صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)

{ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } شروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرم بعد بيان كيفية معاشرة الأزواج ، وهو عند بعض مرتبط بقوله سبحانه : { لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً } [ النساء : 19 ] وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كان ذلك ديدناً لهم في الجاهلية . وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال : كان الرجل إذا توفي عن امرأته كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه ، أو ينكحها من شاء فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه حصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئاً فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : «ارجعي لعل الله تعالى ينزل فيك شيئاً فنزلت { وَلاَ تَنْكِحُواْ } الآية ، ونزلت أيضاً { لاَ يَحِلُّ لَكُمْ } [ النساء : 19 ] الخ» وذكر الواحدي وغيره أنها نزلت في حصن المذكور ، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه ، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب ، وفي منظور بن ريان تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة ، واسم الآباء ينتظم الأجداد كيف كانوا باعتبار معنى يعمهما لغة لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وفي «النهاية» إن دلالة الأب على الجد بأحد طريقين : إما أن يكون المراد بالأب الأصل وإما بالإجماع ، ولا يخفى أن كون الدلالة بالإجماع مما لا معنى له ، نعم لثبوت حرمة من نكحها الجد بالإجماع معنى لا خفاء فيه فتثبت حرمة ما نكحوها نصاً وإجماعاً ، ويستقل في إثبات هذه الحرمة نفس النكاح أعني العقد إن كان صحيحاً ولا يشترط الدخول ، وإلى ذلك ذهب ابن عباس ، فقد أخرج عنه ابن جرير والبيهقي أنه قال : كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي عليك حرام ، وروي ذلك عن الحسن وابن أبي رباح ، وإن كان النكاح فاسداً فلا بدّ في إثبات الحرمة من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبيل والمس بشهوة مثلاً بل هو المحرم في الحقيقة حتى لو وقع شيء من ذلك بملك اليمين ، وبالوجه المحرم ثبتت به الحرمة عندنا ، وإليه ذهبت الإمامية ، وخالفت الشافعية في المحرم ، وتحقيق ذلك أن الناس اختلفوا في مفهوم النكاح لغة فقيل : هو مشترك لفظي بين الوطء والعقد وهو ظاهر كلام كثير من اللغويين ، وقيل : حقيقة في العقد مجاز في الوطء وعليه الشافعية ، وقيل : بالعكس وعليه أصحابنا ، ولا ينافيه تصريحهم بأنه حقيقة في الضم لأن الوطء من أفراده والموضوع للأعم حقيقة في كل من أفراده على ما أطلقه الأقدمون ، وقد تحقق استعمال النكاح في كل من هذه المعاني ، ففي الوطء قوله صلى الله عليه وسلم :

(3/488)


" ولدت من نكاح لا من سفاح " أي من وطء حلال لا من وطء حرام ، وقوله عليه الصلاة والسلام : " يحل للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح " ، وقول الشاعر :
ومن أيم قد ( أنكحتها ) رماحنا ... وأخرى على خال وعم تلهف
وقول الآخر :
( ومنكوحة ) غير ممهورة ... وقول الفرزدق :
إذ سقى الله قوماً صوب عادية ... فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا
التاركين على طهر نساءهم ... ( والناكحين ) بشطي دجلة البقرا
وفي «العقد» قول الأعشى :
فلا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام ( فانكحن ) أو تأبدا
وفي المعنى الأعم قول القائل :
ضممت إلى صدري معطر صدرها ... كما ( نكحت ) أم الغلام صبيها
وقول أبي الطيب :
( أنكحت ) صم حصاها خف يعملة ... تغشمرت بي إليك السهل والجبلا
فمدعي الاشتراك اللفظي يقول تحقق الاستعمال والأصل الحقيقة ، والثاني يقول : كونه مجازاً في أحدهما حقيقة في الآخر حيث أمكن أولى من الاشتراك ، ثم يدعي تبادر العقد عند إطلاق لفظ النكاح دون الوطء ويحيل فهم الوطء منه حيث فهم على القرينة ، ففي الحديث الأول هي عطف السفاح بل يصح حمل النكاح فيه على العقد وإن كانت الولادة بالذات من الوطء ، وفي الثاني إضافة المرأة إلى ضمير الرجل فإن امرأته هي المعقود عليها فيلزم إرادة الوطء من النكاح المستثنى وإلا فسد المعنى إذ يصير يحل من المعقود عليها كل شيء إلا العقد ، وفي الأبيات الإضافة إلى البقر ونفي المهور ، والإسناد إلى الرماح إذ يستفاد أن المراد وطء البقر والمسبيات ، والجواب منع تبادر العقد عند الإطلاق لغة بل ذلك في المفهوم الشرعي الفقهي ، ولا نسلم أن فهم الوطء فيما ذكر مسند إلى القرينة وإن كانت موجودة إذ وجود قرينة تؤيد إرادة المعنى الحقيقي مما يثبت مع إرادة الحقيقي فلا يستلزم ذلك كون المعنى مجازياً بل المعتبر مجرد النظر إلى القرينة إن عرف أنه لولاها لم يدل اللفظ على ما عنيته فهو مجاز وإلا فلا ، ونحن في هذه المواد المذكورة نفهم الوطء قبل طلب القرينة ، والنظر في وجه دلالتها فيكون اللفظ حقيقة وإن كان مقروناً بما إذا نظر فيه استدعى إرادة ذلك المعنى ، ألا يرى أن ما ادعوا فيه الشهادة على أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء من بيت الأعشى فيه قرينة تفيد العقد أيضاً فإن قوله :
فلا تقربن جارة ... نهى عن الزنا بدليل أن سرها عليك حرام فيلزم أن قوله : فانكحن أمر بالعقد أي فتزوج إن كان الزنا عليك حراماً أو تأبد أي توحش أي كن كالوحش بالنسبة إلى الآدميات فلا يكن منك قربان لهن كما لا يقربهن وحش ، ولم يمنع ذلك أن يكون اللفظ حقيقة في العقد عندهم في البيت إذ هم لا يقولون بأنه مجاز فيه ، وأما ادعاء أنه في الحديث للعقد فيستلزم التجوز في نسبة الولادة إليه لأن العقد إنما هو سبب السبب ، ففيه دعوى حقيقة بالخروج عن حقيقة وهو ترجيح بلا مرجح لو كانا سواء ، فكيف والأنسب كونه في الوطء ليتحقق التقابل بينه وبين السفاح إذ يصير المعنى عن وطء حلال لا وطء حرام فيكون على خاص من الوطء ، والدال على الخصوصية لفظ السفاح أيضاً فثبت إلى هنا أنا لم نزده على ثبوت مجرد الاستعمال شيئاً يجب اعتباره ، وقد علم أيضاً ثبوت الاستعمال في الضم فباعتباره حقيقة فيه يكون مشتركاً معنوياً من أفراده الوطء والعقد إن اعتبرنا الضم أعم من ضم الجسم إلى الجسم والقول إلى القول ، أو الوطء فقط فيكون مجازاً في العقد لأنه إذا دار بين المجاز والاشتراك اللفظي كان المجاز أولى ما لم يثبت صريحاً خلافه ولم يثبت نقل ذلك بل قالوا : نقل المبرد عن البصريين ، وغلام ثعلب عن الكوفيين أنه الجمع والضم ، ثم المتبادر من لفظ الضم تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها أعراض يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه فوجب كونه مجازاً في العقد كذا في «فتح القدير» .

(3/489)


إذا علمت ذلك فنقول : حمل الشافعية النكاح في الآية التي نحن فيها على العقد دون الوطء ، واستدلوا بها على حرمة المعقود عليها وإن لم توطأ ، وذهبوا إلى عدم ثبوت الحرمة بالزنا وحمله بعض أصحابنا على العقد فيها ، واستدلوا بها على حرمة نكاح نساء الآباء والأجداد ، وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا وجعلوا حرمة العقد ثابتة بالإجماع ، ثم قالوا : ولو حمل على العقد تكون حرمة الوطء ثابتة بطريق الأولى .
واعترض بأنه لا ينبغي أن يقال : ثبت حرمة الموطوأة بالآية ، والمعقود عليها بلا وطء بالإجماع لأنه إذا كان الحكم الحرمة بمجرد العقد ولفظ الدليل الصالح له كان مراداً منه بلا شبهة؛ فإن الإجماع تابع للنص إذ القياس عن أحدهما يكون ، ولو كان عن علم ضروري يخلق لهم ثبت بذلك أن ذلك الحكم مراد من كلام الشارع إذا احتمله ، وحمله آخرون على الوطء والعقد معاً فقد قال الزيلعي : الآية تتناول منكوحة الأب وطءاً وعقداً صحيحاً ، ولا يضر الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الكلام نفي ، وفي النفي يجوز الجمع بينهما كما يجوز فيه أن يعم المشترك جميع معانيه ، وقد نقل أيضاً سعدي أفندي عن وصايا «الهداية» جواز الجمع بين معاني المشترك في النفي وحينئذٍ لا إشكال في كون الآية دليلاً على حرمة الموطوأة والمعقود عليها كما لا يخفى .
واعترض ما قاله الزيلعي بأنه ضعيف في الأصول ، والصحيح أنه لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز لا في النفي ولا في الإثبات ، ولا عموم للمشترك مطلقاً ، وفي «الأكمل» ، والحق أن النفي كما اقتضاه الإثبات فإن اقتضى الإثبات الجمع بين المعنيين فالنفي كذلك وإلا فلا .

(3/490)


ومسألة اليمين المذكورة في «المبسوط» حلف لا يكلم مواليه وله أعلون وأسفلون فأيهم كلم حنث ليست باعتبار عموم المشترك في النفي كما توهم البعض ، وإنما هو لأن حقيقة الكلام متروكة بدلالة اليمين إلى مجاز يعمها ، وفي «البحر» إن الأولى أن النكاح في الآية للعقد كما هو المجمع عليه ، ويستدل لثبوت حرمة المصاهرة بالوطء الحرام بدليل آخر فليفهم ، وما موصول اسمي واقعة على من يعقل ولا كلام في ذلك على رأي من جوزه مطلقاً ، وكذا على رأي من جوزه إذا أريد معنى صفة مقصودة منه ، وقيل : مصدرية على إرادة المفعول من المصدر أي منكوحات آبائكم ، واختار الطبري إبقاء المصدر على مصدريته ويكون المراد النهي عن كل نكاح كان لهم فاسد أي لا تنكحوا مثل نكاح آبائكم وليس بالوجيه .
{ مّنَ النساء } في موضع الحال من ما أو من العائد عليها ، وعند الطبري متعلقة بنكح ، وذكر غير واحد أنها بيان لما على الوجهين السابقين ، وظاهره أنها بيانية ، ويحتمل أن تكون تبعيضية والبيان معنوي ، ونكتته مع عدم الاحتياج إليه إذ المنكوحات لا يكن إلا نساءاً التعميم كأنه قيل : أي امرأة كانت ، واحتمال كونه رفع توهم التغليب في آبائكم وجعله أعم من الأمهات حتى يفيد أنه نهي للبنت عن نكاح منكوح أمها لا يخلو عن خفاء .
{ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } أي مات كما روي ذلك عن أبي بن كعب وهو استثناء متصل على المختار مما نكح للمبالغة في التحريم والتعميم ، والكلام حينئذٍ من باب تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه كما في قول النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... ( بهن فلول من قراع الكتائب )
والمعنى لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا من ماتت منهن . والمقصود سدّ باب الإباحة بالكلية لما فيه من تعليق الشيء بالمحال كقوله تعالى : { حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } [ الأعراف : 40 ] والمعلق على المحال محال ، وقيل : إنه استثناء متصل مما يستلزمه النهي وتستلزمه مباشرة المنهي عنه من العقاب كأنه قيل : تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف ومضى فإنه معفو عنه ، وبهذا التأويل يندفع الاستشكال بأن النهي للمستقبل ، وما قد سلف ماض فكيف يستثنى منه ، وجعل بعض محققي النحاة الاستثناء مما دخل في حكم دلالة المفهوم منقطعاً فحكم على ما هنا بالانقطاع أي لكن ما سلف لا مؤاخذة عليه فلا تلامون به لأن الإسلام يهدم ما قبله فتثبت به أحكام النسب وغيره ، ولا يعد ذلك زنا ، وقد ذكر البلخي أنه ليس كل نكاح حرمه الله تعالى يكون زنا لأن الزنا فعل مخصوص لا يجري على طريقة لازمة وسنة جارية ، ولذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية أولاد زنا ، ولا لأولاد أهل الذمة مثلاً إذا كان ذلك عن عقد بينهم يتعارفونه ، وزعم بعضهم على تقدير الانقطاع أن المعنى لكن ما سلف أنتم مقرون عليه ، وحكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم على منكوحات آبائهم مدة ثم أمر بمفارقتهن ، وفعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج ، قال البلخي : وهذا خلاف الإجماع ، وما علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم فالقول به خطأ والمعول عليه من بين الأقوال الأول لقوله سبحانه :
{ أَنَّهُ } أي نكاح ما نكح الآباء { كَانَ فاحشة وَمَقْتاً } فإنه تعليل للنهي وبيان لكون المنهي عنه في غاية القبح كما يدل عليه الإخبار بأنه فاحشة مبغوضاً باستحقار جداً حتى كأنه نفس البغض كما يدل عليه الإخبار بأنه مقت ، وإنه لم يزل في حكم الله تعالى وعلمه موصوفاً بذلك ما رخص فيه لأمة من الأمم كما يقتضيه كان على ما ذكره علي بن عيسى وغيره ، وهذا لا يلائم أن يوسط بينهما ما يهون أمره من ترك المؤاخذة على ما سلف منه كما أشار إليه الزمخشري وارتضاه جمع من المحققين ، ومن الناس من استظهر كون هذه الجملة خبراً على تقدير الانقطاع وليس بالظاهر ، ومنهم من فسر الفاحشة هنا بالزنا وليس بشيء ، وقد كان هذا النكاح يسمى في الجاهلية نكاح المقت ، ويسمى الولد منه مقتي ، ويقال له أيضاً : مقيت أي مبغوض مستحقر ، وكان من هذا النكاح على ما ذكره الطبرسي الأشعث بن قيس ومعيط جد الوليد بن عقبة { وَسَاء سَبِيلاً } أي بئس طريقاً طريق ذلك النكاح ، ففي ساء ضمير مبهم يفسره ما بعده ، والمخصوص بالذم محذوف ، وذمّ الطريق مبالغة في ذمّ سالكها وكناية عنه ، ويجوز واختاره الليث أن تكون ساء كسائر الأفعال ففيها ضمير يعود إلى ما عاد إليه ضمير به .

(3/491)


وسبيلاً تمييز محول عن الفاعل ، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، وإما معطوفة على خبر كان محكية بقول مضمر هو المعطوف في الحقيقة أي ومقولاً في حقه ذلك في سائر الأعصار .
قال الإمام الرازي : «مراتب القبح ثلاث : القبح العقلي والقبح الشرعي والقبح العادي ، وقد وصف الله سبحانه هذا النكاح بكل ذلك ، فقوله سبحانه : { فاحشة } إشارة إلى مرتبة قبحه العقلي ، وقوله تعالى : { وَمَقْتاً } إشارة إلى مرتبة قبحه الشرعي ، وقوله عز وجل : { وَسَاء سَبِيلاً } إشارة إلى مرتبة قبحه العادي ، وما اجتمع فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح» ، وأنت تعلم أن كون قوله عز شأنه : { وَمَقْتاً } إشارة إلى مرتبة قبحه الشرعي ظاهر على تقدير أن يكون المراد ( ومقتاً ) عند الله تعالى ، وأما على تقدير أن يكون المراد ( ومقتاً ) عند ذوي المروءات فليس بظاهر ، ومن هنا قيل : إن قوله جل شأنه : { فاحشة } إشارة إلى القبح الشرعي { وَمَقْتاً } إشارة إلى العقلي بمعنى المنافرة { وَسَاء سَبِيلاً } إلى العرفي ، وعندي أن لكل وجهاً ، ولعل ترتيب الإمام أولى من بعض الحيثيات كما لا يخفى ، ومما يدل على فظاعة أمره ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم والبيهقي عن البراء قال : لقيت خالي ومعه الراية قلت : أين تريد؟ قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله .

