صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات : { لا إِكْرَاهَ فِى الدين } لأنه في الحقيقة هو الهدى المستفاد من النور القلبي اللازم للفطرة وهو لا مدخل للإكراه فيه { قَد تَّبَيَّنَ } ووضح { الرشد } الذي هو طريق الوحدة وتميز { مِنَ الغي } الذي هو النظر إلى الأغيار { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } وهو ما سوى الله تعالى { وَيُؤْمِن بالله } إيماناً حقيقياً شهودياً { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } التي هي الوحدة الذاتية { لاَ انفصام لَهَا } في نفسها/ لأنها الموافقة لما في نفس الأمر والممكنات والشؤون داخلة في دائرتها غير منقطعة عنها { والله سَمِيعٌ } يسمع قول كل ذي دين { عَلِيمٌ } [ البقرة : 256 ] بنيته { الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ } وليس وليّ سواه ولا ناصر ولا معين لهم غيره { يُخْرِجُهُم مّنَ } ظلمات النفس وشبه الخيال والوهم إلى نور اليقين والهداية وفضاء عالم الأرواح { والذين كَفَرُواْ } بالميل إلى الاغيار { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } الذي حال بينهم وبين الله تعالى فلم يلتفتوا إليه { يُخْرِجُونَهُم مّنَ } نور الاستعداد والهداية الفطرية إلى ظلمات صفات النفس والشكوك والشبهات { أولئك } المبعدون عن الحضرة { أصحاب النار } الطبيعية { هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة : 257 ] { أَلَمْ تَرَ الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ } وهو نمروذ النفس الأمارة المجادلة لإبراهيم الروح القدسية التي ألقيت في نار الطبيعة فعادت عليها برداً وسلاماً ، أو نمروذ الجبار وإبراهيم الخليل عليه السلام { أَنْ آتاه الله الملك } الذي هو عالم القوى البدنية وملك هذه الدنيا الدنية { إِذْ قَالَ إبراهيم } الروح أو إبراهيم الخليل { رَبّى } أي من غذيت ببيان أنواره أو إيجاده وهدايته { الذى * يحيى } من توجه إليه { وَيُمِيتُ } من أعرض عنه ، أو يحيى ويميت الإحياء والإماتة المعهودتين { قَالَ } نمروذ النفس الأمارة ، أو الجبار { أَلَمْ تَرَ } بعض القوى بصرفها في ميادين اللذات واستنشاق ريح الشهوات { وَأُمِيتُ } بعضها بتعطيله عن ذلك برهة ، أو أحيى بالعفو وأميت بالقتل { قَالَ إبراهيم } الروح ، أو الخليل { إِنَّ الله * يَأْتِىَ } بشمس العرفان { مِنْ } وهو جانب المبدأ الفياض { المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } أي أظهرها بعد غروبها وحيلولة أرض الوجود بينك وبينها ، أو أن الله يأتي بشمس الروح من مشرقها وهو مبدأها الأصلي فتشرق أنوارها على صفحات البدن فأت بها بعدما غربت أي فأرجعها إلى من قتلته وأمته ، وعلى هذا يكون من تتمة الأول { فَبُهِتَ } وغلب { الذى كَفَرَ } [ البقرة : 258 ] وهو النفس الأمارة المدعية للربوبية على عرش البدن أو نمروذ اللعين { أَوْ كالذى مَرَّ } وهو العقل الإنساني { على قَرْيَةٍ } القلب الذي هو البيت المقدس ، أو هو عزير النبي وكان قدم على بيت المقدس قبل التجلي باسمه تعالى المحيى { وَهِىَ خَاوِيَةٌ } خالية من التجليات النافعة ثابتة { على عُرُوشِهَا } صورها أو ساقطة منهدمة لضعف أس الاستعداد على عروش العزائم { قَالَ } لذهوله عن النظر إلى الحقائق { إِنّى } متى ، أو كيف { يحيى * هذه } القرية الله الجامع لصفات الجمال والجلال { بَعْدَ مَوْتِهَا } بداء الجهل والالتفات إلى السوى { فَأَمَاتَهُ الله } أبقاه جاهلاً مائة عام أي مدة طويلة ، وقيل : هي عبارة في الأصل عن ثمانية أعوام وأربعة أشهر أو خمسة وعشرين سنة ثم بعثه بالحياة الحقيقية وطلب منه الوقوف على مدة اللبث فما ظنها إلا يوماً أو بعض يوم استصغاراً لمدة اللبث في موت الجهل المنقضية بالنسبة إلى الحياة الأبدية ، أو أماته بالموت الإرادي في إحدى المدد المذكورة فتكون المدة زمان رياضته وسلوكه ومجاهدته في سبيل الله تعالى ، أو أماته حتف أنفه بالموت الطبيعي ثم بعثه بالإحياء قال : بل لبثت في الحقيقة مائة عام { فانظر إلى طَعَامِكَ } وكان التين أو العنب ، والأول : إشارة إلى المدركات الكلية لكونه لباً كله وكون الجزئيات فيه بالقوة كالحبات التي في التين ، والثاني : إشارة إلى الجزئيات لبقاء اللواحق المادية معها في الإدراك كالقشر والعجم { وَشَرَابِكَ } وكان عصير العنب أو اللبن ، والأول : إشارة إلى العشق والإرادة وعلوم المعارف والحقائق ، والثاني : إشارة إلى العلم النافع كالشرائع { لَمْ يَتَسَنَّهْ } أي لم يتغير عما كان في الأول بحسب الفطر مودعاً فيك فإن العلوم مخزونة في كل نفس بحسب استعداده والناس معادن كمعادن الذهب والفضة وإن حجبت بالمواد وخفيت مدة بالتقلب في البرازخ وظلماتها لم تبطل ولم تتغير عن حالها حتى إذا رفع الحجاب ظهرت كما كانت { وانظر إلى حِمَارِكَ } وهو القالب الحامل للقلب أو/ لمعنى { وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً } أي دليلاً للناس بعثناك { وانظر إِلَى العظام } من القوى { كَيْفَ نُنشِزُهَا } ونرفعها عن أرض الطبيعة { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } وهو العرفان الذي يكون لباساً لها ، وعبر عنه باللحم لنموه وزيادته كلما تغذت الروح بأطعمة الشهود وأشربة الوصال ، والمعنى الظاهر ظاهر { فَلَمَّا تَبَيَّنَ } ووضح { لَهُ } ذلك { قَالَ أَعْلَمُ } علماً مستمراً { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء } ومن جملته ما كان { قَدِيرٌ } [ البقرة : 259 ] لا يستعصي عليه ولا يعجزه .

(2/339)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } بيان لتسديد المؤمنين إثر بيان ولمغايرته لما تقدم كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى غير الأسلوب والظرف منتصب إما بمضمر صرح بمثله في قوله تعالى : { واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء } [ الأعراف : 69 ] وإيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما فيه بطريق برهاني وإما بقال الآتي وقد تقدم تحقيق ذلك { رَبّ } كلمة استعطاف شرع ذكرها قبل الدعاء مبالغة في استعداد الإجابة { أَرِنِى } من الرؤية البصرية المتعدية بهمزة النقل إلى مفعولين فالباء مفعوله الأوّل وقوله تعالى : { كَيْفَ * يُحْيِىَ الموتى } في محل مفعوله الثاني المعلق عنه ، وإلى ذلك ذهب أكثر المعربين ، واعترض بأن البصرية لا تعلق ، وأجيب بأن ذلك إنما ذكره بعض النحاة ، ورده ابن هشام بأنه سمع تعليقها ، وفي «شرح التوضيح» يجوز كونها علمية ، ومن الناس من لم يجعل ( ما ) هنا من التعليق في شيء وجعل كلمة { كَيْفَ } الخ في تأويل مصدر هو المفعول كما قاله ابن مالك في قوله تعالى : { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } [ إبراهيم : 45 ] ثم الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن شيء متقرر الوجود عند السائل والمسؤول ، فالاستفهام هنا عن هيئة الإحياء المتقرر عند السائل أي بصرني كيفية إحيائك للموتى وإنما سأله عليه السلام لينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين ، وفي الخبر «ليس الخبر كالمعاينة» وكان ذلك حين رأى جيفة تمزقها سباع البر والبحر والهواء قاله الحسن والضحاك وقتادة ، وهو المروي عن أهل البيت ، وروي عن ابن عباس والسدي وسعيد بن جبير أن الملك بشره عليه السلام بأن الله تعالى قد اتخذه خليلاً وأنه يجيب دعوته ويحيى الموتى بدعائه فسأل لذلك ، وروى عن محمد بن إسحق بن يسار أن سبب السؤال منازعة النمروذ إياه في الاحياء حيث رد عليه لما زعم أن العفو إحياء وتوعده بالقتل إن لم يحي الله تعالى الميت بحيث يشاهده فدعا حينئذ { قَالَ } استئناف مبني على السؤال والضمير للرب { أَوَ لَمْ * تُؤْمِنَ } عطف على مقدر أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألني عنه أو بأني قد اتخذتك خليلاً ، أو بأن الجبار لا يقتلك { قَالَ } أي إبراهيم { بلى } آمنت بذلك { ولكن } سألت { لّيَطْمَئِنَّ } أي يسكن { قَلْبِى } بمضامة الأعيان إلى الإيمان والإيقان بأنك قادر على ذلك ، أو : ليطمئن قلبي بالخلة أو بأن الجبار لا يقتلني ، وعلى كل تقدير لا يعود نقص على إبراهيم من هذا السؤال ولا ينافي منصب النبوة أصلاً ، وللناس ولوع بالسؤال عن هذه الآية وما ذكر هو المشهور فيها ويعجبني ما حرره بعض المحققين في هذا المقام وبسطه في الذب عن الخليل عليه السلام من الكلام ، وهو أن السؤال لم يكن عن شك في أمر ديني والعياذ بالله ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء ليحيط علماً بها وكيفية الإحياء لا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها ، فالخليل عليه السلام طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه ، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة { كَيْفَ } وموضوعها السؤال عن الحال ، ونظير هذا أن يقول القائل : كيف يحكم زيد في الناس فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه المعلوم ثبوته ولو كان سائلاً عن/ ثبوت ذلك لقال أيحكم زيد في الناس ولما كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فتنسب إلى إبراهيم وحاشاه شكا من هذه الآية قطع النبي صلى الله عليه وسلم دابر هذا الوهم بقوله على سبيل التواضع :

(2/340)


« نحن أحق بالشك من إبراهيم » أي ونحن لم نشك فلأن لا يشك إبراهيم أحرى ، وقيل : إن الكلام مع أفعل جاء هنا لنفي المعنى عن الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام أي لا شك عندنا جميعاً ، ومن هذا الباب { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } [ الدخان : 37 ] أي لا خير في الفريقين ، وإنما جاء التقرير بعد لأن تلك الصيغة وإن كانت تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية كما علمت إلا أنها قد استعمل أيضاً في الاستعجاز كما إذا ادعى مدع أنه يحمل ثقلاً من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له : أرني كيف تحمل هذا وتريد أنك عاجز عن حمله فأراد سبحانه لما علم براءة الخليل عن الحوم حول حمى هذا المعنى أن ينطقه في الجواب بما يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى ليكون إيمانه مخلصاً بعبارة تنص عليه بفهمها كل من يسمعها فهماً لا يتخالجه فيه شك ، ومعنى الطمأنينة حينئذ سكون القلب عن الجولان في كيفيات الإحياء المحتملة بظهور التصوير المشاهد ، وعدم حصول هذه الطمأنينة قبل لا ينافي حصول الإيمان بالقدرة على الإحياء على أكمل الوجوه ، ولا أرى رؤية الكيفية زادت في إيمانه المطلوب منه عليه السلام شيئاً وإنما أفادت أمراً لا يجب الإيمان به ، ومن هنا تعلم أن علياً كرم الله تعالى وجهه لم يثبت لنفسه مرتبة في الإيمان أعلى من مرتبة الخليل فيه بقوله : لو كشفت لي الغطاء ما ازددت يقيناً كما ظنه جهلة الشيعة وكثير من أصحابنا لما لم يقف على ما حررنا تجشم لدفع ما عسى أن يتوهم من كلامي الخليل والأمير من أفضلية الثاني على الأول فبعض دفعه بأن اليقين يتصور أن يطرأ عليه الجحود لقوله تعالى : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } [ النمل : 14 ] والطمأنينة لا يتصور طرو ذلك عليها ونسب هذا لحجة الإسلام الغزالي وفي القلب منه شيء ، وبعض قرر في دفعه أن مقام النبوة مغاير لمقام الصديقية ، فلمقام النبوة طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه ، ولمقام الصديقية طمأنينة وعدم طمأنينته بحسبه أيضاً ، وطمأنينة مقام النبوة كانت لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كما كشف عنها بقوله تعالى :

(2/341)


{ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } [ الفرقان : 45 ] على ما يعرفه أهل الذوق من الآية وكان الاستعداد من إبراهيم وكذا من موسى عليهما السلام متوجهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة كما أبانا عن أنفسهما ب { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ * يُحْيِىَ الموتى } و { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] وطمأنينة مقام الصديقية كانت للصديقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما أبدى عن نفسه إمام الصديقين كرم الله تعالى وجهه بقوله : «لو كشف» الخ ، وكان الاستعداد في صدِّيقي سائر الأنبياء متوجهاً إلى ابتغاء تلك الطمأنينة فثبتت الفضيلة لمحمد صلى الله عليه وسلم على سائر إخوانه من الأنبياء والصديقية على سائر الصديقين من أممهم ولم يثبت لصديقيه لوجدانهم طمأنينتهم الفضيلة على الأنبياء عند فقدانهم طمأنينتهم لأن ما فقدوه من الطمأنينة غير ما وجده الصديقون منها لأنهم إنما يفقدون الطمأنينة اللائقة بمقام النبوة والصديقون لم يجدوا مثل تلك الطمأنينة وإنما وجدوا طمأنينة لائقة بمقام الصديقين ولو رضي النبيون بمثله لكان حاصلاً لهم ، وأجل من ذلك بعدة مراتب ولقد اعترف الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه بهذا التخلف حين بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إني لأسهو فقال : يا ليتني كنت سهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ علم أن ما يعده رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه الكريمة سهواً فوق أعلى يقظان الصديق إذ حسنات الأبرار سيآت المقربين وحسنات المقربين سيآت النبيين ، وهذا أولى مما سبق ، وبعض من المتصوفة كجهلة الشيعة التزموا ظاهر كل من الكلامين وزعموا أن أولياء هذه الأمة وصديقهم أعلى كعباً من الأنبياء ولو نالوا مقام الصديقية/ محتجين بما روي عن الإمام الرباني سيدي وسندي عبد القادر الكيلاني قدس سره أنه قال : يا معشر الأنبياء الفرق بيننا وبينكم بالألقاب وأوتينا ما لم تؤتوه ، وببعض عبارات للشيخ الأكبر قدس سره ينطق بذلك ، وأنت تعلم أن التزام ذلك والقول به خرق لإجماع المسلمين ومصادم للأدلة القطعية على أفضلية الأنبياء على سائر الخلق أجمعين ، ويوشك أن يكون القول به كفراً بل قد قيل به ، وما روي عن الشيخ عبد القادر قدس سره فمما لم يثبت نقله عنه في كتاب يعول عليه ، وما يعزى إلى الشيخ الأكبر قدس سره فتعارضه عبارات له أخر مثل قوله قدس سره وهو الذي تعلم ترجمته لنفسه وعده إياها من أكبر الصديقين بل خاتم الولاية الخاصة والمقام المحمدي فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجليّاً لا دخولاً فكدت أحترق ، وبتقدير تسليم ما نقل عمن نقل والقول بعدم قوة المعارض لنا أن نقول : إن ذلك القول صدر عن القائل عند فنائه في الحقيقة المحمدية والذات الأحمدية فاللسان حينئذ لسانها والقول قولها ولم يصدر ذلك منه حين رؤية نفسه ، والوقوف عند رتبته وهذا غير ما ذهب إليه الشيعة وبعيد عنه بمراحل ، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه بأتم من هذا إن شاء الله تعالى ، فخزائن الفكر ولله الحمد مملوءة ، ولكل مقام مقال ، هذا وذكر الزمخشري أن المراد بالطمأنينة هنا العلم الذي لا مجال للتشكيك فيه وهو علم الضرورة المخالف لعلم الاستدلال حيث يجوز معه ذلك ، واعترض بأن العلم الموقوف على سبب لا يتصور فيه تشكيك ما دام سببه مذكوراً في نفس العالم وإنما الذي قبل التشكيك قبولاً مطلقاً هو الاعتقاد وإن كان صحيحاً وسببه باق في الذكر وبهذا ينحط الاعتقاد الصحيح عن العلم ، وأجيب بأن هذا مبني على تفسير العلم بأنه صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض بوجه على ما ذكره ابن الحاجب في «مختصره» وقد قيل عليه ما قيل فتدبر ، واللام في { لّيَطْمَئِنَّ } لام كي والفعل منصوب بعدها بإضمار أن ، وليس بمبنى كما زلق السمين ومتعلق اللام محذوف كما أشرنا حذف ما منه الاستدراك ، وقيل : المتعلق { أَرِنِى } ولا أراه شيئاً ، والماضي للفعل اطمأن على وزن اقشعر ، واختلف هل هو مقلوب أم لا؟ فمذهب سيبويه أنه مقلوب من اطأمن فالطاء فاء الكلمة والهمزة عينها ، والميم لامها فقدمت اللام التي هي الميم على العين وهي الهمزة فوزنه افلعل ، ومذهب الجرمي أنه غير مقلوب وكأنه يقول اطأمن واطمأن مادتان مستقلتان ومصدره الطمأنينة بسكون الميم وفتح الهمزة ، وقيل : طمانينه بتخفيف الهمزة وهو قياس مطرد عند الكوفيين وهو على غير قياس المصادر عند الجميع إذ قياس اطمأن أن يكون مصدره على الاطمئنان ، وقرىء أرني بسكون الراء .

