صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأما إذا جزع وهلع ومال إلى الدنيا فلا يحصل له ذلك لأن النفس حينئذٍ تستولي عليه وتحجبه بظلمة صفاتها عن النور فلم تبق تلك المناسبة وانقطع المدد ولم تنزل الملائكة ، { وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ } أي إلا لتستبشروا به فيزداد نشاطكم في التوجه إلى الحق { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } فيتحقق الفيض بقدر التصفية { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } لا من عند الملائكة فلا تحتجبوا بالكثرة عن الوحدة وبالخلق عن الحق فالكل منه تعالى وإليه { العزيز } فلا يعجزه الظهور بما شاء وكيف شاء { الحكيم } [ آل عمران : 126 ] الذي ستر نصره بصور الملائكة لحكمة { لِيَقْطَعَ } أي يهلك { طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ } وهم أعداء الله تعالى { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } يخزيهم ويذلهم { فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ } [ آل عمران : 127 ] فيرجعوا غير ظافرين بما أملوا { لَيْسَ لَكَ } من حيث أنت { مِنَ الامر شَىْء } وكله لك من حيثية أخرى { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } إذا أسلموا فتفرح لأنك المظهر للرحمة الواسعة { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } { أَوْ يُعَذّبَهُمْ } لأجلك فتشتفي بهم من حيث أنهم خالفوا الأمر الذي بعثت به إلى الناس كافة { فَإِنَّهُمْ ظالمون } [ آل عمران : 128 ] بتلك المخالفة { وَللَّهِ مَا فِى * السموات } من عالم الأرواح { وَمَا فِى الارض } من عالم الطبيعيات يتصرف فيهما كيفما يشاء ويختار { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } لأن له التصرف المطلق في الملك والملكوت { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ آل عمران : 129 ] كثير المغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ويرحمنا .

(3/210)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)

ابتداء كلام مشتمل على أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى ما هو الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد ، ولعل إيراد النهي عن الربا بخصوصه هنا لما أن الترغيب في الإنفاق في السراء والضراء الذي عمدته الإنفاق في سبيل الجهاد متضمن للترغيب في تحصيل المال فكان مظنة مبادرة الناس إلى طرق الاكتساب ومن جملتها بل أسهلها الربا فنهوا عنه ، وقدمه على الأمر اعتناءاً به وليجىء ذلك الأمر بعد سدّ ما يخدشه ، وقال القفال : يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين قد اجتمعت من الربا وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام عليه كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر أيضاً ويتمكنوا من الانتقام من عدوهم ، فورد النهي عن ذلك رحمة عليهم ولطفاً بهم ، وقيل : إنه تعالى شأنه لما ذكر أن له التعذيب لمن يشاء والمغفرة لمن يشاء وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوه لاستحقوا عليه العقاب وهو الربا وخصه بالنهي لأنه كان شائعاً إذ ذاك وللاعتناء بذلك لم يكتف بما دل على تحريمه مما في سورة البقرة بل صرح بالنهي وساق الكلام له أولاً وبالذات إيذاناً بشدة الحظر . والمراد من الأكل الأخذ ، وعبر به عنه لما أنه معظم ما يقصد به ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع ، وقد تقدم الكلام في الربا .
{ أضعافا مضاعفة } حال من الربا والأضعاف جمع ضعف وضعف الشيء مثله ، وضعفاه مثلاه ، وأضعافه أمثاله ، وقال بعض المحققين : الضعف اسم ما يضعف الشيء كالثنى اسم ما يثنيه من ضعفت الشيء بالتخفيف فهو مضعوف على ما نقله الراغب بمعنى ضعفته ، وهو اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر فأكثر ، والنظر فيه إلى فوق بخلاف الزوج فإن النظر فيه إلى ما دونه فإذا قيل : ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أول مراتب تضعيفها ، ولو قال : له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل : هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار ، وعلى هذا له ضعفا درهم منزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناءاً على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه وضعفيه ثلاثة أمثاله ، بل ذلك لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور . وهذا مغزى الفقهاء في الأقارير والوصايا ، ومن البين أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة أمثال وليس مبناه العرف العامي بل الموضوع اللغوي كما قال الأزهري .

(3/211)


ومن هنا ظهر أنه لو قال : له عليَّ الضعفان درهم ودرهم أو الضعفان من الدراهم لم يلزم إلا درهمان كما لو قال الأخوان ، ثم قال والحاصل أن تضعيف الشيء ضم عدد آخر إليه وقد يزاد وقد ينظر إلى أول مراتبه لأنه المتيقن ، ثم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذاً معه فيكون ضعفاه ثلاثة وقد لا يكون فيكون اثنين وهذا كله موضوع له في اللغة لا العرف ، وليس هذه الحال لتقييد المنهي عنه ليكون أصل الربا غير منهي بل لمراعاة الواقع ، فقد روى غير واحد أنه كان الرجل يربي إلى أجل فإذا حل قال للمدين : زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل وهكذا عند ( محل ) كل أجل فيستغرق بالشيء الطفيف ماله بالكلية فنهوا عن ذلك ونزلت الآية ، وقرىء مضعفة بلا ألف مع تشديد العين .
{ واتقوا الله } أي فيما نهيتم عنه ومن جملته أكل الربا { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تفلحوا أو راجين الفلاح ، فالجملة حينئذٍ في موضع الحال قيل : ولا يخفى أن اقتران الرجاء بالتخويف يفيد أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف فهما جناحاه اللذان يطير بهما إلى حضائر القدس .

(3/212)


وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)

{ واتقوا النار } أي احترزوا عن متابعة المرابين وتعاطي ما يتعاطونه من أكل الربا المفضي إلى دخول النار { التى أُعِدَّتْ } أي هيئت { للكافرين } وهي الطبقة التي اشتد حرها وتضاعف عذابها وهي غير النار التي يدخلها عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنها دون ذلك ، وفيه إشارة إلى أن أكلة الربا على شفا حفرة الكفرة ، ويحتمل أن يقال : إن النار مطلقاً مخلوقة للكافرين معدّة لهم أوّلاً وبالذات ، وغيرهم يدخلها على وجه التبع فالصفة ليست للتخصيص ، وإلى هذا ذهب الجل من العلماء ، روي عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول : إن هذه الآية هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله تعالى المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه وليس بنص في التخصيص .

(3/213)


وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)

{ وَأَطِيعُواْ الله } في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه فلا يتكرر مع الأمر بالتقوى السابق { والرسول } أي الذي شرع لكم الدين وبلغكم الرسالة فإن طاعته طاعة الله تعالى . { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي لكي تنالوا رحمة الله تعالى أو راجين رحمته ، وعقب الوعيد بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة ، قال محمد بن إسحق : هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم في أحد ولعلهم الرماة الذين فارقوا المركز .

(3/214)


وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)

{ وَسَارِعُواْ } عطف على { أَطِيعُواْ } [ آل عمران : 132 ] أو { اتقوا } [ آل عمران : 131 ] . وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على وجه الاستئناف وهي قراءة أهل المدينة والشام ، والقراءة المشهورة قراءة أهل مكة والعراق أي بادروا وسابقوا ، وقرىء بالأخير { إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } أي أسبابهما من الأعمال الصالحة ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه سارعوا إلى أداء الفرائض ، وعن ابن عباس إلى الإسلام ، وعن أبي العالية إلى الهجرة ، وعن أنس بن مالك إلى التكبيرة الأولى ، وعن سعيد بن جبير إلى أداء الطاعات ، وعن يمان إلى الصلوات الخمس؛ وعن الضحاك إلى الجهاد ، وعن عكرمة إلى التوبة ، والظاهر العموم ويدخل فيه سائر الأنواع ، وتقديم المغفرة على الجنة لما أن التخلية مقدمة على التحلية ، وقيل : لأنها كالسبب لدخول الجنة ، و { مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع نعتاً لمغفرة والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار مزيد اللطف بهم ووصف المغفرة بكونها من الرب دون الجنة تعظيماً لأمرها وتنويهاً بشأنها وسبب نزول الآية على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبي رباح «أن المسلمين قالوا : يا رسول الله بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منا كانوا إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة داره اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا فسكت صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآيات إلى قوله تعالى : { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } [ آل عمران : 135 ] الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم2 .
والتنوين في { مَغْفِرَةٍ } للتعظيم ويؤيده الوصف ، وكذا في { جَنَّةُ } ويؤيده أيضاً وصفها بقوله سبحانه : { عَرْضُهَا السماوات والارض } والمراد كعرض السموات والأرض فهو على حد قوله :
حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق
فإنه أراد كصوت عناق ، والعرض أقصر الامتدادين ، وفي ذكره دون ذكر الطول مبالغة ، وزاد في المبالغة بحذف أداة التشبيه وتقدير المضاف فليس المقصود تحديد عرضها حتى يمتنع كونها في السماء بل الكلام كناية عن غاية السعة بما هو في تصور السامعين ، والعرب كثيراً ما تصف الشيء بالعرض إذا أرادوا وصفه بالسعة ، ومنه قولهم : أعرض في المكارم إذا توسع فيها ، والمراد من السموات والأرض السموات السبع والأرضون السبع ، فعن ابن عباس من طريق السدّي أنه قال : تقرن السموات السبع والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها ببعض فذاك عرض الجنة ، والأكثرون على أنها فوق السموات السبع تحت العرش وهو المروي عن أنس بن مالك ، وقيل : إنها في السماء الرابعة وإليه ذهب جماعة ، وقيل : إنها خارجة عن هذا العالم حيث شاء الله تعالى ، ومعنى كونها في السماء أنها في جهة العلو ولا مانع عندنا أن يخلق الله تعالى في العلو أمثال السموات والأرض بأضعاف مضاعفة ولا ينافي هذا خبر أنها في السماء الرابعة إن صح ، ولا ما حكي عن الأكثر لأن ذلك مثل قولك : في الدار بستان إذا كان له باب منها يشرع إليه مثلاً فإنه لا ينافي خروج البستان عنها ، وعلى هذا التأويل لا ينافي الخبر أيضاً كون عرض الجنة كعرض السموات والأرض من غير حاجة إلى القول بأنه ليس المراد من السموات السموات السبع كما قيل به .

(3/215)


ومن الناس من ذهب إلى أنها في السماء تحت العرش أو الرابعة إلا أن هذا العرض إنما يكون يوم القيامة حيث يزيد الله تعالى فيها ما يزيد . وحكي ذلك عن أبي بكر أحمد بن علي قيل : وبذلك يدفع السؤال بأنه إذا كان عرض الجنة كعرض السموات والأرض فأين تكون النار؟ ووجه الدفع أن ذلك يوم القيامة ، وأما الآن فهي دون ذلك بكثير ، ويوم يثبت لها ذلك لا تكون فيه السموات والأرض كهذه السموات والأرض المشبه بعرضهما عرضها ، ولا يخفى أن القول بالزيادة في السعة يوم القيامة وإن سلم إلا أن كونها اليوم دون هذه السموات والأرض بكثير في حيز المنع ولا يكاد يقبل ، والسؤال المذكور أجاب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير ذلك . فقد أخرج ابن جرير عن التنوخي رسول هرقل قال : «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل وفيه : إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ ولعل المقصود من الجواب إسقاط المسألة وبيان أن القادر على أن يذهب الليل حيث شاء قادر على أن يخلق النار حيث شاء ، وإلى ذلك يشير خبر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرض ههنا ليس مقابل الطول بل هو من قولك عرضت المتاع للبيع ، والمعنى أن ثمنها لو بيعت كثمن السموات والأرض ، والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة قدرها وأنه لا يساويها شيء وإن عظم ، فالعرض بمعنى ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع وربما يستغنى على هذا عن تقدير ذلك المضاف ، ولا يخفى أنه على ما فيه من البعد خلاف المأثور عن السلف الصالح من أن المراد وصفها بأنها واسعة .
{ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } أي هيئت للمطيعين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإنما أضيفت إليهم للإيذان بأنهم المقصودون بالذات وإن دخول غيرهم كعصاة المؤمنين والأطفال والمجانين بطريق التبع وإذا حملت التقوى في غير هذا الموضع ، وأما فيه فبعيد على التقوى عن الشرك لا ما يعمه وسائر المحرمات لم نستغن عن هذا القول أيضاً لأن المجانين مثلاً لا يتصفون بالتقوى حقيقة ولو كانت عن الشرك كما لا يخفى .

(3/216)


وجوز أن يكون هناك جنات متفاوتة وأن هذه الجنة للمتقين الموصوفين بهذه الصفات لا يشاركهم فيها غيرهم لا بالذات ولا بالتبع ولعلها الفردوس المصرح بها في قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس » وفيه تأمل .
والآية ظاهرة في أن الجنة مخلوقة الآن كما يدل عليه الفعل الماضي ، وجعله من باب { وَنُفِخَ فِى الصور } [ الكهف : 99 ] خلاف الظاهر ولا داعي إليه كما بين في محله ، ومثل ذلك { أُعِدَّتْ } [ البقرة : 24 ] السابق في حق النار ، وأما دلالة الآية على أن الجنة خارجة عن هذا العالم بناءاً على أنها تقتضي أن الجنة أعظم منه فلا يمكن أن يكون محيطاً بها ففيه نظر كما يرشدك إليه النظر فيما تقدم . والجملة في موضع جر على أنها صفة لجنة ، وجوز أن تكون في موضع نصب على الحالية منها لأنها قد وصفت ، وجوز أيضاً أن تكون مستأنفة قال أبو البقاء : ولا يجوز أن تكون حالاً من المضاف إليه لثلاثة أمور : أحدها : أنه لا عمل له وما جاء من ذلك متأول على ضعفه . والثاني : أن العرض هنا لا يراد به المصدر الحقيقي بل المسافة ، والثالث : أن ذلك يلزم منه الفصل بين الحال وصاحبها .

(3/217)


الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

{ الذين يُنفِقُونَ } في محل الجرّ على أنه نعت للمتقين مادح لهم ، وقيل : مخصص أو بدل أو بيان أو في محل نصب على إضمار الفعل أو رفع على إضمار هم ومفعول { يُنفِقُونَ } محذوف ليتناول كل ما يصلح للإنفاق المحمود أو متروك بالكلية كما في قولهم : فلان يعطي ( ويمنع ) . { فِى السَّرَّاء والضراء } أي في اليسر والعسر قاله ابن عباس؛ وقيل : في حال السرور والاغتمام ، وقيل : في الحياة وبعد الموت بأن يوصي ، وقيل : فيما يسر كالنفقة على الولد والقريب وفيما يضر كالنفقة على الأعداء ، وقيل : في ضيافة الغني والإهداء إليه وفيما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم ، وأصل السراء الحالة التي تسر والضراء الحالة التي تضر ، والمتبادر ما قاله الحبر ، والمراد إما ظاهرهما أو التعميم كما عهد في أمثاله أي أنهم لا يخلون في حال مّا بإنفاق ما قدروا عليه من كثير أو قليل وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تصدقت بحبة عنب ، وعن بعض السلف أنه تصدق ببصلة ، وفي الخبر « اتقوا النار ولو بشق تمرة ، ورودوا السائل ولو بظلف محرق » ؛
{ والكاظمين الغيظ } أصل الكظم شدّ رأس القربة عند امتلائها ، ويقال : فلان كظيم أي ممتلىء حزناً ، والغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر ، والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل : إن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة ، ولا كذلك الغيظ ، وقيل : الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار والغيظ ليس كذلك ، وقيل : هما متلازمان إلا أن الغضب يصح إسناده إلى الله تعالى والغيظ لا يصح فيه ذلك . والمراد والمتجرعين للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم ولا يبدون له ما يكره بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الانفاذ والانتقام وهذا هو الممدوح ، فقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أبي هريرة مرفوعاً « من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله تعالى قلبه أمناً وإيماناً » وأخرج أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق حتى يخيره الله تعالى من أي الحور شاء » وفي الأول : جزاء من جنس العمل ، وفي الثاني : ما هو من توابعه ، وهذا الوصف معطوف على ما قبله والعدول إلى صيغة الفاعل هنا للدلالة على الاستمرار ، وأما الانفاق فحيث كان أمراً متجدداً عبر عنه بما يفيد التجدد والحدوث .
{ والعافين عَنِ الناس } أي المتجاوزين عن عقوبة من استحقوا مؤاخذته إذا لم يكن في ذلك إخلال بالدين ، وقيل : عن المملوكين إذا أساءوا ، والعموم أولى .

