفعه إيمانه حينئذٍ لأن ذلك الوقت لكونه ملحقاً بالبرزخ لما أنه ينكشف عنده لكل الحق ينقطع فيه التكليف ، ويؤيد ذلك أنه قرأ أبي ليؤمنن به قبل موتهم بضم النون وعود ضمير الجمع لأحد ظاهر لكونه في معنى الجمع ، وعوده لعيسى عليه السلام غير ظاهر . (4/305)
وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الآية كذلك؛ فقيل له : أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال : يتكلم به في الهواء ، فقيل : أرأيت إن ضرب عنقه؟ قال : يتلجلج بها لسانه . وأخرج ابن المنذر أيضاً عن شهر بن حوشب قال : قال لي الحجاج : يا شهر آية من كتاب الله تعالى ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء قال الله تعالى : { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } ، وإني أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئاً فقلت : رفعت إليك على غير وجهها إن النصراني إذا خرجت روحه أي إذا قرب خروجها كما تدل عليه رواية أخرى عنه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره ، وقالوا : أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنه الله تعالى ، وأنه ابن الله سبحانه ، وأنه ثالث ثلاثة عبد الله وروحه وكلمته ، فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه ، وأن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ودبره ، وقالوا : أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله وروحه فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان ، فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم ، فقال : من أين أخذتها؟ فقلت : من محمد بن علي ( بن الحنفية ) ، قال : لقد أخذتها من معدنها ، قال شهر : وأيم الله تعالى ما حدثنيه إلا أم سلمة ، ولكني أحببت أن أغيظه ، والإخبار بحالهم هذه وعيد لهم وتحريض إلى المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يضطروا إليه مع انتفاء جدواه ، وقيل : الضميران لعيسى عليه السلام ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً وأبي مالك والحسن وقتادة وابن زيد ، واختاره الطبراني ، والمعنى أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى عليه السلام إلا ليؤمنن به قبل أن يموت وتكون الأديان كلها ديناً واحداً ، وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما » قال : وتلا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } ، وقيل : الضمير الأول لله تعالى ولا يخفى بعده ، وأبعد من ذلك أنه لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وروي هذا عن عكرمة ، ويضعفه أنه لم يجر له عليه الصلاة والسلام ذكر هنا ، ولا ضرورة توجب رد الكناية إليه ، لا أنه كما زعم الطبري لو كان صحيحاً لما جاز إجراء أحكام الكفار على أهل الكتاب بعد موتهم لأن ذلك الإيمان إنما هو في حال زوال التكليف فلا يعتد به . (4/306)
{ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ } أي عيسى عليه السلام { عَلَيْهِمْ } أي أهل الكتاب { شَهِيداً } فيشهد على اليهود بتكذيبهم إياه وعلى النصارى بقولهم فيه : إنه ابن الله تعالى ، والظرف متعلق بشهيداً وتقديمه يدل على جواز تقديم خبر كان مطلقاً ، أو إذا كان ظرفاً أو مجروراً لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقديم عامله ، وجوز أبو البقاء كون العامل فيه يكون .
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160)
{ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } أي تابوا من عبادة العجل ، والتعبير عنهم بهذا العنوان إيذان بكمال عظم ظلمهم بتذكير وقوعه بعد تلك التوبة الهائلة إثر بيان عظمه بالتنوين التفخيمي أي بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود ( الأشباه والأشكال ) صادر عنهم { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } ولمن قبلهم لا لشيء غيره كما زعموا ، فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم ، ومع ذلك كانوا يفترون على الله تعالى الكذب ويقولون : لسنا بأول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما عليهم الصلاة والسلام حتى انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله تعالى في مواقع كثيرة وبكتهم بقوله سبحانه : { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } [ آل عمران : 93 ] الآية ، وقد تقدم الكلام فيها ، وذهب بعض المفسرين أن المحرم عليهم ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام ( 146 ) مفصلاً . (4/307)
/ واستشكل بأن التحريم كان في التوراة ولم يكن حينئذٍ كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعيسى عليه السلام ولا ما أشار إليه قوله تعالى : { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً } أي ناساً كثيراً ، أو صداً أو زماناً كثيراً ، وقيل في جوابه : إن المراد استمرار التحريم فتدبر ولا تغفل ، وهذا معطوف على الظلم وجعله ، وكذا ما عطف عليه في «الكشاف» بياناً له ، وهو كما قال بعض المحققين لدفع ما يقال : إن العطف على المعمول المتقدم ينافي الحصر ، ومن جعل الظلم بمعناه وجعل { *بصدّهم } متعلقاً بمحذوف فلا إشكال عليه ، ومن هذا يعلم تخصيص ما ذكره أهل المعاني من أنه مناف للحصر بما إذا لم يكن الثاني بياناً للأول كما إذا قلت : بذنب ضربت زيداً وبسوء أدبه ، فإن المراد فيه لا بغير ذنب ، وكذا خصصوا ذلك بما إذا لم يكن الحصر مستفاداً من غير التقديم .
