صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة ، فقال جماعة : كان بوقوعه في الدنيا وأيد بما أخرجه ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال : تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال : أسلم كعب في زمان عمر رضي الله تعالى عنه أقبل وهو يريد بيت المقدس فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال : يا كعب أسلم قال : ألستم تقرءون في كتابكم : { مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } [ الجمعة : 5 ] ؟ وأنا قد حملت التوارة فتركه ، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص فسمع رجلاً من أهلها يقرأ هذه الآية فقال : رب آمنت رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيدها ، ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين ، وروي أن عبد الله بن سلام لما قدم من الشام وقد سمع هذه الآية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم ، وقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي إلى قفاي ، ثم اختلفوا فقال المبرد : إنه منتظر بعد ولا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل قيام الساعة ، وأيد بتنكير وجوه ، والتعبير بضمير الغيبة فيما يأتي ، واعترضه شيخ الإسلام بأن انصراف العذاب الموعود عن أوائلهم وهم الذين باشروا أسباب نزوله وموجبات حلوله حيث شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوها وفي التوراة فحرفوها وأصروا على الكفر والضلالة ، وتعلق بهم خطاب المشافهة بالوعيد ثم نزوله على من ( وجه بعد ما فات ) من السنين من أعقابهم الضالين بإضلالهم ( العاملين ) بما مهدوا من قوانين الغواية بعيد من حكمة العزيز الحكيم ، والجواب بأن عادة الله سبحانه قد جرت مع اليهود بأن ينتقم من أخلافهم بما صنعت أسلافهم وإن لم يعلم وجه الحكمة فيه على تقدير تسليمه لا يزيل البعد في هذه الصورة ، وقال الطبرسي : «إن هذا الوعيد كان متوجهاً إليهم لو لم يؤمن أحد منهم ، وقد آمن جماعة من أحبارهم فلم يقع ورفع عن الباقين» ، واعترض أيضاً بأن إسلام البعض إن لم يكن سبباً لتأكد نزول العذاب على الباقين لتشديدهم النكير والعناد بعد ازدياد الحق وضوحاً وقيام الحجة عليهم بشهادة أماثلهم العدول فلا أقل من أن لا يكون سبباً لرفعه عنهم ، وقيل : في الجواب إنه إذا جاز أن ينزل سبحانه البلاء على قوم بسبب عصيان بعض منهم كما يشير إليه قوله تعالى : (4/79)
{ واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال : 25 ] فلأن يجوز أن يرفع ذلك عن الكل بسبب طاعة البعض من باب أولى لأنه سبحانه الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه . وقد ورد في الأخبار ما يدل على وقوع ذلك ، ودعوى الفرق مما لا تكاد تسلم . (4/80)
وقيل : كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى : { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت } فإن لم يقع الأمر الأول فلا نزاع في وقوع الأمر الثاني فإن اليهود ملعونون بكل لسان وفي كل زمان ، فاللعن بمعناه الظاهر؛ والمراد من التشبيه بلعن أصحاب السبت الإغراق في وصفه ، واعترض بأن اللعن الواقع عليهم ما تداولته الألسنة وهو بمعزل من صلاحيته أن يكون حكماً لهذا الوعيد أو مزجرة عن مخالفة للعنيد ، فاللعن هنا الخزي بالمسخ وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن المنذر عن الضحاك وابن جرير عن الحسن ، ويؤيده ظاهر التشبيه ، وليس في عطفه على الطمس والرد على الأدبار شائبة دلالة ( عدم ) على إرادة ذلك ضرورة أنه ( تعبير ) مغاير لما عطف عليه ، والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بقوله تعالى : { قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } [ المائدة : 60 ] لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية ، وذهب البلخي والجبائي إلى أن الوعيد إنما كان بوقوع ما ذكر في الآخرة عند الحشر وسيقع فيها أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع . وأجيب عما روي عن الحبرين الظاهر في أن ذلك في الدنيا بأنه مبني على الاحتياط وغلبة الخوف اللائق ( بشأنها ) ، وقد ورد «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الدخول والخروج في الحجرات ولا يكاد يقر له قرار إذا اشتد الهواء ، ويقول : أخشى أن تقوم الساعة» مع علمه صلى الله عليه وسلم بأن قبل قيامها القائم وعيسى عليه السلام والدجال عليه اللعنة والدابة وطلوع الشمس من مغربها إلى غير ذلك مما قصه صلى الله عليه وسلم علينا ، وجوز بعضهم على تقدير كون الوعيد بالوقوع في الآخرة أن يراد بالطمس والرد على الأدبار الختم على العين والفم والطبع عليهما ، فقد قال الله تعالى : { لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ } [ ياس : 66 ] و { اليوم نَخْتِمُ على أفواههم } [ ياس : 65 ] وجوز نحو هذا بعض من ادعى أن ذلك في الدنيا فقال : إن المعنى آمنوا من قبل أن نطمس وجوهاً بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ، ونصم الأسماع عن الإصغاء إلى الحق بالطبع ، ونردها عن الهداية إلى الضلالة . وروي ذلك عن الضحاك وأخرجه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه ، والحق أن الآية ليست بنص في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر ، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا على ما في «التيسير» مما لا يلتفت إليه ، ورجح احتمال كونه في الآخرة ، وأياً مّا كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات كما قال شيخ الإسلام مراعاة المشاكلة ( بينها ) وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير والفاعل والراضي سواء ، والضمير المنصوب في نلعنهم لأصحاب الوجوه ، أو للذين على طريق الالتفات لأنه بعد تمام النداء يقتضي الظاهر الخطاب ، وأما قبله فالظاهر الغيبة ، ويجوز الخطاب لكنه غير فصيح كقوله :
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا ( كل شيء ) بعدكم عدم (4/81)
أو للوجوه إن أريد به الوجهاء { وَكَانَ أَمْرُ الله } بإيقاع شيء ما من الأشياء ، فالمراد بالأمر معناه المعروف ، ويحتمل أن يراد به واحد الأمور ولعله الأظهر أي كان وعيده أو ما حكم به وقضاه { مَفْعُولاً } نافذاً واقعاً في الحال أو كائناً في المستقبل لا محالة ، ويدخل في ذلك ما أوعدتم به دخولاً أولياً ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق ، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير بطريق الالتفات لما مر غير مرة .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)
{ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } كلام مستأنف مقرر لما قبله من الوعيد ومؤكد وجوب امتثال الأمر بالإيمان حيث إنه لا مغفرة بدونه كما زعم اليهود ، وأشار إليه قوله تعالى : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } [ الأعراف : 169 ] وفيه أيضاً إزالة خوفهم من سوء الكبائر السابقة إذا آمنوا . والشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله تعالى شأنه شريكاً إما في الألوهية أو في الربوبية ، وبمعنى الكفر مطلقاً وهو المراد هنا كما أشار إليه ابن عباس فيدخل فيه كفر اليهود دخولاً أولياً فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة كيف كانوا ، ونزول الآية في حق اليهود على ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاص بكفرهم بل يكفي الاندراج فيما يقتضيه عموم اللفظ ، والمشهور أنها نزلت مطلقة ، فقد أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال : «لما نزل قوله تعالى : { قُلْ ياأهل * عِبَادِى * الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر : 53 ] الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال : والشرك بالله؟ فسكت ، ثم قام إليه فقال : يا رسول الله والشرك بالله تعالى؟ فسكت مرتين أو ثلاثاً فنزلت هذه الآية : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } » الخ والمعنى أن الله تعالى لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأنه سبحانه بت الحكم على خلود عذابه ، وحكمه لا يتغير ، ولأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر ولذا لم يبعث نبي إلا لسده وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه ، وقيل : لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره ، ولا يخفى أن هذا مبني على أن فعل الله تعالى تابع لاستعداد المحل ، وإليه ذهب أكثر الصوفية وجميع الفلاسفة ، فإن { يُشْرَكَ } في موضع النصب على المفعولية؛ وقيل : المفعول محذوف والمعنى لا يغفر من أجل أن يشرك به شيئاً من الذنوب فيفيد عدم غفران الشرك من باب أولى ، والذي عليه المحققون هو الأول . (4/82)
{ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } عطف على خبر ( إن ) لا مستأنف ، وذلك إشارة إلى الشرك ، وفيه إيذان ببعد درجته في القبح أي يغفر ما دونه من المعاصي وإن عظمت وكانت كرمل عالج ، ولم يتب عنها تفضلاً من لدنه وإحساناً { لِمَن يَشَاء } أن يغفر له ممن اتصف بما ذكر فقط ، فالجار متعلق بيغفر المثبت ، والآية ظاهرة في التفرقة بين الشرك وما دونه بأن الله تعالى لا يغفر الأول ألبتة ويغفر الثاني لمن يشاء ، والجماعة يقولون بذلك عند عدم التوبة فحملوا الآية عليه بقرينة الآيات والأحاديث الدالة على قبول التوبة فيهما جميعاً ، ومغفرتهما عندها بلا خلاف من أحد ، وذهب المعتزلة إلى أنه لا فرق بين الشرك وما دونه من الكبائر في أنهما يغفران بالتوبة ولا يغفران بدونها فحملوا الآية كما قيل : على معنى إن الله لا يغفر الإشراك لمن يشاء أن لا يغفر له وهو غير التائب ويغفر ما دونه لمن يشاء أن يغفر له وهو التائب وجعلوا { لِمَن يَشَاء } متعلقاً بالفعلين وقيدوا المنفي بما قيد به المثبت على قاعدة التنازل لكن { مَن يَشَآء } في الأول : المصرون بالاتفاق ، وفي الثاني : التائبون قضاءاً لحق التقابل وليس هذا من استعمال اللفظ الواحد في معنيين متضادين لأن المذكور إنما تعلق بالثاني وقدر في الأول مثله والمعنى واحد لكن يقدر مفعول المشيئة في الأول : عدم الغفران ، وفي الثاني : الغفران بقرينة سبق الذكر ، ولايخفى أن كون هذا من التنازع مع اختلاف متعلق المشيئة مما لا يكاد يتفوه به فاضل ولا يرتضيه كامل على أنه لا جهة لتخصيص كل من القيدين بما خصص لأن الشرك أيضاً يغفر للتائب وما دونه لا يغفر للمصر عندهم من غير فرق بينهما ، وسوق الآية ينادي بالتفرقة وتقييد مغفرة { مَا دُونَ ذَلِكَ } بالتوبة مما لا دليل عليه إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من آيات الوعد .
وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار» أنها راجحة على آيات الوعيد بالاعتبار من ثمانية أوجه سردها هناك وزعم أنها لو لم تقيد ، وقيل : بجواز المغفرة لمن لم يتب لزم إغراء الله تعالى للعبد بالمعصية لسهولتها عليه حينئذ والإغراء بذلك قبيح يستحيل على الله سبحانه ليس بشيء ، أما أولاً : فلأنه مبني على القول بالحسن والقبح العقلين وقد أبطل في محلة ، وأما ثانياً : فلأن لو سلم يلزم منه تقبيح العفو شاهداً وهو خلاف إجماع العقلاء ، وأما ثالثاً : فلأنه منقوض بالتوبة فإنهم قالوا : بوجوب قبولها ولا يخفى أن ذلك مما يسهل على العاصي الإقدام على المعصية أيضاً ثقة منه بالتوبة حسب وثوقه بالمغفرة بل أبلغ من حيث إن التوبة مقدورة له بخلاف المغفرة فكان يجب أن لا تقبل توبته لما فيه من الإغراء وهو خلاف الإجماع فلئن قالوا : هو غير واثق بالإمهال إلى التوبة قلنا : هو غير واثق بالمغفرة لإبهام الموصول ، والقول : بأنه لو لم تشترط التوبة لزم المحاباة من الله تعالى في الغفران للبعض دون البعض والمحاباة غير جائزة عليه تعالى ساقط من القول لأن الله تعالى متفضل بالغفران وللمتفضل أن يتفضل على قوم دون قوم وإنسان دون إنسان وهو عادل في تعذيب من يعذبه ، وليس يمنع العقل والشرع من الفضل والعدل كما لا يخفى ، ومن المعتزلة من قال : إن المغفرة قد جاءت بمعنى تأخير العقوبة دون إسقاطها كما في قوله تعالى : (4/83)
{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } [ الرعد : 6 ] فإنه لا يصح هنا حملها على إسقاط العقوبة لأن الآية في الكفار والعقوبة غير ساقطة عنهم إجماعاً ، وقوله تعالى : { وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب } [ الكهف : 58 ] فإنه صريح في أن المغفرة بمعنى تأخير العقوبة فلتحمل فيما نحن فيه على ذلك بقرينة إن الله تعالى خاطب الكفار وحذرهم تعجيل العقوبة عن ترك الإيمان ، ثم قال سبحانه : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الخ فيكون المعنى إن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك بل يعجلها ويؤخر عقوبة ما دونه لمن يشاء فلا تنهض الآية دليلاً على ما هو محل النزاع على أنه لو سلم أن المغفرة فيها بمعنى إسقاط العقوبة لا يحصل الغرض أيضاً لأنه إما أن يراد إسقاط كل واحد واحد من أنواع العقوبة ، أو يراد إسقاط جملة العقوبات ، أو يراد إسقاط بعض أنواعها لا سبيل إلى الأول لعدم دلالة اللفظ عليه بقي الاحتمالان الآخران ، وعلى الأول : منهما لا يلزم من كونه لا يعاقب بكل أنواع العقوبات أن لا يعاقب ببعضها ، وعلى الثاني : لا يلزم من إسقاط بعض الأنواع إسقاط البعض الآخر . (4/84)
وأجيب بأن حمل المغفرة على إسقاط العقوبة أولى من حملها على التأخير لثلاثة أوجه : الأول : أنه المعنى المتبادر من إطلاق اللفظ ، الثاني : أنه لو حمل لفظ المغفرة في الآية على التأخير لزم منه التخصيص في أن الله لا يغفر أن يشرك به لأن عقوبة الشرك مؤخرة في حق كثير من المشركين بل ربما كانوا في أرغد عيش وأطيبه بالنسبة إلى عيش بعض المؤمنين وأن لا يفرق في مثل هذه الصورة بين الشرك وما دونه بخلاف حملها على الإسقاط ، الثالث : أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين لم يزالوا مجمعين على حمل لفظ المغفرة في الآية على سقوط العقوبة وما وقع عليه الإجماع هو الصواب وضده لا يكون صواباً . وقولهم : لا يحصل الغرض أيضاً لو حملت على ذلك لأنه إما أن يراد الخ قلنا بل المراد إسقاط كل واحد واحد وبيانه أن قوله سبحانه : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } سلب للغفران فإذا كان المفهوم من الغفران إسقاط العقوبة فسلب الغفران سلب السلب فيكون إثباتاً ، ومعناه إقامة العقوبة ، وعند ذلك فإما أن يكون المفهوم إقامة كل أنواع العقوبات ، أو بعضها لا سبيل إلى الأول لاستحالة الجمع بين العقوبات المتضادة ولأن ذلك غير مشترط في حق الكفار إجماعاً فلم يبق إلا الثاني ، ويلزم من ذلك أن يكون الغفران فيما دون الشرك بإسقاط كل عقوبة وإلا لما تحقق الفرق بين الشرك وما دونه ، ومنهم من وقع في حيص بيص في هذه الآية حتى زعم أن { وَيَغْفِرْ } عطف على المنفي والنفي منسحب عليهما ، والآية للتسوية بين الشرك وما دونه لا للتفرقة ، ولا يخفى أنه من تحريف كلام الله تعالى ووضعه في غير مواضعه .
