صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال } أي قتال الكفار وهو فرض عين إن دخلوا بلادنا ، وفرض كفاية إن كانوا ببلادهم ، وقرىء بالبناء للفاعل وهو الله عز وجل ونصب ( القتال ) ، وقرىء أيضاً ( كتب عليكم القتل ) أي قتل الكفرة { وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } عطف على ( كتب ) وعطف الاسمية على الفعلية جائز كما نص عليه ، وقيل : الواو للحال ، والجملة حال وردّ بأن الحال المؤكدة لا تجيء بالواو والمنتقلة لا فائدة فيها والكره بالضم كالكره بالفتح وبهما قرىء ( الكراهة ) وقيل : المفتوح المشقة التي تنال الإنسان من خارج والمضموم ما يناله من ذاته ، وقيل : المفتوح اسم بمعنى الإكراه والمضموم بمعنى الكراهة وعلى كل حال فإن كان مصدراً فمؤل أو محمول على المبالغة أو هو صفة كخبز بمعنى مخبوز ، وإن كان بمعنى الإكراه وحمل على الكره عليه فهو على التشبيه البليغ كأنهم أكرهوا عليه لشدته وعظم مشقته ثم كون القتل مكروهاً لا ينافي الإيمان لأن تلك الكراهية طبيعية لما فيه من القتل والأسر وإفناء البدن وتلف المال وهي لا تنافي الرضا بما كلف به كالمريض الشارب للدواء البشع يكرهه لما فيه من البشاعة ويرضى به من جهة أخرى . (2/198)
{ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } وهو جميع ما كلفوا به فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم ومنه القتال فإن فيه الظفر والغنيمة والشهادة التي هي السبب الأعظم للفوز بغاية الكرامة . { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } وهو جميع ما نهوا عنه فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى/ الردى ، ومن ذلك ترك قتال الأعداء فإن فيه الذل وضعف الأمر وسبي الذراري ونهب الأموال وملك البلاد وحرمان الحظ الأوفر من النعيم الدائم ، والجملتان الاسميتان حالان من النكرة وهو قليل ، ونص سيبويه على جوازه كما في «البحر» ، وجوز أبو البقاء أن يكونا صفة لها وساغ دخول الواو لما أن صورة الجملة هنا كصورتها إذا كانت حالاً ( وعسى ) الأولى : للإشفاق والثانية : للترجي على ما ذهب إليه البعض ، وإنما ذكر عسى الدالة على عدم القطع لأن النفس إذا ارتاضت وصفت انعكس عليها الأمر الحاصل لها قبل ذلك فيكون محبوبها مكروهاً ومكروهها محبوبهاً فلما كانت قابلة بالارتياض لمثل هذا الانعكاس لم يقطع بأنها تكره ما هو خير لها وتحب ما هو شر لها فلا حاجة إلى أن يقال إنها هنا مستعملة في التحقيق كما في سائر القرآن ما عدا قوله تعالى : { عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ } [ التحريم : 5 ] { والله يَعْلَمُ } ما هو خير لكم وما هو شر لكم وحذف المفعول للإيجاز { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيراً لكم وانتهوا عما نهاكم عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأن فيها الجهاد وهو بذل النفس الذي هو فوق بذل المال .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر * الحرم } أخرج ابن إسحق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي من طريق زيد بن رومان عن عروة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش ، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى نخلة فقال : كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال ، وذلك في الشهر الحرام؛ وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أين يسير فقال : أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك ، وانظر فيه فما أمرتك به فامض له ولا تستكره أحداً من أصحابك على الذهاب معك . فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه «أنِ امض حتى تنزل نخلة فأتنا من أخبار قريش ، بما اتصل إليك منهم» فقال لأصحابه : وكانوا ثمانية حين قرأ الكتاب سمعاً وطاعة من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كره ذلك منكم فليرجع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاني أن أستكره منكم أحداً فمضى معه القوم حتى إذا كانوا ببخران أضل سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه يطلبانه ومضى القوم حتى نزلوا نخلة فمر بهم عمرو بن الحضرمي ، والحكم بن كيسان ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، ونوفل بن عبد الله معهم تجارة قد مروا بها من الطائف أدم ، وزبيب فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله ، وكان قد حلق رأسه فلما رأوه حليقاً قالوا : عمار ليس عليكم منهم بأس وأتمر القوم بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر يوم من جمادى فقالوا : لئت قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة مكة الحرام فليتمنعن منكم فأجمع القوم على قتلهم فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وأفلت نوفل وأعجزهم واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فأوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئاً فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال : سقط في أيديهم ، وظنوا أن قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين ، وقالت قريش : حين بلغهم أمر هؤلاء قد سفك محمد صلى الله عليه وسلم الدم الحرام وأخذ المال وأسر الرجال ، واستحل الشهر الحرام فنزلت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير وفدى الأسيرين ، وفي «سيرة ابن سيد الناس» إن ذلك في رجب وأنهم لقوا أولئك في آخر يوم منه ، وفي رواية الزهري عن عروة أنه لما بلغ كفار قريش تلك الفعلة ركب وفد منهم حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى الآية . (2/199)
ومن هنا قيل : السائلون هم المشركون ، وأيد بأن ما سيأتي من ذكر الصد والكفر والإخراج أكبر شاهد صدق على ذلك ليكون تعريضاً بهم موافقاً لتعريضهم بالمؤمنين . (2/200)
واختار أكثر المفسرين أن السائلين هم المسلمون قالوا : وأكثر الروايات تقتضيه ، وليس الشاهد مفصحاً بالمقصود والمراد من الشهر الحرام رجل أو جمادى فأل فيه للعهد ، والكثير والأظهر أنها للجنس فيراد به الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب ، وسميت حرماً لتحريم القتال فيها ، والمعنى : يسئلونك أي المسلمون أو الكفار عن القتال في الشهر الحرام على أنه { قِتَالٍ فِيهِ } بدل اشتمال من الشهر لما أن الأول : غير واف بالمقصود مشوق إلى الثاني : ملابس له بغير الكلية والجزئية ، ولما كان النكرة موصوفة أو عاملة صح إبدالها من المعرفة على أن وجوب التوصيف إنما هو في بدل الكل كما نص عليه الرضي ، وقرأ عبد الله ( عن قتال ) وهو أيضاً بدل اشتمال إلا أنه بتكرير العامل ، وقرأ عكرمة ( قتل فيه ) وكذا في { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } أي عظيم وزراً ، وفيه تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام ، وأن ما اعتقد من استحلاله صلى الله عليه وسلم القتال فيه باطل ، وما وقع من أصحابه عليه الصلاة والسلام كان من باب الخطأ في الاجتهاد وهو معفو عنه بل من اجتهد وأخطأ فله أجر واحد كما في الحديث ، والأكثرون على أن هذا الحكم منسوخ بقوله سبحانه : { فَإِذَا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] فإن المراد بالأشهر الحرم أشهر معينة أبيح للمشركين السياحة فيها بقوله تعالى : { فَسِيحُواْ فِى الارض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [ التوبة : 2 ] وليس المراد بها الأشهر الحرم من كل سنة فالتقييد بها يفيد أن قتلهم بعد انسلاخها مأمور به في جميع الأمكنة والأزمنة وهو نسخ الخاص بالعام ، وساداتنا الحنفية يقولون به ، وأما الشافعية فيقولون : إن الخاص سواء كان متقدماً على العام أو متأخراً عنه مخصص له لكون العام عندهم ظنياً والظني لا يعارض القطعي ، وقال الإمام : الذي عندي أن الآية لا تدل على حرمة القتال مطلقاً في الشهر الحرام لأن القتال فيها نكرة في حيز مثبت فلا تعم فلا حاجة حينئذ إلى القول بالنسخ ، واعترض بأنها عامة لكونها موصوفة بوصف عام أو بقرينة المقام ولو سلم فقتال المشركين مراد قطعاً لأن قتال المسلمين مطلقاً من غير تقييد بالأشهر الحرم ، وفيه أنا لا نسلم أنها موصوفة لجواز أن يكون الجار ظرفاً لغواً ولو سلم فلا نسلم عموم الوصف بل هو مخصص لها بالقتال الواقع في الشهر الحرام المعين ، والوصف المفيد للعموم هو الوصف المساوي عمومه عموم الجنس كما في قوله تعالى :
{ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الارض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 8 3 ] وقول الشاعر : (2/201)
ولا ترى الضب بها ينحجر ... وكون الأصل مطابقة الجواب للسؤال قرينة على الخصوص وكون المراد قتال المشركين على عمومه غير مسلم لأن الكلام في القتال المخصوص ولو سلم عمومها في السؤال فلا نسلم عمومها في الجواب بناءاً على ما ذكره الراغب أن النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها يعاد معرفاً نحو سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا ففي تنكيرها هنا تنبيه على أنه ليس المراد كل قتال حكمه هذا فإن قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه فقد قال عليه الصلاة والسلام : " أحلت لي ساعة من نهار " وحرمة قتال المسلمين مطلقاً لا يخفى ما فيه لأن قتال أهل البغي يحل وهم مسلمون فالإنصاف أن القول بالنسخ ليس بضروري ، نعم هو ممكن وبه قال ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه الضحاك ، وأخرج/ ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه سئل عن هذه الآية فقال : هذا شيء منسوخ ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام ، وخالف عطاء في ذلك فقد روي عنه أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف بالله تعالى ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكماً مستمراً إلى يوم القيامة والأمة اليوم على خلافه في سائر الأمصار
{ وَصُدَّ } أي منع وصرف { عَن سَبِيلِ الله } وهو الإسلام قاله مقاتل ، أو الحج قاله ابن عباس والسدي ، أو الهجرة كما قيل ، أو سائر ما يوصل العبد إلى الله تعالى من الطاعات ، فالإضافة إما للعهد أو للجنس { وَكُفْرٌ بِهِ } أي بالله أو بسبيله { والمسجد الحرام } اختار أبو حيان عطفه على الضمير المجرور وإن لم يعد الجار ، وأجاز ذلك الكوفيون ، ويونس ، والأخفش ، وأبو علي وهو شائع في لسان العرب نظماً ونثراً ، واعترض بأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام وهو لازم من العطف ، وفيه بحث إذ الكفر قد ينسب إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلق بها كقوله تعالى : { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } [ البقرة : 652 ] واختار القاضي تقدير مضاف معطوف على { صَدَّ } أي وصد المسجد الحرام عن الطائفين والعاكفين والركع السجود ، واعترض بأن حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه بحاله مقصور على السماع ورد بمنع الإطلاق ففي «التسهيل» إذا كان المضاف إليه إثر عاطف متصل به أو مفصول بلا مسبوق بمضاف مثل المحذوف لفظاً ومعنى جاز حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على انجراره قياساً نحو ما مثل زيد وأبيه يقولان ذلك أي مثل أبيه ونحو ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة ، وإذا انتفى واحد من الشروط كان مقصوراً على السماع ، وفيما نحن فيه سبق إضافة مثل ماحذف منه ، واختار الزمخشري عطفه على { سَبِيلِ الله } تعالى ، واعترض بأن عطف { وَكُفْرٌ بِهِ } على { وَصُدَّ } مانع من ذلك إذ لا يقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة ، وذكر لصحة ذلك وجهان ، أحدهما أن { وَكُفْرٌ بِهِ } في معنى الصد عن سبيل الله فالعطف على سبيل التفسير كأنه قيل وصد عن سبيل الله أعني كفراً به والمسجد الحرام والفاصل ليس بأجنبي ، ثانيهما : أن موضع { وَكُفْرٌ بِهِ } عقيب { والمسجد الحرام } إلا أنه قدم لفرط العناية كما في قوله تعالى :
{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الإخلاص : 4 ] حيث كان من حق الكلام ولم يكن أحد كفواً له ، ولا يخفى أن الوجه الأول أولى لأن التقديم لا يزيل محذور الفصل ويزيد محذوراً آخر ، واختار السجاوندي العطف على الشهر الحرام وضعف بأن القوم لم يسألوا عن المسجد الحرام واختار أبو البقاء كونه متعلقاً بفعل محذوف دل عليه الصد أي ويصدون عن المسجد الحرام كما قال سبحانه : { هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام } [ الفتح : 5 2 ] وضعف بأن حذف حرف الجر وبقاء عمله مما لا يكاد يوجد إلا في الشعر ، وقيل : إن الواو للقسم وقعت في أثناء الكلام وهو كما ترى (2/202)
{ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وإنما كانوا أهله لأنهم القائمون بحقوقه ، وقيل : إن ذلك باعتبار أنهم يصيرون أهله في المستقبل بعد فتح مكة { أَكْبَرُ عِندَ الله } خبر للأشياء المعدودة من كبائر قريش ، وأفعل من يستوي فيه الواحد والجمع المذكور والمؤنث . والمفضل عليه محذوف أي مما فعلته السرية خطأ في الاجتهاد ، ووجود أصل الفعل في ذلك الفعل مبني على الزعم { والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل } تذييل لما تقدم للتأكيد عطف عليه عطف الحكم الكلي على الجزئي أي ما يفتن به المسلمون ويعذبون به ليكفروا أكبر عند الله من القتل وما ذكر سابقاً داخل فيه دخولاً أولياً ، وقيل : المراد بالفتنة الكفر ، والكلام كبرى لصغرى/ محذوفة ، وقد سيق تعليلاً للحكم السابق
{ وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } عطف على { يَسْئَلُونَكَ } بجامع الاتحاد في المسند إليه إن كان السائلون هم المشركون ، أو معترضة إن كان السائلون غيرهم والمقصود الاخبار بدوام عداوة الكفار بطريق الكناية تحذيراً للمؤمنين عنهم وإيقاظاً في بعض الأمور ، و { حتى } للتعليل ، والمعنى لا يزالون يعادونكم لكي يردوكم عن دينكم ، وقوله تعالى : { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } متعلق بما عنده ، والتعبير بإن لاستبعاد استطاعتهم وأنها لا تجوز إلا على سبيل الفرض كما يفرض المحال ، وفائدة التقييد بالشرط التنبيه على سخافة عقولهم وكون دوام عداوتهم فعلاً عبثاً لا يترتب عليه الغرض وليس متعلقاً بلا يزالون يقاتلونكم إذ لا معنى لدوامهم على العداوة إن استطاعوها لكنها مستبعدة .