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)
وأعيدت الباء هنا ولم تعد في قوله تعالى : { وَأَخْذِهِمُ * الرباا *وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } لأنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً للمعطوف عليه ، وحيث فصل بمعموله لم تعد ، وجملة ( وقد نهوا ) حالية ، وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرماً عليهم كما هو محرم علينا ، وأن النهي يدل على حرمة المنهى عنه ، وإلا لما توعد سبحانه على مخالفته { وَأَكْلِهِمْ أموال الناس * بالباطل } بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة { وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ } أي للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم كعبدالله بن سلام وأضرابه { عَذَاباً أَلِيماً } سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم ، وذكر في «البحر» أن التحريم كان عاماً للظالم وغيره ، وأنه من باب { واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة } [ الأنفال : 25 ] دون العذاب ، ولذا قال سبحانه : ( للكافرين ) دون لهم وإلى ذلك ذهب الجبائي أيضاً فتدبر . (4/308)
لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)
{ لكن الراسخون فِى العلم مِنْهُمْ } استدراك من قوله سبحانه : { وَأَعْتَدْنَا } [ النساء : 161 ] الخ ، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلاً وآجلاً ، و { مِنْهُمْ } في موضع الحال ، أي لكن الثابتون المتقنون منهم في العلم المستبصرون فيه غير التابعين للظن كأولئك الجهلة ، والمراد بهم عبد الله بن سلام وأسيد وثعلبة وأضرابهم ، وفي المذكورين نزلت الآية كما أخرجه البيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : { والمؤمنون } أي منهم ، وإليه يشير كلام قتادة ، وقد وصفوا بالإيمان بعدما وصفوا بما يوجبه من الرسوخ في العلم بطريق العطف المبني على المغايرة بين المتعاطفين تنزيلاً للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي كما مر ، وقوله سبحانه : { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } من القرآن { وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } من الكتب على الأنبياء والرسل حال من المؤمنون مبينة لكيفية إيمانهم ، وقيل : اعتراض مؤكد لما قبله . (4/309)
وقوله تعالى : { والمقيمين الصلاة } قال سيبويه وسائر البصريين : نصب على المدح ، وطعن فيه الكسائي بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام ، وهنا ليس كذلك لأن الخبر سيأتي ، وأجيب بأنه لا دليل على أنه لا يجوز الاعتراض بين المبتدأ وخبره ، وحكى ابن عطية عن قوم منع نصبه على القطع من أجل حرف العطف لأن القطع لا يكون في العطف وإنما يكون في النعوت ، ومن ادعى أن هذا من باب القطع في العطف تمسك بما أنشده سيبويه للقطع مع حرف العطف من قوله :
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثاً مراضيع مثل السعالى
وقال الكسائي : هو مجرور بالعطف على ( ما أنزل إليك ) على أن المراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، قيل : وليس المراد بإقامة الصلاة على هذا أداؤها بل إظهارها بين الناس وتشريعها ليكون وصفاً خاصاً ، وقيل : المراد بالمقيمين الملائكة لقوله تعالى : { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 20 ] ، وقيل : المسلمون بتقدير مضاف أي وبدين المقيمين ، وقال قوم : إنه معطوف على ضمير { مِنْهُمْ } ، وقيل ضمير { إِلَيْكَ } ، وقيل : ضمير { قَبْلِكَ } والبصريون لا يجيزون هذه الأوجه الثلاثة لما فيها من العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار ، وقد تقدم الكلام في ذلك ، وزعم بعض المتأخرين أن الأشبه نصبه على التوهم لكون السابق مقام لكن المثقلة وضع موضعها { لَكِنِ } المخففة ، ولا يخفى ما فيه ، وبالجملة لا يلتفت إلى من زعم أن هذا من لحن القرآن ، وأن الصواب والمقيمون بالواو كما في مصحف عبد الله ، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي إذ لا كلام في نقل النظم تواتراً فلا يجوز اللحن فيه أصلاً ، وأما ما روي أنه لما فرغ من المصحف أتى به إلى عثمان رضي الله تعالى عنه فقال : قد أحسنتم وأجملتم أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها ، ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش لم يوجد فيه هذا ، فقد قال السخاوي : إنه ضعيف ، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع فإن عثمان رضي الله تعالى عنه جعل للناس إماماً يقتدون به ، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها ، وقد كتب عدة مصاحف وليس فيها اختلاف أصلاً إلا فيما هو من وجوه القراءات ، وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع وهم هم كيف يقيمه غيرهم؟ا وتأول قوم اللحن في كلامه على تقدير صحته عنه بأن المراد الرمز والإيماء كما في قوله :
منطق رائع وتلحن أحيا ... ناً وخير الكلام ما كان لحناً (4/310)
أي المراد به الرمز بحذف بعض الحروف خطاً كألف الصابرين مما يعرفه القراء إذا رأوه ، وكذا زيادة بعض الحروف وقد قدمنا لك ما ينفعك هنا فتذكر . ثم الظاهر أن المقيمين على قراءة الرفع معطوف على سابقه وينزل أيضاً التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي ، والعطف على ضمير { يُؤْمِنُونَ } ليس بشيء وكذا الحال في قوله تعالى :
{ والمؤتون الزكواة والمؤمنون بالله واليوم الاخر } فإن المراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب وصفوا أولاً بكونهم راسخين في علم الكتاب لا يعترضهم شك ولا تزلزلهم شبهة إيذاناً بأن ذلك موجب للإيمان وأن من عداهم إنما بقوا مصرين ( على الكفر ) لعدم رسوخهم فيه ، بل هم كريشة في بيداء الضلال تقلبهم زعازع الشكوك والأوهام ، ثم بكونهم مؤمنين بجميع ما أنزل من الكتب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ثم بكونهم عاملين بما فيها من الأحكام ، واكتفى من بينها بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المستتبعين لسائر العبادات البدنية والمالية ، ولما أن في إقامة الصلاة على وجهها انتصاباً بين يدي الحق جل جلاله ، وانقطاعاً عن السوى ، وتوجهاً إلى المولى كسى المقيمين حلة النصب ليهون عليهم النصب وقطعهم عن التبعية ، فياما أحيلى قطع يشير إلى الاتصال بأعلى الرتب ، ثم وصفهم بكونهم ( مؤمنين ) بالمبدأ والمعاد تحقيقاً لحيازتهم الإيمان بقطريه ، وإحاطتهم به من طرفيه ، وتعريضاً بأن من عداهم من أهل الكتاب ليسوا مؤمنين بواحد منهما حقيقة لأنهم قد مزجوا الشهد سماً وغدوا عن اتباع الحق الصرف عمياً وصماً .