ومن الجماعة من قال في الرد على المعتزلة : إن التقييد بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة ووجوب الصفح بعدها ، وتعقبه صاحب «الكشف» بأنه لم يصدر عن ثبت لأن الوجوب بالحكمة يؤكد المشيئة عندهم ، وأيضاً قد أشار الزمخشري في هذا المقام إلى أن المشيئة بمعنى الاستحقاق وهي تقتضي الوجوب وتؤكده فلا يرد ما ذكر رأساً . ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة يرد بها على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار ، وذكر الجلال السيوطي أن فيها رداً أيضاً على المرجئة القائلين : إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون . وأخرج ابن الضريس وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال : «كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } » الآية ، وقال : إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا ورجونا ، وقد استبشر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الآية جداً حتى قال علي كرم الله تعالى وجهه فيما أخرجه عنه الترمذي وحسنه : أحب آية إليّ في القرآن { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } . (4/85)
{ وَمَن يُشْرِكْ بالله } استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لإدخال الروعة وزيادة تقبيح الإشراك ، وتفظيع حال من يتصف به أي ومن يشرك بالله تعالى الجامع لجميع صفات الكمال من الجمال والجلال أي شرك كان { فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً } أي ارتكب ما يستحقر دونه الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعاً ، وأصل الافتراء من الفري ، وهو القطع ولكون قطع الشيء مفسدة له غالباً غلب على الإفساد ، واستعمل في القرآن بمعنى الكذب والشرك والظلم كما قاله الراغب ، فهو ارتكاب ما لا يصلح أن يكون قولاً أو فعلاً ، فيقع على اختلاف الكذب وارتكاب الإثم ، وهو المراد هنا ، وهل هو مشتك بين اختلاق الكذب وافتعال ما لا يصلح أم حقيقة في الأول مجاز مرسل أو استعارة في الثاني؟ قولان : أظهرهما عند البعض الثاني ، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الشرك أعم من القولي والفعلي لأن المراد معنى عام وهو ارتكاب ما لا يصلح ، وفي «مجمع البيان» التفرقة بين فريت وأفريت في أصل المعنى بأنه يقال : «فريت الأديم إذا قطعته على وجه الإصلاح ، وأفريته إذا قطعته على وجه الإفساد» .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49)
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } قال الكلبي : نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا : يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ فقال : لا فقالوا : والذي يحلف به ما نحن فيه إلا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار فهذا الذي زكوا به أنفسهم؛ وأخرج ابن جرير عن الحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا : { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] وقالوا : { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة : 111 ] والمعنى : انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم ، أو من ادعائهم أن الله تعالى يكفر ذنوبهم الليلية والنهارية مع استحالة أن يغفر لكافر شيء من كفره أو معاصيه ، وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها لغير غرض صحيح كالتحدث بالنعمة ونحوه { بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء } إبطال لتزكية أنفسهم وإثبات لتزكية الله تعالى وكون ذلك للإضراب عن ذمهم بتلك التزكية إلى ذمهم بالبخل والحسد بعيد لفظاً ومعنى ، والجملة عطف على مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل : هم لا يزكونها في الحقيقة بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستأهل من عباده المؤمنين إذ هو العليم الخبير وأصل التزكية التطهير والتنزيه من القبيح قولاً كما هو ظاهر أو فعلاً كقوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } [ الشمس : 9 ] ، و { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } [ التوبة : 103 ] . (4/86)
{ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } عطف على جملة حذفت تعويلاً على دلالة الحال عليها ، وإيذاناً بأنها غنية عن الذكر أي يعاقبون بتلك الفعلة الشنيعة ولا يظلمون في ذلك العقاب أدنى ظلم وأصغره وهو المراد بالفتيل ، وهو الخيط الذي في شق النواة وكثيراً ما يضرب به المثل في القلة والحقارة كالنقير للنقرة التي في ظهرها والقطمير وهو قشرتها الرقيقة ، وقيل : الفتيل ما خرج بين إصبعيك وكفيك من الوسخ ، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي مالك والسدي رضي الله تعالى عنهم ، وجوز أن تكون جملة { وَلاَ يُظْلَمُونَ } في موضع الحال والضمير راجع إلى من حملا له على المعنى أي والحال أنهم لا ينقصون من ثوابهم أصلاً بل يعطونه يوم القيامة كملاً مع ما زكاهم الله تعالى ومدحهم في الدنيا . وقيل : هو استئناف ، والضمير عائد على الموصولين من زكى نفسه ، ومن زكاه الله تعالى أي لا ينقص هذا من ثوابه ولا ذاك من عقابه ، والأول أمس بمقام الوعيد ، وانتصاب { فَتِيلاً } على أنه مفعول ثان كقولك : ظلمته حقه ، قال علي بن عيسى : ويحتمل أن يكون تمييزاً كقولك : تصببت عرقاً .
انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)
/ { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } في زعمهم أنهم أزكياء عند الله تعالى المتضمن لزعمهم قبول الله تعالى وارتضاءه إياهم ولشناعة هذا لما فيه من نسبته تعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية وجه النظر إلى كيفيته تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب الدال عليه الكلام وإلا فهم أيضاً مفترون على أنفسهم بادعائهم الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه ، و { كَيْفَ } في موضع نصب إما على التشبيه بالظرف أو بالحال على الخلاف المشهور بين سيبويه والأخفش ، والعامل { يَفْتَرُونَ } و { بِهِ } متعلق به . وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من الكذب ، وقيل : هو متعلق به ، والجملة في موضع النصب بعد نزع الخافض وفعل النظر معلق بذلك والتصريح بالكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذباً للمبالغة في تقبيح حالهم { وكفى بِهِ } أي بافترائهم ، وقيل : بهذا الكذب الخاص { إِثْماً مُّبِيناً } لا يخفى كونه مأثماً من بين آثامهم وهذا عبارة عن كونه عظيماً منكراً ، والجملة كما قال عصام الملة : في موضع الحال بتقدير قد أي كيف يفترون الكذب والحال أن ذلك ينافي مضمونه لأن إثم مبين والآثم المبين غير المتحاشي عنه مع ظهوره لا يكون ابن الله سبحانه وتعالى وحبيبه ولا يكون زكياً عند الله تعالى ، وانتصاب { ءاثِماً } على التمييز . (4/87)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51)
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت } تعجيب من حال أخرى لهم ووصفهم بما في حيز الصلة تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب ، وقد تقدم نظيره ، والآية نزلت كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود ، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة : إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب فلا يؤمن هذا أن يكون مكراً منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل ، ثم قال كعب : يا أهل مكة ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب : أعرضوا عليّ دينكم ، فقال أبو سفيان : نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم اللبن ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم ومحمد صلى الله عليه وسلم فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث ، فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك الآية ، و الجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل معبود غير الله تعالى ، وقيل : أصله الجبس وهو كما قال الراغب : الرذيل الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاءاً كما في قول عمرو بن يربوع : شرار النات أي الناس ، وإلى ذلك ذهب قطرب والطاغوت يطلق على كل باطل من معبود أو غيره . وأخرج الفريابي وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : «الجبت الساحر والطاغوت الشيطان» . وأخرج ابن جرير من طرق عن مجاهد مثله ، ومن طريق أبي الليث عنه قال : الجبت كعب بن الأشرف ، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان ، وعن سعيد بن جبير الجبت الساحر بلسان الحبشة ، والطاغوت الكاهن وأخرج ابن حميد عن عكرمة أن الجبت الشيطان بلغة الحبشة ، والطاغوت الكاهن وهي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفي رواية أخرى الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف ، وفي أخرى الجبت الأصنام ، والطاغوت الذين يكونون بين يديها يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس ، ومعنى الإيمان بهما إما التصديق بأنهما آلهة وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى ، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل ، وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلاً ، والمتبادر المعنى الأول أي أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق ويسجدون لهما . (4/88)
{ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي لأجلهم وفي حقهم فاللام ليست صلة القول وإلا لقيل أنتم بدل قوله سبحانه { هَؤُلاء } أي الكفار من أهل مكة . { أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ سَبِيلاً } أي أقوم ديناً وأرشد طريقة ، قيل : والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى التشريك فيه؛ أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم ، وإيراد النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه بعنوان الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفاً لهم بالوصف الجميل وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأشنع القبائح . (4/89)
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)
{ أولئك } القائلون المبعدون في الضلالة { الذين لَعَنَهُمُ الله } أي أبعدهم عن رحمته وطردهم ، واسم الإشارة مبتدأ والموصول خبره ، والجملة مستأنفة لبيان حالهم وإظهار مآلهم { وَمَن يَلْعَنِ } أي يبعده { الله } من رحمته { فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً } أي ناصراً يمنع عنه العذاب دنيوياً كان أو أخروياً بشفاعة أو بغيرها ، وفيه بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركي قريش وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون حيث كانوا بضد هؤلاء فهم الذين قربهم الله تعالى ومن يقربه الله تعالى فلن تجد له خاذلاً . وفي الإتيان بكلمة لن وتوجيه الخطاب إلى كل واحد يصلح له وتوحيد النصير منكراً والتعبير عن عدمه بعدم الوجدان المؤذن بسبق الطلب مسنداً إلى المخاطب العام من الدلالة على حرمانهم الأبدي عن الظفر بما أملوا بالكلية ما لا يخفى ، وإن اعتبرت المبالغة في نصير متوجهة للنفي كما قيل ذلك في قوله سبحانه : { وَمَا رَبُّكَ بظلام } [ فصلت : 46 ] قوى أمر هذه الدلالة . (4/90)
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)
{ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك } شروع في تفصيل بعض آخر من قبائحهم ، و { أَمْ } منقطعة فتقدر ببل ، والهمزة أي بل آلهم ، والمراد إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ، وجحد لما تدعيه اليهود من أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان . وعن الجبائي أن المراد بالملك ههنا النبوة أي ليس لهم نصيب من النبوة حتى يلزم الناس اتباعهم وإطاعتهم والأول أظهر لقوله تعالى شأنه { فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس } أي أحداً أو الفقراء أو محمداً صلى الله عليه وسلم وأتباعه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { نَقِيراً } أي شيئاً قليلاً ، وأصله ما أشرنا إليه آنفاً . وأخرج ابن جرير من طريق أبي العالية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : هذا النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم نقرها . وحاصل المعنى على ما قيل : إنهم لا نصيب لهم من الملك لعدم استحقاقهم له بل لاستحقاقهم حرمانه بسبب أنهم لو أوتوا نصيباً منه لما أعطوا الناس أقل قليل منه ، ومن حق من أوتي الملك الإيتاء وهم ليسوا كذلك ، فالفاء في { فَإِذَا } للسببية والجزائية لشرط محذوف هو أن حصل لهم نصيب لا لو كان لهم نصيب كما قدره الزمخشري لأن الفاء لا تقع في جواب لو سيما مع إذا والمضارع ، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة والهمزة لإنكار المجموع من المعطوف والمعطوف عليه بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون هذا الذي وقع وهو أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك حيث كانت لهم أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك ويعقبه منهم البخل بأقل قليل ، وفائدة { إِذَا } زيادة الإنكار والتوبيخ حيث يجعلون ثبوت النصيب الذي هو سبب الإعطاء سبباً للمنع ، والفرق بين الوجهين أن الإنكار في الأول : متوجه إلى الجملة الأولى وهو بمعنى إنكار الوقوع . وفي الثاني : متوجه لمجموع الأمرين وهو بمعنى إنكار الواقع ، و ( إذاً ) في الوجهين ملغاة ، ويجوز إعمالها لأنه قد شرط في إعمالها الصدارة فإذا نظر إلى كونها في صدر جملتها أعملت ، وإن نظر إلى العطف وكونها تابعة لغيرها أهملت ، ولذا قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم فإذاً لا يؤتوا الناس بالنصب على الإعمال . (4/91)
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54)
{ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس } انتقال من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم بالحسد الذي هو من أقبح الرذائل المهلكة من اتصف بها دنيا وأخرى ، وذكره بعده من باب الترقي ، و { أَمْ } منقطعة والهمزة المقدرة بعدها لإنكار الواقع ، والمراد من الناس سيدهم بل سيد الخليقة على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم هذا ذهب عكرمة ومجاهد والضحاك وأبو مالك وعطية ، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «قال أهل الكتاب : زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة وليس همه إلا النكاح فأي ملك أفضل من هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية» . وذهب قتادة والحسن وابن جريج إلى أن المراد بهم العرب ، وعن أبي جعفر وأبي عبد الله أنهم النبي وآله عليه وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام ، وقيل : المراد بهم جميع الناس الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم من الأسود والأحمر أي بل أيحسدونهم { على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } يعني النبوة وإباحة تسع نسوة أو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منهم ونزول القرآن بلسانهم أو جمعهم كمالات تقصر عنها الأماني ، أو تهيئة سبب رشادهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ، والحسد على هذا مجاز لأن اليهود لما نازعوه في نبوته صلى الله عليه وسلم التي هي إرشاد لجميع الناس فكأنما حسدوهم جمع { فَقَدْ ءاتَيْنَا } تعليل للإنكار والاستقباح وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر ، والفاء كما قيل : فصيحة أي أن يحسدوا الناس على ما أوتوا فقد أخطأوا إذ ليس الإيتاء ببدع منا لأنا قد آتينا من قبل هذا { ءالَ إبراهيم * الكتاب } أي جنسه والمراد به التوراة والإنجيل أو هما والزبور { والحكمة } أي النبوة ، أو إتقان العلم والعمل ، أو الأسرار المودعة في الكتاب أقوال { وءاتيناهم } مع ذلك { مُّلْكاً عَظِيماً } لا يقادر قدره ، وجوز أن يكون المعنى أنهم لا ينتفعون بهذا الحسد فإنا قد آتينا هؤلاء ما آتينا مع كثرة الحساد الجبابرة من نمروذ . وفرعون . وغيرهما فلم ينتفع الحاسد ولم يتضرر المحسود ، وأن يراد أن حسدهم هذا في غاية القبح والبطلان فإنا قد آتينا من قبل أسلاف هذا النبي المحسود صلى الله عليه وسلم وأبناء عمه ما آتيناهم فكيف يستبعدون نبوته عليه الصلاة والسلام ويحسدونه على إيتائها وتكرير الإيتاء لما يقتضيه مقام التفصيل مع الإشعار بما بين الملك وما قبله من المغايرة ، والمراد من الإيتاء إما الإيتاء بالذات وإما ما هو أعم منه ومن الإيتاء بالواسطة ، وعلى الأول : فالمراد من آل إبراهيم أنبياء ذريته ، ومن الضمير الراجع إليهم من { ءاتيناهم } بعضهم ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام ، وخصه السدي بما أحل لداود . (4/92)
وسليمان من النساء فقد كان للأول تسع وتسعون امرأة ولولده ثلثمائة امرأة ومثلها سرية» وعن محمد بن كعب قال : «بلغني أنه كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية» ، وعلى الثاني : فالمراد بهم ذريته كلها فإن تشريف البعض بما ذكر تشريف ( للكل لاغتنامهم بآثار ذلك واقتباسهم من أنوار ) . ومن الناس من فسر الحكمة بالعلم والملك العظيم بالنبوة ، ونسب ذلك إلى الحسن ومجاهد ، ولا يخفى أن إطلاق الملك العظيم على النبوة في غاية البعد والحمل على المتبادر أولى . (4/93)
فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)
{ فَمِنْهُمْ } أي من جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم { مَنْ ءامَنَ بِهِ } أي بما أوتي آل إبراهيم { وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ } أي أعرض { عَنْهُ } ولم يؤمن به وهذا في رأي حكاية لما صدر عن أسلافهم عقيب وقوع المحكي من غير أن يكون له دخل في الإلزام ، وقيل : له دخل في ذلك ببيان أن الحسد لو لم يكن قبيحاً لأجمع عليه أسلافهم فلم يؤمن منهم أحد كما أجمعوهم عليه فلم يؤمن أحد منهم ، وليس بشيء ، وقيل : معناه فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من كفر ، ولم يكن في ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك فضمير { بِهِ } و { عَنْهُ } على هذا لإبراهيم ، وفيه تسلية له عليه الصلاة والسلام ورجوع الضميرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وجعل الكلام متفرعاً على قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب } [ النساء : 47 ] أو على قوله سبحانه : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين } الخ في غاية البعد ، وكذا جعل الضميرين لما ذكر من حديث آل إبراهيم { وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } أي ناراً مسعرة موقدة إيقاداً شديداً أي إن انصرف عنهم بعض العذاب في الدنيا فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم في العقبى . (4/94)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً } استئناف وقع كالبيان والتقرير لما قبله ، والمراد بالموصول إما الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وإما ما يعمهم وغيرهم ممن كفر بسائر الأنبياء عليهم السلام ، ويدخل أولئك دخولاً أولياً ، وعلى الأول : فالمراد بالآيات إما القرآن أو ما يعم كله وبعضه ، أو ما يعم سائر معجزاته عليه الصلاة والسلام ، وعلى الثاني : فالمراد بها ما يعم المذكورات وسائر الشواهد التي أتى بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدعاهم ، و { سَوْفَ } كما قال سيبويه : كلمة تذكر للتهديد والوعيد ، وتنوب عنها السين كما في قوله تعالى : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [ المدثر : 26 ] وقد تذكر للوعد كما في قوله سبحانه : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } [ الضحى : 5 ] و { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى } [ يوسف : 98 ] ؛ وكثيراً ما تفيد هي والسين توكيد الوعيد ، وتنكير { نَارًا } للتفخيم أي : يدخلون ولا بد ناراً هائلة (4/95)
{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } أي احترقت وتهرت وتلاشت ، من نضج الثمر واللحم نضجاً ونضجاً إذا أدرك ، و { كُلَّمَا } ظرف زمان والعامل فيه { بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلداً جديداً مغايراً للمحترق صورة وإن كانت مادته الأصلية موجودة بأن يزال عنه الإحراق فلا يرد أن الجلد الثاني لم يعص فكيف يعذب؟ وذلك لأنه هو العاصي باعتبار أصله فإنه لم يبدل إلا صفته ، وعندي أن هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلاً عن فاضل ، وذلك لأن عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لأنه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور وهو أشبه الأشياء بالآلة فَيَدُ قاتل النفس ظلماً مثلاً آلة له كالسيف الذي قتل به ولا فرق بينهما إلا بأن اليد حاملة للروح ، والسيف ليس كذلك ، وهذا لا يصلح وحده سبباً لإعادة اليد بذاتها وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقه لأن ذلك الحمل غير اختياري ، فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي أي جلد كانت وكذا يقال في النعيم ، ويؤيد هذا أن من أهل النار من يملأ زاوية من زوايا جهنم وأن سن الجهنمي كجبل أحد ، وأن أهل الجنة يدخلونها على طول آدم عليه السلام ستين ذراعاً في عرض سبعة أذرع ، ولا شك أن الفريقين لم يباشروا الشر والخير بتلك الأجسام بل من أنصف رأى أن أجزاء الأبدان في الدنيا لا تبقى على كميتها كهولة وشيوخة وكون الماهية واحدة لا يفيد لأنا لم ندع فيما نحن فيه أن الجلد الثاني يغاير الأول كمغايرة العرض للجوهر أو الإنسان للحجر بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلاً على أنه لو قيل : إن الكافر يعذب أولاً : ببدن من حديد تحله الروح ، وثانياً : ببدن من غيره كذلك لم يسغ لأحد أن يقول : إن الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنار ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجسماني بحيث صار إنكاره كفراً لم يبعد عقلاً القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط .
ولما توقف الأمر عقلاً على إثبات الأجسام أصلاً ، ولا يتوهم من هذا أني أقول باستحالة إعادة المعدوم معاذ الله تعالى ، ولكني أقول بعدم الحاجة إلى إعادته وإن أمكنت ، والنصوص في هذا الباب متعارضة ، فمنها ما يدل على إعادة الأجسام بعينها بعد إعدامها ، ومنها ما يدل على خلق مثلها وفناء الأولى ، ولا أرى بأساً بعد القول بالمعاد الجسماني في اعتقاد أي الأمرين كان ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الآيات التي يدل ظاهرها على إعادة العين مثل قوله سبحانه : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النور : 24 ] وما في «شرح البخاري» للسفيري من أنه لا تزال الخصومة بين الناس حتى تختصم الروح والجسد يوم القيامة ، فتقول الروح للجسد : أنت فعلت وأني كنت ريحاً ولولاك لم أستطع أن أعمل شيئاً ، ويقول الجسد للروح : أنت أمرت وأنت سولت ولولاك لكنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يداً ولا رجلاً ، فيبعث الله تعالى ملكاً يقضي بينهما فيقول لهما : إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير : إني أرى ههنا ثماراً لكن لا أصل إليها فقال له الضرير : اركبني فتناولها فأيهما المتعدي؟ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك : فإنكما قد حكمتما على أنفسكما لا أراه صحيحاً لظهور الفرق بين المثال والممثل له فإن الحامل فيما نحن فيه لا اختيار له ولا شعور بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يكون هناك شعور لكن لا شعور لنا به» ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لتحقيق هذا المقام ، ثم إن هذا التبديل كيفما كان يكون في الساعة الواحدة مرات كثيرة . فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر قال : «قرىء عند عمر هذه الآية فقال كعب : عندي تفسيرها قرأتها قبل الإسلام فقال هاتها يا كعب فإن جئت بها سمعت كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك قال : إني قرأتها قبل ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة ) فقال عمر : هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن قال : «بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة كلما نضجتهم النار وأكلت لحومهم قيل لهم : عودوا فعادوا» . (4/96)
{ لِيَذُوقُواْ العذاب } أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز : أعزك الله والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق من حيث إنه لا يدخله نقصان بدوام الملابسة ، أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو للتنبيه على شدة تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيراً أو على سرايته للباطن ، ولعل السر في تبديل الجلود مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه بحال مع الاحتراق أو مع بقاء أبدانهم على حالها مصونة عنه أن النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون مصونة عن التألم والعذاب صيانة بدنها عن الاحتراق قاله مولانا شيخ الإسلام ، وقيل : السر في ذلك أن في النضج والتبديل نوع إياس لهم وتجديد حزن على حزن ، وأنكر بعضهم نضج الجلود بالمعنى المتبادر وتبديلها زاعماً أن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله سبحانه بقوله :
{ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } [ إبراهيم : 50 ] وسميت السرابيل جلوداً للمجاورة ، وفيه أنه ترك للظاهر ، ويوشك أن يكون خلاف المعلوم ضرورة ، وأن السرابيل لا توصف بالنضج وكأنه ما دعاه إلى هذا الزعم سوى استبعاد القول بالظاهر ، وليس هو بالبعيد عن قدرة الله سبحانه وتعالى { إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً } أي لم يزل منيعاً لا يدافع ولا يمانع ، وقيل : إنه قادر لا يمتنع عليه ما يريده مما تواعد أو وعد به { حَكِيماً } في تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه؛ والجملة تعليل لما قبلها من الإصلاء والتبديل وإظهار الاسم الجليل لتعليل الحكم مع ما مر مراراً . (4/97)
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57)
{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } عقب بيان سوء حال الكفرة ببيان حسن حال المؤمنين تكميلاً للمساءة والمسرة ، وقدم بيان حال الأولين لأن الكلام فيهم ، والمراد بالموصول إما المؤمنون بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وإما ما يعمهم وسائر من آمن من أمم الأنبياء عليهم السلام أي إن الذين آمنوا بما يجب الإيمان به وعملوا الأعمال الحسنة { سَنُدْخِلُهُمْ جنات * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار } قرأ عبد الله سيدخلهم بالياء والضمير للاسم الجليل ، وفي السين تأكيد للوعد ، وفي اختيارها هنا واختيار { سَوْفَ } في آية الكفر ما لا يخفى . (4/98)
{ خالدين فِيهَا أَبَداً } إعظاماً للمنة وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب في { سَنُدْخِلُهُمْ } وقوله تعالى : { لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } أي من الحيض والنفاس وسائر المعايب والأدناس والأخلاق الدنيئة والطباع الرديئة لا يفعلن ما يوحش أزواجهن ولا يوجد فيهن ما ينفر عنهن ، في محل النصب على أنه حال من ( جنات ) ، أو حال ثانية من الضمير المنصوب أو أنه صفة لجنات بعد صفة ، أو في محل الرفع على أنه خبر للموصول بعد خبر . والمراد أزواج كثيرة كما تدل عليه الأخبار .
{ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً } أي فيناناً لا وجوب فيه ، ودائماً لا تنسخه الشمس وسجسجاً لا حر فيه ولا قرّ ، رزقنا الله تعالى التفيؤ فيه برحمته إنه أرحم الراحمين ، والمراد بذلك إما حقيقته ولا يمنع منه عدم الشمس وإما أنه إشارة إلى النعمة التامة الدائمة ، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل للتأكيد كما هو عادتهم في نحو يوم أيوم ، وليل أليل وقال الإمام المرزوقي : إنه مجرد لفظ تابع لما اشتق منه وليس له معنى وضعي بل هو كبسن في قولك : حسن بسن ، وقرىء { *يدخلهم } بالياء عطف على { لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ } لا على أنه غير الإدخال الأول بالذات بل بالعنوان كما في قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } [ هود : 58 ] .