(3/218)


أخرج ابن جريرعن الحسن " أن الله تعالى يقول يوم القيامة : ليقم من كان له على الله تعالى أجر فلا يقوم إلا إنسان عفا " ، وأخرج الطبراني عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه " / وأخرج الديلمي في «مسند الفردوس» عن أنس بن مالك في الآية : «إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله تعالى وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت2 .
والاستثناء منقطع إن كانت القلة على ظاهرها ومتصل إن كانت بمعنى العدم ، وكون بعض الخصائص كثيراً في الأمم السابقة لا يقتضي تفضيلهم على هذه الأمة من كل الوجوه ومن ظن ذلك تكلف في توجيه الحديث بأن المراد أن الكاظمين الغيظ في أمتي قليل إلا بعصمة الله تعالى لغلبة الغيظ عليهم ، وقد كانوا كثيراً من الأمم السالفة لقلة حميتهم ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم قليلاً ولما تمرنت هذه الأمة في الغضب لله تعالى والتزموا الاجتناب عن المداهنة صار إنفاذ الغيظ عادتهم فلا يكظمون إذا ابتلوا إلا بعصمة الله تعالى ، فالقليل في الخبر هم الذين يكظمون لقلة الحمية وهم الكثيرون في الأمم السالفة فلا اختصاص لهم بمزية ليتوهم تفضيلهم على هذه الأمة ولو من بعض الوجوه ، ولا يخفى أن هذا التوجيه مما تأباه الإشارة والعبارة ، وأحسن منه بل لا نسبة أن الكثرة نظراً إلى مجموع الأمم لا بالنسبة إلى كل أمة أمة ولا يضر قلة وجود الموصوفين بتلك الصفة فينا بالنظر إلى مجموع الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأمة بأسرها قليلة بالنظر إلى مجموع الأمم فضلاً عن خيارها فتدبر ، وفي ذكر هذين الوصفين كما قال بعض المحققين : إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وندب له عليه الصلاة والسلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي الله تعالى عنه حتى قال حين رآه قد مثل به «لأمثلن بسبعين مكانك» ولعل التعبير هنا بصيغة الفاعل أيضاً دون الفعل لأن العفو أشبه بالكظم منه بالانفاق .
{ والله يُحِبُّ المحسنين } تذييل لمضمون ما قبله وأل إما للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياً وإما للعهد عبر عنهم بالمحسنين على ما قيل : إيذاناً بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ويمكن أن يقال : الإحسان هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن وجوه القبح ، وعبر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون إلى الغير لا في الانفاق فقط .

(3/219)


ومما يؤيد كون الإحسان هنا بمعنى الإنعام ما أخرجه البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الابريق من يدها فشجه فرفع رأسه إليها فقالت : إن الله تعالى يقول : { والكاظمين الغيظ } فقال لها : قد كظمت غيظي قالت : { والعافين عَنِ الناس } قال : قد عفا الله تعالى عنك قالت : { والله يُحِبُّ المحسنين } قال : اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى ، ورجح بعضهم العهد على الجنس بأنه أدخل في المدح وأنسب بذكره قبل .

(3/220)


وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)

قوله تعالى : { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } من تتمة ما نزل حين قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : «بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منا» الخ على ما أشرنا إليه فيما تقدم ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حال بني إسرائيل فنزلت هذه الآية ولم يذكر صدر الآية . وفي رواية الكلبي «أن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فكانا لا يفترقان فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته فكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحيا فأدبر راجعاً فقالت : سبحان الله تعالى خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصل إلى حاجتك قال : وندم على صنيعه فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول : رب ذنبي ذنبي قد خنت أخي فقال له : قم يا فلان فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجاً وتوبة فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه السلام بتوبته فتلا { والذين إِذَا فَعَلُواْ } إلى قوله سبحانه وتعالى : { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ آل عمران : 136 ] فقال عمر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله ألهذا الرجل خاصة أم للناس عامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام : بل للناس عامة2 .
وفي رواية عطاء عن ابن عباس أن تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية . وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدد سبب النزول وأياً مّا كان فباطلاق اللفظ ينتظم ما فعله الرماة انتظاماً أولياً ، وأخرج الترمذي عن عطاف بن خالد أنه قال : بلغني أنها لما نزلت صاح إبليس بجنوده وحثا على رأسه التراب ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر فقالوا : ما لك يا سيدنا قال : آية نزلت في كتاب الله لا يضر بعدها أحداً من بني آدم ذنب قالوا : وما هي؟ فأخبرهم قالوا : نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق فرضي منهم بذلك ، والموصول إما مفصول عما قبله على أنه مبتدأ ، وقيل : إنه معطوف على ما قبله من صفات المتقين ، وقوله سبحانه :

(3/221)


{ والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] اعتراض بينهما مشير إلى ما بينهما من التفاوت فإن درجة الأولين من التقوى أعلى وحظهم أوفى ، أو على ( نفس ) المتقين فيكون التفاوت أظهر وأكثر ، والفاحشة الكبائر ، وظلم النفس الصغائر قاله القاضي عبد الجبار الهمداني ، وقيل : الفاحشة المعصية الفعلية ، وظلم النفس المعصية القولية ، وقيل : الفاحشة ما يتعدى ، ومنه إفشاء الذنب لأنه سبب اجتراء الناس عليه ووقوعهم فيه وظلم النفس ما ليس كذلك ، وقيل : الفاحشة كل ما يشتد قبحه من المعاصي والذنوب وتقال لكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال ، وكثيراً ما ترد بمعنى الزنا ، وأصل الفحش مجاوزة الحدّ في السوء ومنه قول طرفة :
عقيلة مال الفاحش المتشدد ... يعني الذي جاوز الحد في البخل فلعل المراد منها هنا المعصية البالغة في القبح ، والظلم الذنب مطلقاً وذكره بعدها من ذكر العام بعد الخاص ، و { أَوْ } على الوجوه للتنويع ولا يرد أنه على بعض الوجوه الترديد بين الخاص والعام وقد توقف في قبوله لأنهم قالوا : إن هذا ترديد بين فرقتين من يستغفر للفاحشة ومن يستغفر لأي ذنب صدر عنه وكم بينهما .
وجواب { إِذَا } قوله تعالى شأنه : { ذَكَرُواْ الله } أي تذكروا حقه العظيم ووعيده ، أو ذكروا العرض عليه ، أو سؤاله عن الذنب يوم القيامة أو نهيه أو غفرانه وقيل : ذكروا جماله فاستحيوا وجلاله فهابوا ، وقيل : ذكروا ذاته المقدسة عن جميع القبائح وأحبوا التقرب إليه بالمناسبة له بالتطهير من الذمائم ، وعلى كل تقدير ليس المراد مجرد ذكر اسمه عز اسمه { فاستغفروا } أي طلبوا المغفرة منه تعالى . { لِذُنُوبِهِمْ } كيفما كانت ومفعول { فاستغفروا } محذوف لفهم المعنى أي استغفروه ، وليس المراد مجرد طلب المغفرة بل مع التوبة وإلا فطلب المغفرة مع الإصرار كالإستهزاء بالرب جل شأنه ، ومن هنا قالت رابعة العدوية : استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار .
{ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } اعتراض بين المعطوفين أو بين الحال وذيها ، والتركيب على ما أفاده بعض المحققين يدل على أمور من جهة الله تعالى وأمور من جهة العبد . أما الأول : فعلى وجوه : أحدها دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه المقام من معنى الغفران الواسع وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار بأن لم يقل وما يغفر الذنوب إلا الله تقرير لذلك المعنى وتأكيد له كأنه قيل : هل تعرفون أحداً يقدر على غفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها سالفها وغابرها غير من وسعت رحمته كل شيء؟ وثانيها : تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقرّه لأنه اعتراض بين المبتدأ وهو الذين والخبر الآتي ، ثم بين المعطوف والمعطوف عليه أو الحال وصاحبه للدلالة على شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كلما وجد الاستغفار لم يتخلف الغفران ، وثالثها : الاتيان بالجمع المحلى باللام إعلاماً بأن التائب إذا تقدم بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له ، ورابعها : دلالة النفي بالحصر والإثبات على أنه لا مفزع للمذنبين إلا كرمه وفضله ، وذلك أن من وسعت رحمته كل شيء لا يشاركه أحد في نشرها كرماً وفضلاً ، وخامسها : إسناد غفران الذنوب إلى نفسه سبحانه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود الاستغفار وتنصل عبيده يدل على تحقق ذلك قطعاً إما بحسب الوعد كما نقول ، أو بحسب العدل كما يزعمه المعتزلة .

(3/222)


وأما الثاني : ففيه وجوه أيضاً : الأول : إن في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارة عظيمة وتطييباً للنفوس ، والثاني : أن العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة يتحرك نشاطه ويهتز عطفه فلا يتقاعد عنها ، والثالث : أن في ضمن معنى الاستغراق قلع اليأس والقنوط ولهذا علل سبحانه النهي في قوله تعالى : { لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } بقوله جل شأنه : { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] والرابع : أنه أطلقت الذنوب وعمت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران فإن الذنوب وإن كبرت فعفو الله تعالى أكبر ، والخامس : أن الاسم الجامع في التركيب كما دل على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضاً مع إرادة الحصر على أنه تعالى وحده معه مصححات المغفرة من كونه عزيزاً ليس فوقه أحد فيرد عليه حكمه وكونه حكيماً يغفر لمن تقتضي حكمته غفرانه . وقد التزم بعضهم كون أل في { الذنوب } للجنس لتفيد الآية امتناع صدور مغفرة فرد منها من غيره تعالى ، وهذا على ظنه لا تفيده الآية على تقدير إرادة كل الذنوب وحينئد يزداد أمر المبالغة ، وأما جعل الجملة حالية بتقدير قائلين ذلك فتعسف يذهب بكثير من هذه الوجوه اللطيفة كما لا يخفي ، و { مِنْ } مبتدأ و { يَغْفِرُ } خبره والاسم الجليل بدل من المستكن في { يَغْفِرُ } أو فاعل له .
{ وَلَمْ يُصِرُّواْ مَا فَعَلُواْ } عطف على { فاستغفروا } أو حال من فاعله أي لم يقيموا أو غير مقيمين على الذي فعلوه من الذنوب فاحشة كانت أو ظلماً أو على فعلهم ، وأصل الإصرار الشد من الصر ، وقيل : الثبات على الشيء ، ومنه قوله الحطيئة يصف الخيل :
عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا ... غلالتها بالمحصدات ( أصرت )
ويستعمل شرعاً بمعنى الإقامة على القبيح غير استغفار ورجوع بالتوبة ، والظاهر أنه لا يصح إرادة هذا المعنى هنا لئلا يتكرر ما في المفهوم مع ما في المنطوق ، فلعله فيه بمعنى الإقامة ، وإذا حمل الاستغفار على مجرد طلب المغفرة فقط كان هذا مشيراً للتوبة التي هي ملاك الأمر إلا أنه قدم الاستغفار لأنه دال عليها في الظاهر ، وإذا حمل على الحال الذي ينضم إليه التوبة كان هذا تصريحاً ببعض ما أريد منه إشارة إلى الاعتناء به كما قالوا في ذكر الخاص بعد العام ، أخرج البيهقي عن ابن عباس موقوفاً

(3/223)


" كل ذنب أصر عليه العبد كبير وليس بكبير ما تاب منه العبد " وأخرج أحمد والبخاري في «الأدب المفرد» عن ابن عمر مرفوعاً " ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين "
{ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قيل : الجملة حال من ضمير استغفروا وفيه بعد لفظي ، والمشهور أنها حال من ضمير أصروا ومفعول { يَعْلَمُونَ } محذوف أي يعلمون قبح فعلهم ، وقد ذكر أن الحال بعد الفعل المنفي وكذا جميع القيود قد يكون راجعاً إلى النفي قيداً له دون المنفي مثل ما جئتك مشتغلاً بأمورك بمعنى تركت المجيء مشتغلاً بذلك ، وقد يكون راجعاً إلى ما دخله النفي مثل ما جئتك راكباً ، ولهذا معنيان : أحدهما : و هو الأكثر أن يكون النفي راجعاً إلى القيد فقط ويثبت أصل الفعل فيكون المعنى جئت غير راكب ، وثانيهما : أن يقصد نفي الفعل والقيد معاً بمعنى انتفاء كل من الأمرين فالمعنى في المثال لا مجيء ولا ركوب ، وقد يكون النفي متوجهاً للفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته . قيل : وهذه الآية لا يصح فيها أن يكون { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قيداً للنفي لعدم الفائدة لأن ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل بل مع الجهل أولى ولايصح أيضاً فيها أن يتوجه النفي إلى القيد فقط مع إثبات أصل الفعل إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم ، وكذا لا يصح توجهه إلى الفعل والقيد معاً إذ ليس المعنى على نفي العلم ، والظاهر أن المناسب فيها توجهه إلى الفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته ، والمراد لم يصروا عالمين بمعنى أن عدم الإصرار متحقق ألبتة . ولك أن تقول : لم لا يجوز أن يكون الحال هنا قيداً للنفي ويكون المعنى تركوا الإصرار على الذنب لعلمهم بأن الذنب قبيح فإن الحال قد يجيء في معرض التعليل . وحديث إن ترك الاصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل فلا دخل لمضمون الحال في إيجاب الأجر مجاب عنه بأنه ليس المقصود من ذكر الحال تقييد الإصرار بها لإيجاب الأجر حتى يرد عليه ما ذكر بل المراد مدحهم بأن تركهم الإصرار على الذنب لأجل أن فيهم ما هو زاجر عنه وهو علمهم بقبح الذنب فيكون مدحاً لهم بأن من صفاتهم التحرز عن القبائح ، وادعى بعض المتأخرين تعين كون الحال قيداً للمنفي وأن النفي راجع إلى القيد ، والمعنى لم يكن لهم الإصرار مع العلم بقبح الجزاء لأن المصر مع عدم العلم بالقبح لا يحرم الجزاء وغير المصر لكسالة أو لعدم ميل الطبع لا يبلغه لأن الجزاء على الكف لا على العدم وإلا لكان لكل أحد أجزية لا تتناهى لعدم فعل قبائح لا تتناهى لم تخطر بباله ، ولا يخفى ما في قوله : «وغير المصر» الخ ، وقوله : «لأن الجزاء» الخ من النظر ، وكأن من جعله حالا من ضمير استغفروا أراد الفرار من هذه الدغدغة ، وأنا أقول : إن الحال قيد للنفي ومتعلق العلم وليس هو القبح بل إنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب ، وهو المروي عن مجاهد كما أخرجه جماعة عنه ، وحكي عن الضحاك أيضاً والمعنى أنهم تركوا الإقامة على الذنب عالمين بأن الله تعالى يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم ، وهو إيذان بأنهم لا ييأسون من روح الله سبحانه ولا يرد على هذا دعوى عدم الفائدة كما أورد أولا إذ من المعلوم الذي لا شبهة أولاً فيه أن ترك الإصرار إنما يوجب الأجر إذا لم يكن معه يأس فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، ولعل مدحهم بأنهم يعلمون ذلك أولى من مدحهم بأنهم يعلمون قبح الفعل ، وربما يقال : إن الجملة سيقت معترضة لذلك كما سيقت كذلك جملة { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } لما سيقت له ، وأما جعلها معطوفة على جملة لم يصروا ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح استقلالاً فليس بالذي تميل النفس إليه .