(3/492)


حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)

{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الاخ وَبَنَاتُ الاخت } ليس المراد تحريم ذاتهن لأن الحرمة وأخواتها إنما تتعلق بأفعال المكلفين ، فالكلام على حذف مضاف بدلالة العقل ، والمراد تحريم نكاحهن لأنه معظم ما يقصد منهن ولأنه المتبادر إلى الفهم ولأن ما قبله وما بعده في النكاح ، ولو لم يكن المراد هذا كأن تخلل أجنبي بينهما من غير نكتة فلا إجمال في الآية خلافاً للكرخي ، والجملة إنشائية وليس المقصود منها الإخبار عن التحريم في الزمان الماضي؛ وقال بعض المحققين : لا مانع من كونها إخبارية والفعل الماضي فيها مثله في التعاريف نحو الاسم ما دل على معنى في نفسه ولم يقترن بأحد الأزمنة ، والفعل ما دل واقترن ، فإنهم صرحوا أن الجملة الماضوية هناك خبرية وإلا لما صح كونها صلة الموصول مع أنه لم يقصد من الفعل فيها الدلالة على الزمان الماضي فقط ، وإلا للزم أن يكون حال المعرف في الزمان الحال والمستقبل ليس ذلك الحال ، وبنى الفعل لما لم يسم فاعله لأنه لا يشتبه أن المحرم هو الله تعالى .
و { أمهاتكم } تعم الجدات كيف كنّ إذ الأم هي الأصل في الأصل كأم الكتاب وأم القرى فتثبت حرمة الجدات بموضوع اللفظ وحقيقته لأن الأم على هذا من قبيل المشكك ، وذهب بعضهم إلى أن إطلاق الأم على الجدة مجاز ، وأن إثبات حرمة الجدات بالإجماع ، والتحقيق أن الأم مراد به الأصل على كل حال لأنه إن استعمل فيه حقيقة فظاهر ، وإلا فيجب أن يحكم بإرادته مجازاً فتدخل الجدات في عموم المجاز والمعرف لإرادة ذلك في النص الإجماع على حرمتهن .
/ والمراد بالبنات من ولدتها أو ولدت من ولدها؛ وتسمية الثانية بنتاً حقيقة باعتبار أن البنت يراد به الفرع كما قيل به فيتناولها النص حقيقة أو مجازاً عند البعض ، أو عند الكل ، ومن منع إطلاق البنت على الفرع مطلقاً قال : إن ثبوت حرمة بنات الأولاد بالإجماع ، وقد يستدل على تحريم الجدات وبنات الأولاد بدلالة النص المحرم للعمات والخالات وبنات الأخ والأخت ، ففي الأول : لأن الأشِقّاءَ منهن أولاد الجدات فتحريم الجدات وهن أقرب أولى ، وفي الثاني : لأن بنات الأولاد أقرب من بنات الأخوة ، ثم ظاهر النص يدل على أنه يحرم للرجل بنته من الزنا لأنها بنته ، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة ونحوه فيصير منقولاً شرعياً ، وفي ذلك خلاف الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فقد قال : إن المخلوقة من ماء الزنا تحل للزاني لأنها أجنبية عنه إذ لا يثبت لها توارث ولا غيره من أحكام النسب ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : «الولد للفراش» وهو يقتضي حصر النسب في الفراش .

(3/493)


وقال بعض الشافعية : تحرم إن أخبره نبي كعيسى عليه السلام وقت نزوله بأنها من مائه ، ورد عليه بأن الشارع قطع نسبها عنه كما تقرر فلا نظر لكونها من ماء سفاحه ، واعترضوا على القائلين بالحرمة بأنهم إما أن يثبتوا كونها بنتاً له بناءاً على الحقيقة لكونها مخلوقة من مائه ، أو بناءاً على حكم الشرع ، والأول : باطل على مذهبهم طرداً وعكساً ، أما الأول : فلأنه لو اشترى بكراً وافتضها وحبسها إلى أن تلد فهذا الولد مخلوق من مائه بلا شبهة مع أنه لا يثبت نسبه إلا عند الاستلحاق ، وأما الثاني : فلأن المشرقي لو تزوج مغربية وحصل هناك ولد منها مع عدم اجتماعها مع زوجها وحيلولة ما بين المشرق والمغرب بينهما فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه ، والثاني : باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه ، وأجيب باختيار الشق الأول إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن المخلوقة من ماء إنسان بنته سواء كان ذلك الماء ماءً حلال أو سفاح والجزئية ثابتة في الصورتين ، والظاهر أنها هي مبدأ حرمة النكاح ، ألا ترى كيف حرم على المرأة ولدها من الزنا إجماعاً ، والتفرقة بين المسألتين بأن الولد في المسألة الثانية بعضها ، وانفصل منها إنساناً ، ولا كذلك البنت في المسألة الأولى لأنها انفصلت منه منياً لا تفيد سوى أن البعضية في المسألة الثانية أظهر ، وأما إنها تنفي البعضية في المسألة الأولى فلا لأنهم يطلقون البضعة وهي تقتضي البعضية على الولد المنفصل منياً من أبيه ، فيقولون : فلان بضعة وفلانة بضعة من فلان ، وإنكار وجود الجزئية في المسألتين مكابرة ، وعدم ثبوت التوارث مثلاً بين المخلوقة من ماء الزنا وصاحب الماء ليس لعدم الجزئية وكونها ليست بنته حقيقة بل للإجماع على ذلك ، ولولاه لورثت كما يرث ولد الزنا أمه . وما ذكر في بيان إبطال الطرد من أنه لو اشترى بكراً فافتضها وحبسها فولدت فالولد مخلوق من مائه قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلا بالاستلحاق أخذه من قول الفقهاء في الأمة إذا ولدت عند المولى أنه لا يثبت نسب ولدها منه إلا أن يعترف به ، ولا يكفي أنه وطأها فولدت ، لكن في «الهداية» وغيرها إن هذا حكم ، فأما الديانة بينه وبين الله تعالى فالمروى عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه إن كان حين وطئها لم يعزل عنها وحصنها عن مظان ريبة الزنا يلزمه من قبل الله تعالى أن يدعيه بالإجماع لأن الظاهر والحال هذه كونه منه ، والعمل بالظاهر واجب ، وإن كان عزل عنها حصنها أولاً أو لم يعزل .

(3/494)


ولكن لم يحصنها فتركها تدخل وتخرج بلا رقيب مأمون جاز له أن ينفيه لأن هذا الظاهر وهو كونه منه بسبب أن الظاهر عدم زنا المسلمة يعارضه ظاهر آخر وهو كونه من غيره لوجود أحد الدليلين على ذلك ، وهما العزل أو عدم التحصين ، وفيه روايتان أخريان عن أبي يوسف ومحمد ذكرهما في «المبسوط» فقال : وعن أبي يوسف إذا وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بولد فعليه أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل حصنها أو لم يحصنها تحسيناً للظن بها وحملاً لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه ، وهذا كمذهب الجمهور لأن ما ظهر بسببه يكون حالاً به عليه حتى يتبين خلافه وعن محمد لا ينبغي أن يدعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه ولكن ينبغي أن يعتق الولد ، وفي «الإيضاح» ذكرهما بلفظ الاستحباب ، فقال : قال أبو يوسف : أحب أن يدعيه ، وقال محمد : أحب أن يعتق الولد ، وقال في «الفتح» بعد كلام : وعلى هذا ينبغي أن لو اعترف فقال : كنت أطأ لقصد الولد عند مجيئها بالولد أن يثبت نسب ما أتت به وإن لم يقل هو ولدي لأن ثبوته بقوله : هو ولدي بناءاً على أن وطأه حينئذ لقصد الولد ، وعلى هذا قال بعض فضلاء الدرس : ينبغي أنه لو أقرّ أنه كان لا يعزل عنها وحصنها أن يثبت نسبه من غير توقف دعواه ، وإن كنا نوجب عليه في هذه الحالة الاعتراف به فلا حاجة إلى أن نوجب عليه الاعتراف ليعترف فيثبت نسبه بل يثبت نسبه ابتداءاً ، وأظن أن لا بعد في أن يحكم على المذهب بذلك انتهى ، وفي «المبسوط» أنه إذا تطاول الزمان ألحق به لأن التطاول دليل إقراره لأنه يوجد منه حينئذ ما يدل على الإقرار من قبول التهنئة ونحوه فيكون كالتصريح بإقراره .
ومن مجموع ما ذكر يعلم ما في كلام المعترض ، وأن للخصم عدم تسليمه لكن ذكر في «البحر» متعقباً : ظن بعض الفضلاء أنه لا يصح أن يحكم على المذهب به لتصريح أهله بخلافه ، ونقل نص «البدائع» في ذلك ، ثم قال فإن أراد الثبوت عند القاضي ظاهراً فقد صرحوا أنه لا بد من الدعوة مطلقاً ، وإن أراد فيما بينه وبين الله تعالى فقد صرح في «الهداية» وغيرها بأن ما ذكرناه من اشتراط الدعوة إنما هو في القضاء إلى آخر ما ذكرناه لكن في «المجتبى» لا يصح إعتاق المجنون وتدبيره ويصح استيلاده ، فهذا إن صح يستثنى من الحكم وهو مشكل انتهى ، وعلى هذا يقال في المسألة التي ذكرها المعترض : المولود ولد للمولى في نفس الأمر لأنه مخلوق من مائة وولد الزنا كذلك وزيادة حيث انضم إلى ذلك الإقرار ، والله سبحانه جعل مناط الحرمة البنوة وهي متحققة في مسألتنا فكيف يحل النكاح في نفس الأمر ، وعدم ثبوت التوارث ونحوه كما قلنا كان إجماعاً ، وعدم الاستلحاق قضاءاً إلا بالدعوى أمر آخر وراء تحقق البنوة في نفس الأمر فكم متحقق في نفس الأمر لا يقضى به وكم مقضى به غير متحقق في نفس الأمر كما في خبر الفرس التي اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعرابي وشهد له خزيمة لما أنكر الأعرابي البيع وقد حقق الكلام في بحث الاستيلاد في «فتح القدير» وغيره من مبسوطات كتب القوم ، وما ذكر في إبطال العكس من مسألة تزوج المشرقي بمغربية فلا نسلم القطع فيها بأن الولد ليس مخلوقاً من مائه لثبوت كرامات الأولياء والاستخدامات فيتصور أن يكون الزوج صاحب خطوة أو جني ، وأنه ذهب إلى المغرب فجامعها ، ولولا قيام هذا الاحتمال مع قيام النكاح لم يلحق الولد به ، ألا ترى كيف قال الأصحاب : لو جاءت امرأة الصبي بولد لم يثبت نسبه منه لعدم تصور ذلك هناك والتصور شرط ، وقيام الفراش وحده غير كاف على الصحيح ، ولعل اعتبار هذه البنوة قضاءاً وإلا فحيث لم يكن الولد مخلوقاً من مائه لا يقال له ولد الزوج في نفس الأمر وإنما اعتبروا ذلك مع ضعف الاحتمال ستراً للحرائر وصيانة للولد عن الضياع ، وقريب من هذا ما ذهب إليه الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى في باب الاستيلاد أن الجارية إذا ولدت يثبت نسب الولد من المولى إذا أقر بوطئها مع العزل كما يثبت مع عدم العزل بل لو وطئها في دبرها يلزمه الولد عند مالك ومثله عن أحمد ، وهو وجه مضعف للشافعية ، وقيل : إن بين هذه المسألة ومسألة تزويج المشرقي بمغربية بعداً كبعد ما بين المشرق والمغرب لأن الوطء هنا متحقق في الجملة من غير حاجة إلى قطع براري وقفار ولا كذلك هناك والله تعالى أعلم .

(3/495)


والبنات جمع بنت في المشهور وصحح أن لامها واو كأخت وإنما رد المحذوف في أخوات ولم يرد في بنات حملاً لكل واحد من الجمعين على مذكره ، فمذكر بنات لم يرد إليه المحذوف بل قالوا فيه بنون ، ومذكر أخوات رد فيه محذوفه فقالوا في جمع أخ : إخوة وأخوات ، وقد نظم الدنوشري السؤال فقال :
أيها الفاضل اللبيب تفضل ... بجواب به يكون رشادي
لفظ أخت ولفظ بنت إذاما ... جمعا جمع صحة لا فساد
فلأخت ترد لأم وأما ... لفظ بنت فلا فأوضح مرادي
مع تعويضهم من اللام تاءا ... فيهما لا برحت أهل اعتمادي
وقد أجاب هو رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله :
لفظ أخت له انضمام بصدر ... ناسب الواو فاكتسى بالمعاد
وقال أبو البقاء : التاء فيها ليست لتأنيث لأن تاء للتأنيث لا يسكن ما قبلها ، وتقلب هاءاً في الوقف فبنات ليس بجمع بنت بل بنه ، وكسرت الباء تنبيهاً على المحذوف قاله الفراء ، وقال غيره : أصلها الفتح وعلى ذلك جاء جمعها ، ومذكرها وهو بنون ، وإلى ذلك ذهب البصريون ، وأما أخت فالتاء فيها بدل من الواو لأنها من الأخوة ، والأخوات ينتظمن الأخوات من الجهات الثلاث ، وكذا الباقيات لأن الاسم يشمل الكل ويدخل في العمات والخالات أولاد الأجداد والجدات وإن علوا ، وكذا عمة جده وخالته وعمة جدته وخالاتها لأب وأم أو لأب أو لأم وذلك كله بالإجماع ، وفي «الخانية» وعمة العمة لأب وأم أو لأب كذلك ، وأما عمة العمة لأم فلا تحرم ، وفي «المحيط» : وأما عمة العمة فإن كانت العمة القربى عمة لأب وأم أو لأب فعمة العمة حرام لأن القربى إذا كانت أخت أبيه لأب وأم أو لأب فإن عمتها تكون أخت جدة أب الأب وأخت أب الأب حرام لأنها عمته وإن كانت القربى عمة لأم فعمة العمة لا تحرم عليه لأن أب العمة يكون زوج أم أبيه فعمتها تكون أخت زوج الجدة أم الأب ، وأخت زوج الأم لا تحرم ، فأخت زوج الجدة أولى أن لا تحرم ، وأما خالة الخالة فإن كانت الخالة القربى خالة لأب وأم أو لأم فخالتها تحرم عليه ، وإن كانت القربى خالة لأب فخالتها لا تحرم عليه لأن أم الخالة القربى تكون امرأة الجد أب الأم لا أم أمه فأختها تكون أخت امرأة الأب وأخت امرأة الجد لا تحرم عليه انتهى ، ولا يخفى أنه كما يحرم على الرجل أن يتزوج بمن ذكر يحرم على المرأة التزوج بنظير من ذكر .

(3/496)


والظاهر أن هذا التحريم الذي دلت عليه الآية لم يثبت في جميع المذكورات في سائر الأديان ، نعم ذكروا أن حرمة الأمهات ، والبنات كانت ثابتة حتى في زمان آدم عليه السلام ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان ، وقيل : إن زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله ، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذاباً ، وعدم إيذاء الصفر المذاب له لأدوية كان يلطخ بها جسده وقد شاهدنا من يحمل النار بيده بعد لطخها بأدوية مخصوصة ولا تؤذيه وحينئذ لا يصلح أن يكون معجزة .
وأما حل نكاح الأخوات فقد قيل : إنه كان مباحاً في زمان آدم عليه السلام للضرورة وكانت حواء عليها السلام تلد في كل بطن ذكراً وأنثى فيأخذ ذكر البطن الثانية أنثى البطن الأولى ، وبعض المسلمين ينكر ذلك ويقول : إنه بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم عليه السلام ، ويرد عليه أن هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك باطل بالإجماع .
{ وأمهاتكم * التى *أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مّنَ } عطف على سابقه والرضاعة بفتح الراء مصدر رضع كسمع وضرب ، ومثله الرضاعة بالكسر ، والرضع بسكون الضاء وفتحها ، والرضاع كالسحاب ، والرضع كالكتف ، وحكوا رضع ككرم ، ورضاعاً كقتال ، وقد تبدل ضاده تاءاً ، ورضاعاً كسؤال لكن المضموم كالمراضعة تقتضي الشركة ، ويقال : أرضعت المرأة فهي مرضع إذا كان لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت : مرضعة ، ومعناها لغة مص الثدي ، وشرعاً مص الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص ، وأرادوا بذلك وصول اللبن من ثدي المرأة إلى جوف الصغير من فمه أو أنفه في المدة الآتية سواء وجد مص أو لم يوجد ، وإنما ذكروا المص لأنه سبب للوصول فأطلقوا السبب وأرادوا المسبب ، وقد صرح في «الخانية» أنه لا فرق بين المص والسعوط ونحوه ، وقيدوا بالآدمية ليخرج الرجل والبهيمة ، وتفرد الإمام البخاري وهو سبب فتنته في قول فذهب فيما إذا ارتضع صبي وصبية من ثدي شاة إلى وقوع الحرمة بينهما ، وأطلقت لتشمل البكر والثيب الحية والميتة ، وقيدنا بالفم والأنف ليخرج ما إذا وصل بالإقطار في الأذن والإحليل والجائفة والآمة بالحقنة في ظاهر الرواية ، وخرج بالوصول ما لو أدخلت المرأة حلمة ثديها في فم رضيع ولا تدري أدخل اللبن في حلقه أم لا ، لا يحرم النكاح لأن في المانع شكاً .