{ أولئك } إشارة إلى الموصوفين بما تقدم من الصفات الجليلة الشأن المحكمة البنيان ، وهو مبتدأ وقوله تعالى : { سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } خبره ، والجملة خبر المبتدأ الذي هو الراسخون ، والسين لتوكيد الوعد كما قدمنا ، وتنكير الأجر للتفخيم كما مر غير مرة ، ولا يخفى ما في هذا من المناسبة التامة بين طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم ، ووعد الآخرون بالأجر العظيم ، وجوز غير واحد من المفسرين كون خبر المبتدأ الأول جملة { يُؤْمِنُونَ } وحمل المؤمنين على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن عدا أهل الكتاب والمناسبة عليه غير تامة ، وذهب بعضهم إلى أن الاستدراك إنما هو من قوله تعالى :
{ يَسْئَلُكَ * أَهْلِ الكتاب } [ النساء : 153 ] الآية كأنه قيل : لكن هؤلاء لا يسألونك ما يسألك هؤلاء الجهال من إنزال كتاب من السماء لأنهم قد علموا صدق قولك فيما قرأوا من الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووجوب اتباعك عليهم فلا حاجة بهم أن يسألوك معجزة أخرى إذ قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم ما يكفيهم عن ذلك ، وروي هذا عن قتادة . وتجاوب طرفي الاستدراك عليه أتم منه على قول الجمهور . وقرأ حمزة { *سيؤتيهم } بالياء مراعاة لظاهر قوله تعالى : { المؤمنون * بالله } . (4/311)
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)
{ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن ينزل عليهم ) كتاباً من السماء ، واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي كشأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين لا ريب في نبوّتهم ، وقيل : هو تعليل لقوله تعالى : { الراسخون فِى العلم } [ النساء : 162 ] . وأخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال؛ «قال سكين وعدي بن زيد : يا محمد ما نعلم الله تعالى أنزل على بشر من شيء بعد موسى عليه السلام فأنزل الله تعالى هذه الآية» والكاف في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيحاءاً مثل إيحائنا إلى نوح عليه السلام ، أو حال من ذلك المصدر المقدر معرفاً كما هو رأي سيبويه أي إنا أوحينا الإيحاء ( حال كونه ) ( 1 ) مشبهاً بإيحائنا الخ ، و ( ما ) في الوجهين مصدرية . وجوّز أبو البقاء أن تكون موصولة فيكون الكاف مفعولاً به أي أوحينا إليك مثل الذي أوحيناه إلى نوح من التوحيد وغيره وليس بالمرضى ، و ( من بعده ) متعلق بأوحينا ولم يجوّزوا أن يكون حالاً من النبيين لأن ظروف الزمان لا تكون أحوالاً للجثث ، وبدأ سبحانه بنوح عليه السلام تهديداً لهم لأنه أول نبي عوقب قومه ، وقيل : لأنه أول من شرع الله تعالى على لسانه الشرائع والأحكام ، وتعقب بالمنع ، وقيل : لمشابهته بنبينا صلى الله عليه وسلم في عموم الدعوة لجميع أهل الأرض ، ولا يخلو عن نظر لأن عموم دعوته عليه السلام اتفاقي لا قصدي ، وعموم الفرق على القول به وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه ليس قطعي الدلالة على ذلك كما لا يخفى . (4/312)
{ وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم } عطف على { أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ } داخل معه في حكم التشبيه أي كما أوحينا إلى إبراهيم { وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ } وهم أولاد يعقوب عليه السلام في المشهور ، وقال غير واحد : إن الأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في أولاد إسماعيل ، وقد بعث منهم عدة رسل ، فيجوز أن يكون أراد سبحانه بالوحي إليهم الوحي إلى الأنبياء منهم كما تقول : أرسلت إلى بني تميم ، وتريد أرسلت إلى وجوههم ، ولم يصح أن الأسباط الذين هم أخوة يوسف عليه السلام كانوا أنبياء بل الذي صح عندي وألف فيه الجلال السيوطي «رسالة» خلافه { وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان } ذكروا مع ظهور انتظامهم في سلك النبيين تشريفاً لهم وإظهاراً لفضلهم على ما هو المعروف في ذكر الخاص بعد العام في مثل هذا المقام ، وتكرير الفعل لمزيد تقرير الإيحاء والتنبيه على أنهم طائفة خاصة مستقلة بنوع مخصوص من الوحي ، وبدأ بذكر إبراهيم بعد التكرير لمزيد شرفه ولأنه الأب الثالث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما نص عليه الأجهوري وغيره .
