صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
بالتخفيف والتشديد { فَإِنِ اعتزلوكم } ولم يتعرضوا لكم { فَلَمْ يقاتلوكم } مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله تعالى { وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم } أي الصلح فانقادوا واستسلموا ، وكان إلقاء السلم استعارة لأن من سلم شيئاً ألقاه وطرحه عند المسلم له ، وقرىء بسكون اللام مع فتح السين وكسرها { فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ، وفي نفي جعل السبيل مبالغة في عدم التعرض لهم لأن من لا يمر بشيء كيف يتعرض له . وهذه الآيات منسوخة الحكم بآية براءة { فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره . (4/176)
سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)
{ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } هم أناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم ويأمنوا قومهم فأبى الله تعالى ذلك عليهم قاله ابن عباس ومجاهد وقيل : الآية في حق المنافقين { كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة } أي دعوا إلى الشرك كما روي عن السدي وقيل : إلى قتال المسلمين { أُرْكِسُواْ فِيِهَا } أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه ، يروى عن ابن عباس أنه كان الرجل يقول له قومه : بماذا آمنت؟ فيقول : آمنت بهذا القرد والعقرب والخنفساء { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } بالكف عن التعرض لكم بوجه مّا { وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم } أي ولم يلقوا إليكم الصلح والمهادنة { وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } أي ولم يكفوا أنفسهم عن قتالكم . (4/177)
{ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ } أي وجدتموهم وأصبتموهم حيث تمكنتم منهم ، وعن بعض المحققين إن هذه الآية مقابلة للآية الأولى ، وبينهما تقابل إما بالإيجاب والسلب ، وإما بالعدم والملكة لأن إحداهما عدمية والأخرى وجودية وليس بينهما تقابل التضاد ولا تقابل التضايف لأنهما على ما قرروا لا يوجدان إلا بين أمرين وجوديين فقوله سبحانه : { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } مقابل لقوله تعالى : { فَإِنِ اعتزلوكم } [ النساء : 90 ] وقوله جل وعلا : { وَيُلْقُواْ } مقابل لقوله عز شأنه : { وَأَلْقَوْاْ } [ النساء : 90 ] وقوله جل جلاله : { وَيَكُفُّواْ } مقابل لقوله عز من قائل : { فَلَمْ يقاتلوكم } [ النساء : 90 ] والواو لا تقتضي الترتيب ، فالمقدم مركب من ثلاثة أجزاء في الآيتين ، وهي في الآية الأولى الاعتزال وعدم القتال وإلقاء السلم فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط ، وجزاؤه عدم التعرض لهم بالأخذ والقتل كما يشير إليه قوله تعالى : { فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } [ النساء : 90 ] وفي الآية الثانية عدم الاعتزال وعدم إلقاء السلم وعدم الكف عن القتال ، فبهذه الأجزاء الثلاثة تم الشرط ، وجزاؤه الأخذ والقتل المصرح به بقوله سبحانه : { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم } . ومن هذا يعلم أن { وَيَكُفُّواْ } بمعنى لم يكفوا عطف على المنفي لا على النفي بقرينة سقوط النون الذي هو علامة الجزم ، وعطفه على النفي والجزم بأن الشرطية لا يصح لأنه يستلزم التناقض لأن معنى { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } إن لم يكفوا ، وإذا عطف { وَيَكُفُّواْ } على النفي يلزم اجتماع عدم الكف والكف ، وكلام الله تعالى منزه عنه ، وكذا لا يصح كون قوله سبحانه : { وَيَكُفُّواْ } جملة حالية أو استئنافية بيانية أو نحوية لاستلزام كل منهما التناقض مع أنه يقتضي ثبوت النون في { *يكفوا } على ما هو المعهود في مثله ، وأبو حيان جعل الجزاء في الأول : مرتباً على شيئين وفي الثانية : على ثلاثة ، والسر في ذلك الإشارة إلى مزيد خباثة هؤلاء الآخرين ، وكلام العلامة البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله في هذا المقام لا يخلو عن تعقيد ، وربما لا يوجد له محمل صحيح إلا بعد عناية وتكلف فتأمل جداً { ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ } الموصوفون بما ذكر من الصفات الشنيعة . { جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً } أي حجة واضحة فيما أمرناكم به في حقهم لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وخباثتهم ، أو تسلطاً لا خفاء فيه من حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم .
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } شروع في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين والمنافقين ، وقيل : لما رغب سبحانه في قتال الكفار ذكر إثره ما يتعلق بالمحاربة في الجملة أي ما صح له وليس من شأنه { أَن يَقْتُلَ } بغير حق { مُؤْمِناً } فإن الإيمان زاجر عن ذلك { إِلاَّ خَطَئاً } فإنه مما لا يكاد يحترز عنه بالكلية وقلما يخلو المقاتل عنه ، وانتصابه إما على أنه حال أي ما كان له أن يقتل مؤمناً في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ ، أو على أنه مفعول له أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ ، أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ فالاستثناء في جميع ذلك مفرغ وهو استثناء متصل على ما يفهمه كلام بعض المحققين ، ولا يلزم جواز القتل خطأ شرعاً حيث كان المعنى أن من شأن المؤمن أن لا يقتل إلا خطأ . وقال بعضهم : الإستثناء في الآية منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر ، وقيل : إلا بمعنى ولا ، والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ ، وقيل : الإستثناء من مؤمن أي إلا خاطئاً ، والمختار مع الفصل الكثير في مثل ذلك النصب ، والخطأ ما لا يقارنه القصد إلى الفعل أو الشخص ، أو لا يقصد به زهوق الروح غالباً ، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه ، وقرىء خطاء بالمد وخطا بوزن عمى بتخفيف الهمزة ، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل والحرث بن هشام لأمهما أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحب ولد أمه إليها فشق ذلك عليها فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه ، فأقبل أبو جهل والحرث حتى قدما المدينة فأخبرا عياشاً بما لقيت أمه ، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع وأعطياه موثقاً أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمداً إليه فشداه وثاقاً وجلداه نحواً من مائة جلدة ، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه فقدما به مكة فلم يزل محبوساً حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم ، وعياش لا يعلم بإسلامه فضربه حتى قتله فأخبر بعد بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فنزلت ، وروي مثل ذلك عن مجاهد وعكرمة . (4/178)
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد
" أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلاً من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف ، فقال : لا إله إلا الله فبدر فضربه ، ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟ا فقال : كيف بي يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام : فكيف بلا إلا إلا الله؟ا وتكرر ذلك قال أبو الدرداء فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إسلامي ثم نزل القرآن " (4/179)
{ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي فعليه ( أي فواجبة ) تحرير رقبة والتحرير الإعتاق؛ وأصل معناه جعله حراً أي كريماً لأنه يقال لكل مكرم حر ، ومنه حر الوجه للخد وأحرار الطير ، وكذا تحرير الكتاب من هذا أيضاً ، والمراد بالرقبة النسمة تعبيراً عن الكل بالجزء ، قال الراغب : إنها في المتعارف للمماليك كما يعبر بالرأس والظهر عن المركوب ، فيقال : فلان يربط كذا رأساً وكذا ظهراً { مُؤْمِنَةٍ } محكوم بإيمانها وإن كانت صغيرة ، وإلى ذلك ذهب عطاء ، وعن ابن عباس والشعبي وإبراهيم والحسن لا يجزىء في كفارة القتل الطفل ولا الكافر ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال في حرف أبي : ( فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي ) ، وفي الآية رد على من زعم جواز عتق كتابي صغير أو مجوسي كبير أو صغير ، واستدل بها على عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حسب الميراث ، فقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة» عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال : كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها ، ويقضي منها الدين وتنفذ الوصية ولا فرق بينها وبين سائر التركة ، وعن شريك لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية . وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها؛ وذلك خلاف قول الجماعة ، وتجب الرقبة في مال القاتل ، والدية تتحملها عنه العاقلة ، فإن لم تكن فهي في بيت المال ، فإن لم يكن ففي ماله .
{ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } أي يتصدق أهله عليه ، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه ، وقد أخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كل معروف صدقة " وهو متعلق بعليه قبل ، أو بمسلمة أي فعليه الدية أو يسلمها في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بها فحينئذ تسقط ولا يلزم تسليمها ، وليس فيه كما قيل دلالة على سقوط التحرير حتى يلزم تقدير عليه آخر قبل قوله : { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } فالمنسبك في محل نصب على الإستثناء ، وقال الزمخشري : إن المنسبك في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف ، وتعقبه أبو حيان بأن كلا التخريجين خطأ لأن { ءانٍ } والفعل لا يجوز وقوعهما حالاً ، ولا منصوباً على الظرفية كما نص عليه النحاة وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع { ءانٍ } وصلتها موقع ظرف الزمان بقوله :
فقلت لها لا تنكحيه فإنه ... لأول سهم ( أن ) يلاقي مجمعا (4/180)
أي لأول سهم زمان ملاقاته ، وابن مالك كما قال السفاقسي يقدر في الآية والبيت حرف الجر أي بأن يصدقوا وبأن يلاقي ، وقرأ أبي إلا أن يتصدقوا .
{ فَإن كَانَ } أي المقتول خطأ { مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } أي كفار يناصبونكم الحرب { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه بأن أتاهم بعد ( أن أسلم ) لمهم ، أو بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم ، والآية نزلت كما قال ابن جبير في مرداس بن عمرو لما قتله خطأ أسامة بن زيد { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } أي فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ وراثة بينه وبين أهله { وَإِن كَانَ } أي المقتول المؤمن ما روي عن جابر بن زيد { مِن قَوْمٍ } كفار { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق } أي عهد مؤقت أو مؤبد { فِدْيَةٌ } أي فعلى قاتله دية { مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } من أهل الإسلام إن وجدوا ، ولا تدفع إلى ذوي قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين إذ لا يرث الكافر المسلم ، ولعل تقديم هذا الحكم كما قيل مع تأخير نظيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشياً عن توهم نقض الميثاق { وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } كما هو حكم سائر المسلمين ، ولعل إفراده بالذكر ما قيل أيضاً مع اندراجه في حكم ما سبق في قوله سبحانه : { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً } الخ لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما منعه كونه بين المحاربين . وقيل : المراد بالمقتول هنا أحد أولئك القوم المعاهدين فيلزم قاتله تحرير الرقبة ، وأداء الدية إلى أهله المشركين للعهد الذي بيننا وبينهم ، وروي ذلك عن ابن عباس والشعبي وأبي مالك ، واستدل بها على أن دية المسلم والذمي سواء لأنه تعالى ذكر في كل الكفارة والدية فيجب أن تكون ديتهما سواءاً كما أن الكفارة عنهما سواء . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم؛ وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن دية أهل الكتاب كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم النصف من دية المسلمين وبذلك أخذ مالك .
وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشرها ، وزعم بعضهم وجوب الدية أيضاً فيما إذا كان المقتول من قوم عدو لنا وهو مؤمن لعموم الآية الأولى ، وأن السكوت عن الدية في آيته لا ينفيها ، وإنما سكت عنها لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهله لأنهم كفار بل تكون لبيت المال ، فأراد أن يبين بالسكوت أن أهله لا يستحقون شيئاً ، وقال آخرون إن الدية تجب في المؤمن إذا كان من قوم معاهدين ، وتدفع إلى أهله الكفار وهم أحق بديته لعهدهم ، ولعل هؤلاء لا يعدون ذلك إرثاً إذ لا يرث الكافر ولو معاهداً المسلم كما برهن عليه . (4/181)
{ الهدى فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن { فَصِيَامُ } أي فعليه صيام { شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } قال مجاهد : لا يفطر فيهما ولا يقطع صيامهما ، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامهما جميعاً ، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما ، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستين مسكيناً لكل مسكين مدّ ، رواه ابن أبي حاتم . وأخرج عنه أيضاً أنه قال : فمن لم يجد دية أو عتاقة فعليه الصوم ، وبه أخذ من قال : إن الصوم لفاقد الدية والرقبة يجزيه عنهما ، والاقتصار على تقدير الرقبة مفعولاً هو المروي عن الجمهور وأخرج ابن جرير عن الضحاك أنه قال : الصيام لمن لم يجد رقبة ، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء ، ثم قال وهو الصواب لأن الدية في الخطأ على العاقلة والكفارة على القاتل ، فلا يجزىء صوم صائم عما لزم غيره في ماله ، واستدل بالآية من قال : إنه لا إطعام في هذه الكفارة ، ومن قال : ينتقل إليه عند العجز عن الصوم قاسه على الظهار وهو أحد قولين للشافعي رحمه الله تعالى ، وبذكر الكفارة في الخطأ دون العمد ، من قال : أن لا كفارة في العمد ، والشافعي يقول : هو أولى بها من الخطأ { تَوْبَةً } نصب على أنه مفعول له أي شرع لكم ذلك توبة أي قبولاً لها من تاب الله تعالى عليه إذا قبل توبته ، وفيه إشارة إلى التقصير بترك الاحتياط . وقيل : التوبة هنا بمعنى التخفيف أي شرع لكم هذا تخفيفاً عليكم ، وقيل : إنه منصوب على الحالية من الضمير المجرور في عليه بحذف المضاف أي فعليه صيام شهرين حال كونه ذا توبة ، وقيل : على المصدرية أي تاب عليكم توبة ، وقوله سبحانه : { مِنَ الله } متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة أي توبة كائنة من الله تعالى . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بجميع الأشياء التي من جملتها حال هذا القاتل { حَكِيماً } في كل ما شرع وقضى من الأحكام التي من جملتها ما شرع وقضى في شأنه .