(3/224)


أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)

{ *أولااك } إشارة إلى المذكورين أخيراً باعتبار اتصافهم بما تقدم من الصفات الحميدة ، والبعد للإشعار ببعد منزلتهم في الفضل ، وإلى هذا ذهب المعظم ، وقيل : هو إشارة إلى المذكورين وهم طائفة واحدة ، وهو مبتدأ وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ } بدل اشتمال منه أو مبتدأ ثان ، وقوله تعالى : { مَغْفِرَةٍ } خبر { أولئك } أو خبر المبتدأ الثاني ، والجملة خبر الأول ، وهذه الجملة خبر { والذين إِذَا فَعَلُواْ } [ آل عمران : 135 ] الخ على الوجه الأول ، وادعى مولانا شيخ الإسلام «أنه الأظهر الأنسب بنظم المغفرة المنبئة عن سابقة الذنب في سلك الجزاء إذ على الوجهين الأخيرين { أولئك } الخ جملة مستأنفة مبينة لما قبلها كاشفة عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ولم يذكر ما هو من أوصاف الأولين ما فيه شائبة الذنب حتى يذكر في مطلع الجزاء الشامل لهما المغفرة ، وتخصيص الإشارة بالأخيرين مع اشتراكهما في حكم إعداد الجنة لهما تعسف ظاهر» انتهى .
والذي يشعر به ظاهر ما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه قرأ : { الذين يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء والضراء } [ آل عمران : 134 ] الآية ثم قرأ { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } [ آل عمران : 135 ] الآية فقال : إن هذين النعتين لنعت رجل واحد أحد الوجهين الأخيرين اللذين أشار إليهما بل الأول منهما ، وتكون هذه الإشارة كما قال صاحب القيل ، وهذه المغفرة هي المغفرة التي أمر جميع المؤمنين من له ذنب ومن لا ذنب له منهم بالمسارعة إلى ما يؤدي إليها فلا يضر وقوعها في مطلع الجزاء .
{ مّن رَّبّهِمُ } متعلق بمحذوف وقع صفة للمغفرة مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي مغفرة عظيمة كائنة من جهته تعالى ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم للاشعار بعلة الحكم مع التشريف { وجنات * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار } عطف على مغفرة والمراد بها جنات في ضمن تلك الجنة التي أخبر سبحانه أن عرضها السموات والأرض وليس جنات وراءها على ما يقتضيه كلام صاحب القيل إلا أنه لم يكتف بإعداد ما وصف أولاً تنصيصاً على وصفها باشتمالها على ما يزيدها بهجة من الأنهار الجارية بعد وصفها بالسعة والإخبار بأنها جزاؤهم وأجرهم الذي لا بد بمقتضى الفضل أن يصل إليهم ، وهذا فوق الاخبار بالإعداد أو مؤكد له فالتنوين للتعظيم على طرز ما ذكر في المعطوف عليه ، وادعى شيخ الإسلام أن التنكير يشعر بكونها أدنى من الجنة السابقة ، وإن ذلك مما يؤيد رجحان الوجه الأول الذي أشار إليه وفيه تردد { خالدين فِيهَا } حال مقدرة من الضمير المجرور في جزاؤهم لأنه مفعول به معنى إذ هو في قوة يجزيهم الله جنات خالدين فيها ، ولا مساغ لأن يكون حالاً من ( جنات ) في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لأبرز الضمير على ما عليه الجمهور .

(3/225)


{ وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المخصوص بالمدح محذوف أي وَنِعمَ أجر العاملين الجنة ، وعلى ذلك اقتصر مقاتل ، وذهب غير واحد أنه ذلك أي ما ذكر من المغفرة والجنات . / وفي الجملة على ما نص عليه بعض المحققين وجوه من المحسنات : أحدها : أنها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد ، وثانيها : في إقامة الأجر موضع ضمير الجزاء لأن الأصل ونعم هو أي جزاؤهم إيجاب إنجاز هذا الوعد وتصوير صورة العمل في العمالة تنشيطاً للعامل ، وثالثها : في تعميم العاملين وإقامته مقام الضمير الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني .
والمراد من الكلام السابق الذي جعل هذا كالتذييل له إما الكلام الذي في شأن التائبين ، أو جميع الكلام السابق على الخلاف الذي ذكرناه آنفاً ، ومن ذهب إلى الأول قال : وكفاك في الفرق بين القبيلين وهما المتقون الذين أتوا بالواجبات بأسرها واجتنبوا المعاصي برمتها ، والمستغفرون لذنوبهم بعدما أذنبوا وارتكبوا الفواحش والظلم أنه تعالى فصل آية الأولين بقوله سبحانه وتعالى : { والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] المشعر بأنهم محسنون محبوبون عند الله تعالى ، وفصل آية الآخرين بقوله جلَّ وعلا : { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المشعر بأن هؤلاء أجراء وأن ما أعطوا من الأجر جزاء لتداركهم بعض ما فوتوه على أنفسهم ، وأين هذا من ذاك؟ وبعيد ما بين السمك والسماك ، ولا يخفى أنه على تقدير كون النعتين نعت رجل واحد كما حكي عن الحسن يمكن أن يقال : إن ذكر هذه الجملة عقيب تلك لما ذكره بعض المحققين وأي مانع من الإخبار بأنهم محبوبون عند الله تعالى وأن الله تعالى منجز ما وعدهم به ولا بدّ ، وكونهم إذا أذنبوا استغفروا وتابوا لا ينافي كونهم محسنين أما إذا أريد من الإحسان الإنعام على الغير فظاهر ، وأما إذا أريد به الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق أو أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك كما صرح به في الصحيح فلأن ذلك لو نافى لزم أن لا يصدق المحسن إلا على نحو المعصوم ولا يصدق على من عبد الله تعالى وأطاعه مدة مديدة على أليق وجه وأحسنه ثم عصاه لحظة فندم أشد الندم واستغفر سيد الاستغفار؛ ولا أظن أحداً يقول بذلك فتدبر .
ثم إن في هذه الآيات على ما ذهب إليه المعظم دلالة على أن المؤمنين ثلاث طبقات ، متقين وتائبين ومصرين ، وعلى أن غير المصرين تغفر ذنوبهم ويدخلون الجنة ، وأما أنها تدل على أن المصرين لا تغفر ذنوبهم ولا يدخلون الجنة كما زعمه البعض فلا؟ لأن السكوت عن الحكم ليس بياناً لحكمهم عند بعض ودالّ على المخالفة عند آخرين وكفى في تحققها أنهم مترددون بين الخوف والرجاء وأنهم لا يخلون عن تعنيف أقله تعييرهم بما أذنبوه مفصلا ويا له من فضيحة وهذا ما لا بد منه على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وحينئذ لم يتم لهم المغفرة الكاملة كما للتائبين على أن مقتضى ما في الآيات أن الجنة لا تكون جزاء للمصر؛ وكذلك المغفرة أما نفي التفضل بهما فلا ، وهذا على أصل المعتزلة واضح للفرق بين الجزاء والتفضل وجوباً وعدم وجوب ، وأما على أصل أهل السنة فكذلك لأن التفضل قسمان : قسم مترتب على العمل ترتب الشبع على الأكل يسمى أجراً وجزاءاً وقسم لا يترتب على العمل فمنه ما هو تتميم للأجر كماً أو كيفاً كما وعده من الاضعاف وغير ذلك ، ومنه ما هو محض التفضل حقيقة واسماً كالعفو عن أصحاب الكبائر ورؤية الله تعالى في دار القرار وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى قاله بعض المحققين ، وذكر العلامة الطيبي أن قوله تعالى :

(3/226)


{ واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } [ آل عمران : 131 ] وردت خطاباً لآكلي الربا من المؤمنين وردعاً لهم عن الإصرار على ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين وتحريضاً على التوبة والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين من المتقين والتائبين ، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا زجر ولا ترهيب فبين بالآيات معنى المتقين للترغيب والترهيب ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثاً لهم على الانخراط في سلكهم ولا بدّ من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفاً لهؤلاء وجميع الفوائد التي ذكرت في قوله سبحانه وتعالى : { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } [ آل عمران : 135 ] تدخل في المعنى ، فعلم من هذا أن دلالة { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } [ آل عمران : 135 ] مهجورة لأن مقام التحريض والحث أخرج المصرين ، والحاصل أن شرط دلالة المفهوم هنا منتف فلا يصح الاحتجاج بذلك للمعتزلة أصلاً .

(3/227)


قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)

{ قَدْ خَلَتْ } أي مضت { مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } أي وقائع في الأمم المكذبة أجراها الله تعالى حسب عادته ، وقال المفضل : إن المراد بها الأمم ، وقد جاءت السنة بمعنى الأمة في كلامهم ، ومنه قوله :
ما عاين الناس من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السنن
وقال عطاء : المراد بها الشرائع والأديان ، فالمعنى قد مضت من قبلكم سنن وأديان نسخت ، ولا يخفى أن الأول أنسب بالمقام لأن هذا إما مساق لحمل المكلفين أو آكلي الربا على فعل الطاعة أو على التوبة من المعصية أو على كليهما بنوع غير ما سبق كما قيل وإما عود إلى تفصيل بقية القصة بعد تمهيد مبادي الرشد والصلاح وترتيب مقدمات الفوز والفلاح على رأي ، وذكر مضي الأديان ليس له كثير ارتباط بذلك ، وإن زعم بعضهم أن فيه تثبيتاً للمؤمنين على دين النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يهنوا بقول اليهود أن دين موسى عليه السلام لا ينسخ ولا يجوز النسخ على الله تعالى لأنه بداء وتحريضاً لليهود وحثاً على قبول دين الإسلام وإنذاراً لهم من أن يقع عليهم مثل ما وقع على المكذبين وتقوية لقلوب المؤمنين بأنه سينصرهم على المكذبين ، نعم إطلاق السنة على الشريعة أقرب من إطلاقها على الوقعة لأنها في الأصل الطريقة والعادة ، ومنه قولهم : سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، والجار والمجرور إما متعلق بخلت أو بمحذوف وقع حالاً من { سُنَنَ } أي سنن كائنة من قبلكم .
{ فَسِيرُواْ فِى الارض } أي بأقدامكم أو بأفهامكم { فانظروا } أي تأملوا . { كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } أي آخر أمرهم الذي أدى إليه تكذيبهم لأنبيائهم ، والفاء للإيذان بسببية الخلو للسير والنظر أو الأمر بهما ، وقيل : المعنى على الشرط أي إن شككتم فسيروا الخ ، والخطاب على كل تقدير مساق للمؤمنين ، وقال النقاش : للكفار وفيه بعد و { كَيْفَ } خبر مقدم لكان معلق لفعل النظر ، والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض لأن الأصل استعماله بالجار وتجريد الفعل عن تاء التأنيث لأن المرفوع مجازي التأنيث .

(3/228)


هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)

الإشارة إما إلى القرآن وهو المروي عن الحسن وقتادة وخدش بأنه بعيد عن السياق وإما إلى ما لخص من أمر الكفار والمتقين والتائبين ، وقوله سبحانه : { قَدْ خَلَتْ } [ آل عمران : 137 ] الآية اعتراض للبعث على الإيمان والتقوى والتوبة كما قيل ووجه الاعتراض لدفع الاعتراض بأن المعترضة مؤكدة للمعترض فيه وهنا ليس كذلك بأن تلك الآيات واردة على سبيل الترغيب والترهيب لآكلي الربا وهذه الآية دلت على الترهيب ومعناه راجع إلى الترغيب بحسب التضاد كما أن بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تعدّ من الآلاء بحسب الزجر عن المعاصي فيتأتى التوكيد دون نقص ، واعترض عليه بأنه تعسف ، وإما إلى ما سلف من قوله سبحانه : { قَدْ خَلَتْ } الخ ، وهو المروي عن أبي إسحق ، واختاره الطبري والبلخي وكثير من المتأخرين .
وأل في الناس للعهد ، والمراد بهم المكذبون ، والظرف إما متعلق ببيان أو بمحذوف وقع صفة لهم أي هذا إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب فإن الأمر ( بالسير والنظر ) السابق وإن كان خاصاً بالمؤمنين على المختار لكن العمل بموجبه غير مختص بهم ففيه حمل للمكذبين أيضاً على أن ينظروا في عاقبة أسلافهم ليعتبروا بذلك ، والموعظة ما يلين القلب ويدعو إلى التمسك بما فيه طاعة ، والهدى بيان طريق الرشد ليسلك دون طريق الغي ، والفرق بينه وبين البيان أن الثاني إظهار المعنى كائناً ما كان ولكون المراد به هنا ما كان عارياً عن الهدى والعظة خصه بالناس مع أن ظاهره شامل للمتقين . والمراد بهم مقابل المكذبين وكأنه وضع موضع الضمير بناءاً على أن المعنى وزيادة بصيرة وموعظة لكم للإيذان بعلة الحكم فإن مدار ذلك كونه هدى وموعظة لهم إنما هو تقواهم وعدم تكذيبهم ، وقدم بيان كونه بياناً للمكذبين مع أنه غير مسوق له على بيان كونه هدى للمتقين مع أنه المقصود بالسياق لأن أول ما يترتب على مشاهدة آثار هلاك أسلافهم ظهور حال أخلافهم ، وأما الهدى فأمر مترتب عليه والاقتصار على الأمرين في جانب المتقين مع ترتبهما على البيان لما أنهما المقصد الأصلي .
وقيل : أل في الناس للجنس . والمراد بيان لجميع الناس لكن المنتفع به المتقون لأنهم يهتدون به وينتجعون بوعظه وليس بالبعيد وجوز بعضهم أن يراد من المتقين الصائرون إلى التقوى فيبقى الهدى والموعظة بلا زيادة ، وإن يراد بهم ما يعمهم وغيرهم من المتقين بالفعل فيحتاج الهدى وما عطف عليه إلى اعتبار ما يعم الابتداء والزيادة فيه ، ولا يخفى ما في الثاني من زيادة البعد لارتكاب خلاف الظاهر في موضعين وأما الأول : ففيه بعد من جهة الارتكاب في موضع واحد وهو وإن شارك ما قلناه من هذه الحيثية إلا أن ما ارتكبناه يهدي إليه في الجملة التنوين الذي في الكلمة ولا كذلك ما ارتكبوه بل اعتبار الكمال المشعر به الإطلاق ربما يأباه ولعله لمجموع الأمرين هان أمر نزع الخف .