وذهب ابن عطية إلى أن { حتى } للغاية والتقييد بالشرط حينئذ لإفادة أن الغاية مستبعدة الوقوع والتقييد بالغاية الممتنع وقوعها شائع كما في قوله تعالى : { حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } [ الأعراف : 0 4 ] وفيه أن استبعاد وقوع الغاية مما يترتب عليه عدم انقطاع العداوة وقد أفاده صدر الكلام ، والقول بالتأكيد غير أكيد ، نعم يمكن الحمل على الغاية لو أريد من المقاتلة معناها الحقيقي ويكون الشرط متعلقاً بلا يزالون فيفيد التقييد أن تركهم المقاتلة في بعض الأوقات لعدم استطاعتهم إلا أن المعنى حينئذ يكون مبتذلاً كما لا يخفى (2/203)
{ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } الحق باضلالهم وإغوائهم ، أو الخوف من عداوتهم { فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } بأن لم يرجع إلى الإسلام { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الارتداد والموت على الكفر وما فيه من البعد للإشعار ببعد منزلة من يفعل ذلك في الشر والفساد والجمع والإفراد نظراً للفظ والمعنى . { حَبِطَتْ أعمالهم } أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن ، قيل : وأصل الحبط فساد يلحق الماشية لأكل الحباط وهو ضرب من الكلأ مضر ، وفي «النهاية» «أحبط الله تعالى عمله أبطله يقال : حَبِط عمله وأحبطه غيره وهو من قولهم : حَبِطت الدابة حَبَطاً بالتحريك إذا أصابت مرعى طيباً فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت» ، وقرىء ( حبطت ) بالفتح وهو لغة فيه .
{ فِى الدنيا والاخرة } لبطلان ما تحيلوه وفوات ما للإسلام من الفوائد في الأولى وسقوط الثواب في الأخرى { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } .
كسائر الكفرة ولا يغني عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئاً ، واستدل الشافعي بالآية على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها وذلك بناءاً على أنها لو أحبطت مطلقاً لما كان للتقييد بقوله سبحانه : { فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } فائدة والقول بأنه فائدته أن إحباط جميع الأعمال حتى لا يكون له عمل أصلاً موقوف على الموت على الكفر حتى لو مات مؤمناً لا يحبط إيمانه ولا عمل يقارنه وذلك لا ينافي إحباط الأعمال السابقة على الارتداد بمجرد الارتداد مما لا معنى له لأن المراد من الأعمال في الآية الأعمال السابقة على الارتداد إذ لا معنى لحبوط ما لم يفعل فحينئذٍ لا يتأتى هذا القول كما لا يخفى ، وقيل : بناءاً على أنه جعل الموت عليها شرطاً في الإحباط وعند انتفاء الشرط ينتفي المشروط ، واعترض بأن الشرط النحوي والتعليقي ليس بهذا المعنى بل غايته السببية والملزومية وانتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم لجواز تعدد الأسباب ولو كان شرطاً بهذا المعنى لم يتصور اختلاف القول بمفهوم الشرط ، وذهب إمامنا أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن مجرد الارتداد يوجب الإحباط لقوله تعالى :
{ وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [ المائدة : 5 ] وما استدل به الشافعي ليس صريحاً في المقصود لأنه إنما يتم إذا/ كانت جملة ، و ( أولئك ) الخ تذييلاً معطوفة على الجملة الشرطية ، وأما لو كانت معطوفة على الجزاء وكان مجموع الإحباط والخلود في النار مرتباً على الموت على الردة فلا نسلم تماميته ، ومن زعم ذلك اعترض على الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه بأن اللازم عليه حمل المطلق على المقيد عملاً بالدليلين ، وأجيب بأن حمل المطلق على المقيد مشروط عنده بكون الإطلاق والتقييد في الحكم واتحاد الحادثة وما هنا في السبب فلا يجوز الحمل لجواز أن يكون المطلق سبباً كالمقيد ، وثمرة الخلاف على ما قيل : تظهر فيمن صلى ثم ارتد ثم أسلم والوقت باق فإنه يلزمه عند الإمام قضاء الصلاة خلافاً للشافعي وكذا الحج ، واختلف الشافعيون فيمن رجع إلى الإسلام بعد الردة هل يرجع له عمله بثوابه أم لا؟ فذهب بعض إلى الأول : فيما عدا الصحبة فإنها ترجع مجردة عن الثواب ، وذهب الجل إلى الثاني : وأن أعماله تعود بلا ثواب ولا فرق بين الصحبة وغيرها ، ولعل ذلك هو المعتمد في المذهب فافهم . (2/204)
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في «الكبير» من حديث جندب بن عبد الله أنها نزلت في السرية لما ظن بهم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر . { والذين هاجروا } أي فارقوا أوطانهم ، وأصله من الهجر ضد الوصل . { وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله } لإعلاء دينه وإنما كرر الموصول مع أن المراد بهما واحد لتفخيم شأن الهجرة والجهاد فكأنهما وإن كانا مشروطين بالإيمان في الواقع مستقلان في تحقق الرجاء ، وقدم الهجرة على الجهاد لتقدمها عليه في الوقوع تقدم الإيمان عليهما . (2/205)
{ أولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلة { يَرْجُونَ * رَحْمَتَ الله } أي يؤملون تعلق رحمته سبحانه بهم أو ثوابه على أعمالهم ، ومنها تلك الغزاة في الشهر الحرام ، واقتصر البعض عليها بناءاً على ما رواه الزهري أنه لما فرج الله تعالى عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من غم طمعوا فيما عند الله تعالى من ثوابه فقالوا : يا نبي الله أنطمع أن تكون غزوة نعطي فيها أجر المهاجرين في سبيل الله تعالى فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ولا يخفى أن العموم أعم نفعاً وأثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للإشارة إلى أن العمل غير موجب إذ لا استحقاق به ولا يدل دلالة قطعية على تحقق الثواب إذ لا علاقة عقلية بينهما وإنما هو تفضل منه تعالى سيما والعبرة بالخواتيم فلعله يحدث بعد ذلك ما يوجب الحبوط ولقد وقع ذلك والعياذ بالله تعالى كثيراً فلا ينبغي الاتكال على العمل { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل لما تقدم وتأكيد له ولم يذكر المغفرة فيما تقدم لأن رجال الرحمة يدل عليها وقدم وصف المغفرة لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } قال الواحدي : نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل ومسلبة للمال فأنزل الله تعالى هذه الآية وفي بعض الروايات «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوه عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال قوم : ما حرما علينا فكانوا يشربون الخمر إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا أناساً من الصحابة وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب فقدموا علياً كرم الله تعالى وجهه فقرأ { قُلْ ياأهل * أَيُّهَا * الكافرين } [ الكافرون : 1 ] الخ بحذف ( لا ) فأنزل الله تعالى : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [ النساء : 3 4 ] فقلّ من يشربها ثم اتخذ عتبان بن مالك صنيعاً ودعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم ثم إنهم افتخروا عند ذلك/ وتناشدوا الأشعار فأنشد سعد ما فيه هجاء الأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصار فقال : اللهم بين لنا رأيك في الخمر بياناً شافياً فأنزل الله تعالى : { إِنَّمَا الخمر والميسر } إلى قوله تعالى : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 09 ، 19 ] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله تعالى عنه : انتهينا يا رب . وعن علي كرم الله تعالى وجهه لو وقعت قطرة منها في بئر فبنيت في مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم أرعه دابتي . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لو أدخلت أصبعي فيها لم تتبعني وهذا هو الإيمان والتقى حقاً . (2/206)
والخمر عند الإمام أبيحنيفة رضي الله تعالى عنه التي من ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد وسميت بذلك لأنها تخمر العقل أي تستره ومنه خمار المرأة لستره وجهها ، والخامر وهو من يكتم الشهادة ، وقيل : لأنها تغطي حتى تشتد ، ومنه «خمروا آنيتكم» أي غطوها ، وقيل : لأنها تخالط العقل وخامره داء خالطه؛ وقيل : لأنها تترك حتى تدرك ، ومنه اختمر العجين أي بلغ إدراكه وهي أقوال متقاربة ، وعليها فالخمر مصدر يراد به اسم الفاعل أو المفعول ويجوز أن يبقى على مصدريته للمبالغة ، وذهب الإمامان إلى عدم اشتراط القذف ويكفي الاشتداد لأن المعنى المحرم يحصل به ، وللإمام أن الغليان بداية الشدة وكمالها بقذف الزبد وسكونه إذ به يتميز الصافي من الكدر وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع ، وأخذ بعضهم بقولهما في حرمة الشرب احتياطاً ، ثم إطلاق الخمر على غير ما ذكر مجاز عندنا وهو المعروف عند أهل اللغة ، ومن الناس من قال هو حقيقة في كل مسكر لما أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي :
" كل مسكر خمر " (2/207)
وأخرج أبو داود نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة ، والخمر ما خامر العقل ، وأخرج مسلم عن أبي هريرة " الخمر من هاتين الشجرتين ، وأشار إلى الكرم والنخلة " وأخرج البخاري عن أنس «حرّمت الخمر حين حرمت وما يتخذ من خمر الأعناب إلا قليل ، وعامة خمرنا البسر والتمر» ويمكن أن يجاب أن المقصود من ذلك كله بيان الحكم ، وتعليم أن ما أسكر حرام كالخمر وهو الذي يقتضيه منصب الإرشاد لا تعليم اللغات العربية سيما والمخاطبون في الغاية القصوى من معرفتها؛ وما يقال : إنه مشتق من مخامرة العقل ، وهي موجودة في كل مسكر لا يقتضي العموم ، ولا ينافي كون الاسم خاصاً فيما تقدّم فإن النجم مشتق من الظهور ، ثم هو اسم خاص للنجم المعروف لا لكل ما ظهر وهذا كثير النظير ، وتوسط بعضهم فقال : إن الخمر حقيقة في لغة العرب في التي من ماء العنب إذا صار مسكراً ، وإذا استعمل في غيره كان مجازاً إلا أنّ الشارع جعله حقيقة في كل مسكر شابه موضوعه اللغوي ، فهو في ذلك حقيقة شرعية كالصلاة والصوم والزكاة في معانيها المعروفة شرعاً ، والخلاف قوي ولقوّته ووقوع الإجماع على تسمية المتخذ من العنب خمراً دون المسكر من غيره أكفروا مستحل الأوّل ، ولم يكفروا مستحل الثاني بل قالوا : إن عين الأوّل حرام غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه ، ومن أنكر حرمة العين وقال : إنّ السكر منه حرام لأنه به يحصل الفساد فقد كفر لجحوده الكتاب إذ سماه رجساً فيه والرجس محرّم العين فيحرم كثيره وإن لم يسكر وكذا قليله ولو قطرة ويحدّ شاربه مطلقاً ، وفي الخبر " حرّمت الخمر لعينها " وفي رواية " بعينها قليلها وكثيرها سواء " والسكر من كل شراب ، وقالوا : إنّ الطبخ لا يؤثر لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه بناءاً على أنّ الحدّ/ بالقليل النيء خاصة وهذا قد طبخ وأمّا غير ذلك فالعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى طبخة ويسمى الباذق والمنصف وهو ما ذهب نصفه بالطبخ فحرام عندنا إذا غلى واشتدّ وقذف بالزبد أو إذا اشتدّ على الاختلاف ، وقال الأوزاعي وأكثر المعتزلة : إنه مباح لأنه مشروب طيب وليس بخمر ولنا أنه رقيق ملد مطرب ، ولذا يجتمع عليه الفساق فيحرم شربه رفعاً للفساد المتعلق به ، وأمّا نقيع التمر وهو السكر وهو النيء من ماء التمر فحرام مكروه ، وقال شريك : إنه مباح للامتنان ولا يكون بالمحرّم ، ويرده إجماع الصحابة ، والآية محمولة على الابتداء كما أجمع عليه المفسرون ، وقيل : أراد بها التوبيخ أي : ( أتتخذون منه سكراً وتدعون رزقاً حسناً ) وأمّا نقيع الزبيب وهو النيء من ماء الزبيب فحرام إذا اشتدّ وغلى ، وفيه خلاف الأوزاعي ، ونبيذ الزبيب والتمر إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة حلال ، وإن اشتدّ إذا شرب منه ما يغلب على ظنه أنه لا يسكر من غير لهو ولا طرب عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد والشافعي حرام ، ونبيذ العسل والتين والحنطة والذرة والشعير وعصير العنب إذا طبخ وذهب ثلثاه حلال عند الإمام الأول والثاني ، وعند محمد والشافعي حرام أيضاً ، وأفتى المتأخرون بقول محمد في سائر الأشربة ، وذكر ابن وهبان أنه مروي عن الكل ونظم ذلك فقال :
وفي عصرنا فاختير حد وأوقعوا ... طلاقاً لمن من مسكر الحب يسكر (2/208)
وعن كلهم يروى وأفتى محمد ... بتحريم ما قد قلّ وهو المحرر
وعندي أنّ الحق الذي لا ينبغي العدول عنه أنّ الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأي اسم سمي متى كان بحيث يسكر من لم يتعوّده حرام وقليله ككثيره ويحدّ شاربه ويقع طلاقه ونجاسته غليظة .
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع وهو نبيذ العسل فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " وروى أبو داود «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر» وصح " ما أسكر كثيره فقليله حرام " وفي حديث آخر : " ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام " والأحاديث متظافرة على ذلك ، ولعمري إنّ اجتماع الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير ، وقد وضعوا لها أسماء كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظناً منهم أنّ هذه الأسماء تخرجها من الحرمة وتبيح شربها للأمّة وهيهات هيهات الأمر وراء ما يظنون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، نعم حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها كما قدّمنا لأنها اجتهادية ، ولو ذهب ذاهب إلى القول بالتكفير لم يبق في يده من الناس اليوم إلا قليل .