وقدم عيسى عليه السلام على من بعده تحقيقاً لنبوته وقطعاً لما رآه اليهود فيه ، وقيل : ليكون الابتداء بواحد من أولي العزم بعد تغير صفة المتعاطفات إفراداً وجمعاً وكل هذه الأسماء على ما ذكره أبو البقاء أعجمية إلا الأسباط ، وفي ذلك خلاف معروف ، وفي يونس لغات أفصحها ضم النون من غير همز ، ويجوز فتحها وكسرها مع الهمز وتركه . (4/313)
{ وَءاتَيْنَا * دَاوُودُ * زَبُوراً } عطف على { أَوْحَيْنَا } داخل في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء ، وكما آتينا داود زبوراً وإيثاره على أوحينا إلى داود لتحقق المماثلة في أمر خاص ، وهو إيتاء الكتاب بعد تحققها في مطلق الإيحاء؛ والزبور بفتح الزاي عند الجمهور وهو فعول بمعنى مفعول كالحلوب . والركوب كما نص عليه أبو البقاء .
وقرأ حمزة وخلف { زَبُوراً } بضم الزاي حيث وقع ، وهو جمع زبر بكسر فسكون بمعنى مزبور أي مكتوب ، أو زَبْر بالفتح والسكون كفلس وفلوس ، وقيل : إنه مصدر كالقعود والجلوس ، وقيل : إنه جمع زبور على حذف الزوائد ، وعلى العلات جعل اسماً للكتاب المنزل على داود عليه السلام ، وكان إنزاله عليه عليه السلام منجماً وبذلك يحصل الإلزام ، «وكان فيه كما قال القرطبي مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام ، وإنما هي حكِمَ ومواعظ» والتحميد والتمجيد والثناء على الله تعالى شأنه .
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)
{ وَرُسُلاً } نصب بمضمر أي أرسلنا رسلاً؛ والقرينة عليه قوله سبحانه : { أَوْحَيْنَا } [ النساء : 163 ] السابق لاستلزامه الإرسال ، وهو معطوف عليه داخل معه في حكم التشبيه ، وقيل : القرينة قوله تعالى : { قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ } لا أنه منصوب بقصصنا بحذف مضاف أي قصصنا أخبار رسل ، ولا أنه منصوب بنزع الخافض أي كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل كما قيل لخلوه عما في الوجه الأول من تحقيق المماثلة بين شأنه صلى الله عليه وسلم وبين شؤون من يعترفون بنبوته من الأنبياء عليهم السلام في مطلق الإيحاء ، ثم في إيتاء الكتاب ، ثم في الإرسال ، فإن قوله سبحانه : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ النساء : 163 ] منتظم لمعنى { ءاتيناك } [ طه : 99 ] و { أرسلناك } [ البقرة : 119 ] حتماً فكأنه قيل : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى فلان وفلان ، وآتيناك مثل ما آتينا فلاناً ، وأرسلناك مثل ما أرسلنا الرسل الذي قصصناهم وغيرهم ولا تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء والإرسال فما للكفرة يسألونك شيئاً لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام؟ ومعنى قصهم عليه عليه الصلاة والسلام حكاية أخبارهم له وتعريف شأنهم وأمورهم { مِن قَبْلُ } أي من قبل هذه السورة أو اليوم ، قيل : قصهم عليه صلى الله عليه وسلم بمكة في سورة الأنعام ( 83 86 ) وغيرها ، وقال بعضهم : قصهم سبحانه عليه عليه الصلاة والسلام بالوحي في غير القرآن ثم قصهم عليهم بعد في القرآن . (4/314)
{ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } أي من قبل فلا تنافي الآية ما ورد في الخبر من أن الرسل ثلثمائة وثلاثة عشر ، والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، وعن كعب أنهم ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً لأن نفي قصهم من قبل لا يستلزم نفي قصهم مطلقاً ، فإن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام ، فيمكن أن يكون قصهم عليه صلى الله عليه وسلم بعد فعلمهم ، فأخبر بما أخبر على أن القبلية تفهم من الكلام ولو لم تكن في القابل لأن { لَمْ } في المشهور إذا دخلت على المضارع تقلب معناه للمضي على أن القص ذكر الأخبار ، ولا يلزم من نفي ذكر أخبارهم له صلى الله عليه وسلم نفي ذكر عددهم مجرداً من ذكر الأخبار والقصص ، فيمكن أن يقال : لم يذكر سبحانه له صلى الله عليه وسلم أخبارهم أصلاً لكن ذكر جل شأنه له عليه الصلاة والسلام أنهم كذا رجلاً فاندفع ما توهمه بعض المعاصرين من أن الآية نص في عدم علمه وحاشاه عليه الصلاة والسلام عدة المرسلين عليهم الصلاة والسلام فيأخذ بها ويرد الحديث وكأن الذي أوقعه في الوهم كلام بعض المحققين والأولى أن لا يقتصر على عدد الآية ، فأخطأ في الفهم ومات في ربقة التقليد نسأل الله تعالى العافية .
