صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)

{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } عطف على مثله مما تقدم وكان توسيط ما تقدم بينهما للإشعار بعدم اتصال أحدهما بالآخر وتخلل كلام من جهة المخاطبين متفرع على السابق مستتبع للاحق ، وروايات القصاص متظافرة على أنهم قالوا لنبيهم : ما آية ملكه واصطفائه علينا؟ فقال : { إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت } ولما لم يكن قولهم ذلك مذكوراً ليقع هذا جواباً له صراحة أعاد الفاعل ليغار ما علم صراحة كونه جواباً ، وإنما لم يجر ذلك المجرى بأن يذكر مقولهم ويكون هذا جواباً له ، ويكتفي بالإضمار كما اكتفى به أولاً للإيماء إلى أن ذلك السؤال للنبي بعد تصديقهم له وبيانه لهم ما استفهموا عنه مما لا ينبغي أن يكون حتى يجاب لأن له شبهاً تاماً بالتعنت حينئذ وإن عد من باب/ السؤال لتقوية العلم ، وهذا بناءاً على أن القوم كانوا مؤمنين ، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنهم لم يكونوا آمنوا به حينئذ فعن السدي أن هذا النبي كان قد كفله شيخ من علماء بني إسرائيل فلما أراد الله تعالى أن يبعثه نبياً أتاه جبريل وهو غلام نائم إلى جنب الشيخ ، وكان لا يأمن عليه غيره فدعاه بلحن الشيخ فقام فزعاً إلى الشيخ فقال : يا أبتاه دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع فقال : يا بني ارجع فنم فرجع فنام فدعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال : دعوتني؟ فقال : ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني ، فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له : اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله تعالى قد بعثك فيهم نبياً فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلت بالنبوة ولم يأن لك وقالوا : إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً ثم جرى ما جرى فقال : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً فقالوا : ما كنت قط أكذب منك الساعة واعترضوا وأجيبوا ثم قالوا إن كنت صادقاً فأتنا بآية أن هذا ملك فقال : ما قص الله تعالى ، وحينئذ لا يبعد أن يكون الاستفهام المصرح به في الآية وكذا الطلب المرموز إليه فيها صادراً عن إنكار وعدم إيقان ، ووجه ترك ذكر سؤالهم حينئذ إن كان الإشارة إلى أن من شأن الأنبياء الإتيان بالآيات وإن لم تطلب منهم جلباً للشارد وتقييداً للوارد وليزداد الذين آمنوا هدى .
والتابوت الصندوق وهو فعلوت من التوب وهو الرجوع لما أنه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاجه من مودعاته فتاؤه مزيدة كتاء ملكوت ، وأصله توبوت فقلبت الواو ألفا وليس بفاعول من التبت لقلة ما كان فاؤه ولامه من جنس واحد كسلس وقلق ، وقرىء ( تابوه ) بالهاء ، وهي لغة الأنصار والأولى لغة قريش ، وهي التي أمر عثمان رضي الله تعالى عنه بكتابتها في الإمام حين ترافع لديه في ذلك زيد ، وأبان رضي الله تعالى عنهما ووزنه حينئذ على ما اختاره الزمخشري فاعول لأن شبهة الاشتقاق لا تعارض زيادة الهاء وعدم النظير ، وأما جعل الهاء بدلاً من التاء لاجتماعهما في الهمس وأنهما من حروف الزيادة فضعيف لأن الإبدال في غير تاء التأنيث ليس بثبت؛ وذهب الجوهري إلى أن التاء فيه للتأنيث وأصله عنده تابوة مثل ترقوة فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاءاً ، والمراد به صندوق كان يتبرك به بنو إسرائيل فذهب منهم ، واختلف في تحقيق ذلك فقال أرباب الأخبار : هو صندوق أنزله الله تعالى على آدم عليه السلام فيه تماثيل الأنبياء جميعهم ، وكان من عود الشمشاذ نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين ، ولم يزل ينتقل من كريم إلى كريم حتى وصل إلى يعقوب ثم إلى بنيه ثم وثم إلى أن فسد بنو إسرائيل وعصوا بعد موسى عليه السلام فسلط الله تعالى عليهم العمالقة فأخذوه منهم فجعلوه في موضع البول والغائط فلما أراد الله تعالى أن يملك طالوت سلط عليهم البلاء حتى إن كل من أحدث عنده ابتلى بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن فعلموا أن ذلك بسبب استهانتهم به فأخرجوه وجعلوه على ثورين فأقبلا يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت .

(2/292)


وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صندوق التوراة وكان قد رفعه الله تعالى إلى السماء سخطاً على بني إسرائيل لما عصوا بعد وفاة موسى عليه السلام فلما طلبت الآية أتى من السماء والملائكة يحفظونه وبنو إسرائيل يشاهدون ذلك حتى أنزلوه في بيت طالوت . وعن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه التابوت الذي أنزل على أم موسى فوضعته فيه وألقته في البحر وكان عند بني إسرائيل يتبركون به إلى أن فسدوا فجعلوا يستخفون به فرفعه الله تعالى إلى أن كان ما كان ، وروي غير ذلك مما يطول ، وأقرب الأقوال التي رأيتها أنه صندوق التوراة تغلبت عليه العمالقة حتى رده الله تعالى ، وأبعدها أنه صندوق نزل من السماء على آدم عليه السلام وكان/ يتحاكم الناس إليه بعد موسى عليه السلام إذ اختلفوا فيحكم بينهم ويتكلم معهم إلى أن فسدوا فأخذه العمالقة ، ولم أر حديثاً صحيحاً مرفوعاً يعول عليه بفتح قفل هذا الصندوق ولا فكراً كذلك .
{ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة ، فالسكينة مصدر حينئذ أو فيه نفسه ما تسكنون إليه وهو التوراة ، وقيل : وليس بالصحيح كما قاله الراغب صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر ، والجملة في موضع الحال .

(2/293)


و ( من ) لابتداء الغاية أو للتبعيض أي من سكينات ربكم .
{ وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى وَءالُ هارون } هي رضاض الألواح وثياب موسى وعمامة هرون وطست من ذهب كانت تغسل به قلوب الأنبياء . وكلمة الفرج لا إله إلا الله الحليم الكريم وسبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، وآلهما أتباعهما أو أنفسهما ، أو أنبياء بني إسرائيل ، لأنهم أبناء عمهما { تَحْمِلُهُ الملائكة } حال من التابوت ، والحمل إما حقيقة أو مجاز على حد . حمل زيد متاعي إلى مكة . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من إتيان التابوت فهو من كلام النبي لقومه أو إلى نقل القصة وحكايتها فهو ابتداء خطاب منه تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وجيء به قبل تمام القصة إظهاراً لكمال العناية ، وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين على التقديرين بتأويل الفريق ونحوه { لآيَةً } عظيمة كائنة { لَكُمْ } دالة على جعل طالوت ملكاً عليكم أو على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بما أخبر من غير سماع من البشر ولا أخذ من كتاب { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي مصدقين بتمليكه عليكم أو بشيء من الآيات ، و { ءانٍ } شرطية والجواب محذوف اعتماداً على ما قبله وليس المقصود حقيقة الشرطية إذا كان المخاطب من تحقق إيمانه ، وقيل : هي بمعنى إذ .

(2/294)


فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)

{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود } أي انفصل عن بيت المقدس مصاحباً لهم لقتال العمالقة ، وأصله فصل نفسه عنه ، ولما اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة القاصر كانفصل وقيل : فصل فصلاً وجوز كونه أصلاً برأسه ممتازاً من التعدي بمصدره كوقف وقوفاً ووقفه وقفاً وصد عنه صدوداً وصده صداً وهو باب مشهور ، والجنود الأعوان والأنصار جمع جند ، وفيه معنى الجمع ، وروى أنه قال لقومه : لا يخرج معي رجل بنى بناءاً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا ابتغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً ، وقيل : سبعون ألفاً ، وكان الوقت قيظاً فسلكوا مفازة فسالوا نهراً { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم } أي معاملكم معاملة من يريد أن يختبركم ليظهر للعيان الصادق منكم والكاذب { بِنَهَرٍ } بفتح الهاء ، وقرىء بسكونها وهي لغة فيه وكان ذلك نهر فلسطين كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن قتادة والربيع أنه نهر بين فلسطين والأردن { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } أي ابتدأ شربه لمزيد عطشه من نفس النهر بأن كرع لأنه الشرب منه حقيقة ، وهذا كثيراً ما يفعله العطشان المشرف على الهلاك ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي : فمن شرب من مائه مطلقاً { فَلَيْسَ مِنّي } أي من أشياعي ، أو ليس بمتصل بي ومتحد معي { فَمَنْ } اتصالية وهي غير التبعيضية عند بعض وكأنها بيانية عنده وعينها عند آخرين .
/ { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } أي من لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه ، مأكولاً كان أو مشروباً ، حكاه الأزهري عن الليث ، وذكر الجوهري أن الطعم ما يؤديه الذوق وليس هو نفس الذوق فمن فسره به على هذا فقد توسع وعلى التقديرين استعمال طعم الماء بمعنى ذاق طعمه مستفيض لا يعاب استعماله لدى العرب العرباء ويشهد له قوله :
وإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا برداً
وأما استعماله بمعنى شربه واتخذه طعاماً فقبيح إلا أن يقتضيه المقام كما في حديث زمزم « طعام طعم وشفاء سقم » فإنه تنبيه على أنها تغذي بخلاف سائر المياه ، ولا يخدش هذا ما حكي أن خالد بن عبد الله القسري قال على منبر الكوفة وقد خرج عليه المغيرة بن سعيد : أطعموني ماءاً فعابت عليه العرب ذلك وهجوه به وحملوه على شدة جزعه ، وقيل فيه :
بل المنابر من خوف ومن وهل ... واستطعم الماء لما جد في الهرب
وألحن الناس كل الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشديق بالخطب

(2/295)


لأن ذلك إنما عيب عليه لأنه صدر عن جزع فكان مظنة الوهم وعدم قصد المعنى الصحيح ، وإلا فوقوع مثله في كلامهم مما لا ينبغي أن يشك فيه ، وإنما علم طالوت أن من شرب عصاه ومن لم يطعم أطاعه بواسطة الوحي إلى نبي بني إسرائيل وإنما لم يخبرهم النبي نفسه بذلك بل ألقاه إلى طالوت فأخبر به كأنه من تلقاء نفسه ليكون له وقع في قلوبهم ، وجوز أن يكون ذلك بواسطة وحي إليه بناءاً على أنه نبيء بعد أن ملك وهو قول لا ثبت له ، والقول بأنه يحتمل أن يكون بالفراسة والإلهام بعيد .
{ إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ } استثناءً من الموصول الأول أو ضميره في الخبر فإن فسر الشرب بالكروع كان الاستثناء منقطعاً وإلا كان متصلاً ، وفائدة تقديم الجملة الثانية الإيذان بأنها من تتمة الأولى وأن الغرض منها تأكيدها وتتميمها نهياً عن الكروع من كل وجه ، وإفادة أن المغترف ليس بذائق حكماً فيؤكد ترخيص الاغتراف ولو أخرت لم تفد هذه الفوائد ولاختل النظم لدلالة الاستثناء إذ ذاك على أن المغترف متحد معه ، ودلالة الجملة الثانية بمفهومها على أنه غير متحد معه ولا يصح في الاستثناء أن يكون من أحد الضميرين الراجعين إلى الموصولين في الصلة للفصل بين أجزاء الصلة حينئذٍ بالخبر وأداء المعنى في الأول إلى أن المجتزىء في الشرب بغرفة واحدة ليس متصلاً به متحداً معه لأن التقدير والذين شربوا كلهم إلا المغترف ليس مني ولا يصح أيضاً أن يكون من الموصول الثاني أو الضمير الراجع إليه في الخبر خلافاً للبعض إذ لا فرق لأدائه إلى أن المجتزىء المذكور مخرج من حكم الاتحاد معه لأن التقدير والذين لم يذوقوه فإنهم كلهم إلا المغترف منهم متصلون بي متحدون معي وليس بالمراد أصلاً ، والغرفة ما يغرف ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة ( غرفة ) بفتح الغين على أنها مصدر ، وقيل : الغرفة والغرفة مصدران والضم والفتح لغتان ، والباء متعلقة باغترف أو بغرفة في قول ، أو بمحذوف وقع صفة لها .
{ فَشَرِبُواْ مِنْهُ } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي فابتلوا به فشربوا ، والمراد إما كرعوا وهو المتبادر وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو أفرطوا في الشرب { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } لم يكرعوا أو لم يفرطوا في الشرب بل اقتصروا على الغرفة باليد وكانت تكفيهم لشربهم وإداوتهم كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأخرج عنه أيضاً أن من شرب/ لم يزدد إلا عطشاً ، وفي رواية : إن الذين شربوا اسودت شفاههم وغلبهم العطش وكان ذلك من قبيل المعجزة لذلك النبي ، وقرأ أبيّ والأعمش ( إلا قليل ) بالرفع وجعلوه من الميل إلى جانب المعنى فإن قوله تعالى : { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في قوة أن يقال : فلم يطيعوه فحق أن يرد المستثنى مرفوعاً كما في قول الفرزدق :

(2/296)


وعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مجلف
فإن قوله : لم يدع في حكم لم يبق . وذهب أبو حيان إلى أنه لا حاجة إلى التأويل ، وجوز في الموجب وجهين النصب وهو الأفصح والاتباع لما قبله على أنه نعت أو عطف بيان وأورد له قوله :
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
ولا يخفى ما فيه { فَلَمَّا جَاوَزَهُ } أي النهر وتخطاه { هُوَ } أي طالوت { والذين ءامَنُواْ } عطف على الضمير المتصل المؤكد بالمنفصل ، والمراد بهم القليلون والتعبير عنهم بذلك تنويهاً بشأنهم وإيماءاً إلى أن من عداهم بمعزل عن الإيمان { مَعَهُ } متعلق بجاوز لا بآمنوا وجوز أن يكون خبراً عن ( الذين ) بناءاً على أن الواو للحال كأنه قيل : فلما جاوزه والحال إن الذين آمنوا كائنون معه .
{ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } أي لا قدرة لنا بمحاربتهم ومقاومتهم فضلاً عن الغلبة عليهم ، وجالوت كطالوت ، والقائل بعض المؤمنين لبعض وهو إظهار ضعف لا نكوص لما شاهدوا من الأعداء ما شاهدوا من الكثرة والشدة ، قيل : كانوا مائة ألف مقاتل شاكي السلاح ، وقيل : ثلثمائة ألف { قَالَ } على سبيل التشجيع لذلك البعض وهو استئناف بياني { الذين يَظُنُّونَ } أي يتيقنون { أَنَّهُم ملاقوا * الله } بالبعث والرجوع إلى ما عنده وهم الخلص من أولئك والأعلون إيماناً فلا ينافي وصفهم بذلك إيمان الباقين فإن درجات المؤمنين في ذلك متفاوتة ويحتمل إبقاء الظن على معناه ، والمراد يظنون أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله تعالى ، وقيل : الموصول عبارة عن المؤمنين كافة ، وضمير ( قالوا ) للمنخزلين عنهم كأنهم قالوا ذلك اعتذاراً عن التخلف والنهر بينهما ولا يخفى بعده لأن الظاهر أنهم قالوا هذه المقالة عند لقاء العدو ولم يكن المنخزلون إذ ذاك معهم ، وأيضاً أي حاجة إلى إبداء العذر عن التخلف مع ما سبق من طالوت أن الكارعين ليسوا منه في شيء فلو لم ينخزلوا لمنعوا من الذهاب معه .
{ كَم مّن فِئَةٍ } أي قطعة من الناس وجماعة من فأوت رأسه إذا شققته أو من فاء إليه إذا رجع وأصلها على الأول : فيوة فحذفت لامها فوزنها فعة ، وأصلها على الثاني : فيئة فحذفت عينها فوزنها فله . و { كَمْ } هنا خبرية ومعناها كثير ، و { مِنْ } زائدة ، و { فِئَةٌ } تمييز ، وجوز أبو البقاء أن يكون { مّن فِئَةٍ } في موضع رفع صفة ل كم كما تقول عندي مائة من درهم ودينار ، وجوز بعضهم أن تكون { كَمْ } استفهامية ولعله ليس على حقيقته ، ونقل عن الرضي أن ( من ) لا تدخل بعد ( كم ) الاستفهامية ، فالقول بالخبرية أولى { قَلِيلَةٍ } نعت لفئة على لفظها { غُلِبَتِ } أي قهرت عند المحاربة { فِئَةٍ كَثِيرَةً } بالنسبة إليها .