والميسر مصدر ميمي من يسر كالموعد والمرجع يقال : يسرته إذا قمرته واشتقاقه إمّا من اليسر لأنه أخذ المال بيسر وسهولة ، أو من اليسار لأنه سلب له ، وقيل : من يسروا الشيء إذا اقتسموه ، وسمي المقامر ياسراً لأنه بسبب ذلك الفعل يجزىء لحم الجزور ، وقال الواحدي : من يسر الشيء إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القدح ، وصفته أنه كانت لهم عشرة أقداح هي : الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى .
والمنيح والسفيح والوغد لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزءونها ثمانية وعشرين إلا الثلاثة وهو المنيح والسفيح والوغد ، للفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة ويضعونها على يدي عدل ثم/ يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها ، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله مع حرمانه ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ، ويفتخرون بذلك ويذمّون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم . ونقل الأزهري كيفية أخرى لذلك ولم يذكر الوغد في الأسماء بل ذكر غيره ، والذي اعتمده الزمخشري وكثيرون ما ذكرناه ، وقد نظم بعضهم هذه الأسماء فقال : (2/209)
كل سهام الياسرين عشرة ... فأودعوها صحفاً منشره
لها فروض ولها نصيب ... الفذ والتوأم والرقيب
والحلس يتلوهنّ ثم النافس ... وبعده مسبلهن السادس
ثم المعلى كاسمه المعلى ... صاحبه في الياسرين الأعلى
والوغد والسفيح والمنيح ... غفل فما فيما يرى ربيح
وفي حكم ذلك جميع أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالجوز والكعاب والقرعة في غير القسمة وجميع أنواع المخاطرة والرهان ، وعن ابن سيرين كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ومعنى الآية يسألونك عما في تعاطي هذين الأمرين ، ودل على التقدير بقوله تعالى : { قُلْ فِيهِمَا } إذ المراد في تعاطيهما بلا ريب { إِثْمٌ كَبِيرٌ } من حيث إن تناولهما مؤدّ إلى ما يوجب الإثم وهو ترك المأمور ، وفعل المحظور { ومنافع لِلنَّاسِ } من اللذة والفرح وهضم الطعام وتصفية اللون وتقوية الباه وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وإعانة الضعيف ، وهي باقية قبل التحريم وبعده ، وسلبها بعد التحريم مما لا يعقل ولا يدل عليه دليل ، وخبر « ما جعل الله تعالى شفاء أمّتي فيما حرّم عليها » لا دليل فيه عند التحقيق كما لا يخفى .
{ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } أي المفاسد التي تنشأ منها أعظم من المنافع المتوقعة فيهما ، فمن مفاسد الخمر إزالة العقل الذي هو أشرف صفات الإنسان ، وإذا كانت عدوّة للأشرف لزم أن تكون أخس الأمور لأن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يعقل أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل إليها بطبعه فإذا شرب زال ذلك العقل المانع عن القبائح وتمكن إلفها وهو الطبع فارتكبها وأكثر منها ، وربما كان ضحكة للصبيان حتى يرتد إليه عقله .
ذكر ابن أبي الدنيا أنه مرّ بسكران وهو يبول بيده ويغسل به وجهه كهيأة المتوضىء ويقول : الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً . وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية : ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك؟ فقال : ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم ، ومنها صدّها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإيقاعها العداوة والبغضاء غالباً . وربما يقع القتل بين الشاربين في مجلس الشرب ، ومنها أن الإنسان إذا ألفها اشتد ميله إليها وكاد يستحيل مفارقته لها وتركه إياها ، وربما أورثت فيه أمراضاً كانت سبباً لهلاكه ، وقد ذكَر الأطباء لها مضار بدنية كثيرة كما لا يخفى على من راجع «كتب الطب» ، وبالجملة لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حد الاستقامة لكفي فإنه إذا اختل العقل حصلت الخبائث بأسرها ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث " ولم يثبت أن الأنبياء عليهم السلام شربوها في وقت أصلاً . (2/210)
ومن مفاسد الميسر أن فيه أكل الأموال بالباطل وأنه يدعو كثيراً/ من المقامرين إلى السرقة وتلف النفس وإضاعة العيال وارتكاب الأمور القبيحة والرذائل الشنيعة والعداوة الكامنة والظاهرة ، وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من أعماه الله تعالى وأصمه ، ولدلالة الآية على أعظمية المفاسد ذهب بعض العلماء إلى أنها هي المحرمة للخمر فإن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل وزاد بعضهم على ذلك بأن فيها الإخبار بأن فيها الإثم الكبير ، والإثم إما العقاب أو سببه ، وكل منهما لا يوصف به إلا المحرم ، والحق أن الآية ليست نصاً في التحريم كما قال قتادة ، إذ للقائل أن يقول : الإثم بمعنى المفسدة ، وليس رجحان المفسدة مقتضياً لتحريم الفعل بل لرجحانه ، ومن هنا شربها كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد نزولها ، وقالوا : إنما نشرب ما ينفعنا ، ولم يمتنعوا حتى نزلت آية المائدة فهي المحرمة من وجوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وقرىء ( إثم كثير ) بالمثلثة ، وفي تقديم الإثم ووصفه بالكبر أو الكثرة وتأخير ذكر المنافع مع تخصيصها بالناس من الدلالة على غلبة الأول ما لا يخفى ، وقرأ أبيّ ( وإثمهما أقرب من نفعهما ) .
{ وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } أخرج ابن إسحق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن نفراً من الصحابة أمروا بالنفقة في سبيل الله تعالى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا فما ننفق منها فنزلت ، وكان قبل ذلك ينفق الرجال ماله حتى ما يجد ما يتصدق ، ولا ما يأكل حتى يتصدق عليه ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبان عن يحيى أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وهي معطوفة على { يَسْئَلُونَكَ } قبلها عطف القصة على القصة ، وقيل : نزلت في عمرو بن الجموح كنظيرتها ، وكأنه سئل أولاً عن المنفق والمصرف ثم سئل عن كيفية الإنفاق بقرينة الجواب فالمعنى يسألونك عن صفة ما ينفقونه { قُلِ العفو } أي صفته أن يكون عفواً فكلمة { مَا } للسؤال عن الوصف كما يقال ما زيد؟ فيقال كريم إلا أنه قليل في الاستعمال وأصل العفو نقيض الجهد ، ولذا يقال للأرض الممهدة السهلة الوطء عفو ، والمراد به ما لا يتبين في الأموال ، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الفضل من العيال ، وعن الحسن ما لا يجهد ، أخرج الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :
« خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول » وأخرج ابن خزيمة عنه أيضاً أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول تقول المرأة أنفق عليّ أو طلقني ، ويقول مملوكك أنفق عليّ أو بعني ، ويقول ولدك إلى من تكلني » وأخرج ابن سعد عن جابر قال : قدم أبُو حصين السلمي بمثل بيضة الحمامة من ذهب فقال : « يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من ركنه الأيسر فأعرض عنه ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته فقال : يأتي أحدكم بما يملك فيقول : هذه صدقة ثم يقعد يتكفف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول » وقرأ أبو عمرو بالرفع بتقدير المتبدأ على أن { مَاذَا يُنفِقُونَ } مبتدأ وخبر ، والباقون بالنصب بتقدير الفعل ، و ( ماذا ) مفعول { يُنفِقُونَ } ليطابق الجواب السؤال . (2/211)
{ كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد لأنه أبقى للمان وأكثر نفعاً في الآخرة فالمشار إليه ما يفهم من قوله سبحانه : { قُلِ العفو } وإيراد صيغة البعيد مع قربه لكونه/ معنى متقدم الذكر ، ويجوز أن يكون المشار إليه جميع ما ذكر من قوله سبحانه : { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } إذ لا مخصص مع كون التعميم أفيد والقرب إنما يرجح القريب على ما سواه فقط وجعل المشار إليه قوله عز شأنه : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } على ما فيه لا يخفى بعده ، والكاف في موضع النصب صفة لمحذوف ، واللام في ( الآيات ) للجنس أي يبين لكم الآيات المشتملة على الأحكام تبييناً مثل هذا التبيين إما بإنزالها واضحة الدلالة ، أو بإزالة إجمالها بآية أخرى أو ببيان من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مقتضى الظاهر أن يقال كذلك على طبق ( لكم ) لكنه وحد بتأويل نحو القبيلة ، أو الجمع مما هو مفرد اللفظ جمع المعنى روما للتخفيف لكثرة لحوق علامة الخطاب باسم الإشارة ، وقيل : إن الإفراد للإيذان بأن المراد به كل من يتلقى الكلام كما في قوله تعالى :
{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذلك } [ البقرة : 2 5 ] وفيه أنه يلزم تعدد الخطاب في كلام واحد من غير عطف وذا لا يجوز كما نص عليه الرضي { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } أي في الآيات فتستنبطوا الأحكام منها وتفهموا المصالح والمنافع المنوطة بها وبهذا التقدير حسن كون ترجي التفكر غاية لتبيين الآيات . (2/212)
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
{ فِى الدنيا والاخرة } أي في أمورهما فتأخذون بالأصلح منهما وتجتنبون عما يضركم ولا ينفعكم أو يضركم أكثر مما ينفعكم ، والجار بعد تقدير المضاف متعلق ب { تَتَفَكَّرُونَ } [ البقرة : 9 21 ] بعد تقييده بالأول ، وقيل : يجوز أن يتعلق ب { يُبِينُ } [ البقرة : 912 ] أي يبين لكم الآيات فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون وقدم التفكر للاهتمام ، وفيه أنه خلاف ظاهر النظم مع أن ترجى أصل التفكر ليس غاية لعموم التبيين فلا بد من عموم التفكر فيكون المراد لعلكم تتفكرون في أمور الدنيا والآخرة وفي التكرار ركاكة ، وقيل : متعلق بمحذوف وقع حالاً من الآيات أي يبينها لكم كائنة فيهما أي مبينة لأحوالكم المتعلقة بهما ولا يخفى ما فيه ، ومن الناس من لم يقدر ليتفكرون متعلقاً وجعل المذكور متعلقاً بها أي بين الله لكم الآيات لتتفكروا في الدنيا وزوالها والآخرة وبقائها فتعلموا فضل الآخرة على الدنيا وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وقتادة والحسن . (2/213)
{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى } عطف على ما قبله من نظيره ، أخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لما أنزل الله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ الأنعام : 2 15 ] و { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى } [ النساء : 0 1 ] الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فيرمى به فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، والمعنى يسألونك عن القيام بأمر اليتامى ، أو التصرف في أموالهم ، أو عن أمرهم وكيف يكونون معهم { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } أي مداخلتهم مداخلة يترتب عليها إصلاحهم أو إصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ خير من مجانبتهم ، وفي الاحتمال الأول إقامة غاية الشيء مقامه .
{ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } عطف على سابقه والمقصود الحث على المخالطة المشروطة بالإصلاح مطلقاً أي إن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والمصاهرة تؤدوا اللائق بكم لأنهم إخوانكم أي في الدين؛ وبذلك قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وأخرج عبد بن حميد عنه المخالطة أن يشرب من لبنك وتشرب من لبنه ويأكل من في قصعتك وتأكل في قصعته ويأكل من تمرتك وتأكل من تمرته ، واختار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بالمخالطة المصاهرة ، وأيد بما نقله الزجاج أنهم كانوا يظلمون اليتامى فيتزوجون منهم العشرة ويأكلون أموالهم فشدد عليهم في أمر اليتامى تشديداً خافوا معه التزوج بهم/ فنزلت هذه الآية فأعلمهم سبحانه أن الإصلاح لهم خير الأشياء وأن مخالطتهم في التزويج مع تحري الإصلاح جائزة وبأن فيه على هذا الوجه تأسيساً إذ المخالطة بالشركة فهمت مما قبل وبأن المصاهرة مخالطة مع اليتيم نفسه بخلاف ما عداها وبأن المناسبة حينئذٍ لقوله تعالى : { فَإِخوَانُكُمْ } ظاهرة لأنها المشروطة بالإسلام فإن اليتيم إذا كان مشركاً يجب تحري الإصلاح في مخالطته فيما عدا المصاهرة وبأنه ينتظم على ذلك النهي الآتي بما قبله كأنه قيل : المخالطة المندوبة إنما هي في اليتامى الذين هم إخوانكم فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك ، ولا يخفى أن ما نقله الزجاج أضعف من الزجاج إذ لم يثبت ذلك في أسباب النزول في كتاب يعول عليه ، والزجاج وأمثاله ليسوا من فرسان هذا الشأن وبأن التأسيس لا ينافي الحث على المخالطة لما أن القوم تجنبوا عنها كل التجنب وأن إطلاق المخالطة أظهر من تخصيصها بخلط نفسه وأن المناسبة والانتظام حاصلان بدخول المصاهرة في مطلق المخالطة .
{ والله يَعْلَمُ المفسد } في أمورهم بالمخالطة { مِنَ المصلح } لها بها فيجازى كلاً حسب فعله أو نيته ففي الآية وعيد ووعدهم ، وقدم المفسد اهتماماً بإدخال الروع عليه وأل في الموضعين للعهد ، وقيل : للاستغراق ويدخل المعهود دخولاً أولياً ، وكلمة { مِنْ } للفضل وضمن ( يعلم ) معنى يميز فلذا عداه بها { وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ } أي لضيق عليكم ولم يجوز لكم مخالطتهم ، أو لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأصل الإعنات الحمل على مشقة لا تطاق ثقلاً ، ويقال : عنت العظم عنتاً إذا أصابه وهن أو كسر بعد جبر ، وحذف مفعول المشيئة لدلالة الجواب عليه ، وفي ذلك إشعار بكمال لطفه سبحانه ورحمته حيث لم يعلق مشيئته بما يشق علينا في اللفظ أيضاً ، وفي الجملة تذكير بإحسانه تعالى على أوصياء اليتامى . (2/214)
{ أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالب على أمره لا يعجزه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتكم { حَكِيمٌ } فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة التي هي أساس التكليف ، وهذه الجملة تذييل وتأكيد لما تقدم من حكم النفي والإثبات أي ولو شاء لأعنتكم لكون غالباً لكنه لم يشأ لكونه حكيماً . وفي الآية كما قال إلكيا دليل لمن جوز خلط مال الولي بمال اليتيم والتصرف فيه بالبيع والشراء ودفعه مضاربة إذا وافق الإصلاح ، وفيها دلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من الاجتهاد وغلبة الظن وفيها دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه ووجه مناسبتها لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر وكان في تركها مراعاة لتنمية المال ناسب ذلك النظر في حال اليتيم فالجامع بين الآيتين أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوالهم أنفسهم ، وفي النظر في أحوال اليتامى إصلاحاً لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه فمن ترك ذلك وفعل هذا فقد جمع بين النفع لنفسه ولغيره .
وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)
{ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } روى الواحدي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من غنى يقال له مرثد بن أبي مرثد حليفاً لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناساً من المسلمين بها أسرى فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فلما أسلم أعرض عنها فأتته فقالت : ويحك يا مرثد ألا تخلو فقال لها : إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا ولكن إن شئت تزوجتك فقالت : نعم فقال : إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنته في ذلك ثم تزوجتك فقالت له : أبي تتبرم؟ ثم استعانت عليه فضربوه ضرباً وجيعاً ثم خلوا سبيله فلما قضى/ حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها فقال : يا رسول الله أيحل أن أتزوجها وفي رواية أنها تعجبني فنزلت» وتعقب ذلك السيوطي بأن هذا ليس سبباً لنزول هذه الآية وإنما هو سبب في نزول آية النور ( 3 ) { الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } وروى السدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما هي يا عبد الله؟ فقال : هي يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله فقال : يا عبد الله هي مؤمنة قال عبد الله : فوالذي بعثك بالحق نبياً لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا : أنكح أمة وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم فأنزل الله تعالى : { وَلاَ تَنْكِحُواْ } الآية " وقرىء بفتح التاء وبضمها وهو المروي عن الأعمش أي لا تتزوجوهن أو لا تزوجوهن من المسلمين وحمل كثير من أهل العلم المشركات على ما عدا الكتابيات فيجوز نكاح الكتابيات عنده لقوله تعالى : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } [ البينة : 1 ] و { مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين } [ البقرة : 5 10 ] والعطف يقتضي المغايرة؛ وأخرج ابن حميد عن قتادة المراد بالمشركات مشركات العرب التي ليس لهن كتاب ، وعن حماد قال : سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية . فقال : لا بأس به فقلت : أليس الله تعالى يقول : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات } ؟ فقال : إنما ذلك المجوسيات وأهل الأوثان ، وذهب البعض إلى أنها تعم الكتابيات قيل : لأن من جحد نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام فقد أنكر معجزته وأضافها إلى غيره تعالى وهذا هو الشرك بعينه ولأن الشرك وقع في مقابلة الإيمان فيما بعد ولأنه تعالى أطلق الشرك على أهل الكتاب لقوله : (2/215)
{ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } إلى قوله سبحانه : { عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 0 3 ، 1 3 ] وأخرج البخاري والنحاس في «ناسخه» عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله تعالى المشركات على المسلمين ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله تعالى ، وإلى هذا ذهب الإمامية وبعض الزيدية ، وجعلوا آية المائدة ( 5 ) { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } منسوخة بهذه الآية نسخ الخاص بالعام وتلك وإن تأخرت تلاوة مقدمة نزولاً والإطباق على أن سورة المائدة لم ينسخ منها شيء ممنوع ففي «الإتقان» ومن المائدة ( 2 ) قوله تعالى : { وَلاَ الشهر الحرام } منسوخ بإباحة القتال فيه وقوله تعالى : { فَإِن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } [ المائدة : 24 ] منسوخ بقوله سبحانه : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } [ المائدة : 94 ] وقوله تعالى : { ءاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } [ المائدة : 6 10 ] منسوخ بقوله عز شأنه : { وَأَشْهِدُواْ * ذَوِى * عَدْلٍ مّنْكُمْ } [ الطلاق : 2 ] والمشهور الذي عليه العمل أن هذه الآية قد نسخت بما في المائدة على ما يقتضيه الظاهر ، فقد أخرج أبو داود في «ناسخه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات } نسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب أحلهن للمسلمين وحرم المسلمات على رجالهم ، وعن الحسن ومجاهد مثل ذلك وهو الذي ذهب إليه الحنفية والشافعية يقولون بالتخصيص دون النسخ ، ومبنى الخلاف أن قصر العام بكلام مستقل تخصيص عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ونسخ عندنا . (2/216)
{ وَلامَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } تعليل للنهي وترغيب في مواصلة المؤمنات صدر بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار ، وأصل أمة أمو حذفت لامها على غير قياس وعوض عنها هاء التأنيث ويدل على أن لامها واو رجوعها في الجمع كقوله :
أما الإماء فلا يدعونني ولدا ... إذا تداعى بنو الأموان بالعار
وظهورها في المصدر يقال : هي أمة بينة الأموّة وأقرّت له بالأموّة ، وهل وزنها فعلة بسكون العين أو فعلة بفتحها ؟ قولان اختار الأكثرون ثانيهما ، وتجمع على آم وهو في الاستعمال دون إماء وأصله أأمو بهمزتين الأولى : مفتوحة زائدة ، والثانية : ساكنة هي فاء الكلمة ، فوقعت الواو طرفاً مضموماً ما قبلها في اسم معرب ولا نظير له فقلبت ياءاً والضمة قبلها كسرة لتصح الياء فصار الاسم من قبيل غاز وقاض ثم قلبت الهمزة الثانية ألفاً لسكونها بعد همزة أخرى مفتوحة فصارا آم وإعرابه كقاض ، والظاهر أن المراد بالأمة ما تقابل الحرة ، وسبب النزول يؤيد ذلك لأنه العيب على من تزوّج الأمة والترغيب في نكاح حرّة مشركة ، ففي الآية تفضيل الأمة المؤمنة على المشركة مطلقاً ولو حرّة ويعلم منه تفضيل الحرّة عليها بالطريق الأولى ، ثم إنّ التفضيل يقتضي أنّ في الشركة خيراً ، فإما أن يراد بالخير الانتفاع الدنيوي وهو مشترك بينهما ، أو يكون على حد
{ أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } [ الفرقان : 4 2 ] وقيل : المراد بالأمة المرأة حرّة كانت أو مملوكة فإن الناس كلهم عبيد الله تعالى وإماؤه ، ولا تحمل على الرقيقة لأنه لا بدّ من تقدير الموصوف في ( مشركة ) فإنّ قدر ( أمة ) بقرينة السياق لم يفد خيرية الأمة المؤمنة على الحرّة المشركة ، وإن قدر حرّة أو امرأة كان خلاف الظاهر ، والمذكور في سبب النزول التزوّج بالأمة بعد عتقها . والأمة بعد العتق حرّة . ولا يطلق عليها أمة إلا باعتبار مجاز الكون . والحق أن الأمة بمعنى الرقيقة كما هو المتبادر ، وأن الموصوف المقدر ل ( مشركة ) عام . وكونه خلاف الظاهر خلاف الظاهر . وعلى تقدير التسليم هو مشترك الإلزام ، ولعل ارتكاب ذلك آخراً أهون من ارتكابه أوّل وهلة إذ هو من قبيل نزع الخف قبل الوصول إلى الماء وما في سبب النزول مؤيد لا دليل عليه وقد قيل فيه : إنّ عبد الله نكح أمة إن حقاً وإن كذباً فالمعنى : ولأمة مؤمنة مع ما فيها من خساسة الرق وقلة الخطر خير مما اتصفت بالشرك مع ما لها من شرف الحرّية ورفعة الشأن . (2/217)
{ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } لجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها ، أخرج سعيد بن منصور وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنكحوا النساء لحسنهن ، فعسى حسنهنّ أن يرديهن ، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهنّ أن تطغيهن ، وانكحوهنّ على الدين فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل " وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " والواو للحال ولو لمجرّد الفرض مجرّدة عن معنى الشرط ولذا لا تحتاج إلى الجزاء والتقدير مفروضاً إعجابها لكن بالحسن ونحوه ، وقال الجرمي : الواو للعطف على مقدّر أي لم تعجبكم ولو أعجبتكم وجواب الشرط محذوف دل عليه الجملة السابقة ، وقال الرضي : إنها اعتراضية تقع في وسط الكلام وآخره ، وعلى التقادير إثبات الحكم في نقيض الشرط بطريق الأولى ليثبت في جميع التقادير ، واستدل بعضهم بالآية على جواز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود طول الحرّة ، واعترضه الكيا بأنه ليس في الآية نكاح الإماء وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرّة المشركة لأنّ العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة فقيل لهم : إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى وفيه تأمّل وفي «البحر» أن مفهوم الصفة يقتضي أن لا يجوز نكاح الأمة الكافرة/ كتابية أو غيرها؛ وأمّا وطؤها بملك اليمين فيجوز مطلقاً .
{ وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ } أي لا تزوّجوا الكفار من المؤمنات سواء كان الكافر كتابياً أو غيره وسواء كانت المؤمنة أمة أو حرّة ، ف { تَنكِحُواْ } بضم التاء لا غير ، ولا يمكن الفتح وإلا لوجب ولا ينكحن المشركين ، واستدل بها على اعتبار الولي في النكاح مطلقاً وهو خلاف مذهبنا ، وفي دلالة الآية على ذلك خفاء لأنّ المراد النهي عن إيقاع هذا الفعل والتمكين منه ، وكل المسلمين أولياء في ذلك . (2/218)
{ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ } مع ما فيه من ذل المملوكية . { خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } مع ما ينسب إليه من عز المالكية { وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } بما فيه من دواعي الرغبة { أولئك } أي المذكورون من المشركين والمشركات { يَدْعُونَ إِلَى النار } أي الكفر المؤدي إليها إما بالقول أو بالمحبة والمخالطة فلا تليق مناكحتهم ، فإن قيل : كما أن الكفار يدعون المؤمنين إلى النار كذلك المؤمنون يدعونهم إلى الجنة بأحد الأمرين ، أجيب بأنّ المقصود من الآية أنّ المؤمن يجب أن يكون حذراً عما يضره في الآخرة وأن لا يحوم حول حمى ذلك ويجتنب عما فيه الاحتمال مع أن النفس والشيطان يعاونان على ما يؤدّي إلى النار ، وقد ألفت الطباع في الجاهلية ذلك قاله بعض المحققين والجملة الخ معللة لخيرية المؤمنين والمؤمنات من المشركين والمشركات { والله يَدْعُو } بواسطة المؤمنين من يقاربهم { إِلَى الجنة والمغفرة } أي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح الموصلين إليهما وتقديم الجنة على المغفرة مع قولهم : التخلية أولى بالتقديم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءاً { بِإِذْنِهِ } متعلق ب { يَدْعُو } أي : يدعو إلى ذلك متلبساً بتوفيقه الذي من جملته إرشاد المؤمنين لمقاربيهم إلى الخير فهم أحقاء بالمواصلة .
{ وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لكي يتعظوا أو يستحضروا معلوماتهم بناءاً على أنّ معرفة الله تعالى مركوزة في العقول ، والجملة تذييل للنصح والإرشاد ، والواو اعتراضية أو عاطفة ، وفصلت الآية السابقة ب { يَتَفَكَّرُونَ } [ البقرة : 9 21 ] لأنها كانت لبيان الأحكام والمصالح والمنافع والرغبة فيها التي هي محل تصرف العقل والتبيين للمؤمنين فناسب التفكر ، وهذه الآية ب { يَتَذَكَّرُونَ } لأنها تذييل للإخبار بالدعوة إلى الجنة والنار التي لا سبيل إلى معرفتها إلا النقل والتبيين لجميع الناس فناسب التذكر .