(3/497)


وقد نزل الله سبحانه الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة أماً للرضيع ، والمراضعة أختاً ، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته ، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه ، وأم المرضعة جدته ، وأختها خالته ، وكل ولدها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه ، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه ، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : «يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب» . وذهب كثير من المحققين كمولانا شيخ الإسلام وغيره إلى أن الحديث جار على عمومه وأما أم أخيه لأب وأخت ابنه لأم وأم أم ابنه وأم عمه وأم خاله لأب فليست حرمتهن من جهة النسب حتى يحل بعمومه ضرورة حلهن في صورة الرضاع بل من جهة المصاهرة ، ألا يرى أن الأولى : موطوأة أبيه . والثانية : بنت موطوأته . والثالثة : أم موطوأته . والرابعة : موطوأة جده الصحيح . والخامسة : موطوأة جده الفاسد ، ووقع في عبارة بعضهم استثناء صور بعد سوق الحديث ، وأنهى في «البحر» المسائل المستثنيات إلى إحدى وثمانين مسألة ، وأطال الكلام في هذا المقام ، وأتى بالعجب العجاب .
وظاهر الآية أنه لا فرق بين قليل الرضاع وهو ما يعلم وصوله إلى الجوف وكثيره في التحريم ، وأما خبر مسلم «لا تحرم المصة والمصتان» وما دل على التقدير فمنسوخ صرح بنسخه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين قيل له : إن الناس يقولون : إن الرضعة لا تحرم فقال : كان ذلك ثم نسخ .

(3/498)


وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم ، وروي عن ابن عمر أن القليل يحرم ، وعنه أنه قيل له : إن الزبير يقول : لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال : قضاء الله تعالى خير من قضاء ابن الزبير ، وتلا الآية ، وقال الشافعي عليه الرحمة على ما نقله أصحابنا عنه لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات مشبعات في خمسة أوقات متفاصلة عرفاً ، وعن أحمد روايتان كقولنا وكقوله ، واستدل على ذلك بما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث الزبير أنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والإملاجتان " ، ووجه الاستدلال بذلك أن المصة داخلة في المصتين والإملاجة في الإملاجتين ، فحاصله لا تحرم المصتان ولا الإملاجتان فنفى التحريم على أربع فلزم أن يثبت بخمس .
واعترضه ابن الهمام «بأنه ليس بشيء ، أما أولاً : فلأن مذهب الشافعي ليس التحريم بخمس مصات بل بخمس مشبعات في أوقات ، وأما ثانياً : فلأن المصة ( غير الإملاجة فإن المصة ) فعل الرضيع والإملاجة الإرضاعة فعل المرضعة ، فحاصل المعنى أنه صلى الله عليه وسلم نفى كون الفعلين محرمين منه ومنها ثم حقق أن ما في هذه الرواية لا ينبغي أن يكون حديثاً واحداً بأن الإملاج ليس حقيقة المحرم بل لازمه من الارتضاع فنفي تحريم الإملاج نفي تحريم لازمه فليس الحاصل من لا تحرم الإملاجتان إلا لا يحرم لازمهما أعني المصتين فلو جمعا في حديث واحد ( 1 ) كان الحاصل لا تحرم المصتان ( ولا المصتان ) فلزم أن لا يصح أن يراد إلا المصتان لا الأربع ، وعلى هذا يجب كون الراوي وهو الزبير رضي الله تعالى عنه أراد أن يجمع بين ألفاظه صلى الله عليه وسلم التي سمعها منه في وقتين كأنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحرم المصة والمصتان " وقال أيضاً : «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان» . وقيل في وجه الاستدلال طريق آخر ، وهو أن الحديث ناف لما ذهب إليه الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه فيثبت به مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لعدم القائل بالفصل ، واعترض بأن القائل بالفصل أبو ثور وابن المنذر وداود وأبو عبيد ، وهؤلاء أئمة الحديث قالوا : المحرم ثلاث رضعات ، والقول بعدم اعتبار قولهم في حيز المنع لقوة وجهه بالنسبة إلى وجه قول الشافعي . واستدل بعض أصحابه على هذا المطلب بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن . . . وفي رواية أنه كان في صحيفة تحت سريري فما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بموته فدخلت دواجن فأكلتها . . .

(3/499)


وبما روي عن عائشة أيضاً قالت : جاءت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال صلى الله عليه وسلم : " أرضعي سالماً خمساً تحرمي بها عليه " والجواب أن جميع ذلك منسوخ كما صرح بذلك ابن عباس فيما مر . ويدل على نسخ ما في خبر عائشة الأول أنه لو لم يكن منسوخاً لزم ضياع بعض القرآن الذي لم ينسخ والله تعالى قد تكفل بحفظه ، وما في الرواية لا ينافي النسخ لجواز أن يقال : إنها رضي الله تعالى عنها أرادت أنه كان مكتوباً ولم يغسل بعد للقرب حتى دخلت الدواجن فأكلته ، والقول بأن ما ذكر إنما يلزم منه نسخ التلاوة فيجوز أن تكون التلاوة منسوخة مع بقاء الحكم كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ليس بشيء لأن ادعاء بقاء حكم الدال بعد نسخه يحتاج إلى دليل وإلا فالأصل أن نسخ الدال يرفع حكمه ، وما نظر به لولا ما علم بالسنة ، والإجماع لم يثبت به ، ثم الذي نجزم به في حديث سهلة أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يشبع سالماً خمس شبعات في خمس أوقات متفاصلات جائعاً لأن الرجل لا يشبعه من اللبن رطل ولا رطلان فأين تجد الآدمية في ثديها قدر ما يشبعه هذا محال عادة ، فالظاهر أن معدود ( خمس فيه إن صح أنها من الخبر ) المصات ثم كيف جاز أن يباشر عورتها بشفتيه فلعل المراد أن تحلب له شيئاً مقداره مقدار خمس مصات فيشربه كما قال القاضي وإلا فهو مشكل ، ( وقد يقال ) : هو منسوخ من وجه آخر» لأنه يدل على أن الرضاع في الكبر يوجب التحريم لأن سالماً كان إذ ذاك رجلاً وهذا مما لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة فإن مدة الرضاع التي يتعلق به التحريم ثلاثون شهراً عند الإمام الأعظم ، وسنتان عند صاحبيه ومستندهما قوي جداً ، وإلى ذلك ذهب الأئمة الثلاثة ، وعن مالك : سنتان وشهر ، وفي رواية أخرى شهران ، وفي أخرى سنتان وأيام ، وفي أخرى ما دام محتاجاً إلى اللبن غير مستغن عنه ، وقال : زفر ثلاث سنين ، نعم قال بعضهم : خمس عشرة سنة ، وقال آخرون : أربعون سنة ، وقال داود : الإرضاع في الكبر محرم أيضاً ، ولا حدّ للمدة وهو مروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها وكانت إذا أرادت أن يدخل عليها أحد من الرجال أمرت أختها أم كلثوم أو بعض بنات أختها أن ترضعه ، وروى مسلم عن أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنهن خالفن عائشة في هذا ، وعمدة من رأى رأيها في هذا الباب خبر سهلة مع أن الآثار الصحيحة على خلافه ، فقد صح مرفوعاً وموقوفاً

(3/500)


" لا رضاع إلا ما كان في حولين " وفي «الموطأ» . و «سنن أبي داود» عن يحيى بن سعيد «أن رجلاً سأل أبا موسى الأشعري فقال : إني مصصت من امرأتي ثديها لبناً فذهب في بطني فقال : أبو موسى لا أراها إلا قد حرمت عليك فقال ابن مسعود انظر ما تفتي به الرجل فقال أبو موسى : فما تقول أنت؟ فقال ابن مسعود : لا رضاع إلا في حولين ، فقال أبو موسى : لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم ، وفيه عن ابن عمر جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال : كانت لي وليدة فكنت أصيبها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها فقالت : دونك قد والله أرضعتها قال عمر : أرجعها وأت جاريتك فإنما الرضاعة رضاعة الصغر ، وروى الترمذي وقال حديث صحيح من حديث أم سلمة أنه قال صلى الله عليه وسلم : " لا يحرم من الرضاع إلا فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام " وفي «سنن أبي داود» من حديث ابن مسعود يرفعه «لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم حتى إن عائشة نفسها رضي الله تعالى عنها روت ما يخالف عملها ، ففي «الصحيحين» عنها أنها قالت : «دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل فقال : يا عائشة من هذا؟ فقلت : أخي من الرضاعة فقال : يا عائشة أنظرن من إخوانكم إنما الرضاعة من المجاعة» واعتبر مرويها دون رأيها لظهور غفلتها فيه وعدم وقوع اجتهادها على المحز ، ولهذا قيل : يشبه أنها رجعت كما رجع أبو موسى لما تحقق عندها النسخ؛ وحمل كثير من العلماء حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم ، وجعلوا أيضاً العفو عن مباشرة العورة من الخواص .
هذا ومن غرائب ما وقفت عليه مما يتعلق بهذه الآية عبارة من مقامة للعلامة السيوطي رحمه الله تعالى سماها «الدوران الفلكي على ابن الكركي» وفيها يخاطب الفاضل المذكور بما نصه : ماذا صنعت بالسؤال المهم الذي دار في البلد ولم يجب عنه أحد ، وهو الفرق بين قوله تعالى : { الاخت وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } وبين ما لو قيل : واللاتي أرضعنكم أمهاتكم حيث رتب على الأول خمس رضعات واردة ، ولو قيل : الثاني لاكتفى برضعة واحدة ، ولقد ورد عليّ وسيق إلي فلم أكتب عليه مع أن جوابه نصب عيني ، وعتيد لدي لا يحول شيء بينه وبيني لأنظر هل من رجل رشيد أو أحد له في العلم قصر مشيد هلا أبدعت فيه جواباً مسدداً ، ونوعت فيه طرائق قدداً ، واتخذت بذلك على دعوى العلم ساعداً وعضداً ، وها له نحو عامين ما حلاه أحد بحرف ، ولا رمقه ناظر بطرف ولا أودعه ذو ظرف بظرف ، ولو شئت أنا لكتبت عليه عدة مؤلفات ولسطرت فيه خمس مصنفات ، بسيط حريز ، ووسيط غريز ، ومختصر وجيز ، ومنظومة ذات تطريز ، ومقامة إنشاء كأنها ذهب إبريز انتهى كلامه .

(4/1)


وأقول : لعل الفرق أنه سبحانه لما ذكر { أمهاتكم } في هذه الآية معطوفاً على ما تقدم في الآية السابقة وفيها تحريم الأمهات بقي الذهن مشرئباً إلى بيان الفارق بين هذه الأمهات وتلك الأمهات فأتى سبحانه بقوله : { الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } بياناً لذلك دافعاً لتوهم التكرار فكان قيد الإرضاع الواقع صلة معتناً به أتم اعتناء ، ومما يترتب على هذا الاعتناء اعتباره أينما لوحظ ، وقد لوحظ في الآية خمس مرات الأولى : حين أتى به فعلاً ، والثانية : حين أسند إلى الفاعل أعني ضمير النسوة ، والثالثة : حين تعلق بالمفعول أعني ضمير المخاطبين ، والرابعة : حين جعل جزء الجملة الواقعة صلة الموصول ، والخامسة : حين جعل اللاتي صفة أمهاتكم لأن وصفيته لها باعتبار الصلة بلا شبهة فهذه خمس ملاحظات للإرضاع في هذا التركيب تشير إلى أن ما به تحصل الأمومة خمس رضعات ، وهذا أحد الأسرار لاختيار هذا التركيب مع إمكان تراكيب غيره لعل بعضها أخصر منه ، وكثيراً ما وقع في القرآن تراكيب وتعبيرات يشار بها إلى أمور واقعية بينها وبين ما في تلك التعبيرات مناسبة مثل ما وقع في قوله تعالى : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ بالمعروف } [ البقرة : 228 ] من الاحتباك المشير إلى ما بين الزوجين من الائتلاف ، وما وقع في قوله تعالى : { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } [ البقرة : 282 ] من الإدغام في يمل المشير إلى حال الفاعل وهو الأخرس المعقود اللسان في كثير من الأقوال ، وما وقع في قوله تعالى : { كُلٌّ فِى فَلَكٍ } [ الأنبياء : 33 ] من عدم الاستحالة بالانعكاس المشير إلى كرية الأفلاك في رأي إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة . وليس هذا من باب الاستدلال بل من باب الإشارة المقوية له ، ألا ترى أنه لم يستدل أحد ممن ذهب إلى اشتراط الخمس بهذه الآية ولكن استدلوا عليه بورود الخمس في الأخبار ، وإلى ذلك تشير عبارة الجلال السيوطي رحمه الله تعالى ، وهذه الإشارة مفقودة في القول المفروض أعني واللاتي أرضعنكم أمهاتكم ، لأن العطف فيه لا يوهم التكرار لعدم تقدم نظيره فلا يشرأب الذهن إلى ما يذكر بعد كما اشرأب فيما ذكر قبل ، فلا داعي لاعتباره أينما لوحظ كما كان كذلك هناك بل يكفي اعتباره مرة واحدة وهي أدنى ما تتحقق به الماهية لا سيما وقد ذكر بعد أمهاتكم على أنه بدل والبدل كما قالوا : هو المقصود بالنسبة على نية تكرار العامل المفيد لتقرير معنى الكلام وتوكيده ، وهذا التوكيد أيضاً مشعر بوحدة الإرضاع لأن التحريم بالرضعة الواحدة مما يكاد يستبعد فيحتاج إلى توكيده بخلاف الرضعات العديدة .

(4/2)


وقد رأيت في بعض نسخ «شرح صحيح مسلم» للإمام النووي بعد ذكر استدلال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه على دعوى ثبوت الحرمة برضعة واحدة بقوله تعالى : { وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } حيث لم يذكر عدداً ما نصه : «واعترض أصحاب الشافعي على المالكية فقالوا : إنما كانت تحصل الدلالة لكم لو كانت الآية واللاتي أرضعنكم أمهاتكم» انتهى ، ولم يصرح رحمه الله تعالى بأن الآية التي استدل بها المالكية مشعرة بالخمس بل اقتصر على أن الدلالة على الواحدة لا تحصل بها وأراد أن ما أشرنا إليه من الإشعار القوي إلى التعدد يأبى حمل الماهية على أقل ما تتحقق فيه ، وفي بعض نسخ ذلك الشرح واعترض أصحاب الشافعي على المالكية فقالوا : إنما كانت تحصل لكم الدلالة لو كانت الآية واللاتي أرضعنكم وأمهاتكم بواو بين أرضعنكم وبين أمهاتكم والظاهر أنها غلط من الناسخ ، والتزام توجيهها تعسف رأينا تركه ربحاً .
/ هذا ما ظهر لنظري القاصر وفكري الفاتر ، ولقد سألت بالرفق عن هذا الفرق جمعاً من علماء عصري ، وراجعت لشرح ذلك المتن جميع الفضلاء الذين تضمنتهم حواشي مصري فلم أر من نطق ببنت شفة ولا من ادعى في حل ذلك الإشكال معرفة مع أن منهم من خضعت له الأعناق ، وطبقت فضائله الآفاق ، وما رأيت من المروءة أن أمهلهم حتى ينقر في الناقور أو أنتظر بنات أفكارهم إلى أن يلد البغل العاقور الباقور؛ فكتبت ما ترى ولست على يقين أنه الأولى والأحرى فتأمل ، فلمسلك الذهن اتساع والحق أحق بالاتباع .
{ وأمهات نِسَائِكُمْ } شروع في بيان المحرمات من جهة المصاهرة إثر بيان المحرمات من جهة الرضاعة التي لها لحمة كلحمة النسب . والمراد بالنساء المنكوحات على الإطلاق سواء كن مدخولاً بهن أو لا وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحاً أما إذا كان فاسداً فلا تحرم الأم إلا إذا وطىء بنتها ، أخرج البيهقي في «سننه» . وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالإبنة أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإبنة " وإلى ذلك ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ، وعن ابن عباس روايتان ، فقد أخرج ابن المنذر عنه أنه قال : «النساء مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها» . وأخرج هو أيضاً عن مسلم بن عويمر أنه قال : نكحت امرأة فلم أدخل بها حتى توفي عمي عن أمها فسألت ابن عباس فقال : انكح أمها ، وعن زيد بن ثابت أيضاً روايتان ، فقد أخرج مالك عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ففارقها قبل أن يمسها هل تحل له أمها؟ فقال : لا الأم مبهمة ليس فيها شرط إنما الشرط في الربائب .