(2/297)


{ بِإِذُنِ الله } أي بحكمه وتيسيره ولم يقولوا أطاقت حسبما وقع في كلام أصحابهم مبالغة في تشجيعهم وتسكين قلوبهم ، وإذا حمل التنوين في { فِئَةٌ } الأولى للتحقير ، وفي فئة الثانية للتعظيم كان أبلغ في التشجيع وأكمل في التسكين وقد ورد مثل ذلك في قوله :
له حاجب عن كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
وهذا كما ترى ناشىء من كمال إيمانهم بالله واليوم الآخر وتصديقهم بأنه سبحانه لا يعجزه إحياء الموتى كما لا يعجزه إماتة الأحياء فضلاً عن نصرة الضعفاء فلا ريب في أن ما في حيز الصلة مما له كمال ملاءمة للحكم الوارد على الموصول لا سيما وقد أخذ فيه إذن الله تعالى وحكمه ، ومن لا يؤمن بلقاء الله تعالى لا يكاد يقرب من هذا القيد قيد شبر فاندفع بهذا ما قاله مولانا مفتي الديار الرومية من أن هذا الجواب كما ترى ناشىء من كمال ثقتهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظنّ لقاء الله تعالى بالبعث ولا لتوقع ثوابه عز شأنه ، ولا ريب في أنّ ما ذكر في حيز الصلة ينبغي أن يكون مداراً للحكم الوارد على الموصول ولا أقل من أن يكون وصفاً ملائماً له فإن الملائمة على ما جاد به هذا الذهن الكليل حصلت على أتم وجه وأكمله فلا حاجة في تحصيلها إلى ما ذكره رحمه الله تعالى بعد من إخراج اللفظ عن ظاهره الشائع استعماله فيه إلى يوم ملاقاته تعالى وحمل ملاقاته سبحانه على ملاقاة نصره تعالى وتأييده وجعل التعبير بذلك عنه مبالغة فإنه بمعزل عن استعمال ذلك في جميع الكتاب المجيد وليس هو من قبيل قوله تعالى : { والله مَعَ الصابرين } المراد منه المعية بالنصر والإحسان لأنه في سائر القرآن مألوف استعماله في مثل ذلك كما لا يخفى ، وهو يحتمل أن يكون من كلام الأعلين أتى به تكميلاً للتشجيع وترغيباً بالصبر بالإشارة إلى ما فيه ، ويحتمل أن يكون ابتداءً كلام من جهته تعالى جىء به تقريراً لكلامهم ودعاءاً للسامعين إلى مثل حال هؤلاء المشير إليها مقالهم .

(2/298)


وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250)

{ وَلَمَّا بَرَزُواْ } أي ظهر طالوت ومن معه وصاروا في براز من الأرض وهو ما انكشف منها واستوى { لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } أي لمحاربتهم وقتالهم { قَالُواْ } جميعاً بعد أن قويت قلوب الضعفاء متضرعين إلى الله تعالى متبرئين من الحول والقوة . { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي صب ذلك علينا ووفقنا له ، والمراد به حبس النفس للقتال { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } أي هب لنا كمال القوة والرسوخ عند المقارعة بحيث لا تتزلزل ، وليس المراد بتثبيت الأقدام مجرد تقررها في حيز واحد إذ ليس في ذلك كثير جدوى { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } أي أعِنّا عليهم بقهرهم وهزمهم ، ووضع ( الكافرين ) موضع الضمير العائد إلى جالوت وجنوده للإشعار بعلة النصر عليهم ، وفي هذا الدعاء من اللطافة وحسن الأسلوب والنكات ما لا يخفى ، أما أولاً : فلأن فيه التوسل بوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال ، وأما ثانياً : فلأن فيه الإفراغ ، وهو يؤذن بالكثرة ، وفيه جعل الصبر بمنزلة الماء المنصب عليهم لثلج صدورهم وإغنائهم عن الماء الذي منعوا عنه ، وأما ثالثاً : فلأن فيه التعبير بعلى المشعر بجعل ذلك كالظرف وجعلهم كالمظروفين ، وأما رابعاً : فلأن فيه تنكير صبراً المفصح عن التفخيم ، وأما خامساً : فلأن في الطلب الثاني وهو تثبيت الأقدام ما يرشح جعل الصبر بمنزلة الماء في الطلب الأول إذ مصاب الماء مزالق فيحتاج فيها إلى التثبت ، وأما سادساً : فلأن فيه حسن الترتيب حيث طلبوا أولاً : إفراغ الصبر على قلوبهم عند اللقاء وثانياً : ثبات القدم والقوة على مقاومة العدوّ حيث أن الصبر قد يحصل لمن لا مقاومة له ، وثالثاً : العمدة والمقصود من المحاربة وهو النصرة على الخصم حيث إن الشجاعة بدون النصرة طريق عتبته عن النفع خارجة ، وقيل : إنما طلبوا أولاً : إفراغ الصبر لأنه ملاك الأمر ، وثانياً : التثبيت لأنه متفرع عليه ، وثالثاً : النصر لأنه الغاية القصوى ، واعترض/ هذا بأنه يقتضي حينئذٍ التعبير بالفاء لأنها التي تفيد الترتيب ، وأجيب بأن الواو أبلغ لأنه عول في الترتيب على الذهن الذي هو أعدل شاهد كما ذكر السكاكي .

(2/299)


فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)

{ فَهَزَمُوهُم } أي كسروهم وغلبوهم ، والفاء فيه فصيحة أي استجاب الله تعالى دعاءهم فصبروا وثبتوا ونصروا فهزموهم { بِإِذُنِ الله } أي بإرادته انهزامهم ويؤول إلى نصره وتأييده ، والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة { وَقَتَلَ دَاوُودُ } هو ابن إيشا { جَالُوتَ } أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال : لما برز طالوت لجالوت قال جالوت : أبرزوا إليّ من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فأتى بداود إلى طالوت فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله فألبسه طالوت سلاحاً فكره داود أن يقاتله بسلاح وقال : إن الله تعالى إن لم ينصرني عليه لم يغن السلاح شيئاً فخرج إليه بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار ثم برز له فقال له جالوت : أنت تقاتلني؟ قال داود : نعم قال : ويلك ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة لأبددن لحمك ولأطعمنه اليوم للطير والسباع فقال له داود : بل أنت عدو الله تعالى شر من الكلب فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع فأصابت بين عينيه حتى قعدت في دماغه فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه .
{ آتاه الله الملك } في بني إسرائيل بعد ما قتل جالوت وهلك طالوت ، وذلك أن طالوت كما روي في بعض الأخبار لما رجع وفي الشرط فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده فأراد قتله فعلم به داود فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه فسال الخمر منه فقال : يرحم الله تعالى داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال : يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني ثم إنه ركب يوماً فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس فقال : اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لا يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل غاراً وأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فضربت عليه بيتاً فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال : لو كان دخل ههنا لخرق بيت العنكبوت فرجع ، وجعل العلماء والعباد يطعنون عليه بما فعل مع داود وجعل هو يقتل العلماء وسائر من ينهاه عن قتل داود حتى قتل كثيراً من الناس ثم إنه ندم بعد ذلك وخلى الملك وكان له عشرة بنين فأخذهم وخرج يقاتل في سبيل الله تعالى كفارة لما فعل حتى قتل هو وبنوه في سبيل الله تعالى فاجتمعت بنو إسرائيل على داود وملكوه أمرهم فهذا إيتاء الملك { والحكمة } المراد بها النبوة ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله بل كانت النبوة في سبط ، والملك في سبط ، وهذا بعد موت ذلك النبي وكان موته قبل طالوت ، وذكر الحكمة بعد الملك لأنها كانت بعده وقوعاً أو للترقي من ذكر الأدنى إلى ذكر الأعلى { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } كصنعة اللبوس ومنطق الطير وكلام الدواب ، والضمير المستتر راجع إلى الله تعالى ، وعوده إلى داود كما قال السمين ضعيف لأن معظم ما علمه تعالى له مما لا يكاد يخطر ببال ، ولا يقع في أمنية بشر ليتمكن من طلبه ومشيئته .

(2/300)


{ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم } وهم أهل الشرور في الدنيا أو في الدين أو في مجموعهما { بِبَعْضِ } آخر منهم يردهم عما هم عليه بما قدره الله تعالى من القتل كما في القصة المحكية أو غيره ، / وقرأ نافع هنا وفي الحج دفاع على أن صيغة المغالبة للمبالغة { لَفَسَدَتِ الارض } وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يصلح الأرض ويعمرها ، وقيل : هو كناية عن فساد أهلها وعموم الشر فيهم؛ وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك وأنه لولاه ما استتب أمر العالم ، ولهذا قيل : الدين والملك توأمان ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأن الدين أس والملك حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع . { ولكن الله ذُو فَضْلٍ } لا يقدر قدره { عَلَى العالمين } كافة وهذا إشارة إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض المقدم منتج لنقيض التالي خلا أنه قد وضع موضعه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضل على العالمين إيذاناً بأنه تعالى يتفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك وأن فضله تعالى غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم كأنه قيل : ولكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وينتظم به مصالح العالم وينصلح أحوال الأمم ، قاله مولانا مفتي الديار الرومية قدس سره .
واعترض بأنه مخالف لقول المنطقيين : إن المتصلة ينتج استثناء عين مقدمها عين تاليها لاستلزام وجود الملزوم وجود اللازم واستثناء نقيض تاليها نقيض المقدم لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم ولا ينعكس فلا ينتج استثناء عين التالي عين المقدم ولا نقيض المقدم نقيض التالي لجواز أن يكون التالي أعم من المقدم فلا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم ولا من عدم الملزوم عدم اللازم ، وأجيب بأن ذلك إنما هو باعتبار الهيئة ، وقد يستلزمه بواسطة خصوصية مادة المساواة ، وقد صرح ابن سينا في «الفصول» بأن الملازمة إذا كانت من الطرفين كما بين العلة والمعلول ينتج استثناء كل من المقدم والتالي عين الآخر ونقيضه نقيض الآخر ، وفي تعليل القوم أيضاً إشارة إليه حيث قالوا : لجواز أن يكون اللازم أعم وكأن في عبارة المولى إشارة إلى أن الملازمة في الشرطية من الطرفين حيث قال : منتج ولم يقل ينتج اه .

(2/301)


وأجاب بعضهم بأن قولهم ذلك ليس على سبيل الاطراد بل إذا كان نقيض المقدم أعم من نقيض التالي ، وأما إذا كان نقيضه بعكس هذا كما في هذه الآية الكريمة وأمثالها فإنه ينتج التالي ، وذلك أن الدفع المذكور لما كان ملزوماً لعدم فساد الأرض كانت الملازمة ثابتة بينهما لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم كما بين في موضعه وادعاء أن الملازمة من الطرفين هنا كما زعمه المجيب الأول ليس بشيء بل اللازم ههنا أعم من الملزوم كما لا يخفى على ذي روية ، وكون عبارة المولى مشيرة إلى أن الملازمة من الطرفين في حيز المنع وما ذكره لا يدل عليه كما لا يخفى فافهم وتدبر فإن نظر المولى دقيق .

(2/302)


تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)

{ تِلْكَ آيات الله } إشارة إلى ما سلف من حديث الألوف وموتهم وإحيائهم وتمليك طالوت؛ وإظهاره بالآية وإهلاك الجبابرة على يد صبي وما فيه من البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه ، وقيل : إشارة إلى ما مر من أول السورة إلى هنا وفيه بعد ، والجملة على التقديرين مستأنفة ، وقوله تعالى : { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } أي بواسطة جبريل عليه السلام إما حال من الآيات والعامل معنى الإشارة ، وإما جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب { بالحق } في موضع النصب على أنه حال من مفعول ( نتلوها ) أي متلبسة باليقين الذي لا يرتاب فيه أحد من أهل الكتاب وأرباب التواريخ لما يجدونها موافقة لما عندهم أو لا ينبغي أن يرتاب فيه أو من فاعله أي نتلوها عليك متلبسين بالحق والصواب وهو معنا أو من الضمير المجرور أي متلبساً بالحق وهو معك .
/ { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } حيث تخبر بتلك الآيات وقصص القرون الماضية وأخبارها على ما هي عليه من غير مطالعة كتاب ولا اجتماع بأحد يخبر بذلك . ووجه مناسبة هذه القصة لما قبلها ظاهرة وذلك لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالقتال في سبيله وكان قد قدم قبل ذلك قصة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت إما بالطاعون أو القتال على سبيل التشجيع والتثبيت للمؤمنين والإعلام أنه لا ينجي حذر من قدر أردف ذلك بأن القتال كان مطلوباً مشروعاً في الأمم السابقة فليس من الأحكام التي خصصتم بها لأن ما وقع فيه الاشتراك كانت النفس أميل لقبوله من التكليف الذي يقع به الانفراد .
هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات : ( ألم ترى إلى ) ملأ القوى ( من بني إسرائيل ) البدن ( من بعد موسى ) القلب ( إذ قالوا لنبي ) عقولهم { ابعث لَنَا مَلِكًا نقاتل فِى سَبِيلِ الله } وطريق الوصول إليه بواسطة أمره وإرشاده { قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تقاتلوا } أي إني أتوقع منكم عدم المقاتلة لانغماسكم في أوحال الطبيعة { قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل } في طريق السير إلى الله تعالى ، ( وقد أخرجنا ) من ديار استعداداتنا الأصلية التي لم نزل بالحنين إليها؛ واغتربنا عن أبناء كمالاتنا اللاتي لم نبرح عن مزيد البكاء عليها ( فلما كتب عليهم القتال ) لعدوهم الذي تسبب لهم الاغتراب وأحل بهم العجب العجاب تولوا وأعرضوا عن مقاتلته وانتظموا في سلك شيعته { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم القوى المستعدة { والله عَلِيمٌ بالظالمين } [ البقرة : 6 24 ] الذين نقصوا حظوظهم { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ } الروح الإنساني ملكاً متوجاً بتاج الأنوار الإلهية جالساً على كسرى التدبيرات الصمدانية { قَالُواْ } : لاحتجابهم بحجاب الأنانية وغفلتهم عن العلوم الحقانية كيف يكون له الملك علينا مع انحطاط مرتبته بتنزله إلى عالم الكثافة من عالمه الأصلي وليس فيه مشابهة لنا { وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ } لاشتراكنا في عالمنا ومشابهة بعضنا بعضاً وشبيه الشيء ميال إليه قريب اتباعه له :

(2/303)