ومن الناس من قدّر في الآية مضافاً أي فريق الله أو أولياؤه وهم المؤمنون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تشريفاً لهم ، واعترض بأن الضمير في المعطوف على الخبر لله تعالى فيلزم التفكيك مع عدم الداعي لذلك ، وأجيب بأن الداعي كون هذه الجملة معللة للخيرية السابقة ولا يظهر التعليل بدون التقدير ، وكذا لا تظهر الملائمة لقوله سبحانه : { بِإِذْنِهِ } بدون ذلك فإن تقييد دعوته تعالى ( بإذنه ) ليس فيه حينئذ كثير فائدة بأي تفسير فسر الإذن وأمر التفكيك سهل لأنه بعد إقامة المضاف إليه مقام المضاف للتشريف بجعل فعل الأوّل فعلا للثاني صورة فتتناسب الضمائر كما في «الكشف» ولا يخفى ما فيه وعلى العلات هو أولى مما قيل : إن المراد : والله يدعو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتجب إجابته بتزويج أوليائه لأنه وإن كان مستدعياً لاتحاد المرجع في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبراً ، لكن يفوت التعليل وحسن المقابلة بينه وبين { أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار } وكذا لطافة التقييد كما لا يخفى . (2/219)
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أنس رضي الله تعالى عنهم «أن اليهود كانوا إذا/ حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فأنزل الله هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم : " جامعوهنّ في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح " وعن السدى إن الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح رضي الله تعالى عنه والجملة معطوفة على ما تقدم من مثلها ، ووجه مناسبتها له أنه لما نهى عن مناكحة الكفار ورغب في مناكحة أهل الإيمان بين حكماً عظيماً من أحكام النكاح ، وهو حكم النكاح في الحيض ، ولعل حكاية هذه الأسئلة الثلاثة بالعطف لوقوع الكل في وقت واحد عرفي ، وهو وقت السؤال عن الخمر والميسر فكأنه قيل : يجمعون لكل بين السؤال عنهما والسؤال عن كذا وكذا؛ وحكاية ما عداها بغير عطف لكونها كانت في أوقات متفرقة فكان كل واحد سؤالاً مبتدأ؛ ولم يقصد الجمع بينهما بل الأخبار عن كل واحد على حدة ، فلهذا لم يورد الواو بينها ، وقال صاحب «الانتصاف» في بيان العطف والترك : إن أول المعطوفات عين الأول من المجردة ، ولكن وقع جوابه أولاً بالمصرف لأنه الأهم ، وإن كان المسؤول عنه إنما هو المنفق لا جهة مصرفه ثم لما لم يكن في الجواب الأول تصريح بالمسؤول عنه أعيد السؤال ليجابوا عن المسؤول عنه صريحاً ، وهو العفو الفاضل فتعين إذاً عطفه ليرتبط بالأوّل ، وأما السؤال الثاني من المقرونة فقد وقع عن أحوال اليتامى ، وهل يجوز مخالطتهم في النفقة والسكنى فكان له مناسبة مع النفقة باعتبار أنهم إذا خالطوهم أنفقوا عليهم فلذا عطف على سؤال الانفاق ، وأما السؤال الثالث فلما كان مشتملاً على اعتزال الحيض ناسب عطفه على ما قبله لما فيه من بيان ما كانوا يفعلونه من اعتزال اليتامى ، وإذا اعتبرت الأسئلة المجردة من الواو لم تجد بينها مداناة ولا مناسبة ألبتة إذ الأول منها عن النفقة والثاني عن القتال في الشهر الحرام ، والثالث عن الخمر والميسر وبينها من التباين . والتقاطع ما لا يخفى فذكرت كذلك مرسلة متقاطعة غير مربوطة بعضها ببعض ، وهذا من بدائع البيان الذي لا تجده إلا في الكتاب العزيز ا ه . ولا أرى القلب يطمئن به كما لا يخفى على من أحاط خبراً بما ذكرناه فتدبر ، والمحيض كما قال الزجاج وعليه الكثير مصدر حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاضاً فهو كالمجيء والمبيت وأصله السيلان يقال : حاض السيل وفاض قال الأزهري : ومنه قيل : للحوض حوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل ، والعرب تدخل الواو على الياء لأنهما من جنس واحد ، وقيل : إنه هنا اسم مكان ، ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . (2/220)
وحكى الواحدي عن ابن السكيت أنه إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة نحو كال يكيل ، وحاض يحيض فاسم المكان منه مكسور ، والمصدر منه مفتوح ، وحكى غيره عن غيره التخيير في مثله بل قيل : إن الكسر والفتح جائزان في اسم الزمان والمكان والمصدر وعلى ما نسب للترجمان ، واختاره الإمام يحتاج إلى الحذف في قوله تعالى : { قُلْ هُوَ أَذًى } أي موضع أذى وكذا يحتاج إلى اعتبار الزمان في قوله سبحانه : { فاعتزلوا النساء فِي المحيض } لركاكة قولنا : فاعتزلوا في موضع الحيض ، وإن اختاره الإمام وقال : إن المعنى اعتزلوا مواضع الحيض ، والأذى مصدر من أذاه يؤذيه إذاً وإذاءاً ، ولا يقال في المشهور إيذاء وحمله على المحيض للمبالغة ، والمعنى المقصود منه المستقذر وبه فسره قتادة ، واستعمل فيه بطريق الكناية ، والمراد من اعتزال النساء اجتناب مجامعتهن كما يفهمه آخر الآية ، وإنما أسند الفعل إلى الذات للمبالغة كما في قوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } [ النساء : 3 2 ] ووضع الظاهر موضع المضمر لكمال العناية بشأنه بحيث لا يتوهم غيره أصلاً ، وقد يقال لا وضع ، وحديث الإعادة أغلبي بل يعتبر ما أشرنا إلى اعتباره فيما أشرنا/ إلى عدم اعتباره لضعف النسبة ، وقوة الداعي إلى التقدير وعدمه أولى ، وإنما وصف بأنه أذى ورتب الحكم عليه بالفاء ولم يكتف في الجواب بالأمر للاشعار بأنه العلة والحكم المعلل أوقع في النفس . (2/221)
{ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ } تقرير للحكم السابق لأن الأمر بالاعتزال يلزمه النهي عن القربان وبالعكس فيكون كل منهما مقرراً وإن تغايرا بالمفهوم فلذا عطف أحدهما على الآخر؛ وفيه بيان لغايته فإن تقييد الاعتزال بقوله سبحانه وتعالى : { فِي المحيض } وتربته على كونه أذى يفيد تخصيص الحرمة بذلك الوقت ، ويفهم منه عقلاً انقطاعها بعده ، ولا يدل عليه اللفظ صريحاً بخلاف { حتى يَطْهُرْنَ } والغاية انقطاع الدم عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فإن كان الانقطاع لأكثر مدة الحيض حل القربان بمجرد الإنقطاع ، وإن كان لأقل منها لم يحل إلا بالاغتسال أو ما هو في حكمه من مضي وقت صلاة ، وعند الشافعية هي الاغتسال بعد الانقطاع قالوا : ويدل عليه صريحاً قراءَة حمزة . والكسائي وعاصم في رواية ابن عياش { يَطْهُرْنَ } بالتشديد أي : يتطهرن والمراد به يغتسلن لا لأن الاغتسال معنى حقيقي للتطهير كما يوهمه بعض عباراتهم لأنّ استعماله فيما عدا الاغتسال شائع في الكلام المجيد والأحاديث على ما لا يخفى على المتتبع بل لأن صيغة المبالغة يستفاد منها الطهارة الكاملة ، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال فلما دلت قراءة التشديد على أن غاية حرمة القربان هو الاغتسال والأصل في القراءات التوافق حملت قراءة التخفيف عليها بل قد يدعى أن الطهر يدل على الاغتسال أيضاً بحسب اللغة ففي «القاموس» «طهرت المرأة انقطع دمها واغتسلت من الحيض كتطهرت» .
وأيضاً قوله تعالى : (2/222)
{ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } يدل التزاما على أن الغاية هي الاغتسال لأنه يقتضي تأخر جواز الاتيان عن الغسل فهو يقوي كون المراد بقراءة التخفيف الغسل لا الانقطاع وربما يكون قرينة على التجوز في الطهر بحمله على الاغتسال إن لم يسلم ما تقدم وعلى فرض عدم تسليم هذا وذاك والرجوع إلى القول بأن قراءة التخفيف من الطهر وهو حقيقة في انقطاع الدم لا غير ولا تجوز ولا قرينة ، وقراءة التشديد من التطهر ، ويستفاد منه الاغتسال يقال أيضاً في وجه الجمع كما في «الكشف» : إن القراءة بالتشديد لبيان الغاية الكاملة والتخفيف لبيان الناقصة ، وحتى في الأفعال نظير إلى في أنه لا يقتضي دخول ما بعدها فتكون الكاملة ألبتة ، وبيانه أن الغاية الكاملة ما يكون غاية بجميع أجزائه وهي الخارجة عن المغيا ، والناقصة ما تكون غاية باعتبار آخرها وحتى الداخلة على الأسماء تقتضي دخول ما بعدها لولا الغاية والداخلة على الأفعال مثل إلى لا تقتضي كون ما بعدها جزءاً لما قبلها فانقطاع الدم غاية للحرمة باعتبار آخره فيكون وقت الانقطاع داخلاً فيها والاغتسال غاية لها باعتبار أوله فلا تعارض بين القراءتين ، ولعل فائدة بيان الغايتين بيان مراتب حرمة القربان فإنها أشد قبل الانقطاع مما بعده ، ولما رأى ساداتنا الحنفية أن ههنا قراءتين التخفيف والتشديد وأن مؤدي الأولى انتهاء الحرمة العارضة على الحل بانقطاع الدم مطلقاً فإذا انتهت الحرمة العارضة حلت بالضرورة وإن مؤدي الثانية عدم انتهائها عنده بل بعد الاغتسال ، ورأوا أن الطهر إذا نسب إلى المرأة لا يدل على الاغتسال لغة بل معناه فيها انقطاع الدم وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد ، وفي «تاج البيهقي» طهرت خلاف طمثت ، وفي «شمس العلوم» امرأة طاهر بغير هاء انقطع دمها وفي «الأساس» : «امرأة طاهر ونساء طواهر ( طهرن من الحيض ) » ، ولا يعارض ذلك ما في «القاموس» لجواز أن يكون بياناً للاستعمال ولو مجازاً على ما هو طريقته في كثير من الألفاظ وأن الحمل على الاغتسال مجازاً من غير قرينة معينة له مما لا يصح واعتبار { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } قرينة بناءاً على ما ذكروا ليس بشيء وما ذكروه في وجه/ الدلالة من الاقتضاء فيه بحث لأن الفاء الداخلة على الجملة التي لا تصلح أن تكون شرطاً كالجملة الإنشائية لمجرد الربط كما نص عليه ابن هشام في «المغني» ومثل له بقوله تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى }
[ آل عمران : 13 ] ولو سلم فاللازم تأخر جواز الاتيان عن الغسل في الجملة لا مطلقاً حتى يكون قرينة على أن المراد بقراءة التخفيف أيضاً الغسل وأن القول بأن إحدى الغايتين داخلة في الحكم والأخرى خارجة خلاف المتبادر احتاجوا للجمع بجعل كل منهما آية مستقلة فحملوا الأولى على الانقطاع بأكثر المدة ، والثانية لتمام العادة التي ليست أكثر مدة الحيض كما حمل إبراهيم النخعي قراءة النصب والجرّ في { أَرْجُلِكُمْ } [ المائدة : 6 ] على حالة التخفيف وعدمه وهو المناسب لأن في توقف قربانها في الانقطاع للأكثر على الغسل إنزالها حائضاً حكماً وهو مناف لحكم الشرع لوجوب الصلاة عليها المستلزم لإنزاله إياها طاهراً حكماً بخلاف تمام العدة فإن الشرع لم يقطع عليها بالطهر بل يجوز الحيض بعده ، ولذا لو زادت ولم يجاوز العشرة كان الكل حيضاً بالاتفاق بقي أن مقتضى الثانية ثبوت الحرمة قبل الغسل فرفع الحرمة قبله بمضي أول وقت الصلاة أعني أدناه الواقع آخراً ، واعتبار الغسل حكماً على ما قالوا معارضة النص بالمعنى ، والجواب أن القراءة الثانية خص منها صورة الانقطاع للعشرة بقراءة التخفيف فجاز أن يخص ثانياً بالمعنى كما قاله بعض المحققين ولا يخفى ما في مذهب الإمام من التيسير ، والاحتياط لا يخفى ، وحكي عن الأوزاعي أن حل الاتيان موقوف على التطهر وفسره بغسل موضع الحيض وقد يقال لتنقية المحل تطهير ، فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها : «أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها قبل أن تغتسل قالت : خذي فرصة من مسك فتطهري بها قال : كيف أتطهر بها؟ قال : تطهري بها قالت : كيف؟ قال : سبحان الله تطهري بهافاجتذبتها فقلت : تتبعي بها أثر الدم» وذهب طاوس ومجاهد في رواية عنه أن غسل الموضع مع الوضوء كاف في حل الاتيان وإليه ذهب الإمامية ولا يخفى أنه ليس شيء من ذلك طهارة كاملة للنساء وإنما هي طهارة كاملة لاعضائهن وهو خلاف المتبادر في الآية وإنما المتبادر هو الأول وما في الحديث وإن كان أمراً بالتطهر لتلك المرأة لكن المراد بذلك المبالغة في تطهير الموضع إلا أنه لأمر ما لم يصرح به صلى الله عليه وسلم وإطلاق التطهير على تنقية المحل مما لا ننكره وإنما ننكر إطلاق ( يطهرن ) على من طهرن مواضع حيضهن ودون إثباته حيض الرجال . واستدل بالآية على أنه لا يحرم الاستمتاع بالحائض بما بين السرة والركبة وإنما يحرم الوطء ، وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه ابن جرير ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت : كل شيء إلا الجماع؛ وذهب جماعة إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة استدلالاً بما أخرجه مالك عن زيد بن أسلم (2/223)
" أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال له صلى الله عليه وسلم : لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها " وكأنه من باب سد الذرائع في الجملة ، ولهذا ورد فيما أخرجه الإمام أحمد ، والتعفف عن ذلك أفضل والأمر في الآية للإباحة على حد { إِذَا * حَلَلْتُمْ فاصطادوا } [ المائدة : 2 ] ففيها إباحة الاتيان لكنه مقيد بقوله سبحانه : (2/224)
{ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } أي من المكان الذي أمركم الله تعالى بتجنبه لعارض الأذى وهو الفرج ولا تعدوا غيره قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع وقال الزجاج : معناه من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة ولا تقربوهن من حيث لا يحل كما إذا كن صائمات أو محرمات أو معتكفات وأيد بأنه لو أراد الفرج لكانت/ في أظهر فيه من من لأن الاتيان بمعنى الجماع يتعدى بها غالباً لا بمن ، ولعله في حيز المنع عند أهل القول لأول .
{ إِنَّ الله يُحِبُّ التوبين } مما عسى يندر منهم من ارتكاب بعض الذنوب كالإتيان في الحيض المورث للجذام في الولد كما ورد في الخبر ، والمستدعي عقاب الله تعالى فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى حائضاً فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " وهو جار مجرى الترهيب فلا يعارض ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أصبت امرأتي وهي حائض فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق نسمة» وقيمة النسمة حينئذ دينار ، وهذا إذا كان الاتيان في أول الحيض والدم أحمر أما إذا كان في آخره والدم أصفر فينبغي أن يتصدق بنصف دينار كما دلت عليه الآثار { وَيُحِبُّ المتطهرين } أي المتنزهين عن الفواحس والأقذار كمجامعة الحائض والاتيان لا من حيث أمر الله تعالى وحمل التطهر على التنزه هو الذي تقتضيه البلاغة وهو مجاز على ما في «الأساس» و «شمس العلوم» ، وعن عطاء حمله على التطهر بالماء والجملتان تذييل مستقل لما تقدم .