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)
{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } بأن يقصد قتله بما يفرق الأجزاء ، أو بما لا يطيقه ألبتة عالماً بإيمانه ، وهو نصب على الحال من فاعل { يُقْتَلُ } . وروي عن الكسائي أنه سكن التاء وكأنه فر من توالي الحركات { فَجَزَاؤُهُ } الذي يستحقه بجنايته { جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا } أي ماكثاً إلى الأبد ، أو مكثاً طويلاً إلى حيث شاء الله تعالى ، وهو حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل : فجزاؤه أن يدخل جهنم خالداً . وقال أبو البقاء : هو حال من الضمير المرفوع أو المنصوب في يجزاها المقدر ، وقيل : هو المنصوب لا غير ويقدر جازاه ، وأيد بأنه أنسب بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغة ، ومنع جعله حالاً من الضمير المجرور في { فَجَزَاؤُهُ } لوجهين ، أحدهما : أنه حال من المضاف إليه ، وثانيهما : أنه فصل بين الحال وذيها بخبر المبتدأ ، وقوله سبحانه : { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ } عطف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل : بطريق الاستئناف تقريراً لمضمونها حكم الله تعالى بأن جزاءه ذلك وغضب عليه أي انتقم منه على ما عليه الأشاعرة { وَلَعَنَهُ } أي أبعده عن رحمته بجعل جزائه ما ذكر ، وقيل : هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير أن وحمل الماضي على معنى المستقبل أي فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله تعالى عليه الخ { وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } لا يقادر قدره . (4/182)
والآية كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني أنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية فلما جاءهم الرسول قالوا : السمع والطاعة لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم والله تعالى ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدّي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه ، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة ، وبينهما ساعة عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله وارتد عن الإسلام ، وفي رواية أنه ضرب به الأرض وفضخ رأسه بين حجرين وركب جملاً من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة ، وهو يقول في شعر له :
قتلت به فهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب ( قارع )
وأدركت ثأري واضجعت موسدا ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
فنزلت هذه الآية مشتملة على إبراق وإرعاد وتهديد وإبعاد ، وقد تأيدت بغير ما خبر ورد عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج أحمد والنسائي عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل ذنب عسى الله تعالى أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً ، وأخرج ابن المنذر عن أبي الدرداء مثله ، وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أعان على دم امرىء مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله تعالى " ، وأخرجا عن البراء بن عازب " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار " ، وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار ، وإن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر " ، واستدل بذلك ونحوه من القوارع المعتزلة على خلود من قتل مؤمناً متعمداً في النار ، وأجاب بعض المحققين بأن ذلك خارج مخرج التغليظ في الزجر لا سيما الآية لاقتضاء النظم له فيها كقوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ } [ آل عمران : 97 ] في آية الحج ، وقول صلى الله عليه وسلم للمقداد بن الأسود كما في «الصحيحين» حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب " لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال " ، وعلى ذلك يحمل ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نازلت ربي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى عليَّ " وما أخرجه عن سعيد بن عينا أنه قال : «كنت جالساً بجنب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة؟ فقال : لا والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط2 . (4/183)
وشاع القول بنفي التوبة عن ابن عباس ، وأخرجه غير واحد عنه وهو محمول على ما ذكرنا ، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول : لمن قتل مؤمناً توبة فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمناً توبة؟ قال : لا إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه : ما كنت هكذا تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم؟ا قال : إني أظنه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك ، وكان هذا أيضاً شأن غيره من الأكابر فقد قال سفيان : كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له فإذا ابتلى رجل قالوا له : تب ، وأجاب آخرون بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم ، وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله أنه قال : ( فجزاؤه جهنم إن هو جازاه ) ، وروي مثله بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل : وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه لم يكن ذلك منه كذباً ، والأصل في هذا على ما قال الواحدي : إن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد ، وبهذا وردت السنة ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو منجزه له ، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار " «ومن أدعية الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم : يا من إذا وعد وفا ، وإذا توعد عفا» ، وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد ، ولم تعده نقصاً كما يدل عليه قوله : (4/184)
وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر ، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب لإظهار الكرم ، فلم لا يجوز في القصص والأخبار لغرض من الأغراض ، وفتح ذلك الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها .
/ والقائلون بالعفو عن بعض المتوعدين منهم من زعم أن آيات الوعيد إنشاء ، ومنهم من قال : إنها أخبار إلا أن هناك شرطاً محذوفاً للترهيب فلا خلف بالعفو فيها ، وقال شيخ الإسلام : «والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه ( بذلك ) كيف لا وقد قال عز وجل : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] ولو كان هذا إخباراً بأنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه : { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] وهذا مأخوذ من كلام أبي صالح وبكر بن عبد الله ، واعترضه أبو علي الجبائي بأن ما لا يفعل لا يسمى جزاءاً ألا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة فالدراهم التي عند مستأجره لا تسمى جزاءاً ما لم تعط له وتصل إليه؟ وتعقبه الطبرسي «بأن هذا لا يصح لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل أم لم يفعل ، ولهذا يقال : جزاء المحسن الإحسان وجزاء المسيء الإساءة ، وإن لم يتعين المحسن والمسيء حتى يقال : فعل ذلك معهما أو لم يفعل ، ويقال لمن قتل غيره : جزاء هذا أن يقتل ، ( وهو كلام صادق وإن لم يفعل القتل ) وإنما لا يقال للدراهم : إنها جزاء الأجير لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة لا في الدراهم المعينة ، فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها» .
واعترض بأنا سلمنا أنه لا يلزم في الجزاء أن يفعل إلا أن كثيراً من الآيات كقوله تعالى : { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } [ النساء : 123 ] { وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } [ الزلزلة : 8 ] يدل على أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين ألبتة ، وفي الآية ما يشير إليه؛ ولا يخفى ما فيه لأن الآيات التي فيها أنه تعالى يوصل الجزاء إلى مستحقه كلها في حكم آيات الوعيد والعفو فيه جائز ، فلا معنى للقول بالبت ، ومن هنا قيل : إن الآية لا تصلح دليلاً للمعتزلة مع قوله تعالى : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] . (4/185)
وقد أخرج البيهقي عن قريش بن أنس قال : «كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول : يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالى فيقول لي : لم قلت : إن القاتل في النار؟ فأقول أنت قلته ثم تلا هذه الآية { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً } الخ فقلت له : وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال لك فإني قد قلت : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ قال : فما استطاع أن يرد عليَّ شيئاً» ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال : «جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر فسمعتهم يقولون لما نزلت { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً } الآية : قال المهاجرون والأنصار وجبت لمن فعل هذا النار حتى نزلت { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الخ ، فقال المهاجرون والأنصار يصنع الله تعالى ما شاء» وبآية المغفرة ردّ ابن سيرين على من تمسك بآية الخلود وغضب عليه وأخرجه من عنده وكون آية الخلود بعد تلك الآية نزولاً بستة أشهر ، أو بأربعة أشهر كما روي عن زيد بن ثابت لا يفيد شيئاً ، ودعوى النسخ في مثل ذلك مما لا يكاد يصح كما لا يخفى ، وأجاب بعض الناس بأن حكم الآية إنما هو للقاتل المستحل وكفره مما لا شك فيه فليس ذلك محلاً للنزاع ، ويدل عليه أنها نزلت في الكناني حسبما مرت حكايته ، وقد روى عن عكرمة وابن جريج وجماعة أنهم فسروا { مُّتَعَمّداً } بمستحيلاً؛ واعترض بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وبأن تفسير المتعمد بالمستحل مما لا يكاد يقبل إذ ليس هو معناه لغة ولا شرعاً فإن التزم المجاز فلا دليل عليه وسبب النزول لا يصلح أن يكون دليلاً لما علمت الآن على أنه يفوت التقابل بين هذا القتل المذكور في هذه الآية والقتل المذكور في الآية السابقة وهو الخطأ الصرف ، وقيل : إن الاستحلال يفهم من تعليق القتل بالمؤمن لأنه مشتق؛ وتعليق الحكم بالمشتق يفيد علية مبدأ الاشتقاق ، فكأنه قيل : ومن يقتل مؤمناً لأجل إيمانه ولا شك أن من يقتله لذلك لا يكون إلا مستحلاً فلا يكون إلا كافراً فيخرج هذا القاتل عن محل النزاع وإن لم يعتبر سبب النزول ، واعترض بأن المؤمن وإن كان مشتقاً في الأصل إلا أنه عومل معاملة الجوامد ، ألا ترى أن قولك كلمت مؤمناً مثلاً لا يفهم منه أنك كلمته لأجل إيمانه؟ ولو أفاد تعليق الحكم بالمؤمن العلية لكان ضرب المؤمن وترك السلام عليه والقيام له كقتله كفراً ولا قائل به ، واعتبار الاشتقاق تارة وعدم اعتباره أخرى خارج عن حيز الاعتبار فليفهم ، ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم القتل العمد الأخروي ، ولم يذكر حكمه الدنيوي اكتفاءاً بما تقدم في آية البقرة . ( 178 ) .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)
{ خَبِيراً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } شروع في التحذير عما يوجب الندم من قتل من لا ينبغي قتله . { إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله } أي سافرتم للغزو على ما يدل عليه السباق والسياق { فَتَبَيَّنُواْ } أي فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون ولا ( تعملوا ) فيه من غير تدبر وروية ، وقرأ حمزة وعلي وخلف فتثبتوا أي فاطلبوا ثبات الأمر ولا تعجلوا فيه ، والمعنيان متقاربان ، وصيغة التفعيل بمعنى الاستقبال ، ودخلت الفاء لما في { إِذَا } من معنى الشرط كأنه قيل : إن غزوتم فتبينوا { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام } أي حياكم بتحية الإسلام ومقابلها تحية الجاهلية كأنعم صباحاً وحياك الله تعالى وقرأ حمزة وخلف وأهل الشام السلم بغير ألف ، وفي بعض الروايات عن عاصم أنه قرأ السلم بكسر السين وفتح اللام ، ومعناه في القرائتين الاستسلام والانقياد ، وبه فسر بعضعم { السلام } أيضاً في القراءة المشهورة ، واللام على ما قال السمين : للتبليغ ، والماضي بمعنى المضارع ، و ( من ) موصولة أو موصوفة ، والمراد النهي عما هو نتيجة لترك المأمور به ، وتعيين مادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين والتثبيت ، وتقييد ذلك بالسفر لأن عدم التبيين كان فيه لا لأنه لا يجب إلا فيه ، والمعنى لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه : { لَسْتَ مُؤْمِناً } وإنما فعلت ذلك خوف القتل بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه . (4/186)
وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهما وأبي جعفر القاري أنهم قرؤوا { مُؤْمِناً } بفتح الميم الثانية أي مبذولاً لك الأمان .
{ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } أي تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال وشيك الانتقال ، والجملة في موضع الحال من فاعل { تَقُولُواْ } مشعراً بما هو الحامل لهم على العجلة ، والنهي راجع إلى القيد والمقيد ، وقوله تعالى : { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } تعليل للنهي عن القيد بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل : لا تبتغوا ذلك العرض القليل الزائل فإن عنده سبحانه وفي مقدوره مغانم كثيرة يغنمكموها فيغنيكم عن ذلك ، وقوله سبحانه : { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } تعليل للنهي عن المقيد باعتبار أن المراد منه ردّ إيمان الملقي لظنهم أن الإيمان العاصم ما ظهرت على صاحبه دلائل تواطىء الباطن والظاهر ولم تظهر فيه ، واسم الإشارة إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فيه حيز الصلة ، والفاء في { فَمَنْ } للعطف على { كُنتُمْ } وقدم خبرها للقصر المفيد لتأكيد المشابهة كأنه قيل : لا تردّوا إيمان من حياكم بتحية الإسلام وتقولوا إنه ليس بإيمان عاصم ولا يعد المتصف به مؤمناً معصوماً لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة ومجرد التحية لا يدل عليه ، فإنكم كنتم أنتم في مبادىء إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها ، ولم يظهر منكم ما تظنونه شرطاً مما يدل على التواطؤ ، ومجرد أن الدخول في الإسلام لم يكن تحت ظلال السيوف لا يدل على ذلك فمنّ الله تعالى عليكم بأن قبل ذلك منكم ولم يأمر بالفحص عن تواطؤ ألسنتكم وقلوبكم ، وعصم بذلك دماءكم وأموالكم ، فإذا كان الأمر كذلك { فَتَبَيَّنُواْ } هذا الأمر ولا تعجلوا وتدبروا ليظهر لكم أن ظاهر الحال كاف في الإيمان العاصم حيث كفى فيكم من قبل ، وأخر هذا التعليل على ما قيل لما فيه من نوع تفصيل ربما يخلّ تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم مع ما فيه من مراعاة المقارنة بين التعليل السابق وبين ما علل به ، أو لأن في تقديم الأول إشارة ما إلى ميل القوم نحو ذلك العرض ، وأن سرورهم به أقوى ، ففي تقديمه تعجيل لمسرتهم ، وفيه نوع حط عليهم رفع الله تعالى قدرهم ورضي المولى عز شأنه عنهم أو لأنه أوضح في التعليل من التعليل الأخير وأسبق للذهن منه ، ولعله لم يعطف أحد التعليلين على الآخر لئلا يتوهم أنهما تعليلا شيء واحد أو أن مجموعهما علة ، وقيل : موافقة لما علل بهما من القيد والمقيد حيث لم يتمايزا بالعطف ، وقيل : إنما لم يعطف لأن الأول تعليل للنهي الثاني بالوعد بأمر أخروي لأن المعنى لا تبتغوا عرض الحياة الدنيا لأن عنده سبحانه ثواباً كثيراً في الآخرة أعده لمن لم يبتغ ذلك ، وعبر عن الثواب بالمغانم مناسبة للمقام ، والتعليل الثاني للنهي الأول ليس كذلك ، وذكر الزمخشري وغيره في الآية ما رده شيخ الإسلام بما يلوح عليه مخايل التحقيق ، وقال بعض الناس فيها : إن المعنى كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفياً بدينه في قومه خوفاً على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بدينكم حذراً من قومكم على أنفسكم ، فمنّ الله تعالى عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعدما كنتم تكتمونه من أهل الشرك فتبينوا نعمة الله تعالى عليكم ، أو تبينوا أمر من تقتلونه ، ولا يخفى أن هذا وإن كان بعضه مروياً عن ابن جبير غير واف بالمقصود على أن القول بأن المخاطبين كانوا مستخفين بدينهم حذراً من قومهم في حيز المنع اللهم إلا أن يقال : إن كون البعض كان مستخفياً كاف في الخطاب ، وقيل : إن قوله سبحانه : { فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } منقطع عما قبله ، وذلك أنه تعالى لما نهى القوم عن قتل من ذكر أخبرهم بعد بأنه منّ عليهم بأن قبل توبتهم عن ذلك الفعل المنكر ، ثم أعاد الأمر بالتبيين مبالغة في التحذير ، أو أمر بتبيين نعمته سبحانه شكراً لما منّ عليهم به وهو كما ترى .