ولكل شيء آفة من جنسه ... { وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً } من مال التصرف إذ لا يتصرف إلا بالواسطة { قَالَ إِنَّ الله * تَعَالَى } اختاره عليكم لبساطته وتركبكم وزاده سعة في العلم الإلهي وقوة في الذات النوراني ، { والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء } فيدبره بإذنه ، { والله واسع } لسعة الإطلاق ، { عَلِيمٌ } [ البقرة : 7 24 ] بالحكم التي تقتضي الظهور والتجلي بمظاهر الأسماء ، { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ } عليكم وخلافته من قبل الرب فيكم { أَن يَأْتِيَكُمُ } تابوت الصدر { فِيهِ سَكِينَةٌ } أي طمأنينة من { رَبُّكُمْ } وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس بالله تعالى ، { وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى } القلب { وَقَالَ لَهُمْ } السر ، وهي من التوحيد وعصا لا إله إلا الله التي تلقف عظيم سحر صفات النفس وطست تجلي الأنوار الذي يغسل به قلوب الأنبياء وشيء من توراة الإلهامات { تَحْمِلُهُ } [ البقرة : 8 24 ] ملائكة الاستعدادات لدى طالوت الروح فعند ذلك تسلم له الخلافة وينقاد له جميع أسباط صفات الإنسان ، { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ } وجنوده من وزير العقل ومشير القلب ومدبر الأفهام ونظام الحواس { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } الطبيعة الجسمانية المترع بمياه الشهوات { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } وكرع مفرطاً في الري فليس من أشياعي الذين هم من عالم الروحانيات وأهل مكاشفات الصفات { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } ويذقه فإنه من سكان حظائر القدس وحضار جلوة عرائس منصة الأنس { إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ } وكرعوا وانهمكوا فيه { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم المتنزهون عن الأقذار الطبيعية المتقدسون عن ملابسها المتجردون عن غواشيها وقليل ما هم فلما جاوز طالوت الروح نهر الطبيعة وعبره { هُوَ والذين ءامَنُواْ } من القلب والعقل والملك وغيرهم من اتباع الروح { مَعَهُ } ، قال بعضهم وهم الضعفاء الذين/ لم يصلوا إلى مقام التمكين { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم } بمحاربة جالوت النفس وأعوانه لعراقتهم بالخدع والدسائس { قَالَ الذين } يتيقنون { أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } بالرجوع إليه : { كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً } وقهرتها حتى أذهبت كثرتها { بِإِذُنِ الله } وتيسيره ، { والله مَعَ الصابرين } [ البقرة : 9 24 ] بالتجلي الخاص لهم ، فلما برزوا لحرب جالوت وجنوده تبرءوا من الحول والقوة وقالوا : { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } واستقامة ، { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } في ميادين الجهاد حتى لا نرجع القهقرى من بعد؛ { وانصرنا } [ البقرة : 0 25 ] على أعدائنا الذين ستروا الحق ، وهم النفس الأمارة وصفاتها { فَهَزَمُوهُم } وكسروهم { فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ } القلب { جَالُوتَ } النفس ، ووصلوا كلهم إلى مقام التمكين فلا يخشون الرجعة والردة ، وكان قد رماه بحجر التسليم في مقلاع الرضا بيد ترك الالتفات إلى السوي فأصاب ذلك دماغ هواه فخر صريعاً فآتى الله تعالى داود ملك الخلافة وحكمة الإلهامات { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } من صنعة لبوس الحروب ، ومنطق طيور الواردات وتسبيح جبال الأبدان ، { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم } كأرباب الطلب { بِبَعْضِ } كالمشايخ الواصلين { لَفَسَدَتِ } أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم عند استيلاء جالوت النفس ،

(2/304)


{ ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين } ، [ البقرة : 1 25 ] ومن فضله تحريك سلسلة طلب الطالبين وإلهام أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيل تربيتهم والتشبث بأهداب سيرتهم فسبحانه من جواد لا يبخل ومتفضل على من سأل ومن لم يسأل .

(2/305)


تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)

/ { تِلْكَ الرسل } استئناف مشعر بالترقي كأنه قيل : إنك لمن المرسلين وأفضلهم فضلاً ، والإشارة لجماعة الرسل الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما فيه من معنى البعد كما قيل للإيذان بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم ، واللام للاستغراق ، ويجوز أن تكون للجماعة المعلومة له صلى الله عليه وسلم أو المذكورة قصصها في السورة ، واللام للعهد ، واختيار جمع التكسير لقرب جمع التصحيح { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } بأن خصصنا بعضهم بمنقبة ليست تلك المنقبة للبعض الآخر ، وقيل : المراد التفضيل بالشرائع فمنهم من شرع ومنهم من لم يشرع ، وقيل : هو تفضيل بالدرجات الأخروية ولا يخفى ما في كل ، ويؤيد الأول قوله تعالى : { مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } فإنه تفصيل للتفضيل المذكور إجمالاً ، والجملة لا محل لها من الإعراب ، وقيل : بدل من { فَضَّلْنَا } والمراد بالموصول إما موسى عليه السلام فالتعريف عهدي ، أو كل من كلمه الله تعالى عن رضا بلا واسطة ، وهم آدم كما ثبت في الأحاديث الصحيحة وموسى وهو الشهير بذلك ، ونبينا صلى الله عليه وسلم وهو المخصوص بمقام قاب والفائز بعرائس خطاب ما تعرض بالتعريض لها الخطاب ، وقرىء { كلام الله } بالنصب وقرأ اليماني ( كالم الله ) من المكالمة قيل : وفي إيراد الاسم الجليل بطريق الالتفات تربية للمهابة ورمز إلى ما بين التكلم والرفع وبين ما سبق من مطلق التفضيل وما لحق من إيتاء البينات والتأييد بروح القدس من التفاوت { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } أي ومنهم من رفعه الله تعالى على غيره من الرسل بمراتب متباعدة ومن وجوه متعددة ، وتغيير الأسلوب لتربية ما بينهم من اختلاف الحال في درجات الشرف ، والمراد ببعضهم هنا النبي صلى الله عليه وسلم كما ينبىء عنه الإخبار بكونه صلى الله عليه وسلم منهم فإنه قد خص بمزايا تقف دونها الأماني حسرى . وامتاز بخواص علمية وعملية لا يستطيع لسان الدهر لها حصراً . ورقى أعلام فضل رفعت له على كواهله الأعلام وطأطأت له رؤوس شرفات الشرف فقبلت منه الأقدام فهو المبعوث رحمة للعالمين والمنعوت بالخلق العظيم بين المرسلين والمنزل عليه قرآن مجيد { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 24 ] والمؤيد دينه المؤبد بالمعجزات المستمرة الباهرة والفائز بالمقام المحمود والشفاعة العظمى في الآخرة ، والإبهام لتفخيم شأنه وللإشعار بأنه العلم الفرد الغني عن التعيين ، وقيل : المراد به إبراهيم حيث خصه الله تعالى بمقام الخلة التي هي أعلا المراتب ولا يخفى ما فيه ، وقيل : إدريس لقوله تعالى : { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } [ مريم : 75 ] ، وقيل : أولو العزم من الرسل ، وفيه كما «في الكشف» أنه لا يلائم ذوق المقام الذي فيه الكلام ألبتة ، وكذا الكلام عندي في سابقه إذ الرفعة عليه حقيقة والمقام يقتضي المجاز كما لا يخفى ، / و درجات قيل : حال من ( بعضهم ) على معنى ذا درجات ، وقيل : انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قيل : ورفعنا بعضهم رفعات ، وقيل : التقدير على أو إلى أو في درجات فلما حذف حرف الجر وصل الفعل بنفسه ، وقيل : إنه مفعول ثان لرفع على أنه ضمن معنى بلغ ، وقيل : إنه بدل اشتمال وليس بشيء .

(2/306)


{ وَءاتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات } أي الآيات الباهرات والمعجزات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإخبار بما يأكلون ويدخرون ، أو الإنجيل ، أو كلما يدل على نبوته ، وفي ذكر ذلك في مقام التفضيل إشارة إلى أنه السبب فيه ، وهذا يقتضي أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء إذ له من قداح ذلك المعلى والرقيب . { وأيدناه بِرُوحِ القدس } قد تقدم تفسيره ، وإفراده عليه السلام بما ذكر لرد ما بين أهل الكتابين في شأنه من التفريط والإفراط ، والآية ناطقة بأن الأنبياء عليهم السلام متفاوتة الأقدار فيجوز تفضيل بعضهم على بعض ولكن بقاطع لأن الظن في الاعتقاديات لا يغنى من الحق شيئاً { وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم } أي جاءوا من بعد كل رسول كما يقتضيه المعنى لا جميع الرسل كما هو ظاهر اللفظ من الأمم المختلفة أي لو شاء الله تعالى عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلهم متفقين على الحق واتباع الرسل الذين جاءوا به فمفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون الجزاء على القاعدة المعروفة ، ومن قدر ولو شاء الله هدى الناس جميعاً ما اقتتل الخ وعدل عما تقتضيه القاعدة ظناً بأن هذا العدم لا يحتاج إلى مشيئة وإرادة بل يكفي فيه عدم تعلق الإرادة بالوجود لم يأت بشيء { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ } من جهة أولئك الرسل ، وقيل : الضمير عائد إلى ( الذين من قبلهم ) وهم الرسل ، والمجرور متعلق باقتتل وقيل : بدل من نظيره مما قبله { البينات } أي المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة الدالة على حقية الحق الموجبة للاتباع الزاجرة عن الإعراض المؤدي إلى الاقتتال { ولكن اختلفوا } استدراك من الشرطية أشير به إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض مقدمها منتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وضع فيه الاختلاف موضع نقيض المقدم المترتب عليه للإيذان بأن الاقتتال ناشيء من قبلهم وسوء اختيارهم لا من جهته تعالى ابتداءاً كأنه قيل : ولكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنهم اختلفوا اختلافاً فاحشاً .
{ فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ } أي بما جاءت به أولئك الرسل وثبت على إيمانه وعمل بموجبه ، وهذا بيان للاختلاف فلا محل للجملة من الإعراب { وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } بذلك كفراً لا ارعواء له عنه فاقتضت الحكمة عدم مشيئته لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب ما اقتضته أحوالهم { وَلَوْ شَاء الله } عدم اقتتالهم بعد هذه المرتبة أيضاً من الاختلاف المستتبع للقتال عادة { مَا اقتتلوا } وما رفعوا رأس التطاول والتعادي لما أن الكل بيد قهره فالتكرير ليس للتأكيد كما ظن بل للتنبيه على أن اختلافهم ذلك ليس موجباً لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم كما يفهم ذلك من وضعه في الاستدراك موضعه بل هو سبحانمه مختار في ذلك حتى لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا كما يفصح عنه الاستدراك بقوله عز وجل : { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } حسبما يريد من غير أن يوجبه عليه موجب أو يمنعه ( عنه ) مانع كذا قرره المولى أبو السعود قدس سره وهو من الحسن بمكان إلا أنه قد اعترضه العلامة عبد الباقي البغدادي في «تفسيره» بنحو ما تقدم آنفاً في نظير هذا القياس ، وذكر أنه خلاف استعمال ( لو ) عند أرباب العربية وأرباب الاستدلال/ ولعل الجواب عن هذا هو الجواب عن ذلك مع أدنى تغيير فلا تغفل ، وما ذكره من توجيه التكرير مما تفرد به فيما أعلم ، والأكثرون على أنه للتأكيد إلا أن وراءه سراً خص منه كما ذكره صاحب «الانتصاف» وهو أن العرب متى بنت أول كلامها على مقصد ثم اعترضها مقصد آخر وأرادت الرجوع إلى الأول طرت ذكره إما بتلك العبارة أو بقريب منها ، وذلك عندهم مهيع من الفصاحة مسلوك وطريق معبد ، وفي كتاب الله تعالى مواضع من ذلك منها قوله تعالى :

(2/307)


{ مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } [ النحل : 601 ] وهذه الآية من هذا النمط فإنه لما صدر الكلام بأن اقتتالهم كان على وفق المشيئة ثم لما طال الكلام وأريد بيان أن مشيئة الله تعالى كما نفذت في هذا الأمر الخاص وهو اقتتال هؤلاء فهي نافذة في كل فعل واقع وهو المعبر عنه في قوله تعالى : { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } طرأ ذكر تعلق المشيئة بالاقتتال ليتلوه عموم تعلق المشيئة ليتناسب الكلام ويقرن كل بشكله وهذا سر ينشرح لبيانه الصدر ويرتاح به السر ولعله أحسن من القول بأن الأول بلا واسطة والثاني بواسطة المؤمنين أو بالعكس ، هذا وفي الآية دليل على أن الحوادث تابعة لمشيئة الله تعالى خيراً كانت أو شراً إيماناً أو كفراً .

(2/308)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)

{ يُرِيدُ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } قيل : أراد به الفرض كالزكاة دون النفل لأن الأمر حقيقة في الوجوب ولاقتران الوعيد به وهو المروي عن الحسن ، وقيل : يدخل فيه الفرض والنفل وهو المروي عن ابن جريج واختاره البلخي ، وجعل الأمر لمطلق الطلب وليس فيما بعد سوى الأخبار بأهوال يوم القيامة وشدائدها ترغيباً في الإنفاق وليس فيه وعيد على تركه ليتعين الوجوب ، وقال الأصم : المراد به الانفاق في الجهاد ، والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد معنى ، وبذلك ترتبط الآية بما قبلها ولا يخفى أن هذا الدليل مما لا ينبغي أن يسمع لأن الارتباط على تقدير العموم حاصل أيضاً بدخول الانفاق المذكور فيه دخولاً أولياً ، وكذا على تقدير إرادة الفرض لأن الانفاق في الجهاد قد يكون فرضاً إذا توقف الفرض عليه ، و ( ما ) موصولة حذف عائدها والتعرض لوصوله منه تعالى للحث على الانفاق والترغيب فيه .
{ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } أي لا مودة ولا صداقة { وَلاَ شفاعة } أي لأحد إلا من بعد أن يأذن الرحمن لمن يشاء ويرضى وأراد بذلك يوم القيامة ، والمراد من وصفه بما ذكر الإشارة إلى أنه لا قدرة لأحد فيه على تحصيل ما ينتفع به بوجه من الوجوه لأن من في ذمته حق مثلاً إما أن يأخذ بالبيع ما يؤديه به وإما أن يعينه أصدقاؤه وإما أن يلتجىء إلى من يشفع له في حطه والكل منتف ولا مستعان إلا بالله عز وجل؛ و ( من ) متعلقة بما تعلقت به أختها ولا ضير لاختلاف معنييهما إذ الأولى : تبعيضية وهذه لابتداء الغاية وإنما رفعت هذه المنفيات الثلاثة مع أن المقام يقتضي التعميم والمناسب له الفتح لأن الكلام على تقدير هل بيع فيه أو خلة أو شفاعة والبيع وأخواه فيه مرفوعة فناسب رفعها في الجواب مع حصول العموم في الجملة وإن لم يكن بمثابة العموم الحاصل على تقدير الفتح ، وقد فتحها ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب على الأصل في ذكر ما هو نص في العموم كذا قالوا ، ولعل الأوجه القول بأن الرفع لضعف العموم في غالبها وهو الخلة والشفاعة للاستثناء الواقع في بعض الآيات ، والمغلوب منقاد لحكم الغالب ، وأما ما قالوه فيرد عليه أن ما بعد ( يوم ) جملة وقعت بعد نكرة فهي صفة غير مقطوعة ولا يقدر بين الصفة والموصوف إذا لم يكن قطع سؤال قطعاً ، واعتبار كون/ النكرة موصوفة بما يفهمه التنوين من التعظيم فتقدر الجملة صفة مقطوعة تحقيقاً لذلك وتقريراً له فيصح تقدير السؤال حينئذ مما لا يكاد يقبله الذهن السليم { والكافرون هُمُ الظالمون } أي المستحقون لإطلاق هذا الوصف عليهم لتناهي ظلمهم ، والجملة معطوفة على محذوف أي فالمؤمنون المتقون موفون والكافرون الخ والمراد بهم تاركو الانفاق رأساً ، وعبر عن التارك بالكافر تغليظاً حيث شبه فعله وهو ترك الإنفاق بالكفر ، أو جعل مشارفة عليه ، أو عبر بالملزوم عن اللازم فهو إما استعارة تبعية أو مجاز مشارفة أو مجاز مرسل أو كناية ومثل ذلك وضع

(2/309)


{ من كفر } [ آل عمران : 97 ] موضع من لم يحج آخر آية الحج ، وبعضهم لم يتجوز بالكفر وقال : إنه عبارة عن الكفر بالله تعالى حقيقة ، وفائدة الإخبار حينئذ الإشارة إلى أن نفي تلك الأشياء بالنسبة إليهم وأن ذلك لا يعد منا ظلماً لهم لأنهم هم الظالمون لأنفسهم المتسببون لذلك .