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } أخرج البخاري وجماعة عن جابر قال : «كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد أحول فنزلت» والحرث إلقاء البذر في الأرض وهو غير الزرع لأنه إنباته يرشدك إلى ذلك قوله تعالى : { أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزرعون * لَوْ } [ الواقعة : 3 6 4 6 ] قال الجوهري : الحرث الزرع والحارث الزارع وعلى كل تقدير هو خبر عما قبله إما بحذف المضاف أي مواضع حرث ، أو التجوز والتشبيه البليغ أي كمواضع ذلك وتشبيههن بتلك المواضع متفرع على تشبيه النطف بالبذور من حيث إن كلا منهما مادة لما يحصل منه ولا يحسن بدونه فهو تشبيه يكنى به عن تشبيه آخر . (2/225)
{ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } أي ما هو كالحرث ففيه استعارة تصريحية ويحتمل أن يبقى الحرث على حقيقته والكلام تمثيل شبه حال إتيانهم النساء في المأتى بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهة دون جهة ثم أطلق لفظ المشبه به على المشبه ، والأول أظهر وأوفق لتفريع حكم الاتيان على تشبيههن بالحرث تشبيهاً بليغاً ، وهذه الجملة مبينة لقوله تعالى : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } [ البقرة : 222 ] لما فيه من الإجمال من حيث المتعلق ، والفاء جزائية ، وما قبلها علة لما بعدها ، وقدم عليه اهتماماً بشأن العلة وليحصل الحكم معللا فيكون أوقع ، ويحتمل أن يكون المجموع كالبيان لما تقدم ، والفاء للعطف وعطف الإنشاء على الأخبار جائز بعاطف سوى الواو { إِنّى * شِئْتُمْ } قال قتادة والربيع : من أين شئتم وقال مجاهد : كيف شئتم ، وقال الضحاك : متى شئتم ، ومجيء { إِنّى } بمعنى أين وكيف ومتى مما أثبته الجم الغفير ، وتلزمها على الأول من ظاهرة أو مقدرة ، وهي شرطية حذف جوابها لدلالة الجملة السابقة عليه ، واختار بعض المحققين كونها بمعنى من أين أي من أي جهة ليدخل فيه بيان النزول ، والقول بأن الآية حينئذ تكون دليلاً على جواز الاتيان من الأدبار ناشىء من عدم التدبر في أن من لازمة إذ ذاك فيصير المعنى من أي مكان لا في أي مكان فيجوز أن يكون المستفاد حينئذ تعميم الجهات من القدام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال لا تعميم مواضع الاتيان فلا دليل في الآية لمن جوز إتيان المرأة في دبرها كابن عمر ، والأخبار عنه في ذلك صحيحة مشهورة ، والروايات عنه بخلافها على خلافها ، وكابن أبي مليكة وعبد الله بن القاسم حتى قال فيما أخرجه الطحاوي عنه : ما أدركت أحداً اقتدى به في ديني يشك في أنه حلال ، وكمالك بن أنس حتى أخرج الخطيب عن أبي سلمان الجوزجاني أنه سأله عن ذلك فقال له : / الساعة غسلت رأس ذكري منه ، وكبعض الإمامية لا كلهم كما يظنه بعض الناس ممن لا خبرة له بمذهبهم ، وكسحنون من المالكية ، والباقي من أصحاب مالك ينكرون رواية الحل عنه ولا يقولون به ، ويا ليت شعري كيف يستدل بالآية على الجواز مع ما ذكرناه فيها ، ومع قيام الاحتمال كيف ينتهض الاستدلال لا سيما وقد تقدم قبل وجوب الاعتزال في المحيض وعلل بأنه أذى مستقذر تنفر الطباع السليمة عنه ، وهو يقتضي وجوب الاعتزال عن الاتيان في الأدبار لاشتراك العلة ، ولا يقاس ما في المحاش من الفضلة بدم الاستحاضة ومن قاس فقد أخطأت إسته الحفرة لظهور الاستقذار .
والنفرة مما في المحاش دون دم الاستحاضة ، وهو دم انفجار العرق كدم الجرح؛ وعلى فرض تسليم أن { إِنّى } تدل على تعميم مواضع الاتيان كما هو الشائع يجاب بأن التقييد بمواضع الحرث يدفع ذلك فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : بينا أنا ومجاهد جالسان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذ أتاه رجل فقال : ألا تشفيني من آية المحيض قال : بلى فقرأ { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } إلى { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } [ البقرة : 222 ] فقال ابن عباس : من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي فقال : كيف بالآية { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ * إِنّى * شِئْتُمْ } ؟ فقال : ويحك ، وفي الدبر من حرث لو كان ما تقول حقاً لكان المحيض منسوخاً إذا شغل من ههنا جئت من ههنا ولكن أنى شئتم من الليل والنهار ، وما قيل : من أنه لو كان في الآية تعين الفرج لكونه موضع الحرث للزم تحريم الوطء بين الساقين وفي الاعكان لأنها ليست موضع حرث كالمحاش ، مدفوع بأن الأمناء فيها عدا الضمامين لا يعد في العرف جماعاً ووطئاً والله تعالى قد حرم الوطء والجماع في غير موضع الحرث لا الاستمناء فحرمة الاستمناء بين الساقين وفي الأعكان لم تعلم من الآية إلا أن يعد ذلك إيتاءاً وجماعاً وأنى به ، ولا أظنك في مرية من هذا وبه يعلم ما في مناظرة الإمام الشافعي والإمام محمد بن الحسن ، فقد أخرج الحاكم عن ( ابن ) عبد الحكم أن الشافعي ناظر محمداً في هذه المسألة فاحتج عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج فقال له أفيكون ما سوى الفرج محرماً فالتزمه؟ فقال أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في في أعكانها أو في ذلك حرث؟ قال : لا قال : أفيحرم؟ قال : لا قال : فكيف تحتج بما لا تقول به ، وكأنه من هنا قال الشافعي فيما حكاه عنه الطحاوي . والحاكم . والخطيب لما سئل عن ذلك : ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال وهذا خلاف ما نعرف من مذهب الشافعي فإن رواية التحريم عنه مشهورة فلعله كان يقول ذلك في القديم ورجع عنه في الجديد لما صح عنده من الأخبار أو ظهر له من الآية . (2/226)
{ وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ } ما يصلح للتقديم من العمل الصالح ومنه التسمية عند الجماع وطلب الولد المؤمن ، فقد أخرج الشيخان . وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً » وصح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له » وعن عطاء تخصيص المفعول بالتسمية . وعن مجاهد بالدعاء عند الجماع ، وعن بعضهم بطلب الولد وعن آخرين بتزوج العفائف والتعميم أولى { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه . { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } بالبعث فيجازيكم بأعمالكم فتزودوا ما ينفعكم؛ والضمير المجرور راجع إلى الله تعالى بحذف مضاف أو بدونه ورجوعه إلى ما قدمتم أو إلى الجزاء المفهوم منه بعيد والأوامر معطوفة على قوله تعالى : { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } وفائدتها الإرشاد العام بعد الإرشاد الخاص وكون الجملة السابقة مبينة لا يقتضي أن يكون/ المعطوف عليها كذلك { وَبَشّرِ المؤمنين } الذين تقلوا ما خوطبوا به بالقبول والامتثال بما لا تحيط به عبارة من الكرامة والنعيم ، وحمل بعضهم المؤمنين على الكاملين في الإيمان بناءاً على أن الخطابات السابقة كانت للمؤمنين مطلقاً فلو كانت هذه البشارة لهم كان مقتضى الظاهر وبشرهم فلما وضع المظهر موضع المضمر علم أن المراد غير السابقين وهم المؤمنون الكاملون ولا يخفى أنه يجوز أن يكون العدول إلى الظاهر للدلالة على العلية ولكونه فاصلة فلا يتم ما ذكره والواو للعطف ، { وَبَشّرِ } عطف على { قُلْ } [ البقرة : 222 ] المذكور سابقاً أو على ( قل ) مقدرة قبل قدموا وهي معطوفة على مذكورة ومن باب الإشارة : { يَسْأَلُونَكَ } عن خمر الهوى وحب الدنيا وميسر احتيال النفس بواسطة قداحها التي هي حواسها العشرة المودعة في ربابة البدن لنيل شيء من جزور اللذات والشهوات { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ } الحجاب والبعد عن الحضرة { ومنافع لِلنَّاسِ } في باب المعاش وتحصيل اللذة النفسانية والفرح بالذهول عن المعايب والخطرات المشوشة والهموم المكدرة { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } لأن فوات الوصال في حضائر الجمال لا يقابله شيء ، ولا يقوم مقامه وصال سعدي ولامي ولفرق عند الأبرار بين السكر من المدير والسكر من المدار : (2/227)
وأسكر القوم ورود كأس ... وكان سكرى من المدير
وهذا هو السكر الحلال لكنه فوق عالم التكليف ووراء هذا العالم الكثيف وهو سكر أرواح لا أشباح وسكر رضوان لا حميا دنان : (2/228)
وما مل ساقيها ولا مل شارب ... عقار لحاظ كأسها يسكر اللبا
{ وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } وهو ما سوى الحق من الكونين { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } المنزلة من سماء الأرواح { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } [ البقرة : 9 21 ] { فِى الدنيا والاخرة } [ البقرة : 0 22 ] وتقطعون بواديهما بأجنحة السير والسلوك إلى ملك الملوك { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } وهو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية { قُلْ هُوَ أَذًى } تنفر القلوب الصافية عنه { فاعتزلوا } بقلوبكم نساء النفوس في محيض غلبات الهوى { حتى يَطْهُرْنَ } ويفرغن من قضاء الحوائج الضرورية { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } بماء الإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } أي عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها { إِنَّ الله يُحِبُّ التوبين } عن أوصاف الوجود { وَيُحِبُّ المتطهرين } [ البقرة : 222 ] بنور المعرفة عن غبار الكائنات ، أو يحب التوابين من سؤالاتهم ويحب المتطهرين من إراداتهم نساؤكم وهي النفوس التي غدت لباساً لكم وغدوتم لباساً لهن موضع حرثكم للآخرة { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } متى شئتم الحراثة لمعادكم { وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ } ما ينفعها ويكمل نشأتها { واتقوا الله } من النظر إلى ما سواه { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } بالفناء فيه إذا اتقيتم { وَبَشّرِ المؤمنين } بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)
{ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم } أخرج ابن جرير عن ابن جريج أنها نزلت في الصديق رضي الله تعالى عنه لما حلف أن لا ينفق على مسطح بن خالته وكان من الفقراء المهاجرين لما وقع في إفك عائشة رضي الله تعالى عنها ، وقال الكلبي : نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف على ختنه بشير بن النعمان أن لا يدخل عليه أبداً ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين امرأته بعد أن كان قد طلقها وأراد الرجوع إليها والصلح معها ، والعرضة فعلة بمعنى المفعول كالقبضة والغرفة وهي هنا من عرض الشيء من باب نصر أو ضرب جعله معترضاً أو من عرضه للبيع عرضاً من باب ضرب إذا قدمه لذلك ، ونصبه/ له والمعنى على الأول لا تجعلوا الله حاجزاً لما حلفتم عليه وتركتموه من أنواع الخير فيكون المراد بالأيمان الأمور المحلوف عليها وعبر عنها بالأيمان لتعلقها بها أو لأن اليمين بمعنى الحلف تقول حلفت يميناً كما تقول حلفت حلفاً فسمي المفعول بالمصدر كما في قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم وغيره : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير » ، وقيل : ( على ) في الحديث زائدة لتضمن معنى الاستعلاء . (2/229)
وقوله تعالى { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس } عطف بيان ( لأيمانكم ) وهو غير الاعلام كثير وفيها أكثر ، وقيل : بدل وضعف بأن المبدل منه لا يكون مقصوداً بالنسبة بل تمهيد وتوطئة للبدل وههنا ليس واللام صلة عرضة ، وفيها معنى الاعتراض أو بتجعلوا والأول أولى وإن كان المآل واحداً ، وجوز أن تكون الأيمان على حقيقتها واللام للتعليل و ( أن تبروا ) في تقدير لأن ويكون صلة للفعل أو لعرضة ، والمعنى : لا تجعلوا الله تعالى حاجزاً لأجل حلفكم به عن البر والتقوى والاصلاح ، وعلى الثاني ولا تجعلوا الله نصباً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به في كل حق وباطل لأن في ذلك نوع جرأة على الله تعالى وهو التفسير المأثور عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وبه قال الجبائي وأبو مسلم وروته الإمامية عن الأئمة الطاهرين ، ويكون ( أن تبروا ) علة للنهي على معنى أنهيكم عنه طلب بركم وتقواكم وإصلاحكم إذ الحلاف مجترىء على الله تعالى والمجترىء عليه بمعزل عن الاتصاف بتلك الصفات ويؤول إلى لا تكثروا الحلف بالله تعالى لتكونوا بارين متقين ويعتمد عليكم الناس فتصلحوا بينهم ، وتقدير الطلب ونحوه لازم إن كان { أَن تَبَرُّواْ } في موضع النصب ليتحقق شرط حذف اللام وهو المقارنة لأن المقارنة للنبي ليس هو البر والتقوى والاصلاح بل طلبها وإن كان في موضع الجر بناءاً على أن حذف حرف الجر من ( أن ) وإن قياسي فليس بلازم وإنما قدروه لتوضيح المعنى والمراد به طلب الله تعالى لا طلب العبد ، وإن أريد ذلك كان علة للكف المستفاد من النهي كأنه قيل : كفوا أنفسكم من جعله سبحانه عرضة وطلب العبد صالح للكف { والله سَمِيعٌ } لأقوالكم وأيمانكم { عَلِيمٌ } بأحوالكم ونياتكم فحافظوا على ما كلفتموه ، ومناسبة الآية لما قبلها أنه تعالى لما أمرهم بالتقوى نهاهم عن ابتذال اسمه المنافي لها أو نهاهم عن أن يكون اسمه العظيم حاجزاً لها ومانعاً منها .