واختلف في سبب الآية ، فأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حميد وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له فسلم عليهم فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا فعمدوا له فقتلوه وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت» . وأخرج ابن جرير عن السدي قال : «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر فآوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل عليهم فقال : السلام عليكم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيراً ويسأل عنه أصحابه ، فلما رجعوا لم يسألهم عنه فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون : يا رسول الله لو رأيت أسامة وقد لقيه رجل فقال الرجل : لا إله إلا الله محمد رسول الله فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال : كيف أنت ولا إله إلا الله؟ا فقال يا رسول الله إنما قالها متعوذاً يتعوذ بها فقال عليه الصلاة والسلام : هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ا» ثم نزلت الآية . وأخرج عن ابن زيد أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء ، وذكر من قصته مثل ما ذكر من قصة أسامة ، والاقتصار على ذكر تحية الإسلام على هذا مع أنها كانت مقرونة بكلمة الشهادة للمبالغة في النهي والزجر ، والتنبيه على كمال ظهور خطئهم ببيان أن التحية كانت كافية في المكافة والانجزار عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونة بتلك الكلمة الطيبة ، واستدل بالآية وسياقها على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد يخطىء وإن خطأه مغتفر ، وجه الدلالة على الأول أنه مع ظن القاتلين أن إسلام من ذكر لخوف القتل وهو إكراه معنى أنكر عليهم قتله فلولا صحة إسلامه لم ينكر ، ووجه الدلالة على الثاني أنه أمر فيها بالتبيين المشعر بأن العجلة خطأ . ووجه الدلالة على الثالث مأخوذ من السياق وعدم الوعيد على ترك التبيين ، وذهب بعضهم إلى أنه لا عذر في ترك التثبت في مثل هذه الأمور ، وأن المخطىء آثم ، واحتج على ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن «أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون فلقوا ناساً من العدو فحملوا عليهم فهزموهم فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاعه فلما غشيه بالسنان قال : إني مسلم إني مسلم فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام للقاتل : أقتلته بعد ما قال : إني مسلم؟ا قال : يا رسول الله إنما قالها متعوذاً قال : أفلا شققت عن قلبه؟ا قال : لم يا رسول الله؟ قال : لتعلم أصادق هو أو كاذب؟ قال : كنت عالم ذلك يا رسول الله قال عليه الصلاة والسلام : إنما كان يبين عنه لسانه إنما كان يعبر عنه لسانه ، قال : فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض ، ثم عادوا فحفروا له ، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره ، قال الحسن فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : دفناه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك لا تقبله الأرض فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجله فألقيناه في بعض تلك الشعاب» فأنزل الله تعالى قوله سبحانه : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الآية ، وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة (4/187)
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران " ووجه الدلالة في هذا على الإثم ظاهر ، وأجيب بأن هذا القاتل لعله لم يفعل ذلك لكون المقتول غير مقبول الإسلام عنده بل لأمر آخر ، واعتذر بما اعتذر كاذباً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد وابن المنذر والطبراني وجماعة عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال : «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود معه متيع له ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه فقتله وأخذ متيعة فلما قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ ، والظاهر أن الرجل المبهم في خبر الحسن هو هذا الرجل المصرح به في هذا الخبر ، وهو يدل على أن القتل كان لشيء كان في القلب من ضغائن قديمة ، وإنما قلنا : إن هذا هو الظاهر لما في خبر ابن عمر أن محلما بن جثامة لما رجع جاء النبي صلى الله عليه وسلم في بردين فجلس بين يديه عليه الصلاة والسلام ليستغفر له فقال : لا غفر الله تعالى لك ، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت ساعة حتى مات ودفنوه فلفظته الأرض فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فقال : إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله تعالى أراد أن يعظكم ، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة ، فإن الذي يميل القلب إليه اتحاد القصة ، واعترض على القول بعدم الوعيد بأ قوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } / يستفاد منه الوعيد أي أنه سبحانه لم يزل ولا يزال بكل ما تعملونه من الأعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها ، ويدخل في ذلك التثبيت وتركه دخولاً أولياً مطلع أتم اطلاع فيجازيكم بحسب ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، والجملة تعليل بطريق الاستئناف ، وقرىء بفتح { ءانٍ } على أنه معمول لتبينوا أو على حذف لام التعليل . (4/188)
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)
{ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون } شروع في الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه وليرغبوا عما يوجب خللاً فيه ، والمراد بالقاعدين الذين أذن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاءاً بغيرهم ، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هم القاعدون عن بدر؛ وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ما قيل ، وقال أبو حمزة : إنهم المتخلفون عن تبوك ، وروي أن الآية نزلت في كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف والربيع وهلال بن أمية من بني واقف حين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة . { مِنَ المؤمنين } حال من القاعدين ، وجوز أن يكون من الضمير المستتر فيه ، وفائدة ذلك الإيذان من أول الأمر بأن القعود عن الجهاد لا يقعد بهم عن الإيمان ، والإشعار بعلة استحقاقهم لما سيأتي من الحسنى أي لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد حال كونهم كائنين من المؤمنين { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } بالرفع على أنه صفة للقاعدون وهو إن كان معرفة ، و { غَيْرِ } لا تتعرف في مثل هذا الموضع لكنه غير مقصود منه قاعدون بعينهم بل الجنس ، فأشبه الجنس فصح وصفه بها ، وزعم عصام الدين إن { غَيْرِ } هنا معرفة ، و { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } بمعنى لا ضرر له . ونقل عن الرضي وبه ضعف ما تقدم أن المعرف باللام المبهم وإن كان في حكم النكرة لكنه لا يوصف بما توصف به النكرة ، بل يتعين أن تكون صفته جملة فعلية فعلها مضارع كما في قوله : (4/189)
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فأصد ثم أقول ما يعنيني
واستحسن بعضهم جعله بدلاً من { القاعدون } لأن أل فيه موصولة ، والمعروف إرادة الجنس في المعرف بالألف واللام ، وبينهما فرق ، وجوز الزجاج الرفع على الاستثناء ، وتبعه الواحدي فيه ، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على أنه حال ، وهو نكرة لا معرفة ، أو على الاستثناء ظهر إعراب ما بعده عليه ، وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين ، أو بدل منه وكون النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة أكثري لاكلي ، والضرر المرض والعلل التي لا سبيل معها إلى الجهاد ، وفي معناها أو هو داخل فيها العجز عن الأهبة ، وقد نزلت الآية وليس فيها { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } ثم نزل بعد ، فقد روى مالك عن الزهري عن خارجة بن زيد قال : قال زيد بن ثابت : «كنت أكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في كتف لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون وابن أم مكتوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا أدري قال زيد : وقلمي رطب ما جف حتى غشي النبي صلى الله عليه وسلم الوحي ووقع فخذه على فخذي حتى كادت تدق من ثقل الوحي ، ثم جلى عنه ، فقال لي : أكتب يا زيد { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } » .
{ والمجاهدون * فِى سَبِيلِ الله } في منهاج دينه { بأموالهم } إنفاقاً فيما يوهن كيد الأعداء { وَأَنفُسِهِمْ } حملاً لها على الكفاح عند اللقاء ، وكلا الجارين متعلق بالمجاهدون وأوردوا بهذا العنوان دون عنوان الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه ، وقيده بما قيده مدحاً لهم وإشعاراً بعلة استحقاقهم لعلو المرتبة مع ما فيه من حسن موقع السبيل في مقابلة القعود كما قيل ، وقيل : إنما أوردوا بعنوان الجهاد إشعاراً بأن القعود كان عنه ولكن ترك التصريح به هناك رعاية لهم في الجملة ، وقدم ( القاعدون ) على المجاهدين ولم يؤخر عنهم ليتصل التصريح بتفضيلهم بهم ، وقيل : للإيذان من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم الاستواء من جهة القاعدين لا من جهة مقابليهم ، فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصاناً وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد ، لكن المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر ، وعليه قوله تعالى : { هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور } ( الرعد؛ 16 ) إلى غير ذلك ، وأما قوله تعالى : { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة لصلة المفضول . وأنت تعلم أنه لا تزاحم في النكات وأنه قد يكون في شيء واحد جهة تقديم وجهة تأخير ، فتعتبر هذه تارة وتلك أخرى ، وإنما قدم سبحانه وتعالى هنا ذكر الأموال على الأنفس وعكس في قوله عز شأنه : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم } [ التوبة : 111 ] لأن النفس أشرف من المال فقدم المشتري النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد وأخر البائع تنبيهاً على أن المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها إلا في فائدة . (4/190)
وعلى ذلك النمط جاء أيضاً قوله تعالى : { فَضَّلَ الله المجاهدين } في سبيله { بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين } من المؤمنين غير أولي الضرر { دَرَجَةً } لا يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها ، وهذا تصريح بما أفهمه نفي المساواة فإنه يستلزم التفضيل إلى أنه لم يكتف بما فهم اعتناءاً به وليتمكن أشدّ تمكن ، ولكون الجملة مبينة وموضحة لما تقدم لم تعطف عليه ، وجوز أن تكون جواب سؤال ينساقه إليه المقال كأنه قيل : كيف وقع ذلك التفضيل؟ فقيل : فضل الله الخ ، واللام كما أشرنا إليه في الجمعين للعهد ولا يأباه كون مدخولها وصفاً كما قيل إذ كثيراً ما ترد أل فيه للتعريف كما صرح به النحاة ، و ( درجة ) منصوب على المصدر لتضمنها التفضيل لأنها المنزلة والمرتبة وهي تكون في الترقي والفضل ، فوقعت موقع المصدر كأنه قيل : فضلهم تفضيلة ، وذلك مثل قولهم : ضربته سوطاً أي ضربة ، وقيل : على الحال أي ذوي درجة ، وقيل : على التمييز ، وقيل : على تقدير حذف الجار أي بدرجة ، وقيل : هو واقع موقع الظرف أي في درجة ومنزلة ، وقوله تعالى : { وَكُلاًّ } مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيداً للوعد ، وتنوينه عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين { وَعَدَ الله } المثوبة { الحسنى } وهي الجنة كما قال قتادة وغيره لا أحدهما فقط ، وقرأ الحسن وكل بالرفع على الابتداء ، فالفعول الأول وهو العائد في جملة الخبر محذوف أي وعده ، وكأن التزام النصب في المتواترة لأن قبله جملة فعلية وبذلك خالف ما في الحديد و ( الحسنى ) على القراءتين هو المفعول الثاني ، والجملة اعتراض جيء به تداركاً لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول .
وقوله سبحانه : { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين } عطف على ما قبله ، وأغنت أل عن ذكر ما ترك على سبيل التدريج من القيود ، وإنما لم يعتبر التدريج في ترك ما ذكر مع القاعدين أولاً بأن يترك من المؤمنين فقط ، ويذكر { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } في الآية الأولى ويتركهما معاً في الآية الثانية ، بل تركهما دفعة واحدة عند أول قصد التدريج قيل : لأن قيد { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } كان بعد السؤال كما يشير إليه سبب النزول . وفي بعض أخباره أن ابن أم مكتوم لما نزلت الآية جعل يقول : أي رب أين عذري أي رب أين عذري؟؟ فنزل ذلك فانسدت باب الحاجة إليه ، وقنع السائل بذكره مرة فأسقط مع ما معه الساقط لذلك القصد دفعة ، ولا كذلك ما ذكر مع المجاهدين ، فإن الإيتان به كان عن محض الفضل والامتنان من غير سابقة سؤال فلما فتحت باب الإسقاط اعتبر فيه التدريج فرقاً بين المقامين ، وقوله تعالى : { أَجْراً عَظِيماً } مصدر مؤكد لفضل وهو وإن كان بمعنى أعطى الفضل وهو أعم من الأجر لأنه ما يكون في مقابلة أمر لكن أريد به هنا الأخص لأنه في مقابلة الجهاد ، ويجوز أن يبقى على معناه ، و { أَجْراً } مفعول به ولتضمنه معنى الإعطاء نصب المفعول أي أعطاهم زيادة على القاعدين أجراً عظيماً ، وقيل : هو منصوب بنزع الخافض أي فضلهم بأجر . وجعله صفة لقوله تعالى : (4/191)
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)
{ درجات } قدم عليها فانتصب على الحال ، ولكونه مصدراً في الأصل يستوي فيه الواحد وغيره جاز نعت الجمع به بعيد ، وجوز في { درجات } أن يكون بدلاً من { أَجْراً } [ النساء : 95 ] بدل الكل مبيناً لكمية التفضيل ، وأن يكون حالاً أي ذوي درجات ، وأن يكون واقعاً موقع الظرف أي في درجات ، وقوله سبحانه : { مِنْهُ } متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات دالة على فخامتها وعلو شأنها ، أخرج عبد بن حميد عن ابن محيرز أنه قال : هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين سنة ، وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من رضي بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد عليه الصلاة والسلام رسولاً وجبت له الجنة فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها علي يا رسول الله فأعادها عليه ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : وأخرى يرفع الله تعالى بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال : وما هي يا رسول الله؟ قال : الجهاد في سبيل الله تعالى » ، وعن السدي أنها سبعمائة ، وجوز أن يكون انتصاب درجات على المصدرية كما في قولك : ضربته أسواطاً أي ضربات ، كأنه قيل : فضلهم تفضيلات ، وجمع القلة هنا قائم مقام جمع الكثرة ، وقيل : إنه على بابه . والمراد بالدرجات ما ذكر في آية براءة { مَا كَانَ لاهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الاعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذلك } إلى قوله سبحانه : { لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ التوبة : 120 ، 121 ] ونسب إلى عبد الله بن زيد . (4/192)
وقوله عز شأنه : { وَمَغْفِرَةٌ } عطف على { درجات } الواقع بدلاً من { أَجْراً } [ النساء : 95 ] بدل الكل إلا أن هذا بدل البعض منه لأن بعض الأجر ليس من باب المغفرة ، أي ومغفرة عظيمة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا يكفرها سائر الحسنات التي يأتي بها القاعدون ، ( فحينئذ ) تعدّ من خصائصهم ، وقوله تعالى : { وَرَحْمَةً } عطف عليه أيضاً وهو بدل الكل من { أَجْراً } ، وجوز أن يكون انتصابهما بفعل مقدر أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة . هذا ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبىء عن المغايرة ، وتقييده تارة بدرجة وأخرى بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه حسبما يستدعيه الظاهر إما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيداً لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير روْماً لمزيد التحقيق والتقرير المؤذن بأن فضل المجاهدين بمحل لا تستطيع طير الأفكار الخضر أن تصل إليه ، ولما كان هذا مما يكاد أن يتوهم منه حرمان القاعدين اعتنى سبحانه بدفع ذلك بقوله عز قائلاً :
{ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } [ النساء : 95 ] ثم أراد جل شأنه تفسير ما أفاده التنكير بطريق الإبهام بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة ، فقال ما قال وسد باب الاحتمال . (4/193)
/ ولا يخفى ما في الإبهام والتفسير من اللطف ، وأما ما قيل من إفراد الدرجة أولا لأن المراد هناك تفضيل كل مجاهد ، والجمع ثانياً لأن المراد فيه تفضيل الجمع ففي الدرجات مقابلة الجمع بالجمع ، فلكل مجاهد درجة ومآل العبارتين واحد والاختلاف تفنن ، فمن الكلام الملفوظ لا من اللوح المحفوظ ، وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات ، وفي هذا رغب الراغب ، واستطيبه الطيبي على أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله تعالى عاجلاً في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيقي بكونه درجة واحدة ، وبالتفضيل الثاني ما ادخره سبحانه لهم من الدرجات العالية والمنازل الرفيعة المتعالية عن الحصر كما ينبىء عنه تقديم الأول وتأخير الثاني وتوسيط الوعد بالجنة بينهما ، كأنه قيل : فضلهم عليهم في الدنيا درجة واحدة ، وفي الأخرى درجات لا تحصى ، وقد وسط بينهما في الذكر ما هو متوسط بينهما في الوجود أعني الوعد بالجنة توضيحاً لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول كذا قرره الفاضل مولانا شيخ الإسلام ، وقيل : المراد من التفضيل الأول رضوان الله تعالى ونعيمه الروحاني ، ومن التفضيل الثاني نعيم الجنة المحسوس ، وفيه أن عطف المغفرة والرحمة يبعد هذا التخصيص ، وقيل : المراد من المجاهدين الأولين من جاهد الكفار ، ومن المجاهدين الآخرين من جاهد نفسه ، وزيد لهم في الأجر لمزيد فضلهم كما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » وفيه أن السياق وسبب النزول يأبيان ذلك ، والحديث الذي ذكره لا أصل له كما قال المحدثون . وقيل المراد من القاعدين في الأول الأضراء ، وفي الثاني غيرهم كما قال ابن جريج ، وأخرج عنه ابن جرير ، وفيه من تفكيك النظم ما لا يخفى .
بقي أن الآية لا تدل نصاً على حكم أولي الضرر بناءاً على التفسير المقبول عندنا ، نعم في بعض الأحاديث ما يؤذن بمساواتهم للمجاهدين ، فقد صح من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال : « إن في المدينة لأقواماً ما سرتم من سير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال : نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر » وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } [ النساء : 95 ] ، وعن الزجاج أنه قال : إلا أولوا الضرر فإنهم يساوون المجاهدين ، وعن بعضهم إن هذه المساواة مشروطة بشريطة أخرى غير الضرر قد ذكرت في قوله تعالى : { لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى } إلى قوله سبحانه :
{ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } ( التوبة؛ 91 ) والذي يشهد له النقل والعقل أن الأضراء أفضل من غيرهم درجة كما أنهم دون المجاهدين في الدرجة الدنيوية ، وأما إنهم مساوون لهم في الدرجة الأخروية فلا قطع به ، والآية على ما قاله ابن جريج تدل على أنهم دونهم في ذلك أيضاً . (4/194)
وقد أخرج ابن المنذر من طريق ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن ابن أم مكتوم كان بعد نزول الآية يغزو ، ويقول : ادفعوا إليَّ اللواء وأقيموني بين الصفين فإني لن أفر ، وأخرج ابن منصور عن أنس بن مالك أنه قال : لقد رأيت ابن أم مكتوم بعد ذلك في بعض مشاهد المسلمين ومعه اللواء ، ويعلم من نفي المساواة في صدر الآية المستلزم للتفضيل المصرح به بعد بين المجاهد بالمال والنفس والقاعد نفيها بين المجاهد بأحدهما والقاعد؛ واحتمال أن يراد من الآية نفي المساواة بين القاعد عن الجهاد بالمال والمجاهد به وبين القاعد عن الجهاد بالنفس والمجاهد بها بأن يكون المراد بالمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم المجاهدين فيه بأموالهم ، والمجاهدين فيه بأنفسهم وبالقاعدين أيضاً قسمي القاعد ، ويكون المراد نفي المساواة بين كل قسم من القاعد ومقابله بعيد جداً ، واحتج بها كمال قال ابن الغرس : من فضل الغنى على الفقر بناءاً على أنه سبحانه فضل المجاهد بماله على المجاهد بغير ماله ، ولا شك أن الدرجة الزائدة من الفضل للمجاهد بماله إنما هي من جهة المال ، واستدلوا بها أيضاً على تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديوان ونحوه { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } تذييل مقرر لما وعد سبحانه من قبل .
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)
{ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة } بيان لحال القاعدين عن الهجرة إثر بيان القاعدين عن الجهاد ، أو بيان لحال القاعدين عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه من المنافقين عقب بيان حال القاعدين من المؤمنين ، و { توفاهم } يحتمل أن يكون ماضياً ، وتركت علامة التأنيث للفصل ولأن الفاعل غير مؤنث حقيقي ، ويحتمل أن يكون مضارعاً ، وأصله تتوفاهم فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً ، وهو لحكاية الحال الماضية ، ويؤيد الأول قراءة من قرأ ( توفتهم ) ، والثاني قراءة إبراهيم { توفاهم } بضم التاء على أنه مضارع وفيت بمعنى أن الله تعالى يوفي الملائكة أنفسهم ، فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها ، وإلى ذلك أشار ابن جني ، والمراد من التوفي قبض الروح ، وهو الظاهر الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه . وعن الحسن أن المراد به الحشر إلى النار ، والمراد من الملائكة ملك الموت وأعوانه ، وهم كما في «البحر» ستة : ثلاثة لأرواح المؤمنين ، وثلاثة لأرواح الكافرين ، وعن الجمهور أن المراد بهم ملك الموت فقط وهو من إطلاق الجمع مراداً به الواحد تفخيماً له وتعظيماً لشأنه ، ولا يخفى أن إطلاق الجمع على الواحد لا يخلو عن بعد ، والتحقيق أنه لا مانع من نسبة التوفي إلى الله تعالى وإلى ملك الموت وإلى أعوانه ، والوجه في ذلك أن الله تعالى هو الآمر بل هو الفاعل الحقيقي ، والأعوان هم المزاولون لإخراج الروح من نحو العروق والشرايين والعصب ، والقاطعون لتعلقها بذلك ، والملك هو القابض المباشر لأخذها بعد تهيئتها ، وفي القرآن { الله يَتَوَفَّى الانفس } ( الزمر؛ 42 ) و { يتوفاكم مَّلَكُ الموت الذى وُكّلَ بِكُمْ } [ السجدة : 11 ] و { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [ الأنعام : 61 ] ومثله { توفاهم الملئكة } . (4/195)
{ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفار الموجبة للإخلال بأمور الدين ، أو بنفاقهم وتقاعدهم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعانتهم الكفرة ، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس «أنه كان قوم بمكة قد أسلموا فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية» . وأخرج ابن جرير عن الضحاك «إن هؤلاء أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فلم يخرجوا معه إلى المدينة وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر فأصيبوا فيمن أصيب فأنزل الله فيهم هذه الآية» وروي عن عكرمة أن الآية نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة والحرث بن زمعة بن الأسود وقيس بن الوليد بن المغيرة وأبي العاص بن منبه بن الحجاج ، وعلي بن أمية بن خلف كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر مع المشركين من قريش فقتلوا هناك كفاراً ، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه ، و { ظَالِمِى } منصوب على الحالية من ضمير المفعول في { توفاهم } وإضافته لفظية فلا تفيده تعريفاً ، والأصل ظالمين أنفسهم .
{ قَالُواْ } أي الملائكة عليهم السلام للمتوفين توبيخاً لهم بتقصيرهم في إظهار إسلامهم وإقامة أحكامه وشعائره أو قالوا تقريعاً لهم وتوبيخاً بما كانوا فيه من مساعدة الكفرة وتكثير سوادهم وانتظامهم في عسكرهم وتقاعدهم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم { فِيمَ كُنتُمْ } أي في أي شيء كنتم من أمور دينكم وحذفت ألف ما الاستفهامية المجرورة وفاءاً بالقاعدة ، وتكتب متصلة تنزيلاً لها مع ما قبلها منزلة الكلمة الواحدة ، ولهذا تكتب إلى وعلى وحتى في إلام وعلام وحتى م بالألف ما لم يوقف على م بالهاء ، ولكن السؤال كما علمت طابقه الجواب بقوله تعالى : { قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الارض } وإلا فالظاهر في الجواب كنا في كذا ، أو لم نكن في شيء ، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية سؤال الملائكة كأنه قيل : فماذا قال أولئك المتوفون في الجواب؟ فقيل : قالوا في جوابهم : كنا مستضعفين في أرض مكة بين ظهراني المشركين الأقرباء . والمراد أنهم اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام وإدخالهم الخلل فيه بالاستضعاف والعجز عن القيام بمواجب الدين بين أهل مكة فلذا قعدوا وناموا ، أو تعللوا عن الخروج معهم؛ والانتظام في ذلك الجمع المكسر بأنهم كانوا مقهورين تحت أيديهم ، وأنهم فعلوا ذلك كارهين ، وعلى التقديرين لم تقبل الملائكة ذلك منهم كما يشير إليه قوله سبحانه : { قَالُواْ } أي الملائكة { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا } أي إن عذركم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذي أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة ، أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله تعالى لما يغيظ رسوله صلى الله عليه وسلم بأنكم مقهورون بين أولئك الأقوام غير مقبول لأنكم بسبيل من الخلاص عن قهرهم متمكنون من المهاجرة عن مجاورتهم والخروج من تحت أيديهم . (4/196)
{ فَأُوْلَئِكَ } الذي شرحت حالهم الفظيعة { مَأْوَاهُمُ } أي مسكنهم في الآخرة { جَهَنَّمَ } لتركهم الفريضة المحتومة ، فقد كانت الهجرة واجبة في صدر الإسلام ، وعن السدي كان يقول : من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر ، والأصح الأول أو لنفاقهم وكفرهم ونصرتهم أعداء الله تعالى على سيد أحبائه عليه الصلاة والسلام ، وعدم التقييد بالتأييد ليس نصاً في العصيان بما دون الكفر ، وإنما النص التقييد بعدمه ، واسم الإشارة مبتدأ أول ، و { مَأْوَاهُمُ } مبتدأ ثان ، و { جَهَنَّمَ } خبر الثاني وهما خبر الأول ، والرابط الضمير المجرور ، والمجموع خبر إن ، والفاء لتضمن اسمها معنى الشرط ، وقوله سبحانه : { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } في موضع الحال من الملائكة ، وقد معه مقدرة في المشهور ، وجعله حالاً من الضمير المفعول بتقدير قد أولا ، ولهم آخراً بعيد ، أو هو الخبر والعائد فيه محذوف أي لهم ، والجملة المصدرة بالفاء معطوفة عليه مستنتجة منه ومما في ( خبره ) ، ولا يصح جعل شيء من { قَالُواْ } الثاني ، والثالث خبراً لأنه جواب ، ومراجعة فمن قال : لو جعل { قَالُواْ } : الثاني خبراً لم يحتج إلى تقدير عائد فقد وهم ، وقيل : الخبر محذوف تقديره هلكوا ونحوه ، و { *تهاجروا } منصوب في جواب الاستفهام وقوله تعالى : { الشراب وَسَاءتْ } من باب بئس أي بئست { مَصِيراً } والمخصوص بالذم مقدر أي مصيرهم أو جهنم .