(3/229)


وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)

{ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } أخرج الواحدي عن ابن عباس أنه قال : «انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريدون أن يعلوا عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر فأنزل الله تعالى هذه الآية : وثاب نفر من المسلمين فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم» وعن الزهري وقتادة أنها نزلت تسلية للمسلمين لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح . وعن الكلبي أنها نزلت بعد يوم أحد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم بطلب القوم وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم وقال صلى الله عليه وسلم : «لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله هذه الآية» ، وأياً ما كان فهي معطوفة على قوله تعالى : { فَسِيرُواْ فِى الارض } [ آل عمران : 137 ] بحسب اللفظ ومرتبطة به بحسب المعنى إن قلنا إنه عود إلى التفصيل ، وبما تقدم من قصة أحد إن لم نقل ذلك وبه قال جمع ، وجعلوا توسيط حديث الربا استطراداً أو إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين ، وبه يظهر الربط وقد مر توجيهه بغير ذلك أيضاً .
ومن الناس من جعل ارتباط هذه الآية لفظاً بمحذوف أي كونوا مجدين ولا تهنوا ، ومضى على الخلاف وهو تكلف مستغنى عنه ، والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن قتال أعدائكم والجهاد في سبيل الله تعالى بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على ما أصبتم به من قتل الأعزة وقد قتل في تلك الغزوة خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله بن جحش ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان بن شماس ، وسعد مولى عتبة رضي الله تعالى عنهم ، وسبعون من الأنصار ، وقيل : لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ولا يخفى بعده والظاهر أن حقيقة النهي غير مرادة هنا بل المراد التسلية والتشجيع وإن أريدت الحقيقة فلعل ذلك بالنسبة إلى ما يترتب على الوهن والحزن من الآثار الاختيارية أي لا تفعلوا ما يترتب على ذلك .
{ وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } جملة حالية من فاعل الفعلين أي والحال أنكم الأعلون الغالبون دون أعدائكم فإن مصيرهم مصير أسلافهم المكذبين فهو تصريح بعد الإشعار بالغلبة والنصر . حكى القرطبي أنهم «لم يخرجوا بعد ذلك ( عسكراً ) إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهده عليه الصلاة والسلام وكذا في كل عسكر كان بعد ، ولو لم يكن فيه إلا واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم» .

(3/230)


أو المراد والحال أنكم أعلى منهم شأناً فإنكم على الحق وقتالكم لإعلاء كلمة الله تعالى وقتلاكم في الجنة وأنهم على الباطل وقتالهم لنصرة كلمة الشيطان وقتلاهم في النار ، واشتراكهم على هذا في العلو بناءاً على الظاهر وزعمهم ، وإذا أخذ العلو بمعنى الغلبة لا يحتاج إلى هذا لما أن الحرب سجال وأن العاقبة للمتقين ، وقيل : المراد : وأنتم الأعلون حالاً منهم حيث أصبتم منهم يوم بدر أكبر مما أصابوا منكم اليوم .
ومن الناس من جوز كون الجملة لا محل لها من الإعراب وجعلها معترضة بين النهي المذكور وقوله سبحانه { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } لأنه متعلق به معنى وإن كان الجواب محذوفاً أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان يوجب قوة القلب ومزيد الثقة بالله تعالى وعدم المبالاة بأعدائه ، ولا يخفى أن دعوى التعلق مما لا بأس بها لكن الحكم بكون تلك الجملة معترضة معترض بالبعد ، ويحتمل أن يكون هذا الشرط متعلقاً بالأعلون والجواب محذوف أيضاً أي إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون فإن الإيمان بالله تعالى يقتضي العلو لا محالة ، ويحتمل أن يراد بالإيمان التصديق بوعد الله تعالى بالنصرة والظفر على أعداء الله تعالى ، ولا اختصاص لهذا الاحتمال بالاحتمال الأخير من احتمالي التعلق كما يوهمه صنيع بعضهم ، وعلى كل تقدير المقصود من الشرط هنا تحقيق المعلق به كما في قول الأجير : إن كنت عملت لك فأعطني أجري ، أو من قبيل قولك لولدك : إن كنت ابني فلا تعصني ، وحمل بعضهم الشرط على التعليل أي لا تهنوا ولا تحزنوا لأجل كونكم مؤمنين ، أو وأنتم الأعلون لأجل ذلك والقول بأن المراد إن بقيتم على الإيمان ليس له كمال ملاءمة للمقام .

(3/231)


إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)

{ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ } قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف والباقون بالفتح ، وهما لغتان كالدف والدف ، والضعف والضعف وقال الفراء : القرح بالفتح الجراحة ، وبالضم ألمها ، ويقرأ بضم القاف والراء على الاتباع كاليسر واليسر ، والطنب والطنب وقرأ أبو السمال بفتحهما وهو مصدر قرح يقرح إذا صار له قرحة والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال وأنتم أحق بأن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله تعالى ما لا يرجون ، والمضارع على ما ذهب إليه العلامة التفتازاني لحكاية الحال لأن المساس مضى ، وأما استعمال إن فبتقدير كان أي إن كان مسكم قرح ، و إن لا تتصرف في كان لقوة دلالته على المضي ، أو على ما قيل : إن { ءانٍ } قد تجيء لمجرد التعليق من غير نقل فعله من الماضي إلى المستقبل ، وما وقع في موضع جواب الشرط ليس بجواب حقيقة لتحققه قبل هذا الشرط بل دليل الجواب ، والمراد إن كان مسكم قرح فذلك لا يصحح عذركم وتقاعدكم عن الجهاد بعد لأنه قد مس أعداءكم مثله وهم على ما هم عليه ، أو يقال : إن مسكم قرح فتسلوا فقد مسّ القوم قرح مثله ، والمثلية باعتبار كثرة القتلى في الجملة فلا يرد أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين ، وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد خمسة وسبعين وجرحوا سبعين ، والتزم بعضهم تفسير القرح بمجرد الانهزام دون تكثير القتلى فراراً من هذا الإيراد ، وأبعد بعض في توجيه الآية وحملها على ما لا ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى فقال : الأوجه أن يقال : إن المراد إن يمسسكم قرح فلا تنهوا لأنه مس القوم أي الرجال قرح مثله والقرح للرجال لا للنساء فمن هو من زمرة الرجال ينبغي أن لا يعرض عما هو سمته بل ينبغي أن يسعى له ، وبهذا يظهر بقاء وجه التعبير بالمضارع وأنه على ظاهره ، وكذا يندفع ما قيل : إن قرح القوم لم يكن مثل قرحهم ولا يحتاج إلى ما تقدم من الجواب . وقيل : إن كلا المسَّين كان في أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم قتلوا منهم نيفاً وعشرين رجلاً أحدهم صاحب لوائهم ، وجرحوا عدداً كثيراً وعقروا عامة خيلهم بالنبل ، وقيل : إن ذلك القرح الذي مسهم أنهم رجعوا خائبين مع كثرتهم وغلبتهم بحفظ الله تعالى للمؤمنين .
{ وَتِلْكَ الايام } اسم الإشارة مشار به إلى ما بعده كما في الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها نحو ربه رجلاً ومثله يفيد التفخيم والتعظيم ، و الأيام بمعنى الأوقات لا الأيام العرفية ، وتعريفها للعهد إشارة إلى أوقات الظفر والغلبة الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية ، ويوما بدر وأحد داخلان فيها دخولاً أولياً .

(3/232)


{ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } نصرفها بينهم فنديل لهؤلاء مرة ولهؤلاء أخرى كما وقع ذلك يوم بدر ويوم أحد ، والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال : تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى واحد ، و { الناس } عام ، وفسره ابن سيرين بالأمراء ، واسم الإشارة مبتدأ ، و الأيام خبره ، و { نُدَاوِلُهَا } في موضع الحال ، والعامل فيها معنى الإشارة أو خبر بعد خبر ، ويجوز أن تكون الأيام صفة أو بدلاً أو عطف بيان ، و { نُدَاوِلُهَا } هو الخبر ، و { بَيْنَ الناس } ظرف لنداولها ، وجوز أن يكون حالاً من الهاء ، وصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار للإعلام بأن تلك المداولة سنة مسلوكة فيما بين الأمم قاطبة إلى أن يأتي أمر الله تعالى ومن كلامهم : الأيام دول والحرب سجال ، وفي هذا ضرب من التسلية للمؤمنين ، وقرىء يداولها .
{ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } تعليل لما هو فرد من أفراد مطلق المداولة المشار إليها فيما قبل ، وهي المداولة المعهودة الجارية بين فريقي المؤمنين والكافرين ، واللام متعلقة بما دل عليه المطلق من الفعل المقيد بالوقوع بين الفريقين المذكورين؛ أو بنفس الفعل المطلق باعتبار وقوعه بينهما ، والجملة معطوفة على علة أخرى لها معتبرة إما على الخصوص والتعيين ( محذوفة ) للدلالة المذكورة عليها كأنه قيل : نداولها بينكم وبين عدوكم ليظهر أمركم وليعلم ، وإما على العموم والإبهام للتنبيه على أن العلل غير منحصرة فيما عد من الأمور ، وأن العبد يسوؤه ما يجري عليه ولا يشعر بما لله في طيه من الألطاف ، كأنه قيل : نجعلها دولاً بينكم لتكون حكماً وفوائد جمة وليعلم الخ ، وفيه من تأكيد التسلية ما لا يخفى ، وتخصيص البيان بعلة هذا الفرد من مطلق المداولة دون سائر أفرادها الجارية بين بقية الأمم تعييناً أو إبهاماً لعدم تعلق الغرض العلمي ببيانها ، ولك أن تجعل المحذوف المبهم عبارة عن علل سائر أفرادها للإشارة إجمالاً إلى أن كل فرد من أفرادها له علة داعية في الظاهر إليه كأنه قيل : نداولها بين الناس كافة ليكون كيت وكيت من الحكم الداعية إلى تلك الأفراد وليعلم الخ ، فاللام الأولى : متعلقة بالفعل المطلق باعتبار تقييده بتلك الأفراد ، والثانية : باعتبار تقييده بالفرد المعهود قاله مولانا شيخ الإسلام .
وجوزوا أن يكون الفعل معطوفاً على ما قبله باعتبار المعنى كأنه قيل : داولت بينكم الأيام لأن هذه عادتنا وليعلم الخ ، وقيل : إن الفعل المعلل به محذوف ويقدر مؤخراً ، والتقدير : وليعلم الله الذين آمنوا فعل ذلك ، ومنهم من زعم زيادة الواو وهو من ضيق المجال والكلام من باب التمثيل أي ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم ، والعلم فيه مجاز عن التمييز من باب إطلاق اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم .

(3/233)


وحمل العلم على التمييز في حال التمثيل تطويل من غير طائل ، واختار غير واحد حمل العلم على التعلق التنجيزي المترتب عليه الجزاء . وقد تقدم بعض الكلام على ذلك في البقرة . وبالجملة لا يرد لزوم حدوث العلم الذي هو صفة قائمة بذاته تعالى وإطلاق الإيمان مع أن المراد هو الرسوخ والإخلاص فيه للإشعار بأن اسم الإيمان لا ينطلق على غيره .
وزعم بعضهم أن التقدير ليعلم الله المؤمن من المنافق إلا أنه استغنى بذكر أحدهما عن الآخر ولا حاجة إليه ، ومثله القول بحذف المضاف أي صبر الذين ، والالتفات إلى الغيبة بإسناده إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بأن صدور كل واحد مما ذكر بصدد التعليل من أفعاله تعالى باعتبار منشأ معين من صفاته التي استجمعها هذا الاسم الأعظم مغاير لمنشأ الآخر .
{ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } جمع شهيد وهو قتيل المعركة وأراد بهم شهداء أحد كما قاله الحسن وقتادة وابن إسحق ، و ( من ) ابتدائية أو تبعيضية متعلقة بيتخذ أو بمحذوف وقع حالاً من { شُهَدَاء } ، وقيل : جمع شاهد أي ويتخذ منكم شهوداً معدلين بما ظهر ( منهم ) من الثبات على الحق والصبر على الشدائد وغير ذلك من شواهد الصدق ليشهدوا على الأمم يوم القيامة ، و ( من ) على هذا بيانية لأن تلك الشهادة وظيفة الكل كما يشير إليه قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة : 143 ] ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار : من هذان؟ قالوا : فلان وفلان أخوها وزوجها أو زوجها وابنها فقالت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : حيّ قالت : فلا أبالي يتخذ الله تعالى من عباده الشهداء ونزل القرآن على ما قالت ، { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } وكنى بالإتخاذ عن الإكرام لأن من اتخذ شيئاً لنفسه فقد اختاره وارتضاه فالمعنى ليكرم أناساً منكم بالشهادة .
{ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } أي يبغضهم ، والمراد من الظالمين إما المنافقون كابن أبيّ وأتباعه الذين فارقوا جيش الإسلام على ما نقلناه فيما قبل فهم في مقابلة المؤمنين فيما تقدم المفسر بالثابتين على الإيمان الراسخين فيه الذين توافق ظواهرهم بواطنهم ، وإما بمعنى الكافرين المجاهرين بالكفر ، وأياً ما كان فالجملة معترضة لتقرير مضمون ما قبلها ، وفيها تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافر على الحقيقة وإنما يغله أحياناً استدراجاً له وابتلاءاً للمؤمن ، وأيضاً لو كانت النصرة دائماً للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليمن والفأل ، والمقصود غير ذلك .

(3/234)


وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)

{ وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءامَنُواْ } أي ليطهرهم من الذنوب ويصفيهم من السيئات . وأصل التمحيص كما قال الخليل : تخليص الشيء من كل عيب يقال : محصت الذهب إذا أزلت خبثه . والجملة معطوفة على { يتخذ } [ آل عمران : 140 ] وتكرير اللام للاعتناء بهذه العلة ولذلك أظهر الاسم الجليل في موضع الإضمار أو لتذكير التعليل لوقوع الفصل بينهما بالاعتراض . وهذه الأمور الثلاثة كما قال مولانا شيخ الإسلام علل للمداولة المعهودة باعتبار كونها على المؤمنين قدمت في الذكر لأنها المحتاجة إلى البيان . ولعل تأخير العلة الأخيرة عن الاعتراض لئلا يتوهم اندراج المذنبين في الظالمين أو لتقترن بقوله عز وجل : { وَيَمْحَقَ الكافرين } لما بينهما من المناسبة حيث إن في كل من التمحيص و المحق إزالة إلا أن في الأول : إزالة الآثار وإزاحة الأوضار . وفي الثاني : إزالة العين وإهلاك النفس ، وأصل المحق تنقيص الشيء قليلاً قليلاً ومنه المحاق والمعنى ويهلك الكافرين ، ولا يبقى منهم أحداً ينفخ النار . وهذا علة للمداولة باعتبار كونها عليهم . والمراد منهم هنا طائفة مخصوصة وهم الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأصروا على الكفر فإن الله تعالى محقهم جميعاً ، وقيل : يجوز أن يكون هذا علة للمداولة باعتبار كونها على المؤمنين أيضاً فإن الكفار إذا غلبوا أحياناً اغتروا وأوقعهم الشيطان في أوحال الأمل ووسوس لهم فبقوا مصرين على الكفر فأهلكهم الله تعالى بذنوبهم وخلدهم في النار .