(4/3)


وأخرج ابن جرير وجماعة عنه أنه كان يقول : إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها ، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها ، وحكي عن ابن مسعود كان يفتي بحل أم الإمرأة إذا لم يكن دخل ببنتها ثم رجع عن ذلك ، فقد أخرج مالك عنه أنه استفتي بالكوفة عن نكاح الأم بعد البنت إذا لم تكن البنت مست فأرخص في ذلك ، ثم إنه قدم المدينة فسئل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال ، وإن الشرط في الربائب فرجع إلى الكوفة فلم يصل إلى بيته حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارقها . وأخرج ابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها أو تموت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها؟ فقال : هي بمنزلة الربيبة ، وإلى ذلك ذهب ابن الزبير ومجاهد ، ويدخل في لفظ الأمهات الجدات من قبل الأب والأم وإن علون وإن كانت امرأة الرجل أمة فلا تحرم أمها إلا بالوطء أو دواعيه لأن لفظ النساء إذا أضيف إلى الأزواج كان المراد منه الحرائر كما في الظهار والإيلاء ، وقرىء وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن .
{ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ } الربائب جمع ربيبة ورب وربى بمعنى ، والربيب فعيل بمعنى مفعول ، ولما ألحق بالأسماء الجامدة جاز لحوق التاء له وإلا ففعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وهذا معنى قولهم : إن التاء للنقل إلى الاسمية ، والربيب ولد المرأة من آخر سمي به لأنه يربه غالباً كما يرب ولده ، والحجور جمع حجر بالفتح والكسر ، وهو في اللغة حضن الإنسان أعني ما دون إبطه إلى الكشح ، وقالوا : فلان في حجر فلان أي في كنفه ومنعته وهو المراد في الآية ، ووصف الربائب بكونهن في الحجور مخرج مخرج الغالب والعادة إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج ، وفائدته تقوية علة الحرمة ( وتكميلها ) كما أنها النكتة في إيرادهن باسم الربائب دون بنات النساء ، وقيل : ذكر ذلك للتشنيع عليهم نحو { أضعافا مضاعفة } في قوله تعالى : { لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } [ آل عمران : 130 ] ولولا ما ذكر لثبتت الإباحة عند انتفائه بدلالة اللفظ في غير محل النطق عند من يعتبر مفهوم المخالفة وبالرجوع إلى الأصل وهو الإباحة عند من لا يعتبر المفهوم لأن الخروج عنه إلى التحريم مقيد بقيد فإذا انتفى القيد رجع إلى الأصل لا بدلالة اللفظ ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه يقول بحل الربيبة إذا لم تكن في الحجر؛ فقد أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح عن مالك بن أوس قال : «كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي فوجدت عليها فلقيني عليّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فقال : مالك؟ فقلت : توفيت المرأة فقال : لها بنت؟ قلت : نعم وهي بالطائف قال : كانت في حجرك؟ قلت : لا قال : أنكحها قلت : فأين قوله تعالى : { وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ } ؟ قال : إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك» وإلى هذا ذهب داود ، والأول مذهب الجمهور ، وإليه رجع ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، ويدخل في الحرمة بنات الربيبة والربيب وإن سفلن لأن الاسم يشملهن بخلاف الأبناء والآباء لأنه اسم خاص بهن فلذا جاز التزوج بأم زوجة الإبن وبنتها ، وجاز للابن التزوج بأم زوجة الأب وبنتها .

(4/4)


وقال بعض المحققين : إن ثبوت حرمة المذكورات بالإجماع .
{ مّن نِّسَائِكُمُ * التى *دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } الجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من { *ربائبكم } أو من ضميرها المستكن في الظرف أي اللاتي استقررن في حجوركم كائنات من نسائكم الخ ، و اللاتي صفة للنساء المذكور قبله ، وهي للتقييد إذ ربيبة الزوجة الغير المدخول بها ليست بحرام ولا يجوز كون الجار حالاً من أمهات أيضاً ، أو مما أضيفت هي إليه ضرورة أن الحالية من ربائبكم أو من ضميره يقتضي كون من ابتدائية وحاليته من أمهات ، أو من نسائكم يستدعي كونها بيانية ، وادعاء كونها اتصالية كما في قوله صلى الله عليه وسلم «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» وقوله :
إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني
وهو معنى ينتظم الابتداء والبيان فيتناول اتصال الأمهات بالنساء لأنهن والدات ، وبالربائب لأنهن مولودات ، أو جعل الموصول صفة للنساءين مع اختلاف عامليهما لأن النساء المضاف إليه أمهات مخفوض بالإضافة ، والمجرور بمن بها بعيد جداً بل ينبغي أن ينزه ساحة التنزيل عنه ، وأما القراءة فضعيفة الرواية ، وعلى تقدير الصحة محمولة على النسخ كما قاله شيخ الإسلام ، والباء من { دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } للتعدية ، وفيها معنى المصاحبة أو بمعنى مع أي دخلتم معهن الستر ، وهو كناية عن الجماع كبنى عليها ، وضرب عليها الحجاب وكثير من الناس يقول : بنى بها ، ووهمهم الحريري وهو وهم
واللمس ونظائره في حكم الجماع عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، قال بعض الفضلاء : واعترض بأن ما ذهب إليه لا مجال له لأن صريح الآية غير مراد قطعاً بل ما اشتهر من معناها الكنائي فما قاله إن أثبت بالقياس فهو مخالف لصريح معنى الشرط ، وإذا جاء نهر الله تعالى بطل نهر معقل ، وإن أثبت بالحديث وهو غير مشهور لم يوافق أصوله ، ويدفع بأنه من صريح النص لأن باء الإلصاق صريحة فيه لأنه يقال : دخل بها إذا أمسكها وأدخلها البيت فإن قلت : هب أن الكناية لا يشترط فيها القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة لكن تلزم إرادته كما حقق في المعاني فلا دلالة للآية عليه أجيب : بأنه وإن لم يلزم إرادته لكن لا مانع منه عند قيام قرينة على إرادته ، وكفى بالآثار قرينة ، ومنها ما روي من طريق ابن وهب عن أبي أيوب عن ابن جريج «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يتزوج المرأة فيغمز لا يزيد على ذلك لا يتزوج ابنتها» وهو مرسل ومنقطع إلا أن هذا لا يقدح عندنا إذا كانت الرجال ثقات فلذا أدرجوه في مدلول النظم ، وروي عن ابن عمر أنه قال : «إذا جامع الرجل المرأة أو قبلها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وبنتها2 .

(4/5)


فإن قلت هب أنه يدخل اللمس في صريحه فكيف يدخل نظيره فيه؟ أجيب بأنه داخل بدلالة النص ، وما ذكر من مخالفة صريح الشرط مبني على اعتبار مفهوم الشرط ، ونحن لا نقول به مع أنه غير عام ، وبتقدير عمومه لا يبعد القول بالتخصيص فتدبر .
والزنا في الفرج محرم عندنا فمن زنى بامرأة حرمت عليه بنتها خلافاً للشافعي حيث ذهب إلى أن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة فلا تنال بمحظور ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحرم الحرام الحلال " ولنا أن الوطء سبب للولد فيتعلق به التحريم قياساً على الوطء الحلال ، ووصف الحل لا دخل له في المناط فإن وطء الأمة المشتركة وجارية الإبن والمكاتبة والمظاهر منها وأمته المجوسية والحائض والنفساء ووطء المحرم والصائم كله حرام ، وتثبت به الحرمة المذكورة ، ويدل ذلك على أن المعتبر في الأصل هو ذات الوطء من غير نظر لكونه حلالاً أو حراماً . وروي أن رجلاً قال : يا رسول الله إني زنيت بامرأة في الجاهلية أفأنكح ابنتها فقال صلى الله عليه وسلم : " لا أرى ذلك ولا يصلح أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها " ، وهذا إن كان فيه إرسال وانقطاع لكن جئنا به في مقابلة خبرهم وقد طعن فيه المحدثون ، وذكره عبد الحق عن ابن عمر ثم قال : في إسناده إسحق بن أبي فروة وهو متروك على أنه غير مجرى على ظاهره ، أرأيت لو بال أو صب خمراً في ماء قليل ألم يكن حراماً مع أنه يحرم استعماله فيجب كون المراد منه أن الحرام لا يحرم باعتبار كونه حراماً وحينئذ نقول بموجبه إذ لم نقل بإثبات الزنا حرمة المصاهرة باعتبار كونه زنا بل باعتبار كونه وطءاً ، وأجاب صاحب «الهداية» عن قولهم في تعليل كون الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة بأنه نعمة فلا تنال بمحظور «بأن الوطء محرم من حيث إنه سبب الولد لا من حيث ( ذاته ولا من حيث ) إنه زنا» ، وفي «فتح القدير» أن هذا القول «مغلطة فإن النعمة ليست التحريم من حيث هو تحريم لأنه تضييق ولذا اتسع الحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( نعمة ) من الله سبحانه وتعالى بل من حيث هو يترتب على المصاهرة فحقيقة النعمة هي المصاهرة لأنها ( هي ) التي تصير الأجنبي قريباً ( و ) ( 2 ) عضداً وساعداً يهمه ما أهمك ولا مصاهرة بالزنا ، فالصهر زوج البنت مثلاً لا من زنا ببنت الإنسان فانتفت الصهرية وفائدتها أيضاً إذ الإنسان ينفر من الزاني ببنته فلا يتعرف به بل يعاديه فأنى ينتفع به ، ( والمنقولات متكافئة ) ( 1 ) فالمرجع القياس ، وقد بينا فيه إلغاء وصف زائد على كونه وطأً» ، وتمام الكلام في المبسوطات من كتب أئمتنا .

(4/6)


{ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ } أي فيما قبل { دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أي بأولئك النساء أمهات الربائب { فَلا } أي فلا إثم { يَتْلُو عَلَيْكُمْ } أصلاً في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن ، وهذا تصريح بما أشعر به ما قبله ، وفيه دفع توهم أن قيد الدخول كقيد الكون في الحجور ، والفاء الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها على طرز ما مر ، وفي الاقتصار في بيان نفي الحرمة على نفي الدخول إشارة إلى أن المعتبر في الحرمة إنما هو الدخول دون كون الربائب في الحجور ، وإلا لقيل : فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم أو فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لسن في حجوركم جرياً على العادة في إضافة نفي الحكم إلى نفي تمام العلة المركبة أو أحد جزأيها الدائر ، وإن صح إضافته إلى نفي جزئها المعين لكنه خلاف المستمر من الاستعمال .
{ وحلائل أَبْنَائِكُمُ } أي زوجاتهم جمع حليلة سميت الزوجة بذلك لأنها تحل مع زوجها في فراش واحد ، أو لأنها تحل معه حيث كان فهي فعلية بمعنى فاعلة ، وكذا يقال للزوج حليل . وقيل : اشتقاقهما من الحل لحل كل منهما إزار صاحبه ، وقيل : من الحل إذ كل منهما حلال لصاحبه ففعيل بمعنى مفعول ، والتاء في حليلة لإجرائها مجرى الجوامد ولو جعل فعيل في جانب الزوج بمعنى فاعل ، وفي جانب الزوجة بمعنى مفعول كان فيه نوع لطافة لا تخفى ، والآية ظاهرة في تحريم الزوجة فقط ، وأما حرمة من وطئها الإبن ممن ليس بزوجة فبدليل آخر ، وقال ابن الهمام : «إن اعتبر الحليلة من حلول الفراش أو حل الإزار تناولت الموطوأة بملك اليمين أو شبهة أو زنا فيحرم الكل على الآباء وهو الحكم الثابت عندنا . . . ولا يتناول المعقود عليها للابن أو بنيه وإن سفلوا قبل الوطء والفرض أنها بمجرد العقد تحرم على الآباء وذلك باعتباره من الحل بالكسر ، وقد قام الدليل على حرمة المزني بها للابن على الأب فيجب اعتباره في أعم من الحل والحل ، ثم يراد بالأبناء الفروع فتحرم حليلة الابن السافل على الجد الأعلى ( من النسب ) » وكذا ابن البنت وإن سفل ، والظاهر من كلام اللغويين أن الحليلة الزوجة كما أشرنا إليه ، واختار بعضهم إرادة المعنى الأعم الشامل لملك اليمين ليكون السر في التعبير بها هنا دون الأزواج أو النساء أن الرجل ربما يظن أن مملوكة ابنه مملوكة له بناءاً على أن الولد وماله لأبيه فلا يبالي بوطئها وإن وطئها الإبن فنبهوا على تحريمها بعنوان صادق عليها وعلى الزوجة صدق العام على أفراده للإشارة إلى أنه لا فرق بينهما فتدبر ، وحكم الممسوسات ونحوهن حكم اللاتي وطئهن الأبناء .