{ وَكَلَّمَ الله موسى } برفع الجلالة ونصب موسى ، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرآ على القلب . { تَكْلِيماً } مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز على ما ذكره غير واحد ، ونظر فيه الشهاب بأنه مؤكد للفعل فيرفع المجاز عنه ، وأما رفعه المجاز عن الإسناد بأن يكون المكلم رسله من الملائكة ، كما يقال : قال الخليفة كذا إذا قاله وزيره فلا ، مع أنه أكد الفعل ، والمراد به معنى مجازي كقول هند بنت النعمان في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان : (4/315)
بكى الخز من روح وأنكر جلده ... وعجت عجيجاً من جذام المطارف
فأكدت «عجت» مع أنه مجاز لأن الثياب لا تعج ، وما نقل عن الفراء من أن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام لا يفي بالمقصود إذ نهاية ما فيه رفع المجاز عن الفعل في هذه المادة ، ولا تعرض له لرفع المجاز عن الإسناد فللخصم أن يقول : التكليم حقيقة إلا أن إسناده إلى الله تعالى مجاز ولا تقوم الآية حجة عليه إلا بنفي ذلك الاحتمال ، نعم إنها ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة والجملة إما معطوفة على قوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ النساء : 163 ] عطف القصة على القصة لا على { ءاتَيْنَا } [ النساء : 163 ] وما عطف عليه ، وإما حال بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات ، والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي وأعلاها ، وقد خص به من بين الأنبياء الذين اعترفتم بنبوتهم موسى عليه السلام ولم يقدح ذلك فيهم أصلاً فكيف يتوهم أن نزول التوراة عليه جملة قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلاً مع ظهور حكمة ذلك .
هذا وقد تقدم لك كيفية سماع موسى عليه السلام لكلام الله عز وجل ، وقد وقع التكليم أيضاً لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء مع زيادة رفعة ، بل ما من معجزة لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم مثلها مع زيادة شرف له شرفه الله تعالى ، بل ما من ذرة نور شعت في العالمين إلا تصدقت بها شمس ذاته صلى الله عليه وسلم ، ولله سبحانه در البوصيري حيث يقول :
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
فصلى الله تعالى عليه وسلم تسليماً كثيراً .
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)
{ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } نصب على المدح ، أو بإضمار أرسلنا أو على الحال من { رُسُلاً } [ النساء : 164 ] الذي قبله ، أو ضميره وهي حال موطئة ، والمقصود وصفها . وضعف هذا بأنه حينئذ لا وجه للفصل بين الحال وذيها ، وجوز أن يكون نصباً على البدلية من { رُسُلاً } الأول ، وضعف بأن اتحاد البدل والمبدل منه لفظاً بعيد ، وإن كان المعتمد بالبدلية الوصف أي مبشرين من آمن وأطاع بالجنة والثواب ومنذرين من كفر وعصى بالنار والعقاب . (4/316)
{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ } أي معذرة يعتذرون بها قائلين { لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } [ طه : 134 ] فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك لقصور القوى البشرية عن إدراك جزئيات المصالح ، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها . فالآية ظاهرة في أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل؛ وأن العقل لا يغني عن ذلك ، وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن إرسال الرسل إنما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التي تعتري الإنسان من دون اختيار ، فمعنى الآية عندهم لئلا يبقى للناس على الله حجة ، وسيأتي ردّ ذلك إن شاء الله تعالى مع تحقيق هذا المبحث . وتسمية ما يقال عند ترك الإرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجة مجاز بتنزيل المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التي لا مردّ لها ، فلا يبطل قول أهل السنة أنه لا اعتراض لأحد على الله تعالى في فعل من أفعاله بل له سبحانه أن يفعل بمن شاء ما شاء ، واللام متعلقة بأرسلنا المقدر ، أو بمبشرين ومنذرين على التنازع ، وجوز أن تتعلق بما يدلان عليه ، و { حُجَّةٌ } اسم كان وخبرها { لِلنَّاسِ } و { عَلَى الله } حال من { حُجَّةٌ } ويجوز أن يكون الخبر { عَلَى الله } و { لِلنَّاسِ } حال ، ولا يجوز أن يتعلق على بحجة لأنها مصدر ومعموله لا يتقدم عليه ، ومن جوزه في الظرف جوزه هنا .