(3/235)


أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)

{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } خطاب للمنهزمين يوم أحد وهو كلام مستأنف ( سيق ) لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة والنتيجة لما ذكر من العلل الثلاث الأول ، و { أَمْ } منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري ، وكونها متصلة وعديلها مقدر تكلف ، والإضراب عن التسلية ببيان العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من مبادىء الفوز بالمطلب الأسنى والمقام الأعلى ، والمعنى بل لا ينبغي منكم أن تظنوا أنكم تدخلون الجنة وتفوزون بنعيمها وما أعد الله تعالى لعباده فيها .
{ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } حال من ضمير { تَدْخُلُواْ } مؤكدة للإنكار فإن رجاء الأجر من غير عمل ممن يعلم أنه منوط به مستبعد عن العقول ، ولهذا قيل :
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
وورد عن شهر بن حوشب طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور ، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة ، ونفي العلم باعتبار تعلقه التنجيزي كما مر في الإثبات على رأي . ويجوز أن يكون الكلام كناية عن نفي تحقق ذلك لأن نفي العلم من لوازم نفي التحقق إذ التحقق ملزوم علم الله تعالى ، ونفي اللازم لازم نفي الملزوم وكثيراً ما يقال : ما علم الله تعالى في فلان خيراً ويراد ما فيه خير حتى يعلمه ، وهل يجري ذلك في نفي علمنا أم لا؟ فيه تردد والذي قطع به صاحب «الانتصاف» الثاني ، وإيثار الكناية على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد وهو عدم تحقق الجهاد الذي هو سبب للفوز الأعظم منهم لما أن الكلام عليها كدعوى الشيء ببينة ، وفي ذلك رمز أيضاً إلى ترك الرياء ، وأن المقصود علم الله تعالى لا الناس ، وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفي هو الوصف الذي هو الجهاد للمبالغة في بيان انتقاء ذلك ، وعدم تحققه أصلاً وكيف تحقق صفة بدون موصوف ، وفي اختيار { لَّمّاً } على لم إشارة إلى أن الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل بناءاً على ما يفهم من كلام سيبويه أن ( لما ) تدل على توقع الفعل المنفي بها ، وقد ذكر الزجاج أنه إذا قيل : قد فعل فلان فجوابه لما يفعل ، وإذا قيل : فعل؟ فجوابه لم يفعل ، فإذا قيل : لقد فعل ، فجوابه ما فعل كأنه قال : والله لقد فعل فقال المجيب : والله ما فعل ، وإذا قيل : هو يفعل يريد ما يستقبل ، فجوابه لا يفعل ، وإذا قيل : سيفعل ، فجوابه لن يفعل ، فقول أبي حيان : «إن القول بأن لما تدل على توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحداً من النحويين ذكره» غير متعدّ به ، نعم هذا التوقع هنا غير معتبر في تأكيد الإنكار ، وقرىء ، { وَيَعْلَمَ } بفتح الميم على أن أصله يعلمن بنون خفيفة فحذفت في الدرج ، وقد أجازوا حذفها إما بشرط ملاقاة ساكن بعدها أومطلقاً ، ومن ذلك قوله :

(3/236)


إذا قلت قدني قال بالله حلفة ... لتغني عني ذا أنائك أجمعا
على رواية فتح اللام؛ وقيل : إن فتح الميم لاتباع اللام ليبقى تفخيم اسم الله عز اسمه ، و { مّنكُمْ } حال من { الذين } و ( من ) فيه للتبعيض ، فيؤذن بأن الجهاد فرض كفاية .
{ وَيَعْلَمَ الصابرين } نصب بإضمار أن ، وقيل : بواو الصرف ، والكلام على طرز لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر أي الجمع بينهما ، وإيثار الصابرين على الذين صبروا للإيذان بأن المعتبر هو الاستمرار على الصبر وللمحافظة على رؤوس الآي ، وقيل : الفعل مجزوم بالعطف على المجزوم قبله وحرك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفة والاتباع ، ويؤيد ذلك قراءة الحسن { وَيَعْلَمَ الصابرين } بكسر الميم ، وقرىء { وَيَعْلَمَ } بالرفع على أن الواو للاستئناف أو للحال بتقدير وهو يعلم ، وصاحب الحال الموصول كأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون .

(3/237)


وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)

{ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } خطاب لطائفة من المؤمنين لم يشهدوا غزوة بدر لعدم ظنهم الحرب حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فلما وقع ما وقع ندموا فكانوا يقولون : ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد كما استشهدوا فلما أشهدهم الله تعالى أحداً لم يلبث إلا من شاء الله تعالى منهم . فالمراد بالموت هنا الموت في سبيل الله تعالى وهي الشهادة ولا بأس بتمنيها ولا يرد أن في تمني ذلك تمني غلبة الكفار لأن قصد المتمني الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا غير ، ولا يذهب إلى ذلك وهمه كما أن من يشرب دواء النصراني مثلاً يقصد الشفاء لا نفعه ولا ترويج صناعته ، وقد وقع هذا التمني من عبد الله بن رواحة من كبار الصحابة ولم ينكر عليه ، ويجوز أن يراد بالموت الحرب فإنها من أسبابه ، وبه يشعر كلام الربيع وقتادة فحينئذ المتمنى الحرب لا الموت .
{ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } متعلق بتمنون } مبين لسبب إقدامهم على التمني أي من قبل أن تشاهدوا وتعرفوا هوله ، وقرىء بضم اللام على حذف المضاف إليه ونية معناه وأن تلقوه حينئذ بدل من الموت بدل اشتمال أي كنتم تمنون الموت أن تلقوه من قبل ذلك ، وقرىء ( تلاقوه ) من المفاعلة التي تكون بين اثنين وما لقيك فقد لقيته ، ويجوز أن يكون من باب سافرت والضمير عائد إلى ( الموت ) ، وقيل : إلى العدو المفهوم من الكلام وليس بشيء .
{ * } مبين لسبب إقدامهم على التمني أي من قبل أن تشاهدوا وتعرفوا هوله ، وقرىء بضم اللام على حذف المضاف إليه ونية معناه وأن تلقوه حينئذ بدل من الموت بدل اشتمال أي كنتم تمنون الموت أن تلقوه من قبل ذلك ، وقرىء ( تلاقوه ) من المفاعلة التي تكون بين اثنين وما لقيك فقد لقيته ، ويجوز أن يكون من باب سافرت والضمير عائد إلى ( الموت ) ، وقيل : إلى العدو المفهوم من الكلام وليس بشيء .
{ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } أي ما تمنيتموه من الموت بمشاهدة أسبابه أو أسبابه ، والفاء فصيحة كأنه قيل : إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتموه ، وإيثار الرؤية على الملاقاة إما للإشارة إلى انهزامهم أو للمبالغة في مشاهدتهم له كتقييد ذلك بقوله سبحانه : { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } لأنه في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي رأيتموه معاينين له ، وهذا على حد قولك : رأيته وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية لا خفاء فيها ولا شبهة ، وقيل : تنظرون بمعنى تتأملون وتتفكرون أي وأنتم تتأملون الحال كيف هي ، وقيل : معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى كل حال فالمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا ، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمني الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم .

(3/238)


وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)

{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } روي أنه لما التقى الفئتان يوم أحد وحميت الحرب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ثم تعمم بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول :
أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النحيل
أن لا أقوم الدهر في الكبول ... أضرب بسيف الله والرسول
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لمشية يبغضها الله تعالى ورسوله إلا في هذا الموضع فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله وقاتل علي كرم الله تعالى وجهه قتالاً شديداً حتى التوى سيفه وأنزل الله تعالى النصر على المسلمين وأدبر المشركون فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا والمسلمون ينتهبون الغنيمة خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً منهم فانطلقوا إلى العسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال الناس بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفهم في مائتين وخمسين فارساً ففرقوهم وقتلوا نحواً من ثلاثين رجلاً ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه الكريم وأقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير صاحب الراية رضي الله تعالى عنه حتى قتله ابن قميئة .
وقيل : إن الرامي عتبة بن أبي وقاص فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قتلت محمداً وصرخ صارخ لا يدري من هو حتى قيل : إنه إبليس ألا إن محمداً قد قتل فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو : إليّ عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وكان يقول ارم فداك أبي وأمي وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست وعين قتادة حتى وقعت على وجنته فأعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادت كأحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبيّ بن خلف الجمحي وهو يقول : لا نجوت إن نجوت فقال القوم : يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا ، فقال : دعوه حتى إذا دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهدى من فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول : قتلني محمد وكان أبيّ قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى فاحتمله أصحابه وقالوا : ليس عليك بأس قال : بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي : أقتلك؟ فلو بزق عليَّ بعد تلك المقالة قتلني فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف .

(3/239)


ولما فشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل قال بعض المسلمين : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان ، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم . وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول ، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء يعني المسلمين وأبرأ إليك عما قال هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه .
وروي أن أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك قال : «عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليّ أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأبنائنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين» فأنزل الله تعالى هذه الآية .
ومحمد علم لنبينا صلى الله عليه وسلم منقول من اسم المفعول من حمد المضاعف لغة سماه به جده عبد المطلب لسابع ولادته لموت أبيه قبلها ولما سئل عن ذلك قال لرؤية رآها : رجوت أن يحمد في السماء والأرض ، ومعناه قبل النقل من يحمد كثيراً وضده المذمم ، وفي الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال : «ألم تروا كيف صرف الله تعالى عني لعن قريش وشتمهم يشتمون مذمماً وأنا محمد» . وقد جمع هذا الاسم الكريم من الأسرار ما لا يحصى حتى قيل : إنه يشير إلى عدة الأنبياء كإشارته إلى المرسلين منهم عليهم الصلاة والسلام وعبر عنه صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم هنا لأنه أول أسمائه وأشهرها وبه صرخ الصارخ ، وهو مرفوع على الابتداء وخبره ما بعد إلا ولا عمل لما بالاتفاق لانتقاض نفيه بإلا ، واختلفوا في القصر هل هو قصر قلب أم قصر إفراد؟ فذهب العلامة الطيبي وجماعة إلى أنه قصر قلب لأنه جعل المخاطبون بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم اعتقدوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل حكمه على خلاف حكمهم فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وبين أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم حكم من سبق من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه فتكون جملة { قَدْ خَلَتْ } الخ صفة لرسول منبئة عن كونه صلى الله عليه وسلم في شرف الخلو فإن خلو مشاركيه في منصب الرسالة من شواهد خلوه لا محالة كأنه قيل : قد خلت من قبله أمثاله فسيخلو كما خلوا ، والقصر منصب على هذه الصفة فلا يرد أنه يلزم من قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة لأن ذلك ناشىء من الذهول عن الوصف ، وقيل : الجملة في موضع الحال من الضمير في { رَّسُولٍ } والانصباب هو الانصباب .

(3/240)


وذهب صاحب «المفتاح» إلى أنه قصر إفراد إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظامهم عدم بقائه صلى الله عليه وسلم منزلة استبعادهم إياه وإنكارهم له حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والبعد عن الهلاك فقصر على الرسالة نفياً للبعد عن الهلاك ، واعترض بأنه يتعين على هذا جعل جملة { قد خلت مستأنفة لبيان أنه صلى الله عليه وسلم ليس بعيداً عن عدم البقاء كسائر الرسل إذ على اعتبار الوصف لا يكون إلا قصر قلب لانصباب القصر عليه ، وكون الجملة مستأنفة بعيد لمخالفته القاعدة في الجمل بعد النكرات ، وأجيب بأن ذلك ليس بمتعين لجواز أن تكون صفة أيضاً مؤكدة لمعنى القصر متأخرة عنه في التقدير ، وقرأ ابن عباس رسل بالتنكير .
{ أَفَإيْن مَّاتَ أَوْ قُتلَ انقلبتم على أعقابكم } الهمزة للإنكار والفاء استئنافية أو لمجرد التعقيب ، والانقلاب على الأعقاب في الأصل الرجوع القهقرى ، وأريد به الارتداد والرجوع إلى ما كانوا عليه من الكفر في المشهور ، والغرض إنكار ارتدادهم عن الدين بخلوه صلى الله عليه وسلم بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به ، واستشكل بأن القوم لم يرتدوا فكيف عبر بالانقلاب على الأعقاب المتبادر منه ذلك؟ وأجيب بأنه ليس المراد ارتداداً حقيقة وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامهم إياه للهلك ، وقيل : الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي لا إنكار لما وقع ، وقيل : هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته صلى الله عليه وسلم وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به .

(3/241)


وحمل بعضهم الانقلاب هنا على نقص الإيمان لا الكفر بعده احتجاجاً بما أخرجه ابن المنذر عن الزهري قال : { لما نزلت هذه الآية { لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم } [ الفتح : 4 ] قالوا : يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص؟ قال : إي والذي بعثني بالحق إنه لينقص قالوا : فهل لذلك دلالة في كتاب الله تعالى؟ قال : نعم ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم } والانقلاب نقصان لا كفر ولا يخفى أن هذا الخبر ليس من القوة إلى حيث يحتج به وإني لا أجد عليه طلاوة الأحاديث الصحيحة .
وذهب بعضهم إلى أن الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب ، والهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن تجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابكم على أعقابكم بعد موته أو قتله بل اجعلوه سبباً للتمسك بدينه كما هو حكم سائر الأنبياء عليهم السلام ففي انقلابكم على أعقابكم تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كونه رسولاً يخلو كما خلت الرسل ، وإيراد الموت بكلمة ( إن ) مع العلم ( به ) البتة لتنزيل المخاطبين منزلة المترددين فيه لما ذكر من استعظامهم إياه ، قال المولى : وهكذا الحال في سائر الموارد فإن كلمة ( إن ) في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها أصلاً ضرورة علمه تعالى بالوقوع أو اللاوقوع بل تحمل على اعتبار حال السامع ، أو أمر آخر يناسب المقام .
والمراد من الموت الموت على الفراش و بالقتل الموت بواسطة نقض البنية وقدم تقدير الموت مع أن تقدير القتل هو الذي كاد يجرّ الموت الأحمر لما أن الموت في شرف الوقوع فزجر الناس عن الانقلاب عنده وحملهم على الثبات هناك أهم ، ولأن الوصف الجامع في نفس الأمر بينه صلى الله عليه وسلم وبين الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الموت دون القتل خلافاً لمن زعمه مستدلاً بما ورد من أكلة خيبر ، وإن كان قد وقع فيهم قتل وموت وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل لتجويز المخاطبين له وآية { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة : 67 ] على تقدير نزولها قبل أحد يحتمل أنها لم تصل هؤلاء المنهزمين ، وبتقدير وصولها احتمال أن لا تحضرهم قائم في مثل ذلك المقام الهائل .
وقد غفل عمر رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد روى أبو هريرة أنه رضي الله تعالى عنه قام يومئذٍ فقال : إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل : قد مات والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ، فخرج أبو بكر فقال : على رسلك يا عمر أنصت فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت ، ثم تلى هذه الآية { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } إلى آخرها فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذٍ فأخذها الناس من أبي بكر ، وقال عمر : فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات ، والاعتذار باختصاص فهم آية العصمة بالعلماء من الصحابة وذوي البصيرة منهم مع ظهور معنى اللفظ كما اعتذر به الزمخشري لا يخفى ما فيه ، وكون المراد منها العصمة من فتنة الناس وإضلالهم لا يخفى بعده لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يظن به ذلك ، وإنما يرد مثله في معرض الإلهاب والتعريض .