(4/7)


{ الذين مِنْ أصلابكم } صفة للأبناء ، وذكر لإسقاط حليلة المتبنى ، وعن عطاء أنها نزلت حين تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه فقال المشركون في ذلك ، وليس المقصود من ذلك إسقاط حليلة الابن من الرضاع فإنها حرام أيضاً كحليلة الإبن من النسب . وذكر بعضهم فيه خلافاً للشافعي رضي الله تعالى عنه والمشهور عنه الوفاق في ذلك .
{ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين } في حيز الرفع عطف على ما قبله من المحرمات ، والمراد جمعهما في النكاح لا في ملك اليمين ، ولا فرق بين كونهما أختين من النسب أو الرضاعة حتى قالوا : لو كان له زوجتان رضيعتان أرضعتهما أجنبية فسد نكاحهما . وحكي عن الشافعي أنه يفسد نكاح الثانية فقط ولا يحرم الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، نعم جمعهما في الوطء بملك اليمين ملحق به بطريق الدلالة لاتحادهما في المدار فيحرم عند الجمهور ، وعليه ابن مسعود . وابن عمر ، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم . واختلفت الرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه ، فأخرج البيهقي وابن أبي شيبة عنه أنه سئل عن رجل له أمتان أختان وطىء إحداهما ثم أراد أن يطأ الأخرى قال : لا حتى يخرجها من ملكه ، وأخرجا من طريق أبي صالح عنه أنه قال في الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية ولا آمر ولا أنهى ولا أحلل ولا أحرم ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي ، وروى عبد بن حميد عن ابن عباس أن الجمع مما لا بأس به ، وحكي مثله عن عثمان رضي الله تعالى عنه ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : ما أحب أن أجيز الجمع ونهى السائل عنه ، وزعم بعضهم أن الظاهر أن القائل بالحل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم رجع إلى قول الجمهور ، وإن قلنا بعدم الرجوع فالإجمال اللاحق يرفع الخلاف السابق ، وإنما يتم إذا لم يعتد بخلاف أهل الظاهر وبتقدير عدمه فالمرجح التحريم عند المعارضة ، وإذا تزوج أخت أمته الموطوأة صح النكاح وحرم وطء واحدة منهما حتى يحرم الموطوأة على نفسه بسبب من الأسباب فحينئذ يطأ المنكوحة لعدم الجمع كالبيع كلاً أو بعضاً ( والمتزوج ) الصحيح والهبة مع التسليم والإعتاق كلاً أو بعضاً والكتابة ولو تزوج الأخت نكاحاً فاسداً لم تحرم عليه أمته الموطوأة إلا إذا دخل بالمنكوحة فحينئذ تحرم الموطوأة لوجود الجمع بينهما حقيقة ، ولا يؤثر الإحرام والحيض والنفاس والصوم وكذا الرهن والإجارة والتدبير لأن فرجها لا يحرم بهذه الأسباب ، وإذا عادت الموطوأة إلى ملكه بعد الإخراج سواء كان بفسخ أو شراء جديد لم يحل وطء واحدة منهما حتى يحرم الأمة على نفسه بسبب كما كان أولا ، وظاهر قولهم : لا يحل الوطء حتى يحرم أن النكاح صحيح ، وقد نصوا على ذلك وعللوه بصدوره عن أهله مضافاً إلى محله ، وأورد عليه أن المنكوحة موطوأة حكماً باعترافهم فيصير بالنكاح جامعاً وطءاً حكماً وهو باطل ، ومن هنا ذهب بعض المالكية إلى عدم الصحة ، وأجيب بأن لزوم الجمع بينهما وطءاً حكما ليس بلازم لأن بيده إزالته فلا يضر بالصحة ويمنع من الوطء بعدها لقيامه إذ ذاك وإسناد الحرمة إلى الجمع لا إلى الثانية بأن يقال : وأخوات نسائكم للاحتراز عن إفادة الحرمة المؤبدة كما في المحرمات السابقة ، ولكونه بمعزل عن إفادة حرمة الجمع على سبيل المعية ، ويشترك في هذا الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ونظائر ذلك فإن مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه خلافاً لما في «المبسوط» إلى قطع ما أمر الله تعالى بوصله كما يدل عليه ما أخرجه الطبراني من قوله صلى الله عليه وسلم :

(4/8)


" فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم " وما رواه أبو داود في «مراسيله» عن عيسى بن طلحة قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة» وذلك متحقق في الجمع بين من ذكرنا بل أولى فإن العمة والخالة بمنزلة الأم فقوله صلى الله عليه وسلم مبالغاً في بيان التحريم : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أختها ولا على ابنة أخيها " من قبيل بيان التفسير لا بيان التعبير عند بعض المحققين . وقال آخرون : إن الحديث مشهور فقد ثبت في «صحيحي مسلم وابن حبان» ، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي ، وتلقاه الصدر الأول بالقبول من الصحابة . والتابعين ، ورواه الجم الغفير منهم أبو هريرة وجابر وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو سعيد الخدري ، فيجوز تخصيص عموم قوله تعالى : { وَأَحَلَّ لكَمْ مَا وراء ذلكم } [ النساء : 24 ] بل لو كان من أخبار الآحاد جاز التخصيص به غير متوقف على كونه مشهوراً ، وقال ابن الهمام : الظاهر أنه لا بد من ادعاء الشهرة لأن الحديث موقعه النسخ لا التخصيص ، وبينه في «فتح القدير» فارجع إليه .

(4/9)


{ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } استثناء منقطع . وقصد المبالغة والتأكيد هنا غير مناسب للتذييل بقوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } لأن الغفران والرحمة لا يناسب تأكيد التحريم . والمراد مما سلف ما مضى قبل النهي فإنهم كانوا يجمعون به الأختين ، أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه عن فيرز الديلمي أنه أدركه الإسلام وتحته أختان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «طلق أيتهما شئت» ، وقال عطاء والسدي : معناه إلا ما كان من يعقوب عليه السلام إذ جمع بين الأختين ، لي أم يهودا وراحيل أم يوسف عليه السلام ، ولا يساعده التذييل لما أن ما فعله يعقوب عليه السلام إن صح كان حلالاً في شريعته . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله تعالى إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين ، وروي مثله عن محمد بن الحسن وأنه قال : ألا يرى أنه قد عقب النهي عن كل منهما بقوله سبحانه : { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } وهذا كما قال شيخ الإسلام يشير إلى كون الاستثناء فيهما على سنن واحد ويأباه اختلاف ما بعدهما .

(4/10)


وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)

{ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } عطف على ما قبله من المحرمات . والمراد بهن على المشهور ذوات الأزواج ، أحصنهن التزوج أو الأزواج أو الأولياء أي منعهن عن الوقوع في الإثم ، وأجمع القراء كما قال أبو عبيدة على فتح الصاد هنا؛ ورواية الفتح عن الكسائي لا تصح ، والمشهور رواية ذلك عن طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب ، وعليه يكون اسم فاعل لأنهنّ أحصن فروجهن عن غير أزواجهن ، أو أحصن أزواجهن ، وقيل : الصيغة للفاعل على القراءة الأولى أيضاً ، فقد قال ابن الأعرابي : كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف أحصن ، وألفج إذا ذهب ماله ، وأسهب إذا كثر كلامه .
وحكي عن الأزهري مثله ، وقال ثعلب : كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة ، وكل امرأة متزوجة محصنة بالفتح لا غير ، ويقال : حصنت المرأة بالضم حصناً أي عفت فهي حاصن وحصنان بالفتح وحصناء أيضاً بينة الحصانة ، وفرس حصان بالكسر بيّنُ التحصين والتحصن ، ويقال : إنه سمي حصاناً لأنه ضن بمائه فلم ينز إلا على كريمة ، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصاناً ، والإحصان في المرأة ورد في اللغة واستعمل في القرآن بأربعة معان : الإسلام والحرية والتزوج والعفة ، وزاد الرافعي العقل لمنعه من الفواحش . والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المحصنات أي حرمت عليكم المحصنات كائنات من النساء ، وفائدته تأكيد عمومها ، وقيل : دفع توهم شمولها للرجال بناءاً على كونها صفة للأنفس وهي شاملة للذكور والإناث وليس بشيء كما لا يخفى ، وفي المراد بالآية غموض حتى قال مجاهد : لو كنت أعلم من يفسرها لي لضربت إليه أكباد الإبل أخرجه عنه ابن جرير ، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال : سألت عكرمة عن هذه الآية { والمحصنات } الخ فقال : لا أدري ، وللعلماء المتقدمين فيها أقوال : أحدها : أن المراد بها المزوجات كما قدمنا .
والمراد بالمِلْكِ المِلْكُ بالسبي خاصة فإنه المقتضي لفسخ النكاح وحلها للسابي دون غيره ، وهو قول عمر وعثمان وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ، لكن وقع الخلاف هل مجرد السبي محل لذلك أو سبيها وحدها؟ فعند الشافعي رحمه الله تعالى مجرد السبي موجب للفرقة ومحل للنكاح ، وعند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه سبيها وحدها حتى لو سبيت معه لم تحل للسابي ، واحتج أهل هذا القول بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قال : أصبنا سبياً يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فاستحللناهن ، وهذه الرواية عنه أصح من الرواية الأخرى أنها نزلت في المهاجرات ، واعترض بأن هذا من قصر العام على سببه وهو مخالف لما تقرر في الأصول من أنه لا يعتبر خصوص السبب ، وأجيب بأنه ليس من ذاك القصر في شيء وإنما خص لمعارضة دليل آخر وهو الحديث المشهور عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لما اشترت بريرة وكانت مزوجة أعتقتها وخيرها صلى الله عليه وسلم فلو كان بيع الأمة طلاقاً ما خيرها فاقتصر بالعام حينئذٍ على سببه الوارد عليه لما كان غير البيع من أنواع الانتقالات كالبيع في أنه مِلْكٌ اختياري مترتب على مِلك متقدم بخلاف السباء فإنه ملك جديد قهري فلا يلحق به غيره كذا قيل ، واعترض أصحاب الشافعي بإطلاق الآية والخبر على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وجعلوا ذلك حجة عليه فيما ذهب إليه ، وأجاب الشهاب بأن الإطلاق غير مسلم ففي الأحكام المروي أنه لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت النساء فقال المسلمون : كيف نصنع ولهن أزواج؟ فأنزل الله تعالى الآية ، وكذا في حنين كما ذكره أهل المغازي فثبت أنه لم يكن معهن أزواج .

(4/11)


فإن احتجوا بعموم اللفظ قيل لهم : قد اتفقنا على أنه ليس بعام وأنه لا تجب الفرقة بتجدد الملك فإذا لم يكن كذلك علمنا أن الفرقة لمعنى آخر وهو اختلاف الدارين فلزم تخصيصها بالمسبيات وحدهن ، وليس السبي سبب الفرقة بدليل أنها لو خرجت مسلمة أو ذمية ولم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف .
وقد حكم الله تعالى به في المهاجرات في قوله سبحانه : { وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] فلا يرد ما أورد ، وثانيها : أن المراد بالمحصنات ما قدمنا ، وبالمِلكِ مطلق ملك اليمين فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت مزوجة كان ذلك الانتقال مقتضياً لطلاقها وحلها لمن انتقلت إليه وهو قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وإليه ذهب جمهور الإمامية . وثالثها : أن المحصنات أعم من العفائف والحرائر وذوات الأزواج ، والملك أعم من ملك اليمين وملك الاستمتاع بالنكاح فيرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا وحرمة كل أجنبية إلا بعقد أو ملك يمين ، وإلى ذلك ذهب ابن جبير وعطاء والسدي ، وحكي عن بعض الصحابة ، واختاره مالك في «لموطأ» ورابعها : كون المراد من المحصنات الحرائر ، ومن الملك المطلق والمقصود تحريم الحرائر بعد الأربع . أخرج عبد الرزاق وغيره عن عبيدة أنه قال في هذه الآية : «أحل الله تعالى لك أربعاً في أول السورة وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك» وروي مثله عن كثير .
وقال شيخ الإسلام : المراد من المحصنات ذوات الأزواج والموصول إما عام حسب عموم صلته ، والاستثناء ليس لإخراج جميع الأفراد من حكم التحريم بطريق شمول النفي بل بطريق نفي الشمول المستلزم لإخراج البعض أي حرمت عليكم المحصنات على الإطلاق إلا المحصنات اللاتي ملكتموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرم نكاحهن في الجملة وهن المسبيات بغير أزواجهن أو مطلقاً على اختلاف المذهبين ، وإما خاص بالمسبيات فالمعنى حرمت عليكم المحصنات إلا اللاتي سبين فإن نكاحهن مشروع في الجملة أي لغير ملاكهن ، وأما حلهن لهم بحكم ملك اليمين فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط لا بعبارته لأن مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح ، وإنما ثبوت حرمة التمتع بهن بحكم ملك اليمين بطريق دلالة النص وذلك مما لا يجري فيه الاستثناء قطعاً ، وأما عدهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفرقة بينهن وبين أزواجهن قطعاً بتباين الدارين أو بالسباء فمبني على اعتقاد الناس حيث كانوا غافلين عن الفرقة كما ينبي عن ذلك خبر أبي سعيد ، وليس في ترتب ما فيه من الحكم على نزول الآية الكريمة ما يدل على كونها مسوقة له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدلالات لا على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها .

(4/12)


واعترض بأن فيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير ما وجه ولا مانع على تقدير تسليم أن يكون مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح فقط من أن يكون الاستثناء باعتبار لازم تحريم النكاح وهو تحريم الوطء فكأنه قيل : يحرم عليكم نكاح المحصنات فلا يجوز لكم وطؤهن إلا ما ملكت أيمانكم فإنه يجوز لكم وطؤهن فتدبر .
{ كتاب الله } مصدر مؤكد أى كتب الله تعالى { عَلَيْكُمْ } تحريم هؤلاء كتاباً ، ولا ينافيه الإضافة كما توهم ، والجملة مؤكدة لما قبلها و { عَلَيْكُمْ } متعلق بالفعل المقدر ، وقيل : { كِتَابٌ } منصوب على الإغراء أي ألزموا كتاب الله ، و { عَلَيْكُمْ } متعلق إما بالمصدر أو بمحذوف وقع حالاً منه ، وقيل : هو إغراء آخر مؤكد لما قبله وقد حذف مفعوله لدلالة ما قبله عليه؛ وقيل : منصوب بعليكم ، واستدلوا به على جواز تقديم المفعول في باب الإغراء وليس بشيء . وقرأ أبو السميقع ( كتب الله ) بالجمع والرفع أي : هذه فرائض الله تعالى عليكم ، و كتب الله بلفظ الفعل .
{ وَأُحِلَّ لَكُمْ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول ، والباقون على البناء للمفاعل ، وجعله الزمخشري على القراءة الأولى معطوفاً على { حرمات } ، وعلى الثانية معطوفاً على ( كتب ) المقدر ، وتعقبه أبو حيان بأن ما اختاره من التفرقة غير مختار لأن جملة ( كتب ) لتأكيد ما قبلها ، وهذه غير مؤكدة فلا ينبغي عطفها على المؤكدة بل على الجملة المؤسسة خصوصاً مع تناسبهما بالتحليل والتحريم ، ونظر فيه الحلبي ، ولعل وجه النظر أن تحليل ما سوى ذلك مؤكد لتحريمه معنى ، وما ذكر أمر استحساني رعاية لمناسبة ظاهرة { مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } إشارة إلى ما تقدم من المحرمات أي أحل لكم نكاح ما سواهن انفراداً وجمعاً ، وفي إيثار اسم الإشارة على الضمير إشارة إلى مشاركة من في معنى المذكورات للمذكورات في حكم الحرمة فلا يرد حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وكذا الجمع بين كل امرأتين أيتهما فرضت ذكراً لم تحل لها الأخرى كما بيّن في الفروع لأن تحريم من ذكر داخل فيما تقدم بطريق الدلالة كما مرت إليه الإشارة عن بعض المحققين ، وحديث تخصيص هذا العموم بالكتاب والسنة مشهور .

(4/13)