هذا ومن باب الإشارة : في الآيات { حَدِيثاً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } خطاب لأهل الإيمان العلمي ، ونهي لهم أن يناجوا ربهم أو يقربوا مقام الحضور والمناجاة مع الله سبحانه وتعالى في حال كونهم سكارى خمر الهوى ومحبة الدنيا ، أو نوم الغفلة حتى يصحوا ولا يشتغلوا بغير مولاهم ، والمقصود النهي عن إشغال القلب بسوى الرب ، وقيل : إنه خطاب لأهل المحبة العشق الذين أسكرهم شراب ليلى ومدام مي ، فبقوا حيارى مبهوتين لا يميزون الحي من الليّ ولا يعرفون الأوقات ولا يقدرون على أداء شرائط الصلوات فكأنهم قيل لهم : يا أيها العارفون بي وبصفاتي وأسمائي السكارى من شراب محبتي وسلسبيل أنسي وتسنيم قدمي وزنجبيل قربي ومدام عشقي وعقار مشاهدتي إذا كشفت لكم جمالي وآنستكم في مقام ربوبيتي فلا تكلفوا نفوسكم أداء الرسوم الظاهرة لأنكم في جنان مشاهدتي ، وليس في الجنان تقييد ، وإذا سكنتم من سكركم وصرتم صاحين بنعت التمكين فأدوا ما افترضته عليكم وقوموا لله قانتين وحاصله رفع التكليف عن المجذوبين الغارقين في بحار المشاهدة إلى أن يعقلوا ويصحوا ، فالإيمان على هذا محمول على الإيمان العيني والمعنى الأول أولى بالإشارة { وَلاَ جُنُباً } أي ولا تقربوا الصلاة في حال كونكم بعداء عن الحق لشدة الميل إلى النفس ولذاتها { إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } أي سالكي طريق من طرق تمتعاتها بقدر الضرورة كعبور طريق الاغتذاء بالمأكل والمشرب لسد الرمق أو الاكتساء لدفع ضرورة الحر والقرّ وستر العورة ، أو المباشرة لحفظ النسل { حتى تَغْتَسِلُواْ } وتتطهروا بمياه التوبة والاستغفار وحسن التنصل والاعتذار { وَإِنْ كُنتُم مرضى } بأدواء الرذائل { أَوْ على سَفَرٍ } في بيداء الجهالة والحيرة لطلب الشهوات { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط } أي الاشتغال بلوث المال ملوثاً محبته { أَوْ لامستم النساء } أي لازمتم النفوس وباشرتموها في قضاء وطرها { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } علماً يهديكم إلى التخلص عن ذلك { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } أي فاقصدوا صعيد استعدادكم أو ارجعوا إلى المرشدين أرباب الاستعداد { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } أي امسحوا ذواتكم وصفاتكم بما يتصاعد من أنوار استعدادهم وتخلقوا بأخلاقهم واسلكوا مسالكهم حتى تمحى عنكم تلك الهيئات المهلكة وتبقى أنفسكم صافية { إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً } يعفو عما صدر منكم بمقتضى تلك الهيئات
{ غَفُوراً } [ النساء : 34 ] يستر الشين بالزين { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا } أي بعضاً { مّنَ الكتاب } وهو اعترافهم بالحق مع احتجابهم برؤية الخلق { يَشْتَرُونَ الضلالة } ويتركون التوحيد الحقيقي { وَيُرِيدُونَ } مع ذلك { أَن تَضِلُّواْ السبيل } [ النساء : 44 ] الحق وهو التوحيد الصرف وعدم رؤية الأغيار فتكونوا مثلهم { والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } وعنى بهم أولئك الموصوفين بما ذكر ، وسبب عداوتهم لهم اختلاف الأسماء الظاهرة فيهم ولهذا ودوا تكفيرهم { وكفى بالله وَلِيّاً } يلي أموركم بالتوفيق لطريق التوحيد { وكفى بالله نَصِيراً } [ النساء : 45 ] ينصركم على أعدائكم فلا يستطيعون إيذاءكم وردكم عما أنتم عليه من الحق { مّنَ الذين هَادُواْ } رجعوا عن مقتضى الاستعداد من نفي السوي إلى ما سولت لهم أنفسهم واستنتجته أفكارهم وأيدته أنظارهم ودعت إليه علومهم الرسمية { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } يحتمل أن يراد بالكلم معناها الظاهر أي أنهم يؤولون جميع ما يشعر ظاهره بالوحدة على حسب إرادتهم زاعمين أنه لا يمكن أن يكون غير ذلك مراداً لله تعالى لا قصداً ولا تبعاً لا عبارة ولا إشارة ، ويحتمل أن يراد بها هذه الممكنات فإنها كلم الله تعالى بمعنى الدوال عليه ، أو كلمه بمعنى آثار كلمه أعني كن المتعددة حسب تعدد تعلقات الإرادة . (4/99)
ومعنى تحريفها عن مواضعها إمالتها عما وضعها الله تعالى فيه من كونها مظاهر أسمائه فيثبتون لها وجوداً غير وجود الله تعالى : { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا } ما يشعر بالوحدة أو سمعنا ما يقال في هذه الممكنات { وَعَصَيْنَا } فلا نقول بما تقولون ولا نعتقد ما تعتقدون { *و } يقولون أيضاً في أثناء مخاطبتهم للعارف مستخفين مستهزئين به { عَظِيمٍ أَسْمِعْ } ما يعارض ما تدعيه { غَيْرَ مُسْمَعٍ } أي لا أسمعك الله { وراعنا } يعنون رميه بالرعونة وهي الحماقة { لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدين } [ النساء : 46 ] الذي عليه العارف بربه { قَلِيلاً يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب } أي فهموا عليه الظاهر ولم يفهموا ما أشار إليه من علم الباطن { بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً } على قلوب أوليائي من العلم اللدني { مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ } من علم الظاهر إذ كل باطن يخالف الظاهر فهو باطل { مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } وهي وجوه القلوب بالعمى { فَنَرُدَّهَا على أدبارها } ناظرة إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانت في أصل الفطرة متوجهة إلى ما في الميثاق الأول { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت } [ النساء : 47 ] فنمسخ صورهم المعنوية كما مسخنا صور اليهود الحسية ، ويحتمل أن يكون هذا خطاباً لمن أوتي كتاب الاستعداد أمرهم بالإيمان الحقيقي وهددهم بإزالة استعدادهم وردهم إلى أسفل سافلين ، وإبعادهم بالمسخ { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } إلا بالتوبة عنه لشدة غيرته «لا أحد أغير من الله» { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أن يغفر له تاب أو لم يتب ، وقد ذكروا أن الشرك ثلاث مراتب ولكل مرتبة توبة : فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام كعبدة الأصنام والكواكب مثلاً ، وتوبته إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية ، وشرك خفي بالأوصاف وهو للخواص وفسر بشوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية وتوبته الالتفات عن ذلك الالتفات وشرك أخفى لخواص الخواص وهو الأنانية وتوبته بالوحدة وهي فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية { وَمَن يُشْرِكْ بالله } أيّ شرك كان من هذه المراتب { فَقَدِ افترى } وارتكب حسب مرتبته { إِثْماً عَظِيماً } [ النساء : 48 ] لا يقدر قدره { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } كعلماء السوء من أهل الظاهر الذين لم يحصلوا من علومهم سوى العجب والكبر والحسد والحقد وسائر الصفات الرذيلة { بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء } [ النساء : 49 ] كالعارفين به الذين لا يرون لأنفسهم فعلاً ، ويحتمل أن يكون هذا تعجيباً ممن يزكي نفسه بنفسه ويسلك في مسالك القوم على رأيه غير معتمد على مرب مرشد له من ولي كامل أو أثارة من علم إلهي كبعض المتفلسفين من أهل الرياضات { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } بادعاء تزكية نفوسهم من صفاتها وما تزكت أو بانتحال صفات الله تعالى إلى أنفسهم مع وجودها (4/100)
{ وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً } [ النساء : 50 ] ظاهراً لا خفاء فيه { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين * أَتَوْا * نَصِيباً } بعضاً { مّنَ الكتاب } الجامع ، وأشير به إلى علم الظاهر { يُؤْمِنُونَ بالجبت } أي بجبت النفس { والطاغوت } أي طاغوت الهوى فيميلون مع أنفسهم وهواهم { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي لأجل الذين ستروا الحق { هَؤُلاء أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ } الإيمان الحقيقي { سَبِيلاً } [ النساء : 51 ] { أولئك الذين * لَّعَنَهُمُ الله } أي أبعدهم عن معرفته وقربه { وَمَن يَلْعَنِ } أي يبعده { الله } عن ذلك { فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً } [ النساء : 52 ] يهديه إلى الحق { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً } [ النساء : 53 ] ذم لهم بالبخل الذي هو الوصمة الكبرى عند أهل الله تعالى { مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم } من المعرفة وإعزازهم بين خلقه وإرشادهم لمن استرشدهم { فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم } وهم المتبعون له على ملته من أهل المحبة والخلة { الكتاب } أي علم الظاهر أو الجامع له ولعلم الباطن { والحكمة } علم الباطن أو باطن الباطن { أَمْ يَحْسُدُونَ الناس } [ النساء : 54 ] وهو الوصول إلى العين وعدم الوقوف عند الأثر { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا } أي حجبوا عن تجليات صفاتنا وأفعالنا أو أنكروا على أوليائنا الذين هم مظاهر الآيات { سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً } عظيمة وهي نار القهر والحجاب ، أو نار الحسد { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } وتقطعت أماني نفوسهم الأمارة ومقتضيات هواها { بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } بتجدد نوع آخر من أنواع تجليات القهر أو بتجدد نعم أخرى تظهر على أوليائنا الذين حسدوهم وأنكروا عليهم { لِيَذُوقُواْ العذاب } [ النساء : 56 ] ما داموا منغمسين في أوحال الرذائل { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي الأعمال التي يصلحون بها لقبول التجليات { سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشف { خالدين فِيهَا أَبَداً } لبقاء أرواحهم المفاوضة عليها ما يروحها { لَّهُمْ فِيهَا أزواج } من التجليات التي يلتذون بها { مُّطَهَّرَةٍ } من لوث النقص { وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً } [ النساء : 57 ] وهو ظل الوجود والصفات الإلهية وذلك بمحو البشرية عنهم ، نسأل الله تعالى من فضله فلا فضل إلا فضله ، ثم إنه سبحانه وتعالى أرشد المؤمنين بأبلغ وجه إلى بعض أمهات الأعمال الصالحة (4/101)
[ بم فقال عز من قائل :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)
{ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الاحمانات إِلَى أَهْلِهَا } أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبي طلحة فلما أتاه قال : أرني المفتاح فأتاه به فلما بسط يده إليه قام العباس فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجعله لي مع السقاية فكف عثمان يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرني المفتاح يا عثمان فبسط يده يعطيه ، فقال العباس مثل كلمته الأولى فكف عثمان يده ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح ، فقال : هاك بأمانة الله تعالى فقام ففتح الكعبة فوجد فيها تمثال إبراهيم عليه السلام معه قداح يستقسم بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما للمشركين قاتلهم الله تعالى وما شأن إبراهيم عليه السلام وشأن القداح وأزال ذلك ، وأخرج مقام إبراهيم عليه السلام وكان في الكعبة؛ ثم قال : أيها الناس هذه القبلة ، ثم خرج فطاف بالبيت ، ثم نزل عليه جبريل عليه السلام فيما ذكر لنا برد المفتاح فدعا عثمان بن أبي طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ } » الآية . (4/102)
وفي رواية الطبراني " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أعطى المفتاح : خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم " يعني سدانة الكعبة ، وفي «تفسير ابن كثير» «أن عثمان دفع المفتاح بعد ذلك إلى أخيه شيبة بن أبي طلحة فهو في يد ولده إلى اليوم» ، وذكر الثعلبي والبغوي والواحدي «أن عثمان امتنع عن إعطاء المفتاح للنبي صلى الله عليه وسلم وقال : لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي كرم الله تعالى وجهه يده وأخذه منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يجمع له السدانة والسقاية فنزلت فأمر علياً كرم الله تعالى وجهه أن يرد ويعتذر إليه وصار ذلك سبباً لإسلامه ونزول الوحي بأن السدانة في أولاده أبداً» وما ذكرناه أولى بالاعتبار . أما أولاً : فلما قال الأشموني : إن المعروف عند أهل السير أن عثمان بن طلحة أسلم قبل ذلك في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كما ذكره ابن إسحق وغيره وجزم به ابن عبد البر في «الاستيعاب» . والنووي في «تهذيبه» . والذهبي وغيرهم ، وأما ثانياً : فلما فيه من المخالفة لما ذكره ابن كثير ، وقد نصوا على أنه هو الصحيح ، وأما ثالثاً : فلأن المفتاح على هذا لا يعد أمانة لأن علياً كرم الله تعالى وجهه أخذه منه قهراً وما هذا شأنه هو الغصب لا الأمانة ، والقول بأن تسمية ذلك أمانة لأن الله تعالى لم يرد نزعه منه ، أو للإشارة إلى أن الغاصب يجب أن يكون كالمؤتمن في قصد الرد ، أو إلى أن علياً كرم الله تعالى وجهه لما قصد بأخذه الخير وكان أيضاً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم جعل كالمؤتمن في أنه لا ذنب عليه لا يخلو عن بعد ، وأياً مّا كان فالخطاب يعم كل أحد كما أن الأمانات ، وهي جمع أمانة مصدر سمي به المفعول تعم الحقوق المتعلقة بذممهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية ، وعموم الحكم لا ينافي خصوص السبب ، وقد روي ما يدل على العموم عن ابن عباس .
وأبي . وابن مسعود . والبراء بن عازب وأبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وإليه ذهب الأكثرون ، وعن زيد بن أسلم واختاره الجبائي/ وغيره أن هذا خطاب لولاة الأمر أن يقوموا برعاية الرعية وحملهم على موجب الدين والشريعة ، وعدوا من ذلك تولية المناصب مستحقيها ، وجعلوا الخطاب الآتي لهم أيضاً ، وفي تصدير الكلام بإن الدالة على التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه ، ولهذا ورد من حديث ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا إيمان لمن لا أمانة له " وأخرج البيهقي في «الشعب» عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربع إذا كن فيك فلا عليك فيما فاتك من الدنيا : حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفة طعمة " وأخرج عن ميمون بن مهران «ثلاث تؤدين إلى البر والفاجر : الرحم توصل برة كانت أو فاجرة والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر والعهد يوفى به للبر والفاجر» ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان " والأخبار في ذلك كثيرة ، وقرىء الأمانة بالإفراد والمراد الجنس لا المعهود أي يأمركم بأداء أيّ أمانة كانت . (4/103)
{ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل } أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم ، فالواو للعطف ، والظرف متعلق بما بعد أن وهو معطوف على { أَن تُؤدُّواْ } والجار متعلق به أو بمقدر وقع حالاً من فاعله أي : ويأمركم أن تحكموا بالإنصاف والسوية ، أو متلبسين بذلك إذا قضيتم بين الناس ممن ينفذ عليه أمركم أو يرضى بحكمكم ، وهذا مبني على مذهب من يرى جواز تقدم الظرف المعمول لما في حيز الموصول الحرفي عليه ، والفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف ، وفي «التسهيل» الفصل بين العاطف والمعطوف إذا لم يكن فعلاً بالظرف والجار والمجرور جائز وليس ضرورة خلافاً لأبي علي ، ولقيام الخلاف في المسألة ذهب أبو حيان إلى أن الظرف متعلق بمقدر يفسره المذكور أي وأن تحكموا إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ليسلم مما تقدم ، ولا يجوز تعلقه بما قبله لعدم استقامة المعنى لأن تأدية الأمانة ليست وقت الحكومة ، والمراد بالحكم ما كان عن ولاية عامة أو خاصة ، وأدخلوا في ذلك ما كان عن تحكيم .