(3/242)


{ وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله } بما فعل من الانقلاب لأنه تعالى لا تجوز عليه المضار { شَيْئاً } من الضرر وإن قل وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب أو بحرمانها مزيد الثواب ، ويشير إلى ذلك توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله تعالى وليس إلا نفسه { وَسَيَجْزِى الله الشاكرين } أي سيثيب الثابتين على دين الإسلام ، ووضع الشاكرين موضع الثابتين لأن الثبات عن ذلك ناشىء عن تيقن حقيته وذلك شكر له ، وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين ، وإلى تفسير الشاكرين بالثابتين ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وقد رواه عنه ابن جرير ، وكان يقول : الثابتون هم أبو بكر وأصحابه وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أمير الشاكرين ، وعن ابن عباس أن المراد بهم الطائعون من المهاجرين والأنصار ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإعلان بمزيد الاعتناء بشأن جزائهم واتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد .

(3/243)


وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)

{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } استئناف سيق للحض على الجهاد واللوم على تركه خشية القتل مع قطع عذر المنهزمين خشية ذلك بالكلية . ويجوز أن يكون تسلية عما لحق الناس بموت النبي صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه عليه السلام كغيره لا يموت إلا بإذن الله تعالى فلا عذر لأحد بترك دينه بعد موته . والمراد بالنفس الجنس وتخصيصها بالنبي عليه الصلاة والسلام كما روي عن ابن إسحق ليس بشيء ، والموت هنا أعم من الموت حتف الأنف والموت بالقتل ، كما سنحققه ، وكان ناقصة اسمها أن تموت ولنفس متعلق بمحذوف وقع خبراً لها ، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب . وذهب أبو البقاء إلى أن ( بإذن الله ) خبر كان ولنفس متعلق بها واللام للتبيين ، ونقل عن بعضهم أن الجار متعلق بمحذوف تقديره الموت لنفس ، و { أَنْ تَمُوتَ } تبيين للمحذوف ، وحكي عن الزجاج وبعض عن الأخفش أن التقدير وما كان نفس لتموت ثم قدمت اللام وكل هذه الأقوال أوهن من الوهن لا سيما الأخير ، والمعنى ما كان الموت حاصلاً لنفس من النفوس مطلقاً بسبب من الأسباب إلا بمشيئة الله تعالى وتيسيره .
و الإذن مجاز عن ذلك لكونه من لوازمه ، وظاهر التركيب يدل على أن الموت من الأفعال التي قدم عليها اختياراً فقد شاع استعمال ما كان لزيد أن يفعل كذا فيما إذا كان ذلك الفعل اختيارياً لكن الظاهر هنا متروك بأن يجعل ذلك من باب التمثيل بأن صور الموت بالنسبة إلى النفوس بصورة الفعل الاختياري الذي لا يقدم عليه إلا بالإذن . والمراد عدم القدرة عليه ، أو بتنزيل إقدام النفوس على مباديه كالقتال مثلاً منزلة الإقدام عليه نفسه للمبالغة أو تحقيق المرام فإن موتها لما استحال وقوعه عند إقدامها عليه أو على مباديه وسعيها في إيقاعه فلأن يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر ، ويجوز على هذا أن يبقى الإذن على حقيقته ومفعوله مقدر للعلم به ، والمراد بإذنه تعالى إذنه لملك الموت فإنه الذي يقبض روح كل ذي روح بشراً كان أو لا شهيداً كان أو غير شهيد ، براً أو بحراً حتى قيل : إنه يقبض روح نفسه ، واستثنى بعضهم أرواح شهداء البحر فإن الله تعالى هو الذي يقبضها بلا واسطة واستدل بحديث جويبر وهو ضعيف جداً وفيه من طريق الضحاك انقطاع ، وذهب المعتزلة إلى أن ملك الموت إنما يقبض أرواح الثقلين دون غيرهم ، وقال بعض المبتدعة : إنه يقبض الجميع سوى أرواح البهائم فإن أعوانه هم الذين يقبضونها ولا تعارض بين { الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا } [ الزمر : 42 ] و { يتوفاكم مَّلَكُ الموت }

(3/244)


[ السجدة : 11 ] و { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [ الأنعام : 61 ] لأن إسناد ذلك له تعالى بطريق الخلق والإيجاد الحقيقي ، وإلى الملك لأنه المباشر له ، وإلى الرسل لأنهم أعوانه المعالجون للنزع من العصب والعظم واللحم والعروق .
{ كتابا } مصدر مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة والمعنى كتب ذلك الموت المأذون فيه كتاباً { مُّؤَجَّلاً } أي موقتاً بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر ، وقيل : حكماً لازماً مبرماً وهو صفة كتاباً ولا يضر التوصيف بكون المصدر مؤكداً بناءاً على أنه معلوم مما سبق وليس كل وصف يخرج عن التأكيد ، ولك لما في ذلك من الخفاء أن تجعل المصدر لوصفه مبيناً للنوع وهو أولى من جعله مؤكداً ، وجعل { مُّؤَجَّلاً } حالاً من الموت لا صفة له لبعد ذلك غاية البعد فتدبر . وقرىء { *موجلاً } بالواو بدل الهمزة على قياس التخفيف .
وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين أن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة ، وخالف في ذلك المعتزلة فذهب الكعبي منهم إلى أن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته ، وأن للمقتول أجلين : أحدهما : القتل والآخر : الموت وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت ، وذهب أبو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات ألبتة في ذلك الوقت . وذهب الجمهور منهم إلى أن القاتل قد قطع على المقتول أجله وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل ، وليس النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظياً كما رآه الأستاذ وكثير من المحققين حيث قالوا : إنه إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكان المقتول ميتاً بأجله بلا خلاف من المعتزلة في ذلك إذ هم لا ينكرون كون المقتول ميتاً بالأجل الذي علمه الله تعالى وهو الأجل بسبب القتل ، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك بلا خلاف من الأصحاب فيه إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتاً بالأجل غير المرتب على فعل العبد لأنا نقول حاصل النزاع أن المراد بأجل المقتول المضاف إليه زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه قوله تعالى : { أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] ويرجع الخلاف إلى أنه هل تحقق ذلك في حق المقتول أم المعلوم في حقه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش كذا في «شرح المقاصد» ، ولعله جواب باختيار الشق الأول ، وهو أن المراد زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكنه لا مطلقاً بل على ما علمه تعالى وقدره بطريق القطع وحينئذٍ يصلح محلاً للخلاف لأنه لا يلزم من عدم تحقق ذلك في المقتول كما يقوله المعتزلة تخلف العلم عن المعلوم لجواز أن يعلم تقدم موته بالقتل مع تأخر الأجل الذي لا يمكن تخلفه عنه ، وقد يقال : إنه يمكن أن يكون جواباً باختيار شق ثالث وهو المقدر بطريق القطع إذ لا تعرض في تقرير الجواب للعلم والمقدر أخص من الأجل المعلوم مطلقاً والفرق بينه وبين كونه جواباً باختيار الأول لكن لا مطلقاً اعتبار قيد العلم في الأجل الذي هو محل النزاع على تقدير اختيار الأول وعدم اعتباره فيه على اختيار الثالث وإن كان معلوماً في الواقع أيضاً فافهم ، ثم إن أبا الحسين ومن تابعه يدعون الضرورة في هذه المسألة وكذا الجمهور في رأي البعض ، وعند البعض الآخر هي عندهم استدلالية .

(3/245)


واحتجوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات تزيد في العمر وبأنه لو كان المقتول ميتاً بأجله لم يستحق القاتل ذماً ولا عقاباً ولم يتوجه عليه قصاص ولا غرم دية ولا قيمة في ذبح شاة الغير لأنه لم يقطع أجلاً ولم يحدث بفعله موتاً ، وبأنه ربما يقتل في الملحمة والحرب ألوف تقضي العادة بامتناع اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم ، وتمسك أبو الهذيل بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعاً لأجل قدره الله تعالى ومغيراً لأمر علمه وهو محال ، والكعبي بقوله تعالى : { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] حيث جعل القتل قسيماً للموت بناءاً على أن المراد بالقتل المقتولية وأنها نفس بطلان الحياة وأن الموت خاص بما لا يكون على وجه القتل ومتى كان الموت غير القتل كان للمقتول أجلان : أحدهما : القتل ، والآخر : الموت .
وأجيب عن متمسك الأولين : الأول : بأن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض الآيات القطعية كقوله تعالى : { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] أو بأن المراد من أن الطاعة تزيد في العمر أنها تزيد فيما هو المقصود الأهم منه وهو اكتساب الكمالات والخيرات والبركات التي بها تستكمل النفوس الإنسانية وتفوز بالسعادة الأبدية ، أو بأن العمر غير الأجل لأنه لغة الوقت ، وأجل الشيء يقال لجميع مدته ولآخرها كما يقال أجل الدين شهران أو آخر شهر كذا ، ثم شاع استعماله في آخر مدة الحياة ، ومن هنا يفسر بالوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياة الحيوان عنده على ما قررناه . والعمر لغة مدة الحياة كعمر زيد كذا ومدة البقاء كعمر الدنيا وكثيراً ما يتجوز به عن مدة بقاء ذكر الناس الشخص للخير بعد موته ، ومنه قولهم : ذكر الفتى عمره الثاني؛ ومن هنا يقال لمن مات وأعقب ذكراً حسناً وأثراً جميلاً : ما مات ، فلعله أراد صلى الله عليه وسلم أن تلك الطاعات تزيد في هذا العمر لما أنها تكون سبباً للذكر الجميل ، وأكثر ما ورد ذلك في الصدقة وصلة الرحم وكونهما مما يترتب عليهما ثناء الناس مما لا شبهة فيه قيل : ولهذا لم يقل صلى الله عليه وسلم في ذلك إنه يزيد في الأجل ، أو بأن الله تعالى كان يعلم أن هذا المطيع لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره أربعين مثلاً لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره سبعين سنة فنسبة هذه الزيادة إلى تلك الطاعة بناءاً على علم الله تعالى أنه لولاها لما كانت هذه الزيادة .

(3/246)


ومحصل هذا أنه سبحانه قدر عمره سبعين بحيث لا يتصور التقدم والتأخر عنه لعلمه بأن طاعته تصير سبباً لثلاثين فتصير مع أربعين من غير الطاعة سبعين ، وليس محصل ذلك أنه تعالى قدره سبعين على تقدير وأربعين على تقدير حتى يلزم تعدد الأجل والأصحاب لا يقولون به . والثاني : بأن استحقاق الذم والعقاب وتوجه القصاص أو غرم الدية مثلاً على القاتل ليس بما يثبت في المحل من الموت بل هو بما اكتسبه وارتكبه من الإقدام على الفعل المنهي عنه الذي يخلق الله تعالى به الموت كما في سائر الأسباب والمسببات لا سيما عند ظهور أمارات البقاء وعدم ما يظن معه حضور الأجل حتى لو علم موت شاة بإخبار صادق معصوم ، أو ظهرت الإمارات المفيدة لليقين لم يضمن عند بعض الفقهاء ، والثالث : بأن العادة منقوضة أيضاً بحصول موت ألوف في وقت واحد من غير قتال ولا محاربة كما في أيام الوباء مثلاً على أن التمسك بمثل هذا الدليل في مثل هذا المطلب في غاية السقوط .
وأجيب عن متمسك أبي الهذيل بأن عدم القتل إنما يتصور على تقدير علم الله تعالى بأنه لا يقتل وحينئذٍ لا نسلم لزوم المحال وبأنه لا استحالة في قطع الأجل المقدر الثابت لولا القتل لأنه تقرير للمعلوم لا تغيير له ، وعن متمسك الكعبي المخالف للمعتزلة والأشاعرة في إثبات الأجلين بأن القتل قائم بالقاتل وحال له لا للمقتول وإنما حاله الموت وانزهاق الروح الذي هو بإيجاد الله تعالى وإذنه ومشيئته وإرادة المقتولية المتولدة عن قتل القاتل بالقتل وهي حال المقتول إذ هي بطلان الحياة والتخصيص بما لا يكون على وجه القتل على ما يشعر به { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [ آل عمران : 144 ] خلاف مذهبه من إنكار القضاء والقدر في أفعال العباد إذ بطلان الحياة المتولد من قتل القاتل أجل قدره الله تعالى وعينه وحدده ، ومعنى الآية كما أشرنا إليه أفئن مات حتف أنفه بلا سبب ، أو مات بسبب القتل ، فتدل على أن مجرد بطلان الحياة موت ومن هنا قيل : إن في المقتول معنيين قتلاً هو من فعل الفاعل وموتاً هو من الله تعالى وحده .