واستدل بعضهم بالآية على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه ، وهو مذهب الإمام مالك ، ونقل ابن العربي وجوب الهجرة من البلاد الوبيئة أيضاً ، وفي «كتاب الناسخ والمنسوخ» أنها كانت فرضاً في صدر الإسلام فنسخت وبقي ندبها ، وأخرج الثعلبي من حديث الحسن مرسلاً " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة ، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم " وقد قدمنا لك ما ينفعك هنا فتذكر . (4/197)
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)
{ إِلاَّ المستضعفين } استثناء منقطع ( لأن الموصول وضمائره ) ، والإشارة إليه بأولئك لمن توفته الملائكة ظالماً لنفسه ، فلم يندرج فيهم المستضعفون المذكورون ، وقيل : إنه متصل والمستثنى منه { فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } [ النساء : 97 ] وليس بشيء أي إلا الذين عجزوا عن الهجرة وضعفوا { مِنَ الرجال } كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد { والنساء } كأم الفضل لبابة بنت الحرث أم عبد الله بن عباس وغيرها { والولدان } كعبد الله المذكور وغيره رضي الله تعالى عنهم ، والجار حال من المستضعفين ، أو من الضمير المستتر فيه أي كائنين من هؤلاء ، وذكر الولدان للقصد إلى المبالغة في وجوب الهجرة والأمر بها حتى كأنها مما كلف بها الصغار ، أو يقال : إن تكليفهم عبارة عن تكليف أوليائهم بإخراجهم من ديار الكفر ، وأن المراد بهم المراهقون ، أو من قرب عهده بالصغر مجازاً كما مر في اليتامى أو أن المراد التسوية بين هؤلاء في عدم الإثم والتكليف ، أو أن العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان ، أو المراد بهم العبيد والإماء . (4/198)
{ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } أي لا يجدون أسباب الهجرة ومباديها { وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } أي ولا يعرفون طريق الموضع المهاجر إليه بأنفسهم أو بدليل ، والجملة صفة لما بعد ( من ) ، أو للمستضعفين لأن المراد به الجنس سواء كانت أل موصولة أو حرف تعريف وهو في المعنى كالنكرة ، أو حال منه ، أو من الضمير المستتر فيه ، وجوز أن تكون مستأنفة مبينة لمعنى الاستضعاف المراد هنا
فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)
{ فَأُوْلَئِكَ } أي المستضعفون { عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } فيه إيذان بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى أن المضطر الذي تحقق عدم وجوبها عليه ينبغي أن يعد تركها ذنباً ، ولا يأمن ، ويترصد الفرصة ويعلق قلبه بها . { وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً } تذييل مقرر لما قبله بأتم وجه . (4/199)
وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)
{ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الارض مُرَاغَماً كَثِيراً } ترغيب في المهاجرة وتأنيس لها ، والمراد من المراغم المتحول والمهاجر كما روي ذلك عن ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم فهو اسم مكان ، وعبر عنه بذلك تأكيداً للترغيب لما فيه من الأشعار بكون ذلك المتحول الذي يجده يصل فيه المهاجر إلى ما يكون سبباً لرغم أنف قومه الذين هاجرهم ، وعن مجاهد : إن المعنى يجد فيها متزحزحاً عما يكره ، وقيل : متسعاً مما كان فيه من ضيق المشركين ، وقيل : طريقاً يراغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان ، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب ، وقرىء مرغماً { واسعة } أي من الرزق وعليه الجمهور ، وعن مالك سعة من البلاد . (4/200)
{ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } أي يحل به قبل أن يصل إلى المقصد ويحط رحال التسيار ، بل وإن كان ذلك خارج بابه كما يشعر به إيثار الخروج من بيته على المهاجرة ، وثمّ لا تأبى ذلك كما ستعرفه قريباً إن شاء الله تعالى ، وهو معطوف على فعل الشرط ، وقرىء { يُدْرِكْهُ } بالرفع ، وخرجه ابن جني كما قال السمين على أنه فعل مضارع مرفوع للتجرد من الناصب والجازم ، والموت فاعله ، والجملة خبر لمبتدأ محذوف أي ثم هو يدركه الموت وتكون الجملة الإسمية معطوفة على الفعلية الشرطية وعلى ذلك حمل يونس قول الأعشى :
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... ( أو تنزلون فإنا معشر نزل )
أي أو أنتم تنزلون وتكون الاسمية حينئذ كما قال بعض المحققين : في محل جزم وإن لم يصح وقوعها شرطاً لأنهم يتسامحون في التابع ، وإنما قدروا المبتدأ ليصح رفعه مع العطف على الشرط المضارع ، وقال عصام الملة : ينبغي أن يعلم أنه على تقدير المبتدأ يجب جعل { مِنْ } موصولة لأن الشرط لا يكون جملة اسمية ويكون { يَخْرُجُ } أيضاً مرفوعاً ، ويرد عليه حينئذ أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ ، فالأولى أن الرفع بناءاً على توهم رفع { يَخْرُجُ } لأن المقام من مظان الموصول ، ولا يخفى أنه خبط وغفلة عما ذكروا ، وقيل : إن ضم الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها ، ثم نقل حركتها إلى الكاف كقوله :
عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي يسبني لم أضربه
وهو كما في «الكشف» ضعيف جداً لإجراء الوصل مجرى الوقف والنقل أيضاً ، ثم تحريك الهاء بعد النقل بالضم وإجراء الضمير المتصل مجرى الجزء من الكلمة؛ والبيت ليس فيه إلا النقل وإجراء الضمير مجرى الجزء ، وقرأ الحسن { يُدْرِكْهُ } بالنصب ، وخرجه غير واحد على أنه بإضمار إن نظير ما أنشده سيبويه من قوله :
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا (4/201)
ووجهه فيه أن سأترك مستقبل مطلوب فجرى مجرى الأمر ونحوه ، والآية لكون المقصود منها الحث على الخروج وتقدم الشرط الذي هو شديد الشبه بغير الموجب كانت أقوى من البيت ، وذكر بعض المحققين أن النصب في الآية جوزه الكوفيون لما أن الفعل الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم عندهم إذا وقع بعد الواو والفاء كقوله :
ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى القاع يزلق
وقاسوا عليهما ثم ، فليس ما ذكر في البيت نظير الآية ، وقيل : من عطف المصدر المتوهم على المصدر المتوهم مثل أكرمني وأكرمك أي ليكن منك إكرام ومني ، والمعنى من يكن منه خروج من بيته وإدراك الموت له .
{ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } أي وجب بمقتضى وعده وفضله وهو جواب الشرط ، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن المهاجر له إحدى الحسنيين إما أن يرغم أنف أعداء الله ويذلهم بسبب مفارقته لهم واتصالهم بالخير والسعة ، وإما أن يدركه الموت ويصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم ، وفي الآية ما لا يخفى من المبالغة في الترغيب فقد قيل : كان مقتضى الظاهر ومن يهاجر إلى الله ورسوله ويمت يثبه إلا أنه اختير { وَمَن يُخْرِجُ * مهاجرا * مِن بَيْتِهِ } على ومن يهاجر لما أشرنا إليه آنفاً ، ووضع { يُدْرِكْهُ الموت } موضع يمت إشعاراً بمزيد الرضا من الله تعالى ، وأن الموت كالهدية منه سبحانه له لأنه سبب للوصول إلى النعيم المقيم الذي لا ينال إلا بالموت ، وجيء بثم بدل الواو تتميماً لهذه الدقيقة ، وأن مرتبة الخروج دون هذه المرتبة ، وأقيم { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } مقام يثبه لما أنه مؤذن باللزوم والثبوت ، وأن الأجر عظيم لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه لأنه على الذات الأقدس المسمى بذلك الاسم الجامع؛ وعن الزمخشري : إن فائدة { ثُمَّ يُدْرِكْهُ } بيان أن الأجر إنما يستقر إذا لم يحبط العمل الموت ، واختلف فيمن نزلت؛ فأخرج ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة ، وكان بلغه قوله تعالى : { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ظالمى أَنفُسِهِمْ } [ النساء : 97 ] الآية وهو بمكة حين بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسلميها فقال لبنيه : احملوني فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدي الطريق ، وإني لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله؛ ويقول : اللهم هذه لك وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسولك ، ولما بلغ خبر موته الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا : ليته مات بالمدينة فنزلت ، وروى الشعبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في أكتم بن صيفي لما أسلم ومات وهو مهاجر ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير أنها نزلت في خالد بن حزام وقد كان هاجر إلى الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات ، وروي غير ذلك ، وعلى العلات فالمراد عموم اللفظ لا خصوص السبب ، وقد ذكر أيضاً غير واحد أن من سار لأمر فيه ثواب كطلب علم وحج وكسب حلال وزيارة صديق وصالح ومات قبل الوصول إلى المقصد فحكمه كذلك ، وقد أخرج أبو يعلى والبيهقي عن أبي هريرة قال :
« قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة ، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ، ومن خرج غازياً في سبيل الله تعالى فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة » ، واحتج أهل المدينة بالآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة ، والصحيح ثبوت الأجر الأخروي فقط { وَكَانَ الله غَفُوراً } مبالغاً في المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج { رَّحِيماً } مبالغاً في الرحمة فيرحمه سبحانه بإكمال ثواب هجرته ونيته . (4/202)
ومن باب الإشارة في بعض ما تقدم من الآيات : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } أي وما ينبغي لمؤمن الروح { أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً } وهو مؤمن القلب { إِلا } أن يكون قتلاً { *خطأ } ، وذلك إنما يكون إذا خلصت الروح من حجب الصفات البشرية فإذا أرادت أن تتوجه إلى النفس أنوارها لتميتها وقع تجليها على القلب فخر صعقاً من ذلك التجلي ودك جبل النفس دكاً فكان قتله خطأ لأنه لم يكن مقصوداً { خَطَئاً وَمَن قَتَلَ } قلباً { مُؤْمِناً } خطأ { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } وهي رقبة السر الروحاني وتحريرها إخراجها عن رق المخلوقات { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } تسلمها العاقلة وهي الألطاف الإلهية إلى القوى الروحانية فيكون لكل منهما من حظ الأخلاق الربانية { إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } وذلك وقت غنائهم بالفناء بالله تعالى { فَإن كَانَ } المقتول بالتجلي { مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } بأن كان من قوى النفس الأمارة { وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } وهي رقبة القلب فيطلقه من وثاق رق حب الدنيا والميل إليها ، ولا دية في هذه الصورة لأهل القتيل { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } بأن كان من قوى النفس القابلة للأحكام الشرعية ظاهراً والمهادنة للقلب { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } واجبة على عاقلة الرحمة { إلى أَهْلِهِ } أي أهل تلك النفس من الصفات الأخر { وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } وهي رقبة الروح وتحريرها إفناؤها وإطلاقها عن سائر القيود { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة كذلك بأن كانت روحه محررة قبل
{ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } [ النساء : 92 ] أي فعليه الإمساك عن العاديات وترك المألوفات ستين يوماً ، وهي مقدار مدة الميقات الموسوي ونصفها رجاء أن يحصل له البقاء بعد الفناء { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } [ النساء : 93 ] إشارة إلى أن النفس إذا قتلت القلب واستولت عليه بقيت معذبة في نيران الطبيعة مبعدة عن الرحمة مظهراً لغضب الله تعالى : { عَظِيماً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله } لإرشاد عباده { فَتَبَيَّنُواْ } حال المريد في الرد والقبول { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } أي لا تنفروا من استسلم لكم وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه فتقولوا له لست مؤمناً صادقاً لتعلق قلبك بالدنيا فسلم ما عندك من حطامها ليخلو قلبك لربك وتصلح لسلوك الطريق { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } للسالكين إليه فإذا حظي بها السالك ترك لها ما في يده من الدنيا وأعرض قلبه عن ذلك { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ } [ النساء : 94 ] أي مثل هذا المريد كنتم أنتم في مبادي طلبكم وتسليم أنفسكم للمشايخ حيث كان لكم تعلق بالدنيا فمنّ الله عليكم بعد السلوك بتلك المغانم الكثيرة التي عنده فأنساكم جميع ما في أيديكم وفطم قلوبكم عن الدنيا بأسرها فقيسوا حال من يسلم نفسه إليكم بحالكم لتعلموا أن الله سبحانه بمقتضى ما عود المتوجهين إليه الطالبين له سيمنّ على هؤلاء بما منّ به عليكم ، ويخرج حب الدنيا من قلوبهم بأحسن وجه كما أخرجه من قلوبكم . والحاصل أنه لا ينبغي أن يقال لمن أراد التوجه إلى الحق جل وعلا من أرباب الدنيا في مبادي الأمر : أترك دنياك واسلك لأن ذلك مما ينفره ويسد باب التوجه عليه لشدة ترك المحبوب دفعة واحدة ، ولكن يؤمر بالسلوك ويكلف من الأعمال ما يخرج ذلك عن قلبه لكن على سبيل التدريج { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ظالمى أَنفُسِهِمْ } بمنعها عن حقوقها التي اقتضتها استعداداتهم من الكمالات المودعة فيها { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } حيث قعدتم عن السعي وفرطتم في جنب الله تعالى وقصرتم عن بلوغ الكمال الذي ندبتم إليه { قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الارض } أي أرض الاستعداد باستيلاء قوى النفس الأمارة وغلبة سلطان الهوى وشيطان الوهم { قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا } أي ألم تكن سعة استعدادكم بحيث تهاجروا فيها من مبدأ فطرتكم إلى نهاية كمالكم ، وذلك مجال واسع فلو تحركتم وسرتم بنور فطرتكم خطوات يسيرة بحيث ارتفعت عنكم بعض الحجب انطلقتم عن أسر القوى وتخلصتم عن قيود الهوى وخرجتم عن القرية الظالم أهلها التي هي مكة النفس الأمارة إلى البلدة الطيبة التي هي مدينة القلب ، وإنما نسب سبحانه وتعالى هنا التوفي إلى الملائكة لأن التوفي وهو استيفاء الروح من البدن بقبضها عنه على ثلاثة أوجه : توفي الملائكة وتوفي ملك الموت وتوفي الله تعالى ، فأما توفي الملائكة فهو لأرباب النفوس ، وهم إما سعداء وإما أشقياء ، وأما توفي ملك الموت فهو لأرباب القلوب الذين برزوا عن حجاب النفس إلى مقام القلب ، وأما توفي الله تعالى فهو للموحدين الذين عرج بهم عن مقام القلب إلى محل الشهود فلم يبق بينهم وبين ربهم حجاب فهو سبحانه يتولى قبض أرواحهم بنفسه ويحشرهم إلى نفسه عز وجل ، ولما لم يكن هؤلاء الظالمين من أحد الصنفين الأخيرين نسب سبحانه توفيهم إلى الملائكة ، وقيد ذلك بحال ظلمهم أنفسهم { فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } الطبيعة (4/203)