{ أَن تَبْتَغُواْ } مفعول له لما دل عليه الكلام أي بين لكم تحريم المحرمات المذكورات وإحلال ما سواهن إرادة ، وطلب أن تبتغوا والمفعول محذوف أي تبتغوا النساء ، أو متروك أي تفعلوا الابتغاء { بأموالكم } بأن تصرفوها إلى مهورهن ، أو بدل اشتمال من { مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } بتقدير المفعول ضميراً . وجوز بعضهم كون { مَا } عبارة عن الفعل كالتزوج والنكاح ، وجعل هذا بدل كل من كل ، والمروي عن ابن عباس تعميم الكلام بحيث يشمل صرف الأموال إلى المهور والأثمان { مُّحْصِنِينَ } حال من فاعل { تَبْتَغُواْ } ، والمراد بالإحصان هنا العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما لا يرضي الله تعالى { غَيْرَ مسافحين } حال من الضمير البارز ، أو من الضمير المستكن وهي في الحقيقة حال مؤكدة ، والسفاح الزنا من السفح وهو صب الماء وسمي الزنا به لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط لا النسل ، وعن الزجاج المسافحة والمسافح : الزانيان اللذان لا يمتنعان من أحد ، ويقال للمرأة إذا كانت تزني بواحد : ذات خدن ، ومفعول الوصفين محذوف أي محصنين فروجكم أو نفوسكم غير مسافحين الزواني ، وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بدّ وأن يكون مالاً كالإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وقال بعض الشافعية : لا حجة في ذلك لأن تخصيص المال لكونه الأغلب المتعارف فيجوز النكاح على ما ليس بمال ، ويؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلاً خطب الواهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن؟ قال : معي سورة كذا وكذا وعددهن قال : تقرأهن على ظهر قلبك؟ قال : نعم قال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " ووجه التأييد أنه لو كان في الآية حجة لما خالفها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلاً والتعليم ليس له ذكر في الخبر فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم زوجتك تعظيماً للقرآن ولأجل ما معك منه قاله بعض المحققين ولعل في الخبر إشارة إليه .
{ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ } ( ما ) إما عبارة عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال وعليهما فهي إما شرطية أو موصولة وأياً مّا كان فهي مبتدأ وخبرها على تقدير الشرطية فعل الشرط أو جوابه أو كلاهما وعلى تقدير الموصولية قوله تعالى : { فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ثم على تقدير كونها بمعنى النساء بتقديرية العائد إلى المبتدأ الضمير المنصوب في { فَئَاتُوهُنَّ } و ( من ) بيانية أو تبعيضية في موضع النصب على الحال من ضمير { بِهِ } واستعمال ( ما ) للعقلاء لأنه أريد بها الوصف كما مر غير مرة ، وقد روعي في الضمير أولاً جانب اللفظ وأخيراً جانب المعنى ، والسين للتأكيد لا للطلب ، والمعنى فأي فرد أو فالفرد الذي تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن فأعطوهن أجورهن ، وعلى تقدير كونها عبارة عما يتعلق بهن فمن ابتدائية متعلقة بالاستمتاع بمعنى التمتع أيضاً و ( ما ) لما لا يعقل ، والعائد إلى المبتدأ محذوف أي فأي فعل تمتعتم به من قبلهن من الأفعال المذكورة فآتوهن أجورهن لأجله أو بمقابلته ، والمراد من الأجور المهور ، وسمي المهر أجراً لأنه بدل عن المنفعة لا عن العين { فَرِيضَةً } حال من الأجور بمعنى مفروضة أو صفة مصدر محذوف أي إيتاءاً مفروضاً ، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة فهي كالقطيعة بمعنى القطع { وَلاَ جُنَاحَ } أي لا إثم { عَلَيْكُمْ فِيمَا * تُحَرّكْ بِهِ } من الحط عن المهر أو الإبراء منه أو الزيادة على المسمى ، ولا جناح في زيادة الزيادة لعدم مساعدة { لاَّ جُنَاحَ } إذا جعل الخطاب للأزواج تغليباً فإن أخذ الزيادة مظنة ثبوت المنفى للزوجة { مِن بَعْدِ الفريضة } أي الشيء المقدر ، وقيل : فيما تراضيتم به من نفقة ونحوها ، وقيل : من مقام أو فراق ، وتعقبه شيخ الإسلام بأنه لا يساعده ذكر الفريضة إذ لا تعلق لهما بها إلا أن يكون الفراق بطريق المخالعة ، وقيل : الآية في المتعة وهي النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو أكثر ، والمراد : ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل المضروب في عقد المتعة بأن يزيد الرجل في الأجر وتزيده المرأة في المدة ، وإلى ذلك ذهبت الإمامية ، والآية أحد أدلتهم على جواز المتعة ، وأيدوا استدلالهم بها بأنها في حرف أبيّ ( فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى ) ، وكذلك قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم والكلام في ذلك شهير ولا نزاع عندنا في أنها أحلت ثم حرمت ، وذكر القاضي عياض في ذلك كلاماً طويلاً ، والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين ، وكانت حلالاً قبل يوم خيبر ، ثم حرمت يوم خيبر ، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما ، ثم حرمت يومئذٍ بعد ثلاث تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة ، واستمر التحريم ، ولا يجوز أن يقال : إن الإباحة مختصة بما قبل خيبر ، والتحريم يوم خيبر للتأبيد وإن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح إذ الأحاديث الصحيحة تأبى ذلك ، وفي «صحيح مسلم» ما فيه مقنع .

(4/14)


وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول بحلها ثم رجع عن ذلك حين قال له علي كرم الله تعالى وجهه : إنك رجل تائه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة كذا قيل ، وفي «صحيح مسلم» ما يدل على أنه لم يرجع حين قال له عليّ ذلك ، فقد أخرج عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه قام بمكة فقال : إن ناساً أعمى الله تعالى قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل يعني ابن عباس كما قال النووي ، فناداه فقال إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبير : فجرب نفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك فإن هذا إنما كان في خلافة عبد الله بن الزبير ، وذلك بعد وفاة علي كرم الله تعالى وجهه ، فقد ثبت أنه مستمر القول على جوازها لم يرجع إلى قول الأمير كرم الله تعالى وجهه ، وبهذا قال العلامة ابن حجر في «شرح المنهاج» ، فالأولى أن يحكم بأنه رجع بعد ذلك بناءاً على ما رواه الترمذي والبيهقي والطبراني عنه أنه قال : «إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه» حتى نزلت الآية { إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المؤمنون : 6 ] فكل فرج سواهما فهو حرام ، ويحمل هذا على أنه اطلع على أن الأمر إنما كان على هذا الوجه فرجع إليه وحكاه ، وحكي عنه أيضاً أنه إنما أباحها حالة الاضطرار والعنت في الأسفار ، فقد روي عن ابن جبير أنه قال : قلت لابن عباس : لقد سارت بفتياك الركبان ، وقال فيها الشعراء قال : وما قالوا؟ قلت : قالوا :
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال : سبحان اللها ما بهذا أفتيت وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير ، ولا تحل إلا للمضطر ، ومن هنا قال الحازمي : إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم ، وإنما أباحها لهم في أوقات بحسب الضرورات حتى حرمها عليهم في آخر الأمر تحريم تأبيد ، وأما ما روي أنهم كانوا يستمتعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر حتى نهى عنها عمر فمحمول على أن الذي استمتع لم يكن بلغه النسخ ، ونهي عمر كان لإظهار ذلك حيث شاعت المتعة ممن لم يبلغه النهي عنها؛ ومعنى أنا محرمها في كلامه إن صح مظهر تحريمها لا منشئه كما يزعمه الشيعة ، وهذه الآية لا تدل على الحل ، والقول بأنها نزلت في المتعة غلط ، وتفسير البعض لها بذلك غير مقبول لأن نظم القرآن الكريم يأباه حيث بين سبحانه أولاً المحرمات ثم قال عز شأنه : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم } وفيه شرط بحسب المعنى فيبطل تحليل الفرج وإعارته ، وقد قال بهما الشيعة ، ثم قال جل وعلا : { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } وفيه إشارة إلى النهي عن كون القصد مجرد قضاء الشهوة وصب الماء واستفراغ أوعية المني فبطلت المتعة بهذا القيد لأن مقصود المتمتع ليس إلا ذاك دون التأهل والاستيلاد وحماية الذمار والعرض ، ولذا تجد المتمتع بها في كل شهر تحت صاحب ، وفي كل سنة بحجر ملاعب ، فالإحصان غير حاصل في امرأة المتعة أصلاً ولهذا قالت الشيعة : إن المتمتع الغير الناكح إذا زنى لا رجم عليه ، ثم فرع سبحانه على حال النكاح قوله عز من قائل : { فَإِذَا * استمتعتم } وهو يدل على أن المراد بالاستمتاع هو الوطء والدخول لا الاستمتاع بمعنى المتعة التي يقول بها الشيعة ، والقراءة التي ينقلونها عمن تقدم من الصحابة شاذة .

(4/15)


وما دل على التحريم كآية { إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المؤمنون : 6 ] قطعي فلا تعارضه ، على أن الدليلين إذا تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما ، وليس للشيعة أن يقولوا : إن المرأة المتمتع بها مملوكة لبداهة بطلانه ، أو زوجة لانتفاء جميع لوازم الزوجية كالميراث والعدة والطلاق والنفقة فيها ، وقد صرح بذلك علماؤهم . وروى أبو نصير منهم في «صحيحه» عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن امرأة المتعة أهي من الأربع؟ قال : لا ولا من السبعين ، وهو صريح في أنها ليست زوجة وإلا لكانت محسوبة في الأربع ، وبالجملة الاستدلال بهذه الآية على حل المتعة ليس بشيء كما لا يخفى .
ولا خلاف الآن بين الأئمة وعلماء الأمصار إلا الشيعة في عدم جوازها ، ونقل الحل عن مالك رحمه الله تعالى غلط لا أصل له بل في حد المتمتع روايتان عنه ، ومذهب الأكثرين ( أنه لا يحد لشبهة العقد وشبهة الخلاف ، ومأخذ الخلاف على ما قال النووي اختلاف الأصوليين في أن الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف وتصير المسألة مجمعاً عليها؟ فبعض قال : لا يرفعه بل يدوم الخلاف ولا تصير المسألة بعد ذلك مجمعاً عليها أبداً ، وبه قال القاضي أبو بكر الباقلاني ) ، وقال آخرون : بأن الإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق وتمامه في الأصول؛ وحكى بعضهم عن زفر أنه قال : من نكح نكاح متعة تأبد نكاحه ويكون ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح وهي ملغية فيها ، والمشهور في «كتب أصحابنا» أنه قال ذلك في النكاح المؤقت وفي كونه عين نكاح المتعة بحث ، فقد قال بعضهم باشتراط الشهود في المؤقت وعدمه في المتعة ، ولفظ التزويج أو النكاح في الأول ، وأستمتع أو أتمتع في الثاني ، وقال آخرون : النكاح المؤقت من أفراد المتعة ، وذكر ابن الهمام أن النكاح لا ينعقد بلفظ المتعة ، وإن قصد به النكاح الصحيح المؤبد وحضر الشهود لأنه لا يصلح مجازاً عن معنى النكاح كما بينه في «المبسوط» .

(4/16)


بقي ما لو نكح مطلقاً ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة نواها فهل يكون ذلك نكاحاً صحيحاً حلالياً أم لا؟ الجمهور على الأول ( بل حكى القاضي الإجماع عليه ، وشذ الأوزاعي فقال : هو نكاح متعة ولا خير فيه ) فينبغي عدم نية ذلك { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بما يصلح أمر الخلق { حَكِيماً } فيما شرع لهم ، ومن ذلك عقد النكاح الذي يحفظ الأموال والأنساب . .

(4/17)


وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)

{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطعْ منكُمْ } { مِنْ } إما شرطية وما بعدها شرطها ، وإما موصولة وما بعدها صلتها ، و { مّنكُمْ } حال من الضمير في { يَسْتَطِعْ } وقوله سبحانه : { طُولاً } مفعول به ليستطع وجعله مفعولاً لأجله على حذف مضاف أي لعدم طول تطويل بلا طول . والمراد به الغنى والسعة وبذلك فسره ابن عباس ومجاهد ، وأصله الفضل والزيادة ، ومنه الطائل ، وفسره بعضهم بالاعتلاء والنيل فهو من قولهم : طلته أي نلته ، ومنه قول الفرزدق :
إن الفرزدق صخرة ملمومة ... ( طالت ) فليس تنالها الأوعالا
قوله عز وجل : { أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات } أي الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات ، وعبر عنهن بذلك لأن حريتهن أحصنتهن عن نقص الإماء إما أن يكون متعلقاً ب { طُولاً } على معنى ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات وإما أن يكون بتقدير إلى أو اللام والجار في موضع الصفة ل { طُولاً } أي ومن لم يستطع غنى موصلاً إلى نكاحهن أو لنكاحهن أو على على أن الطول بمعنى القدرة كما قال الزجاج ، ومحل { ءانٍ } بعد الحذف جر ، أو نصب على الخلاف المعروف ، وهذا التقدير قول الخليل ، وإليه ذهب الكسائي ، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من { طُولاً } بدل الشيء من الشيء ، وهما لشيء واحد بناءاً على أن الطول هو القدرة أو الفضل والنكاح قوة وفضل ، وقيل : يجوز أن يكون مفعولاً ليستطع و { طُولاً } مصدر مؤكد له إذ الاستطاعة هي الطول أو تمييز أي ومن لم يستطع منكم استطاعة أو من جهة الطول والغنى أي لا من جهة الطبيعة والمزاج إذ لا تعلق لذلك بالمقام .
وقوله تعالى وتقدس : { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } جواب الشرط أو خبر الموصول وجاءت الفاء لما مر غير مرة ، و { مَا } موصولة في محل جر بمن التبعيضية ، والجار والمجرور متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله ، وفي الحقيقة متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول أي فلينكح امرأة كائنة بعض النوع الذي ملكته أيمانكم ، وأجاز أبو البقاء كون ( من ) زائدة أي فلينكح ما ملكته أيمانكم ، وقوله تعالى : { مّن فتياتكم } أي إمائكم { المؤمنات } في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد إلى { مَا } ، وقيل : ( من ) زائدة ، و { فتياتكم } هو المفعول للفعل المقدر قبل ، و مما ملكت متعلق بنفس الفعل ، و ( من ) لابتداء الغاية ، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من هذا المفعول ، و ( من ) للتبعيض ، و ( المؤمنات ) على جميع الأوجه صفة ( فتياتكم ) ، وقيل : هو مفعول ذلك الفعل المقدر ، وفيه بعد .

(4/18)


وظاهر الآية يفيد عدم جواز نكاح الأمة للمستطيع لمفهوم الشرط كما ذهب إليه الشافعي وعدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقاً لمفهوم الصفة كما هو رأي أهل الحجاز وجوزهما الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه لإطلاق المقتضى من قوله تعالى : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 3 ] و { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } [ النساء : 24 ] فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب التخصيص؛ ولم ينتهض ما ذكر حجة مخرجة؛ أما أولاً : فالمفهومان أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة ليسا بحجة عنده رضي الله تعالى عنه كما تقرر في الأصول ، وأما ثانياً : فبتقدير الحجة مقتضى المفهومين عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح ، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة ، ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه فيجوز ثبوت الكراهة عند وجود طول الحرة كما يجوز ثبوت الحرمة على السواء ، والكراهة أقل فتعينت فقلنا بها ، وبالكراهة صرح في «البدائع» ، وعلل بعضهم عدم حل تزوج الأمة حيث لم يتحقق الشرط بتعريض الولد للرق لتثبت الحرمة بالقياس على أصول شتى ، أو ليتعين أحد فردي الأعم الذي هو عدم الإباحة وهو التحريم مراداً بالأعم .
واعترض بأنهم إن عنوا أن فيه تعريضاً موصوفاً بالحرية للرق سلمنا استلزامه للحرمة لكن وجود الوصف ممنوع إذ ليس هنا متصف بحرية عرض للرق بل الوصفان من الحرية والرق يقارنان وجود الولد باعتبار أمه إن كانت حرة فحر ، أو رقيقة فرقيق ، وإن أرادوا به تعريض الولد الذي سيوجد لأن يقارنه الرق في الوجود لا إرقاقه سلمنا وجوده ومنعنا تأثيره في الحرمة بل في الكراهة ، وهذا لأنه كان له أن لا يحصل الولد أصلاً بنكاح الآيسة ونحوها فلأن يكون له أن يحصل رقيقاً بعد كونه مسلماً أولى إذ المقصود بالذات من التناسل تكثير المقرين لله تعالى بالوحدانية والألوهية وما يجب أن يعترف له به وهذا ثابت بالولد المسلم ، والحرية مع ذلك كمال يرجع أكثره إلى أمر دنيوي وقد جاز للعبد أن يتزوج أمتين بالاتفاق مع أن فيه تعريض الولد للرق في موضع الاستغناء عن ذلك وعدم الضرورة ، وكون العبد أباً لا أثر له في ثبوت رق الولد فإنه لو تزوج حرة كان ولده حراً والمانع إنما يعقل كونه ذات الرق لأنه الموجب للنقص الذي جعلوه محرماً لا مع قيد حرية الأب فوجب استواء العبد والحر في هذا الحكم لو صح ذلك التعليل قاله ابن الهمام وفيه مناقشة مّا فتأمل .
وفي هذه الآية ما يشير إلى وهن استدلال الشيعة بالآية السابقة على حل المتعة لأن الله تعالى أمر فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء عند عدم الطول إلى نكاح الحرائر فلو كان أحل المتعة في الكلام السابق لما قال سبحانه بعده : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } الخ لأن المتعة في صورة عدم الطول المذكور ليست قاصرة في قضاء حاجة الجماع بل كانت بحكم لكل جديد لذة أطيب وأحسن على أن المتعة أخف مؤنة وأقل كلفة فإنها مادة يكفي فيها الدرهم والدرهمان فأية ضرورة كانت داعية إلى نكاح الإماء؟ ولعمري إن القول بذلك أبعد بعيد كما لا يخفى على من أطلق من ربقة قيد التقليد
{ والله أَعْلَمُ بإيمانكم } جملة معترضة جيء بها تأنيساً لقلوبهم وإزالة للنفرة عن نكاح الإماء ببيان أن مناط التفاخر الإيمان دون الأحساب والأنساب ، ورب أمة يفوق إيمانها إمان كثير من الحرائر .