وفي بعض الآثار أن صبيين ارتفعا إلى الحسن رضي الله تعالى عنه بن علي كرم الله تعالى وجهه في خط كتباه وحكماه في ذلك ليحكم أي الخطين أجود فبصر به علي كرم الله تعالى وجهه فقال : يا بني أنظر كيف تحكم فإن هذا حكم والله تعالى سائلك عنه يقوم القيامة . (4/104)
{ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها متضمنة لمزيد اللطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال وإظهار الاسم الأعظم لتربية المهابة وهو اسم { ءانٍ } وجملة { نِعِمَّا يَعِظُكُمْ } خبرها ، و ( ما ) إما بمعنى الشيء معرفة تامة ، و { يَعِظُكُمُ } صفة موصوف محذوف وهو المخصوص بالمدح ، أي نعم الشيء شيء يعظكم به ، ويجوز نعم هو أي الشيء شيئاً يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف ، وإما بمعنى الذي وما بعدها صلتها وهو فاعل نعم والمخصوص محذوف أيضاً ، أي نعم الذي يعظكم به تأدية الأمانة والحكم بالعدل قاله أبو البقاء ونظر فيه بأنه قد تقرر أن فاعل نعم إذا كان مظهراً لزم أن يكون محلى بلام الجنس أو مضافاً إليه كما في «المفصل» ، وأجيب بأن سيبويه جوز قيام ( ما ) إذا كانت معرفة تامة مقامه ، وابن السراج أيضاً جوز قيام الموصولة لأنها في معنى المعرف باللام ، واعترض القول بوقوع ( ما ) تمييزاً بأنها مساوية للمضمر في الإبهام فلا تميزه لأن التمييز لبيان جنس المميز ، وأجيب بمنع كونها مساوية له لأن المراد بها شيء عظيم ، والضمير لا يدل على ذلك ، ومن الغريب ما قيل : إن ( ما ) كافة فتدبر ، وقد تقدم الكلام فيما في { نِعِمَّا } من القراءات { إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً } بجميع المسموعات ومنها أقوالكم { بَصِيراً } بكل شيء ومن ذلك أفعالكم ، ففي الجملة وعد ووعيد ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه : سوّ بين الخصمين في لحظك ولفظك .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)
{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } بعدما أمر سبحانه ولاة الأمور بالعموم أو الخصوص بأداء الأمانة والعدل في الحكومة أمر الناس بإطاعتهم في ضمن إطاعته عز وجل وإطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال عز من قائل : { أَطِيعُواْ الله } أي الزموا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه { وَأَطِيعُواْ الرسول } المبعوث لتبليغ أحكامه إليكم في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه أيضاً ، وعن الكلبي أن المعنى : أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن ، والأول أولى وأعاد الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله تعالى اعتناءاً بشأنه عليه الصلاة والسلام وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن وإيذاناً بأن له صلى الله عليه وسلم استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره ، ومن ثمّ لم يعد في قوله سبحانه : { وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ } إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم ، واختلف في المراد بهم فقيل : أمراء المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده ويندرج فيهم الخلفاء والسلاطين والقضاة وغيرهم ، وقيل : المراد بهم أمراء السرايا ، وروي ذلك عن أبي هريرة وميمون بن مهران ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ، وأخرجه ابن عساكر عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية ، وفيها عمار بن ياسر فساروا قبل القوم الذين يريدون فلما بلغوا قريباً منهم عرسوا وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد يسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال : يا أيا اليقظان إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن قومي لما سمعوا بكم هربوا وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غداً وإلا هربت؟ فقال عمار : بل هو ينفعك فأقم فأقام فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل فأخذه وأخذ ماله فبلغ عماراً الخبر فأتى خالداً فقال : خل عن الرجال فإنه قد أسلم وهو في أمان مني ، قال خالد : وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار ، ونهاه أن يجير الثانية على أمير فاستبا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال خالد : يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا خالد لا تسب عماراً فإن من سب عماراً سبه الله تعالى ومن أبغض عماراً أبغضه الله تعالى ومن لعن عماراً لعنه الله تعالى فغضب عمار فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي ، فأنزل الله تعالى هذه الآية» ووجه التخصيص على هذا أن في عدم إطاعتهم ولا سلطان ولا حاضرة مفسدة عظيمة ، وقيل : المراد بهم أهل العلم ، وروى ذلك غير واحد عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة ، واستدل عليه أبو العالية بقوله تعالى : (4/105)
{ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الامر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] فإن العلماء هم المستنبطون المستخرجون للأحكام ، وحمله كثير وليس ببعيد على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم لأن للأمراء تدبير أمر الجيش والقتال ، وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز . (4/106)
واستشكل إرادة العلماء لقوله تعالى : { فَانٍ * الله فِي شَىْء } فإن الخطاب فيه عام للمؤمنين مطلقاً والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما بعده ، والمعنى فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم في أمر من أمور الدين { فَرُدُّوهُ } فراجعوا فيه { إِلَى الله } أي إلى كتابه { والرسول } أي إلى سنته ، ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي الأمر على الأمراء دون العلماء لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء إذ المراد بهم المجتهدون والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم . وجعل بعضهم : الخطاب فيه لأولي الأمر على الالتفات ليصح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضاً مجادلة ومحاجة فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل ، وقيل : على إرادة الأعم يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين وتكون المنازعة بينهم وبين أولي الأمر باعتبار بعض الأفراد وهم الأمراء ، ثم إن وجوب الطاعة لهم ما داموا على الحق فلا يجب طاعتهم فيما خالف الشرع ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى » ، وأخرج هو وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عنه أيضاً كرم الله تعالى وجهه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال : اجمعوا لي حطباً فجمعوا له حطباً قال : أوقدوا ناراً فأوقدوا ناراً قال : ألم يأمركم صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا : بلى قال : فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فسكن غضبه وطفئت النار فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك فقال عليه الصلاة والسلام « لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف » وهل يشمل المباح أم لا؟ فيه خلاف ، فقيل : إنه لا يجب طاعتهم فيه لأنه لا يجوز لأحد أن يحرم ما حلله الله تعالى ولا أن يحلل ما حرمه الله تعالى ، وقيل : تجب أيضاً كما نص عليه الحصكفي وغيره ، وقال بعض محققي الشافعية : يجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يأمر بمحرم ، وقال بعضهم : الذي يظهر أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهراً فقط بخلاف ما فيه ذلك فإنه يجب باطناً أيضاً ، وكذا يقال في المباح الذي فيه ضرر للمأمور به ، ثم هل العبرة بالمباح والمندوب المأمور به باعتقاد الآمر فإذا أمر بمباح عنده سنة عند المأمور يجب امتثاله ظاهراً فقط أو المأمور فيجب باطناً أيضاً وبالعكس فينعكس ذلك كل محتمل وظاهر إطلاقهم في مسألة أمر الإمام الناس بالصوم للاستسقاء الثاني لأنهم لم يفصلوا بين كون الصوم المأمور به هناك مندوباً عند الآمر أو لا ، وأيد بما قرروه في باب الاقتداء من أن العبرة باعتقاد المأموم لا الإمام ، ولم أقف على ما قاله أصحابنا في هذه المسألة فليراجع هذا ، واستدل بالآية من أنكر القياس وذلك لأن الله تعالى أوجب الرد إلى الكتاب والسنة دون القياس ، والحق أن الآية دليل على إثبات القياس بل هي متضمنة لجميع الأدلة الشرعية ، فإن المراد بإطاعة الله العمل بالكتاب ، وبإطاعة الرسول العمل بالسنة ، وبالرد إليهما القياس لأن رد المختلف فيه الغير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه ، وليس القياس شيئاً وراء ذلك ، وقد علم من قوله سبحانه : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ } أنه عند عدم النزاع يعمل بما اتفق عليه وهو الإجماع .
{ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر } متعلق بالأمر الأخير الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير عن المخالفة ، وجواب الشرط محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه ، والكلام على حد إن كنت ابني فأطعني فإن الإيمان بالله تعالى يوجب امتثال أمره ، وكذا الإيمان باليوم الآخر لما فيه من العقاب على المخالفة { ذلك } أي الرد المأمور به العظيم الشأن ولو حمل كما قيل على جميع ما سبق على التفريع لحسن . وقال الطبرسي : «إنه إشارة إلى ما تقدم من الأوامر أي طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر ورد المتنازع فيه إلى الله والرسول عليه الصلاة والسلام { خَيْرٌ } لكم وأصلح { وَأَحْسَنُ } أي أحمد في نفسه { تَأْوِيلاً } أي عاقبة ، قاله قتادة والسدي وابن زيد» ، وأفعل التفضيل في الموضعين للإيذان بالكمال على خلاف الموضوع له ، ووجه تقديم الأول على الثاني أن الأغلب تعلق أنظار الناس بما ينفعهم ، وقيل : المراد : خير لكم في الدنيا وأحسن عاقبة في الآخرة» ، ووجه التقديم عليه أظهر . «وعن الزجاج أن المراد : أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . فالتأويل إما بمعنى الرجوع إلى المآل والعاقبة ، وإما بمعنى بيان المراد من اللفظ الغير الظاهر منه ، وكلاهما حقيقة ، وإن غلب الثاني في العرف ولذا يقابل التفسير . (4/107)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)
{ أَلَمْ تَرَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتعجيب له عليه الصلاة والسلام أي ألم تنظر أو ألم ينته علمك . { إِلَى الذين يَزْعُمُونَ } من الزعم وهو كما في «القاموس» «مثلث القول : الحق والباطل والكذب ضد ، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه» ومن هنا قيل : إنه قول بلا دليل ، وقد كثر استعماله بمعنى القول الحق ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «زعم جبريل» وفي حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله تعالى عنه «زعم رسولك» وقد أكثر سيبويه في الكتاب من قوله : زعم الخليل كذا في أشياء يرتضيها وفي «شرح مسلم للنووي» أن زعم في كل هذا بمعنى القول ، والمراد به هنا مجرد الادعاء أي يدعون . { أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } أي القرآن . { وَمَا أَنَزلَ } إلى موسى عليه السلام { مِن قَبْلِكَ } وهو التوراة ، ووصفوا بهذا الادعاء لتأكيد التعجيب وتشديد التوبيخ والاستقباح ، وقرىء { أَنَزلَ وَمَا أَنَزلَ } بالبناء للفاعل . (4/108)
{ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت } بيان لمحل التعجيب على قياس نظائره؛ أخرج الثعلبي وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلاً من المنافقين يقال له بشر : خاصم يهودياً فدعاه اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال : تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب ، فقال اليهودي لعمر رضي الله تعالى عنه : قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه ، فقال للمنافق أكذلك؟ قال : نعم ، فقال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ثم قال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فنزلت» ، وفي بعض الروايات «وقال جبريل عليه السلام إن عمر فرق بين الحق والباطل وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق رضي الله تعالى عنه» ، والطاغوت على هذا كعب ابن الأشرف ، وإطلاقه عليه حقيقة بناءاً على أنه بمعنى كثير الطغيان ، أو أنه علم لقب له كالفاروق لعمر رضي الله تعالى عنه ، ولعله في مقابلة الطاغوت ، وفي معناه كل من يحكم بالباطل ويؤثر لأجله ، ويحتمل أن يكون الطاغوت بمعنى الشيطان ، وإطلاقه على الأخس بن الأشرف إما استعارة أو حقيقة ، والتجوز في إسناد التحاكم إليه بالنسبة الإيقاعية بين الفعل ومفعوله بالواسطة ، وقيل : إن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه فنقله عن الشيطان إليه على سبيل المجاز المرسل ، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس أيضاً قال : كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم الآية .
وأخرج ابن جرير عن السدي كان أناس من يهود قريظة والنضير قد أسلموا ونافق بعضهم ، وكانت بينهم خصومة في قتيل فأبى المنافقون منهم إلا التحاكم إلى أبي برزة فانطلقوا إليه فسألوه فقال : أعظموا اللقمة ، فقالوا : لك عشرة أوساق فقال : لا بل مائة وسق ، فأبوا أن يعطوه فوق العشرة ، فأنزل الله تعالى فيهم ما تسمعون وعلى هذا ففي الآية من الإشارة إلى تفظيع التحاكم نفسه ما لا يخفى ، وهو أيضاً أنسب بوصف المنافقين بادعاء الإيمان بالتوراة ، ويمكن حمل خبر الطبراني عليه بحمل المسلمين فيه على المنافقين ممن أسلم من قريظة والنضير . (4/109)
{ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } في موضع الحال من ضمير { يُرِيدُونَ } وفيه تأكيد للتعجيب كالوصف السابق ، والضمير المجرور راجع إلى الطاغوت وهو ظاهر على تقدير أن يراد منه الشيطان وإلا فهو عائد إليه باعتبار الوصف لا الذات ، أي أمروا أن يكفروا بمن هو كثير الطغيان أو شبيه بالشيطان ، وقيل الضمير للتحاكم المفهوم من { يَتَحَاكَمُواْ } وفيه بعد ، وقرأ عباس بن المفضل بها ، وقرىء بهن ، والضمير أيضاً للطاغوت لأنه يكون للواحد والجمع ، وإذا أريد الثاني أنث باعتبار معنى الجماعة وقد تقدم { وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضلالا بَعِيداً } عطف على الجملة الحالية داخلة في حكم التعجيب ، وفيها على بعض الاحتمالات وضع المظهر موضع المضمر على معنى : يريدون أن يتحاكموا إلى الشيطان وهو بصدد إرادة إضلالهم ولا يريدون أن يتحاكموا إليك وأنت بصدد إرادة هدايتهم ، و { ضَلاَلاً } إما مصدر مؤكد للفعل المذكور بحذف الزوائد على حد ما قيل في { أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] وإما مؤكد لفعله المدلول عليه بالمذكور أي ( فيضلون ضلالاً ) ، ووصفه بالبعد الذي هو نعت موصوفه للمبالغة .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي لأولئك الزاعمين { تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله } في القرآن من الأحكام { وَإِلَى الرسول } المبعوث للحكم بذلك { رَأَيْتُ } أي أبصرت أو علمت { المنافقين } وهم الزاعمون ، والإظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به والإشعار بعلة الحكم أي رأيتهم لنفاقهم { يَصِدُّونَ } أي يعرضون { عَنكَ صُدُوداً } أي إعراضاً أيُّ إعراض فهو مصدر مؤكد لفعله وتنوينه للتفخيم ، وقيل : هو اسم للمصدر الذي هو الصد وعزي إلى الخليل ، والأظهر أنه مصدر لصد اللازم ، والصد مصدر للمتعدي ، ودعوى أن يصدون هنا متعد حذف مفعوله أي يصدون المتحاكمين أي يمنعونهم مما لا حاجة إليه ، وهذه الجملة تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحاً عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت ، وقرأ الحسن { تَعَالَوْاْ } بضم اللام على أنه حذف لام الفعل اعتباطاً كما قالوا : ما باليت به بالة وأصلها بالية كعافية ، وكما قال الكسائي في آية : إن أصلها أيية كفاعلة فصارت اللام كاللام فضمت للواو ، ومن ذلك قول أهل مكة : تعالى بكسر اللام للمرأة ، وهي لغة مسموعة أثبتها ابن جني فلا عبرة بمن لحن ( كابن هشام ) الحمداني فيها حيث يقول : (4/110)
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... ( تعالى اقاسمك الهموم تعالى )
ولا حاجة إلى القول بأن تعالى الأولى : مفتوحة اللام ، والثانية : مكسورتها للقافية كما لا يخفى ، وأصل معنى هذا الفعل طلب الإقبال إلى مكان عال ثم عمم .