(2/342)


{ قَالَ } أي الرب { فَخُذْ } الفاء لجواب شرط محذوف أي إن أردت ذلك فخذ . { أَرْبَعَةً مّنَ الطير } المشهور أنه اسم جمع كركب وسفر ، وقيل : بل هو جمع طائر كتاجر وتجر وإليه ذهب أبو الحسن وقيل : بل هو مخفف من طير بالتشديد ، وقال أبو البقاء : هو في الأصل مصدر طار يطير ثم سمي به هذا الجنس وألحقت التاء في عدده لاعتباره مذكراً واسم الجنس لما لا يعقل يذكر ويؤنث والجار متعلق بمحذوف وقع صفة لما قبله أو متعلق بخذ والمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها الغرنوق ، والطاوس ، والديك ، والحمامة ، وعن مجاهد بدل الغرنوق الغراب ، وفي رواية بدل الحمامة بطة ، وفي رواية نسر ، وتخصيص الطير بذلك لأنه أقرب إلى الإنسان باعتبار طلبه المعاش والمسكن ولذلك وقع في الحديث

(2/343)


« لو توكلتم على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً » ولأنه أجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتي ما يفعل به من التجزئة والتفرقة ولما فيه من مزيد أجزاء من الريش ففي إحيائها مزيد من ظهور القدرة/ ولأن من صفته الطيران في السماء وكان من همة إبراهيم عليه الصلاة والسلام الميل إلى جهة العلو والوصول إلى الملكوت فكان معجزته مشاكلة لهمته .
{ فَصُرْهُنَّ } قرأ حمزة ويعقوب بكسر الصاد ، والباقون بضمها مع التخفيف من صاره يصوره ويصيره لغتان بمعنى قطعه أو أماله لأنه مشترك بينهما كما ذكره أبو علي ، وقال الفراء : الضم مشترك بين المعنيين ، والكسر بمعنى القطع فقط ، وقيل : الكسر بمعنى القطع ، والضم بمعنى الإمالة ، وعن الفراء إن صاره مقلوب صراه عن كذا قطعه ، والصحيح أنه عربي وعن عكرمة أنه نبطي ، وعن قتادة أنه حبشي ، وعن وهب أنه رومي ، فإن كان المراد أملهن فقوله تعالى : { إِلَيْكَ } متعلق به وإن كان المراد فقطعهن فهو متعلق بخذ باعتبار تضمينه معنى الضم ، واختار أبو البقاء أن يكون حالاً من المفعول المضمر أي فقطعهن مقربة ممالة إليك وزعم ابن هشام تبعاً لغيره أنه لا يصح تعليق الجار بصرهن مطلقاً إن لم يقدر مضاف أي إلى نفسك محتجاً بأنه لا يتعدى فعل غير علمي عامل في ضمير متصل إلى المنفصل ، ورد بأنه إنما يمنع إذا كان متعدياً بنفسه أما المتعدي بحرف فهو جائز كما صرح به علماء العربية ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فصرهن بتشديد الراء مع ضم الصاد وكسرها من صره إذا جمعه ، والراء إما مضمومة للاتباع أو مفتوحة للتخفيف ، أو مكسورة لالتقاء الساكنين ، وعنه أيضاً فصرهن من التصرية بفتح الصاد وكسر الراء المشددة وأصلها تصررة فأبدل أحد أحرف التضعيف ياءاً وهي في الأصل من صريت الشاة إذا لم تحلبها أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها ثم استعمل في مجرد معنى الجمع أي اجمعهن وضمهن إليك لتتأملها وتعرف شأنها مفصلة حتى تعلم بعد الإحياء أن جزءاً من أجزائها لم ينتقل من موضعه الأول أصلاً .
{ ثُمَّ اجعل } أي ألق أو صير بعد ذبحهن وخلط لحومهن وريشهن ودمائهن كما قاله قتادة . { على كُلّ جَبَلٍ } يمكنك الوضع عليه ولم يعين له ذلك كما روي عن مجاهد ، والضحاك وروي عن ابن عباس والحسن ، وقتادة أن الجبال كانت أربعة ، وعن ابن جريج ، والسدي أنها كانت سبعة ، وعن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنها كانت عشرة { مِنْهُنَّ } أي من تلك الطير { جُزْءا } أي قطعة ، وبعضاً ربعاً ، أو سبعاً أو عشراً أو غير ذلك؛ وقرىء ( جزءاً ) بضمتين و ( جزاً ) بطرح همزته تخفيفاً ثم تشديده عند الوقف ثم إجراء الوصل مجرى الوقف وهو مفعول لا جعل والجاران قبله متعلقان بافعل ، ويجوز أن يكون على كل مفعولاً ثانياً له إن كان بمعنى صير ، و { مِنْهُنَّ } حال من { جُزْءا } لأنه في الأصل صفة للنكرة قدمت عليها { ثُمَّ ادعهن } أي نادهنّ ، أخرج ابن المنذر عن الحسن قال : إنه عليه الصلاة والسلام نادى أيتها العظام المتمزقة واللحوم المتفرقة والعروق المتقطعة اجتمعي يرد الله تعالى فيكن أرواحكن فوثب العظم إلى العظم وطارت الريشة إلى الريشة وجرى الدم إلى الدم حتى رجع إلى كل طائر دمه ولحمه وريشه ثم أوحى الله تعالى إلى إبراهيم إنك سألتني كيف أحيي الموتى وأني خلقت الأرض وجعلت فيها أربعة أرواح الشمال والصبا والجنوب والدبور حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافخ في الصور فيجتمع من في الأرض من القتلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال ثم قرأ :

(2/344)


{ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة } [ لقمان : 28 ] وعن مجاهد أنه دعاهن باسم إله إبراهيم تعالين ، واستشكل بأن دعاء الجماد غير معقول ، وأجيب بأنه من قبيل دعاء التكوين ، وقيل : في الآية حذف كأنه قيل : فقطعهن ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءاً فإن الله تعالى يحييهن فإذا أحياهن فادعهن .
/ { يَأْتِينَكَ سَعْيًا } فالدعاء إنما وقع بعد الإحياء . ولا يخفى أن الآثار مع ما فيه من التكلف لا تساعده ، وأعظم منه فساداً ما قيل : إنه عليه الصلاة والسلام جعل على كل جبل منهن طيراً حياً ثم دعاها فجاءت فإن ذلك مما يبطل فائدة الطلب ويعارض الأخبار الصحيحة فإن أكثرها ناطق بأنه دعاها ميتة متفرقة الأجزاء ، وفي بعضها أن رؤوسهن كانت بيده فلما دعاهن جعل كل جزء منهن يأتي إلى صاحبه حتى صارت جثثاً ثم أقبلن إلى رؤوسهن فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة منهن إلى ما كانت عليه من الهيئة ، و ( سعياً ) حال من فاعل يأتينك أي ساعيات مسرعات ، أو ذوات سعي طيراناً أو مشياً ، وقيل : إطلاق السعي على الطيران مجاز ، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية كقعدت جلوساً ، ومن الغريب ما نقل عن النضر بن شميل قال : سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى : { يَأْتِينَكَ سَعْيًا } هل يقال الطائر إذا طار سعى؟ فقال : لا قلت : فما معناه؟ قال : معناه : يأتينك وأنت تسعى سعياً وهو من التكلف الغير المحتاج إليه بمكان وإنما اقتصر سبحانه على حكاية أوامره جل شأنه من غير تعرض لامتثال خليله عليه الصلاة والسلام ، ولا لما ترتب عليه من آثار قدرته التي علمت النزر منها للإيذان بأن ترتب تلك الأمور على الأوامر الجليلة واستحالة تخلفها عنها من الجلاء والظهور بحيث لا حاجة له إلى الذكر أصلاً ، وزعم بعضهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام لم يفعل شيئاً مما اقتضاه ظاهر الكلام وأن الأوامر فيه مثلها في قولك لمن لا يعرف تركيب الحبر مثلاً : خذ وكذا وأمكنهما سحقاً وألق عليهما كذا وكذا وضع ذلك في الشمس مدة أيام ثم استعمله تجده حبراً جيداً فإنه لا يقتضي الامتثال إذ كان الغرض مجرد تعليم ، و الرؤية هنا علمية كما نقل عن «شرح التوضيح» ، وإبراهيم حصل له العلم التام بمجرد وصف الكيفية واطمأن قلبه وسكن لبه ، ولهذا لم يذكر الله تعالى ما ترتب على هذه الأوامر من هاتيك الأمور ولم يتعرض للامتثال ولم يعبأ بالإيماء إليه بقال أو حال ، ومال إلى هذا القول أبو مسلم فأنكر القصة أيضاً ، وقال : إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما طلب إحياء الموتى من ربه سبحانه وأراه مثالاً محسوساً قرب الأمر عليه ، والمراد بصرهن أملهن ومرنهنّ على الإجابة أي عود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة ولا يخفى أن هذا خلاف إجماع المسلمين ، وضرب من الهذيان لا يركن إليه أرباب الدين وعدول عما يقتضيه ظاهر الآية المؤيد بالأخبار الصحيحة والآثار الرجيحة إلى ما تمجه الأسماع ولا يدعو إليه داع فالحق اتباع الجماعة ويد الله تعالى معهم ، وفي الآية دليل لمن ذهب إلى أن إحياء الموتى يوم القيامة بجمع الأجزاء المتفرقة وإرسال الروح إليها بعد تركيبها وليس هو من باب إعادة المعدوم الصرف لأنه سبحانه بين الكيفية بالتفريق ثم الجمع وإعادة الروح ولم يعدم هناك سوى الجزء الصوري والهيئة التركيبية دون الأجزاء المادية ، واحتج بها بعضهم أيضاً على أن البنية ليست شرطاً في الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو ، وقال القاضي : دلت الآية على أنه لا بد من البنية حيث أوجب التقطيع بطلان الحياة ، وأجيب بأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة ، والانفكاك في بعض الأحوال يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء كانت دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة وفيه تأمل والمشهور أنها حجة على من ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد/ ولا ينقص وهي ظاهرة في أنه يزيد في الكيف وإن كان لا يزيد في الكم لكن المكلف به هو الجزم الحاصل بالنظر والاستدلال ، ويسميه البعض علم اليقين لا الجزم الكائن بالمشاهدة المسمى بعين اليقين فإن في التكليف به حرجاً في الدين ، وأنت تعلم أن في دلالة الآية على زيادة الإيمان ونقصه بناءاً على الوجه الذي أشرنا إلى اختياره تردداً كما لا يخفى؛ وفيها أيضاً دليل على فضل الخليل عليه الصلاة والسلام ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال حيث أراه سبحانه ما سأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه ، وأرى عزيراً عليه السلام ما أراه بعد ما أماته مائة عام .

(2/345)


{ واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالب على أمره { حَكِيمٌ } ذو حكمة بالغة في أفعاله فليس بناء أفعاله على الأسباب العادية لعجزه عن خرق العادات بل لكونه متضمناً للحكم والمصالح ، وحكي أن الله سبحانه لما وفى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بما سأل قال له : يا إبراهيم نحن أريناك كيف نحيى الموتى فأرنا أنت كيف تميت الأحياء مشيراً إلى ما سيأمره به من ذبح ولده عليه الصلاة والسلام وهو من باب الانبساط مع الخليل ودائرة الخلة واسعة إلا أن حفاظ المحدثين لم يذكروا هذا الخبر وليس له رواية في «كتب الأحاديث» أصلاً .
ومن باب الإشارة في هذه القصة : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِى كَيْفَ * يُحْيِىَ الموتى } أي موتى القلوب بداء الجهل { قَالَ أُوْحِى * لَّمْ تُؤْمِنُواْ } أي ألم تعلم ذلك علماً يقينياً { قَالَ بلى } أعلم ذلك .
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المشاهدة الخليل
وهو المشار إليه بقوله سبحانه : { لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } الذي هو عرشك { قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير } إشارة إلى طيور الباطن التي في قفص الجسم ، وهي أربعة من أطيار الغيب والعقل ، والقلب ، والنفس ، والروح { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } أي ضمهن واذبحهن ، فاذبح طير العقل بسكين المحبة على باب الملكوت ، واذبح طير القلب بسكين الشوق على باب الجبروت ، واذبح طير النفس بسكين العشق في ميادين الفردانية ، واذبح طير الروح بسكين العجز في تيه عزة أسرار الربانية { ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا } فاجعل العقل على جبل العظمة حتى يتراكم عليه أنوار سلطنة الربوبية فيصير موصوفاً بها ليدركني بي بعد فنائه في ، واجعل القلب على جبل الكبرياء حتى ألبسه سناء قدسي فيتيه في بيداء التفكر منعوتاً بصرف نور المحبة ، واجعل النفس على جبل العزة حتى ألبسها نور العظمة لتصير مطمئنة عند جريان ربوبيتي عليها فلا تنازعني في العبودية ولا تطلب أوصاف الربوبية ، واجعل الروح على جبل جمال الأزل حتى ألبسها نور النور وعز العز وقدس القدس لتكون منبسطة في السكر مطمئنة في الصحو عاشقة في الانبساط راسخة في التجليات { ثُمَّ ادعهن } ونادهنّ بصوت سر العشق { يَأْتِينَكَ سَعْيًا } إلى محض العبودية بجمال الأحدية { واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ } يعزك بعرفانك هذه المعاني واطلاعك على صفاته القديمة { حَكِيمٌ } في ظهوره بغرائب التجلي لأسرار باطنك ، وقد يقال : أشار سبحانه بالأربعة من الطير إلى القوى الأربعة التي تمنع العبد عن مقام العيان وشهود الحياة الحقيقية ، ووقع في أثر أنها كانت طاوساً ، وديكاً ، وغراباً ، وحمامة ، ولعل الطاوس إشارة إلى العجب والديك إلى الشهوة والغراب إلى الحرص ، والحمامة إلى حب الدنيا لإلفها الوكر والبرج ، وفي أثر بدل الحمامة بطة ، وفي آخر نسر ، وكان الأول : إشارة إلى الشره الغالب ، والثاني : إلى طول الأمل ، ومعنى { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } حينئذ ضمهنّ وأملهنّ إليك بضبطها ومنعها عن الخروج إلى طلب لذاتها والنزوع إلى مألوفاتها ، وفي الأثر أنه عليه الصلاة والسلام أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويخلط لحومها ودماءها بالدق ويحفظ رؤوسها عنده أي يمنعها عن أفعالها ويزيد هيآتها عن النفس ويقمع دواعيها وطبائعها وعادتها بالرياضة/ ويبقي أصولها فيه ثم أمر أن يجعل على كل جبل من الجبال التي بحضرته وهي العناصر الأربعة التي هي أركان بدنه جزءاً منهنّ وكأنه عليه الصلاة والسلام أمر بقمعها وإماتتها حتى لا يبقى إلا أصولها المركوزة في الوجود والمواد المعدة في طبائع العناصر التي هي فيه ، وفي رواية أن الجبال كانت سبعة فعلى هذا يشير بها إلى الأعضاء السبعة التي هي أجزاء البدن ، وفي أخرى أنها كانت عشرة وعليها ربما تكون إشارة إلى الحواس الظاهرة والباطنة ، وأشار سبحانه بالأمر بالدعاء إلى أنه إذا كانت هاتيك الصفات حية بحياتها كانت غير منقادة وحشية ممتنعة عن قبول الأمر فإذا قتلت كانت حية بالحياة الحقيقية الموهومة بعد الفناء والمحو وهي حياة العبد وعند ذلك تكون مطيعة منقادة متى دعيت أتت سعياً وامتثلت طوعاً وذلك هو الفوز العظيم .

(2/346)


مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)

{ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } أي في وجوه الخيرات الشاملة للجهاد وغيره ، وقيل : المراد الانفاق في الجهاد لأنه الذي يضاعف هذه الأضعاف ، وأما الإنفاق في غيره فلا يضاعف كذلك وإنما تجزي الحسنة بعشر أمثالها { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } خبر عن المبتدا قبله ولا بد من تقدير مضاف في أحد الطرفين أي مثل نفقة الذين { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } أو مثلهم كمثل باذر حبة ولولا ذلك لم يصح التمثيل ، والحبة واحدة الحب وهو ما يزرع للاقتيات وأكثر إطلاقه على البر وبذر ما لا يقتات به من البقل حبة بالكسر { أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } أي أخرجت تلك الحبة ساقاً تشعب منه سبع شعب لكل واحد منها سنبلة .
{ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } كما نرى ذلك في كثير من الحب في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك ، والسنبلة على وزن فنعلة فالنون زائدة لقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل ، وقيل : وزنه فعلله فالنون أصلية والأول هو المشهور وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز لأنها سبب للإنبات والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى وهذا التمثيل تصوير للإضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس .
{ والله يضاعف } هذه المضاعفة أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى ، واقتصر بعض على الأول ، وبعض على الثاني ، والتعميم أتم نفعاً { لِمَن يَشَاء } من عباده المنفقين على حسب حالهم من الإخلاص والتعب وإيقاع الإنفاق في أحسن مواقعه ، أخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه ، وأبي الدرداء ، وأبي هريرة ، وعمران بن حصين ، وأبي أمامة ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله تعالى وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم " ثم تلا هذه الآية وعن معاذ بن جبل : «إن غزاة المنفقين قد خبأ الله تعالى لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علم العباد2 .
{ والله واسع } لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة { عَلِيمٌ } بنية المنفق وسائر أحواله ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر قصة المار على القرية ، وقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكانا من أدل دليل على البعث ذكر ما ينتفع به يوم البعث وما يجد جزاءه هناك وهو الإنفاق في سبيل الله تعالى كما أعقب قصة { الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت } [ البقرة : 243 ] بقوله تعالى عز شأنه : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } [ البقرة : 245 ] وكما عقب قتل داود جالوت وقوله تعالى : { وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا } [ البقرة : 253 ] بقوله سبحانه : { يُرِيدُ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } [ البقرة : 254 ] الخ .
/وفي ذكره الحبة في التمثيل هنا إشارة أيضاً إلى البعث وعظيم القدرة إذ من كان قادراً على أن يخرج من حبة واحدة في الأرض سبعمائة حبة فهو قادر على أن يخرج الموتى من قبورهم بجامع اشتركا فيه من التغذية والنمو .

(2/347)


الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)

{ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } استئناف جىء به لبيان كيفية الإنفاق الذي بين فضله . { ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ } أي إنفاقهم أو ما أنفقوه { مِنَّا } على المنفق عليه { وَلا أَذًى } أي له والمنّ عبد الإحسان وهو في الأصل القطع ، ومنه قوله : حبل منين أي ضعيف وقد يطلق على النعمة لأن المنعم يقطع من ماله قطعة للمنعم عليه ، و الأذى التطاول والتفاخر على المنفق عليه بسبب إنفاقه ، وإنما قدم المنّ لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة { لا } لشمول النفي لاتباع كل واحد منهما ، و { ثُمَّ } للتفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى في الرتبة والبعد بينهما في الدرجة ، وقد استعيرت من معناها الأصلي وهو تباعد الأزمنة لذلك وهذا هو المشهور في أمثال هذه المقامات وذكر في «الانتصاف» وجهاً آخر في ذلك وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه وعلى هذا لا تخرج عن الإشعار ببعد الزمن ولكن معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ومعناها المستعارة له دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه وعليه يحمل قوله تعالى : { ثُمَّ استقاموا } [ فصلت : 30 ] أي داوموا على الاستقامة دواماً متراخياً ممتد الأمد وتلك الاستقامة هي المعتبرة لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيد إلى الهوى والشهوات ، وكذلك { ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ } الخ أي يدومون على تناسي الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان ليسوا بتاركيه في أزمنة ثم يثوبون إلى الإيذاء وتقليد المنّ ، وبسببه مثله يقع في السين نحو { إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ } [ الصافات : 99 ] إذ ليس لتأخر الهداية معنى فيحمل على دوام الهداية الحاصلة له وتراخي بقائها وتمادي أمدها وهو كلام حسن ولعله أولى مما ذكروه لأنه أبقى للحقيقة وأقرب للوضع على أحسن طريقة . والآية كما أخرج الواحدي عن الكلبي والعهدة عليه نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف أما عبد الرحمن فإنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة فقال : كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضها ربي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فقال : عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وتصدق برومة ركية كانت له على المسلمين ، وقال أبو سعيد الخدري : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان ويقول : " يا رب عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه فما زال رافعاً يديه حتى طلع الفجر "

(2/348)


فأنزل الله تعالى فيه { الذين يُنفِقُونَ } الخ .
{ لَهُمْ أَجْرُهُمْ } حسبما وعدهم في ضمير التمثيل وهو جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً عن الموصول ، وفي تكرير الإسناد وتقييد الأجر بقوله تعالى : { لَهُمْ } { عِندَ رَبّهِمْ } من التأكيد والتشريف ما لا يخفى وكان مقتضى الظاهر أن يدخل الفاء في حيز الموصول لتضمنه معنى الشرط كما في قولك : الذي يأتيني فله درهم لكنه عدل عن ذلك إيهاماً بأن هؤلاء المنفقين مستحقون للأجر لذواتهم وما ركز في نفوسهم من نية الخير لا لوصف الإنفاق فإن الاستحقاق به استحقاق وصفي ، وفيه ترغيب دقيق لا يهتدي إليه إلا بتوفيق ، وجوز أن يكون تخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للإيذان بأن/ ترتيب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك اتباع المنّ والأذى أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } المراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما وقد تقدم الكلام على نظيرها .

(2/349)


قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)

{ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } أي كلام جميل يرد به السائل مثل يرحمك الله يرزقك الله إن شاء الله تعالى أعطيك بعد هذا { وَمَغْفِرَةٌ } أي ستر لما وقع من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسؤول وصفح عنه { خَيْرٌ } للسائل { مّن صَدَقَةٍ } عليه { يَتْبَعُهَا } من المتصدق { أَذًى } له لكونها مشوبة بضرر ما يتبعها وخلوص الأوليين من الضرر ، وقيل : يحتمل أن يراد بالمغفرة مغفرة الله تعالى للمسؤول بسبب تحمله ما يكره من السائل أو مغفرة السائل ما يشق عليه من رد المسؤول خير للمسؤول من تلك الصدقة ، وفيه أن الأنسب أن يكون المفضل والمفضل عليه في هذا المقام كلاهما صفتي شخص واحد وعلى هذين الوجهين ليس كذلك على أن اعتبار الخيرية فيهما يؤدي إلى أن يكون في القصة الموصوفة بالنسبة إليه خير في الجملة مع بطلانها بالمرة ، وجعل الكلام من باب هو خير من لا شيء ليس بشيء ، والجملة مستأنفة مقررة لاعتبار ترك اتباع المنّ والأذى ، وإنما لم يذكر المنّ لأن الأذى يشمله وغيره ، وذكره فيما تقدم اهتماماً به لكثرة وقوعه من المتصدقين وعسر تحفظهم عنه ، وصح الابتداء بالنكرة في الأول : لاختصاصها بالوصف وفي الثاني : بالعطف أو بالصفة المقدرة ، وقال يقال : إن المعطوف تابع لا يفتقر إلى مسوغ . { والله غَنِىٌّ } عن صدقات العباد وإنما أمرهم بها لمصلحة تعود إليهم أو عن الصدقة بالمنّ والأذى فلا يقبلها ، أو غنى لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤونة المنّ والأذى ويرزقهم من جهة أخرى { حَلِيمٌ } فلا يعجل بالعقوبة على المنّ والإيذاء لا أنهم لا يستحقونها بسببهما ، والجملة تذييل لما قبلها مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً .

(2/350)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } أقبل عليهم بالخطاب إثر بيان ما بين بطريق الغيبة البالغة في إيجاب العمل بموجب النهي ولذلك ناداهم بوصف الإيمان { لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والاذى } أي بكل واحد منهما لأن النفي أحق بالعموم وأدل عليه ، والمراد بالمنّ المنّ على الفقير كما تقدم وهو المشهور ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد به المنّ على الله تعالى ، وبالأذى الأذى للفقير ، واستشكل ابن عطية هذه الآية بأن ظاهرها يستدعي أن أجر الصدقة يبطل بأحد هذين الأمرين ولا يمكن توجه الإبطال بذلك إلى نفس الصدقة لأنها قد ثبتت في الواقع فلا يعقل إبطالها؛ ومن العقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات خلافاً للمعتزلة ، والآية أحد متمسكاتهم ، وأجيب بأن الصدقة التي يعلم الله تعالى من صاحبها أنه يمنّ ويؤدي ولا تقبل حتى قيل : إنه سبحانه يجعل للملك علامة فلا يكتبها ، والإبطال المتنازع فيه إنما هو في عمل صحيح وقع عند الله تعالى في حيز القبول وما هنا ليس كذلك ، فمعنى { لاَ تُبْطِلُواْ } حينئذٍ لا تأتوا بهذا العمل باطلاً كذا قالوا ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر إلا أن قوله تعالى : { كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس } فيه نوع تأييد له بناءاً على أن { كالذى } في محل نصب إما على أنه نعت لمصدر محذوف أي لا تبطلوها إبطالاً كإبطال الذي الخ وإما على أنه حال من فاعل { لاَ تُبْطِلُواْ } أي لا تبطلوها مشابهين الذي ينفق أي الذي يبطل إنفاقه بالرياء ، ووجه التأييد أن المرائي بالإجماع/ لم يأت بالعمل مقبولاً صحيحاً ، وإنما أتى به باطلاً مردوداً ، وقد وقع التشبيه في البين فتدبر ، وانتصاب ( رياء ) إما على أنه علة لينفق أي لأجل ريائهم؛ أو على أنه حال من فاعله أي ينفق ماله مرائياً ، وجعله نعتاً لمصدر محذوف أي إنفاقاً رياء الناس ليس بشيء ، وقريب منه جعل الجار حالاً من ضمير المصدر المقدر لأنه لا يتمشى إلا على رأي سيبويه ، وأصل رياء رئاء فالهمزة الأولى عين الكلمة والثانية بدل من ياء هي لام لأنها وقعت طرفاً بعد ألف زائدة ، ويجوز تخفيف الهمزة الأولى بأن تقلب ياءاً فراراً من ثقل الهمزة بعد الكسرة ، وقد قرأ به الخزاعي والشموني . وغيرهما ، والمفاعلة في فعله عند السمين على بابها لأن المرائي يرى الناس أعماله والناس يرونه الثناء عليه والتعظيم له؛ والمراد من الموصول ما يشمل المؤمن والكافر كما قيل وغالب المفسرين على أن المراد به المنافق لقوله تعالى : { وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر } حتى يرجو ثواباً أو يخشى عقاباً .
{ فَمَثَلُهُ } أي المرائي في الإنفاق ، والفاء لربط ما بعدها بما قبلها { كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } أي حجر كبير أملس وهو جمع صفوانة أو صفاء أو اسم جنس ورجح بعود الضمير إليه مفرداً في قوله تعالى : { عَلَيْهِ تُرَابٌ } أي شيء يسير منه { فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } أي مطر شديد الوقع والضمير للصفوان وقيل : للتراب .

(2/351)


{ فَتَرَكَهُ صَلْدًا } أي أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً ، وهذا التشبيه يجوز أن يكون مفرقاً فالنافق المنافق كالحجر في عدم الانتفاع ونفقته كالتراب لرجاء النفع منهما بالأجر والإنبات ، ورياؤه كالوابل المذهب له سريعا الضار من حيث يظن النفع ولو جعل مركباً لصح ، وقيل : إنه هو الوجه والأول ليس بشيء . { لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } أي لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا رياءاً ولا ينتفعون به قطعاً ، والجملة مبينة لوجه الشبه أو استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا يكون حالهم حينئذٍ فقيل : لا يقدرون ، وجعلها حالاً من ( الذي ) كما قال السمين مهزول من القول كما لا يخفى ، والضمير راجع إلى الموصول باعتبار المعنى بعد ما روعي لفظه إذ هو صفة لمفرّ لفظاً مجموع معنى كالجمع والفريق ، أو هو مستعمل للجمع كما قوله تعالى : { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } [ التوبة : 96 ] على رأي ، وقوله :
إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
وقيل : إن من والذي يتعاقبان فعومل هنا معاملته ، ولا يخفى بعده ، ورجوع الضمير إلى ( الذين آمنوا ) من قبل بالالتفات مما لا يلتفت إليه { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } إلى ما ينفعهم ، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، وفيه تعريض بأن كلاً من الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها .

(2/352)


وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)

{ وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء * مَرْضَاتَ * الله } أي لطلب رضاه أو طالبين له . { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي ولتثبيت أو مثبتين بعض أنفسهم على الإيمان فمن تبعيضية كما في قولهم : هزّ من/ عطفيه وحرك من نشاطه فإن للنفس قوى بعضها مبدأ بذل المال ، وبعضها مبدأ بذل الروح فمن سخر قوة بذل المال لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه ، ومن سخر قوة بذل المال وقوة بذل الروح فقد ثبت كل نفس ، وقد يجعل مفعول ( تثبيتاً ) محذوفاً أي تثبيتاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم وقلوبهم فمن ابتدائية كما في قوله تعالى : { حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } [ البقرة : 109 ] ويحتمل أن يكون المعنى : وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد ( وتبييناً من أنفسهم ) ، وجوز أن تكون { مِنْ } بمعنى اللام والمعنى توطيناً لأنفسهم على طاعة الله تعالى وإلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي وليس بالبعيد وفيه تنبيه على أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال الذي هو الداء العضال والرأس لكل خطيئة .
{ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } أي بستان بنشز من الأرض ، والمراد تشبيه نفقة هؤلاء في الزكاء بهذه الجنة ، واعتبر كونها في ربوة لأن أشجار الربى تكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً للطافة هوائها وعدم كثافته بركوده . وقرأ ابن عامر وعاصم بربوة بالفتح ، والباقون بالضم ، وابن عباس بالكسر ، وقرىء رباوة وكلها لغات ، وقرىء كمثل حبة بالحاء والباء { أَصَابَهَا وَابِلٌ } مطر شديد { فَأَتَتْ } أي أعطت صاحبها أو الناس ونسبة الإيتاء إليها مجاز { أُكُلُهَا } بالضم الشيء المأكول والمراد ثمرها وأضيف إليها لأنها محله أو سببه ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع بسكون الكاف تخفيفاً { ضِعْفَيْنِ } أي ضعفاً بعد ضعف فالتثنية للتكثير ، أو مثلي ما كانت تثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من الوابل ، أو أربعة أمثاله بناءاً على الخلاف في أن الضعف هل هو المثل أو المثلان ، وقيل : المراد تأتي أكلها مرتين في سنة واحدة كما قيل في قوله تعالى : { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } [ إبراهيم : 25 ] ونصبه على الحال من أكلها أي مضاعفاً { فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } أي فيصيبها ، أو فالذي يصيبها طل أو فطل يكفيها ، والمراد أن خيرها لا يخلف على كل حال لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها و الطل الرذاذ من المطر وهو اللين منه .
وحاصل هذا التشبيه أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يقارنها من الإخلاص والتعب وحب المال والإيصال إلى الأحوج التقي وغير ذلك ، فهناك تشبيه حال النفقة النامية لابتغاء مرضاة الله تعالى الزاكية عن الأدناس لأنها للتثبيت الناشىء عن ينبوع الصدق والإخلاص بحال جنة نامية زاكية بسبب الربوة وأحد الأمرين الوابل ، والطل ، والجامع النمو المقرون بالزكاء على الوجه الأتم ، وهذا من التشبيه المركب العقلي ولك أن تعتبر تشبيه حال أولئك عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل؛ فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل تلك الجنة فكذلك نفقتهم جلت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله تعالى زاكية زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عند ربهم جل شأنه كذا قيل : وهو محتمل لأن يكون التشبيه حينئذٍ من المفرق ويحتمل أن يكون من المركب والكلام مساق للإرشاد إلى انتزاع وجه الشبه وطريق التركيب ، والفرق إذ ذاك بأن الحال للنفقة في الأول وللمنفق في الثاني .

(2/353)


والحاصل أن حالهم في إنتاج القل والكثر منهم الأضعاف لأجورهم كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل الواصلين إليها الإضعاف لأثمارها ، واختار بعضهم الأول ، وأبى آخرون الثاني فافهم { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازي كلاً من المخلص والمرائي بما هو أعلم به ، ففي الجملة ترغيب للأوّل ، وترهيب للثاني مع ما فيها من الإشارة/ إلى الحط على الأخير حيث قصد بعمله رؤية من لا تغني رؤيته من لا تغني رؤيته شيئاً وترك وجه البصير الحقيقي الذي تغني وتفقر رؤيته عز شأنه .

(2/354)


أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)

{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } أي أيحب أحدكم ، وكذلك قرأ عمر رضي الله تعالى عنه في رواية عنه والهمزة فيه للإنكار { أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } وقرىء جنات { مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } أي كائنة من هذين الجنسين النفيسين على معنى أنهما الركن والأصل فيها لا على أن لا يكون فيها غيرهما ، والنخيل قيل : اسم جمع ، وقيل : جمع نخل وهو اسم جنس جمعي ، و ( أعناب ) جمع عنبة ويقال عنباء فلا ينصرف لألف التأنيث الممدودة وحيث جاء في القرآن ذكر هذين الأمرين فإنما ينص على النخل دون ثمرتها وعلى ثمرة الكرم دون شجرتها ولعل ذلك لأن النخلة كلها منافع ونعمت العمات هي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها حين يأذن ربها ، وأعظم منافع الكرم ثمرته دون سائره ، وفي بعض الآثار ولم أجده في كتاب يعول عليه إن الله تعالى يقول : أتكفرون بي وأنا خالق العنب ، و الجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكاثفة ، وعلى الأرض المشتملة عليها ، والأول أنسب بقوله تعالى : { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } إذ على الثاني يحتاج إلى تقدير مضاف أي من تحت أشجارها وكذا يحتاج إلى جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازياً؛ والجملة في موضع رفع صفة ( جنة ) أو في موضع نصب حال منها لوصفها بالجار والمجرور قبل .
{ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } الظرف الأول : في محل رفع خبر مقدم ، والثاني : حال من الضمير المستتر في الخبر ، والثالث : نعت لمبتدأ محذوف أي رزق أو ثمر كائن من كل الثمرات ، وجوز زيادة ( من ) على مذهب الأخفش ، وحينئذٍ لا يحتاج إلى القول بحذف المبتدأ ، وعلى التقديرين ليس المراد بالثمرات العموم بل إنما هو الكثير ، ومن الناس من جوز كون المراد من الثمرات المنافع ، وهذا يجعل ذكر ذينك الجنسين لعدم احتواء الجنة على ما سواهما ، ومنهم من قال : إن هذا من ذكر العام بعد الخاص للتتميم وليس بشيء { وَأَصَابَهُ الكبر } أي أثر فيه علو السن والشيخوخة وهو أبلغ من كبر ، والواو للحال ، والجملة بتقدير قد في موضع نصب على الحال من فاعل يود أي أيود أحدكم ذلك في هذه الحال التي هي مظنة شدة الحاجة إلى منافع تلك الجنة ومئنة العجز عن تدارك أسباب المعاش ، وقيل : الواو للعطف ووضع الماضي موضع المضارع كما قاله الفراء ، أو أوّل المضارع بالماضي أي لو كانت له جنة وأصابه الكبر ، واعترضه أبو حيان بأن ذلك يقتضي دخول الإصابة في حيز التمني { وَأَصَابَهُ الكبر } لا يتمناها أحد ، والجواب أن ذلك غير وارد لما أن الاستفهام للإنكار فهو ينكر الجمع بينهما لا يخفى ما فيه .

(2/355)


{ وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } في موضع الحال من الضمير في أصابه أي أصابه الكبر ، والحال أن له صبية ضعفاء لا يقدرون على الكسب وترتيب معاشه ومعاشهم ، و الضعفاء جمع ضعيف كشركاء جمع شريك ، وترك التعبير بصغار مع مقابلة الكبر لأنه أنسب كما لا يخفى ، وقرىء ضعاف { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ } أي ريح تستدير على نفسها وتكون مثل المنارة وتسمى الزوبعة وهي قد تكون هابطة ، وقد تكون صاعدة خلافاً لما يفهمه ظاهر كلام البعض من تخصيصها بالثانية ، وسبب الأولى : أنه إذا انفصل ريح من سحابة وقصدت النزول فعارضها في طريق نزولها قطعة من السحاب وصدمتها من تحتها ودفعها من فوقها سائر الرياح بقيت ما بين دافعين دافع من العلو ودافع من السفل فيعرض من الدفعين المتمانعين أن تستدير وربما/ زادها تعوج المنافذ تلوياً كما يعرض للشعر أن لا يتجعد بسبب التواء مسامه ، وسبب الثانية : أن المادة الريحية إذا وصلت إلى الأرض وقرعتها قرعاً عنيفاً ثم أثبتت فقلبتها ريح أخرى من جهتها التوت واستدارت وقد تحدث أيضاً من تلاقي ريحين شديدتين وربما بلغت قوتها إلى حيث تقلع الأشجار وتخطف المراكب من البحر ، وعلامة النازلة أن تكون لفائفاً تصعد وتنزل معاً كالراقص ، وعلامة الصاعدة أن لا يرى للفائفها إلا الصعود وقد يكون كل منهما بمحض قدرة الله تعالى من غير توسط سبب ظاهر وربما اشتمل دور الزوبعة على بخار مشتعل قوي فيكون ناراً تدور أيضاً ، ولتعيين هذا النوع وصف الإعصار بقوله سبحانه : { فِيهِ نَارٌ } وتذكير الضمير لاعتبار التذكير فيه وإنما سمي ذلك الهواء إعصاراً لأنه يلتف كما يلتف الثوب المعصور ، وقيل : لأنه يعصر السحاب أو يعصر الأجسام المار بها ، والتنوين في النار للتعظيم وروي عن ابن عباس أن الإعصار الريح الشديدة مطلقاً وأن المراد من النار السموم وذكر سبحانه الإعصار ووصفه بما ذكر ، ولم يقتصر على ذكر النار كأن يقال فأصابها نار { فاحترقت } لما في تلك الجملة من البلاغة ما فيها لمن دقق النظر ، والفعل المقرون بالفاء عطف على { أَصَابَهَا } وقيل : على محذوف معطوف عليه أي فأحرقها فاحترقت وهذا كما روي عن السدي تمثيل حال من ينفق ويضم إلى إنفاقه ما يحبطه في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إلى ذلك ووجده هباءاً منثوراً بحال من هذا شأنه .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : آية من كتاب الله تعالى ما وجدت أحداً يشفيني عنها قوله تعالى : { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن * تَكُونَ لَهُ } الخ فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها فقال له عمر : فلم تحقر نفسك؟ا فقال : يا أمير المؤمنين هذا مثل ضربه الله تعالى فقال : أيحب أحدكم أن يكون عمره يعمل بعمل أهل الخير وأهل السعادة حتى إذا كبر سنه وقرب أجله ورق عظمه وكان أحوج إلى ما يكون أن يختم عمله بخير عمل بعمل أهل الشقاء فأفسد عمله فأحرقه قال : فوقعت على قلب عمر وأعجبته .

(2/356)


وفي رواية البخاري والحاكم وابن جرير وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال عمر يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } الخ؟ قالوا : الله تعالى أعلم فغضب عمر فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ضربت لرجل غني عمل بطاعة الله تعالى ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله ، قيل : وهذا أحسن من أن يكون تمثيلاً لمن يبطل صدقته بالمنّ والأذى والرياء ، وفصل عنه لاتصاله بما ذكر بعده أيضاً لأن ذلك لا عمل له ، وأجيب بأن له عملاً يجازى عليه بحسب ظاهر حاله وظنه وهو يكفي للتمثيل المذكور ، وأنت تعلم أن هذا لا يدفع أحسنية ذلك لا سيما وقد قاله ترجمان القرآن وارتضاه الأمير المحدث رضي الله تعالى عنه .
{ كذلك } أي مثل ذلك البيان الواضح الجاري في الظهور مجرى الأمور المحسوسة { يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } أي كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما تضمنته من العبر وتعملوا بموجبها ، أو لعلكم تعملون أفكاركم فيما يفنى ويضمحل من الدنيا وفيما هو باق لكم في الأخرى فتزهدون في الدنيا وتنفقون مما آتاكم الله تعالى منها وترغبون في الآخرة ولا تفعلون ما يحزنكم فيها .

(2/357)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات } أي جياد أو حلال/ { مَّا كَسَبْتُم } أي الذي كسبتموه أو كسبكم أي مكسوبكم من النقد وعروض التجارة والمواشي . وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في { طيبات مَا كَسَبْتُمْ } : من الذهب والفضة وفي قوله تعالى : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الارض } يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة ، والجملة لبيان حال ما ينفق منه إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته وأعاد ( من ) في المعطوف لأن كلاً من المتعاطفين نوع مستقل ، أو للتأكيد ولعله أولى وترك ذكر الطيبات لعلمه مما قبله ، وقيل : لعلمه مما بعد ، وبعض جعل ( ما ) عبارة عن ذلك .
{ وَلاَ تَيَمَّمُواْ } أي تقصدوا وأصله تتيمموا بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفاً إما الأولى وإما الثانية على الخلاف ، وقرأ عبد الله ( ولا تأمموا ) ، وابن عباس ( تيمموا ) بضم التاء والكل بمعنى { الخبيث } أي الردىء وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تذكر موصوفاتها { مِنْهُ تُنفِقُونَ } الضمير المجرور للخبيث وهو متعلق بتنفقون والتقديم للتخصيص ، والجملة حال مقدرة من فاعل { تَيَمَّمُواْ } أي لا تقدصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه ، أو من الخبيث أي مختصاً به الإنفاق ، وأياً ما كان لا يرد أنه يقتضي أن يكون النهي عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضاً كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة . فعن عبيدة السلماني قال : سألت علياً كرم الله تعالى وجهه عن هذه الآية فقال : نزلت في الزكاة المفروضة كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الردىء فقال الله تعالى : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ } وقيل : متعلق بمحذوف وقع حالاً من ( الخبيث ) ، والضمير راجع إلى المال الذي في ضمن القسمين ، أو لما أخرجنا وتخصيصه بذلك لأن الرداءة فيه أكثر وكذا الحرمة لتفاوت أصنافه ومجالبه ، و { تُنفِقُونَ } حال من الفاعل المذكور أي ولا تقصدوا الخبيث كائناً من المال أو مما أخرجنا لكم منفقين إياه وقوله تعالى : { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } حال على كل حال من ضمير { تُنفِقُونَ } أي والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه { إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } إلا وقت إغماضكم أو إلا بإغماضكم فيه والإغماض كالغمض إطباق الجفن لما يعرض من النوم ، وقد استعير هنا كما قال الراغب للتغافل والتساهل ، وقيل : إنه كناية عن ذلك ولا يخلو عن تساهل وتغافل ، وذكر أبو البقاء أنه يستعمل متعدياً وهو الأكثر ولازماً مثل أغضى عن كذا ، والآية محتملة للأمرين ، وعلى الأول : يكون المفعول محذوفاً أي أبصاركم ، والجمهور على ضم التاء وإسكان العين وكسر الميم ، وقرأ الزهري تغمضوا بتشديد الميم ، وعنه أيضاً تغمضوا بضم الميم وكسرها مع فتح التاء ، وقرأ قتادة تغمضوا على البناء للمفعول أي تحملوا على الإغماض أي توجدوا مغمضين وكلا المعنيين مما أثبته الحفاظ ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، والمنسبك من { ءانٍ } والفعل على كل تقدير في موضع الجر كما أشرنا إليه ، وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع النصب على الحالية ، وسيبويه لا يجوز أن تقع { ءانٍ } وما في حيزها حالاً ، وزعم الفراء { ءانٍ } هنا شرطية لأن معناه إن أغمضتم أخذتم ، وينبغي أن يغمض طرف القبول عنه ، ومن البعيد في الآية ما قيل : إن الكلام تم عند قوله تعالى : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } ثم استؤنف فقيل على طريقة التوبيخ والتقريع : { مِنْهُ تُنفِقُونَ } والحال أنكم لا تأخذونه إلا إن أغمضتم فيه ومآله الاستفهام الإنكاري فكأنه قيل : أمنه تنفقون الخ ، وهو على بعده خلاف التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم .

(2/358)


/ { واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ } عن نفقاتكم وإنما أمركم بها لانتفاعكم ، وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه عن شأنه { حَمِيدٌ } أي مستحق للحمد على نعمه ، ومن جملة الحمد اللائق بجلاله تحري إنفاق الطيب مما أنعم به ، وقيل : حامد بقبول الجيد والإثابة عليه ، واحتج بالآية على وجوب زكاة قليل ما تخرجه الأرض وكثيره حتى البقل ، واستدل بها على أن من زرع في أرض اكتراها فالزكاة عليه لا على رب الأرض لأن { أَخْرَجْنَا لَكُم } يقتضي كونه على الزارع وعلى أن صاحب الحق لا يجبر على أخذ المعيب بل له الرد وأخذ سليم بدله .

(2/359)


الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)

{ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر } استئناف لبيان سبب تيمم الخبيث في الإنفاق وتوهين شأنه والوعد في أصل وضعه لغة شائع في الخير والشر ، وأما في الاستعمال الشائع فالوعد في الخير والإيعاد في الشر حتى يحملوا خلافه على المجاز والتهكم ، وقد استعمل هنا في الشر نظراً إلى أصل الوضع لأن الفقر مما يراه الإنسان شراً ، ولهذا يخوف الشيطان به المتصدقين فيقول لهم : لا تنفقوا الجيد من أموالكم وأن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا ، وتسمية ذلك وعداً مع أنه اعتبر فيه الإخبار بما سيكون من جهة المخبر والشيطان لم يضف مجىء الفقر إلى جهته للإيذان بمبالغة اللعين في الإخبار بتحقق مجيئه كأنه نزله في تقرر الوقوع منزلة أفعاله الواقعة حسب إرادته ، أو لوقوعه في مقابلة وعده تعالى على طريق المشاكلة ، ومن الناس من زعم أن استعمال الوعد هنا في الخير حسب الاستعمال الشائع ، والمراد أن ما يخوّفكم به هو وعد الخير لأن الفقر للإنفاق أجل خير ، ولا يخفى أنه بمراحل عن مذاق التنزيل ، وقرىء الفقر بالضم والسكون وبفتحتين وضمتين وكلها لغات في الفقر وأصله كسر فقار الظهر .
{ وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء } أي الخصلة الفحشاء وهي البخل وترك الصدقات والعرب تسمي البخيل فاحشاً قال كعب :
أخي يا أخي ( لا فاحشاً ) عند بيته ... ولا برم عند اللقاء هيوب
والمراد بالأمر بذلك الإغراء والحث عليه ففي الكلام استعارة مصرحة تبعية ، وقيل : المراد بالفحشاء سائر المعاصي وحملها على الزنا نعوذ بالله منه؛ وجوز أن تكون بمعنى الكلمة السيئة فتكون هذه الجملة كالتأكيد للأولى وقدم وعد الشيطان على أمره لأنه بالوعد يحصل الاطمئنان إليه فإذا اطمأن إليه وخاف الفقر تسلط عليه بالأمر إذ فيه استعلاء على المأمور { والله يَعِدُكُم } في الإنفاق على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم { مَغْفِرَةٍ } لذنوبكم ، وعن قتادة لفحشائكم ، والتنوين فيها للتفخيم وكذا وصفها بقوله تعالى : { مِنْهُ } فهو مؤكد لفخامتها ، وفيه تصريح بما علم ضمناً من الوعد كما علمت مبالغة في توهين أمر الشيطان { وَفَضْلاً } أي رزقاً وخلفاً وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فتكون المغفرة إشارة إلى منافع الآخرة ، وهذا إشارة إلى منافع الدنيا . وفي الحديث : « ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً » وقدم منافع الآخرة لأنها أهم عند المصدق بها ، وقيل : المغفرة والفضل كلاهما في الآخرة وتقديم الأوّل حينئذٍ لتقدم التخلية على التحلية ولكون رفع المفاسد أولى من جلب المصالح ، وفي الآية { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } [ آل عمران : 185 ] وحذف صفة الثاني لدلالة المذكور عليها { والله واسع } بالرحمة والفضل { عَلِيمٌ } بما تنفقونه فيجازيكم عليه ، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومثلها في
[ بم قوله تعالى :

(2/360)


يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)

{ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ } أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنها المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله ، وفي رواية عنه الفقه في القرآن ، ومثله عن قتادة والضحاك وخلق كثير ، وما روى ابن المنذر عن ابن عباس أنها النبوة يمكن أن يحمل على هذا لما أخرج البيهقي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوة ومن قرأ ثلثيه أعطي ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله أعطي كل النبوة ويقال له يوم القيامة اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينجز ما معه من القرآن فيقال له اقبض فيقبض فيقال له هل تدري ما في يديك؟ فإذا في يده اليمنى الخلد وفي الأخرى النعيم " وليس المراد من القراءة في هذا الخبر مجردها إذ ذلك مما يشترك فيه البر والفاجر ولكن المراد قراءة بفقه ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء الحكمة قراءة القرآن والفكرة فيه وعن مجاهد أنها الإصابة في القول والعمل ، وفي رواية عنه أنها القرآن والعلم والفقه ، وفي أخرى العلم الذي تعظم منفعته وتجل فائدته ، وعن عطاء أنها المعرفة بالله تعالى ، وقال أبو عثمان : هي نور يفرق به بين الوسواس والإلهام ، وقيل غير ذلك ، وفي «البحر» أن فيها تسعة وعشرين قولاً لأهل العلم قريب بعضها من بعض ، وعد بعضهم الأكثر منها اصطلاحاً واقتصاراً على ما رآه القائل فرداً مهماً من الحكمة وإلا فهي في الأصل مصدر من الإحكام وهو الاتقان في علم أو عمل أو قول أو فيها كلها ، وعن مقاتبل أنها فسرت في القرآن بأربعة أوجه فتارة بمواعظ القرآن وأخرى بما فيه من عجائب الأسرار ومرة بالعلم والفهم وأخرى بالنبوة . قيل : ولعل الأنسب بالمقام ما ينتظم الأحكام المبينة في تضاعيف الآية الكريمة من أحد والوجهين الأولين ومعنى إيتائها تبيينها والتوفيق للعمل بها أي تبيينها ويوفق للعلم والعمل بها .
{ مَن يَشَآء } من عباده أن يؤتيها إياه بموجب سعة فضله وإحاطة علمه كما آتاكم ما بينه في ضمن الآي من الحكم البالغة التي يدور عليها فلك منافعكم فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } بناه للمفعول إما لأن المقصود بيان فضيلة من نال الحكمة بقطع النظر عن الفاعل وإما لتعين الفاعل والإظهار في مقام الإضمار للاعتناء بشأن هذا المظهر ولهذا قدم من قبل على المفعول الأول وللإشعار بعلة الحكم ، وقرأ يعقوب يؤتي على البناء للغاعل وجعل { مِنْ } الشرطية مفعولاً مقدماً أو مبتدأ والعائد محذوف ، ويؤيد الثاني قراءة الأعمش ( ومن يؤته الحكمة )
{ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا } عظيماً { كَثِيراً } إذ قد جمع له خير الدارين .

(2/361)


أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لقمان قال لابنه : يا بني عليك بمجالسة العلماء واسمع كلام الحكماء فإن الله تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر " وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلا اثنتين رجل آتاه الله تعالى مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها " وأخرج الطبراني عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يبعث الله تعالى العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا معشر العلماء إني لم أضع فيكم علمي لأعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم " وفي رواية عن ثعلبة بن الحكم أنه سبحانه يقول : «إني لم أجعل علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن/ أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي» وهذا بالنسبة إلى حملة العلم الشرعي الذي جاء به حكيم الأنبياء ونبي الحكماء حضرة خاتم الرسالة ومحدد جهات العدالة والبسالة صلى الله عليه وسلم لا ما ذهب إليه جالينوس وديمقراطيس . وأفلاطون وأرسطاليس ومن مشى على آثارهم واعتكف في رواق أفكارهم فإن الجهل أولى بكثير مما ذهبوا إليه وأسلم بمراتب مما عولوا عليه حتى إن كثيراً من العلماء نهوا عن النظر في كتبهم واستدلوا على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى من حديث جابر أن عمر رضي الله تعالى عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوامع كتبها من التوراة ليقرأها ويزداد بها علماً إلى علمه فغضب ولم يأذن له وقال : " لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي " وفي رواية " يكفيكم كتاب الله تعالى " ووجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم لم يبح استعمال الكتاب الذي جاء به موسى هدى ونوراً في وقت كانت فيه أنوار النبوة ساطعة وسحائب الشبه والشكوك بالرجوع إليه منقشعة فكيف يباح الاشتغال بما وضعه المتخبطون من فلاسفة اليونان إفكاً وزوراً في وقت كثرت فيه الظنون وعظمت فيه الأوهام وعاد الإسلام فيه غريباً ، وفي كتاب الله تعالى غنى عما سواه كما لا يخفى على من ميز القشر من اللباب والخطأ من الصواب { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب } أي ما يتعظ أو ما يتفكر في الآيات إلا ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم وظلم اتباع الهوى وهؤلاء هم الذين أوتوا الحكمة ولاظهار الاعتناء بمدحهم بهذه الصفة أقيم الظاهر مقام المضمر ، والجملة إما حال أو اعتراض تذييلي .

(2/362)


ومن باب الإشارة في الآيات : أنها اشتملت على ثلاثة إنفاقات متفاضلة الأول : الانفاق في سبيل الله تعالى وهو إنفاق في عالم الملك عن مقام تجلي الأفعال ، وإلى هذا أشار بقوله سبحانه : { الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ } [ البقرة : 261 ] الخ ، والثاني : الإنفاق عن مقام مشاهدة الصفات وهو الانفاق لطلب رضا الله تعالى ، وإليه أشار بقوله تعالى : { الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتِ الله } [ البقرة : 265 ] ومن تمثيله بجنة يعلم مقدار فضله على الأول الممثل بحبة ، ولعل فضل أحدهما على الآخر كفضل الجنة على الحبة ، ومما يزيد في الفرق أن الجنة مع إيتاء أكلها تبقى بحالها بخلاف الحبة ، ولتأكيد الإشارة إلى ارتفاع رتبة هذا الانفاق على الأول أتى بالربوة وهي المرتفع من الأرض ، والثالث : الإنفاق بالله تعالى وهو عن مقام شهود الذات وهو إنفاق النفس بعد تزكيها وإليه الإشارة بقوله تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ } [ البقرة : 267 ] والنفس مكتسبة بهذا الاعتبار وجزاء الإنفاق الأول الإضعاف إلى سبعمائة وتزيد لأن يد الطول طويلة ، وجزاء الثاني الجنة الصفاتية المثمرة للإضعاف؛ وجزاء الثالث الحكمة اللازمة للوجود الموهوب بعد البذل وهي الخير العظيم الكثير لأنها أخص صفاته تعالى ، وصاحب هذا الإنفاق لا يزال ينفق من الحكم الإلهية والعلوم اللدنية لارتفاع البين وشهود العين وقد نبه سبحانه في أثناء ذلك على أن الإنفاق يبطله المنّ والأذى لأنه إنما يكون محموداً لثلاثة أوجه كونه موافقاً للأمر وهو حال له بالنسبة إليه تعالى وكونه مزيلاً لرذائل البخل وهو حال له بالنسبة إلى المنفق نفسه وكونه نافعاً مريحاً وهو حال له بالنسبة إلى المستحق فإذا منّ صاحبه وآذى فقد خالف أمر الله تعالى وأتى بما ينافي راحة المستحق ونفعه وظهرت نفسه بالاستطالة والاعتداد والعجب والاحتجاب بفعلها ورؤية النعمة منها لا من الله تعالى وكلها رذائل أردأ من البخل ولهذا كان القول الجميل خيراً من الصدقة المتبوعة بالأذى بل لا نسبة .

(2/363)


وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)

{ وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } قليلة أو كثيرة سراً أو علانية في حق أو باطل ، فالآية بيان لحكم كلي شامل/ لجميع أفراد النفقات أو ما في حكمها إثر بيان حكم ما كان منها في سبيل الله تعالى { أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ } متعلق بالمال أو بالأفعال بشرط أو بغير شرط في طاعة أو معصية ، والنذر عقد القلب على شيء والتزامه على وجه مخصوص قيل : وأصله الخوف لأن الشخص يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير أو خوف وقوع أمر خطير ومنه نذر الدم وهو العقد على سفكه للخوف من مضرة صاحبه قال عمرو بن معدى كرب :
هم ( ينذرون دمي ) وأن ... ذر إن لقيت بأن أشدا
وفعله كضرب ونصر ، وعن يونس فيما حكاه الأخفش تقول العرب : نذر على نفسه نذراً ونذرت مالي فأنا أنذره نذراً { فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } كناية عن مجازاته سبحانه عليه وإلا فهو معلوم ، والفاء داخلة في الجواب إن كانت { مَا } شرطية وصلة في الخبر إن كانت موصولة وتوحيد الضمير مع أن متعلق العلم متعدد لاتحاد المرجع بناءاً على كون العطف بكلمة أو وهي لأحد الشيئين ، وقال ابن عطية : إن التوحيد باعتبار المذكور وكأنه لم يعتبر المذكور لاعتبار المرجع النفقة والنذر المذكورين دون المصدرين المفهومين من فعليهما وهما المتعاطفان بأو دونهما ، وعلى تسليم أن عطف الفعلين مستلزم لعطفهما لا ينبغي اعتبارهما أيضاً لأن الضمير مذكر قطعاً وهما مذكر ومؤنث ، واعتبار أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح ولا يخفى ما فيه فإن مثل هذا الضمير قد يعتبر فيه حال المقدم مراعاة للأولية كما في قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } [ الجمعة : 11 ] وقد يعتبر فيه حال المؤخر مراعاة للقرب كما في قوله تعالى : { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } [ النساء : 112 ] وكل منهما سائغ شائع في الفصيح وما نحن فيه من الثاني إن اعتبر المذكور صريحاً والتزام التأويل في جميع ما ورد تعسف مستغنى عنه كما لا يخفى ، نعم جوز إرجاع الضمير إلى { مَا } لكن على تقدير كونها موصولة كما قاله غير واحد .
{ وَمَا للظالمين } أي الواضعين للأشياء في غير مواضعها التي يحق أن توضع فيها فيشمل المنفقين بالرياء والمنّ والأذى والمتحرين للخبيث في الإنفاق والمنفقين في باطل والناذرين في معصية والممتنعين عن أداء ما نذروا في حق والباخلين بالصدقة مما آتاهم الله تعالى من فضله ، وخصهم أبو سليمان الدمشقي بالمنفقين بالمنّ والأذى والرياء والمبذرين في المعصية؛ ومقاتل بالمشركين ولعل التعميم أولى { مِنْ أَنصَارٍ } أي أعوان ينصرونه من بأس الله تعالى لا شفاعة ولا مدافعة وهو جمع نصير كحبيب ، وأحباب أو ناصر كشاهد وأشهاد والإتيان به جمعاً على طريق المقابلة فلا يرد أن نفي الأنصار لا يفيد نفي الناصر وهو المراد .