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)
{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى * أيمانكم } اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ما سبق له اللسان ، وما في حكمه مما لم يقصد منه اليمين كقول العرب لا والله لا بالله لمجرد التأكيد ، وهو المروي عن عائشة وابن عمر وغيرهما في أكثر الروايات ، والمعنى لا يؤاخذكم أصلاً بما لا قصد لكم فيه من الأيمان . (2/230)
{ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي بما قصدتم من الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم ، ولا يعارض هذه الآية ما في المائدة ( 98 ) من قوله تعالى : { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الايمان فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين } الخ بناءاً على أن مقتضى هذه المؤاخذة بالغموس لأنها من كسب القلب وتلك تقتضي عدمها لأن اللغو فيها خلاف المعقودة ، وهي ما يحلف فيها على أمر في المستقبل أن يفعل ولا يفعل لوقوعه في مقابلة قوله سبحانه : { بِمَا عَقَّدتُّمُ الايمان } [ المائدة : 89 ] فيتناول الغموس وهو الحلف على أمر ماض متعمد الكذب فيه ولغويته لعدم تحقق البر فيه الذي هو فائدة اليمين الشرعية لأن الشافعي حمل { بِمَا عَقَّدتُّمُ } على كسب القلب من عقدت على كذا عزمت عليه ، ولم يعكس لأن العقد مجمل يحتمل عقد القلب ، ويحتمل ربط الشيء بالشيء ، والكسب مفسر ، ومن القواعد حمل المجمل على المفسر ، وإذا حمل عليه شمل الغموس ، وكان اللغو/ ما لا قصد فيه لا خلاف المعقودة إذ لا معقودة فتتحد الآيتان في المؤاخدة على الغموس وعدم المؤاخذة على اللغو إلا أنه إن كان للفعل المنفي عموم كان في الآيتين نفي المؤاخذة فيما لا قصد فيه بالعقوبة ، والكفارة وإثبات المؤاخذة في الجملة بهما أو بأحداهما فيما فيه قصد ، وإن لم يكن له عموم حمل المؤاخذة المطلقة في هذه الآية على المؤاخدة المقيدة بالكفار في آية المائدة بناءاً على اتحاد الحادثة والحكم ، وسوق الآية لبيان الكفارة فلا تكرار ، وأيد العموم بما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم «مر بقوم ينتصلون ومعه بعض أصحابه فرمى رجل من القوم فقال : أصبت والله أخطأت والله ، فقال الذي معه : حنث الرجل يا رسول الله فقال كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللغو هنا ما لا قصد فيه إلى الكذب بأن لا يكون فيه قصد أو يكون بظن الصدق ، وحمل المؤاخذة على الأخروية بناءاً على أن دار المؤاخذة هي الآخرة وأن المطلق ينصرف إلى الكامل وقرنت هذه المؤاخذة بالكسب إذ لا عبرة للقصد وعدمه في وجوب الكفارات التي هي مؤاخذات دنيوية ، لا شك أنه بمجرد اليمين بدون الحنث لا تتحقق المؤاخذة الأخروية في المعقودة فلا يمكن إجراء ما كسبت على عمومه فلا بد من تخصيصه بالغموس فيتحصل من هذه الآية المؤاخذة الأخروية في الغموس دون الدنيوية التي هي الكفارة ، وفيه خلاف الشافعي وعدم المؤاخذة الأخروية فيما عداها مما فيه قصد بظن الصدق ، ومما لا قصد فيه أصلا وفيه وفاق الشافعي وحمل المؤاخذة في آية المائدة على الدنيوية بقرينة قوله سبحانه فيها : { فَكَفَّارَتُهُ } [ المائدة : 98 ] الخ ، وقوله تعالى : { بِمَا عَقَّدتُّمُ } على المعقودة لأنّ المتبادر من العقد ربط الشيء بالشيء وهو ظاهر في المعقودة فالمراد باللغو في تلك الآية ما عداها من الغموس وغيره فيتحصل منها عدم المؤاخذة الدنيوية بالكفارة على غير المعقودة ، وهي الغموس والمؤاخذة عليه في الآخرة كما علم من آية البقرة والحلف بلا قصد أو به مع ظنّ الصدق لغير المؤاخذة عليهما في الآخرة كما علم منها أيضاً ، والمؤاخذة الدنيوية على المعقودة التي لم يعلم حكمها في الآخرة من الآيتين لظهوره من ترتب المؤاخذة الدنيوية عليه فلا تدافع بين الآيتين عنده أيضاً لأن مقتضى الأولى : تحقق المؤاخذة الأخروية في الغموس ، ومقتضى الثانية : عدم المؤاخذة الدنيوية فيه ، ومن هذا يعلم أن ما في «الهداية» وشاع في كتب الأصحاب عن الإمام حيث قال : «إن الأيمان على ثلاثة أضرب يمين العموس ويمين منعقدة ويمين لغو» وبين حكم كل وفسر الأخير «بأن يحلف على ( أمر ) ماض وهو يظن ( أنه ) ( 1 ) كما قال والأمر بخلافه» ، وثبت في بعض الروايات عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وغيره ليس بشيء لو كان المقصود بما في التفسير الحصر لا التمثيل للغو لأن اللائق بالنظم أن يكون ( ما كسبت ) مقابلاً للغو من غير واسطة بينهما ، وبقصد الحصر يبقى اليمين الذي لا قصد معه واسطة بينهما غير معلوم الإسم ولا الرسم ، وهو مما لا يكان يكون كما لا يخفى على المنصف فليتدبر فإنه مما فات كثيراً من الناس .
وذهب مسروق إلى أن اللغو هو الحلف على المعاصي وبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة . وروى عن ابن عباس وطاوس أنه اليمين في حال الغضب فلا كفارة فيها . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لغو اليمين أن تحرّم ما أحل الله تعالى عليك بأن تقول : مالي عليَّ حرام إن فعلت كذا مثلاً وبهذا أخذ مالك إلا في الزوجة وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال : هو كقول الرجل : أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا ، وكقوله : هو مشرك هو كافر إن لم يفعل كذا ، فلا يؤاخذ به حتى يكون من قبله ، وقيل : لغو اليمين يمين المكره حكاه ابن الفرس ولم ير مسنداً هذا ولم يعطف قوله تعالى : / { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ } الآية على ما قبله لاختلافها خبراً وإنشاءاً ، وإن كانا متساركين في كون كل منهما بياناً لحكم الأيمان { والله غَفُورٌ } حيث يؤاخذكم باللغو { حَلِيمٌ } حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد؛ والجملة تذييل للجملتين السابقتين ، وفائدته الامتنان على المؤمنين وشمول الإحسان لهم والحليم من حلم بالضم يحلم إذا أمهل بتأخير العقاب ، وأصل الحلم الأناة ، وأما حلم الأديم فبالكسر يحلم بالفتح إذا فسد ، وأمّا حلم أي رأى في نومه فبالفتح ومصدر الأوّل الحلم بالكسر ومصدر الثاني الحلم بفتح اللام ومصدر الثالث الحلم بضم الحاء مع ضم اللام وسكونها . (2/231)
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)
{ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } الإيلاء كما قال الراغب الحلف الذي يقتضي النقيصة في الأمر الذي يحلف فيه من قوله تعالى : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } [ آل عمران : 8 11 ] أي باطلاً { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ } [ النور : 22 ] وصار في الشرع عبارة عن الحلف المانع عن جماع المرأة ، ف { يُؤْلُونَ } أي يحلفون ، و { مِن نّسَائِهِمْ } على حذف المضاف ، أو من إقامة العين مقام الفعل المقصود منه للمبالغة ، وعدى القسم على الماجمعة ب { مِنْ } لتضمنه معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين ، وقيل : إن هذا الفعل يتعدى ب ( من ) وعلى ، ونقل أبو البقاء عن بعضهم من أهل اللغة تعديته ب ( من ) وقيل : بها بمعنى على ، وقيل : بمعنى في ، وقيل : زائدة ، وجوّز جعل الجار ظرفاً مستقراً ، أي استقرّ لهم من نسائهم . (2/232)
{ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وقرأ { يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } وفي مصحف أبيّ { لِلَّذِينَ * يَقْسِمُونَ } وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والتربص الانتظار والتوقف وأضيف إلى الظرف على الاتساع وإجراء المفعول فيه مجرى المفعول به ، والمعنى على الظرفية وهو مبتدأ ما قبله خبره أو فاعل للظرف على ما ذهب إليه الأخفش من جواز عمله وإن لم يعتمد والجملة على التقديرين بمنزلة الاستثناء من قوله سبحانه . { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ البقرة : 5 22 ] فإن الإيلاء لكون أحد الأمرين لازماً له الكفارة على تقدير الحنث من غير إثم ، والطلاق على تقدير البر مخالف لسائر الأيمان المكتوبة حيث يتعين فيها المؤاخذة بهما أو بأحدهما عند الشافعي والمؤاخذة الأخروية عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، فكأنه قيل : إلا الإيلاء فإنّ حكمه غير ما ذكر ، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها ، وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى إنّ للمولين من نسائهم تربص أربعة أشهر بين حكمه بقوله تعالى جل شأنه : { فَإِن فَآءوا } أي رجعوا في المدّة { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لما حدث منهم من اليمين على الظلم وعقد القلب على ذلك الحنث ، أو بسبب الفيئة والكفارة ، ويؤيده قراءة ابن مسعود { فَإِن فَآءوا * فِيهِنَّ } .
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)
{ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } أي صمموا قصده بأن لم يفيئوا واستمرّوا على الإيلاء { فَإِنَّ الله سَمِيعٌ } لإيلائهم الذي صار منهم طلاقاً بائناً بمضي العدة { عَلِيمٌ } بغرضهم من هذا الإيلاء فيجازيهم على وفق نياتهم ، وهذا ما حمل عليه الحنفية هذه الآية فإنهم قالوا : الإيلاء من المرأة أن يقول : والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعداً على التقييد بالأشهر ، أو لا أقربك على الإطلاق ، ولا يكون فيما دون ذلك عند الأئمة الأربعة وأكثر العلماء ، خلافاً للظاهرية والنخعية وقتادة وحماد وابن أبي جماد وإسحق حيث يصير عندهم مولياً في قليل المدة وكثيرها ، وحكمه إن فاء إليها في المدّة بالوطء إن أمكن ، أو بالقول إن عجز عنه صح الفيء وحنث القادر ولزمته كفارة اليمين ولا كفارة على العاجز ، وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة من غير مطالبة المرأة إيقاع الزوج/ أو الحكم ، وقالت الشافعية : لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر فلو قال : والله لا أقربك أربعة أشهر لا يكون إيلاء شرعاً عندهم ولا يترتب حكمه عليه بل هو يمين كسائر الأيمان ، إن حنث كفر ، وإن برّ فلا شيء عليه ، وللمولي التلبث في هذه المدّة فلا يطالب بفيء ولا طلاق ، فإن فاء في اليمين بالحنث فإنّ الله غفور رحيم للمولي إثم حنثه إذا كفر كما في الجديد ، أو ما توخى بالإيلاء من ضرار المرأة ونحوه بالفيئة التي هي كالتوبة وإن عزم الطلاق فإنّ الله سميع لطلاقه { عَلِيمٌ } بنيته ، وإذا مضت المدّة ولم يفىء ولم يطلق طولب بأحد الأمرين ، فإن أبى عنهما طلق عليه الحاكم؛ وأيد كون مدّته أكثر من أربعة أشهر بأن الفاء في الآية للتعقيب فتدل على أن حكم الإيلاء من الفيئة والطلاق يترتب عليه بعد مضي أربعة أشهر ، فلا يكون الإيلاء في هذه المدّة إيلاءاً شرعاً لانتفاء حكمه وبذلك اعترضوا على الحنفية واعترضوا عليهم أيضاً بأنه لو لم يحتج إلى الطلاق بعد مضي المدة لزم وقوع الطلاق من غير موقع ، وإن النص يشير إلى أنه مسموع ، فلو بانت من غير طلاق لا يكون ههنا شيء مسموع ، وأجيب عن الأوّل بأن الفاء للتعقيب في الذكر ، وعن الثاني بأن المسموع ما يقارن ذلك الترك من المقاولة والمجادلة وحديث النفس به كما يسمع وسوسة الشيطان عليهم بما استمرّوا عليه من الظلم أو الإيلاء الذي صار طلاقاً بائناً بالمضي ، وهذا أنسي بقوله سبحانه وتعالى : { فَانٍ * عَزَمُواْ الطلاق } حيث اكتفى بمجرّد العزم بخلاف ما قالته الشافعية من أنه يحتاج إلى الطلاق بعد مضي المدة فإنه يحتاج إلى التقدير ، وبعده لا يحتاج إلى ( عزموا ) أو يحتاج إلى جعل ( عزم الطلاق ) كناية عنه ، فما قيل : من أن الآية بصريحها مع الشافعي ليس في محله ، وقد ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وكثير من الإمامية . (2/233)
وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : الإيلاء إيلاءان إيلاء في الغضب ، وإيلاء في الرضا ، فأمّا الإيلاء في الغضب فإذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه ، وأمّا ما كان في الرضا فلا يؤاخذ به . وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهما قال : أتى رجل علياً كرم الله تعالى وجهه فقال : إني حلفت أن لا آتي امرأتي سنتين فقال : ما أراك إلا قد آليت ، قال إنما حلفت من أجل أنها ترضع ولدي ، قال فلا إذاً . وروي عن إبراهيم «ما أعلم الإيلاء إلا في الغضب لقوله سبحانه وتعالى : { فَإِن فَآءوا } وإنما الفيء من الغضب» وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، واستدل بعموم الآية على صحة الإيلاء من الكافر ، وبأي يمين كان ، ومن غير المدخول بها والصغيرة والخصي وأن العبد تضرب له الأربعة أشهر كالحر . واستدل بتخصيص هذا الحكم بالمولي على أنّ من ترك الوطء ضراراً بلا يمين لا يلزمه شيء ، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت وهي تعظ خالد بن سعيد المخزومي وقد بلغها أنه هجر امرأته : إياك يا خالد وطول الهجر ، فإنك قد سمعت ما جعل الله تعالى للمولي من الأجل محمول على إرادة العطف والتحذير من التشبه بالإيلاء . (2/234)