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)
{ فَكَيْفَ } يكون حالهم { إِذَا أصابتهم } نالتهم { مُّصِيبَةٍ } نكبة تظهر نفاقهم { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي بسبب ما عملوا من الجنايات كالتحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك { ثُمَّ جَاءوكَ } للاعتذار وهو عطف على { أصابتهم } والمراد تهويل ما ( دهاهم ) ، وقيل : على { يَصِدُّونَ } [ النساء : 61 ] وما بينهما اعتراض { يَحْلِفُونَ } حال من فاعل { جَاءوكَ } أي حالفين لك { بالله إِنْ أَرَدْنَا } أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك { إِلا * إحسانا } إلى الخصوم { وَتَوْفِيقاً } بينهم ولم نرد بالمرافعة إلى غيرك عدم الرضا بحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا ، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا وأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم ، ويعتذرون ولا يغني عنهم الاعتذار ، وقيل : جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا : إن أردنا بالتحاكم إلى عمر رضي الله تعالى عنه إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه فإذا على هذا لمرجد الظرفية دون الاستقبال . وقيل : المعنّي بالآية عبد الله بن أبيّ والمصيبة ما أصابه وأصحابه من الذل برجوعهم من غزوة بني المصطلق وهي غزوة مريسيع حين نزلت سورة المنافقين فاضطروا إلى الخشوع والاعتذار على ما سيذكر في محله إن شاء الله تعالى . وقالوا : ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازعين في تلك الغزوة إلا الخير ، أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه ليتقي به النار . (4/111)
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)
{ أولئك } أي المنافقون المذكورون { الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من فنون الشرور المنافية لما أظهروا لك من ( بنات غير وجاءوا به من أذنى عناق ) { فَأَعْرَضَ } حيث كانت حالهم كذلك { عَنْهُمْ } أي قبول عذرهم ، ويلزم ذلك الإعراض عن طلبهم دم القتيل لأنه هدر ، وقيل : عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم ، ولا تظهر لهم علمك بما في بواطنهم الخبيثة حتى يبقوا على نيران الوجل { وَعِظْهُمْ } بلسانك وكفهم عن النفاق { وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ } أي قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد لأنه أدعى إلى قبول النصيحة ، ولذا قيل : النصح بين الملأ تقريع ، أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها { قَوْلاً بَلِيغاً } مؤثراً واصلا إلى كنه المراد مطابقاً لما سيق له من المقصود فالظرف على التقديرين متعلق بالأمر . وقيل : متعلق ب { بَلِيغاً } وهو ظاهر على مذهب الكوفيين ، والبصريون لا يجيزون ذلك لأن معمول الصفة عندهم لا يتقدم على الموصوف لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقدم عامله ، وقيل : إنه إنما يصح إذا كان ظرفاً وقواه البعض ، وقيل : إنه متعلق بمحذوف يفسره المذكور وفيه بعد والمعنى على تقدير التعلق : قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً فيها يغتمون به اغتماماً ، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً ، وهو التوعد بالقتل والاستئصال ، والإيذان بأن ما انطوت عليه قلوبهم الخبيثة من الشر والنفاق بمرأى من الله تعالى ومسمع غير خاف عليه سبحانه وإن ذلك مستوجب ( لما تشيب منه النواصي ، وإنما هذه المكافة ) والتأخير لإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر ، ولئن أظهروا الشقاق وبرزوا بأشخاصهم من نفق النفاق ( لتسامرنهم السمر والبيض ، وليضيقن عليهم رحب الفلا بالبلاء العريض ) ، واستدل بالآية الأولى على أنه قد تصيب المصيبة بما يكتسبه العبد من الذنوب ، ثم اختلف في ذلك فقال الجبائي : لا يكون ذلك إلا عقوبة في التائب ، وقال أبو هاشم : يكون ذلك لطفاً . وقال القاضي عبد الجبار : قد يكون لطفاً وقد يكون جزاءاً وهو موقوف على الدليل . (4/112)
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله } تمهيد لبيان خطئهم باشتغالهم بستر نار جنايتهم بهشيم اعتذارهم الباطل وعدم إطفائها بماء التوبة أي وما أرسلنا رسولاً من الرسل لشيء من الأشياء إلا ليطاع بسبب إذنه تعالى وأمره المرسل إليهم أن يطيعوه لأنه مؤد عنه عز شأنه فطاعته طاعته ومعصيته معصيته أو بتيسيره وتوفيقه سبحانه في طاعته ، ولا يخفى ما في العدول عن الضمير إلى الإسم الجليل ، واحتج المعتزلة بالآية على أن الله تعالى لا يريد إلا الخير والشر على خلاف إرادته ، وأجاب عن ذلك صاحب «التيسير» بأن المعنى إلا ليطيعه من أذن له في الطاعة وأرادها منه ، وأما من لم يأذن له فيريد عدم طاعته فلذا لا يطيعه ويكون كافراً ، أو بأن المراد إلزام الطاعة أي وما أرسلنا رسولاً إلا لإلزام طاعته الناس ليثاب من انقاد ويعاقب من سلك طريق العناد فلا تنتهض دعواهم الاحتجاج بها على مدعاهم ، واحتج بها أيضاً من أثبت الغرض في أفعاله تعالى وهو ظاهر ، ولا يمكن تأويل ذلك بكونه غاية لا غرضاً لأن طاعة الجميع لا تترتب على الإرسال إلا أن يقال إن الغاية كونه مطاعاً بالإذن لا للكل إذ من لا إذن له لا يطيع ، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة . (4/113)
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } وعرضوها للبوار بالنفاق والتحاكم إلى الطاغوت { جَاءوكَ } على إثر ظلمهم بلا ريث متوسلين بك تائبين عن جنايتهم غير جامعين حشفاً وسوء كيلة باعتذارهم الباطل وأيمانهم الفاجرة { فاستغفروا الله } لذنوبهم ونزعوا عما هم عليه وندموا على ما فعلوا . { واستغفر لهم الرسول } وسأل الله تعالى أن يقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم ، وفي التعبير باستغفر الخ دون استغفرت تفخيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عدل عن خطابه إلى ما هو من عظيم صفاته على طريق حكم الأمير بكذا مكان حكمت ، وتعظيم لاستغفاره عليه الصلاة والسلام حيث أسنده إلى لفظ منبيء عن علو مرتبته { لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً } أي لعلموه قابلاً لتوبتهم متفضلاً عليهم بالتجاوز عما سلف من ذنوبهم ، ومن فسر الوجدان بالمصادفة كان الوصف الأول : حال والثاني : بدلاً منه أو حالا من الضمير فيه أو مثله ، وفي وضع الاسم الجامع موضع الضمير إيذان بفخامة القبول والرحمة .
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)
{ فَلاَ وَرَبّكَ } أي فوربك و ( لا ) مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد النفي في جوابه أعني قوله تعالى : { لاَ يُؤْمِنُونَ } لأنها تزاد في الإثبات أيضاً كقوله تعالى : { فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم } [ الواقعة : 75 ] وهذا ما اختاره الزمخشري ومتابعوه في ( لا ) التي تذكر قبل القسم ، وقيل : إنها رد لمقدر أي لا يكون الأمر كما زعمتم واختاره الطبرسي ، وقيل : مزيدة لتأكيد النفي في الجواب ولتأكيد القسم إن لم يكن نفي ، وقال ابن المنير : الظاهر عندي أنها ههنا لتوطئة النفي المقسم عليه ، والزمخشري لم يذكر مانعاً من ذلك سوى مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات وهو لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة على أنها لم ترد في القرآن إلا مع صريح فعل القسم ومع القسم بغير الله تعالى مثل { لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد } [ البلد : 1 ] { لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة } [ القيامة : 1 ] { فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق } [ الانشقاق : 16 ] قصداً إلى تأكيد القسم وتعظيم المقسم به إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بدخولها يقول إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم بها كلا إعظام يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك ، وهو لا يحسن في القسم بالله تعالى إذ لا توهم ليزاح ، ولم تسمع زيادتها مع القسم بالله إلا إذا كان الجواب منفياً فدل ذلك على أنها معه زائدة موطئة للنفي الواقع في الجواب ، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قسم مثبت وإنما كثر دخولها على القسم وجوابه نفي كقوله : (4/114)
( فلا وأبيك ) ابنة العامري ... ( لا يدعي ) القوم أني أفر
وقوله :
ألا نادت أمامة ( بارتحال ... لتحزنني ( فلا بك ) ما أبالي
وقوله :
رأى برقا فأوضع فوق بكر ... ( فلا بك ما أسال ولا أغاما )
إلى ما لا يحصى كثرة ، ومن هذا يعلم الفرق بين المقامين؛ والجواب عن قولهم : إنه لا فرق بينهما فتأمل ذلك فهو حقيق بالتأمل ) ) .
{ حتى يُحَكّمُوكَ } أي يجعلوك حكماً أو حاكماً ، وقال شيخ الإسلام : «يتحاكموا إليك ويترافعوا ، وإنما جيء بصيغة التحكيم مع أنه صلى الله عليه وسلم حاكم بأمر الله إيذاناً بأن اللائق بهم أن يجعلوه عليه الصلاة والسلام حكماً فيما بينهم ويرضوا بحكمه وإن قطع النظر عن كونه حاكماً على الإطلاق» { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أي فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط ، ومنه الشجر لتداخل أغصانه ، وقيل : للمنازعة تشاجر لأن المتنازعين تختلف أقوالهم وتتعارض دعاويهم ويختلط بعضهم ببعض { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ } عطف على مقدر ينساق إليه الكلام أي فتحكم بينهم ثم لا يجدوا { فِى أَنفُسِهِمْ } وقلوبهم { حَرَجاً } أي شكاً كما قاله مجاهد أو ضيقاً كما قاله الجبائي أو إثماً كما روي عن الضحاك واختار بعض المحققين تفسيره بضيق الصدر لشائبة الكراهة والإباء لما أن بعض الكفرة كانوا يستيقنون الآيات بلا شك ولكن يجحدون ظلماً وعتواً فلا يكونوا مؤمنين ، وما روي عن الضحاك يمكن إرجاعه إلى أيّ الأمرين شئت ونفي وجْدَان الحرج أبلغ من نفي الحرج كما لا يخفى ، وهو مفعول به ليجدوا والظرف قيل : حال منه أو متعلق بما عنده ، وقوله تعالى : { مّمَّا قَضَيْتَ } متعلق بمحذوف وقع صفة لحرجاً ، وجوز أبو البقاء تعلقه به ، و ( ما ) يحتمل أن تكون موصولة ونكرة موصوفة ومصدرية أي من الذي قضيته أي قضيت به أو من شيء قضيت أو من قضائك .
{ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } أي ينقادوا لأمرك ويذعنوا له بظاهرهم وباطنهم كما يشعر به التأكيد ، ولعل حكم هذه الآية باق إلى يوم القيامة وليس مخصوصاً بالذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فإن قضاء شريعته عليه الصلاة والسلام قضاؤه ، فقد روي عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : لو أن قوماً عبدوا الله تعالى وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا رمضان وحجوا البيت ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا صنع خلاف ما صنع ، أو وجدوا في أنفسهم حرجاً لكانوا مشركين ثم تلا هذه الآية ، وسبب نزولها كما قال الشعبي ومجاهد : ما مر من قصة بشر واليهودي اللذين قضى بينهما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بما قضى . وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من طريق الزهري «أن عروة بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام أنه خاصم رجلاً من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل فقال الأنصاري : سرح الماء يمر فأبى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك ، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك { فَلاَ وَرَبّكَ } » الخ . . (4/115)
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66)
{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } أي فرضنا وأوجبنا { أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ } أي كما أمرنا بني إسرائيل وتفسير ذلك بالتعرض له بالجهاد بعيد { أَوِ اخرجوا مِن دياركم } كما أمرنا بني إسرائيل أيضاً بالخروج من مصر . والمراد إنما كتبنا عليهم إطاعة الرسول والانقياد لحكمه والرضا به ولو كتبنا عليهم القتل والخروج من الديار كما كتبنا ذلك على غيرهم { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } وهم المخلصون من المؤمنين كأبي بكر رضي الله تعالى عنه . فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : «لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت فقال : صدقت يا أبا بكر» وكعبد الله بن رواحة ، فقد أخرج عن شريح بن عبيد «أنها لما نزلت أشار صلى الله عليه وسلم إليه بيده فقال : لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» ، وكابن أم عبد ، فقد أخرج عن سفيان «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه لو نزلت كان منهم» ، وأخرج عن الحسن قال : «لما نزلت هذه الآية قال أناس من الصحابة : لو فعل ربنا لفعلنا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي " وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : «والله لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " (4/116)
وفي بعض الآثار أن الزبير وصاحبه لما خرجا بعد الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرا على المقداد فقال : لمن القضاء؟ فقال الأنصاري : لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال : قاتل الله تعالى هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ويتهمونه في قضاء يقضى بينهم وأيم الله تعالى لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى عليه السلام فدعانا إلى التوبة منه ، وقال : اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا؛ فقال ثابت بن قيس : أما والله إن الله تعالى ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد صلى الله عليه وسلم أن أقتل نفسي لقتلتها ، وروي أن قائل ذلك هو وابن مسعود وعمار بن ياسر ، وأنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال : " والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي وإن الآية نزلت فيهم " ، وفي رواية البغوي الاقتصار على ثابت بن قيس ، وعلى هذا الأثر وجه مناسبة ذكر هذه الآية مما لا يخفى ، وكأنه لذلك قال صاحب «الكشاف» في معناها : «لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم ، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ما فعلوه إلا قليل» ، وقال بعضهم : إن المراد أننا قد حففنا عليهم حيث اكتفينا منهم في توبتهم بتحكيمك والتسليم له ولو جعلنا توبتهم كتوبة بني إسرائيل لم يتوبوا ، والذي يفهم من فحوى الأخبار المعول عليها أن هذه الكتابة لا تعلق لها بالاستتابة ، ولعل المراد من ذكر ذلك مجرد التنبيه على قصور كثير من الناس ووهن إسلامهم إثر بيان أنه لا يتم إيمانهم إلا بأن يسلموا حق التسليم ، وظاهر ما ذكره الزمخشري من أن بني إسرائيل أمروا بالخروج حين استتيبوا مما لا يكاد يصح إذا أريد بالديار الديار المصرية لأن الاستتابة من عبادة العجل إنما كانت بعد الخروج منها وبعد انفلاق البحر وهذا مما لا امتراء فيه على أنا لا نسلم أنهم أمروا بالخروج استتابة في وقت من الأوقات ، وحمل الذلة على الخروج من الديار لأن ذل الغربة مثل مضروب في قوله تعالى :
{ إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ وَذِلَّةٌ } [ الأعراف : 152 ] لا يفيد إذ الآية لا تدل على الأمر به والنزاع فيه على أن في كون هذه الآية في التائبين من عبادة العجل نزاعاً ، وقد حقق بعض المحققين أنها في المصرين المستمرين على عبادته كما ستعلمه إن شاء الله تعالى؛ والعجب من صاحب «الكشف» كيف لم يتعقب كلام صاحب «الكشاف» بأكثر من أنه ليس منصوصاً في القرآن ، ثم نقل كلامه في الآية . (4/117)
هذا والكلام في { لَوْ } هنا أشهر من نار على علم ، وحقها كما قالوا : أن يليها فعل ، ومن هنا قال الطبرسي : «التقدير لو وقع كتبنا عليهم» ، وقال الزجاج : إنها وإن كان حقها ذلك إلا أن إن الشديدة تقع بعدها لأنها تنوب عن الاسم والخبر فنقول ظننت أنك عالم كما تقول : ظننتك عالماً أي ظننت علمك ثابتاً فهي هنا نائبة عن الفعل والاسم كما أنها هناك نائبة عن الاسم والخبر ، وضمير الجمع في { عَلَيْهِمْ } وما بعده قيل : للمنافقين ونسب إلى ابن عباس ومجاهد ، واعترض بأن فعل القليل منهم غير متصور إذ هم المنافقون الذين لا تطيب أنفسهم بما دون القتل بمراتب ، وكل شيء دون المنية سهل ، فكيف تطيب بالقتل ويمتثلون الأمر به؟ وأجيب بأن المراد لو كتبنا على المنافقين ذلك ما فعله إلا قليل منهم رياءاً وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم ، فإذ لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم الأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ، ونسب ذلك للبلخي .