(2/310)


اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

{ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } مبتدأ وخبر ، والمراد هو المستحق للعبودية لا غير ، قيل : وللناس في رفع الضمير المنفصل وكذا في الاسم الكريم إذا حل محله أقوال خمسة : قولان معتبران ، وثلاثة لا معول عليها ، فالقولان المعتبران : أحدهما : أن يكون رفعه على البدلية ، وثانيهما : أن يكون على الخبرية والأول هو الجاري على ألسنة المعربين وهو رأي ابن مالك ، وعليه إما أن يقدر للأخير أو لا ، والقائلون بالتقدير اختلفوا فمن مقدر أمراً عاماً كالوجود والإمكان؛ ومن مقدر أمراً خاصاً كلنا وللخلق ، واعترض تقدير العام بأنه يلزم منه أحد المحذورين إما عدم إثبات الوجود بالفعل لله تعالى شأنه وإما عدم تنزهه سبحانه عن إمكان الشركة ، وكذا تقدير الخاص يرد عليه أنه لا دليل عليه أو فيه خفاء ، ويمكن الجواب باختيار تقديره عاماً ، ولا محذور أما على تقدير الوجود فلأن نفي الوجود يستلزم نفي الإمكان إذ لو اتصف فرد آخر بوجوب الوجود لوجد ضرورة فحيث لم يوجد علم عدم اتصافه به وما لم يتصف بوجوب الوجود لم يمكن أن يتصف به لاستحالة الانقلاب ، وأما على تقدير الإمكان فلأنا نقول قد ظهر أن إمكان اتصاف شيء بوجوب الوجود يستلزم اتصافه بالفعل بالضرورة فإذا استفيد إمكانه يستفاد وجوده أيضاً إذ كل ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود على أنه قد ذكر غير واحد أن نفي وجود إله غيره تعالى يجوز أن يكون مرتبة من التوحيد يناط بها الإسلام ويكتفي بها من أكثر العوام ، وإن لم يعلموا نفي إمكانه سيما مع الغفلة وعدم الشعور به فلا يضر عدم دلالة الكلمة عليه بل قال بعضهم : إن إيجاب النفي جاء والآلهة غير الله تعالى موجودة ، وقد قامت عبادتها على ساق ، وعكف عليها المشركون في سائر الآفاق ، فأمر الناس بنفي وجودها من حيث إنها آلهة حقة ولو كان إذ ذاك قوم يقولون بإمكان وجود إله حق غيره تعالى لكنه غير موجود أصلاً لأمروا بنفي ذلك الإمكان ولا يخفى أن هذا ليس من المتانة بمكان ، ويمكن الجواب باختيار تقديره خاصاً بأن يكون ذلك الخاص مستحقاً للعبادة والمقام قرينة واضحة عليه ، واعترض بأنه لا يدل على نفي التعدد لا بالإمكان ولا بالفعل لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحق العبادة وبأنه يمكن أن يقال : إن المراد إما نفي المستحق غيره تعالى بالفعل أو الإمكان ، والأول : لا ينفي الإمكان ، والثاني : لا يدل على استحقاقه تعالى بالفعل ، وأجيب بأن من المعلوم بأن وجوب الوجود مبدأ جميع الكمالات فلا ريب أنه يوجب استحقاق التعظيم والتبجيل ولا معنى لاستحقاق العبادة سواه فإذا لم يستحق غيره تعالى للعبادة لم يوجد غيره تعالى وإلا لاستحق العبادة قطعاً وإذا لم يوجد لم يكن ممكناً أيضاً على ما أشير إليه فثبت أن نفي الاستحقاق يستلزم نفي التعدد مطلقاً ، والقائلون بعدم/ تقدير الخبر ذهب الأكثر منهم إلى أن { لا } هذه لا خبر لها ، واعترض بأنه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد وهو باطل قطعاً ضرورة اقتضاء التوحيد ذلك ، وأجيب بأن القول بعدم الاحتياج لا يخرج المركب من { لا } واسمها عن العقد لأن معناه انتفى هذا الجنس من غير هذا الفرد وإلا عند هؤلاء بمعنى غير تابعة لمحل اسم { لا } وظهر إعرابها فيما بعدها ولا مجال لجعلها للاستثناء إذ لو كانت له لما أفاد الكلام التوحيد لأن حاصله حينئذ أن هذا الجنس على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه منتف فيفهم منه عدم انتفاء أفراد غير خارج عنها ذلك وهو بمعزل عن التوحيد كما لا يخفى ، واستشكل الإبدال من جهتين ، الأول : أنه بدل بعض ولا ضمير للمبدل منه وهو شرط فيه ، الثاني : أن بينهما مخالفة فإن البدل موجب والمبدل منه منفي ، وأجيب عن الأول : بأن { إِلا } تغني عن الضمير لإفهامها البعضية ، وعن الثاني : بأنه بدل عن الأول في عمل العامل ، وتخالفهما في الإيجاب والنفي لا يمنع البدلية على أنه لو قيل : إن البدل في الاستثناء على حدة لم يبعد .

(2/311)


والثاني : من القولين الأولين وهو القول بخبرية ما بعد { إِلا } ذهب إليه جماعة وضعف بأنه يلزم عمل ( لا ) في المعارف وهي لا تعمل فيها وبأن اسمها عام وما بعد ( إلا ) خاص فكيف يكون خبراً ، وقد قالوا : بامتناع الحيوان إنسان ، وأجيب عن الأول : بأن { لا } لا عمل لها في الخبر على رأي سيبويه وأنه حين دخولها مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل فلم يلزم عملها في المعرفة وهو كما ترى ، وعن الثاني : بأنا لا نسلم أن في التركيب قد أخبر بالخاص عن العام إذ العموم منفي والكلام مسوق العموم ، والتخصيص بواحد من أفراد ما دل عليه العام وفيه ما فيه . وأما الأقوال الثلاثة التي لا يعول عليها فأولها : أن ( إلا ) ليست أداة استثناء وإنما هي بمعنى غير وهي مع اسمه تعالى شأنه صفة لا إسم لا باعتبار المحل ، والتقدير لا إله غير الله تعالى في الوجود ، وثانيها : وقد نسب للزمخشري أن لا إله في موضع الخبر و { إِلا } وما بعدها في موضع المبتدأ ، والأصل هو ، أو الله إله فلما أريد قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر وقرن المبتدأ بإلا إذ المقصور عليه هو الذي يلي { إِلا } والمقصور هو الواقع في سياق النفي ، والمبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم الخبر عليه كماقرر في موضعه ، وثالثها : أن ما بعد { إِلا } مرفوع بإله كما هو حال المبتدأ إذا كان وصفاً لأن إلهاً بمعنى مألوه فيكون قائماً مقام الفاعل وساداً مسد الخبر كما في ما مضروب العمران ، ويرد على الأول : أن فيه خللاً من جهة المعنى لأن المقصود من الكلمة أمران نفي الإلهية عن غيره تعالى وإثباتها له سبحانه وهذا إنما يتم إذا كان { إِلا } فيها للاستثناء إذ يستفاد النفي والإثبات حينئذ بالمنطوق ، وأما إذا كانت بمعنى غير فلا يفيد الكلام بمنطوقه إلا نفي الإلهية عن غيره تعالى ، وأما إثباتها له عن اسمه فلا يستفاد من التركيب واستفادته من المفهوم لا تكاد تقبل لأنه إن كان مفهوم لقب فلا عبرة به ولو عند القائلين بالمفهوم إذ لم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة ، وإن كان مفهوم صفة فمن البين أنه غير مجموع عليه ، ويرد على الثاني : أنه مع ما فيه من التمحل يلزم منه أن يكون الخبر مبنياً مع { لا } وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ ، وأيضاً لو كان الأمر كما ذكر لم يكن لنصب الاسم الواقع بعد { إِلا } في مثل هذا التركيب وجه ، وقد جوزه فيه جماعة ، وعلى الثالث : أنا لا نسلم أن إلهاً وصف وإلا لوجب إعرابه وتنوينه ولا قائل به .

(2/312)


هذا ولي إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة إلى ما في هذه الكلمة الطيبة من الكلام .
وفي قوله تعالى : { الحى } سبعة أوجه من وجوه الإعراب : الأول : أن يكون خبراً ثانياً للفظ الجلالة ، الثاني : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف أي هو الحي ، الثالث : أن يكون بدلاً من قوله سبحانه : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ، الرابع : أن يكون/ بدلاً من { هُوَ } وحده ، الخامس : أن يكون مبتدأ خبره { لاَ تَأْخُذُهُ } ، السادس : أنه بدل من ( الله ) ، السابع أنه صفة له ويعضده القراءة بالنصب على المدح لاختصاصه بالنعت ، وفي أصله قولان : الأول : أن أصله حيي بيائين من حي يحيى ، والثاني : أنه حيو فقلبت الواو المتطرفة المنكسر ما قبلها ياءاً ، ولذلك كتبوا الحياة بواو في رسم المصحف تنبيهاً على هذا الأصل ، ويؤيده الحيوان لظهور هذا الأصل فيه ، ووزنه قيل : فعل وقيل : فيعل فخفف كميت في ميت ، والحياة عند الطبيعي القوة التابعة للاعتدال النوعي التي تفيض عنها سائر القوى الحيوانية أو قوة التغذية أو قوة الحس أو قوة تقتضي الحس والحركة ، والكل مما يمتنع اتصاف الله تعالى به لأنه من صفات الجسمانيات فهي فيه سبحانه صفة موجودة حقيقية قائمة بذاته لا يكتنه كنهها ولا تعلم حقيقتها كسائر صفاته جل شأنه زائدة على مجموع العلم والقدرة وليست نفس الذات حقيقة ولا ثابتة لا موجودة ولا معدومة كما قيل بكل فالحي ذات قامت به تلك الصفة ، وفسره بعض المتكلمين ( بأنه الذي يصح أن يعلم ويقدر ، واعترضه الإمام بأن هذا القدر حاصل لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح الله تعالى نفسه بصفة يشاركه بها أخس الحيوانات؟ ثم قال والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن نفس هذه الصحة بل كل شيء كان كاملاً في جنسه يسمى حياً ألا يرى أن عمارة الأرض الخربة تسمى إحياء الموات ، والصفة المسماة في عرف المتكلمين حياة إنما سميت بها لأنها كمال الجسم أن يكون موصوفاً بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة ، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحال حياة فالمفهوم الأصلي من الحي كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته وإذا كان كذلك زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل ولما لم يكن ذلك مقيداً دل على أنه كامل على الإطلاق ، والكامل كذلك من لا يكون قابلاً للعدم لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية والإضافية ) انتهى ، ولا يخفى أنه صرح ممرد من قوارير .

(2/313)


أما أولاً : فلأن قوله : إن الحي بمعنى الذي يصح أن يعلم ويقدر مما يشترك به سائر الحيوانات فلا يحسن أن يمدح الله تعالى به نفسه في غاية السقوط لأنه إن أراد الاشتراك في إطلاق اللفظ فليس الحي وحده كذلك بل السميع والبصير أيضاً مثله في الإطلاق على أخس الحيوانات ، وقد مدح الله تعالى بهما نفسه ولم يستشكل ذلك أهل السنة ، وإن أراد الاشتراك في الحقيقة فمعاذ الله تعالى من ذلك إذ الاشتراك فيها مستحيل بين التراب ورب الأرباب ، وبين الأزلي والزائل ، ومتى قلت إن الاشتراك في إطلاق اللفظ يوجب ذلك الاشتراك حقيقة ، ولا مناص عنه إلا بالحمل على المجاز لزمك مثل ذلك في سائر الصفات ولا قائل به من أهل السنة ، وأما ثانياً : فلأن كون الحياة في اللغة بمعنى الكمال مما لم يثبت في شيء من كتب اللغة أصلاً وإنما الثابت فيها غير ذلك ووصف الجمادات بها إنما هو على سبيل المجاز دون الحقيقة كما وهم فإن قال : إنها مجاز في الله تعالى أيضاً بذلك المعنى عاد الإشكال بحصول الاشتراك في الكمال مع الجمادات فضلاً عن الحيوان ، فإن قال : كمال كل شيء بالنسبة إلى ما يليق به قلنا : فحياة كل حي حقيقة بالنسبة إلى ما يليق به ، وليس كمثل الله تعالى شيء ، وكأني بك تفهم من كلامي الميل إلى مذهب السلف في مثل هذه المواطن فليكن ذلك فهم القوم كل القوم .
ويا حبذا هند وأرض بها هند ... والزمخشري فسر الحي بالباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء وجعلوا ذلك منه تفسيراً بما هو المتعارف من كلام العرب وأرى أن في القلب منه شيء ، ولعلي من وراء المنع لذلك ، نعم روي عن قتادة أنه الذي لا يموت وهو ليس بنص في المدعي { القيوم } صيغة مبالغة للقيام وأصله قيووم على فيعول فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءاً/ وأدغمت؛ ولا يجوز أن يكون فعولاً وإلا لكان قووماً لأنه واوي ، ويجوز فيه قيام وقيم وبهما قرىء ، وروي أولهما عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وقرىء ( القائم ) و ( القيوم ) بالنصب ومعناه كما قال الضحاك وابن جبير : الدائم الوجود ، وقيل : القائم بذاته ، وقيل : القائم بتدبير خلقه من إنشائهم ابتداءاً ، وإيصال أرزاقهم إليهم وهو المروي عن قتادة وقيل : هو العالم بالأمور من قولهم فلان يقوم بالكتاب أي يعلم ما فيه ، وقال بعضهم : هو الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه ، وذكر الراغب أنه يقال : قام كذا أي دام وقام بكذا أي حفظه ، والقيوم القائم الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه ، والظاهر منه أن القيام بمعنى الدوام ثم يصير بالتعدية بمعنى الإدامة وهو الحفظ فأورد عليه أن المبالغة ليست من أسباب التعدية فإذا عرى القيوم عن أداتها كان بمعنى اللازم فلا يصح تفسيره بالحافظ ثم إن المبالغة في الحفظ كيف تفيد إعطاء ما به القوام ، ولعله من حيث إن الاستقلال بالحفظ إنما يتحقق بذلك كما لا يخفى ، وأورد على تفسيره بنحو القائم بذاته أن يكون معنى قيوم السموات والأرض الوارد في الأدعية المأثورة واجب السموات والأرض وهو كما ترى ، فالظاهر أنه فيه بمعنى آخر مما يليق إذ لا يصح ذلك إلا بنوع تمحل ، وذهب جمع إلى أن القيوم هو اسم الله تعالى الأعظم ، وفسره هؤلاء بأنه القائم بذاته والمقوم لغيره ، وفسروا القيام بالذات بوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات والتنزه عن سائر وجوه النقص وجعلوا التقويم للغير متضمناً جميع الصفات الفعلية فصح لهم القول بذلك وأغرب الأقوال أنه لفظ سرياني ومعناه بالسريانية الذي لا ينام ، ولا يخفى بعده لأنه يتكرر حينئذ في قوله تعالى :

(2/314)


{ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } السنة بكسر أوله فتور يتقدم النوم وليس بنوم لقول عدي بن الرقاع :
وسنان أقصده العناس فرنقت ... في عينه ( سنة ) وليس بنائم
والنوم بديهي التصور يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً ، وزعم السيوطي في بعض «رسائله» أن سببه شم هواء يهب من تحت العرش ، ولعله أراد تصاعد الأبخرة من المعدة تحت القلب الذي هو عرش الروح وإلا فلا أعقله ، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة يقتضي التأخير مراعاة للترتيب الوجودي فلتقدمها على النوم في الخارج قدمت عليه في اللفظ ، وقيل : إنه على طريق التتميم وهو أبلغ لما فيه من التأكيد إذ نفي السنة يقتضي نفي النوم ضمناً فإذا نفي ثانياً كان أبلغ ، ورد بأنه إنما هو على أسلوب الإحاطة والإحصاء وهو متعين فيه مراعاة الترتيب الوجودي والابتداء من الأخف فالأخف كما في قوله تعالى :

(2/315)


{ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } [ الكهف : 94 ] ولهذا توسطت كلمة { لا } تنصيصاً على الإحاطة وشمول النفي لكل منهما ، وقيل : إن تأخير النوم رعاية للفواصل ولا يخفى أنه من ضيق العطن ، وقال بعض المحققين : هذا كله إنما يحتاج إليه إذا أخذ الأخذ بمعنى العروض والاعتراء ، وأما لو أخذ بمعنى القهر والغلبة كما ذكره الراغب وغيره من أئمة اللغة ومنه قوله تعالى : { أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } [ القمر : 24 ] فالترتيب على مقتضى الظاهر إذ يكون المعنى لا تغلبه السنة ولا النوم الذي هو أكثر غلبة منها والجملة نفي للتشبيه وتنزيه له تعالى أن يكون له مثل من الأحياء لأنها لا تخلو من ذلك فكيف تشابهه ، وفيها تأكيد لكونه تعالى حياً قيوماً لأنّ النوم آفة تنافي دوام الحياة وبقاءها وصفاته تعالى قديمة لا زوال لها ولأن من يعتريه النوم والغلبة لا يكون واجب الوجود دائمه ولا عالماً مستمر العلم ولا حافظاً قوي الحفظ ، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس/ رضي الله تعالى عنهما «أن بني إسرائيل قالوا : يا موسى هل ينام ربك؟ قال : اتقوا الله تعالى فناداه ربه يا موسى سألوك هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقط الزجاجتان فانكسرتا فقال : يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك» ولما فيها من التأكيد كالذي بعدها ترك العاطف فيها وهي إما استئنافية لا محل لها من الإعراب وإما حال مؤكدة من الضمير المستكن في القيوم ، وجوز أن تكون خبراً عن الحي أو عن الاسم الجليل .
{ لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الارض } تقريراً لقيوميته تعالى واحتجاج على تفرده في الألهية ، والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فيعلم من الآية نفي كون الشمس والقمر وسائر النجوم والملائكة . والأصنام والطواغيت آلهة مستحقة للعبادة { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } استفهام إنكاري ولذا دخلت { إِلا } والمقصود منه بيان كبرياء شأنه تعالى وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعاً على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلاً عن أن يستقل بدفعه عناداً أو مناصبة وعداوة وفي ذلك تأييس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أي أمر الدنيا { وَمَا خَلْفَهُمْ } أي أمر الآخرة قاله مجاهد وابن جريج وغيرهما ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة عكس ذلك ، وقيل : يعلم ما كان قبلهم وما كان بعدهم ، وقيل : ما بين أيديهم من خير أو شر وما خلفهم مما فعلوه كذلك ، وقيل : ما يدركونه وما لا يدركونه أو ما يحسونه ويعقلونه والكل محتمل ، ووجه الإطلاق فيه ظاهر ، وضمير الجمع يعود على ما في { مَا فِي السموات } الخ إلا أنه غلب من يعقل على غيره ، وقيل : للعقلاء في ضمنه فلا تغليب ، وجوز أن يعود على ما دل عليه { مَن ذَا } من الملائكة والأنبياء ، وقيل : الأنبياء خاصة ، والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه ، والجملة إما استئناف أو خبر عما قبل أو حال من ضمير ( يشفع ) أو من المجرور في ( بإذنه ) .

(2/316)


{ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } أي معلومه كقولهم : اللهم اغفر لنا علمك فينا ، والإحاطة بالشيء علماً علمه كما هو على الحقيقة ، والمعنى لا يعلم أحد من هؤلاء كنه شيء ما من معلوماته تعالى { إِلاَّ بِمَا شَاء } أن يعلم ، وجوز أن يراد ( من علمه ) معلومه الخاص وهو كل ما في الغيب { فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } [ الجن : 62 ، 72 ] وعطفت هذه الجملة على ما قبلها لمغايرتها له لأن ذلك يشعر بأنه سبحانه يعلم كل شيء وهذه تفيد أنه لا يعلمه غيره ومجموعهما دال على تفرده تعالى بالعلم الذاتي الذي هو من أصول صفات الكمال التي يجب أن يتصف الإله تعالى شأنه بها بالفعل { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ * السماوات والارض } الكرسي جسم بين يدي العرش محيط بالسموات السبع ، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته أي الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة وهو غير العرش كما يدل عليه ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال : « يا أبا ذر ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة » وفي رواية الدارقطني والخطيب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما/ قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } الخ « قال : كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره » وقيل : هو العرش نفسه ، ونسب ذلك إلى الحسن ، وقيل : قدرة الله تعالى ، وقيل : تدبيره ، وقيل : ملك من ملائكته ، وقيل : مجاز عن العلم من تسمية الشيء بمكانه لأن الكرسي مكان العالم الذي فيه العلم فيكون مكاناً للعلم بتبعيته لأن العرض يتبع المحل في التحيز حتى ذهبوا إلى أنه معنى قيام العرض بالمحل ، وحكي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : عن الملك أخذاً من كرسي الملك ، وقيل : أصل الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد والكلام مساق على سبيل التمثيل لعظمته تعالى شأنه وسعة سلطانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة ، ففي الكلام استعارة تمثيلية وليس ثمة كرسي ولا قاعد ولا قعود وهذا الذي اختاره الجم الغفير من الخلف فراراً من توهم التجسيم ، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم كما قدمنا ، وكالحديث الذي أخرجه البيهقي وغيره عن أبي موسى الأشعري الكرسي : موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل؛ وفي رواية عن عمر مرفوعاً

(2/317)


" له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب عليه من يثقله ما يفضل منه أربع أصابع " وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة وتوهم التجسيم لا يعبأ به وإلا للزم نفي الكثير من الصفات وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له .
وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علماً وفوضوا علمه إلى الله تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه ، والقائلون بالمظاهر من ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم لم يشكل عليهم شيء من أمثال ذلك ، وقد ذكر بعض العارفين منهم أن الكرسي عبارة عن تجلي جملة الصفات الفعلية فهو مظهر إلهي ومحل نفوذ الأمر والنهي والإيجاد والإعدام المعبر عنهما بالقدمين ، وقد وسع السموات والأرض وسع وجود عيني ووسع حكمي لأن وجودهما المقيد من آثار الصفات الفعلية التي هو مظهر لها وليست القدمان في الأحاديث عبارة عن قدمي الرجلين ومحل النعلين تعالى الله سبحانه عن ذلك علواً كبيراً ، ولا «الأطيط» عبارة عما تسمعه وتفهمه في الشاهد بل هو إن لم تفوض علمه إلى العليم الخبير إشارة إلى بروز الأشياء المتضادة أو اجتماعها في ذلك المظهر الذي هو منشأ التفصيل والإبهام ومحل الإيجاد والإعدام ومركز الضر والنفع والتفريق والجمع ، ومعنى ما يفضل منه إلا أربع أصابع إن كان الضمير راجعاً إلى الرحل ظاهر وإن كان راجعاً إلى الكرسي فهو إشارة إلى وجود حضرات هي مظاهر لبعض الأسماء لم تبرز إلى عالم الحس ولا يمكن أن يراها إلا من ولد مرتين ، وليس المراد من الأصابع الأربع ما تعرفه من نفسك ، وللعارفين في هذا المقام كلام غير هذا ، ولعلنا نشير إلى بعض منه إن شاء الله تعالى؛ ثم المشهور أن الياء في الكرسي لغير النسب ، واشتقاقه من الكرسي وهو الجمع ومنه الكراسة للصحائف الجامعة للعلم ، وقيل : كأنه منسوب إلى الكرس بالكسر وهو الملبد وجمعه كراسي كبختي وبخاتي وفيه لغتان ضم كافة وهي المشهورة وكسرها للاتباع والجمهور على فتح الواو والعين ، وكسر السين في { واسع } على أنه فعل والكرسي فاعله ، وقرىء بسكون السين مع كسر الواو كعلم في علم ، وبفتح الواو وسكون السين ورفع العين مع جر كرسيه ورفع السموات فهو حينئذٍ مبتدأ مضاف إلى ما بعده و ( السموات والأرض ) خبره { وَلاَ * يُؤَدّهِ } أي لا يثقله كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو مأخوذ من الأود بمعنى الاعوجاج لأن الثقيل يميل له ما تحته ، وماضيه آد؛ والضمير لله تعالى .

(2/318)


وقيل : الكرسي .
{ حِفْظُهُمَا } / أي السموات والأرض وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لما أن حفظهما مستتبع لحفظه ، وخصهما بالذكر دون الكرسي لأن حفظهما هو المشاهد المحسوس ، والقول بالاستخدام ليدخل هو والعرش وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله تعالى بعيد { وَهُوَ العلى } أي المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال . والأضداد وعن أمارات النقص ودلالات الحدوث ، وقيل : هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة والسلطان والملك وعلو الشأن والقهر والاعتلاء والجلال والكبرياء { العظيم } ذو العظمة وكل شيء بالإضافة إليه حقير ولما جليت على منصة هذه الآية الكريمة عرائس المسائل الإلهية وأشرقت على صفحاتها أنوار الصفات العلية حيث جمعت أصول الصفات من الألوهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة ، واشتملت على سبعة عشر موضعاً فيها اسم الله تعالى ظاهراً في بعضها ومستتراً في البعض ونطقت بأنه سبحانه موجود منفرد في ألوهيته حي واجب الوجود لذاته موجد لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور لا مناسبة بينه وبين الأشباح ولا يحل بساحة جلاله ما يعرض النفوس والأرواح مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ذو البطش الشديد العالم وحده بجلي الأشياء وخفيها وكليها وجزئيها واسع الملك والقدرة لكل ما من شأنه أن يملك ويقدر عليه لا يشق عليه شاق ولا يثقل شيء لديه متعال عن كل ما لا يليق بجنابه عظيم لا يستطيع طير الفكر أن يحوم في بيداء صفات قامت به تفردت بقلائد فضل خلت عنها أجياد أخواتها الجياد وجواهر خواص تتهادى بها بين أترابها ولا كما تتهادى لبنى وسعاد .
أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي » وأخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعاً « من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة حفظ إلى الصلاة الأخرى ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد »

(2/319)


وأخرج الديلمي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : «لو تعلمون ما فيها لما تركتموها على حال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش لم يؤتها نبي قبلي» والأخبار في فضلها كثيرة شهيرة إلا أن بعضها مما لا أصل له كخبر من «قرأها بعث الله تعالى ملكاً يكتب من حسناته ويمحو من سيئآته إلى الغد من تلك الساعة» ، وبعضها منكر جداً كخبر «إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب المنيبين وأعمال الصديقين» . ولا يخفى أن أكثر الأحاديث في هذا الباب حجة لمن قال : إن بعض القرآن قد يفضل على غيره وفيه خلاف فمنعه بعضهم كالأشعري والباقلاني وغيرهما لاقتضائه نقص المفضول وكلام الله تعالى لا نقص فيه ، وأولوا أعظم بعظيم وأفضل بفاضل ، وأجازه إسحق بن راهويه وكثير من العلماء والمتكلمين وهو المختار ويرجع إلى عظم أجر قارئه ولله تعالى أن يخص ما شاء بما شاء لما شاء ، ومناسبة هذه الآية الكريمة لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر أن الكافرين هم الظالمون ناسب أن ينبههم جل شأنه على العقيدة الصحيحة التي هي محض التوحيد الذي درج عليه المرسلون على اختلاف درجاتهم وتفاوت مراتبهم بما أينعت من ذلك رياضه وتدفقت حياضه وصدح عندليبه وصدع على منابر البيان خطيبه فللَّه الحمد على ما أوضح الحجة وأزال الغبار عن وجه المحجة .
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { تِلْكَ آيات الله } أي أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته { نَتْلُوهَا } بلسان الوحي { عَلَيْكَ } ملابسة للحق الثابت الذي لا يعتريه تغيير { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } [ البقرة : 252 ] الذين عبروا هذه المقامات/ وصح لهم صفاء الأوقات { تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } بمقتضى استعلاء أنوار استعداداتهم { مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } عند تجليه على طور قلبه وفي وادي سره { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } بفنائه عن ظلمة الوجود بالكلية وبقائه في حضرة الأنوار الإلهية وبلوغه مقام قاب قوسين وظفره بكنز فأوحى إلى عبده ما أوحى من أسرارهم النشأتين حتى عاد وهو نور الأنوار والمظهر الأعظم عند ذوي الأبصار { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب وَقَفَّيْنَا } والآيات الباهرات من إحياء أموات القلوب والأخبار عما يدخر في خزائن الأسرار من الغيوب { وأيدناه بِرُوحِ القدس } الذي هو روح الأرواح المنزه عن النقائص الكونية والمقدس عن الصفات الطبيعية { وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتل الذين } جاءوا { مّن بَعْدِهِمْ } بسيوف الهوى ونبال الضلال { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ } من أنوار الفطرة وإرشاد الرسل الآيات الواضحات { ولكن اختلفوا } حسبما اقتضاه استعدادهم الأزلي { فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ } بما جاء به الوحي { وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا } عن اختلاف بأن يتحد استعدادهم

(2/320)


{ ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } [ البقرة : 253 ] ولا يريد إلا ما في العلم وما كان فيه سوى هذا الاختلاف { يُرِيدُ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } ببذل الأرواح وإرشاد العباد { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ } القيامة الكبرى { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } ولا تبدل صفة بصفة فلا يحصل تكميل النشأة { وَلاَ خُلَّةٌ } لظهور الحقائق { وَلاَ شفاعة } للتجلي الجلالي ، { والكافرون هُمُ } [ البقرة : 254 ] الذين ظلموا أنفسهم بنقص حظوظها وما ظلمناهم إذ لم نقض عليهم سوى ما اقتضاه استعدادهم الغير المجعول { الله لا إله } في الوجود العلمي { إِلاَّ هُوَ الحى } الذي حياته عين ذاته وكل ما هو حي لم يحي إلا بحياته { القيوم } الذي يقوم بنفسه ويقوم كل ما يقوم به ، وقيل : الحي الذي ألبس حياته أسرار الموحدين فوحدوا به ، والقيوم الذي ربي بتجلي الصفات وكشف الذات أرواح العارفين ففنوا في ذاته واحترقوا بنور كبريائه . { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } بيان لقيوميته وإشارة إلى أن حياته عين ذاته له ما في سموات الأرواح وأرض الأشباح فلا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن ولا يخطر خاطر في بر أو بحر وسر أو جهر إلا بقدرته وإرادته وعلمه ومشيئته { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } إذ كلهم له ومنه وإليه وبه { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من الخطرات { وَمَا خَلْفَهُمْ } من العثرات ، أو ما بين أيديهم من المقامات وما خلفهم من الحالات ، أو يعلم منهم ما قبل إيجادهم من كمية استعدادهم وما بعد إنشائهم من العمل بمقتضى ذلك { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ } معلوماته التي هي مظاهر أسمائه { إِلاَّ بِمَا شَاء } كما يحصل لأهل القلوب من معاينات أسرار الغيوب وإذا تقاصرت الفهوم عن الإحاطة بشيء من معلوماته فأي طمع لها في الإحاطة بذاته هيهات هيهات أني لخفاش الفهم أن يفتح عينه في شمس هاتيك الذات؟ا { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } الذي هي قلب العارف { السموات والارض } لأنه معدن العلوم الإلهية والعلم اللدني الذي لا نهاية له ولا حد ، ومن هنا قال أبو يزيد البسطامي : لو وقع العالم ومقدار ما فيه ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ، وقيل : كرسيه عالم الملكوت وهو مطاف أرواح العارفين لجلال الجبروت { وَلاَ * يُؤَدّهِ } ولا يثقله { حِفْظُهُمَا } في ذلك الكرسي لأنهما غير موجودين بدونه { وَهُوَ العلى } الشأن الذي لا تقيده الأكوان { العظيم } [ البقرة : 255 ] الذي لا منتهى لعظمته ولا يتصور كنه ذاته لإطلاقه حتى عن قيد الإطلاق .