(2/364)


والقول بأن هذا إنما يحتاج إليه إذا جعلت { مِنْ } زائدة ولك أن تجعلها تبعيضية أي شيء من الأنصار ليس بشيء كما يخفى والجملة استئناف مقرر للوعيد المشتمل عليه مضمون ما قبله ، ونفي أن يكون للظالم على رأي مقاتل ناصر مطلقاً ظاهر ، وأما على تقدير أخذ المظالم عاماً أو خاصاً بما قاله أبو سليمان فيحتاج إلى القول بأن الآية خارجة مخرج الترهيب لما أن العاصي غير المشرك كيف ما كانت معصيته يجوز أن يكون له ناصر يشفع له عند ربه ، واستدل بالآية على مشروعية النذر والوفاء به ما لم يكن معصية وإلا فلا وفاء ، فقد أخرج النسائي عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله تعالى فذلك لله تعالى وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله تعالى فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ، ويكره ما يكفر اليمين » وتفصيل الكلام في النذر يأتي بعد إن شاء الله تعالى .

(2/365)


إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

{ إِن تُبْدُواْ الصدقات } أي تظهروا إعطاءها ، قال الكلبي : لما نزلت { وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } [ البقرة : 270 ] الآية قالوا : يا رسول الله/ صلى الله عليه وسلم أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزلت ، فالجملة نوع تفصيل ما أجمل في الشرطية وبيان له ولذلك ترك العطف بينهما ، والمراد من الصدقات على ما ذهب إليه جمهور المفسرين صدقات التطوع ، وقيل : الصدقات المفروضة ، وقيل : العموم { فَنِعِمَّا هِىَ } الفاء جواب للشرط ، ونعم فعل ماض ، و ( ما ) كما قال ابن جني : نكرة تامة منصوبة على أنها تمييز وهي مبتدأ عائد للصدقات على حذف مضاف أي إبداؤها أو لا حذف ، والجملة خبر عن ( هي ) ، والرابط العموم ، وقرأ ابن كثير وورش وحفص بكسر النون والعين للاتباع وهي لغة هذيل قيل : ويحتمل أنه سكن ثم كسر لالتقاء الساكنين ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين على الأصل كعلم ، وقرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر بكسر النون وإخفاء حركة العين ، وروي عنه : الإسكان أيضاً واختاره أبو عبيدة وحكاه لغة ، والجمهور على اختيار الاختلاس على الإسكان حتى جعله بعضهم من وهم الرواة ، وممن أنكره المبرد والزجاج والفارسي لأن فيه جمعا بين ساكنين على غيره حده
{ وَإِن تُخْفُوهَا } أي تسروها والضمير المنصوب إما للصدقات مطلقاً وإما إليها لفظاً لا معنى بناءاً على أن المراد بالصدقات المبداة المفروضة وبالمخفاة المتطوع بها فيكون من باب عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر ، وفي جمع الإبداء والإخفاء من أنواع البديع الطباق اللفظي كما أن في قوله تعالى : { أَنتُمُ الفقراء } الطباق المعنوي لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء قيل : ولعل التصريح بإيتائها الفقراء مع أنه لا بد منه في الإبداء أيضاً لما أن الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فإن الغني ربما يدعي الفقر ويقدم على قبول الصدقة سراً ولا يفعل ذلك عند الناس ، وتخصيص الفقراء بالذكر اهتماماً بشأنهم ، وقيل : إن المبداة لما كانت الزكاة لم يذكر فيها الفقراء لأن مصرفها غير مخصوص بهم ، والمخفاة لما كانت التطوع بين أن مصارفها الفقراء فقط وليس بشيء لأنه بعد تسليم أن المبداة زكاة والمخفاة تطوع لا نسلم أن مصارف الثانية الفقراء فقط ودون إثبات ذلك الموت الأحمر وكأنه لهذا فسر بعضهم الفقراء بالمصارف .
{ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي فالإخفاء { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الإبداء ، و خير لكم من جملة الخيور ، والأول هو الذي دلت عليه الآثار ، والأحاديث في أفضلية ازخفاء أكثر من أن تحصى . أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة أن أبا ذر قال : يا رسول الله أيّ الصدقة أفضل؟ قال :

(2/366)


" صدقة سر إلى فقير أو جهد من مقل ثم قرأ الآية " ، وأخرج الطبراني مرفوعاً " إن صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأخرج البخاري " سبعة يظلمهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله إلى أن قال ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " والأكثرون على أن هذه الأفضلية فيما إذا كان كل من صدقتي السر والعلانية تطوعاً ممن لم يعرف بمال وإلا فإبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهمة وكذا الإظهار أفضل لمن يقتدى به وأمن نفسه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «صدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفاً وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمس وعشرين ضعفاً» وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها .
{ وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } أي والله يكفر أو الإخفاء ، والإسناد مجازي ، و { مِنْ } تبعيضية لأن الصدقات لا يكفر بها جميع السيئات ، وقيل : مزيدة على رأي الأخفش ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ويعقوب نكفر بالنون مرفوعاً على أنه جملة مبتدأة أو اسمية معطوفة على ما بعد الفاء/ أي ونحن نكفر ، وقيل : لا حاجة إلى تقدير المبتدأ ، والفعل نفسه معطوف على محل ( ما ) بعد الفاء لأنه وحده مرفوع لأن الفاء الرابطة مانعة من جزمه لئلا يتعدد الرابط ، وقرأ حمزة والكسائي نكفر بالنون مجزوماً بالعطف على محل الفاء مع ما بعدها لأنه جواب الشرط قاله غير واحد ، واستشكله البدر الدماميني بأنه صريح في أن الفاء ، و ( ما ) دخلت عليه في محل جزم ، وقد تقرر أن الجملة لا تكون ذات محل من الإعراب إلا إذا كانت واقعة موقع المفرد وليس هذا من محال المفرد حتى تكون الجملة واقعة ذات محل من الإعراب وذلك لأن جواب الشرط إنما يكون جملة ولا يصح أن يكون مفرداً فالموضع للجملة بالأصالة وادعى أن جزم الفعل ليس بالعطف على محل الجملة وإنما هو لكونه مضارعاً وقع صدر جملة معطوفة على جملة جواب الشرط الجازم وهي لو صدرت بمضارع كان مجزوماً فأعطيت الجملة المعطوفة حكم الجملة المعطوف عليها وهو جزم صدرها إذا كان فعلاً مضارعاً ويمكن دفعه بالعناية فتدبر ، وقرىء وتكفر بالتاء مرفوعاً ومجزوماً على حسب ما علمت والفعل للصدقات { والله بِمَا تَعْمَلُونَ } في صدقاتكم من الإبداء والإخفاء { خَبِيرٌ } عالم لا يخفى عليه شيء فيجازيكم على ذلك كله ، ففي الجملة ترغيب في الإعلان والإسرار وإن اختلفا في الأفضلية ، ويجوز أن يكون الكلام مساقاً للترغيب في الثاني لقربه ولكون الخبرة بالإبداء ليس فيها كثير مدح .

(2/367)


لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)

{ لَّيْسَ عَلَيْكَ } أي لا يجب عليك أيها الرسول أن تجعل هؤلاء المأمورين بتلك المحاسن المنهيين عن هاتيك الرذائل مهديين إلى الائتمار والانتهاء إن أنت إلا بشير ونذير ما عليه إلا البلاغ المبين { هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِى } بهدايته الخاصة الموصلة إلى المطلوب قطعاً { مَن يَشَآء } هدايته منهم ، والجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك المكلفين مبالغة في حملهم على الامتثال ، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وأبو على الجبائي ، وهو مبني على رجوع ضمير { هَدَاهُمُ } إلى المخاطبين في تلك الآيات السابقة ، والذي يستدعيه سبب النزول رجوعه إلى الكفار ، فقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن لا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية» وأخرج ابن جرير عنه قال : كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت . وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا إلا على أهل دينكم " فأنزل الله تعالى : { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } أي ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل دخولهم في الإسلام وحينئذ لا التفات ، وإنما هناك تلوين الخطاب فقط ، والآية حث على الصدقة أيضاً ولكن بوجه آخر والارتباط على التقديرين ظاهر ، وجعلها مرتبطة بقوله سبحانه : { يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء } [ البقرة : 269 ] إشارة إلى قسم آخر من الناس لم يؤتها ليس بشيء .
{ وَمَا تُنفِقُواْ } في وجوه البر { مّنْ خَيْرٍ } أي مال { فَلاِنفُسِكُمْ } أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به في الآخرة غيركم { فَلا * تَيَمَّمُواْ الخبيث } ولا تبطلوه بالمنّ والأذى ورئاء الناس ، أو فلا تمنعوه عن الفقراء كيف كانوا فإن نفعكم به ديني ونفع الكافر منهم دنيوي ، و { مَا } شرطية جازمة لتنفقوا منتصبة به على المفعولية و { مِنْ } تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط مبينة ومخصصة له { وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله } / استثناء من أعم العلل وأعم الأحوال أي ما تنفقون بسبب من الأسباب إلا لهذا السبب ، أو في حال من الأحوال إلا في هذه الحال ، والجملة إما حال أو معطوفة على ما قبلها على معنى : وما تنفقوا من خير فإنما يكون لكم لا عليكم إذا كان حالكم أن لا تنفقوا إلا لأجل طلب وجه الله تعالى ، أو إلا طالبين وجهه سبحانه لا مؤذين ولا مانين ولا مرائين ولا متيممين الخبيث ، أو على معنى ليست نفقتكم إلا لكذا أو حال كذا فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث أو تمنعونها فقراء المشركين من أهل الكتاب وغيرهم ، وقيل : إنه نفي بمعنى النهي أي لا تنفقوا إلا كذا وإقحام الوجه للتعظيم ودفع الشركة لأنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أجل من قولك : فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً ، وأيضاً قول القائل : فعلت هذا الفعل لفلان يحتمل الشركة وأنه قد فعله له ولغيره ومتى قال : فعلته لوجهه انقطع عرق الشركة عرفاً ، وجعله كثير من الخلق بمعنى الذات وبعضهم حمله هنا على الرضا وجعل الآية على حد

(2/368)


{ ابتغاء مرضاة الله } [ البقرة : 265 ] تعالى ، والسلف بعد أن نزهوا فوضوا كعادتهم في المتشابه .
{ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أي تعطون جزاءه وافراً وافياً كما تشعر به صيغة التفعيل في الآخرة حسبما تضمنته الآيات من قبل وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمراد نفي أن يكون لهم عذر في مخالفة الأمر المشار إليه في الإنفاق ، فالجملة تأكيد للشرطية السابقة وليس بتأكيد صرف وإلا لفصلت ولكنها تضمنت ذلك من كون سياقها للاستدلال على قبح ترك ذلك الأمر فكأنه قيل : كيف يمنّ أو يقصر فيما يرجع إليه نفعه أو كيف يفعل ذلك فيما له عوض وزيادة ، وهي بهذا الاعتبار أمر مستقل ، وقيل : إن المعنى يوفر عليكم خلفه في الدنيا ولا ينقص به من مالكم شيء استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم : « اللهم اجعل لمنفق خلفاً ولممسك تلفاً » والتوفية إكمال الشيء وإنما حسن معها إليكم لتضمنها معنى التأدية وإسنادها إلى { مَا } مجازي وحقيقته ما سمعت ، والآية بناءاً على سبب النزول دليل على جواز دفع الصدقة للكافر وهو في غير الواجبة أمر مقرر ، وأما الواجبة التي للإمام أخذها كالزكاة فلا يجوز ، وأما غيرها كصدقة الفطر والنذر والكفارة ففيه اختلاف ، والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يجوزه ، وظاهر قوله تعالى : { وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } [ الإنسان : 8 ] يؤيده إذ الأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركاً . { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تنقصون شيئاً مما وعدتم ، والجملة حال من ضمير { إِلَيْكُمْ } والعامل ( يوفَّ ) .

(2/369)


لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)

{ لِلْفُقَرَاء } متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام ولهذا حذف أي اعمدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء أو صدقاتكم للفقراء ، والجملة استئناف مبني على السؤال ، وجوز أن يكون الجار متعلقاً بقوله تعالى : { وَمَا تُنفِقُواْ } [ البقرة : 272 ] وقوله سبحانه : { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 272 ] اعتراض أي وما تنفقوا للفقراء . { الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } أي حبسهم الجهاد أو العمل في مرضاة الله تعالى يوف إليكم ولا يخفى بعده { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } لاشتغالهم بذلك { ضَرْبًا فِى الارض } أي مشياً فيها وذهاباً للتكسب والتجارة وهم أهل الصفة رضي الله تعالى عنهم ، قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وكانوا نحواً من ثلثمائة ويزيدون وينقصون من فقراء المهاجرين يسكنون سقيفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن سعيد بن جبير هم قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله تعالى فصاروا زمنى فجعل لهم في أموال المسلمين/ حقاً؛ ولعل المقصود في الروايتين بيان بعض أفراد هذا المفهوم ودخوله فيه إذ ذاك دخولاً أولياً لا الحصر إذ هذا الحكم باق يوم الدين { يَحْسَبُهُمُ } أي يظنهم { الجاهل } الذي لا خبرة له بحالهم . { أَغْنِيَاء مِنَ التعفف } أي من أجل تعففهم على المسألة فمن للتعليل وأتى بها لفقد شرط من شروط النصب وهو اتحاد الفاعل ، وقيل : لابتداء الغاية والمعنى إن حسبان الجاهل غناهم نشأ من تعففهم ، والتعفف ترك الشيء والاعراض عنه مع القدرة على تعاطيه ، ومفعوله محذوف اختصاراً كما أشرنا إليه ، وحال هذه الجملة كحال سابقتها { تَعْرِفُهُم بسيماهم } أي تعرف فقرهم واضطرارهم بالعلامة الظاهرة عليهم كالتخشع والجهد ورثاثة الحال .
أخرج أبو نعيم عن فضالة بن عبيد قال : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس تخر رجال من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة وهم أهل الصفة حتى يقول الأعراب إن هؤلاء مجانين» . وأخرج هو أيضاً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «كان من أهل الصفة سبعون رجلاً ليس لواحد منهم رداء» والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من له حظ من الخطاب مبالغة في بيان وضوح فقرهم ، ووزن سيما عفلا لأنها من الوسم بمعنى السمة نقلت الفاء إلى موضع العين وقلبت ياءاً لوقوعها بعد كسرة .
{ لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافًا } أي إلحاحاً وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده ، وقيل : سمي الإلحاح بذلك لأنه يغطي القلب كما يغطي اللحاف من تحته ونصبه على المصدر فإنه كنوع من السؤال أو على الحال أي ملحفين ، والمعنى أنهم لا يسألون أصلاً وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وإليه ذهب الفراء والزجاج وأكثر أرباب المعاني وعليه يكون النفي متوجهاً لأمرين على حد قول الأعشى :

(2/370)


لا يغمز الساق من أين ومن وصب ... ولا يغص على شرسوفة الصغر
واعترض بأن هذا إنما يحسن إذا كان القيد لازماً للمقيد أو كاللازم حتى يلزم من نفيه نفيه بطريق برهاني وماهنا ليس كذلك إذ الإلحاف ليس لازماً للسؤال ولا كلازمه ، وأجيب بأن هذا مسلم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه وهو كذلك هنا لأن التعفف حتى يظنوا أغنياء يقتضي عدم السؤال رأساً ، وأيضاً { تَعْرِفُهُم بسيماهم } مؤيد لذلك إذ لو سألوا لعرفوا بالسؤال واستغنى عن العرفان بالسيما وقيل : المراد إنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا ، ومن الناس من جعل المنصوب مفعولاً مطلقاً للنفي أي يتركون السؤال إلحاحاً أي ملحين في الترك وهو كما ترى { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } فيجازيكم به وهو ترغيب في الإنفاق لا سيما على هؤلاء ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف ، واقرءوا إن شئتم { لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى } " وتقديم الظرف مراعاة للفواصل أو إيماءاً للمبالغة .