ولا يخفى أن قوله صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن رواحة :
« لو أن الله تعالى كتب ذلك لكان منهم » وكذا غيره من الأخبار السالفة تأبى هذا التوجيه غاية الإباء لأنها مسوقة للمدح ، ولا مدح في كون أولئك المذكورين من القليل الذين يمتثلون الأمر رياءاً وسمعة بل ذلك غاية في الذم لهم وحاشاهم ، وقيل : للناس مطلقاً ، والقلة إضافية لأن المراد بالقليل المؤمنون وهم وإن كثروا قليلون بالنسبة إلى من عداهم من المنافقين ، والكفرة المتمردين { وَمَا أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [ يوسف : 103 ] وحينئذٍ لا يرد أنه يلزم من الآية كون بني إسرائيل أقوى إيماناً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث امتثلوا أمر الله تعالى لهم بقتل أنفسهم حتى بلغ قتلاهم سبعين ألفاً ، ولا يمتثله لو كان من الصدر الأول إلا قليل ومن الناس من جعل الآية بياناً لكمال اللطف بهذه الأمة حيث إنه لا يقبل القتل منهم إلا القليل لأن الله تعالى يعفو عنهم بقتل قليل ولا يدعهم أن يقتل الكثير كبني إسرائيل إلا أنهم لا يفعلون كما فعل بنو إسرائيل لقلة المخلصين فيهم وكثرة المخلصين في بني إسرائيل ليلزم التفضيل . وقيل : يحتمل أن يكون قتل كثير من بني إسرائيل لأنهم لو لم ينقادوا لأهلكهم عذاب الله تعالى ، وهذه الأمة مأمونون إلى يوم القيامة فلا يقدمون كما أقدموا لعدم خوف الاستئصال لا لأنهم دون ، وأن بني إسرائيل أقوى منهم إيماناً ، وأنت تعلم أن الآية بمراحل عن إفادتها كمال اللطف ، والسباق والسياق لا يشعران به أصلاً ، وأن خوف الاستئصال وعدمه مما لا يكاد يخطر ببال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ، والضمير المنصوب في { فَعَلُوهُ } للمكتوب الشامل للقتل والخروج لدلالة الفعل عليه ، أو هو عائد على القتل والخروج وللعطف بأو لزم توحيد الضمير لأنه عائد لأحد الأمرين ، وقول الإمام الرازي : إن الضمير عائد إليهما معاً بالتأويل تنبو عنه الصناعة ، و { قَلِيلٌ } لكون الكلام غير موجب بدل من الضمير المرفوع في { فَعَلُوهُ } ، وقرأ ابن عامر { إِلاَّ قَلِيلاً } بالنصب وجعله غير واحد على أنه صفة لمصدر محذوف ، والاستثناء مفرغ أي ما فعلوه إلا فعلاً قليلاً ، و من في { مِنْهُمْ } حينئذٍ للابتداء على نحو ما ضربته إلا ضرباً منك مبرحاً ، وقال الطيبي : إنها بيان للضمير في فعلوا كقوله تعالى : { لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } [ المائدة : 73 ] على التجريد وليس بشيء ، وكأن الذي دعاهم إلى هذا والعدول عن القول بنصبه على الاستثناء أن النصب عليه في غير الموجب غير مختار ، فلا يحمل القرآن عليه كما يشير إليه كلام الزجاج حيث قال : النصب جائز في غير القرآن لكن قال ابن الحاجب : لا بعد في أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى ، وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء غير الأقوى وحققه الحمصي ، وقيل : بل يكون إجماعهم دليلاً على أن ذلك هو القوي لأنهم هم المتفننون الآخذون عن مشكاة النبوة ، وأن تعليل النحاة غير ملتفت إليه . (4/118)
ورجح بعضهم أيضاً النصب على الاستثناء هنا بأن فيه توافق القراءتين معنى وهو مما يهتم به ، وبأن توجيه الكلام على غيره لا يخلو عن تكلف ودغدغة ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب أن اقتلوا بكسر النون على الأصل في التخلص من الساكنين ، و { أَوِ اخرجوا } بضم الواو للاتباع ، والتشبيه بواو الجمع في نحو { وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ } [ البقرة : 237 ] ، وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل ، والباقون بضمهما وهو ظاهر ، و { ءانٍ } كيفما كانت نونها إما مفسرة لأنا كتبنا في معنى أمرنا ولا يضر تعديه بعلى لأنه لم يخرج عن معناه ، ولو خرج فتعديه باعتبار معناه الأصلي جائز كما في نطقت الحال بكذا حيث تعدى الفعل بالباء مع أنهم قدير يدون به دل وهو يتعدى بعلى . وإن أبيت هذا ولا أظن قلنا : إنه بمعنى أو حيناً وإما مصدرية وهو الظاهر ولا يضر زوال الأمر بالسبك لأنه أمر تقديري . (4/119)
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } أي ما يؤمرون به مقروناً بالوعد والوعيد من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد إلى حكمه ظاهراً وباطناً { لَكَانَ } فعلهم ذلك { خَيْراً لَّهُمْ } عاجلاً وآجلاً { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } لهم على الحق والصواب وأمنع لهم من الضلال وأبعد من الشبهات كما قال سبحانه : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد : 17 ] ، وقيل : معناه أكثر انتفاعاً لأن الانتفاع بالحق يدوم ولا يبطل لاتصاله بثواب الآخرة ، والانتفاع بالباطل يبطل ويضمحل ويتصل بعقاب الآخرة .
وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67)
{ وَإِذاً لاتيناهم } لأعطيناهم { مّن لَّدُنَّا } من عندنا { أَجْراً } ثواباً { عَظِيماً } لا يعرف أحد مبداه ولا يبلغ منتهاه ، وإنما ذكر ( من لدنا ) تأكيداً ومبالغة وهو متعلق بآتيناهم ، وجوز أن يكون حالاً من { أَجْراً } والواو للعطف و لآتيناهم معطوف على لكان خيراً لهم لفظاً و { إِذَا } مقحمة للدلالة على أن هذا الجزاء الأخير بعد ترتب التالي السابق على المقدم ولإظهار ذلك وتحقيقه قال المحققون : إنه جواب لسؤال مقدر كأنه قيل : وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل : وإذاً لو ثبتوا لآتيناهم وليس مرادهم أنه جواب لسؤال مقدر لفظاً ومعنى ، وإلا لم يكن لاقترانه بالواو وجه ، أو إظهار ( لو ) ليس لأنها مقدرة بل لتحقيق أن ذلك جواب للشرط لكن بعد اعتبار جوابه الأول ، والمراد بالجواب في قولهم جميعاً : إن إذاً حرف جواب دائماً أنها لا تكون في كلام مبتدأ بل هو في كلام مبني على شيء تقدمه ملفوظ ، أو مقدر سواء كان شرطاً ، أو كلام سائل ، أو نحوه كما أنه ليس المراد بالجزاء اللازم لها ، أو الغالب إلا ما يكون مجازاة لفعل فاعل سواء السائل وغيره ، وبهذا تندفع الشبه الموردة في هذا المقام ، وزعم الطيبي أن ما أشرنا إليه من التقدير تكلف من ثلاثة أوجه وهو توهم منشأه الغفلة عن المراد كالذي زعمه العلامة الثاني فتدبر . (4/120)
وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)
{ ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً } وهو المراتب بعد الإيمان التي تفتح أبوابها للعاملين ، فقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» عن أنس قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم " ، وقال الجبائي : المعنى ولهديناهم في الآخرة إلى طريق الجنة . (4/121)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)
{ وَمَن يُطِعِ الله } بالانقياد لأمره ونهيه { والرسول } المبلغ ما أوحي إليه منه باتباع شريعته والرضا بحكمه ، والكلام مستأنف فيه فضل ترغيب في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها أقصى ما تنتهي إليه همم الأمم ، وأرفع ما تمتد إليه أعناق ( أمانيهم ، وتشرأب إليه أعين ) عزائمهم من مجاورة أعظم الخلائق مقداراً وأرفعهم مناراً ، ومتضمن لتفسير ما أبهم وتفصيل ما أجمل في جواب الشرطية السابقة و { مِنْ } شرطية وإفراد ضمير { يُطِعِ } مراعاة للفظ ، والجمع في قوله سبحانه : { فَأُوْلَئِكَ } مراعاة للمعنى أي فالمطيعون الذين علت درجتهم وبعدت منزلتهم شرفاً وفضلاً . (4/122)
{ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم } بما تقصر العبارة عن تفصيله وبيانه { مّنَ النبيين } بيان للمنعم عليهم فهو حال إما من { الذين } أي مقارنيهم حال كونهم من النبيين وإما من ضميره والتعرض لمعية الأنبياء دون نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة مع أن الكلام في بيان حكم طاعته عليه الصلاة والسلام لجريان ذكرهم في سبب النزول مع الإشارة إلى أن طاعته متضمنة لطاعتهم ، أخرج الطبراني وأبو نعيم والضياء المقدسي وحسنه قال : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي وإنك لأحب إليّ من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية { وَمَن يُطِعِ الله } » الخ ، وروي مثله عن ابن عباس . وقال الكلبي : إن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب له عليه الصلاة والسلام قليل الصبر عنه ، وقد نحل جسمه وتغير لونه خوف عدم رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد الموت فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعن مسروق «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فنزلت» وبدأ بذكر النبيين لعلو درجتهم وارتفاعهم على من عداهم ، وقد نقل الشعراني عن مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال : «فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجلياً لا دخولاً فكدت أحترق» ثم عطف ( عليهم ) على سبيل التدلي قوله سبحانه :
{ والصادقين * والشهداء والصالحين } فالمنازل أربعة بعضها دون بعض : الأول : منازل الأنبياء وهم الذين تمدهم قوة إلهية وتصحبهم نفس في أعلى مراتب القدسية ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من قريب ، ولذلك قال تعالى في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم :
{ أفتمارونه على مَا يرى } [ النجم : 12 ] ، والثاني : منازل الصديقين وهم الذين يتأخرون على الأنبياء عليهم السلام في المعرفة ، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من بعيد ، وإياه عنى علي كرم الله تعالى وجهه حيث قيل له : هل رأيت الله تعالى؟ فقال : ما كنت لأعبد رباً لم أره ، ثم قال : لم تره العيون بشواهد العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، والثالث : منازل الشهداء وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين ، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب كحال من قال : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً ، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " أعبد الله تعالى كأنك تراه " ، والرابع : منازل الصالحين وهم الذين يعلمون الشيء بالتقليد الجازم ، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قاله الراغب ونقله الطيبي وغيره ، ونقل بعض تلامذة مولانا الشيخ خالد النقشبندي قدس سره عنه «أنه قرر يوماً أن مراتب الكمل أربعة : نبوة وقطب مدارها نبينا صلى الله عليه وسلم ، ثم صديقية وقطب مدارها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، ثم شهادة وقطب مدارها عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه ، ثم ولاية وقطب مدارها علي كرم الله تعالى وجهه ، وأن الصلاح في الآية إشارة إلى الولاية فسأله بعض الحاضرين عن عثمان رضي الله تعالى عنه في أي مرتبة هو من مراتب الثلاثة بعد النبوة فقال : إنه رضي الله تعالى عنه قد نال حظاً من رتبة الشهادة وحظاً من رتبة الولاية ، وأن معنى كونه ذا النورين هو ذلك عند العارفين انتهى . (4/123)
وأنا مستعيناً بالله تعالى ومستمداً من القوم قدس الله تعالى أسرارهم أقول : إن الولاية هي المحيطة العامة والفلك الدائر والدائرة الكبرى ، وأن الولي من كان على بينة من ربه في حاله فعرف ما له بإخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده ويصدق على أصناف كثيرة إلا أن المذكور منها في هذه الآية أربعة : الصنف الأول : الأنبياء ، والمراد بهم هنا الرسل أهل الشرع سواء بعثوا أو لم يبعثوا أعني بطريق الوجوب عليهم ولا بحث لأهل الله تعالى عن مقاماتهم وأحوالهم إذ لا ذوق لهم فيها وكلهم معترفون بذلك غير أنهم يقولون : إن النبوة عامة وخاصة والتي لا ذوق لهم فيها هي الخاصة أعني نبوة التشريع وهي مقام خاص في الولاية . وأما النبوة العامة فهي مستمرة سارية في أكابر الرجال غير منقطعة دنيا وأخرى لكن باب الإطلاق قد انسد ، وعلى هذا يخرج ما رواه البدر التماسكي البغدادي عن الشيخ بشير عن القطب عبد القادر الجيلي قدس سره أنه قال : معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوا فإن معنى قوله : أوتيتم اللقب أنه حجر علينا إطلاق لفظ النبي ، وإن كانت النبوة العامة أبدية ، وقوله : وأوتينا ما لم تؤتوا على حدّ قول الخضر لموسى عليه السلام وهو أفضل منه يا موسى أنا على علم علمنيه الله تعالى لا تعلمه أنت ، وهذا وجه آخر غير ما أسلفنا من قبل في توجيه هذا الكلام .