وقوله تعالى : { بَعْدَ الرسل } أي بعد إرسالهم وتبليغ الشريعة على ألسنتهم ظرف لحجة ، وجوز أن يكون صفة لها لأن ظرف الزمان يوصف به المصادر كما يخبر به عنها { وَكَانَ الله عَزِيزاً } لا يغالب في أمر يريده . { حَكِيماً } في جميع أفعاله ، ومن قضية ذلك الامتناع عن إجابة مسألة المتعنتين ، وقطع الحجة بإرسال الرسل وتنوع الوحي إليهم والإعجاز ، وقيل : عزيزاً في عقاب الكفار حكيماً في الإعذار بعد تقدم الإنذار كأنه بعد أن سألوا إنزال كتاب الله تعالى .
لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166)
{ لكن الله يَشْهَدُ } بتخفيف النون ورفع الجلالة . وقرأ السليمي بتشديد النون ونصب الجلالة ، وهو استدراك عن مفهوم ما قبله كأنهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم إنزال كتاب من السماء وتعنتوا ورد عليهم بقوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ النساء : 163 ] الخ قيل : إنهم لا يشهدون لكن الله يشهد . وحاصل ذلك إن لم تلزمهم الحجة ويشهدوا لك فالله تعالى يشهد ، وقيل : إنه سبحانه لما شبه الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم بالإيحاء إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أوهم ذلك التشبيه مزية الإيحاء إليهم ، فاستدرك عنه بأن للإيحاء إليك مزية شهادة الله تعالى { بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } أي بحقية الذي أنزله إليك وهو القرآن ، فالجار والمجرور متعلق بيشهد والباء صلة والمشهود به هو الحقية ، ويجوز أن يكون المشهود به هو النبوة وتعلق بما أنزل تعلق الآلية أي يشهد بنبوتك بسبب ما أنزل إليك لدلالته بإعجازه على صدقك ونبوتك ، ولعل مآل المعنى ومؤداه واحد فإن شهادته سبحانه بحقية ما أنزله من القرآن بإظهار المعجز المقصود منه إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم ، وأخرج البيهقي في «الدلائل» وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام لهم : إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله فقالوا : ما نعلم ذلك فنزلت : { لكن الله يَشْهَدُ } " وفي رواية ابن جرير عنه «أنه لما نزل { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ النساء : 163 ] قالوا : ما نشهد لك فنزل { لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } ، وقرىء { أَنَزلَ } على البناء للمفعول . (4/317)
{ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } ذكر فيه أربعة أوجه : الأول : أن يكون المعنى أنزله بعلمه الخاص به الذي لا يعلمه غيره سبحانه ، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان ، واختاره جماعة من المفسرين ، والثاني : أن يكون المعنى أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك لقيامك فيه بالحق ودعائك الناس إليه ، واختاره الطبرسي والثالث : أن يكون المعنى أنزله بما علم من مصالح العباد مشتملاً عليه ، والرابع : أن يكون المعنى أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة ، والعلم على الوجه الأول قيل : بمعنى المعلوم ، والمراد به التأليف والنظم المخصوص وليس من جعل العلم مجازاً عن ذلك ولو جعل عليه العلم بمعناه المصدري ، والباء للملابسة ويكون تأليفه بياناً لتلبسه لا للعلم نفسه صح لكن فيه تجوز من جهة أن التأليف ليس نفس التلبس بل أثره ، ويحتمل على هذا أن تكون الباء للآلية كما يقال : فعله بعلمه إذا كان متقناً وعلى ما ينبغي ، فيكون وصفاً للقرآن بكمال الحسن والبلاغة ، وأما على الوجه الثاني والثالث فالعلم بمعناه ، أو هو في الثالث بمعنى المعلوم ، والظرف حال من الفاعل أو المفعول ، ومتعلق العلم مختلف وهو أنك أهل لإنزاله أو مصالح العباد ، وظاهر كلام البعض أنه على الثاني حال من الفاعل ، وعلى الثالث من المفعول ، وجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً مطلقاً أي إنزالاً متلبساً بعلمه ، وموقع الجملة على الأول موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة على ما نص عليه الزمخشري ، وعلى الوجهين موقع التقرير والبيان للصلة ، وقيل : إنها في الأوجه الثلاثة كالتفسير لأنزل إليك لأنها بيان لإنزاله على وجه مخصوص ، وأما على الوجه الرابع فقد ضمن العلم بمعنى الرقيب والحافظ ، والظرف حال من الفاعل ، ويكون { أَنزَلَهُ } تكريراً ليعلق به ما علق أو كما قيل ، ولم يعتبر بعضهم هذا الوجه لأنه لا مساس له بهذا المقام ، وقيل : إن فيه تعظيماً لأمر القرآن بحفظه من شياطين الجن المشعر بحفظه أيضاً من شياطين الإنس فتكون الجملة حينئذ كالتفسير للشهادة أيضاً ، وقرىء نزله .