(2/371)


الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)

{ الذين يُنفِقُونَ أموالهم * الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل } أي يعممون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة ، فالمراد بالليل والنهار جميع الأوقات كما أن المراد بما بعده جميع الأحوال ، وقدم الليل على النهار والسر على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار ، وانتصاب ( سراً وعلانية ) على أنهما مصدران في موضع الحال أي مسرين/ ومعلنين ، أو على أنهما حالان من ضمير الإنفاق على مذهب سيبويه ، أو نعتان لمصدر محذوف أي إنفاقاً سراً ، والباء بمعنى في ، واختلف فيمن نزلت ، فأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في عليّ كرم الله تعالى وجهه كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً وبالنهار درهماً ، وسراً درهماً وعلانية درهماً ، وفي رواية الكلبي «فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حملك على هذا؟ قال : حملني أن استوجب على الله تعالى الذي وعدني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن ذلك لك2 .
وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب أن الآية كلها في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في نفقتهم في جيش العسرة ، وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والواحدي من طريق حسن بن عبد الله الصنعاني أنه سمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول في هذه الآية : { الذين يُنفِقُونَ } الخ هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله تعالى وهو قول أبي أمامة وأبي الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن يزيد ولا يأبى ذلك ذكر السر والعلانية كما لا يخفى ، وقال بعضهم : إنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية ، وتعقبه الإمام السيوطي بأن حديث تصدقه بأربعين ألف دينار رواه ابن عساكر في «تاريخه» عن عائشة رضي الله تعالى عنهما ، وخبر إن الآية نزلت فيه لم أقف عليه وكأن من ادعى ذلك فهمه مما أخرجه ابن المنذر عن ابن إسحق قال : لما فيض أبو بكر رضي الله تعالى عنه واستخلف عمر خطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أيها الناس إن بعض الطمع فقر وإن بعض اليأس غنى وإنكم تجمعون مالا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون واعلموا أن بعضاً من الشح شعبة من النفاق فأنفقوا خيراً لأنفسكم فأين أصحاب هذه الآية وقرأ الآية الكريمة ، وأنت تعلم أنها لا دلالة فيها على المدعي { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } المخبوء لهم في خزائن الفضل { عِندَ رَبّهِمْ } والفاء داخلة في حيز الموصول للدلالة على سببية ما قبلها ، وقيل : للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين الخ ، ولذلك جوز الوقف على علانية { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تقدم تفسيره والإشارة في الآيات ظاهرة .

(2/372)


الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)

{ الذين يَأْكُلُونَ الرباا } أي يأخذونه فيعم سائر أنواع الانتفاع والتعبير عنه بالأكل لأنه معظم ما قصد به ، والربا في الأصل الزيادة من قولهم : ربا الشيء يربو إذا زاد ، وفي الشرع عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال وإنما يكتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة من يفخم وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع فصار اللفظ به على طبق المعنى في كون كل منهما مشتملاً على زيادة غير مستحقة فأخذ لفظ الربا الحرف الزائد وهو الألف بسبب اللفظ الذي يشابهه وهو واو الجمع حيث زيدت فيه الألف كما يأخذ معنى لفظ الربا بمشابهته معنى لفظ البيع لاشتمال المعنيين على معاوضة المال بالمال بالرضا وإن كان أحد العوضين أزيد وقيل : الكتابة بالواو والألف لأن للفظ نصيباً منهما ، وإنما لم تكتب الصلاة والزكاة بهما لئلا يكون في مظنة الالتباس بالجمع ، وقال الفراء : إنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة وهم نبط لغتهم ربوا بواو ساكنة فكتب كذلك وهذا مذهب البصريين ، وأجاز الكوفيون كتابته وكذا تثنيته بالياء لأجل الكسرة التي في أوله ، قال أبو البقاء : وهو خطأ عندنا
{ لاَ يَقُومُونَ } أي يوم القيامة وبه قرىء كما في «الدر المنثور2 .
/ { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ * الشيطان } أي إلا قياماً كقيام المتخبط المصروع في الدنيا و التخبط تفعل بمعنى فعل وأصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة ، ثم تجوز به عن كل ضرب غير محمود ، وقيام المرابي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار ، فقد أخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياك الذنوب التي لا تغفر ، الغلول فمن غل شيئاً أتى به يوم القيامة ، وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط " ثم قرأ الآية ، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه ، ولعل الله تعالى جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له كما جعل لبعض المطيعين أمارة تليق به يعرف بها كرامة له ، ويشهد لذلك أن هذه الأمة يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء وإلى هذا ذهب ابن عباس ، وابن مسعود ، وقتادة واختاره الزجاج وقال ابن عطية : المراد تشبيه المرابي في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة : قد جن ، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في مثل هذه المقامات .

(2/373)


{ مِنَ المس } أي الجنون يقال : مس الرجل فهو مسوس إذا جن وأصله اللمس باليد وسمي به لأن الشيطان قد يمس الرجل وأخلاطه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون ، وهذا لا ينافي ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة مرة السوداء لأن ما ذكروه سبب قريب وما تشير إليه الآية سبب بعيد وليس بمطرد أيضاً بل ولا منعكس فقد يحصل مس ولا يحصل جنون كما إذا كان المزاج قوياً وقد يحصل جنون ولم يحصل مس كما إذا فسد المزاج من دون عروض أجنبي ، والجنون الحاصل بالمس قد يقع أحياناً ، وله عند أهل الحاذقين أمارات يعرفونه بها ، وقد يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيات ريح متعفن تعلقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون أيضاً على أتم وجه وربما استولى ذلك البخار على الحواس وعطلها ، واستقلت تلك الروح الخبيثة بالتصرف فتتكلم وتبطش وتسعى بآلات ذلك الشخص الذي قامت به من غير شعور للشخص بشيء من ذلك أصلاً ، وهذا كالمشاهد المحسوس الذي يكاد يعد منكره مكابراً منكراً للمشاهدات .
وقال المعتزلة والقفال من الشافعية : إن كون الصرع والجنون من الشيطان باطل لأنه لا يقدر على ذلك كما قال تعالى حكاية عنه : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان } [ إبراهيم : 22 ] الآية و { مَا } هنا وارد على ما يزعمه العرب ويعتقدونه من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله وليس لذلك حقيقة وليس بشيء بل هو من تخبط الشيطان بقائله ومن زعماته المردودة بقواطع الشرع فقد ورد " ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخاً " وفي بعض الطرق : «إلا طعن الشيطان في خاصرته» ومن ذلك يستهل صارخاً إلا مريم وابنها لقول أمها : { وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم } [ آل عمران : 63 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : " كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين " وقد ورد في حديث المفقود الذي اختطفته الشياطين وردته في زمنه عليه الصلاة والسلام أنه حدث من شأنه معهم قال : " فجاءني طائر كأنه جمل قبعثري فاحتملني على خافية من خوافيه " إلى غير ذلك من الآثار ، وفي «لقط المرجان في أحكام الجان» كثير منها ، واعتقاد السلف وأهل السنة أن ما دلت عليه أمور حقيقية واقعة كما أخبر الشرع عنها والتزام تأويلها كلها يستلزم خبطاً طويلاً لا يميل إليه إلا المعتزلة ومن حذا حذوهم وبذلك ونحوه خرجوا عن قواعد الشرع القويم فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ، والآية التي ذكروها في معرض الاستدلال على مدعاهم لا تدل عليه إذ السلطان المنفي فيها إنما/ هو القهر والإلجاء إلى متابعته لا التعرض للإيذاء والتصدي لما يحصل بسببه الهلاك ، ومن تتبع الأخبار النبوية وجد الكثير منها قاطعاً بجواز وقوع ذلك من الشيطان بل وقوعه بالفعل ، وخبر «الطاعون من وخز أعدائكم الجن» صريح في ذلك ، وقد حمله بعض مشايخنا المتأخرين على نحو ما حملنا عليه مسألة التخبط والمس حيث قال : إن الهواء إذا تعفن تعفناً مخصوصاً مستعداً للخلط والتكوين تنفرز منه وتنحاز أجزاء سمية باقية على هوائيتها أو منقلبة بأجزاء نارية محرقة فيتعلق بها روح خبيثة تناسبها في الشرارة وذلك نوع من الجن فإنها على ما عرف في الكلام أجسام حية لا ترى إما الغالب عليها الهوائية أو النارية ولها أنواع عقلاء وغير عقلاء تتوالد وتتكون فإذا نزل واحد منها طبعاً ، أو إرادة على شخص أو نفذ في منافذه ، أو ضرب وطعن نفسه به يحصل فيه بحسب ما في ذلك الشر من القوة السمية وما في الشخص من الاستعداد للتأثر منه كما هو مقتضى الأسباب العادية في المسببات ألم شديد مهلك غالباً مظهر للدماميل والبثرات في الأكثر بسبب إفساده للمزاج المستعد ، وبهذا يحصل الجمع بين الأقوال في هذا الباب وهو تحقيق حسن لم نجده لغيره كما لم نجد ما حققناه في شأن المس لأحد سوانا فليحفظ .

(2/374)


والجار والمجرور متعلق بما قبله من الفعل المنفي بناءاً على أن ما قبل ( إلا ) يعمل فيما بعدها إذا كان ظرفاً كما في «الدر المصون» أي لا يقومون من جهة المس الذي بهم بسبب أكلهم الربا أو بيقوم أو بيتخبطه .
{ ذلك } إشارة إلى الأكل أو إلى ما نزل بهم من العذاب { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } أرادوا نظمهما في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فحيث حل بيع ما قيمته درهم بدرهمين حل بيع درهم بدرهمين إلا أنهم جعلوا الربا أصلاً في الحل وشبهوا البيع به روماً للمبالغة كما في قوله :
ومهمه مغبرة أرجاؤه ... كأن ( لون أرضه سماؤه )
وقيل : يجوز أن يكون التشبيه غير مقلوب بناءاً على ما فهموه أن البيع إنما حل لأجل الكسب والفائدة وذلك في الربا متحقق وفي غيره موهوم { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } جملة مستأنفة من الله تعالى رداً عليهم وإنكاراً لتسويتهم ، وحاصله أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان على أن بين البابين فرقاً ، وهو أن من باع ثوباً يساوي درهماً بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلاً لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثوب ، وأما إذا باع درهماً بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال عوضاً إذ الإمهال ليس بمال حتى يكون في مقابلة المال ، وقيل : الفرق بينهما أن أحد الدرهمين في الثاني ضائع حتماً وفي الأول منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع رواجها ، وجوز أن تكون الجملة من تتمة كلام الكفار إنكاراً للشريعة ورداً لها أي مثل هذا من الفرق بين المتماثلات لا يكون عند الله تعالى فهي حينئذ حالية ، وفيها قد مقدرة ولا يخفى أنه من البعد بمكان ، والظاهر عموم البيع والربا في كل بيع وفي كل ربا إلا ما خصه الدليل من تحريم بعض البيوع وإحلال بعض الربا ، وقيل : هما مجملان فلا يقدم على تحليل بيع ولا تحريم ربا إلا ببيان ، ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : من آخر ما أنزل آية الربا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة .

(2/375)


{ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ } أي فمن بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا واستحلاله ، و ( من ) / شرطية أو موصولة ، و { مَّوْعِظَةٌ } فاعل جاء وسقطت التاء للفصل وكون التأنيث مجازياً مع ما في الموعظة معنى من التذكير ، وقرأ أبيّ والحسن ( جاءته ) بإلحاق التاء { مّن رَّبّهِ } متعلق بجاءه أو بمحذوف وقع صفة لموعظة وعلى التقديرين فيه تعظيم لشأنها وفي ذكر الرب تأنيس لقبول الموعظة إذ فيه إشعار بإصلاح عبده و ( من ) لابتداء الغاية أو للتبعيض وحذف المضاف { فانتهى } عطف على جاءه أي فاتعظ بلا تراخ وتبع النهي { فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي ما تقدم أخذه قبل التحريم لا يسترد منه ، وهذا هو المروي عن الباقر ، وسعيد بن جبير ، وقيل : المراد لا مؤاخذة عليه في الدنيا ولا في الآخرة فيما تقدم له أخذه من الربا قبل ، والفاء إما للجواب أو صلة في الخبر ، و { مَا } في موضع الرفع بالظرف إن جعلت ( من ) موصولة ، وبالإبتداء إن جعلت شرطية على رأي من يشترط الاعتماد ، وكون المرفوع اسم حدث ، ومن لا يشترطهما يجوز كونه فاعل الظرف { وَأَمْرُهُ } أي المنتهى بعد التحريم { إِلَى الله } إن شاء عصمه من الربا فلم يفعل وإن شاء لم يفعل ، وقيل : المراد إنه يجازيه على انتهائه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية أو يحكم في شأنه يوم القيامة بما شاء لا اعتراض لكم عليه .
ومن الناس من جعل الضمير المجرور لما سلف أو للربا وكلاهما خلاف الظاهر .
{ وَمَنْ عَادَ } أي رجع إلى ما سلف ذكره من فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى من عاد والجمع باعتبار المعنى { أصحاب النار } أي ملازموها { هُمْ فِيهَا خالدون } أي ماكثون أبداً لكفرهم ، والجملة مقررة لما قبلها؛ وجعل الزمخشري متعلق عاد الربا فاستدل بالآية على تخليد مرتكب الكبيرة وعلى ما ذكرنا وهو التفسير المأثور لا يبقى للاستدلال بها مساغ ، واعترض بأن الخلود لو جعل جزاءاً للاستحلال بقي جزاء مرتكب الفعل من غير استحلال غير مذكور في الكلام أصلاً لا عبارة ولا إشارة مع أنه المقصود الأهم بخلاف ما لو جعل ذلك جزاء أصل الفعل فإن المقصود يكون مذكوراً صريحاً مع إفادته جزاء الاستحلال وأنه أمر فوق الخلود ، وأجيب بأن ما يكفر مستحله لا يكون إلا من كبائر المحرمات وجزاؤها معلوم ولذا لم ينبه عليه لظهوره ، وقال بعض المحققين في الجواب : إن جعل ذلك إشارة إلى الأكل كان الجزاء القيام المذكور من القبور إلى الموقف وكفى به نكالاً ، ثم أخبر أن حاملهم على الأكل كان هذا القول فأشعر الوصف أولاً أن الوعيد به ثم ذكر موجب اجترائهم فدل على أنه وعيد آكل سواء كان حامله عليه ذلك القول أو لا .

(2/376)


وأما قوله سبحانه : { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى } وقوله تعالى : { فَمَنْ * عَادٍ } فهو في القائل المعتقد وإن جعل إشارة إلى القيام المذكور فالجزاء ما يفهم من ضم الفعل إلى القول فإنه لو لم يكن له مدخل في التعذيب لم يحسن في معرض الوعيد ، والقول بأن المتعلق الربا والآية محمولة على التغليظ خلاف الظاهر فتدبر .