(2/321)


لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)

{ لا إِكْرَاهَ فِى الدين } قيل : إن هذه إلى قوله سبحانه : { خالدون } ( 752 ) من بقية آية الكرسي ، والحق أنها ليست منها بل هي جملة مستأنفة جيء بها إثر بيان دلائل التوحيد للإيذان بأنه لا يتصور الإكراه في الدين لأنه في الحقيقة إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه والدين خير كله ، والجملة على هذا خبر باعتبار/ الحقيقة ونفس الأمر وأما ما يظهر بخلافه فليس إكراهاً حقيقياً ، وجوز أن تكون إخباراً في معنى النهي أي لا تكرهوا في الدين وتجبروا عليه وهو حينئذٍ إما عام منسوخ بقوله تعالى : { جاهد الكفار والمنافقين } [ التوبة : 37 ] وهو المحكي عن ابن مسعود وابن زيد وسليمان بن موسى ، أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية وهو المحكي عن الحسن وقتادة والضحاك وفي سبب النزول ما يؤيده فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله تعالى فيه ذلك» . وأل في ( الدين ) للعهد ، وقيل : بدل من الإضافة أي دين الله وهو ملة الإسلام ، وفاعل الإكراه على كل تقدير غيره تعالى ، ومن الناس من قال : إن المراد ليس في الدين إكراه من الله تعالى وقسر بل مبني الأمر على التمكين والاختيار ولولا ذلك لما حصل الابتلاء ولبطل الامتحان فالآية نظير قوله تعالى : { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 92 ] وإلى ذلك ذهب القفال .
{ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } تعليل صدر بكلمة التحقيق لزيادة تقرير مضمونه أي قد تميز بما ذكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهم اشتراك الغير في شيء منها الإيمان من الكفر والصواب من الخطأ و الرشد بضم الراء وسكون الشين على المشهور مصدر رشد بفتح الشين يرشد بضمها ، ويقرأ بفتح الراء والشين ، وفعله رشد يرشد مثل علم يعلم وهو نقيض الغي وأصله سلوك طريق الهلاك ، وقال الراغب ، هو كالجهل إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد ، والغي اعتباراً بالأفعال ، ولهذا قيل : زوال الجهل بالعلم ، وزوال الغي بالرشد ، ويقال لمن أصاب : رشد ، ولمن أخطأ غوى ، ويقال لمن خاب : غوى أيضاً ، ومنه قوله :
ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغو لم يعدم على الغي ( لائماً )
{ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } أي الشيطان وهو المروي عن عمر بن الخطاب والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وبه قال مجاهد وقتادة وعن سعيد بن جبير وعكرمة أنه الكاهن ، وعن أبي العالية أنه الساحر ، وعن مالك بن أنس كل ما عبد من دون الله تعالى ، وعن بعضهم الأصنام ، والأولى أن يقال بعمومه سائر ما يطغى ، ويجعل الاقتصار على بعض في تلك الأقوال من باب التمثيل وهو بناء مبالغة كالجبروت والملكوت ، واختلف فيه فقيل : هو مصدر في الأصل ولذلك يوحد ويذكر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان وإلى ذلك ذهب الفارسي وقيل : هو اسم جنس مفرد فلذلك لزم الإفراد والتذكير وإليه ذهب سيبويه وقيل : هو جمع وهو مذهب المبرد وقد يؤنث ضميره كما في قوله تعالى :

(2/322)


{ والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا } [ الزمر : 71 ] وهو تأنيث اعتباري واشتقاقه من طغى يطغى أو طغى يطغو ومصدر الأول : الطغيان . والثاني : الطغوان ، وأصله على الأول : طغيوت ، وعلى الثاني : طغووت فقدمت اللام وأخرت العين فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفاً فوزنه من قبل فعلوت والآن فلعوت ، وقدم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان بالله تعالى اهتماماً بوجوب التخلية أو مراعاة للترتيب الواقعي أو للاتصال بلفظ الغي .
{ وَيُؤْمِن بالله } أي يصدق به طبق ما جاءت به رسله عليهم الصلاة والسلام { فَقَدِ استمسك } أي بالغ في التمسك حتى كأنه وهو متلبس به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه { بالعروة الوثقى } وهي الإيمان قاله مجاهد أو القرآن قاله أنس بن مالك أو كلمة/ الإخلاص قاله ابن عباس أو الاعتقاد الحق أو السبب الموصل إلى رضا الله تعالى أو العهد ، وعلى كل تقدير يجوز أن يكون في العروة استعارة تصريحية واستمسك ترشيح لها أو استعارة أخرى تبعية ، ويجوز أن يجعل الكلام تمثيلاً مبنياً على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الحق الذي لا يحتمل النقيض بوجه أصلاً لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه من غير تعرض للمفردات ، واختار ذلك بعض المحققين ولا يخلو عن حسن ، وجعل العروة مستعارة للنظر الصحيح المؤدي للاعتقاد الحق كما قيل ليس بالحسن لأن ذلك غير مذكور في حيز الشرط أصلاً { لاَ انفصام لَهَا } أي لا انقطاع لها؛ والانفصام والانقصام لغتان وبالفاء أفصح كما قال الفراء وفرق بعضهم بينهما بأن الأول : انكسار بغير بينونة ، والثاني : انكسار بها وحينئذٍ يكون انتفاء الثاني معلوماً من نفي الأول بالأولوية ، والجملة إما مستأنفة لتقرير ما قبلها من وثاقة العروة وإما حال من العروة ، والعامل ( استمسك ) أو من الضمير المستكن في ( الوثقى ) لأنها للتفضيل تأنيث الأوثق ، و { لَهَا } في موضع الخبر { والله سَمِيعٌ } بالأقوال { عَلِيمٌ } بالعزائم والعقائد ، والجملة تذييل حامل على الإيمان رادع عن الكفر والنفاق لما فيها من الوعد والوعيد ، قيل : وفيها أيضاً إشارة إلى أنه لا بد في الإيمان من الاعتقاد والإقرار .

(2/323)


اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)

{ الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ } أي معينهم أو محبهم أو متولي أمورهم والمراد بهم من أراد الإيمان أو ثبت في علمه تعالى إيمانه أو آمن بالفعل { يُخْرِجُهُم } بهدايته وتوفيقه وهو تفسير للولاية أو خبر ثان عند من يجوز كونه جملة أو حال من الضمير في { وَلِيُّ } . { مِنَ الظلمات } التابعة للكفر أو ظلمات المعاصي أو الشبه كيف كانت . { إِلَى النور } أي نور الإيمان أو نور الطاعات أو نور الإيقان بمراتبه ، وعن الحسن أنه فسر الإخراج هنا بالمنع فالمعنى يمنعهم عن أن يدخلوا في شيء من الظلمات واقتصر الواقدي في تفسير الظلمات ، والنور على ذكر الكفر والإيمان وحمل كل ما في القرآن على ذلك سوى ما في الأنعام ( 1 ) من قوله تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } فإن المراد بهما هناك الليل والنهار ، والأولى أن يحمل الظلمات على المعنى الذي يعم سائر أنواعها ويحمل النور أيضاً على ما يعم سائر أنواعه ، ويجعل في مقابلة كل ظلمة مخرج منها نور مخرج إليه حتى إنه سبحانه ليخرج من شاء من ظلمة الدليل إلى نور العيان ، ومن ظلمة الوحشة إلى نور الوصلة ، ومن ظلمة عالم الأشباح إلى نور عالم الأرواح إلى غير ذلك «مما لا ، ولا» وأفرد النور لوحدة الحق كما أن جمع الظلمات لتعدد فنون الضلال ، أو أن الأول : إيماء إلى القلة والثاني : إلى الكثرة .
{ والذين كَفَرُواْ } أي أرادوا الكفر أو ثبت كفرهم في علمه سبحانه أو كفروا بالفعل { أَوْلِيَاؤُهُمُ } حقيقة أو فيما عندهم { الطاغوت } أي الشياطين أو الأصنام أو سائر المضلين عن طرق الحق ، والموصول مبتدأ أول ، و ( أولياؤهم ) مبتدأ ثان ، و ( الطاغوت ) خبره ، والجملة خبر الأول والجملة الحاصلة معطوفة على ما قبلها ، قيل : ولعل تغيير السبك للاحتراز عن وضع الطاغوت في مقابلة الاسم الجليل ولقصد المبالغة بتكرير الإسناد مع الإيماء إلى التباين بين الفريقين من كل وجه حتى من جهة التعبير أيضاً ، وقرىء ( الطواغيت ) على الجمع وصح جمعه على القول بأنه مصدر لأنه صار اسماً لما يعبد من دون الله تعالى : { يُخْرِجُونَهُم } بالوساوس وإلقاء الشبه أو بكونهم بحالة جرت اعتقادهم فيهم النفع والضر وأنهم يقربونهم إلى الله تعالى زلفى ، والتعبير/ عنهم بضمير العقلاء إما لأنهم منهم حقيقة أو ادعاء ونسبة الإخراج إليهم مجاز من باب النسبة إلى السبب فلا يأبى تعلق قدرته وإرادته تعالى بذلك { مّنَ النور } أي الفطري الذي جبل عليه الناس كافة ، أو نور البينات المتتابعة التي يشاهدونها بتنزيل تمكنهم من الاستضاءة بها منزلة نفسها فلا يرد أنهم متى كانوا في نور ليخرجوا منه ، وقيل : التعبير بذلك للمقابلة ، وقيل : إن الإخراج قد يكون بمعنى المنع وهو لا يقتضي سابقية الدخول ، وعن مجاهد أن الآية نزلت في قوم ارتدوا فلا شك في أنهم حينئذٍ أخرجوا من النور الذي كانوا فيه وهو نور الإيمان { إِلَى الظلمات } وهي ظلمات الكفر والانهماك في الغي وعدم الارعواء والاهتداء بما يترى من الآيات ويتلى ، والجملة تفسير لولاية الطاغوت فالانفصال لكمال الاتصال ، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً كما مر .

(2/324)


{ أولئك } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما يتبع ذلك من القبائح ، وجوز أن تكون إشارة إلى الكفار وأوليائهم ، وفيه بعد { أصحاب النار } أي ملابسوها وملازموها لعظم ما هم عليه { هُمْ فِيهَا خالدون } ماكثون أبداً ، وفي هذا وعد وتحذير للكافرين ، ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين كما قيل : للإشعار بتعظيمهم وأن أمرهم غير محتاج إلى البيان وأن شأنهم أعلى من مقابلة هؤلاء ، أو أن ما أعد لهم لا تفي ببيانه العبارة ، وقيل : إنّ قوله سبحانه : ( ولي المؤمنين ) دل على الوعد وكفى به .

(2/325)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ } بيان لتسديد المؤمنين إذ كان وليهم وخذلان غيرهم ولذا لم يعطف ، واهتم ببيانه لأن منكري ولايته تعالى للمؤمنين كثيرون ، وقيل : استشهاد على ما ذكر من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت وتقرير لهم كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين وتقرير لها ، وبدأ به لرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله ولاستقلاله بأمر عجيب حقيق بأن يصدر به المقال وهو اجتراؤه على المحاجة في الله عز وجل ، وما أتى به في أثنائها من العظمة المنادية بكمال حماقته ، ولأن فيما بعد تعداداً وتفصيلاً يورث تقديمه انتشار النظم على أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هدايته تعالى أيضاً بواسطة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنّ ما يحكى عنه من الدعوة إلى الحق وادحاض حجة الكافرين من آثار ولايته تعالى ولا يخفى ما فيه ، وهمزة الاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفي ، والجمهور على أن في الكلام معنى التعجب أي ألم تنظر ، أو ألم ينته علمك إلى قصة هذا الكافر الذي لست بوليّ له كيف تصدى لمحاجة من تكفلت بنصرته وأخبرت بأني ولي له ولمن كان من شيعته أي قد تحققت رؤية هذه القصة العجيبة وتقررت بناءاً على أن الأمر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد ممن له حظ من الخطاب فلتكن في الغاية القصوى من تحقق ما ذكرته لك من ولايتي للمؤمنين وعدمها للكافرين ولتطب نفسك أيها الحبيب وأبشر بالنصر فقد نصرت الخليل ، وأين مقام الخليل من الحبيب ، وخذلت رأس الطاغين فكيف بالأذناب الأرذلين ، والمراد بالموصول نمروذ بن كنعان بن سنجاريب وهو أول من تجبر وادعى الربوبية ، كما قاله مجاهد وغيره وإنما أطلق على ما وقع لفظ المحاجة وإن كانت مجادلة بالباطل لإيرادها موردها ، واختلف في وقتها فقيل : عند كسر الأصنام وقبل إلقائه في النار وهو المروي عن مقاتل وقيل : بعد إلقائه في النار وجعلها عليه برداً وسلاماً وهو المروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريف له وإيذان/ من أول الأمر بتأييد وليه له في المحاجة فإن التربية نوع من الولاية .
{ ءانٍ * آتاه الله الملك } أي لأن آتاه الله تعالى ذلك فالكلام على حذف اللام وهو مطرد في أن ، وإن وليس هناك مفعولاً لأجله منصوب لعدم اتحاد الفاعل ، والتعليل فيه على وجهين : إما أن إيتاء الملك حمله على ذلك لأنه أورثه الكبر والبطر فنشأت المحاجة عنهما ، وإما أنه من باب العكس في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجة موضع الشكر إذ كان من حقه أن يشكر على ذلك فعلى الأول : العلة تحقيقية ، وعلى الثاني : تهكمية كما تقول : عاداني فلان لأني أحسنت إليه وجوز أن يكون { آتاه } الخ واقعاً موقع الظرف بدون تقدير أو بتقدير مضاف أي حاج وقت أن آتاه الله وأورد عليه أن المحاجة لم تقع وقت إيتاء الملك بل الإيتاء سابق عليها ، وبأن النحاة نصوا على أنه لا يقوم مقام الظرف الزماني إلا المصدر الصريح بلفظه كجئت خفوق النجم ، وصياح الديك ولا يجوز إن خفق وإن صاح .

(2/326)


وأجيب باعتبار الوقت ممتداً ، وبأن النص معارض بأنهم نصوا على أن ( ما ) المصدرية تنوب عن الزمان وليست بمصدر صريح ، والذي جوز ذلك ابن جني والصفار في «شرح الكتاب» ، والحق أن التعليل لما أمكن وهو متفق عليه خال عما يقال لا ينبغي أن يعدل عنه لا سيما وتقدير المضاف مع القول بالامتداد والتزام قول ابن جني والصفار مع مخالفته لكلام الجمهور في غاية من التعسف ، والآية حجة على من منع إيتاء الله الملك لكافر وحملها على إيتاء الله تعالى ما غلب به وتسلط من المال والخدام والاتباع ، أو على أن الله تعالى ملكه امتحاناً لعباده كما فعل المانع القائل بوجوب رعاية الأصلح ليس بشيء إذ من له مسكة من الإنصاف يعلم أنه لا معنى لإيتاء الملك والتسليط إلا إيتاء الأسباب ولو سلم ففي إيتاء الأسباب يتوجه السؤال ولو سلم فما من قبيح إلا ويمكن أن يعتبر فيه غرض صحيح كالامتحان ، ولقوة هذا الاعتراض التزم بعضهم جعل ضمير { آتاه } لإبراهيم عليه السلام لأنه تعالى قال : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] وقال سبحانه : { فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً } [ النساء : 54 ] وهو المحكي عن أبي قاسم البلخي ولا يخفى أنه خلاف المنساق إلى الذهن وخلاف التفسير المأثور عن السلف الصالح ، والواقع مع هذا يكذبه إذ ليس لإبراهيم عليه السلام إذ ذاك ملك ولا تصرف ولا نفوذ أمر .
وذهب بعض الإمامية إلى أن الملك الذي لا يؤتيه الله للكافر هو ما كان بتمليك الأمر والنهي ، وإيجاب الطاعة على الخلق ، وأما ما كان بالغلبة وسعة المال ونفوذ الكلمة قهراً كملك نمروذ فهو مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان أو تكون فيه كلمتان ، والقول بأن هذا المارد أعطى الملك بالاعتبار الأول خارج عن الإنصاف بل الذي أوتي ذلك في الحقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلا أنه قد عورض في ملكه وغولب على ما منّ الله تعالى به عليه إلى أن قضى الله تعالى ما قضى ومضى من مضى وللباطل جولة ثم يزول ، وهو كلام أقرب ما يكون إلى الصواب لكني أشم منه ريح الضلال ، ويلوح لي أنه تعريض بالأصحاب والله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور وفي العدول عن الإضمار إلى الإظهار في هذا المقام ما لا يخفى .