{ والملئكة يَشْهَدُونَ } أيضاً بما شهد الله تعالى به لأنهم تبع له سبحانه في الشهادة ، والجملة عطف على ما قبلها ، وقيل : حال من مفعول { أَنزَلَهُ } أي أنزله والملائكة يشهدون بصدقه وحقيته ، وجعل بعضهم شهادة الملائكة على صدقه صلى الله عليه وسلم في دعواه بإتيانهم لإعانته عليه الصلاة والسلام في القتال ظاهرين كما كان في غزوة بدر ، وأياً مّا كان فيشهدون من الشهادة ، وذكر أنه على الوجه الرابع من الشهود للحفظ { وكفى بالله شَهِيداً } على ما شهد به لك حيث نصب الدليل وأوضح السبيل وأزال الشبه وبالغ في ذلك على وجه لا يحتاج معه إلى شهادة غيره عز وجل . (4/318)
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول } أي لا يحب أن يهتك العبد ستره إذا صدرت منه هفوة أو اتفقت منه كبوة { إَلاَّ مَن ظَلَمَ } [ النساء : 148 ] أي إلا جهر من ظلمته نفسه برسوخ الملكات الخبيثة فيه فإنه مأذون له بإظهار ما فيه من تلك الملكات وعرضها على أطباء القلوب ليصفوا له دواءها ، وقيل : لا يحب الله تعالى إفشاء سر الربوبية وأظهار مواهب الألوهية ، أو كشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب إلا من ظلم بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني أنا الحق وسبحاني ما أعظم شأني ، وفي تسمية تلك الغلبة ظلماً خفاء لا يخفى . وفي ظاهر الآية بشارة عظيمة للمذنبين حيث بين سبحانه أنه لا يرضى بهتك الستر إلا من المظلوم فكيف يرضى سبحانه من نفسه أن يهتك ستر العاصين وليسوا بظالميه جلّ جلاله ، وإنما ظلموا أنفهسم كما نطق بذلك الكتاب { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } هؤلاء قوم احتجبوا بالجمع عن التفصيل ، فأنكروا الرسل لتوهمهم وحدة منافية للكثرة وجمعاً مبايناً للتفصيل ، ومن هنا عطلوا الشرائع وأباحوا المحرمات وتركوا الصلوات { وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك } أي الإيمان بالكل جمعاً وتفصيلاً والكفر بالكل
{ سَبِيلاً } [ النساء : 150 ] أي طريقاً { أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } المحجوبون { حَقّاً } [ النساء : 151 ] بذواتهم وصفاتهم لأن معرفتهم وهم وغلط ، وتوحيدهم زندقة وضلال ، ولقتل واحد منهم أنفع من قتل ألف كافر حربي على ما أشار إليه حجة الإسلام الغزالي قدس سره { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } وهم المؤمنون جمعاً وتفصيلاً لا يحجبهم جمع عن تفصيل ولا تفصيل عن جمع كالسادة الصادقين من أهل الوحدة { أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } من الجنات الثلاث { وَكَانَ الله غَفُوراً } يستر ذواتهم وصفاتهم { رَّحِيماً } [ النساء : 152 ] يرحمهم بالوجود الموهوب الحقاني والبقاء السرمدي { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء } أي علماً يقينياً بالمكاشفة من سماء الروح { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً } أي طلبوا المشاهدة ولا شك أنها أكبر وأعلى من المكاشفة { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } أي استولت عليهم نار الأنانية وأهلكت استعدادهم بظلمهم وهو طلبهم المشاهدة مع بقاء ذواتهم { ثُمَّ اتخذوا العجل } أي عجل الشهوات الذي صاغه لهم سامري النفس الأمارة { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } الرادعة لهم عن ذلك { وآتينا موسى سلطاناً مبيناً } [ النساء : 153 ] وهو سطوع نور التجلي من وجهه حتى احتاج إلى أن يستر وجهه بالبرقع رحمة بخفافيش أمته { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور } أي جعلناه مستولياً عليهم { بميثاقهم } أي بسبب أن يعطوا الميثاق ، وأشير بالطور إلى موسى عليه السلام ، أو إلى العقل ورفعه فوقهم تأييده بالأنوار الإلهية { وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الباب } أي باب السير والسلوك الموصل إلى حضيرة القدس وملك الملوك { سُجَّدًا } [ النساء : 154 ] خضعاً متذللين ، وقوله تعالى : { بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } [ النساء : 158 ] أشير به على ما ذكره بعض القوم والعهدة عليه إلى اتصال روحه عليه السلام بالعالم العلوي عند مفارقته للعالم السفلي ، وذلك الرفع عندهم إلى السماء الرابعة لأن مصدر فيضان روحه عليه السلام روحانية فلك الشمس الذي هو بمثابة قلب العالم ، ولما لم يصل إلى الكمال الحقيقي الذي هو درجة المحبة لم يكن له بدّ من النزول مرة أخرى في صورة جسدانية ، يتبع الملة المحمدية لنيل تلك الدرجة العلية ، وحينئذ يعرفه كل أحد فيؤمن به أهل الكتاب أي أهل العلم العارفين بالمبدأ والمعاد كلهم عن آخرهم قبل موته عليه السلام بالفناء بالله عز وجل ، فإذا آمنوا به يكون يوم القيامة أي يوم بروزهم عن الحجب الجسمانية وانتباههم عن نوم الغفلة شهيداً ، وذلك بأن يتجلى الحق عليهم في صورته { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } وهو عبادتهم عجل الشهوات واتخاذه إلهاً وامتناعهم عن دخول باب حضيرة القدس واعتدائهم في السبت بمخالفة الشرع الذي هو المظهر الأعظم والاحتجاب عن كشف توحيد الأفعال ونقضهم ميثاق الله تعالى واحتجابهم عن توحيد الصفات الذي هو كفر بآيات الله تعالى إلى غير ذلك من المساوي : (4/319)
مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق (4/320)
{ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات } عظيمة جليلة وهي ما في الجنات الثلاث { أُحِلَّتْ لَهُمْ } بحسب استعدادهم لولا هذه الموانع { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله } أي طريقه الموصلة إليه سبحانه { كَثِيراً } [ النساء : 160 ] أي خلقاً كثيراً وهي القوى الروحانية { وَأَخْذِهِمُ الربا } وهو فضول العلم الرسمي الجدلي الذي هو كشجرة الخلاف لا ثمرة له ، وكاللذات البدنية والحظوظ النفسانية { وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } لما أنه الحجاب العظيم { وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل } [ النساء : 161 ] أي استعمال علوم القوى الروحانية في تحصيل الخسائس الدنيوية ، أو أخذ ما في أيدي العباد برذيلة الحرص والطمع { لكن الراسخون فِى العلم } المستقيمون في السماع الخاص من الله سبحانه من غير معارضة النفوس واضطراب الأسرار { والمؤمنون } بالإيمان العياني حال كونهم { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } من الأحكام الشرعية والأسرار الإلهية { والمقيمين الصلاة } على أكمل وجه { والمؤتون الزكواة } ببذل قوامهم في أصناف الطاعة { والمؤمنون بالله واليوم الاخر } أي بالمبدأ والمعاد ، والمراد من المتعاطفات طائفة واحدة كما قدمنا { أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 162 ] لا يقادر قدره فيما أعدّ لهم من الجنات { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ } [ النساء : 163 ] الآية التشبيه على حد التشبيه في قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } [ البقرة : 183 ] على قول : { رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ } بتجليات اللطف { وَمُنذِرِينَ } بتجليات القهر { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } أي لئلا يكون لهم ظهور وسلطنة بعد ما محى ذلك بأمداد الرسل { وَكَانَ الله عَزِيزاً } فيمحو صفاتهم ويفني ذواتهم { حَكِيماً } [ النساء : 165 ] فيفيض عليهم من صفاته ويبقيهم في ذاته حسبما تقتضيه الحكمة { لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } لتجليه فيه سبحانه { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } أي متلبساً بعلمه المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض . ومن هنا علم صلى الله عليه وسلم ما كان وما هو كائن { والملئكة } هم أصحاب النفوس القدسية { يَشْهَدُونَ } أيضاً لعدم احتجابهم { وكفى بالله شَهِيداً } [ النساء : 166 ] لأنه الجامع ولاموجود غيره ، والله تعالى الموفق للصواب .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167)
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } بما أنزل إليك ، أو بكل ما يجب الإيمان به ويدخل ذلك فيه دخولاً أولياً ، والمراد بهم اليهود ، وكأن الجملة لبيان حكم الله سبحانه فيهم بعد بيان حالهم وتعنتهم { وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } أي دين الإسلام من أراد سلوكه بإنكارهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم : لا نعرفه في كتابنا ، وأن شريعة موسى عليه السلام لا تنسخ ، وأن الأنبياء لا يكونون إلا من أولاد هارون وداود عليهما السلام . وقرىء { *صدوا } بالبناء للمفعول { الله قَدْ ضَلُّواْ } بالكفر والصد { ضلالا بَعِيداً } لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال ولأن المضل يكون أقوى وأدخل في الضلال وأبعد عن الانقلاب عنه . (4/321)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168)
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } بما ذكر آنفاً { وَظَلَمُواْ } محمداً صلى الله عليه وسلم بإنكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة ، أو الناس بصدهم لهم عن الصراط المستقيم ، والمراد إن الذين جمعوا بين الكفر وهذا النوع من الظلم . { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } لاستحالة تعلق المغفرة بالكافر ، والآية في اليهود على الصحيح ، وقيل : إنها في المشركين وما قبلها في اليهود ، وزعم بعضهم أن المراد من الظلم ما ليس بكفر من سائر أنواع الكبائر ، وحمل الآية على معنى إن الذين كان بعضهم كافرين ، وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر لم يكن الخ ، ولا يخفى أن ذلك عدول عن الظاهر لم يدع إليه إلا اعتقاد أن العصاة مخلدون في النار تخليد الكفار ، والآية تنبو عن هذا المعتقد ، فإنه قد جعل فيها الفعلان كلاهما صلة للموصول فيلزم وقوع الفعلين جميعاً من كل واحد من آحاده ، الا تراك إذا قلت : الزيدون قاموا فقد أسندت القيام إلى كل واحد من آحاد الجمع ، فكذلك لو عطفت عليه فعلاً آخر لزم فيه ذلك ضرورة ، وسياق الآية أيضاً يأبى ذلك المعنى لكن لم يزل ديدن المعتزلة اتباع الهوى فلا يبالون بأي واد وقعوا { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً } . (4/322)