والصنف الثاني : الصديقون وهم المؤمنون بالله تعالى ورسله عن قول المخبر لا عن دليل سوى النور الإيماني الذي أعد في قلوبهم قبل وجود المصدق به المانع لها من تردد أو شك يدخلها في قول المخبر الرسول ومتعلقه في الحقيقة الإيمان بالرسول ويكون الإيمان بالله تعالى على جهة القربة لا على إثباته إذ كان بعض الصديقين قد ثبت عندهم وجود الحق جل وعلا ضرورة أو نظراً لكن ما ثبت كونه قربة وليس بين النبوة والصديقية كما قال حجة الإسلام وغيره مقام ، ومن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة وهي باب مغلق ، وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره مقاماً بينهما سماه مقام القربة ، وهو السر الذي وقر في قلب أبي بكر رضي الله تعالى عنه المشار إليه في الحديث «فليس بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله تعالى عنه رجل أصلاً» لا أنه ليس بين الصديقية والنبوة مقام ولها أجزاء على عدد شعب الإيمان ، وفسرها بعضهم بأنها نور أخضر بين نورين يحصل به شهود عين ما جاء به المخبر من خلف حجاب الغيب بنور الكرم وبين ذلك بما يطول . (4/124)
والصنف الثالث : الشهداء تولاهم الله تعالى بالشهادة وجعلهم من المقربين ، وهم أهل الحضور مع الله تعالى على بساط العلم به فقد قال سبحانه : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم } [ آل عمران : 18 ] فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة فهم موحدون عن حضور إلهيّ وعناية أزلية فإن بعث الله تعالى رسولاً وآمنوا به فهم المؤمنون العلماء ولهم الأجر التام يوم القيامة وإلا فليس هم الشهداء المنعم عليهم وإيمانهم بعد العلم بما قاله الله سبحانه : إن ذلك قربة إليه من حيث قاله الله سبحانه ، أو قاله الرسول الذي جاء من عنده فقدم الصديق على الشهيد وجعل بإزاء النبي فإنه لا واسطة بينهما لاتصال نور الإيمان بنور الرسالة ، والشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول من حيث هو شاهد لله تعالى بتوحيده لا من حيث هو رسول فلا يصح أن يكون بعده مع المساوقة لئلا تبطل ولا أن يكون معه لكونه رسولاً ، والشاهد ليس به فلا بد أن يتأخر فلم يبق إلا أن يكون في الرتبة التي تلي الصديقية فإن الصديق أتم نوراً منه في الصديقية لأنه صديق من وجهين : وجه التوحيد ووجه القربة ، والشهيد من وجه القربة خاصة لأن توحيده عن علم لا عن إيمان فنزل عن الصديق في مرتبة الإيمان وهو فوقه في مرتبة العلم فهو المتقدم في مرتبة العلم المتأخر برتبة الإيمان والتصديق فإنه لا يصح من العالم أن يكون صديقاً ، وقد تقدم العلم مرتبة الخبر فهو يعلم أنه صادق في توحيد الله تعالى إذا بلغ رسالة الله تعالى والصديق لم يعلم ذلك إلا بنور الإيمان المعد في قلبه فعندما جاء الرسول اتبعه من غير دليل ظاهر .
والصنف الرابع : الصالحون تولاهم الله تعالى بالصلاح وهم الذين لا يدخل في علمهم بالله تعالى ولا إيمانهم به وبما جاء من عنده سبحانه خلل فإذا دخله بطل كونه صالحاً وكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح ، ولا في شهادته فهو صالح ، ولا في توبته فهو صالح ، ولكل أحد أن يدعو بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه لأن الأمر اختصاص إلهي وليس بذاتي فيجوز دخول الخلل فيه ، ويجوز رفعه ، فصح أن يدعو الصالح بأن يجعل من الصالحين أي الذين لا يدخل صلاحهم خلل في زمان مّا ، وقد ذكر أنه ما من نبي إلا وذكر أنه صالح أو أنه دعا أن يكون من الصالحين مع كونه نبياً ، ومن هنا قيل : إن مرتبة الصلاح خصوص في النبوة وقد تحصل لمن ليس بنبي ولا صديق ولا شهيد . (4/125)
هذا ما وقفت عليه من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم ، ولم أظفر بالتفصيل الذي ذكره مولانا الشيخ قدس سره فتدبر ، وقد ذكر أصحابنا الرسميون أن الصديق صيغة مبالغة كالسكير بمعنى المتقدم في التصديق المبالغ في الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال ، ويطلق على كل من أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأماثل خواصهم كأبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وأن الشهداء جمع شهيد ، والمراد بهم الذين بذلوا أرواحهم في طاعة الله تعالى وإعلاء كلمته وهم المقتولون بسيف الكفار من المسلمين ، وقيل : المراد بهم ههنا ما هو أعم من ذلك ، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا : يا رسول الله من قتل في سبيل الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم : إن شهداء أمتي إذاً لقليل من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون فهو شهيد ، ومن مات مبطوناً فهو شهيد » وعد بعضهم الشهداء أكثر من ذلك بكثير ، وقيل : الشهيد هو الذي يشهد لدين الله تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، وزعم النيسابوري أنه لا يبعد أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله تعالى :
{ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة : 143 ] وليس بشيء كما لا يخفى ، وأن المراد بالصالحين الصارفين أعمارهم في طاعة الله تعالى وأموالهم في مرضاته سبحانه ، ويقال : الصالح هو الذي صلحت حاله واستقامت طريقته . «والمصلح هو الفاعل لما فيه ( الصلاح ) قال الطبرسي : ولذا يجوز أن يقال : مصلح في حق الله تعالى دون صالح» ، وليس المراد بالمعية اتحاد الدرجة ولا مطلق الاشتراك في دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإن بعدت المسافة بينهما ، وذكر غير واحد أنه لا مانع من أن يرفع الأدنى إلى منزلة الأعلى متى شاء تكرمة له ثم يعود ولا يرى أنه أرغد منه عيشاً ولا أكمل لذة لئلا يكون ذلك حسرة في قلبه ، وكذا لا مانع من أن ينحدر الأعلى إلى منزلة الأدنى ثم يعود من غير أن يرى ذلك نقصاً في ملكه أو حطاً من قدره . وقد ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون ، وادعى بعضهم أن لا تزاور مع رؤية كل واحد الآخر ، وذلك لأن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع فينعكس بعضها على بعض كالمرايا المجلوة المتقابلة ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : { إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين } [ الحجز : 47 ] وزعم أنه التحقيق وهو بعيد عنه ، وأبعد من ذلك بمراحل ما قيل : يحتمل أن يكون المراد أن معنى كون المطيع مع هؤلاء أنه معهم في سلوك طريق الآخرة فيكون مأموناً من قطاع الطريق محفوظ الطاعة عن النهب . (4/126)
{ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } أي صاحباً ، وهو مشتق من الرفق ، وهو لين الجانب واللطافة في المعاشرة قولاً وفعلاً ، والإشارة يحتمل أن تكون إلى النبيين ومن بعدهم وما فيها من معنى البعد لما مرّ مراراً و { رَفِيقاً } حينئذٍ إما تمييز أو حال على معنى أنهم وصفوا بالحسن من جهة كونهم رفقاء للمطيعين ، أو حال كونهم رفقاء لهم ولم يجمع لأن فعيلاً يستوي فيه الواحد وغيره أو اكتفاءاً بالواحد عن الجمع في باب التمييز لفهم المعنى ، وحسنه وقوعه في الفاصلة؛ أو لأنه بتأويل حسن كل واحد منهم أو لأنه قصد بيان الجنس مع قطع النظر عن الأنواع ، ويحتمل أن تكون إلى من يطع والجمع على المعنى ف { رَفِيقاً } حينئذٍ تمييز على معنى أنهم وصفوا بحسن الرفيق من الفرق الأربع لا بنفس الحسن ، فلا يجوز دخول من عليه كما يجوز في الوجه الأول . والجملة على الاحتمالين تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب والتشويق ، وفي «الكشاف» «فيه معنى التعجب كأنه قيل : وما أحسن أولئك رفيقاً ولاستقلاله بمعنى التعجيب قرىء { وَحَسُنَ } بسكون السين يقول المتعجب : حسن الوجه وجهك ، وحسن الوجه وجهك بالفتح والضم مع التسكين» انتهى .
وفي «الصحاح» يقال : حسن الشيء وإن شئت خففت الضمة فقلت : حسن الشيء ، ولا يجوز أن تنقل الضمة إلى الحاء لأنه خبر ، وإنما يجوز النقل إذا كان بمعنى المدح أو الذم لأنه يشبه في جواز النقل بنعم وبئس ، وذلك أن الأصل فيهما نعم وبئس فسكن ثانيهما ، ونقلت حركته إلى ما قبله وكذلك كل ما كان في معناهما قال الشاعر : (4/127)
لم يمنع الناس مني ما أردت وما ... أعطيهم ما أرادوا ( حسن ذا أدبا )
أراد حسن هذا أدباً فخفف ونقل ، وأراد أنه لما نقل إلى الإنشاء حسن أن يغير تنبيهاً على مكان النقل ، وفي «الإرتشاف» : إن فعل المحول ذهب الفارسي . وأكثر النحويين إلى إلحاقه بباب نعم وبئس فقط ، وإجراء أحكامه عليه ، وذهب الأخفش والمبرد إلى إلحاقه بباب التعجب ، وحكى الأخفش الاستعمالين عن العرب ، ويجوز فيه ضم العين وتسكينها ونقل حركتها إلى الفاء ، وظاهره تغاير المذهبين ، وفي «التسهيل» إنه من باب نعم وبئس وفيه معنى التعجب ، وهو يقتضي أن لا تغاير بينهما وإليه يميل كلام الشيخين فافهم ، والحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب إما عقلاً أو هوى أو حساً ، وأكثر ما يقال في متعارف العامة في المستحسن بالبصر ، وقد جاء في القرآن له وللمستحسن من جهة البصيرة .
ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)
{ ذلك } إشارة إلى ما ثبت للمطيعين من جميع ما تقدم ، أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم وهو مبتدأ ، وقوله سبحانه : { الفضل } صفة ، وقوله تعالى : { مِنَ الله } خبره أي ذلك الفضل العظيم كائن من الله تعالى لا من غيره ، وجوز أبو البقاء أن يكون { الفضل } هو الخبر ، و { مِنَ الله } متعلق بمحذوف وقع حالاً منه؛ والعامل فيه معنى الإشارة ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً أي ذلك الذي ذكر الفضل كائناً ، أو كائن من الله تعالى لا أن أعمال العباد توجبه { وكفى بالله عَلِيماً } بثواب من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله بمقتضى الوعد فثقوا بما أخبركم به { وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] . وقيل : وكفى به سبحانه عليماً بالعصاة والمطيعين والمنافقين والمخلصين ومن يصلح لمرافقة هؤلاء ومن لا يصلح . (4/128)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71)
{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } أي عدتكم من السلاح قاله مقاتل وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه ، وقيل : الحذر مصدر كالحذر ، وهو الاحتراز عما يخاف فهناك الكناية والتخييل بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية ، وليس الأخذ مجازاً ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في قوله سبحانه : { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } [ النساء : 102 ] إذ التجوز في الإيقاع ، وقد صرح المحققون بجواز الجمع فيه ، والمعنى استعدوا لأعدائكم أو تيقظوا واحترزوا منهم ولا تمكنوهم من أنفسكم { فانفروا } بكسر الفاء ، وقرىء بضمها أي : أخرجوا إلى قتال عدوكم والجهاد معه عند خروجكم ، وأصل معنى النفر الفزع كالنفرة ، ثم استعمل فيما ذكر { ثُبَاتٍ } جمع ثبة وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة ، وقيل : فوق الاثنين ، وقد تطلق على غير الرجال ومنه قول عمرو بن كلثوم : (4/129)
فأما يوم خشيتنا عليهم ... فتصبح خيلنا عصباً ( ثباتاً )
ووزنها في الأصل فعلة كحطمة حذفت لامها وعوض عنها هاء التأنيث وهل هي واو من ثبا يثبو ، كعدى يعدو أي اجتمع ، أو ياء من ثبيت على فلان بمعنى أثنيت عليه بذكر محاسنه وجمعها؟ قولان ، وثبة الحوض وسطه واوية ، وهي من ثاب يثوب إذا رجع ، وقد جمع جمع المؤنث ، وأعرب إعرابه على اللغة الفصيحة ، وفي لغة ينصب بالفتح ، وقد جمع أيضاً جمع المذكر السالم فيقال : ثبون ، وقد اطرد ذلك فيما حذف آخره وإن لم يستوف الشروط جبراً له ، وفي ثائه حينئذٍ لغتان : الضم والكسر ، والجمع هنا في موضع الحال أي انفروا جماعات متفرقة جماعة بعد جماعة { أَوِ انفروا جَمِيعاً } أي مجتمعين جماعة واحدة ، ويسمى الجيش إذا اجتمع ولم ينتشر كتيبة ، وللقطعة المنتخبة المقتطعة منه سرية ، وعن بعضهم أنها التي تخرج ليلاً وتعود إليه وهي من مائة إلى خمسمائة ، أو من خمسة أنفس إلى ثلثمائة وأربعمائة ، وما زاد على السرية منسر كمجلس ومنبر إلى الثمانمائة فإن زاد يقال له : جيش إلى أربعة آلاف ، فإن زاد يسمى جحفلاً ويسمى الجيش العظيم خميساً وما افترق من السرية بعثاً وقد تطلق السرية على مطلق الجماعة ، والآية وإن نزلت في الحرب لكن فيها إشارة إلى الحث على المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات .
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72)
{ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } أي ليتثاقلنّ وليتأخرنّ عن الجهاد من بطأ بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم إذا أبطأ ، والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنيهم ومنافقيهم والمبطئون هم المنافقون منهم ، وجوز أن يكون منقولاً لفظاً ومعنى من بطؤ نحو ثقل من ثقل ، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الجهاد كما ثبط ابن أبي ناساً يوم أحد ، ( والأنسب بما بعده ) ، واللام الأولى : لام التأكيد التي تدخل على خبر إن أو اسمها إذا تأخر ، والثانية : جواب قسم ، وقيل : «زائدة ، وجملة القسم وجوابه صلة الموصول وهما كشيء واحد فلا يرد أنه لا رابطة في جملة القسم كما لا يرد أنها إنشائية فلا تقع صلة لأن المقصود الجواب ، وهو خبري فيه عائد ، ولا يحتاج إلى تقدير أقسم على صيغة الماضي ليعود ضميره إلى المبطىء بل هو خلاف الظاهر . وجوز في مَنْ أن تكون موصوفة ، والكلام في الصفة كالكلام في الصلة ، وهذه الجملة قيل : عطف على { خُذُواْ حِذْرَكُمْ } [ النساء : 71 ] عطف القصة على القصة؛ وقيل : إنها معترضة إلى قوله سبحانه : { فَلْيُقَاتِلْ } [ النساء : 74 ] وهو عطف على { خُذُواْ } ، وقرىء { لَّيُبَطّئَنَّ } بالتخفيف . (4/130)
{ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ } من العدو كقتل وهزيمة { قَالَ } أي المبطىء فرحاً بما فعل وحامداً لرأيه { قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ } بالقعود { إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } حاضراً معهم في المعركة فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة ، وقيل : يحتمل أن يكون المعنى إذ لم أكن مع شهدائهم شهيداً ، أو لم أكن معهم في معرض الشهادة ، فالإنعام هو النجاة عن القتل وخوفه عبر عنه بالشهادة تهكماً ولا يخفى بعده ، والفاء في الشرطية لترتيب مضمونها على ما قبلها فإن ذكر التبطئة مستتبع لذكر ما يترتب عليها كما أن نفس التبطئة مستدعية لشيء ينتظر المبطىء وقوعه .