(2/377)


يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)

{ يَمْحَقُ الله الرباا } أي يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه ، أخرج أحمد ، وابن ماجه ، وابن جريح ، والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الربا وإن كثر فعاقبته تصير إلى قلّ " وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال : سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق ، ولعل هذا مخرج مخرج الغالب ، وعن الضحاك أن هذا المحق في الآخرة بأن يبطل ما يكون منه مما يتوقع نفعه فلا يبقى/ لأهله منه شيء { وَيُرْبِى الصدقات } يزيدها ويضاعف ثوابها ويكثر المال الذي أخرجت منه الصدقة . أخرج البخاري ، ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله تعالى إلا طيباً فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " وأخرج الشافعي ، وأحمد مثل ذلك ، والنكتة في الآية أن المربي إنما يطلب في الربا زيادة في المال ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال ، فبين سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان كذا قيل وجعلوه وجهاً لتعقيب آيات الانفاق بآية الربا .
{ والله لاَ يُحِبُّ } لا يرتضي { كُلَّ كَفَّارٍ } متمسك بالكفر مقيم عليه معتاد له { أَثِيمٍ } منهمك في ارتكابه والآية لعموم السلب لا لسلب العموم إذ لا فرق بين واحد وواحد ، واختيار صيغة المبالغة للتنبيه على فظاعة آكل الربا ومستحله ، وقد ورد في شأن الربا وحده ما ورد فكيف حاله مع الاستحلال؟ا أعاذنا الله تعالى من ذلك . فقد أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " درهم ربا أشد على الله تعالى من ست وثلاثين زنية " وقال : " من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به " وأخرج ابن ماجه وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الربا سبعون باباً أدناها مثل أن يقع الرجل على أمه وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه " وأخرج جميل بن دراج عن الإمامية عن أبي عبد الله الحسين رضي الله تعالى عنه قال : «درهم ربا أعظم عند الله تعالى من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام» . وأخرج عبد الرزاق وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الربا خمسة آكله وموكله وشاهديه وكاتبه» .

(2/378)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)

{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } بما وجب الإيمان به { وَعَمِلُواْ } الأعمال { الصالحات } على الوجه الذي أمروا به { وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكواة } تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما ، فإن الأولى : أعظم الأعمال البدنية والثانية : أفضل الأعمال المالية { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } الموعود لهم حال كونه { عِندَ رَبّهِمْ } وفي التعبير بذلك مزيد لطف وتشريف { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } لوفور حظهم .

(2/379)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } في الظاهر { اتقوا الله } أي قوا أنفسكم عقابه { وَذَرُواْ } أي اتركوا { مَا بَقِىَ مِنَ الرباا } لكن عند الناس { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } عن صميم القلب فإن دليله امتثال ما أمرتم به وهو شرط حذف جوابه ثقة بما قبله ، و { مِنْ } تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل بقي ، وقيل : متعلقة ببقي وقرأ الحسن بقي بقلب الياء ألفاً على لغة طىء ، والآية كما قال السدي : نزلت في العباس رضي الله تعالى عنه ابن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف من بني عمرة وهم بنو عمرو بن عمير فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة من الربا فتركوها حين نزلت . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عمير بن عوف الثقفي ، ومسعود بن عمرو بن عبد ياليل بن عمر ، وربيعة بن عمرو ، وحبيب بن عمير وكلهم أخوة وهم الطالبون ، والمطلوبون/ بنو المغيرة من بني مخزوم وكانوا يداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا وكان النبي صلى الله عليه وسلم صالح ثقيفاً فطلبوا رباهم إلى بني المغيرة وكان مالاً عظيماً فقال بنو المغيرة : والله لا نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى ورسوله عن المسلمين فعرفوا شأنهم معاذ بن جبل ويقال عتاب بن أسيد فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني عمرو بن عمير يطلبون رباهم عند بني المغيرة فأنزل الله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل أن أعرض عليهم هذه الآية فإن فعلوا فلهم رؤوس أموالهم وإن أبوا فآذنهم بحرب من الله تعالى ورسوله وذلك
[ بم قوله تعالى :

(2/380)


فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)

{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } أي ما أمرتم به من الاتقاء وترك البقايا إما مع إنكار حرمته وإما مع الاعتراف { فَأْذَنُواْ } أي فأيقنوا وبذلك قرأ الحسن وهو التفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } وهو كحرب المرتدين على الأول وكحرب البغاة على الثاني ، وقيل : لا حرب حقيقة وإنما هو تهديد وتخويف وجمهور المفسرين على الأول وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش ( فآذنوا ) بالمد أي فاعلموا بها أنفسكم أو بعضكم بعضاً أو غيركم ، وهذا مستلزم لعلمهم بالحرب على أتم وجه وتنكير حرب للتعظيم ، ولذا لم يقل بحرب الله تعالى بالإضافة ، أخرج أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها لما نزلت قال : ثقيف لا يدي لنا بحرب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
{ وَإِن تُبتُمْ } عما يوجب الحرب { فَلَكُمْ رُءوسُ * أموالكم } تأخذونها لا غير { لاَ تُظْلَمُونَ } غرماءكم بأخذ الزيادة { وَلاَ تُظْلَمُونَ } أنتم من قبلهم بالنقص من رأس المال أو به وبنحو المطل ، وقرأ المفضل عن عاصم لا تظلمون الأول بالبناء للمفعول والثاني بالبناء للفاعل على عكس القراءة الأولى ، والجملة إما مستأنفة وهو الظاهر وإما في محل نصب على الحال من الضمير في ( لكم ) والعامل ما تضمنه الجار من الاستقرار لوقوعه خبراً وهو رأي الأخفش ومن ضرورة تعليق هذا الحكم بتوبتهم عدم ثبوته عند عدمها لأن عدمها إن كان مع إنكار الحرمة فهم المرتدون وما لهم المكسوب في حال الردة فيء للمسلمين عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وكذا سائر أموالهم عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وعندنا هو لورثتهم ولا شيء لهم على كل حال وإن كان مع الاعتراف فإن كان لهم شوكة فهم على شرف القتل لم يكد تسلم لهم رؤوسهم فكيف برؤوس أموالهم وإلا فكذلك عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال : من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه ، ومثله عن الصادق رضي الله تعالى عنه ، وأما عند غيرهما فهم محبوسون إلى أن تظهر توبتهم ولا يمكنون من التصرفات رأساً فما لم يتوبوا لم يسلم لهم شيء من أموالهم بل إنما يسلم بموتهم لورثتهم ، قال المولى أبو السعود ، وغيره : واستدل بالآية على أن الممتنع عن أداء الدين مع القدرة ظالم يعاقب بالحبس وغيره وقد فصل ذلك الفقهاء أتم تفصيل .

(2/381)


وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)

{ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } أي إن وقع المطلوب ذا إعسار لضيق حال من جهة عدم المال على إن كان تامة ، وجوز بعض الكوفيين إن تكون ناقصة ، و { ذُو } اسمها والخبر محذوف أي وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو غريماً أو من غرمائكم . وقرأ عثمان رضي الله تعالى عنه ( ذا عسرة ) . وقرىء ومن كان ذا عسرة وعلى القراءتين { كَانَ } ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها يعود للغريم وإن لم يذكر ، والآية نزلت كما قال الكلبي : حين قالت بنو المغيرة لبني عمرو / بن عمير : نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم { فَنَظِرَةٌ } الفاء جواب الشرط ونظرة مبتدأ خبره محذوف أي فعليكم نظرة أو فاعل بفعل مضمر أي فتجب نظرة ، وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي فالأمر ، أو فالواجب نظرة ، والنظرة كالنظرة بسكون الظاء الانتظار ، والمراد به الإمهال والتأخير ، وقرأ عطاء ( فناظره ) بإضافة ناظر إلى ضمير { ذُو عُسْرَةٍ } أي فالمستحق ناظره أي منتظره وممهله وصاحب نظرته على طريق لابن ، وتامر وعنه أيضاً فناظره أمراً من المفاعلة أي فسامحه بالنظرة { إلى مَيْسَرَةٍ } أي إلى وقت أو وجوب يسار ، وقرأ حمزة ونافع ميسرة بضم السين وهما لغتان كمشرقة ومشرقة ، وقرىء بهما مضافين بحذف التاء وإقامة الإضافة مقامها فاندفع ما أورد على هذه القراءة بأن مفعلاً بالضم معدوم أو شاذ وحاصله أنها مفعلة لا مفعل ، وأجيب أيضاً بأنه معدوم في الآحاد وهذا جمع ميسرة كما قيل في مكرم جمع مكرمة ، وقيل : أصل ميسورة فخففت بحذف الواو بدلالة الضمة عليها .
{ وَأَن تَصَدَّقُواْ } بحذف إحدى التاءين ، وقرىء بتشديد الصاد على أن أصله تتصدقوا فقلبت التاء الثانية صاداً وأدغمت أي وتصدقكم على معسري غرمائكم برؤوس أموالكم كلاً أو بعضاً { خَيْرٌ لَّكُمْ } أي أكثر ثواباً من الإنظار ، أو خير مما تأخذونه لنفاد ذلك وبقاء هذا . أخرج ابن المنذر عن الضحاك قال : النظرة واجبة وخير الله تعالى الصدقة على النظرة ، وقيل : المراد بالتصدق الإنظار لما أخرج أحمد عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان له على رجل حق فأخره كان له بكل يوم صدقة » وضعفه الإمام مع مخالفته للمأثور بأن وجوب الإنظار ثبت بالآية الأولى فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة زائدة وبأن قوله سبحانه : { خَيْرٌ لَّكُمْ } لا يليق بالواجب بل بالمندوب ، واستدل بإطلاق الآية من قال بوجوب إنظار المعسر مطلقاً سواء كان الدين دين ربا أم لا وهو الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه والحسن والضحاك وأئمة أهل البيت ، وذهب شريح وإبراهيم النخعي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية عنه إلى أنه لا يجب إلا في دين الربا خاصة وتأولوا الآية على ذلك . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } جواب { ءانٍ } محذوف أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتموه وفيه تحريض على الفعل .

(2/382)


وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)

{ واتقوا يَوْمًا } وهو يوم القيامة أو يوم الموت وتنكيره للتفخيم كما أن تعليق الاتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد التي تجعل الولدان شيباً { تُرْجَعُونَ فِيهِ } على البناء للمفعول من الرجع ، وقرىء على البناء للفاعل من الرجوع والأول أدخل كما قيل : في التهويل ، وقرىء يرجعون على طريق الالتفات ، وقرأ أبيّ تصيرون وعبد الله تردون { إِلَى الله } أي حكمه وفصله { ثُمَّ توفى } أي تعطى كملاً { كُلُّ نَفْسٍ } كسبت خيراً أو شراً { مَّا كَسَبَتْ } أي جزاء ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، والكسب العمل كيف كان كما نطقت به اللغة ودلت عليه الآثار ، وكسب الأشعري لا يشعر به سوى الأشاعرة { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } جملة حالية من كل نفس وجمع باعتبار المعنى ، وأعاد الضمير أولاً مفرداً اعتباراً باللفظ ، وقدم اعتبار اللفظ لأنه الأصل ولأن اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة فكان تأخيره أحسن ، ولك أن تقول : إن الجمع أنسب بما يكون في يومه كما أن الإفراد أولى فيما إذا كان قبله . أخرج غير واحد من غير طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آية { واتقوا يَوْمًا } الخ آخر/ ما نزل من القرآن ، واختلف في مدة بقائه بعدها عليه الصلاة والسلام فقيل : تسع ليال ، وقيل : سبعة أيام ، وقيل : ثلاث ساعات ، وقيل : أحداً وعشرين يوماً ، وقيل : أحداً وثمانين يوماً ثم مات بنفسي هو حياً وميتاً صلى الله عليه وسلم . روي أنه قال : اجعلوها بين آية الربا وآية الدين ، وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال : « جاءني جبرائيل فقال : اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة » ولا يعارض الرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في أن هذه آخر آية نزلت ما أخرجه البخاري ، وأبو عبيد ، وابن جرير ، والبيهقي من طريق الشعبي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : آخر آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم آية الربا ، ومثله ما أخرجه البيهقي من طريق ابن المسيب عن عمر بن الخطاب كما قاله محمد بن سلمة فيما نقله عنه علي بن أحمد الكرباسي أن المراد من هذا أن آخر ما نزل من الآيات في البيوع آية الربا ، أو أن المراد إن ذلك من آخر ما نزل كما يصرح به ما أخرجه الإمام أحمد ، ولما أمر سبحانه بإنظار المعسر وتأجيله عقبه ببيان أحكام الحقوق المؤاجلة وعقود المداينة فقال عز من قائل :

(2/383)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } بالله تعالى وبما جاء منه { إِذَا تَدَايَنتُم } أي تعاملتم وداين بعضكم بعضاً { بِدَيْنٍ } فائدة ذكره تخليص المشترك ودفع الإيهام نصراً لأن ( تداينتم ) يجيء بمعنى تعاملتم بدين ، وبمعنى تجازيتم ، ولا يرد عليه أن السياق يرفع لأن الكلام في النصوصية على أن السياق قد لا يتنبه له إلا الفطن ، وقي : ذكر ليرجع إليه الضمير إذ لولاه لقيل : فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذي الذوق العارف بأساليب الكلام ، واعترض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ } [ المائدة : 8 ] وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر بل هو أحد العوضين ولا دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق ولا يكتفي به في معرض البيان لا سيما وهو ملبس ، وقيل : ذكر لأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل ، وحال لما في التنكير من الشيوع والتبعيض لما خص بالغاية ولو لم يذكر لاحتمل أن الدين لا يكون إلا كذلك { إلى أَجَلٍ } أي وقت وهو متعلق بتداينتم ، ويجوز أن يكون صفة للدين أي مؤخر أو مؤجل إلى أجل { مُّسَمًّى } بالأيام أو الأشهر ، أو نظائرهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بنحو الحصاد لئلا يعود على موضوعه بالنقض { فاكتبوه } أي الدين بأجله لأنه أرفق وأوقف؛ والجمهور على استحبابه لقوله سبحانه : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } والآية عند بعض ظاهرة في أن كل دين حكمه ذلك ، وابن عباس يخص الدين بالسلم فقد أخرج البخاري عنه أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله تعالى أجله وأذن فيه ثم قرأ الآية واستدل الإمام مالك بها على جواز تأجيل القرض .
{ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها إثر الأمر بها إجمالاً ، ومفعول يكتب محذوف ثقة بانفهامه أو للقصد إلى إيقاع نفس الفعل والتقييد بالظرف للإيذان بأنه ينبغي للكاتب أن لا ينفرد به أحد المتعاملين دفعاً للتهمة والجار متعلق بمحذوف وقع صفة للكاتب أي ليكن الكاتب من شأنه التسوية وعدم الميل إلى أحد الجانبين بزيادة أو نقص ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً بكاتب أو بفعله ، والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية بكتابة عدل فقيه دين حتى يكون ما يكتبه موثوقاً به متفقاً عليه بين أهل العلم ، فالكلام كما قال الطيبي مسوق لمعنى ، ومدمج فيه آخر بإشارة النص وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور/ الخطرة إلا من كان فقيهاً ولهذا استدل بعضهم بالآية على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون ، ومن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو نائبه منعه لئلا يقع الفساد ويكثر النزاع والله لا يحسب المفسدين .

(2/384)