{ وَسَاءتْ مَصِيراً } [ النساء : 97 ] لما أن نار البعد والحجاب بها موقدة { إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال } وهم كما قال بعض العارفين : أقوياء الاستعداد الذين قويت قواهم الشهوية والغضبية مع قوة استعدادهم فلم يقدروا على قمعها في سلوك طريق الحق ولم يذعنوا لقواهم الوهبية والخيالية فيبطل استعدادهم بالعقائد الفاسدة فبقوا في أسر قواهم البدنية مع تنور استعدادهم بنور العلم وعجزهم عن السلوك برفع القيود { والنساء } أي القاصرين الاستعداد عن درك الكمال العلمي وسلوك طريق التحقيق الضعفاء القوى ، قيل : وهم البله المذكورون في خبر «أكثر أهل الجنة البله» { والولدان } أي القاصرين عن بلوغ درجة الكمال لفترة تلحقهم من قبل صفات النفس { لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } لعدم قدرتهم وعجزهم عن كسر النفس وقمع الهوى { وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } [ النساء : 98 ] لعدم علمهم بكيفية السلوك { فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } بمحو تلك الهيئات المظلمة لعدم رسوخها وسلامة عقائدهم { وَكَانَ الله عَفُوّاً } عن الذنوب ما لم تتغير الفطرة { غَفُوراً } [ النساء : 99 ] يستر بنور صفاته صفات النفوس القابلة لذلك { وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ } عن مقار النفس المألوفة { يَجِدْ فِى الارض } أي أرض استعداده { مُرَاغَماً كَثِيراً } أي منازلاً كثيرة يرغم فيها أنوف قوى نفسه { واسعة } أي انشراحاً في الصدر لسبب الخلاص من مضايق صفات النفس وأسر الهوى { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ } أي مقامه الذي هو فيه مهاجراً إلى الله بالتوجه إلى توحيد الذات { وَرَسُولُهُ } بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } أي الانقطاع { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } حسبما توجه إليه { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 100 ] فيستر بصفاته صفات من توجه إليه ويرحم من انقطع دون الوصول بما هو أهله ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ، ثم إنه سبحانه بعد أن أمر بالجهاد ورغب في الهجرة أردف ذلك ببيان كيفية الصلاة عند الضرورات من تخفيف المؤنة ما يؤكد العزيمة على ذلك ، فقال سبحانه وتعالى : (4/204)
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)
{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارض } أي سافرتم أيّ سفر كان ، ولذا لم يقيد بما قيد به المهاجرة ، والشافعي رضي الله تعالى عنه يخص السفر بالمباح كسفر التجارة والطاعة كسفر الحج ويخرج سفر المعصية كقطع الطريق والإباق فلا يثبت فيه الحكم الآتي لأنه رخصة ، وهي إنما تثبت تخفيفاً وما كان كذلك لا يتعلق بما يوجب التغليظ لأن إضافة الحكم إلى وصف يقتضي خلافه فساد في الوضع ، ولنا إطلاق النصوص مع وجود قرينة في بعضها تشعر بإرادة المطلق وزيادة قيد عدم المعصية نسخ على ما عرف في موضعه ، ولأن نفس السفر ليس بمعصية إذ هو عبارة عن خروج مديد وليس في هذا شيء من المعصية ، وإنما المعصية ما يكون بعده كما في السرقة ، أو مجاوره كما في الإباق فيصلح من حيث ذاته متعلق الرخصة لإمكان الانفكاك عما يجاوره كما إذا غصب خفاً ولبسه فإنه يجوز له أن يمسح عليه لأن الموجب ستر قدمه ولا محظور فيه ، وإنما هو في مجاوره وهو صفة كونه مغصوباً وتمامه في الأصول والمراد من الأرض ما يشمل البر والبحر ، والمقصود التعميم أي إذا سافرتم في أي مكان يسافر فيه من بر أو بحر . (4/205)
{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي حرج وإثم { أَن تَقْصُرُواْ } أي في أن تقصروا ، والقصر خلاف المد يقال : قصرت الشيء إذا جعلته قصيراً بحذف بعض أجزائه أو أوصافه ، فمتعلق القصر إنما هو ذلك الشيء لا بعضه فإنه متعلق الحذف دون القصر ، فقوله تعالى : { مِنَ الصلاة } ينبغي على هذا أن يكون مفعولاً لتقصروا و { مِنْ } زائدة حسبما نقله أبو البقاء عن الأخفش القائل بزيادتها في الإثبات ، وأما على تقدير أن تكون تبعيضية ويكون المفعول محذوفاً والجار والمجرور في موضع الصفة على ما نقله الفاضل المذكور عن سيبويه أي شيئاً من الصلاة فينبغي أن يصار إلى وصف الجزء بوصف الكل ، أو يراد بالقصر الحبس كما في قوله تعالى : { حُورٌ مقصورات فِى الخيام } [ الرحمن : 72 ] أو يراد بالصلاة الجنس ليكون ( المقصود ) بعضاً منها وهي الرباعية أي فليس عليكم جناح في أن تقصروا بعض الصلاة بتنصيفها ، وقرىء { تَقْصُرُواْ } من أقصر ومصدره الإقصار وقرأ الزهري { تَقْصُرُواْ } بالتشديد ومصدره التقصير والكل بمعنى .
وأدنى مدة السفر الذي يتعلق به القصر في المشهور عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه مسيرة ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ، ومشي الأقدام بالاقتصاد في البر ، وجري السفينة والريح معتدلة في البحر ، ويعتبر في الجبل كون هذه المسافة من طريق الجبل بالسير الوسط أيضاً ، وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه التقدير بالمراحل وهو قريب من المشهور .
وقدر أبو يوسف بيومين وأكثر الثالث ، والشافعي رحمه الله تعالى في قول : بيوم وليلة ، وقدر عامة المشايخ ذلك بالفراسخ ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : أحد وعشرون فرسخاً وقال آخرون ثمانية عشر ، وآخرون خمسة عشر ، والصحيح عدم التقدير بذلك ، ولعل كل من قدر بقدر مما ذكر اعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام ولياليها ، والدليل على هذه المدة ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم : " يمسح المقيم كمال يوم وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها " لأنه صلى الله عليه وسلم عمم الرخصة الجنس ، ومن ضرورته عموم التقدير ، والقول بكون «ثلاثة أيام» ظرفاً للمسافر لا ليمسح يأباه أن السوق ليس إلا لبيان كمية مسح المسافر لا لإطلاقه ، وعلى تقدير كونه ظرفاً للمسافر يكون يمسح مطلقاً وليس بمقصود ، وأيضاً يبطل كونه ظرفاً لذلك أن المقيم يمسح يوماً وليلة إذ يلزم عليه اتحاد حكم السفر والإقامة في بعض الصور وهي صورة مسافر يوم وليلة لأنه إنما يمسح يوماً وليلة وهو معلوم البطلان للعلم بفرق الشرع بين المسافر والمقيم على أن ظرفية «ثلاثة» للمسافر تستدعي ظرفية اليوم للمقيم ليتفق طرفا الحديث ، وحينئذٍ يكون لا يكاد ينسب إلى أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم ، وربما يستدل للقصر في أقل من ثلاثة بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» فإنه يفيد القصر في الأربعة برد وهي تقطع في أقل من ثلاثة ، وأجيب بأن راوي الحديث عبد الوهاب بن مجاهد ، وهو ضعيف عند النقلة جداً حتى كان سفيان يزريه بالكذب فليفهم . (4/206)
واحتج الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بظاهر الآية الكريمة على عدم وجوب القصر وأفضلية الإتمام ، وأيد ذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة والبزار والدارقطني عن عائشة رضي الله تعالى عنها : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم» وما أخرجه النسائي والدارقطني وحسنه البيهقي وصححه " أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول الله قصرت وأتممت وصمت وأفطرت؟ فقال : أحسنت يا عائشة " وبما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان يتم ويقصر ، وعندنا يجب القصر لا محالة خلا أن بعض مشايخنا سماه عزيمة ، وبعضهم رخصة إسقاط بحيث لا مساغ للإتمام لا رخصة ( توفية ) إذ لا معنى للتخيير بين الأخف والأثقل ، وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وجابر وجميع أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة ، وهو قول مالك ، وأخرج النسائي .
وابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام» وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : «أول ما فرض الله تعالى الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر» وأما روي عنها من الإتمام فقد اعتذرت عنه؛ وقالت : أنا أم المؤمنين فحيث حللت فهي داري كما اعتذر عثمان رضي الله تعالى عنه عن إتمامه بأنه تأهل بمكة وأزمع الإقامة بها كما روي عن الزهري فلا يرد أنها رضي الله تعالى عنها خالف رأيها روايتها ، وإذا خالف الراوي روايته في أمر لا يعمل بروايته فيه ، والقول : بأن حديثها غير مرفوع لأنها لم تشهد فرض الصلاة غير مسلم لجواز أنها سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ، نعم ذكر بعض الشافعية أن الخبر مؤل بأن الفرض في قولها : «فرضت ركعتين» بمعنى البيان ، وقد ورد بهذا المعنى ك { فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم } [ التحريم : 2 ] . (4/207)
وقال الطبري : معناه فرضت لمن اختار ذلك من المسافرين ، وهذا كما قيل في الحاج : إنه مخير في النفر في اليوم الثاني والثالث ، وأياً فعل فقد قام بالفرض وكان صواباً ، وقال النووي : «المعنى فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في ( صلاة ) الحضر ركعتان على سبيل التحتم ، وأقرت صلاة السفر على جواز ( الإتمام ) وحيث ثبتت دلائل ( جواز ) ( الإتمام ) وجب المصير إلى ذلك جمعاً بين الأدلة» ، وقال ابن حجر عليه الرحمة : «والذي يظهر لي في جمع الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب ، ثم زيدت عقب الهجرة إلا الصبح كما رواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة ، وفيه : وتركت الفجر لطول القراءة والمغرب لأنها وتر النهار ، ثم بعد ما استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية ، ويؤيده قول ابن الأثير ( في شرح المسند ) : إن القصر كان في السنة الرابعة من الهجرة ، وهو مأخوذ من قول غيره : إن نزول آية الخوف ( كان ) ( 2 ) فيها ، وقيل : القصر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية كما ذكره الدولابي ، وقال السهيلي : إنه بعد الهجرة بعام أو نحوه ، وقيل : بعد الهجرة بأربعين يوماً فعلى هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها «فأقرت صلاة السفر» أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة» انتهى . واستبعد هذا الجمع بأنها لو كانت قبل الهجرة ركعتين لاشتهر ذلك ، وقال آخرون منهم : إن الآية صريحة في عدم وجوب الإتمام ، وما ذكر خبر واحد فلا يعارض النص الصريح على أنه مخصوص بغير الصبح والمغرب ، وحجية العام المخصوص مختلف فيها ، وذكر أصحابنا أن كثرة الأخبار ، وعمل الجم الغفير من الصحابة والتابعين وجميع العترة رضي الله تعالى عنهم أجمعين بما يقوي القول بالوجوب ووروده بنفي الجناح لأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فصرح بنفي الجناح عليهم لتطيب به نفوسهم وتطمئن إليه كما في قوله تعالى :
{ فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } [ البقرة : 158 ] مع أن ذلك الطواف واجب عندنا ، ركن عند الشافعي رحمه الله تعالى ، وعن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه تلا هذه الآية لمن استبعد الوجوب بنفي الجناح . (4/208)
{ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } جوابه محذوف لدلالة ما قبل عليه أي إن خفتم أن يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال أو غيره فليس عليكم جناح الخ ، وقد أخذ بعضهم بظاهر هذا الشرط فقصر القصر على الخوف ، وأخرج ابن جرير عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، والذي عليه الأئمة أن القصر مشروع في الأمن أيضاً؛ وقد تظاهرت الأخبار على ذلك فقد أخرج النسائي والترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ركعتين» وأخرج الشيخان وغيرهما من أصحاب السنن عن حارثة بن وهب الخزاعي أنه قال : «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين» إلى غير ذلك ، ولا يتوهمن أنه مخالف للكتاب لأن التقييد بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط ، وأما عدمه عند عدمه فساكت عنه فإن وجد له دليل ثبت عنده أيضاً ، وإلا يبقى على حاله لعدم تحقق دليله لا لتحقق دليل عدمه . وناهيك ما سمعت من الأدلة الواضحة ، وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه إنما يدل على نفي الحكم عند عدم الشرط إذا لم يكن فيه فائدة أخرى ، وقد خرج الشرط ههنا مخرج الأغلب كما قيل في قوله تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ } [ البقرة : 229 ] بل قد يقال إن الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر وكيفيته وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر فكلما ورد منه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف وبالضرب في المدة المعينة بيان لإجمال الكتاب كما قاله شيخ الإسلام ، وقال بعضهم : إن القصر في الآية محمول على قصر الأحوال من الإيماء وتخفيف التسبيح والتوجه إلى أي وجه وحينئذٍ يبقى الشرط على ظاهر مقتضاه المتبادر إلى الأذهان ، ونسب ذلك إلى طاوس والضحاك .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : قصر الصلاة إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة أن تكبر الله تعالى وتخفض رأسك إيماءاً راكباً كنت أو ماشياً ، وقيل : إن قوله تعالى : { إِنْ خِفْتُمْ } الخ متعلق بما بعده من صلاة الخوف منفصل عما قبله .