(4/19)


والمعنى أنه تعالى أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو المدار في الدارين فليكن هو مطمح نظركم ، وقيل : جيء بها للإشارة إلى أن الإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة ولا يشترط في ذلك العلم بالإيمان علماً يقينياً إذ لا سبيل إلى الوقوف على الحقائق إلا لعلام الغيوب { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي أنتم وفتياتكم متناسبون إما من حيث الدين وإما من حيث النسب ، وعلى الثاني يكون اعتراضاً آخر مؤكداً للتأنيس من جهة أخرى؛ وعلى الأول يكون بياناً لتناسبهم من تلك الحيثية إثر بيان تفاوتهم في ذلك ، وأياً ما كان فبعضكم مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً له ، وزعم بعضهم أن ( بعضكم ) فاعل للفعل المحذوف ، قيل : وفي الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير فلينكح بعضكم من بعض الفتيات ، ولا ينبغي أن يخرج كتاب الله تعالى الجلي على ذلك .
{ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } مترتب على ما قبله ولذا صدر بالفاء أي فإذا وقعتم على جلية الأمر فانكحوهن الخ وأعيد الأمر مع فهمه مما قبله لزيادة الترغيب في نكاحهن ، أو لأن المفهوم منه الإباحة وهذا للوجوب . والمراد من الأهل الموالي ، وحمل الفقهاء ذلك على من له ولاية التزويج ولو غير مالك فقد قالوا : للأب والجد والقاضي والوصي تزويج أمة اليتيم لكن في «الظهيرية» الوصي لو زوج أمة اليتيم من لكن في الظهيرية الوصي لو زوج أمة اليتيم من عبده لا يجوز ، وفي «جامع الفصولين» القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب ، وفي «فتح القدير» للشريك المفاوض تزويج الأمة ، وليس لشريك العنان والمضارب والعبد المأذون تزويجها عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومحمد ، وقال أبو يوسف : يملكون ذلك ، وهذا الإذن شرط عندنا لجواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاحها بلا إذن ، والمراد بعدم الجواز عدم النفاذ لا عدم الصحة بل هو موقوف كعقد الفضولي ، وإلى هذا ذهب مالك وهو رواية عند أحمد ومثل ذلك نكاح العبد واستدلوا على عدم الجواز فيهما بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث جابر ، وقال : حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(4/20)


" أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر " والعهرالزنا وهو محمول على ما إذا وطىء لا بمجرد العقد وهو زنا شرعي لا فقهي فلم يلزم منه وجوب الحد لأنه مرتب على الزنا الفقهي كما بين في الفروع ، وبأن في تنفيذ نكاحهما تعييبهما إذ النكاح عيب فيهما فلا يملكانه إلا بإذن مولاهما ، ونسب إلى الإمام مالك ولم يصح أنه يجوز نكاح العبد بلا إذن السيد لأنه يملك الطلاق فيملك النكاح ، وأجيب بالفرق فإن الطلاق إزالة عيب عن نفسه بخلاف النكاح ، قال ابن الهمام : لا يقال : يصح إقرار العبد على نفسه بالحد والقصاص مع أن فيه هلاكه فضلاً عن تعييبه لأنا نقول : هو لا يدخل تحت ملك السيد فيما يتعلق به خطاب الشرع أمراً ونهياً كالصلاة والغسل والصوم والزنا والشرب وغيره إلا فيما علم إسقاط الشارع إياه عنه كالجمعة . والحج ، ثم هذه الأحكام تجب جزاءاً على ارتكاب المحظور شرعاً ، فقد أخرجه عن ملكه في ذلك الذي أدخله فيه باعتبار غير ذلك وهو الشارع زجراً عن الفساد وأعاظم العيوب انتهى . ادعى بعض الحنفية أن الآية تدل على أن للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم . واعترض بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل فلا يلزم جواز عقدهن كما لا يخفى ، ولو كانت الأمة مشتركة بين اثنين مثلاً لا يجوز نكاحها إلا بإذن الكل ، وفي «الظهيرية» لو زوج أحد الموليين أمته ودخل بها الزوج فللآخر النقض فإن نقض فله نصف مهر المثل وللزوج الأقل من نصف مهر المثل ، ومن نصف المسمى وحكى معتق البعض حكم كامل الرق عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وعندهما يجوز نكاحه بلا إذن لأنه حر مديون
{ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلن وحذف هذا القيد لتقدم ذكره لا لأن العطف يوجب مشاركة المعطوف المعطوف عليه في القيد ، ويحتمل أنه يكون في الكلام مضاف محذوف أي آتوا أهلهن ، ولعل ما تقدم قرينة عليه ، قيل : ونكتة اختيار ( آتوهن ) على أتوهم مع تقدم الأهل على ما ذكره بعض المحققين إن في ذلك تأكيداً لإيجاب المهر وإشعاراً بأنه حقهن من هذه الجهة ، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين ، والداعي لهذا كله أن المهر للسيد عند أكثر الأئمة لأنه عوض حقه . وقال الإمام مالك : الآية على ظاهرها والمهر للأمة ، وهذا يوجب كون الأمة مالكة مع أنه لا ملك للعبد فلا بد أن تكون مالكة له يداً كالعبد المأذون له بالتجارة لأن جعلها منكوحة إذن لها فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية ، وإن حملت الأجور على النفقات استغنى عن اعتبار التقدير أولاً وآخراً ، وكذا إن فسر قوله تعالى .

(4/21)


{ بالمعروف } بما عرف شرعاً من إذن الموالي ، والمعروف فيه أنه متعلق بآتوهن والمراد أدوا إليهن من غير مماطلة وإضرار ، ويجوز أن يكون حالاً أي متلبسات بالمعروف غير ممطولات أو متعلقاً بأنكحوهن أي فانكحوهنّ بالوجه المعروف يعني بإذن أهلهنّ ومهر مثلهنّ
{ محصنات } حال إما من مفعول { *آتوهن } فهو بمعنى متزوجات ، أو من مفعول { بَعْضٍ فانكحوهن } فهو بمعنى عفائف ، وحمله على مسلمات وإن جاز خصوصاً على مذهب الجمهور الذين لا يجيزون نكاح الأمة الكتابية لكن هذا الشرط تقدم في قوله سبحانه : { فتياتكم المؤمنات } فليس في إعادته كثير جدوى ، والمشهور هنا تفسير المحصنات بالعفائف فقوله تعالى : { غَيْرَ مسافحات } تأكيد له ، والمراد غير مجاهرات بالزنا كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { وَلاَ * مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } عطف على ( مسافحات ) و ( لا ) لتأكيد ما في { غَيْرِ } من معنى النفي والأخدان جمع خدن وهو الصاحب ، والمراد به هنا من تتخذه المرأة صديقاً يزني بها والجمع للمقابلة ، والمعنى ولا مسرات الزنا . وكان الزنا في الجاهلية منقسماً إلى سر وعلانية ، وروي عن ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر منه ويقولون : إنه لؤم ويستحلون ما خفي ويقولون : لا بأس به ، ولتحريم القسمين نزل قوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الأنعام : 151 ] .
{ فَإِذَا أُحْصِنَّ } أي بالأزواج كما قال ابن عباس وجماعة وقرأ إبراهيم { أُحْصِنَّ } بالبناء للفاعل أي أحصن فروجهن وأزواجهن ، وأخرج عبد بن حميد أنه قرىء كذلك ثم قال : إحصانها إسلامها ، وذهب كثير من العلماء إلى أن المراد من الاحصان على القراءة الأولى الإسلام أيضاً لا التزوج ، وبعض من أراده من الآية قال : لا تحد الأمة إذا زنت ما لم تتزوج بحرّ ، وروي ذلك مذهباً لابن عباس ، وحكي عدم الحد قبل التزوج عن مجاهد وطاوس ، وقال الزهري : هو فيها بمعنى التزوج . والحد واجب على الأمة المسلمة إذا لم تتزوج لما في «الصحيحين» عن زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال : " اجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم بيعوها ولو بضفير " فالمزوجة محدودة بالقرآن وغيرها بالسنة ، ورجح هذا الحمل بأنه سبحانه شرط الإسلام بقوله جل وعلا : { مّن فتياتكم المؤمنات } فحمل ما هنا على غيره أتم فائدة وإن جاز أنه تأكيد لطول الكلام . وذكر بعض المحققين أن تفسير الإحصان بالإسلام ظاهر على قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من جهة أنه لا يشترط في التزوج بالأمة أن تكون مسلمة وإن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع ، وهو مشكل على قول من يقول بمفهوم الشرط من الشافعية فإنه يقتضي أن الأمة الكافرة إذا زنت لا تجلد ، وليس مذهبه كذلك فإنه يقيم الحد على الكفار
{ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة } أي فإن فعلن فاحشة وهي الزنا وثبت ذلك .

(4/22)


{ فَعَلَيْهِنَّ } أي فثابت عليهن شرعاً { نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } أي الحرائر الأبكار { مّنَ العذاب } أي الحد الذي هو جلد مائة ، فنصفه خمسون ولا رجم عليهن لأن لا يتنصف؛ وهذا دفع لتوهم أن الحد لهن يزيد بالإحصان ، فيسقط الاستدلال به على أنهن قبل الإحصان لا حد عليهن كما روي ذلك عمن تقدم . قال الشهاب : وعلم من بيان حالهن حال العبيد بدلالة النص فلا وجه لما قيل : إنه خلاف المعهود لأن المعهود أن يدخل النساء تحت حكم الرجال بالتبعية وكأن وجهه أن دواعي الزنا فيهن أقوى وليس هذا تغليباً وذكراً بطريق التبعية حتى يتجه ما ذكر ، ويرد على وجه التخصيص أنه لو كان كذلك لم يدل على حكم العبيد بل الوجه فيه أن الكلام في تزوج الإماء فهو مقتضى الحال انتهى . والظاهر أن المراد بالحال المعلوم بدلالة النص حال العبيد إذا أتوا بفاحشة لا مطلقاً ، فإن حال العبيد ليس حال الإماء في مسألة النكاح من كل وجه كما بين في «كتب الفروع» ، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرىء ( فإن أتوا ) ، و ( أتين بفاحشة ) ، هذا والفاء في { فَإِنْ أَتَيْنَ } جواب ( إذا ) ، والثانية : جواب ( إن ) ، والشرط الثاني مع جوابه مترتب على وجود الأول ، و { مّنَ العذاب } في موضع الحال من الضمير في الجار والمجرور والعامل فيها هو العامل في صاحبها ، قال أبو البقاء : ولا يجوز أن تكون حالاً من { مَا } لأنها مجرورة بالإضافة فلا يكون لها عامل
{ ذلك } أي نكاح الإماء { لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ } أي لمن خاف الزنا بسبب غلبة الشهوة عليه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن العنت فقال : الإثم ، فقال نافع : وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال : نعم أما سمعت قول الشاعر :
رأيتك تبتغي ( عنتي ) وتسعى ... مع الساعي عليّ بغير دخل
وقيل : أصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان بعد صلاح حاله ، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم بارتكاب أفحش القبائح ، ويفهم من كلام كثير من اللغويين أنه حقيقة في الإثم وكذا في الجهد والمشقة ، ومنه أكمة عَنُوت أي صعبة المرتقى ، وفسره الزجاج هنا بالهلاك ، والذي عليه الأكثرون ما تقدم وهو مأثور أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : المراد به الحد لأنه إذا هويها يخشى أن يواقعها فيحد ، ورجح القول الأول بكثرة الذاهبين إليه مع ما فيه من الإشارة إلى أن اللائق بحال المؤمن الخوف من الزنا المفضي إلى العذاب ، وفي هذا إيهام بأن المحذور عنده الحد لا ما يوجبه وأياً مّا كان فهو شرط آخر لجواز تزوج الإماء عند الشافعي عليه الرحمة ، ومذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه ليس بشرط وإنما هو إرشاد للأصلح
{ وَأَن تَصْبِرُواْ } أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين .

(4/23)


{ خَيْرٌ لَّكُمْ } من نكاحهن وإن رخص لكم فيه لأن حق الموالي فيهن أقوى فلا يخلصن للأزواج خلوص الحرائر إذ هم يقدرون على استخدامهن سفراً وحضراً ، وعلى بيعهن للحاضر والبادي ، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سميا إذا ولد لهم منهن أولاد ، ولأنهن ممتهنات مبتذلات خراجات ولاجات وذلك ذل ومهانة سارية للناكح ، ولا يكاد يتحمل ذلك غيور ، ولأن في نكاحهن تعريض الولد للرق . وقد أخرج عبد الرزاق وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : «إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرقه نصفه» وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : «ما تزحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلاً» وعن أبي هريرة وابن جبير مثله . وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر قال : «نكاح الأمة كالميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا للمضطر» وفي «مسند الديلمي والفردوس» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت " وقال الشاعر :
ومن لم تكن في بيته قهرمانة ... فذلك بيت لا أبا لك ضائع
وقال الآخر :
إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... تدبره ضاعت مصالح داره
{ والله غَفُورٌ } أي مبالغ في المغفرة فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن ، وإنما عبر بذلك تنفيراً عنه حتى كأنه ذنب { رَّحِيمٌ } أي مبالغ في الرحمة فلذلك رخص لكم ما رخص .
هذا ومن باب الإشارة الاجمالية في بعض الآيات السابقة : أنه سبحانه أشار بقوله عز من قائل : { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات التي قد تصرف فيها الآباء العلوية { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 22 ] من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة الكمالات ، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق سبحانه ، وأشار سبحانه بتحريم المحصنات من النساء أي الأمور التي تميل إليها النفوس إلى تحريم طلب السالك مقاماً ناله غيره ، وليس له قابلية لنيله ، ومن هنا قوبل الكليم بالصعق لما سأل الرؤية ، وقال شاعر الحقيقة المحمدية :
ولست مريداً أرجعن بلن ترى ... ولست بطور كي يحركني الصدع
/ وقال سيدي ابن الفارض على لسانها :
وإذا سألتك أن أراك حقيقة ... فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

(4/24)


ولقد أحسن بعض المحجوبين حيث يقول :
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وقال النيسابوري : المحصنات من النساء الدنيا حرمها الله تعالى على خلص عباده وأباح لهم بقوله : { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } تناول الأمور الضرورية من المأكل والمشرب { مُّحْصِنِينَ } أي حرائر من الدنيا وما فيها { غَيْرَ مسافحين } في الطلب مياه الوجوه ، ثم أمرهم إذا استمتعوا بشيء من ذلك بأن يؤدوا حقوقه من الشكر والطاعة والذكر مثلاً ، وعلى هذا النمط ما في سائر الآيات ، ولم يظهر لي في البنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والمرضعات والأخوات من الرضاع والربائب والجمع بين الأختين ما ينشرح له الخاطر وتبتهج به الضمائر ولا شبهة لي في أن لله تعالى عباداً يعرفونه على التحقيق ولكنهم في الزوايا ، وكم في الزوايا من خبايا ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . .

(4/25)


يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)

{ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } استئناف مقرر لما سبق من الأحكام ، ومثل هذا التركيب وقع في كلام العرب قديماً وخرجه النحاة كما قال الشهاب على مذاهب فقيل : مفعول ( يريد ) محذوف أي تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه ، واللام للتعليل أو العاقبة أي ذلك لأجل التبيين ، ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين ، فتعلق الإرادة غير التبيين وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف . وقيل : إنه إذا قصد التأكيد جاز من غير ضعف ، وقد قصد هنا تأكيد الاستقبال اللازم للإرادة ولكن باعتبار التعلق وإلا فإرادة الله تعالى قديمة ، وسمى صاحب «اللباب» هذه اللام لام التكملة وجعلها مقابلة للام التعدية . وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤل بالمصدر من غير سابك كما قيل به في تسمع بالمعيدي خير من أن تراه على أنه مبتدأ والجار والمجرور خبره أي إرادتي كائنة للتبيين وفيه تكلف ، وذهب الكوفيون إلى أن اللام هي الناصبة للفعل من غير إضمار وإن وهي وما بعدها مفعول للفعل المقدم لأن اللام قد تقام مقام إن في فعل الإرادة والأمر ، والبصريون يمنعون ذلك ويقولون : إن وظيفة اللام الجر والنصب بأن مضمرة بعدها ، ومفعول يبين على بعض الأوجه محذوف أي : ليبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ، أو ما تعبدكم به أو نحو ذلك ، وجوز أن يكون قوله تعالى : { لِيُبَيّنَ } وقوله تعالى : { وَيَهْدِيَكُمْ } تنازعا في قوله سبحانه : { سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ } أي مناهج من تقدمكم من الأنبياء والصالحين لتقتفوا أثرهم وتتبعوا سيرهم ، وليس المراد أن الحكم كان كذلك في الأمم السالفة كما قيل به ، بل المراد كون ما ذكر من نوع طرائق المتقدمين الراشدين وجنسها في بيان المصالح
{ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } عطف على ما قبله وحيث كانت التوبة ترك الذنب مع الندم والعزم على عدم العود وهو مما يستحيل إسناده إلى الله تعالى ارتكبوا تأويل ذلك في هذا المقام بأحد أمور : فقيل إن التوبة هنا بمعنى المغفرة مجازاً لتسببها عنها ، أو بمعنى الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي على سبيل الاستعارة التبعية لأن التوبة تمنع عنها كما أن إرشاده تعالى كذلك ، أو مجاز عن حثه تعالى عليها لأنه سبب لها عكس الأول ، أو بمعنى الإرشاد إلى ما يكفرها على التشبيه أيضاً ، وإلى جميع ذلك أشار ناصر الدين البيضاوي . وقرر العلامة الطيبي أن هذا من وضع المسبب موضع السبب وذلك لعطف { وَيَتُوبَ } على { وَيَهْدِيَكُمْ } الخ على سبيل البيان كأنه قيل : ليبين لكم ويهديكم ويرشدكم إلى الطاعات ، فوضع موضعه { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } وما يرد على بعض الوجوه من لزوم تخلف المراد عن الإرادة وهي علة تامة يدفعه كون الخطاب ليس عاماً لجميع المكلفين بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة { والله عَلِيمٌ } مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم ما شرع لكم من الأحكام وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم { حَكِيمٌ } مراع في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة فيبين لمن يشاء ويهدي من يشاء ويتوب على من يشاء ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . .

(4/26)


وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)

{ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } جعله بعضهم تكراراً لما تقدم للتأكيد والمبالغة وهو ظاهر إذا كان المراد من التوبة هناك وهنا شيئاً واحداً ، وأما إذا فسر { يَتُوبُ } أولاً : بقبول التوبة والإرشاد مثلاً ، وثانياً : بأن يفعلوا ما يستوجبون به القبول فلا يكون تكراراً ، وأيضاً إنما يتمشى ذلك على كون { لِيُبَيّنَ لَكُمْ } [ النساء : 26 ] مفعولاً وإلا فلا تكرار أيضاً لأن تعلق الإرادة بالتوبة في الأول : على جهة العلية ، وفي الثاني : على جهة المفعولية وبذلك يحصل الاختلاف لا محالة { وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات } يعني الفسقة لأنهم يدورون مع شهوات أنفسهم من غير تحاش عنها فكأنهم بأنهماكهم فيها أمرتهم الشهوات باتباعها فامتثلوا أمرها واتبعوها فهو استعارة تمثيلية ، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له لا لها . وروي هذا عن ابن زيد ، وأخرج مجاهد عن ابن عباس أنهم الزناة ، وأخرج ابن جرير عن السدي أنهم اليهود والنصارى ، وقيل : إنهم اليهود خاصة حيث زعموا أن الأخت من الأب حلال في التوراة ، وقيل : إنهم المجوس حيث كانوا يحلون الأخوات لأب لأنهم لم يجمعهم رحم ، وبنات الأخ والأخت قياساً على بنات العمة والخالة بجامع أن أمهما لا تحل ، فكانوا يريدون أن يضلوا المؤمنين بما ذكر ، ويقولون : لم جوزتم تلك ولم تجوزوا هذه؟ا فنزلت ، وغوير بين الجملتين ليفرق بين إرادة الله تعالى وإرادة الزائغين { أَن تَمِيلُواْ } عن الحق بموافقتهم فتكونوا مثلهم ، وعن مجاهد أن تزنوا كما يزنون . وقرىء بالياء التحتانية فالضمير حينئذ للذين يتبعون الشهوات { مَيْلاً عَظِيماً } بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة ، واعترف بأنها خطيئة ولم يستحل .

(4/27)


يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)

{ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } أي في التكليف في أمر النساء والنكاح بإباحة نكاح الإماء قاله طاوس ومجاهد وقيل : يخفف في التكليف على العموم فإنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم الماضية ، وقيل : يخفف بقبول التوبة والتوفيق لها ، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب . { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } أي في أمر النساء لا يصبر عنهن قاله طاوس وفي الخبر : «لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً» وقيل : يستميله هواه وشهوته ويستشيطه خوفه وحزنه ، وقيل : عاجز عن مخالفة الهوى وتحمل مشاق الطاعة ، وقيل : ضعيف الرأي لا يدرك الأسرار والحكم إلا بنور إلهي . وعن الحسن رضي الله تعالى عنه أن المراد ضعيف الخلقة يؤلمه أدنى حادث نزل به ، ولا يخفى ضعف مساعدة المقام لهما فإن الجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف بالرخصة في نكاح الإماء ، وليس لضعف الرأي ولا لضعف البنية مدخل في ذلك ، وكونه إشارة إلى تجهيل المجوس في قياسهم على أول القولين ليس بشيء ، ونصب ( ضعيفاً ) على الحال وقيل : على التمييز ، وقيل : على نزع الخافض أي من ضعيف وأريد به الطين أو النطفة ، وكلاهما كما ترى ، وقرأ ابن عباس { وَخُلِقَ الإنسان } على البناء للفاعل والضمير لله عز وجل . وأخرج البيهقي في «الشعب» عنه أنه قال : ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، الأولى : { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ النساء : 26 ] والثانية : { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } [ النساء : 27 ] إلى آخرها ، والثالثة : { يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } إلى آخرها ، والرابعة : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } [ النساء : 31 ] والخامسة : { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [ النساء : 40 ] والسادسة : { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 110 ] والسابعة : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } إلى آخرها ، والثامنة : { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } [ النساء : 152 ] الآية . .

(4/28)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } بيان لبعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة ، وفيه إشارة إلى كمال العناية بالحكم المذكور ، والمراد من الأكل سائر التصرفات ، وعبر به لأنه معظم المنافع ، والمعنى لا يأكل بعضكم أموال بعض ، والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم قاله السدي وهو المروي عن الباقر رضي الله تعالى عنه ، وعن الحسن هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعواض . وأخرج عنه وعن عكرمة بن جرير أنهما قالا : كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور ( 61 ) { وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } الآية ، والقول الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلاً بالباطل ، وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية : إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة ، و { بَيْنِكُمْ } نصب على الظرفية ، أو الحالية من ( أموالكم ) { إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } استثناء منقطع ، ونقل أبو البقاء القول بالاتصال وضعفه ، و { عَنْ } متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة ، و { مّنكُمْ } صفة { تَرَاضٍ } أي إلا أن تكون التجارة تجارة صادرة { عَن تَرَاضٍ } كائن { مّنكُمْ } أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة ، والنصب قراءة أهل الكوفة ، وقرأ الباقون بالرفع على أن كان تامة .
وحاصل المعنى لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل لكن اقصدوا كون أي وقوع تجارة عن تراض أو لا تأكلوا ذلك كذلك فإنه منهي عنه لكن وجود تجارة عن تراض غير منهي عنه ، وتخصيصها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب وقوعاً وأوفق لذوي المروءات ، وقد أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا » وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر في المواشي .
وجوز أن يراد بها انتقال المال من الغير بطريق شرعي سواء كان تجارة أو إرثاً أو هبة أو غير ذلك من استعمال الخاص وإرادة العام ، وقيل : المقصود بالنهي المنع المبايعة عن صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى ، وبالتجارة صرفه فيما يرضاه وهذا أبعد مما قبله ، والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الإمام مالك ، وعند الشافعي حالة الافتراق عن مجلس العقد ، وقيل : التراضي التخيير بعد البيع ، أخرج عبد بن حميد عن أبي زرعة أنه باع فرساً له فقال لصاحبه : اختر فخيره ثلاثاً ، ثم قال له : خيرني فخيره ثلاثاً ، ثم قال : سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول : هذا البيع عن تراض .

(4/29)


{ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي لا يقتل بعضكم بعضاً ، وعبر عن البعض المنهي عن قتلهم بالأنفس للمبالغة في الزجر ، وقد ورد في الحديث " المؤمنون كالنفس الواحد " وإلى هذا ذهب الحسن وعطاء والسدي والجبائي؛ وقيل : المعنى لا تهلكوا أنفسكم بارتكاب الآثام كأكل الأموال بالباطل وغيره من المعاصي التي تستحقون بها العقاب ، وقيل : المراد به النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال غضب أو ضجر ، وحكي ذلك عن البلخي . وقيل : المعنى لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه ، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ، وقيل : المراد لا تتجروا في بلاد العدو فتفردوا بأنفسكم ، وبه استدل مالك على كراهة التجارة إلى بلاد الحرب ، وقيل : المعنى لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وأيد بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص قال : «لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك له فقال : يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت : نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } الآية فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً» ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه : { وَلاَ تَقْتُلُواْ } بالتشديد والتكثير ، ولا يخفى ما في الجمع بين التوصية بحفظ المال والوصية بحفظ النفس من الملائمة لما أن المال شقيق النفس من حيث إنه سبب لقوامها وتحصيل كمالاتها واستيفاء فضائلها ، والملائمة بين النهيين على قول مالك أتم ، وقدم النهي الأول لكثرة التعرض لما نهى عنه فيه .
{ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } تعليل للنهي ، والمعنى أنه تعالى لم يزل مبالغاً في الرحمة ، ومن رحمته بكم نهيكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس ، وقيل : معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً إذ لم يكلفكم قتل الأنفس في التوبة كما كلف بني إسرائيل بذلك . .

(4/30)


وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)

{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أي قتل النفس فقط ، أو هو وما قبله من أكل الأموال بالباطل ، أو مجموع ما تقدم من المحرمات من قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً } [ النساء : 19 ] ، أو من أول السورة إلى هنا أقوال : روي الأول : منها عن عطاء ولعله الأظهر وما في ذلك من البعد إيذان بفظاعة قتل النفس وبعد منزلته في الفساد ، وإفراد اسم الإشارة على تقدير تعدد المشار إليه باعتبار تأويله بما سبق .
{ عدوانا } أي إفراطاً في التجاوز عن الحد ، وقرىء { عدوانا } بكسر العين { وَظُلْماً } أي إيتاءاً بما لا يستحقه ، وقيل : هما بمعنى فالعطف للتفسير ، وقيل : أريد بالعدوان التعدي على الغير ، وبالظلم الظلم على النفس بتعريضها للعقاب ، وأياً مّا كان فهما منصوبان على الحالية ، أو على العلية ، وقيل : وخرج بهما السهو والغلط والخطأ وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } أي ندخله إياها ونحرقه بها ، والجملة جواب الشرط .
وقرىء ( نصليه ) بالتشديد ، و ( نصليه ) بفتح النون من صلاه لغة كأصلاه ، ويصليه بالياء التحتانية والضمير لله عز وجل ، أو لذلك ، والاسناد مجازى من باب الاسناد إلى السبب .
/ { وَكَانَ ذلك } أي إصلاؤه النار يوم القيامة { عَلَى الله يَسِيراً } هيناً لا يمنعه منه مانع ولا يدفعه عنه دافع ولا يشفع فيه إلا بإذنه شافع ، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة وتأكيد استقلال الاعتراض التذييلي . .

(4/31)


إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)

{ إِن تَجْتَنِبُواْ } أي تتركوا جانباً { كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ } أي ينهاكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم { عَنْهُ } أي عن ارتكابه مما ذكر ومما لم يذكر ، وقرىء ( كبير ) على إرادة الجنس فيطابق القراءة المشهورة ، وقيل : يحتمل أن يراد به الشرك { نَّكْفُرَ } أي نغفر ونمحو واختيار ما يدل على العظمة بطريق الالتفات تفخيم لشأن ذلك الغفران ، وقرىء ( يغفر ) بالياء التحتانية { عَنْكُمْ } أيها المجتنبون { سَيّئَاتِكُمْ } أي صغائركم كما قال السدي ، واختلفوا في حد الكبيرة على أقوال : الأول : أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة ، وإليه ذهب بعض الشافعية ، والثاني : أنها كل معصية أوجبت الحد ، وبه قال البغوي وغيره ، والثالث : أنها كل ما نصب الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد ، والرابع : أنها كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة وبه قال الإمام ، والخامس : أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد ، وبه قال الماوردي في «فتاويه» ، والسادس : أنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه ، وحكي ذلك بتفصيل مذكور في محله عن الحليمي ، والسابع : أنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم ، وقال الواحدي : الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به ، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ، ولكن الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر ، ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة انتهى .
وقال شيخ الإسلام البارزي : التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن بنص كتاب أو سنة ، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكثر من مفسدته ، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل معصوماً فظهر أنه مستحق لدمه ، أو وطيء امرأة ظاناً أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته ، وقال بعضهم : كل ما ذكر من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة ، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه؟ وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبطها بحد ، فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره الله تعالى من أول هذه السورة إلى هنا؛ وقيل : هي سبع ، ويستدل له بخبر «الصحيحين» " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله تعالى والسحر وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " ، وفي رواية لهما «الكبائر الإشراك بالله تعالى والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس» .

(4/32)


زاد البخاري «واليمين الغموس» ومسلم بدلها «وقول الزور» والجواب أن ذلك محمول على أنه صلى الله عليه وسلم ذكره قصداً لبيان المحتاج منها وقت الذكر لا لحصره الكبائر فيه وممن صرح بأن الكبائر سبع علي كرم الله تعالى وجهه وعطاء وعبيد بن عمير ، وقيل : تسع لما أخرجه علي بن الجعد عن ابن عمر أنه قال حين سئل عن الكبائر : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هن تسع الإشراك بالله تعالى وقذف المحصنة وقتل النفس المؤمنة والفرار من الزحف والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياءاً وأمواتاً " ونقل عن ابن مسعود أنها ثلاث؛ وعنه أيضاً أنها عشرة ، وقيل : أربع عشرة ، وقيل : خمس عشرة ، وقيل : أربع ، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له : هل الكبائر سبع؟ فقال : هي إلى السبعين أقرب ، وروى ابن جبير أنه قال له : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ، وأنكر جماعة من الأئمة أن في الذنوب صغيرة وقالوا : بل سائر المعاصي كبائر منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والقاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين في «الإرشاد» . وابن القشيري في «المرشد» بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة ، واختاره في «تفسيره» فقال : معاصي الله تعالى كلها عندنا كبائر ، وإنما يقال لبعضها : صغيرة وكبيرة بالإضافة ، وأوَّلَ الآية بما ينبو عنه ظاهرها ، وقالت المعتزلة : الذنوب على ضربين : صغائر وكبائر؛ وهذا ليس بصحيح انتهى ، وربما ادعى في بعض المواضع اتفاق الأصحاب على ما ذكره واعتمد ذلك التقى السبكي ، وقال القاضي عبد الوهاب : لا يمكن أن يقال في معصية إنها صغيرة إلا على معنى أنها تصغر عند اجتناب الكبائر ، ويوافق هذا القول ما رواه الطبراني عن ابن عباس لكنه منقطع أنه ذكر عنده الكبائر فقال : " كل ما نهى الله تعالى عنه فهو كبيرة " ، وفي رواية «كل ما عصي الله تعالى فيه فهو كبيرة» قاله العلامة ابن حجر وذكر أن جمهور العلماء على الانقسام ، وأنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى ، وإنما الخلاف في التسمية ، والإطلاق لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة ، ومنها ما لا يقدح فيها وإنما الأولون فروا من التسمية فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظراً إلى عظمة الله تعالى وشدة عقابه وإجلالاً له عز وجل عن تسمية معصيته صغيرة لأنها إلى باهر عظمته تعالى كبيرة وأيّ كبيرة . ولم ينظر الجمهور إلى ذلك لأنه معلوم بل قسموها إلى قسمين كما يقتضيه صرائح الآيات والأخبار لا سيما هذه الآية وكون المعنى : إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح الحرام وأكل الأموال وغير ذلك مما تقدم نكفر عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف ، ونظير ذلك من التنزيل

(4/33)