(3/247)


وذهبت الفلاسفة إلى مثل ما ذهب إليه الكعبي من تعدد الأجل فقالوا : إن للحيوان أجلاً طبيعياً بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين وآجالاً اخترامية تتعدد بتعدد أسباب لا تحصى من الأمراض والآفات ، وبيانه أن الجواهر التي غلبت عليها الأجزاء الرطبة ركبت مع الحرارة الغريزية فصارت لها بمنزلة الدهن للفتيلة المشعلة وكلما انتقصت تلك الرطوبات تبعتها الحرارة الغريزية في ذلك حتى إذا انتهت في الانتقاص وتزايد الجفاف انطفأت الحرارة كانطفاء السراج عند نفاد دهنه فحصل الموت الطبيعي وهو مختلف بحسب اختلاف الأمزجة وهو في الإنسان في الأغلب تمام مائة وعشرين سنة . وقد يعرض من الآفات مثل البرد المجمد والحرب المذوب وأنواع السموم وأنواع تفرق الاتصال وسوء المزاج ما يفسد البدن ويخرجه عن صلاحه لقبول الحياة إذ شرطها اعتدال المزاج فيهلك بسببه وهذا هو الأجل الاحترامي ، ويرد ذلك أنه مبني على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج وهو باطل عندنا إذ لا تأثير إلا له سبحانه وتلك الأمور عندنا أسباب عادية لا عقلية كما زعموا .
وادعى بعض المحققين أن النزاع بيننا وبين الفلاسفة كالنزاع بيننا وبين المعتزلة على رأي الأستاذ لفظي إذ هم لا ينكرون القضاء والقدر فالوقت الذي علم الله تعالى بطلان الحياة فيه بأي سبب كان واحد عندهم أيضاً ، وما ذكروه من الأجل الطبيعي نحن لا ننكره أيضاً لكنهم يجعلون اعتدال المزاج واستقامة الحرارة والرطوبة ونحو ذلك شروطاً حقيقة عقلية لبقاء الحياة ونحن نجعلها أسباباً عادية وذلك بحث آخر وسيأتي تتمة الكلام على هذه المسألة إذ الأمور مرهونة لأوقاتها ولكل أجل كتاب .
{ وَمَن يُرِدِ } أي بعمله كالجهاد { ثَوَابَ الدنيا } كالغنيمة { نُؤْتِهِ } بنون العظمة على طريق الالتفات { مِنْهَا } أي شيئاً من ثوابها إن شئنا فهو على حدّ قوله تعالى : { مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } [ الإسراء : 18 ] وهذا تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد عن مصلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم تفصيل ذلك . { وَمَن يُرِدِ } أي بعمله كالجهاد أيضاً والذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . { ثَوَابَ الاخرة } مما أعدّ الله تعالى لعباده فيها من النعيم { نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي من ثوابها ما نشاء حسبما جرى به قلم الوعد الكريم ، وهذا إشارة إلى مدح الثابتين يومئذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآية وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال .
{ وَسَنَجْزِى * الشاكرين } يحتمل أنه أريد بهم المريدون للآخرة ، ويحتمل أنه أريد بهم جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولاً أولياً .

(3/248)


والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ووعد بالمزيد عليه وفي تصديرها بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد والدلالة على فخامة شأن الجزاء وكونه بحيث يضيق عنه نطاق البيان ما لا يخفى ، وبذلك جبر اتحاد العبادتين في شأن الفريقين واتضح الفرق لذي عينين ، وقرئت الأفعال الثلاثة بالياء .
هذا ومن باب الإشارة : { رَّحِيمٌ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } إما إشارة إلى الأمر بالتوكل على الله تعالى في طلب الرزق والانقطاع إليه ، أو رمز إلى الأمر بالإحسان إلى عباد الله المحتاجين من غير طلب نفع منهم ، فقد ورد في بعض الآثار أن القرض أفضل من الصدقة ، أو إيماء إلى عدم طلب الأجر على الأعمال بأن يفعلها محضاً لإظهار العبودية { واتقوا الله } من أكل الربا { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران : 130 ] أي تفوزون بالحق { واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } [ آل عمران : 131 ] أي اتقوني في النار لأن إحراقها وعذابها مني ، وهذا سرّ عين الجمع قالوا : ويرجع في الحقيقة إلى تجلي القهر وهو بظاهره تخويف للعوام والتخويف الأول للخواص ، وقليل ما هم { وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } وهي ستر أفعالكم التي هي حجابكم الأعظم عن رؤية الحق { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا * السموات والارض } وهي جنة توحيد الأفعال وهو توحيد عالم الملك ، ولذا ذكر سبحانه السموات والأرض وذكر العرض دون الطول لأن الأفعال باعتبار السلسلة العرضية وهي توقف كل فعل على فعل آخر تنحصر في عالم الملك الذي تصل إليه أفهام الناس ويقدرونه ، وأما باعتبار الطول فلا تنحصر فيه ولا يقدر قدرها إذ الفعل مظهر الوصف ، والوصف مظهر الذات ، والذات لا نهاية لها ولا حد { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } [ الأنعام : 91 ] فالمحجوبون عن الذات والصفات لا يرون إلا هذه الجنة ، وأما البارزون لله الواحد القهار فعرض جنتهم عين طولها ولا حدّ لطولها فلا يقدر قدرها طولاً وعرضاً { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [ آل عمران : 133 ] حجب أفعالهم وترك نسبة الأفعال إلى غير الحق جل جلاله ، ويحتمل أنه سبحانه دعا خلقه على اختلاف مراتبهم إلى فعل ما يؤدي إلى المغفرة على اختلاف مراتبها فإن الذنب مختلف وذنب المعصوم قلة معرفته بربه بالنظر إلى عظمة جماله وجلاله في نفس الأمر . وفي الخبر عن سيد العارفين صلى الله عليه وسلم « سبحانك ما عرفناك حق معرفتك » فما عرفه العارفون من حيث هو وإنما عرفوه من حيث هم وفرق بين المعرفتين ، ولهذا قيل : ما عرف الله تعالى إلا الله تعالى ودعاهم أيضاً إلى ما يجرّهم إلى الجنة ، والخطاب بذلك إن كان للعارفين فهو دعاء إلى عين الجمع ليتجلى لهم بالوسائط لبقائهم في المعرفة وفي الحقيقة معرفته قربته وجنته مشاهدته ، وفي حقيقة الحقيقة هي الذات الجامع التي لا يصل إليها الأغيار ، ومن هنا قيل : ليس في الجنة إلا الله تعالى وإن كان الخطاب بالنظر إلى آحاد المؤمنين فالمراد بها أنواع التجليات الجمالية أو ظاهرها الذي أفصح به لسان الشريعة ودعاؤهم إليه من باب التربية وجلب النفوس البشرية التي لم تفطم بعد من رضع ثدي اللذائذ إلى ما يرغبها في كسب الكمالات الإنسانية والترقي إلى ذروة المعارج الإلهية الذين ينفقون نفائس نفوسهم لمولاهم في السراء والضراء في حالتي الجمال والجلال ، ويحتمل أن يراد الذين لا تمنعهم الأحوال المتضادة عن الإنفاق فيما يرضي الله تعالى لصحة توكلهم عليه سبحانه برؤية جميع الأفعال منه { والكاظمين الغيظ } الذي يعرض للإنسان بحسب الطبيعة البشرية وكظمهم له قد يكون بالشدّ عليه بوكاء التسليم والرضا وذلك بالنظر لمن هو في مقام جنة الصفات ، وأما من دونهم فكظمهم دون هذا الكظم ، وسبب الكظم أنهم يرون الجناية عليهم فعل الله تعالى وليس للخلق مدخل فيها { والعافين عَنِ الناس } إما لأنهم في مقام توحيد الأفعال ، أو لأنهم في مقام توحيد الصفات

(3/249)


{ والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] حسب مراتبهم في الإحسان { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } أي كبيرة من الكبائر وهي رؤية أفعالهم المحرمة عليهم تحريم رؤية الأجنبيات بشهوة { أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } بنقصهم حقوقها والتثبط عن تكميلها { ذَكَرُواْ الله } أي تذكروا عظمته وعلموا أنه لا فاعل في الحقيقة سواه { فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ } أي طلبوا ستر أفعالهم عنهم بالتبري عن الحول والقوة إلا بالله { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب } وهي رؤية الأفعال أو النظر إلى سائر الأغيار { إِلاَّ الله } وهو الملك العظيم الذي لا يتعاظمه شيء { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } في غفلتهم ونقصوا حق نفوسهم { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ آل عمران : 135 ] حقيقة الأمر وأن لا فعل لغيره { أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } وهو ستره لوجودهم بوجوده وترقيهم من مقام توحيد الأفعال إلى ما فوقه { وجنات } أي أشياء خفية وهي جنات الغيب وبساتين المشاهدة والمداناة التي هي عيون صفات الذات { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } أي تجري منها أنهار الأوصاف الأزلية { خالدين فِيهَا } بلا مكث ولا قطع ولا خطر الزمان ولا حجب المكان ولا تغير { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ آل عمران : 136 ] ومنهم الواقفون بشرط الوفاء في العشق على الحضرة القديمة بلا نقض للعهود ولا سهو في الشهود { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } بطشات ووقائع في الذين كذبوا الأنبياء في دعائهم إلى التوحيد { فَسِيرُواْ } بأفكاركم { فِى الارض فانظروا } وتأملوا في آثارها لتعلموا { كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } [ آل عمران : 137 ] أي آخر أمرهم ونهايته التي استدعاها التكذيب ويحتمل أن يكون هذا أمراً للنفوس بأن تنظر إلى آثار القوى النفسانية التي في أرض الطبيعة لتعلم ماذا عراها وكيف انتهى حالها فلعلها ترقى بسبب ذلك عن حضيض اللحوق بها { هذا } أي كلام الله تعالى { بَيَانٌ لّلنَّاسِ } يبين لهم حقائق أمور الكونين { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } يتوصل به إلى الحضرة الإلهية

(3/250)


{ لّلْمُتَّقِينَ } [ آل عمران : 138 ] وهم أهل الله تعالى وخاصته . واختلف الحال لاختلاف استعداد المستمعين للكلام إذ منهم قوم يسمعونه أسماع العقول ، ومنهم قوم يسمعونه بأسماع الأسرار ، وحظ الأولين منه الامتثال والاعتبار ، وحظ الآخرين مع ذلك الكشف وملاحظة الأنوار وقد تجلى الحق فيه لخواص عباده ومقربي أهل اصطفائه فشاهدوا أنواراً تجلى وصفة قديمة وراء عالم الحروف تتلى { وَلاَ تَهِنُواْ } أي لا تضعفوا في الجهاد { وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما فاتكم من الفتح ونالكم من قتل الأخوان { وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ } في الرتبة { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 139 ] أي موحدين حيث أن الموحد يرى الكل من مولاه فأقل درجاته الصبر { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ } ولم يبالوا مع أنهم دونكم { وَتِلْكَ الايام } أي الوقائع { نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } فيوم لطائفة وآخر لأخرى { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } أي ليظهر علمه التفصيلي التابع لوقوع المعلوم { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } وهم الذين يشهدون الحق فيذهلون عن أنفسهم { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } [ آل عمران : 140 ] أي الذين ظلموا أنفسهم وأضاعوا حقها ولم يكملوا نشأتها { وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءامَنُواْ } أي ليخلصهم من الذنوب والغواشي التي تبعدهم من الله تعالى بالعقوبة والبلية { وَيَمْحَقَ } أي يهلك { الكافرين } [ آل عمران : 141 ] بنار أنانيتهم { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } أي تلجوا عالم القدس { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } [ آل عمران : 142 ] أي ولم يظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات وصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق الشريعة وقانون الطريقة ليتجلى للأرواح أنوار الحقيقة { وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } أي موت النفوس عن صفاتها { مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } بالمجاهدات والرياضات } { * } { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } برؤية أسبابه وهي الحرب مع أعداء الله تعالى { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } [ آل عمران : 143 ] أي تعلمون أن ذلك الجهاد أحد أسباب موت النفس عن صفاتها ، ويحتمل أن يقال : إن الموقن إذا لم يكن يقينه ملكة تمنى أموراً وادعى أحوالاً حتى إذا امتحن ظهر منه ما يخالف دعواه وينافي تمنيه ، ومن هنا قيل :
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
ومتى رسخ ذلك اليقين وتمكن وصار ملكة ومقاماً ولم يبق حالا لم يختلف الأمر عليه عند الامتحان ، والآية تشير إلى توبيخ المنهزمين بأن يقينهم كان حالا ولم يكن مقاماً { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } أي أنه بشر كسائر إخوانه من المرسلين فكما خلوا من قبله سيخلو هو من بعدهم { أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم } ورجعتم القهقرى ، والإشارة في ذلك إلى أنه تعالى عاتب من تزلزل لذهاب الواسطة العظمى عن البين وهو مناف لمشاهدة الحق ومعاينته ، ولهذا قال الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت { وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً } لفنائه الذاتي { وَسَيَجْزِى الله } بالإيمان الحقيقي

(3/251)


{ الشاكرين } [ آل عمران : 144 ] بالإيمان التقليدي بأداء حقوقه من الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } هذا الموت المعلوم ، أو الموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } ومشيئته ، أو جذبه باشراق نوره { وَمَن يُرِدِ } بمقتضى استعداده { ثَوَابَ الدنيا } جزاءاً لعمله { نُؤْتِهِ مِنْهَا } حسبما تقتضيه الحكمة { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاخرة } جزاءاً لعمله { نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين } [ آل عمران : 145 ] ولعلهم الذين لم يريدوا الثوابين ولم يكن لهم غرض سوى العبودية ، وأبهم جزاءهم للاشارة إلى أنه أمر وراء العبارة ولعله تجلى الحق لهم وهذا غاية متمني المحبين ونهاية مطلب السالكين ، نسأل الله تعالى رضاه وتوفيقه .

(3/252)


وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)

{ وَكَأَيّن } كلام مبتدأ سيق توبيخاً للمنهزمين أيضاً حيث لم يستنوا بسنن الربانيين المجاهدين مع الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنهم أولى بذلك حيث كانوا خير أمة أخرجت للناس . وقد اختلف في هذه الكلمة فقيل : إنها بسيطة وضعت كذلك ابتداءاً والنون أصلية ، وإليه ذهب ابن حيان وغيره ، وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم ، وقيل وهو المشهور : إنها مركبة من أي المنونة وكاف التشبيه؛ واختلف في أي هذه فقيل : هي أي التي في قولهم : أي الرجال ، وقال ابن جني : إنها مصدر أوى يأوي إذا انضم واجتمع وأصله أوى فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت مثل طى وشى وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث في كذا بعد التركيب معنى آخر فكم وكأين بمعنى واحد قالوا : وتشاركها في خمسة أمور : الإبهام والافتقار إلى التمييز والبناء ولزوم التصدير وإفادة التكثير وهو الغالب والاستفهام وهو نادر ، ولم يثبته إلا ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك ، واستدل عليه بقول أبيّ بن كعب لابن مسعود رضي الله تعالى عنهما : كائن تقرأ سورة الأحزاب آية فقال : ثلاثاً وسبعين ، وتخالفها في خمسة أمور أيضاً ، أحدها : أنها مركبة في المشهور وكم بسيطة فيه خلافاً لمن زعم أنها مركبة من الكاف وما الاستفهامية ثم حذفت ألفها لدخول الجار وسكنت للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب ، والثاني : أن مميزها مجرور بمن غالباً حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك ويرده نص سيبويه على عدم اللزوم ، ومن ذلك قوله :
اطرد اليأس بالرجاء ( فكائن ) ... ألما حم يسره بعد عسر
والثالث : أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور ، والرابع : أنها لا تقع مجرورة خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور أجازا بكاين تبيع الثواب ، والخامس : أن خبرها لا يقع مفرداً ، وقالوا : إن بينها وبين كذا موافقة ومخالفة أيضاً فتوافقها كذا في أربعة أمور : التركيب والبناء والإبهام والافتقار إلى التمييز ، وتخالفها في ثلاثة أمور : الأول : أنها ليس لها الصدر تقول : قبضت كذا وكذا درهما . الثاني : أن تمييزها واجب النصب فلا يجوز جره بمن اتفاقا ولا بالإضافة خلافاً للكوفيين أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال : كذا ثوب وكذا أثواب قياساً على العدد الصريح ، ولهذا قال فقهاؤهم : إنه يلزم بقول القائل له عندي كذا درهم مائة ، وبقوله : كذا دراهم ثلاثة ، وبقوله : كذا كذا ردهماً أحد عشر ، وبقوله : كذا درهماً عشرون ، وبقوله : كذا وكذا درهماً أحد وعشرون حملا على المحقق من نظائرهن من العدد الصريح؛ ووافقهم على هذا التفصيل غير مسألتي الإضافة المبرد والأخفش والسيرافي وابن عصفور ، ووهم ابن السيد في نقل الإجماع على إجازة ما أجازه المبرد ومن ذكر معه ، الثالث : أنها لا تستعمل غالباً إلا معطوفاً عليها كقوله :