فقد أخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : «سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة } ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في إثرها فأنزل الله تعالى بين الصلاتين { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } إلى قوله سبحانه وتعالى : { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } [ النساء : 102 ] فنزلت صلاة الخوف» ولعل جواب الشرط على هذا محذوف أيضاً على طرز ما تقدم ، ونقل الطبرسي عن بعضهم أن القصر في الآية بمعنى الجمع بين الصلاتين وليس بشيء أصلاً . وقرأ أبيّ كما قال ابن المنذر : فأقصروا من الصلاة أن يفتنكم ، والمشهور أنه كعبد الله أسقط { إِنْ خِفْتُمْ } فقط ، وأياً مّا كان فإن في موضع المفعول له لما دل عليه الكلام بتقدير مضاف كأنه قيل : شرع لكم ذلك كراهة { أَن يَفْتِنَكُمُ } الخ فإن استمرار الاشتغال بالصلاة مظنة لاقتداء الكافرين على إيقاع الفتنة ، وقوله تعالى : { إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } إما تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ذكر ، أو تعليل لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة فإن كمال العداوة من موجبات التعرض بالسوء ، و { عَدُوّا } كما قال أبو البقاء : في موضع أعداء ، وقيل : هو مصدر على فعول مثل الولوع والقبول ، و { لَكُمْ } حال منه ، أو متعلق ب ( كان ) . (4/209)
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)
{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } بيان لما قبله من النص المجمل في مشروعية القصر بطريق التفريع وتصوير لكيفيته عند الضرورة التامة ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد ، وتعلق بظاهره من خص صلاة الخوف بحضرته عليه الصلاة والسلام كالحسن بن ( زيد ) ، ونسب ذلك أيضاً لأبي يوسف ، ونقله عنه الجصاص في كتاب «الأحكام» ، والنووي في المهذب ، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم نوابه وقوّام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } [ التوبة : 103 ] وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم قال : «كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة : أنا ، ثم وصف له ذلك فصلوا كما وصف ولم يقضوا ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكره أحد منهم وهم الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم» وهذا يحل محل الإجماع ، ويرد ما زعمه المزني من دعوى النسخ أيضاً { فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة } أي أردت أن تقيم بهم الصلاة { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } بعد أن جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الأخرى تجاه العدو للحراسة ولظهور ذلك ترك { وَلْيَأْخُذُواْ } أي الطائفة المذكورة القائمة معك { أَسْلِحَتَهُمْ } مما لا يشغل عن الصلاة كالسيف والخنجر . وعن ابن عباس أن الآخذة هي الطائفة الحارسة فلا يحتاج حينئذٍ إلى التقييد إلا أنه خلاف الظاهر ، والمراد من الأخذ عدم الوضع وإنما عبر بذلك عنه للإيذان بالاعتناء باستصحاب الأسلحة حتى كأنهم يأخذونها ابتداءاً . (4/210)
{ فَإِذَا سَجَدُواْ } أي القائمون معك أي إذا فرغوا من السجود وأتموا الركعة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } أي فلينصرفوا ( للحراسة من العدو ) { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ } بعد وهي التي كانت تحرس ، ونكرها لأنها لم تذكر قبل { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } الركعة الباقية من صلاتك ، والتأنيث والتذكير مراعاة للفظ ، والمعنى ولم يبين في الآية الكريمة حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين ، وقد بين ذلك بالسنة ، فقد أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سالم عن أبيه في قوله سبحانه : { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } هي صلاة الخوف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة ، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو ، ثم انصرفت التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو ، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى ، ثم سلم بهم ، ثم قامت كل طائفة فصلوا ركعة ركعة فتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعة بعد سلامه وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعة كما في الآية فجاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدو حتى قضت الأولى الركعة الأخرى بلا قراءة وسلموا ، ثم جاءت الطائفة الأخرى وقضوا الركعة الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان ، وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وإنما سقطت القراءة عن الطائفة الأولى في صلاتهم الركعة الثانية بعد سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم وإن كانوا في ثانيته عليه الصلاة والسلام في مقابلة العدو إلا أنهم في الصلاة وفي حكم المتابعة فكانت قراءة الإمام قائمة مقام قراءتهم كما هو حكم الاقتداء ولا كذلك الطائفة الأخرى لأنهم اقتدوا بالإمام في الركعة الثانية وأتم الإمام صلاته فلا بد لهم من القراءة في ركعتهم الثانية إذ لم يكونوا مقتدين بالإمام حينئذٍ ، وذهب بعضهم إلى أن صلاة الخوف هي ما في هذه الآية ركعة واحدة ، ونسب ذلك إلى ابن عباس وغيره ، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي شيبة والنحاس عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : «فرض الله تعالى على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة» وأخرج الأولان وابن أبي حاتم عن يزيد الفقير «قال سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما فقال : الركعتان في السفر تمام إنما القصر واحدة عند القتال بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذ أقيمت الصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفت طائفة وطائفة وجوهها قبل العدو فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ثم انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فسلم وسلم الذين خلفه وسلم الأولون فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة ركعة ثم قرأ الآية» ، وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يصلي الإمام بطائفة ركعة فإذا قام للثانية فارقته وأتمت وذهبت إلى وجه العدو وجاء الواقفون في وجهه والإمام ينتظرهم فاقتدوا به وصلى بهم الركعة الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم ، وهذه كما رواه الشيخان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع ، وهي أحد الأنواع التي اختارها الشافعي رضي الله تعالى عنه ، واستشكل من ستة عشر نوعاً ، ويمكن حمل الآية عليها ، ويكون المراد من السجود الصلاة؛ والمعنى فإذا فرغوا من الصلاة فليكونوا الخ ، وأيد ذلك بأنه لا قصور في البيان عليه ، وبأن ظاهر قوله سبحانه : { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } أن الطائفة الأخيرة تتم الصلاة مع الإمام ، وليس فيه إشعار بحراستها مرة ثانية وهي في الصلاة ألبتة ، وتحتمل الآية بل قيل : إنها ظاهرة في ذلك أن الإمام يصلي مرتين كل مرة بفرقة وهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه الشيخان أيضاً ببطن نخل ، واحتمالها للكيفية التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان بعيد جداً ، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كما قال ابن عباس ورواه عنه أحمد وأبو داود وغيرهما صف الناس خلفه صفين ، ثم ركع فركعوا جميعاً ، ثم سجد بالصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، ثم ركع عليه الصلاة والسلام فركعوا جميعاً ، ثم رفع فرفعوا ثم سجد هو والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم ، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم وتمام الكلام يطلب من محله .
{ وَلْيَأْخُذُواْ } أي الطائفة الأخرى { حِذْرَهُمْ } أي احترازهم وشبهه بما يتحصن به من الآلات ولذا أثبت له الأخذ تخييلاً وإلا فهو أمر معنوي لا يتصف بالأخذ ، ولا يضر عطف قوله سبحانه : { وَأَسْلِحَتَهُمْ } عليه للجمع بين الحقيقة والمجاز لأن التجوز في التخييل في الإثبات والنسبة لا في الطرف على الصحيح ، ومثله لا بأس فيه بالجمع كما في قوله تعالى : { تَبَوَّءوا الدار والإيمان } [ الحشر : 9 ] ، وقال بعض المحققين : إن هذا وأمثاله من المشاكلة لما يلزم على الكناية التصريح بطرفيها وإن دفع بأن المشبه به أعم من المذكور ، وإن فسر الحذر بما يدفع به فلا كلام ، ولعل زيادة الأمر بالحذر كما قال شيخ الإسلام في هذه المرة لكونها مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل ، وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحراب . (4/211)
{ وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة } بيان لما لأجله أمروا بأخذ السلاح ، والخطاب للفريقين بطريق الالتفات أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم فيحملون عليكم جملة واحدة ، والمراد بالأمتعة ما يمتع به في الحرب لا مطلقاً وقرىء أمتعاتكم والأمر للوجوب لقوله تعالى :
{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } حيث رخص لهم في وضعها إذا ثقل عليهم حملها واستصحابها بسبب مطر أو مرض ، وأمروا بعد ذلك بالتيقظ والاحتياط فقال سبحانه : { وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } أي بعد إلقاء السلاح للعذر لئلا يهجم عليكم العدو غيلة ، واختار بعض أئمة الشافعية أن الأمر للندب ، وقيدوه بما إذا لم يخف ضرراً يبيح التيمم بترك الحمل ، أما لو خاف وجب الحمل على الأوجه ولو كان السلاح نجساً ومانعاً للسجود وفي «شرح المنهاج» للعلامة ابن حجر ولو انتفى خوف الضرر وتأذى غيره بحمله كره إن خف الضرر بأن احتمل عادة وإلا حرم ، وبه يجمع بين إطلاق كراهته وإطلاق حرمته ، والآية كما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في عبد الرحمن بن عوف وكان جريحاً ، وذكر أبو ضمرة ورواه الكلبي عن أبي صالح أن رسول الله/ صلى الله عليه وسلم غزا محارباً وبني أنمار فهزمهم الله تعالى وأحرزهم الذراري والمال ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ولا يرون من العدو واحداً فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال الوادي بينه صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس في ظل سمرة فبصر به غورث بن الحرث المحاربي فقال : قتلني الله تعالى إن لم أقتله وانحدر من الجبل؛ ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده ، فقال : يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله عز وجل ، ثم قال : اللهم اكفني غورث بن الحرث بما شئت فانكب عدو الله تعالى لوجهه وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ سيفه فقال : يا غورث من يمنعك مني الآن؟ فقال : لا أحد قال صلى الله عليه وسلم : أتشهد أن لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله؟ قال : لا ، ولكني أعهد إليك أن لا أقاتلك أبداً ولا أعين عليك عدواً فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال له غورث : لأنت خير مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحق بذلك فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا : يا غورث لقد رأيناك قائماً على رأسه بالسيف فما منعك منه؟ قال : الله عز وجل أهويت له بالسيف لأضربه فما أدري من لزجني بين كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد عليه الصلاة والسلام فأخذه وأتم لهم القصة فآمن بعضهم ولم يلبث الوادي أن سكن ، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم الآية .
{ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } تعليل للأمر بأخذ الحذر أي أعدّ لهم عذاباً مذلاً وهو عذاب المغلوبية لكم ونصرتكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا مباشرة الأسباب كي يعذبهم بأيديكم ، وقيل : لما كان الأمر بالحذر من العدو موهماً لغلبته واعتزازه نفى ذلك الإيهام بالوعد بالنصر وخذلان العدو لتقوى قلوب المأمورين ويعلموا أن التحرز في نفسه عبادة كما أن النهي عن إلقاء النفس في التهلكة لذلك لا للمنع عن الإقدام على الحرب ، وقيل : لا يبعد أن يراد بالعذاب المهين شرع صلاة الخوف فيكون لختم الآية به مناسبة تامة ، ولا يخفى بعده . (4/212)
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)
{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة } أي فإذا أديتم صلاة الخوف على الوجه المبين وفرغتم منها . { فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ } أي فداوموا على ذكره سبحانه في جميع الأحوال حتى في حال ( المسابقة ) والمقارعة والمراماة ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال عقب تفسيرها : لم يعذر الله تعالى أحداً في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله ، وقيل : المعنى وإذا أردتم أداء الصلاة واشتد الخوف أو التحم القتال فصلوا كيفما كان ، وهو الموافق لمذهب الشافعي من وجوب الصلاة حال المحاربة وعدم جواز تأخيرها عن الوقت ، ويعذر المصلي حينئذ في ترك القبلة لحاجة القتال لا لنحو جماح دابة وطال الفصل ، وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح لا الصياح أو النطق بدونه ولو دعت الحاجة إليه كتنبيه من خشي وقوع مهلك به أو زجر الخيل أو الإعلام بأنه فلان المشهور بالشجاعة لندرة الحاجة ولا قضاء بعد الأمن فيه ، نعم لو صلوا كذلك لسواد ظنوه ولو بإخبار عدل عدواً فبان أن لا عدو وأن بينهم وبينه ما يمنع وصوله إليهم كخندق ، أو أن بقربهم عرفاً حصناً يمكنهم التحصن به من غير أن يحاصرهم فيه قضوا في الأظهر ، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك في غاية البعد (4/213)
{ فَإِذَا اطمأننتم } أي أقمتم كما قال قتادة ومجاهد وهو راجع إلى قوله تعالى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارض } [ النساء : 101 ] ولما كان الضرب اضطراباً وكنى به عن السفر ناسب أن يكنى بالاطمئنان عن الإقامة ، وأصله السكون والاستقرار أي إذا استقررتم وسكنتم من السير والسفر في أمصاركم { فَأَقِيمُواْ الصلاة } أي أدوا الصلاة التي دخل وقتها وأتموها وعدلوا أركانها وراعوا شروطها وحافظوا على حدودها ، وقيل : المعنى فإذا أمنتم فأتموا الصلاة أي جنسها معدلة الأركان ولا تصلوها ماشين أو راكبين أو قاعدين ، وهو المروي عن ابن زيد ، وقيل : المعنى : فإذا اطمأننتم في الجملة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي حال القلق والانزعاج ، ونسب إلى الشافعي رضي الله عنه وليس بالصحيح لما علمت من مذهبه { وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] .
{ إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كتابا } أي مكتوباً مفروضاً { مَّوْقُوتاً } محدود الأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال فلا بدّ من إقامتها سفراً أيضاً ، وقيل : المعنى كانت عليهم أمراً مفروضاً مقدراً في الحضر بأربع ركعات وفي السفر بركعتين فلا بدّ أن تؤدى في كل وقت حسبما قدر فيه ، واستدل بالآية من حمل الذكر فيما تقدم على الصلاة وأوجبها في حال القتال على خلاف ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه .
وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)
{ وَلاَ تَهِنُواْ فِى ابتغاء القوم } أي لا تضعفوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال . { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ينالكم من الآلام مختصاً بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم أنتم لا تصبرون مع أنكم أولى بالصبر منهم حيث أنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى ما لا يخطر لهم ببال من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة ، ومن الثواب الجزيل والنعيم المقيم في الآخرة . وجوز أن يحمل الرجال على الخوف فالمعنى إن الألم لا ينبغي أن يمنعكم لأن لكم خوفاً من الله تعالى ينبغي أن يحترز عنه فوق الاحتراز عن الألم وليس لهم خوف يلجئهم إلى الألم وهم يختارونه لإعلاء دينهم الباطل فما لكم والوهن ولا يخلو عن بعد ، وأبعد منه ما قيل : إن المعنى أن الألم قدر مشترك وأنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير الذي يصح أن يرجى منه ، وأنهم يعبدون الأصنام التي لا خيرهن يرجى ولا شرهن يخشى . وقرأ أبو عبدالرحمن الأعرج { إِن تَكُونُواْ } بفتح الهمزة أي لا تهنوا لأن تكونوا تألمون؛ (4/214)
وقوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ } تعليل للنهي عن الوهن لأجله ، وقرىء تئلمون كما يئلمون بكسر حرف المضارعة ، والآية قيل : نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد ، وقيل : نزلت يوم أحد في الذهاب خلف أبي سفيان وعسكره إلى حمراء الأسد ، وروي ذلك عن عكرمة { وَكَانَ الله عَلِيماً } مبالغاً في العلم فيعلم مصالحكم وأعمالكم ما تظهرون منها وما تسرون { حَكِيماً } فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال لذلك فإن فيه عواقب حميدة وفوزاً بالمطلوب .
إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)
{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } أخرج غير واحد عن قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه أنه قال : كان أهل بيت منا يقال لهم : بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر ، وكان بشر رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينحله بعض العرب ، ويقول : قال فلان كذا ، وقال فلان كذا فإذا سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث فقال : (4/215)
أو كلما قال الرجال قصيدة ... أضموا فقالوا : ابن الأبيرق قالها
وكانوا أهل حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان طعام الناس بالمدينة التمر والشعير وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك ابتاع منها فخص بها نفسه فقدمت ضافطة فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلام فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي تعلم أنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم فقال بنو أبيرق : ونحن نسأل في الدار والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق ، وقال : أنا أسرق فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا : إليك عنا أيها الرجل فوالله ما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها ، فقال لي عمي : يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأنظر في ذلك فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته فقال : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الله تعالى المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن { ءانٍ * أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } الخ فلما نزل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عسى في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولاً قال : يا ابن أخي هو في سبيل الله فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً ثم لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد أنزل الله تعالى :
{ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول } [ النساء : 115 ] الآية ، ثم إن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه هجا سلافة فقال : (4/216)
فقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ... ينازعها جلد أستها وتنازعه
ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم ... وفينا نبي عنده الوحي واضعه
فلما سمعت ذلك حملت رحله على رأسها فألقته بالأبطح فقالت : أهديت إلى شعر حسان ما كنت تأتيني بخير ، وأخرج ابن جرير عن السدي واختاره الطبري أن يهودياً استودع طعمة بن أبيرق درعاً فانطلق بها إلى داره فحفر لها اليهودي ودفنها فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال : انطلقوا معى فإني أعرف موضع الدرع فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في دار أبي مليك الأنصاري فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها وقع به طعمة وأناس من قومه فسبوه ، وقال طعمة : أتخونوني فانطلقوا يطلبونها في داره فأشرفوا على دار أبي مليك فإذا هم بالدرع فقال طعمة : أخذها أبو مليك وجادلت الأنصار دون طعمة ، وقال لهم : انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له : ينضح عني ويكذب حجة اليهود ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمّ أن يفعل فأنزل الله تعالى الآية فلما فضح الله تعالى طعمة بالقرآن هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه ونزل على الحجاج بن علاط السلمي فنقب بيته وأراد أن يسرقه فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده فنظر فإذا هو بطعمة فقال : ضيفي وابن عمي أردت أن تسرقني؟ا فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافراً وأنزل الله تعالى فيه { وَمَن يُشَاقِقِ } [ النساء : 115 ] الخ ، وعن عكرمة أن طعمة لما نزل فيه القرآن ولحق بقريش ورجع عن دينه وعدا على مشربة للحجاج سقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه من مكة فخرج فلقي ركباً من قضاعة فعرض لهم فقالوا : ابن سبيل منقطع به فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات ، وعن ابن زيد أنه بعد أن لحق بمكة نقب بيتاً يسرقه فهدمه الله تعالى عليه فقتله ، وقيل : إنه أخرج فركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيساً فيه دنانير فأخذ وألقى في البحر .
هذا وفي تأكيد الحكم إيذان بالاعتناء بشأنه كما أن في إسناد الإنزال إلى ضمير العظمة تعظيماً لأمر المسند ، وتقديم المفعول الغير الصريح للاهتمام والتشويق ، وقوله سبحانه : { بالحق } في موضع الحال أي إنا أنزلنا إليك القرآن متلبساً بالحق { لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس } برهم وفاجرهم { بِمَا أَرَاكَ الله } أي بما عرفك وأوحى به إليك ، و ( ما ) موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول لأرى وهي من رأى بمعنى عرف المتعدية لواحد وقد تعدت لاثنين بالهمزة ، وقيل : إنها من الرأي من قولهم : رأى الشافعي كذا وجعلها علمية يقتضي التعدي إلى ثلاثة مفاعيل وحذف اثنين منها أي بما أراكه الله تعالى حقاً وهو بعيد ، وإما جعلها من رأى البصرية مجازاً فلا حاجة إليه { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ } وهم بنو أبيرق أو طعمة ومن يعينه ، أو هو ومن يسير بسيرته ، واللام للتعليل ، وقيل : بمعنى عن أي لا تكن لأجلهم أو عنهم { خَصِيماً } أي مخاصماً للبرآء ، والنهي معطوف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم كأنه قيل : إنا أنزلنا إليك الكتاب فاحكم به ولا تكن الخ ، وقيل : عطف على { أَنزَلْنَا } بتقدير قلنا ، وجوز عطفه على الكتاب لكونه منزلاً ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جداً . (4/217)
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)
{ واستغفر الله } مما قلت لقتادة أو مما هممت به في أمر طعمة وبراءته لظاهر الحال ، وما قاله صلى الله عليه وسلم لقتادة ، وكذا الهمّ بالشيء خصوصاً إذ يظن أنه الحق ليس بذنب حتى يستغفر منه لكن لعظم النبي صلى الله عليه وسلم وعصمة الله تعالى له وتنزيهه عما يوهم النقص وحاشاه أمره بالاستغفار لزيادة الثواب وإرشاده إلى التثبت وأن ما ليس بذنب مما يكاد يعدّ حسنة من غيره إذا صدر منه عليه الصلاة والسلام بالنسبة لعظمته ومقامه المحمود يوشك أن يكون كالذنب فلا متمسك بالأمر بالاستغفار في عدم العصمة كما زعمه البعض ، وقيل : يحتمل أن يكون المراد : واستغفر لأولئك الذين برءوا ذلك الخائن { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } مبالغاً في المغفرة والرحمة لمن استغفره ، وقيل : لمن استغفر له . (4/218)
وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)
{ وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } أي يخونونها وجعلت خيانة الغير خيانة لأنفسهم لأن وبالها وضررها عائد عليهم ، ويحتمل أنه جعلت المعصية خيانة فمعنى { يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يظلمونها باكتساب المعاصي وارتكاب الآثام ، وقيل : الخيانة مجاز عن المضرة ولا بعد فيه ، والمراد بالموصول إما السارق أو المودع المكافر وأمثاله ، وإما هو ومن عاونه فإنه شريك له في الإثم والخيانة ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام المقصود بالنهي ، والنهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي مرتكباً للمنهي عنه ، وقد يقال : إن ذلك من قبيل { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] ومن هنا قيل : المعنى لا تجادل أيها الإنسان . (4/219)
{ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً } كثير الخيانة مفرطاً فيها { أَثِيماً } منهمكاً في الإثم ، وتعليق عدم المحبة المراد منه البغض والسخط بصيغة المبالغة ليس لتخصيصه بل لبيان إفراط بني أبيرق وقومهم في الخيانة والإثم . وقال أبو حيان : أتى بصيغة المبالغة فيهما ليخرج منه من وقع منه الإثم والخيانة مرة ومن صدر منه ذلك على سبيل الغفلة وعدم القصد ، وليس بشيء ، وإرداف الخوان بالإثم قيل : للمبالغة ، وقيل : إن الأول : باعتبار السرقة أو إنكار الوديعة ، والثاني : باعتبار تهمة البريء ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وقدمت صفة الخيانة على صفة الإثم لأنها سبب له ، أو لأن وقوعهما كان ذلك ، أو لتواخي الفواصل على ما قيل : .
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)
{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس } أي يستترون منهم حياءاً وخوفاً من ضررهم ، وأصل ذلك طلب الخفاء وضمير الجمع عائد على { الذين يَخْتَانُونَ } [ النساء : 107 ] على الأظهر ، والجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب . وقيل : هي في موضع الحال من { مِنْ } { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } أي ولا يستحيون منه سبحانه وهو أحق بأن يستحى منه ويخاف من عقابه ، وإنما فسر الاستخفاء منه تعالى بالاستحياء لأن الاستتار منه عز شأنه محال فلا فائدة في نفيه ولا معنى للذم في عدمه ، وذكر بعض المحققين أن التعبير بذلك من باب المشالكة { وَهُوَ مَعَهُمْ } على الوجه اللائق بذاته سبحانه ، وقيل : المراد أنه تعالى عالم بهم وبأحوالهم فلا طريق إلى الاستخفاء منه تعالى سوى ترك ما يؤاخذ عليه؛ والجملة في موضع الحال من ضمير يستخفون . (4/220)
{ إِذْ يُبَيّتُونَ } أي يدبرون ولما كان أكثر التدبير مما يبيت عبر به عنه والظرف متعلق بما تعلق به قبله ، وقيل : متعلق ب { يَسْتَخْفُونَ } . { مَا لاَ يرضى مِنَ القول } من رمي البريء وشهادة الزور . قال النيسابوري : وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولاً لا إشكال فيها عند القائلين بالكلام النفسي؛ وأما عند غيرهم فمجاز ، أو لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية المكر فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه سبحانه ، وقد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك ههنا فتذكر { وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ } أي بعملهم أو بالذي يعملونه من الأعمال الظاهرة والخافية { مُحِيطاً } أي حفيظاً كما قال الحسن أو عالماً لا يعزب عنه شيء ولا يفوت كما قال غيره وعلى القولين الإحاطة هنا مجاز ونظمها البعض في سلك المتشابه .
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109)
{ هَأَنْتُمْ هَؤُلاء } خطاب للذابين مؤذن بأن تعديد جناياتهم يوجب مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع ، والجملة مبتدأ وخبر ، وقوله سبحانه : { جادلتم عَنْهُمْ * فِي الحياة الدنيا } جملة مبينة لوقوع أولاء خبراً فهو بمعنى المجادلين وبه تتم الفائدة ، ويجوز أن يكون أولاء إسماً موصولاً كما هو مذهب بعض النحاة في كل اسم إشارة ، و { جادلتم } صلته ، فالحمل حينئذ ظاهر ، والمجادلة أشد المخاصمة وأصلها من الجدل وهو شدة الفتل ، ومنه قيل للصقر : أجدل والمعنى هبوا أنكم بذلتم الجهد في المخاصمة عمن أشارت إليه الأخبار في الدنيا . (4/221)
/ { فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ * القيمة } أي فمن يخاصمه سبحانه عنهم يوم لا يكتمون حديثاً ولا يغني عنهم من عذاب الله تعالى شيء { أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ } يومئذ { وَكِيلاً } أي حافظاً ومحامياً من بأس الله تعالى وعقابه ، وأصل معنى الوكيل الشخص الذي توكل الأمور له وتسند إليه ، وتفسيره بالحافظ المحامي مجاز من باب استعمال الشيء في لازم معناه ، و { أَمْ } هذه منقطعة كما قال السمين ، وقيل : عاطفة كما نقله في «الدر المصون» ، والاستفهام كما قال الكرخي : في الموضعين للنفي أي لا أحد يجادل عنهم ولا أحد يكون عليهم وكيلاً .