(2/327)


{ إِذْ قَالَ } ظرف لحاج ، وجوّز أن يكون بدلاً من ( آتاه ) بناءاً على القول الذي علمت ، واعترضه أبو حيان بأن الظرفين مختلفان إذ وقت إيتائه الملك ليس وقت إبراهيم عليه السلام { رَبّيَ الذى يُحْىِ * وَيُمِيتُ } فإنه على ما روي قاله بعد أن سجن لكسره الأصنام وإثر قول نمروذ له وقد كان أوتي قبل الملك : مَن ربك الذي تدتو إليه؟ وأجاب السفاقسي بالتجوز في { آتاه } وعدم إرادة ابتداء الإتيان منه بل زمان الملك وهو ممتد يسع قولين بل أقوالاً ، واعترض أبو البقاء أيضاً بأن المصدر غير الظرف فلو كان/ بدلاً لكان غلطاً إلا أن يجعل ( إذ ) بمعنى أن المصدرية ، وقد جاء ذلك ، وقال الحلبي : وهذا بناءاً منه على أن إنّ مفعول من أجله وليست واقعة موقع الظرف أما إذا كانت واقعة موقعه فلا يكون بدل غلط بل بدل كل من كل ، وفيه ما تقدم من الكلام ، وقيل : يجوز أن يكون بدلاً من { آتاه } بدل اشتمال ، واستشكل بعضهم على جميع ذلك موقع قوله تعالى : { قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ } إلا أن يجعل استئنافاً جواب سؤال ، وجعله بمنزلة المرئي يأبى ذلك ، ومن هنا قيل : إن الظرف متعلق بقوله سبحانه : { قَالَ أَنَا } الخ ، ويقدر السؤال قبل إذ قال كأنه قيل : كيف حاج إبراهيم؟ فأجيب بما أجيب ، ولا يخفى أن الإباء هو الإباء ، فالأولى القول من أول الأمر بأن هذا القول بيان لقوله سبحانه : { حَاجَّ } ، و { رَبّى } بفتح الياء ، وقرىء بحذفها ، وأراد عليه السلام بيحيي ويميت يخلق الحياة والموت في الأجساد ، وأراد اللعين غير ذلك فقد روي عنه أنه أتي برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر وقال ما قال ، ولما كان هذا بمعزل عن المقصود وكان بطلانه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد والتعرض لإبطال مثل ذلك من قبيل السعي في تحصيل الحاصل أعرض الخليل عليه الصلاة والسلام عن إبطاله وأتى بدليل آخر أظهر من الشمس .
{ قَالَ إبراهيم فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } وفيه دليل على جواز انتقال المجادل من حجة إلى أخرى أوضح منها ، وهي مسألة متنازع فيها ، وحمل ذلك على هذا أحد طريقين مشهورين في الآية ، وثانيهما أن الإنتقال إنما هو في المثال كأنه قال : ربي الذي يوجد الممكنات ويعدمها وأتى بالإحياء والإماتة مثالاً فلما اعترض جاء بمثال أجلى دفعاً للمشاغبة ، قال الإمام : والإشكال عليهما من وجوه : الأول : أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ووقعت تلك الشبهة في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب ، وذكر الجواب في الحال إزالة للتلبيس والجهل عن العقول ، فلما طعن المارد في الدليل أو في المثال الأوّل بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالتها واجباً مضيقاً فكيف يليق المعصوم تركه والانتقال إلى شيء آخر؟ والثاني : أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال كان ترك المحق الكلام عليه والتنبيه على ضعفه مما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه وأنه غير جائز .

(2/328)


والثالث : انه وإن كان الانتقال من دليل إلى آخر أو من مثال إلى غيره لكنه يجب أن يكون المتنقل إليه أوضح وأقرب وههنا ليس كذلك لأن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه ، وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة عليه فلا يبعد وجود ملك عظيم الجثة يكون محركاً للسموات فعلى هذا الاستدلال بالإماتة والإحياء أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح إلى الدليل الخفي؟ والرابع : أن المارد لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين من الله تعالى بالقتل والتخلية فكيف يؤمن منه عند الانتقال إلى طلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني فإن كان لك إله فقال له حتى يطلعها من المغرب وعند ذلك التزم المحققون أنه لو أورد هذا السؤال لكان الواجب أن يطلعها من المغرب ، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام في الاطلاع ، وأيضاً فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب يكون الدليل على وجود الصانع هو هذا الطلوع لا الطلوع الأول ، وحينئذ يصير ذلك ضائعاً كما صار الأول كذلك ، وأيضاً فما الذي حمل الخليل عليه السلام على ترك الجواب عن السؤال الركيك وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب وبتقدير ذلك يضيع الدليل الثاني كما ضاع/ الأوّل ، ومن المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا تليق بأقل الناس علماً فضلاً عن أفضل العلماء وأعلم الفضلاء . فالحق أن هذا ليس دليلاً آخر ولا مثال بل هو من تتمة الدليل الأول ، وذلك أنه لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإماتة والاحياء أورد الخصم عليه سؤالا وهو أنك إن ادعيت الإحياء والاماتة بلا واسطة فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلاً وإن ادعيت حصولهما بواسطة حركات الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر فأجاب الخليل عليه السلام بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى وذلك لا يقدح في كون الاحياء والاماتة منه بخلاف الخلق فإنهم لا قدرة لهم على تحريك الأفلاك فلا جرم لا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم ، ومتى حملت الآية على هذا الوجه لم يلزم شيء من المحذورات عليه انتهى .

(2/329)


ولا يخفي ما فيه . أما أولاً : فلأن الشبهة إذا كانت في غاية السقوط ونهاية البطلان بحيث لا يكاد يخفى حالها ولا يغر أحداً من الناس الها لم يمتنع الإعراض عنها إلى ما هو بعيد عن التمويه دفعاً للشغب وتحصيلاً لما هو المقصود من غير كثير تعب ، ولا يوجب ذلك سقوط وقع ولا حقارة شأن وأي تلبيس يحصل من هذه الشبهة للعقول حتى يكون الاشتغال بإزالتها واجباً مضيقاً فيخل تركه بالمعصوم على أنه روي أنه ما انتقل حتى بين للمارد فساد قوله حيث قال له : إنك أحييت الحي ولم تحي الميت ، وعن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال له : أحي من قتلته إن كنت صادقاً لكن لم يقص الله تعالى ذلك الإلزام علينا في الكتاب اكتفاءاً بظهور الفساد جداً ، وأما ثانياً : فلأنه من الواضح أن المنتقل إليه أوضح في المقصود من المنتقل عنه ويكاد القول بعكسه يكون مكابرة ، وما ذكره في معرض الاستدلال لا يخفى ما فيه ، وأما ثالثاً : فلأن ما ذكره رابعاً يرد أيضاً على الوجه الذي اختاره إذ لا يؤمن المارد من أن يقول لو كانت حركات الأفلاك من ربك فقل له حتى يطلعها من المغرب فما هو الجواب هنا هو الجواب وقد أجابوا عن عدم قول اللعين ذلك بأن المحاجة كانت بعد خلاصه من النار فعلم أن من قدر على ذلك قدر على الاتيان بالشمس من مغربها فسكت ، أو بأن الله تعالى أنساه ذلك نصرة لنبيه عليه السلام وهو ضعيف بل الجواب أنه عليه السلام استدل بأنه لا بد للحركة المخصوصة والمتحرك بها من محرك لأن حاجة المتحرك في الحركة إلى المحرك بديهية ، وبديهي أنه ليس بنمروذ فقال : هو ذا ربي فإن ادعيت أنك الذي تفعل فأت بها من المغرب وهذا لا يتوجه عليه السؤال بوجه إذ لو ادعى أن الحركة بنفسها مع أنها مسبوقة بالغير ولو بآحاد الحركات كان منع البديهي ولو ادعى أنه الفاعل مع ظهور استحالته ألزم بالتغيير عن تلك الحالة فلا بد من الاعتراف بفاعل يأتي بها من المشرق ، والمدعي أن ذلك الفاعل هو الرب ، وأما رابعاً : فلأن ما اختاره لا تدل عليه الآية الكريمة بوجه ، وليس في كلام الكافر سوى دعواه الإحياء والإماتة ولم يستشعر منها بحث توسط حركات الأفلاك ولم يوقف له على أثر ليجاب بأن تلك الحركات أيضاً من الله تعالى فلا يقدح توسطها في كون الاحياء والاماتة منه تعالى شأنه ولا أظنك في مرية من هذا ولعل الأظهر ما ذهب إليه الإمام ما ذكره بعض المحققين من أن المارد لما كان مجوزاً لتعدد الآلهة لم يكن مدعياً أنه إله العالم ولو ادعاه لجنن على نحو من مذهب الصائبة أن الله تعالى فوض إلى الكواكب التدبير والأفعال من الإيجاد وغيره منسوبة إليهن ، فجوز أن يكون في الأرض أيضاً من يفوض إليه إما قولاً بالحلول أو لاكتساء خواص فلكية أو غير ذلك أراد إبراهيم عليه السلام أن ينبه على قصوره عن هذه الرتبة وفساد رأيه من جهة علمه الضروري بأنه مولود أحدث بعد أن لم يكن/ وأن من لا وجود له في نفسه لا يمكنه الإيجاد الذي هو إفاضة الوجود ألبتة ضرورة احتياجه إلى الموجد ابتداءاً ودواماً وهذا كاف في إبطال دعوى اللعين فلم يعمم الدعوى في تفرده تعالى بالإلهية على أنه لوّح إليه من حيث إنه لا فرق بين الإيجاد والإعدام نوعين هما الإحياء والإماتة والقادر على إيجاد كل ممكن وإعدامه يلزمه أن يكون خارجاً عن الممكنات واحداً من كل الوجوه لأن التعدد يوجب الإمكان والافتقار كما برهن عليه في محله ، فعارضه اللعين بما أوهم أنه يجوز أن يكون الممكن لاستغنائه عن الفاعل في البقاء كما عند بعض القاصرين من المتكلمين مفوضاً إليه بعد إيجاده ما يستقل بإيجاد الغير وتدبير الغير ، وهذا قد خفي على الأذكياء فضلاً عن الأغبياء ، وقال : أنا أحيي وأميت وأبدي فعليه مشيراً إلى أن للدوام حكم الابتداء في طرف الإحياء وهو في ذلك مناقض نفسه من حيث لا يشعر إذ لو كان كذلك لم يكن التدبير مفوضاً إلى غير الباري ولم يكن مستغنياً عن الموجد طرفة عين وإلا فليس العفو إحياءاً إن سلم أن القتل إماتة فألزمه الخليل عليه السلام بأن القادر لا يفترق بالنسبة إليه الدوام والابتداء فإن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق فأت بها أنت من المغرب منبهاً على المناقضة المذكورة مصرحاً بأنه غالط في إسناد الفعل دواماً إلى غير ما أسند إليه ابتداءاً مظهراً لدى السامعين ما كان عسى أن يغبي على البعض فهذا كلام وارد على الخطابة ، والبرهان يتلقاه المواجه به طوعاً أو كرهاً بالإذعان ليس فيه مجال للاعتراض سليم عن العراض ، وعليه يكون المجموع دليلاً واحداً وليس من الانتفال إلى دليل آخر لما فيه من القيل والقال ، ولا من العدول إلى مثال أوضح حتى يقال كأنه قيل : ربي الذي يوجد الممكنات وأتى بالإحياء والإماتة مثالاً ، فلما اعترض جاء بآخر أجلى دفعاً للمشاغبة لأنه مع أن فيه ما في الأول يرد عليه أن الكلام لم يسق هذا المساق كما لا يخفى هذا والله تعالى أعلم بحقائق كتابه المجيد فتدبر .

(2/330)


وإنما أتى في الجملة الثانية بالاسم الكريم ولم يؤت بعنوان الربوبية كما أتى بها في الجملة الأولى بأن يقال : إن ربي ليكون في مقابلة أنا في ذلك القول مع ما فيه من الدلالة على ربوبيته تعالى له عليه السلام ولذلك المارد عليه اللعنة ففيه ترق عما في تلك الجملة كالترقي من الأرض إلى السماء وهو في هذا المقام حسن حسن التأكيد بأن والأمر للتعجيز والفاء الأولى للإيذان بتعلق ما بعدها بما قبلها ، والمعنى إذا ادعيت الإحياء والإماتة لله تعالى وأخطأت أنت في الفهم أو غالطت فمريح البال ومزيح الالتباس والأشكال ( إن الله يأتي بالشمس ) الخ .

(2/331)


والباء للتعدية و ( من ) في الموضعين لابتداء الغاية متعلقة بما تقدمها من الفعل ، وقيل : متعلقة بمحذوف وقع حالا أي مسخرة أو منقادة
{ فَبُهِتَ الذى كَفَرَ } أي غلب وصار مبهوتاً منقطعاً عن الكلام متحيراً لاستيلاء الحجة عليه ، وقرىء ( بهت ) بفتح الباء وضم الهاء وبهت بفتح الأولى وكسر الثانية وهما لغتان والفعل فيهما لازم وبهت بفتحهما فيجوز أن يكون لازماً أيضاً ، و ( الذي ) فاعله وأن يكون متعدياً وفاعله ضمير إبراهيم ، و ( الذي ) مفعوله أي فغلب إبراهيم عليه السلام الكافر وأسكته وإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم ، قال إلكيا : وفي الآية دليل على جواز المحاجة في الدين وإن كانت محاجة هذا الكافر كفراً { والله * يَهْدِى القوم الظالمين } أي إلى مناهج الحق كما هدى أولياءه ، وقيل : لا يهديهم إلى طريق الجنة يوم القيامة .

(2/332)


أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)

{ أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ } عطف على سابقه والكاف إما اسمية بمعنى مثل معمولة لأرأيت محذوفاً أي أو أرأيت مثل الذي مر وإلى ذلك ذهب الكسائي والفراء وأبو علي وأكثر/ النحويين وحذف لدلالة { ألم تر } [ البقرة : 258 ] عليه على أنه قد قيل : إن مثال هذا النظم كثيراً ما يحذف منه فعل الرؤية كقوله :
قال لها كلابها أسرعي ... كاليوم ( مطلوباً ولا طاباً )
وجيء بهذه الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما كما في قولك الفعل الماضي مثل : نصر ، وتخصيص هذا بذلك على ما قيل : لأن منكر الإحياء كثير ، والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي الربوبية ، وقيل : إنها زائدة وإلى ذلك ذهب الأخفش أي : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر الخ ، وقيل : إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل : ألم تر كالذي حاج أو كالذي مر وقيل : إنه من كلام إبراهيم عليه السلام ذكره جواباً لمعارضة ذلك الكافر ، وتقديره وإن كنت تحيي فأحي كإحياء الذي مرّ ، ولا يخفى ضعفه للفصل وكثرة التقدير ، وإنما لم تجعل الكاف أصلية والعطف على { الذى } نفسه في الآية السابقة لاستلزامه دخول ( إلى ) على الكاف ، وفيه إشكال لأنها إن كانت حرفية فظاهر وإن كانت اسمية فلأنها مشبهة بالحرف في عدم التصرف لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في كلامهم ، وهو عن وذلك على قلة أيضاً ، وقال بعضهم : إن كلا من لفظ ( ألم تر ) و ( أرأيت ) مستعمل لقصد التعجب إلا أن الأول : تعلق بالتعجب منه فيقال : ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله ، والثاني : بمثل المتعجب منه فيقال أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله إذ يكون المعنى أنظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع ، ولذا لم يستقم عطف ( الذي مر ) على { الذي حاج } [ البقرة : 258 ] ويحتاج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقاً بمحذوف أي أرأيت كالذي مر فيكون من عطف الجملة أو في المعطوف عليه نظراً إلى أنه في معنى أرأيت كالذي حاج فيصح العطف عليه؛ ومن هذا يعلم أن عدم الاستقامة ليس لمجرد امتناع دخول ( إلى ) على الكاف بل لو قلت : ألم ترى إلى الذي حاج أو مثل الذي مر فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام ، وإن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء بل لا بد في التعجب بكلمة ( أرأيت ) من إثبات كاف ، أو ما في معناه ولا يخفى أن هذا من الغرابة بمكان فإن ( ألم تر ) يستعمل للتعجب مع التشبيه في كلام العرب كما يشير إليه كلام سيبويه ، و ( أرأيت ) كثيراً ما يستعمل بدون الكاف أو ما في معناه ، وهو في القرآن كثير وكيف يفرق بينهما بأن الأول تعلق بالمتعجب منه ، وفي الثاني بمثله ، والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف ولو ذكرت في الأول لكان مثله بلا فرق فهذا مصادرة على المطلوب فليس إلا ما ذكر أولاً سوى أن تقدير ( أرأيت ) مع الكاف أولى لأن استعماله معها أكثر فتدبر .