(3/253)


عد النفس نعمي بعد بؤسك ذاكرا ... ( كذا وكذا لطفاً به نسى الجهد )
وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا كذا درهما ، وذكر ابن مالك أنه مسموع لكنه قليل قاله ابن هشام ، ثم إن إثبات تنوين كأين على القول المشهور في الوقف والخط على خلاف القياس لما أنه نسخ أصلها ، وفيه لغات وكلها قد قرىء به : أحدها : كأين بالتشديد على الأصل وهي اللغة المشهورة ، وبها قرأ الجمهور ، والثانية : كائن بألف بعدها همزة مكسورة من غير ياء على وزن كاعن كاسم الفاعل ، وبها قرأ ابن كثير ومن ذلك قوله :
( وكائن ) لنا فضلا عليكم ومنة ... قديماً ولا تدرون ما من منعم
واختلف في توجيهها فعن المبرد أنها اسم فاعل من كان يكون وهو بعيد الصحة إذ لا وجه لبنائها حينئذ ولا لإفادتها التكثير ، وقيل : أصلها المشددة فقدمت الياء المشددة على الهمزة وصار كيئن بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون ووزنه كعلف ، ونظير هذا التصرف في المفرد تصرفهم في المركب كما ورد في لغة نادرة رعملي بتقديم الراء في العمري ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف فقلبت الثانية ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها أو حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف وقلبت الياء الساكنة ألفاً كما في آية ، ونظيره في حذف إحدى الياءين وقلب الأخرى ألفاً طائي في النسبة إلى طي اسم قبيلة فإن أصله طيىء بياءين مشددتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى ، والثالثة : كأي بياء بعد الهمزة ، وبها قرأ ابن محيصن ، ووجهها أنها حذفت الياء الثانية وسكنت الهمزة لاختلاط الكلمتين وجعلهما كالكلمة الواحدة كما سكنوا الهاء في لهو وفهو ، وحركت الياء لسكون ما قبلها ، والرابعة : كيئن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة؛ والخامسة : كئن بكاف مفتوحة وهمة مكسورة ونون ، ووزنه كع ، وورد ذلك في قوله :
( كئن ) من صديق خلته صادق الإخا ... أبان اختباري إنه لمداهن
ووجهه أنه حذفت إحدى الياءين ثم حدفت الأخرى للتنوين أو حذفتا دفعة واحدة ، واحتمل ذلك لما امتزج الحرفان والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها ، ومن قال به كالحوفي فقد تعسف ، وموضعهما رفع بالابتداء .
وقوله تعالى : { مّن نَّبِىٍّ } تمييز له كتمييزكم ، وقد تقدم آنفاً الكلام في ذلك ، ولعل المراد من النبي هنا الرسول وبه صرح الطبرسي { قَتْلَ * مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } أي جموع كثيرة ، وهو التفسير المشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، واستشهد له كما رواه ابن الأنباري حين سأله نافع بن الأزرق بقول حسان :
وإذا معشر تجافوا عن القص ... د ( أملنا عليهم ربّيا )

(3/254)


وعليه فهو منسوب إلى ربة بكسر الراء وكون الضم فيها لغة غير متحقق وهي الجماعة للمبالغة وخصها الضحاك بألف ، وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنهم العلماء الفقهاء ، وأخرجه ابن جبير عن ابن عباس أيضاً وعليه فهو منسوب إلى الرب كرباني على خلاف القياس كقراءة الضم ، والموافق له الفتح وبه قرىء وقال ابن زيد : الرّبّيون هم الأتباع والربانيون الولاة ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب قتل بالبناء للمفعول ، وفي خبر المبتدأ أوجه : أحدها : أنه الفعل مع الضمير المستتر فيه الراجع إلى كأين أو إلى نبي وحينئذ فمعه ربيون جملة حالية من الضمير ، أو من نبي لتخصيصه معنى ، أو معه حال وربيون فاعله . وثانيها : أنه جملة { مَعَهُ رِبّيُّونَ } فحينئذ تكون جملة الفعل مع مرفوعه صفة لنبي وثالثها : أنه محذوف وتقديره مضى ونحوه ، وحينئذ يجوز أن يكون الفعل صفة لنبي ، و { مَعَهُ رِبّيُّونَ } حالاً على ما تقدم ، ويجوز أن يكون الفعل مسنداً لربيون فلا ضمير فيه والجملة صفة لنبي ، ورابعها : أن يكون { رِبّيُّونَ } مرفوعاً بالفعل فلا ضمير ، والجملة هي الخبر .
وقرىء قتل بالتشديد قال ابن جني : وحينئذ فلا ضمير في الفعل لما في التضعيف من الدلالة على التكثير وهو ينافي إسناده إلى الواحد ، وأجيب بأنه لا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة . واعترض بأنه خلاف الظاهر ، ومن هنا قيل : إن هذه القراءة تؤيد إسناد قتل إلى الربيين ويؤيدها أيضاً ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جبير أنه كان يقول : ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال ، وقول الحسن وجماعة : لم يقتل نبي في الحرب قط ثم إن من ادعى إسناد القتل إلى النبي وأنه في الحرب أيضاً على ما يشعر به المقام حمل النصرة الموعود بها في قوله تعالى : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] على النصرة بإعلاء الكلمة ونحوه لا على الأعداء مطلقاً لئلا تتنافى الآيتان ، وهذا أحد أجوبة في هذا المقام تقدمت الإشارة إليها فتذكر ، والتنوين في { نَّبِىٍّ } للتعظيم . وزعم الأجهوري أنه للتكثير .
{ فَمَا وَهَنُواْ } عطف على قاتل على أن المراد عدم الوهن المتوقع من القتال والتلبس بالشيء بعد ورود ما يستدعي خلافه وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهر لكنه بحسب الحقيقة كما قال مولانا شيخ الإسلام : صنع جديد ، ومن هنا صح دخول الفاء المؤذنة بترتب ما بعدها على ما قبلها ، ومن ذلك قولهم : وعظته فلم يتعظ وزجرته فلم ينزجر ، وأصل الوهن الضعف ، وفسره قتادة وابن أبي مالك هنا بالعجز ، والزجاج بالجبن أي فما عجزوا أو فما جبنوا { لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله } في أثناء القتال وهذا علة للمنفي لا للنفي ، نعم يفهم المنفي من تقييد المثبت بهذا الظرف و ما موصولة أو موصوفة فإن جعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا القتل من مكاره الحروب التي تعتري الكل ، وإن جعلا للبعض الباقين بعد قتل الآخرين وهو الأنسب كما قيل : بمقام توبيخ المنخذلين بعد ما استشهد الشهداء فهي عبارة عن ذلك أيضاً مع ما اعتراهم بعد قتل إخوانهم من نحو الخوف والحزن ، هذا على القراءة المشهورة ، وأما على القراءتين الأخيرتين أعني قتل وقتل على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة فقد قالوا : إن أسند الفعل إلى الظاهر فالضميران للباقين حتماً والكلام حينئذ من قبيل قتل بنو فلان إذا وقع القتل فيهم ولم يستأصلهم وإن أسند إلى الضمير كما هو الظاهر الأنسب عند البعض بالتوبيخ على الانخذال بسبب الارجاف بقتله صلى الله عليه وسلم .

(3/255)


وإليه ذهب قتادة والربيع وابن أبي إسحق والسدي كما قيل فهما للباقين أيضاً إن اعتبر كون الربيين مع النبي في القتل وللجميع إن اعتبر كونهم معه في القتال .
{ وَمَا ضَعُفُواْ } أي ما فتروا عن الجهاد قاله الزجاج ، وقيل : ما عراهم ضعف في الدين بأن تغير اعتقادهم لعدم النصر { وَمَا استكانوا } أي ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم قاله قتادة ، وقيل : ما خضعوا لعدوهم ، وإليه يشير كلام ابن عباس ، وكثيراً ما يستعمل استكان بهذا المعنى ، وكذا بمعنى تضرع ، واختلف فيه هل هو من السكون فوزنه افتعل لأن الخاضع يسكن لمن خضع له فألفه للاشباع وهو كثير وليس بخطأ خلافاً لأبي البقاء ، ولا يختص بالشعر خلافاً لأبي حيان ، أو من الكون فوزنه استفعل وألفه منقلبة عن واو السين مزيدة للتأكيد كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره ، وقيل : لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود . وجوز أن يكون من قول العرب : بات فلان بكينة سوء أي بحالة سوء ، أو من كانه يكينه إذا أذله ، وعزى ذلك إلى الأزهري وأبي علي ، وحينئذ فألفه منقلبة عن ياء ، والجمهور على فتح الهاء من وهنوا وقرىء بكسرها وهي لغة والفتح أشهر ، وقرىء بإسكانها على تخفيف المكسور وفي الكلام تعريض لا يخفى .
{ والله يُحِبُّ الصابرين } على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم . والمراد بالصابرين إما الربيون ، والإظهار في موضع الاضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو ملاك الأمر مع الإشعار بعلة الحكم ، وإما ما يعمهم وغيرهم وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً . والجلمة على التقديرين تذييل لما قبلها .

(3/256)


وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)

وقوله تعالى : { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم بالكلية ، وهو معطوف على ما قبله ، وقيل : كلام مبين لمحاسنهم القولية إثر بيان محاسنهم الفعلية ، وقولهم بالنصب خبر لكان واسمها المصدر المتحصل من { ءانٍ } وما بعدها في قوله تعالى : { إِلاَّ أَن قَالُواْ } والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان قولهم في ذلك المقام واشتباك أسنة الشدائد والآلام إلا أن قالوا .
{ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } أي صغائرنا { وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } أي تجاوزنا عن الحد ، والمراد كبائرنا وروي ذلك عن الضحاك ، وقيل : الإسراف تجاوز في فعل ما يجب ، والذنب عام فيه وفي التقصير ، وقيل : إنه يقابل الإسراف وكلاهما مذموم ، وسيأتي في هذه السورة إن شاء الله تعالى إطلاق الذنوب على الكبائر فافهم . والظرف متعلق بما عنده أو حال منه وإنما أضافوا ذلك إلى أنفسهم مع أن الظاهر أنهم برآء من التفريط في جنب الله تعالى هضماً لأنفسهم واستقصاراً لهمهم وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم ، على أنه لا يبعد أن يراد بتلك الذنوب وذلك الإسراف ما كان ذنباً وإسرافاً على الحقيقة لكن بالنسبة إليهم ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقيل : أرادوا من طلب المغفرة طلب قبول أعمالهم حيث إنه لا يجب على الله تعالى شيء ، وفيه ما لا يخفى ، وقدموا الدعاء بالمغفرة على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقوله سبحانه : { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } أي عند جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا وإمدادنا بالمدد الروحاني من عندك { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } تقريباً له إلى حيز القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة . ومن الناس من قال : المراد من ثبت أقدامنا ثبتنا على دينك الحق فيكون تقديم طلب المغفرة على هذا التثبيت من باب تقديم التخلية على التحلية وتقديمهما على طلب النصرة لما تقدم ، وقيل : إنهم طلبوا الغفران أولاً ليستحقوا طلب النصر على الكافرين بترجحهم بطهارتهم عن الذنوب عليهم وهم محاطون بالذنوب ، وفي طلبهم النصر مع كثرتهم المفرطة التي دل عليها ما سبق إيذان بأنهم لا ينظرون إلى كثرتهم ولا يعوّلون عليها بل يسندون ثبات أقدامهم إلى الله تعالى ويعتقدون أن النصر منه سبحانه وتعالى ، وفي الإخبار عنهم بأنه ما كان قولهم إلا هذا دون ما فيه شائبة جزع وخور وتزلزل من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى .
وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع { قَوْلُهُمْ } على أنه الاسم والخبر { ءانٍ } وما في حيزها أي ما كان قولهم شيئاً من الأشياء إلا هذا القول المنبىء عن أحاسن المحاسن ، قال مولانا شيخ الإسلام : «وهذا كما ترى أقعد بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبار بكون قولهم المطلق خصوصية قولهم المحكي عنهم مفصلاً كما تفيده قراءتهما أكثر إفادة للسامع من الإخبار بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل الخبرية هو الخبر ، فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدث وأوفر اشتمالاً على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع ، ولا يخفى أن ذلك ههنا في أن مع ما في حيزها أتم وأكمل ، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت سهلة الحصول خارجاً وذهناً كان حقها أن تلاحظ ملاحظة إجمالية وتجعل عنواناً للموضوع لا مقصوداً بالذات في باب البيان ، وإنما اختار الجمهور ما اختار والقاعدة صناعية هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحق بالإسمية ، ولا ريب في أعرفية أن قالوا لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث ولأنه يشبه المضمر من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به ، وقولهم مضاف إلى مضمر وهو بمنزلة العلم فتأمل» انتهى .

(3/257)


وقال أبو البقاء : جعل ما بعد { إِلا } اسماً لكان ، والمصدر الصريح خبراً لها أقوى من العكس لوجهين : أحدهما : أن { أَن قَالُواْ } يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف ، والثاني : أن ما بعد { إِلا } مثبت ، والمعنى كان قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا الخ دأبهم في الدعاء ، وقال العلامة الطيبي : كأن المعنى ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول وكأن غير هذا القول مناف لحالهم ، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع { ءانٍ } مع الفعل اسما لكان ، وتحقيقه ما ذكره صاحب «الانتصاف» من أن فائدة دخول { كَانَ } المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه بتعديد جهة فعله عموماً باعتبار الكون وخصوصاً باعتبار خصوصية المقال فهو نفى مرتين ، ثم قال : فعلى هذا لو جعلت رب الجملة أن قالوا واعتمدت عليه وجعلت قولهم كالفضلة حصل لك ما قصدته ولو عكست ركبت التعسف ، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسياً منسياً في الوجه الثاني واعتمد على ما بعد إلا انتهى .
ومنه يعلم ما في كلام مولانا شيخ الإسلام فإنه متى أمكن اعتبار جزالة المعنى مع مراعاة القاعدة الصناعية لا يعدل عن ذلك إلى غيره لا سيما وقد صرحوا بأن جعل الاسم غير الاعرف ضعيف ، قال في «المغني» : واعلم أنهم حكموا لأن وإن المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير لأنه لا يوصف كما أن الضمير أيضاً كذلك فلهذا قرأت السبعة { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ الجاثية : 25 ] { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ النمل : 56 ] والرفع ضعيف كضعف الأخبار بالضمير عما دونه في التعريف انتهى ، وعلل بعضهم أعرفية المصدر المؤل بأنه لا ينكر .

(3/258)