(2/333)


و ( أو ) للتخيير أو للتفصيل والمار هو عزيز بن شرخيا كما أخرجه الحاكم عن علي كرم الله تعالى وجهه وإسحق بن بشر عن ابن عباس وعبد الله بن سلام ، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسدي وخلق كثير وقيل : هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون عليه السلام وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب وهب ، وقيل : هو الخضر عليه السلام وحكي ذلك عن ابن إسحق وزعم بعضهم أن هذين القولين واحد ، وأن أرميا هو الخضر بعينه ، وقيل : شعيا ، وقيل : غلام لوط عليه السلام ، وقال مجاهد : كان المار رجلاً كافراً بالبعث وأيد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما ، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهراً وليست هي فيه مثلها في { أنى يَكُونُ لِي غلام } [ آل عمران : 40 ] و { أنى يَكُونُ لِى وَلَدٌ } [ آل عمران : 47 ] وعورض بما بين قصته إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي فإن كليهما طلبا معاينة الإحياء مع أن ما جرى له في القصة مما يبعد أن يجري مع كافر وإذا انضم إلى ذلك تحريه الظاهر في الاحتراز عن الكذب في القول الصادر قبل التبيين الموجب لإيمانه على زعم من يدعي كفره قوى المعارض جداً ، وإن قلنا : بأن دلالة الانتظام في سلك نمروذ على الإيمان أحق لينطبق على التفصيل المقدم في { الله وَلِىٌّ * الذين آمنوا } [ البقرة : 257 ] الخ حسب ما أشرنا إليه في القيل قبل لم يكد يتوهم القول بالكفر كما لا يخفى ، والقرية قال ابن زيد : هي التي خرج منها الألوف ، وقال الكلبي : دير سابراباد ، وقال السدي : دير سلما باذ ، وقيل : دير هرقل ، وقيل : المؤتفكة ، وقيل : قرية العنب على فرسخين من بيت المقدس ، وقال عكرمة والربيع ووهب : هي بيت المقدس وكان قد خربها بخنتصر وهذا هو الأشهر ، واشتقاقها من القرى وهو الجمع
{ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } أي ساقطة على سقوفها بأن سقط السقف أولا ثم تهدمت الجدران عليه ، وقيل : المعنى خالية عن أهلها ثابتة على عروشها أي إن بيوتها قائمة والجار والمجرور على الأول متعلق بخاوية وعلى الثاني بمحذوف وقع خبراً بعد خبر لهي والجملة قيل : في موضع الحال من الضمير المستتر في ( مرّ ) وقيل : من ( قرية ) ويجيء الحال من النكرة على القلة ، وقيل : في موضع الصفة لها ويبعده توسط الواو ، ومن الناس من جوز كون { على عُرُوشِهَا } بدلاً من { قَرْيَةٌ } بإعادة الجار وكونه صفة لها ، وجملة { وَهِىَ خَاوِيَةٌ } إما حال من العروش أو من القرية أو من ها والعامل معنى الإضافة والكل مما لا ينبغي حمل التنزيل عليه { قَالَ } في نفسه أو بلسانه { أنى يُحْىِ هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا } المشار إليه إما نفس القرية بدون تقدير كما هو الظاهر ، فالإحياء والإماتة مجازان عن العمارة والخراب ، أو بتقدير مضاف أي أصحاب هذه القرية فالإحياء والإماتة على حقيقتها ، وإما عظام القرية البالية وجثثهم المتفرقة ، والسياق دال على ذلك ، والإحياء والإماتة على حالهما أيضاً ، فعلى القول بالمجاز يكون هذا القول على سبيل التلهف والتشوق إلى عمارة تلك القرية لكن مع استشعار اليأس عنها على أبلغ وجه وأوكده ولذا أراه الله تعالى أبعد الأمرين في نفسه ثم في غيره ، ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغة في إزاحة ما عسى يختلف في خلده ، وعلى القول الثاني يكون اعترافاً بالعجز عن معرفة طريق الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيي إذا قلنا : إن القائل كان مؤمناً وإنكاراً للقدرة على ذلك إن كان كافراً ، ورجح أول الاحتمالات الثلاثة في المشار إليه بأن إرادة إحياء لأهل ، أو عظامهم يأباه التعرض لحال القرية دون حال من ذكر ، والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم تراباً أو عظاماً نخرة مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت إرادته تعالى بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستسمعه ، وتقديم المفعول على الفاعل للاعتناء به من حيث إن الاستبعاد ناشىء من جهته لا من جهة الفاعل ، و { إِنّى } نصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى ، وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف ، والعامل فيه على أي حال { يحيى } .

(2/334)


{ فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ } أي فألبثه ميتاً مائة عام ولا بد من اعتبار هذا التضمين لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما لا تمتد ، والعام السنة من العوم وهو السباحة ، وسميت بذلك لأن الشمس تعوم في جميع بروجها { ثُمَّ بَعَثَهُ } أي أحياه من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها ، ولعل إيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة/ تأتيه على الباري عز اسمه ، وللإيذان بأنه قام كهيئته يوم مات عاقلاً فاهما مستعداً للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية ، ففي «البحر» أنه لما مر له سبعون سنة من موته وقد منعه الله تعالى من السباع والطير ومنع العيون أن تراه أرسل ملكاً إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له : كوسك فقال : إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أحسن مما كانت فانتدب الملك في ثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان ألف عامل وجعلوا يعمرونها وأهلك الله تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل وردهم إلى بيت المقدس فعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه فعند ذلك أحياه الله تعالى
{ قَالَ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال له؟ فقيل قال : { كَمْ لَبِثْتَ } ليظهر له العجز عن الإحاطة بشؤون الله تعالى على أتم وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة و { كَمْ } نصب على الظرفية ومميزها محذوف تقديره : كم وقتاً والناصب له { لَبِثْتُ } والظاهر أن القائل هو الله تعالى ، وقيل : هاتف من السماء ، وقيل : جبريل ، وقيل : نبي ، وقيل : رجل مؤمن شاهده يوم مات وعمر إلى حين إحيائه فيكون الإسناد إليه تعالى مجازاً { قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } قاله بناءاً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لبثه ، وقيل : إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس : { يَوْماً } ثم التفت فرأى بقية منها فقال : { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } على الاضراب ، واعترض بأنه لا وجه للجزم بتمام اليوم ولو بناءاً على حسبان الغروب لتحقق النقصان من أوله { قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } عطف على مقدر أي ما لبثت ذلك القدر بل هذا المقدار { فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ } قيل : كان طعامه عنباً أو تيناً وشرابه عصيراً أو لبناً { لَمْ يَتَسَنَّهْ } أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة ، واشتقاقه من السنة وفي لامها اختلاف فقيل : هاء بدليل سانهت فلانا فهو مجزوم بسكون الهاء ، وقيل : واو بدليل الجمع على سنوات فهو مجزوم بحذف الآخر والهاء هاء سكت ثبتت في الوقف وفي الوصل لإجرائه مجراه ، ويجوز أن يكون التسنه عبارة عن مضي السنين كما هو الأصل ويكون عدم التسنه كناية عن بقائه على حاله غضاً طرياً غير متكرج ، وقيل : أصله لم يتسنن ومنه الحمأ المسنون أي الطين المتغير ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في تظننت : تظنيت وفي تقضضت : تقضيت ، وقد أبدلت هنا النون الأخيرة في رأي ياء ، ثم أبدلت الياء ألفاً ، ثم حذفت للجازم والجملة المنفية حال ، وقد جاء مثلها بغير واو خلافاً لمن تردد فيه كقوله تعالى :

(2/335)


{ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } [ آل عمران : 174 ] و { أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } [ الأنعام : 39 ] وصاحبها إما الطعام والشراب ، وإفراد الضمير لإجرائهما مجرى الواحد كالغذاء وإما الأخير واكتفى بدلالة حاله على حال الأول ويؤيده قراءة عبد الله ، وهذا شربك لم يتسنه وقرأ أبي لم يسنه بإدغام التاء في السين واستشكل تفرع { فانظر } على لبث المائة بالفاء وهو يقتضي التغير ، وأجيب بأن المفرع عليه ليس لبث المائة بل لبث المائة من غير تغير في جسمه حتى ظنه زماناً قليلاً ففرع عليه ما هو أظهر منه وهو عدم تغير الطعام والشراب وبقاء الحيوان حياً من غير غذاء ، وقيل : إن التقدير إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث فانظر إلى طعامك وشرابك السريع التغير حتى تعرف أن من لم يغيره يقدر على البعث . وفيه نظر لأنه مع كونه خلاف الظاهر يعكر عليه قوله تعالى : { وانظر إلى حِمَارِكَ } كيف نخرت عظامه وتفرقت أوصاله وهذا/ هو الظاهر لأنه أدل على الحال وأوفق بما بعده ، وكون المراد أنظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظنا الطعام والشراب ليس بشيء ولا يساعده المأثور { وَلِنَجْعَلَكَ } متعلق بمقدر أي وفعلنا ذلك لنجعلك ، ومنهم من قدره متأخراً ، وقيل : إنه متعلق بما قبله والواو زائدة وعلى تقديره فهو معطوف على { لَبِثْتُ } أو على مقدر بطريق الاستئناف أي فعلنا ذلك لتعاين ما استبعدت أو لتهدي ولنجعلك ، وقيل : إنه عطف على { قَالَ } ففيه التفات . { ءايَةً } أي عبرة أو مرشداً { لِلنَّاسِ } أي جنسهم أو من بقي من قومه أو للموجودين في هذا القرن بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرون الخالية ويأخذوا عنك ما انطوى عنهم منذ أحقاب من علم التوراة ، وفيه دليل على ما ذكر من اللبث المديد ولذلك قرن بينه وبين الأمر بالنظر إلى حماره
{ وانظر إِلَى العظام } أي عظام الحمار كما قاله السدي وكرر الأمر لما أن المأمور به أولا هو النظر إليها من حيث الدلالة على المكث المديد ، وثانياً : هو النظر إليها من حيث تعتريها الحياة ومباديها ، وقيل : عظام أموات أهل القرية ، وعن قتادة . والضحاك . والربيع عظام نفسه قالوا : أول ما أحيا الله تعالى منه عيناه وسائر جسده ميت وعظامه نخرة فأمر بالنظر إليها ، وقيل : عظامه وعظام حماره والكل لا يعول عليه . { كَيْفَ نُنشِزُهَا } بالزاي المعجمة من الإنشاز وهو الرفع أي كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد ، وقال الكسائي : نلينها ونعظمها ، وقرأ أبيّ ( ننشيها ) ، وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب ننشرها من أنشر الله تعالى الموتى أحياها ولعل المراد بالإحياء ما تقدم لا معناه الحقيقي لقوله تعالى : { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } أي نسترها به كما نستر الجسد باللباس ، وقرأ أبان عن عاصم ننشرها بفتح النون وضم الشين والراء وهو حينئذ من النشر ضد الطي كما قال الفراء فالمعنى كيف نبسطها ، والجملة قيل : إما حال من العظام أي وانظر إليها مركبة مكسوة لحماً أو بدل اشتمال أي وانظر إلى العظام كيفية إنشازها وبسط اللحم عليها ، واعترضت الحالية بأن الجملة استفهامية وهي لا تقع حالا ، وأجيب بأن الاستفهام ليس حقيقته فما المانع من الحالية ، ولعل عدم التعرض لكيفية نفخ الروح كما قيل لما أنها مما لا تقتضي الحكمة بيانها ، وفي بعض الآثار إن ملكاً نادى العظام فأجابت وأقبلت من كل ناحية ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الروح فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً
{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أي اتضح اتضاحاً تاماً له ما دل عليه الأمر من كيفية الإحياء بمباديه ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الأمر المذكور وإنما حذف للإيذان بظهور تحققه واستغنائه عن الذكر وللاشعار بسرعة وقوعه كأنه قيل : فأنشرها الله تعالى وكساها لحماً فنظر إليها فتبين له كيفيته فلما تبين ذلك { قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء } ومن جلمته ما شوهد { قَدِيرٌ } .

(2/336)


وقيل : فاعل ( تبين ) مضمر يفسره مفعول ( أعلم ) فالكلام من باب التنازع على مذهب البصريين ، وأورد عليه أن شرط التنازع كما نص عليه النحاة اشتراك العاملين بعطف ونحوه بحيث يرتبطان فلا يجوز ضربني أهنت زيداً قيل : وليس بشيء لأنه لم يشترطه إلا ابن عصفور ، وقد صرح بازات الفن بخلافه كأبي علي وغيره مع أنه لم يخص بالعطف إذ هو جار في قوله تعالى : { هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه } [ الحاقة : 19 ] و لما رابطة للجملتين فيكفي مثله في/ الربط وإن لم يصرحوا به ، ومن الناس من استحسن أن يجعل من باب ما يكون المراد بالفعل نفس وقوعه لا التلبس بالفاعل فكان معناه فلما فلما حصل له التبين قال أعلم الخ ، ويساعده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } على البناء للمفعول ، وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن علمه بذلك مستمر نظراً إلى أن أصله لم يتغير بل إنما تبدل بالعيان وصفه ، وفيه إشعار بأنه إنما قال ما قال بناءاً على الاستبعاد العادي واستعظاماً للأمر ، وقرأ ابن مسعود قيل اعلم على وجه الأمر ، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ { قَالَ أَعْلَمُ } ويقول : لم يكن بأفضل من إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى له :

(2/337)


{ أَعْلَمُ أَنَّ الله } [ البقرة : 260 ] وبذلك قرأ حمزة والكسائي ، والآمر هو الله تعالى أو النبي أو الملك ، ويحتمل أن يكون المخاطب هو نفسه على سبيل التجريد مبكتاً لها موبخاً على ما اعتراها من ذلك الاستبعاد ، يروى أنه بعد هذا القول قام فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكرهم وأنكر منازلهم فانطلق على وهم منهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة له وكان قد خرج عزير وهي بنت عشرين سنة فقال لها : يا هذه أهذا منزل عزير؟ قالت : نعم وبكت وقالت : ما رأيت أحداً منذ كذا وكذا وكذا سنة يذكر عزيراً وقد نسيه الناس قال : فإني أنا عزير قالت : سبحان الله فإن عزيراً قد فقدناه منذ مائة سنة فلم يسمع له بذكر قال : فإني عزير كان الله تعالى أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت : فإن عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله تعالى أن يرد عليّ بصري حتى أراك فإن كنت عزيراً عرفتك فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال : قومي بإذن الله تعالى فأطلق الله تعالى رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال فنظرت فقالت : أشهد أنك عزير فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وأنديتهم ومجالسهم ، وابن العزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت : هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا إلى ربه فرد عليّ بصري وأطلق رجلي ، وزعم أن الله تعالى كان أماته مائة سنة ثم بعثه فنهض الناس فأقبلوا عليه فنظروا إليه فقال ابنه : كانت لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل : فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان أبوه قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فنزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل ، وفي رواية أنه قرأها عليهم حين طلبوا منه ذلك عن ظهر قلب من غير أن يخرم منها حرفاً فقال رجل من أولاد المسبيين مما ورد بيت المقدس بعد مهلك بختنصر : حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم فذهبوا إلى كرم جده ففتشوها فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزير عن ظهر قلب فما اختلفا في حرف واحد فعند قالوا : عزير ابن الله ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً .

(2/338)