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
{ والمطلقات } أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول بهنّ ، لما قد بين في الآيات والأخبار أن لا عدّة على غير المدخول لها وأن عدّة من لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل بالأشهر ووضع الحمل ، وأن عدة الأمة قرآن أو شهران فأل ليست للاستغراق لأنه ههنا متعذر لما بين ، فتحمل على الجنس كما في لا أتزوّج النساء ويراد منه ما ذكر بقرينة الحكم ، وهذا مذهب ساداتنا الحنفية لأن الكلام المستقل الغير الموصول عندهم ناسخ للعام ، والنسخ إنما يصح إذا ثبت عموم الحكم السابق لا عموم ههنا وقال الشافعية : إن ( المطلقات ) عام وقد خص البعض بكلام مستقل غير موصول ، واعترضه الإمام بأنّ التخصيص إنما يحسن إذا كان الباقي/ تحت العام أكثر ، وههنا ليس كذلك وليس بشيء لأنه مما لا شاهد له فإنّ المذكور في «كتب الأصول» أن العام يجوز تخصيصه إلى أن يبقى تحته ما يستحق به معنى الجمع لئلا يلزم إبطال الصيغة فليفهم . (2/235)
{ يَتَرَبَّصْنَ } أي ينتظرن ، وهو خبر قصد منه الأمر على سبيل الكناية فلا يحتاج في وقوعه خبراً لمبتدأ إلى التأويل على رأي من لم يجوّز وقوع الإنشاء خبراً من غير تأويل ، وقيل : إنّ الجملة الاسمية خبرية بمعنى الأمر ، أي : ليتربصن المطلقات ولا يخفى أنه لا يحتاج إليه ، وتغيير العبارة للتأكيد بدلالته على التحقيق لأن الأصل في الخبر الصدق والكذب احتمال عقلي ، والإشعار بأنه مما يجب أن يسارع إلى امتثاله حيث أقيم اللفظ الدال على الوقوع مقام الدال على الطلب ، وفي ذكره متأخراً عن المتبدأ فضل تأكيد لما فيه من إفادة التقوى على أحد الطريقين المنقولين عن الشيخ عبد القاهر والسكاكي ، وقيد التربص هنا بقوله سبحانه وتعالى : { بِأَنفُسِهِنَّ } وتركه في قوله تعالى : { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } [ البقرة : 6 22 ] لتحريض النساء على التربص لأن الباء للتعدية فيكون المأمور به أن يقمعن أنفسهن ويحملنها على الانتظار ، وفيه إشعار بكونهنّ مائلات إلى الرجال وذلك مما يستنكفن منه ، فإذا سمعن هذا تربصن وهذا بخلاف الآية السابقة فإن المأمور فيها بالتربص الأزواج وهم وإن كانوا طامحين إلى النساء لكن ليس لهم استنكاف منه ، فذكر الأنفس فيها لا يفيد تحريضهم على التربص
{ ثلاثة قُرُوء } نصب على الظرف لكونه عبارة عن المدّة ، والمفعول به محذوف لأن التربص متعدّ قال تعالى : { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله } [ التوبة : 2 5 ] أي يتربصن التزوّج ، وفي حذفه إشعار بأنهنّ يتركن التزوّج في هذه المدة بحيث لا يتلفظن به ، وجوّز أن يكون على المفعولية بتقدير مضاف أي : يتربصن مضيها القروء جمع قرء بالفتح والضم والأوّل أفصح وهو يطلق للحيض لما أخرج النسائي وأبو داود والدارقطني «أن فاطمة ابنة أبي حبيش قالت : يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفدع الصلاة؟ فقال صلى الله عليه وسلم :
« لا ، دعي الصلاة أيام أقرائك » ويطلق للطهر الفاصل بين الحيضتين كما في ظاهر قول الأعشى : (2/236)
أفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالاً وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
أي أطهارهن لأنها وقت الاستمتاع ولا جماع في الحيض في الجاهلية أيضاً وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض لاستلزامه كل واحد منهما ، والدليل على ذلك كما قال الراغب : إن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها ذات قرء والحائض التي استمر لها الدم لا يقال لها ذلك أيضاً ، والمراد بالقرء في الآية عند الشافعي الانتقال من الطهر إلى الحيض في قول قوي له ، أو الطهر المنتقل منه كما في المشهور وهو المروي عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت وخلق كثير لا الحيض ، واستدلوا على ذلك بمعقول ومنقول وأما الأول : فهو أن المقصود من العدة براءة الرحم من ماء الزوج السابق والمعرف لبراءة الرحم هو الانتقال إلى الحيض لأنه يدل على انفتاح فم الرحم فلا يكون فيه العلوق لأنه يوجب انسداد فم الرحم عادة دون الحيض فإن الانتقال من الحيض إلى الطهر يدل على انسداد فم الرحم وهو مظنة العلوق فإذا جاء بعده الحيض علم عدم انسداده . وأما الثاني : فقوله تعالى : { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } [ الطلاق : 1 ] واللام للتأقيت والتخصيص بالوقت فيفيد أن مدخوله وقت لما قبله كما في قوله تعالى : { وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة } [ الأنبياء : 7 4 ] ، و { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } [ الإسراء : 87 ] فيفيد أن العدة وقت الطلاق والطلاق/ في الحيض غير مشروع لما أخرج الشيخان أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما طلق زوجته وهي حائض فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ ثم قال : « مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء » وهو أحد الأدلة أيضاً على أن العدة بالأطهار ، وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المراد بالقرء الحيض وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وجم غفير ، وكون الانتقال من الطهر إلى الحيض هو المعرف للبراءة إذا سلم معارض بأن سيلان الدم هو السبب للبراءة المقصودة ولا نسلم أن اعتبار المعرف أولى من اعتبار السبب وليس هذا من المكابرة في شيء على أن المهم في مثل هذه المباحث الأدلة النقلية ، وفيما ذكروه منها بحث لأن لام التوقيت لا تقتضي أن يكون مدخولها ظرفاً لما قبلها ففي الرضي إن اللام في نحو جئتك لغرة كذا هي المفيدة للاختصاص الذي هو أصلها ، والاختصاص ههنا على ثلاثة أضرب : إما أن يختص الفعل بالزمان بوقوعه فيه نحو كتبته لغرة كذا ، أو يختص به لوقوعه بعده نحو لليلة خلت ، أو اختص به لوقوعه قبله نحو لليلة بقيت ، فمع الإطلاق يكون الاختصاص لوقوعه فيه ومع قرينة نحو خلت يكون لوقوعه بعده ومع قرينة نحو بقيت لوقوعه قبله انتهى .
وفيما نحن فيه قرينة تدل على كونه قبله لأن التطليق يكون قبل العدة لا مقارناً لها ، ويؤيده قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ( في قبل عدتهن ) ففي «الصحاح» القُبْل والقُبُل نقيض الدُّبْر والدُّبُر ، ووقع السهم بقبل الهدف وبدبره وقُدّ قميصه من قُبُل ودُبُر أي من مقدمه ومؤخره ، ويقال أنزل بقبل هذا الجبل أي بسفحه فمعنى ( في قبل عدتهنّ ) في مقدم عدّتهنّ وأمامها كما يقتضيه ظاهر الأمثلة وما ذكره من أن قبل الشيء أوّله يرجع إلى هذا أيضاً ، وعلى تسليم عدم الرجوع يرجع المقدّم على الأوّل بالتبادر وكثرة الاستعمال والتأييد يحصل بذلك المقدار ، والحديث الذي أخرجه الشيخان مسلّم لكن جعله دليلاً على أن العدّة هي الأطهار غير مسلَّم لأنه موقوف على جعل الإشارة للحالة التي هي الطهر ، ولا يقوم عليه دليل فإنّ اللام في ( يطلق لها النساء ) كاللام في { لِعِدَّتِهِنَّ } [ الطلاق : 1 ] يجوز أن تكون بمعنى في وأن تكون بمعنى قبل فيجوز أن يكون المشار إليه الحيض ، وأنث اسم الإشارة مراعاة للخبر كالضمير إذا وقع بين مرجع مذكر وخبر مؤنث فإن الأولى على ما عليه الأكثر مراعاة الخبر إذ ما مضى فات ، والمعنى فتلك الحيض العدّة التي أمر الله تعالى أن يطلق قبلها النساء لا أن يطلق فيها النساء كما فهمه ابن عمر وأوقع الطلاق فيه ، وقول الخطابي : «الأقراء التي تعتدّ بها المطلقة الأطهار ( دون الحيض ) لأنه ذكر ( فتلك العدّة ) بعد الطهر» مجاب عنه بأنّ ذكره بعد الطهر لا يقتضي أن يكون مشاراً إليه لجواز أن يكون ذكر الطهر للإشارة إلى أنّ الحيض المحفوف بالطهر يكون عدّة ، وحينئذ لا يحتاج ذكر الطهر الثاني إلى نكتة وهي أنه إذا راجعها في الطهر الأوّل بالجماع لم يكن طلاقها فيه للسنة فيحتاج للطهر الثاني ليصح فيه إيقاع الطلاق السني ، وأن لا يكون الرجعة لغرض الطلاق فقط ، وأن يكون كالتوبة عن المعصية باستبدال حاله ، وأن يطول مقامه معها فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسها من سبب الطلاق فيمسكها هذا ما يرجع إلى الدفع ، وأمّا الاستدلال على أنّ القرء الحيض فهو ما أخرجه أبو داود والترمذي ، وابن ماجه والدارقطني عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال : (2/237)
" طلاق الأمة تطليقتان ، وعدّتها حيضتان " فصرح بأنّ عدّة الأمة حيضتان ، ومعلوم أن الفرق بين الحرّة والأمة باعتبار مقدار العدّة لا في جنسها فيلتحق قوله تعالى : { ثلاثة قُرُوء } للإجمال الكائن بالاشتراك بياناً به وكونه لا يقاوم ما أخرجه/ الشيخان في قصة ابن عمر رضي الله تعالى عنه لضعفه لأن فيه مظاهراً ولم يعرف له سواه ، لا يخلو عن بحث ، أما أولاً : فلما علمت أن ذلك الحديث ليس بنص في المدعى ، وأما ثانياً : فلأن تعليل تضعيف مظاهر غير ظاهر ، فإن ابن عدي أخرج له حديثاً آخر ووثقه ابن حبان ، وقال الحاكم : ومظاهر شيخ من أهل البصرة ولم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح فإذاً إن لم يكن الحديث صحيحاً كان حسناً ، ومما يصحح الحديث عمل العلماء على وفقه قال الترمذي عقيب روايته : حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، وفي الدارقطني قال القاسم وسالم : وعمل به المسلمون ، وقال مالك : شهرة الحديث تغني عن سنده كذا في «الفتح» ، ومن أصحابنا من استدل بأنه لو كان المراد من القرء الطهر لزم إبطال موجب الخاص أعني لفظ ( ثلاثة ) فإنه حينئذ تكون العدة طهرين ، وبعض الثالث في الطلاق المشهور ولايخفى أنه كأمثاله في هذا المقام ناشيء عن قلة التدبر فيما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فلهذا اعترضوا به عليه لأنه إنما جعل القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض ، أو الطهر المنتقل منه لا الطهر الفاصل بين الدمين والانتقال المذكور ، أو الطهر المنتقل منه تام على أن كون الثلاثة اسماً لعدد كامل غير مسلم ، والتحقيق فيه أنه إذا شرع في الثالث ساغ الإطلاق ألا تراهم يقولون هو ابن ثلاث سنين وإن لم تكمل الثالثة ، وذلك لأن الزائد جعل فرداً مجازاً ثم أطلق على المجموع اسم العدد الكامل ، ومن الشافعية من جعل القرء اسماً للحيض الذي يحتوشه دمان وجعل إطلاقه على بعض الطهر وكله ، كإطلاق الماء والعسل ، قالوا : والاشتقاق مرشد إلى معنى الضم والاجتماع ، وهذا الطهر يحصل فيه اجتماع الدم في الرحم وبعضه وكله في الدلالة على ذلك على السواء وأطالوا الكلام في ذلك والإمامية وافقوهم فيه واستدلوا عليه برواياتهم عن الأئمة والرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه في هذا الباب مختلفة ، وبالجملة كلام الشافعية في هذا المقام قوي كما لا يخفى على من أحاط بأطراف كلامهم واستقرأ ما قالوه وتأمل ما دفعوا به أدلة مخالفيهم وفي «الكشف» بعض الكشف وما في «الكشاف» غير شاف لبغيتنا ، وهذا المقدار يكفي أنموذجاً . (2/238)
هذا وكان القياس ذكر القرء بصيغة القلة التي هي الأقراء ولكنهم يتوسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر ولعل النكتة المرجحة لاختياره ههنا أن المراد بالمطلقات ههنا جميع المطلقات ذوات الأقراء الحرائر وجميعها متجاوز فوق العشرة فهي مستعملة مقام جمع الكثرة ولكل واحدة منها ثلاثة أقراء فيحصل في الأقراء الكثرة فحسن أن يستعمل جمع الكثرة في تمييز الثلاثة تنبيهاً على ذلك وهذا كما استعمل ( أنفسهن ) مكان نفوسهن للإشارة إلى أن الطلاق ينبغي أن يقع على القلة (2/239)
{ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ } قال ابن عمر : الحمل والحيض أي لا يحل لها إن كانت حاملاً أن تكتم حملها ولا إن كانت حائضاً أن تكتم حيضها فتقول وهي حائض : قد طهرت وكن يفعلن الأول : لئلا ينتظر لأجل طلاقها أن تضع ولئلا يشفق الرجل على الولد فيترك تسريحها والثاني : استعجالاً لمضي العدة وإبطالاً لحق الرجعة وهذا القول هو المروي عن الصادق والحسن ومجاهد وغيرهم والقول بأن الحيض غير مخلوق في الرحم بل هو خارج عنه فلا يصح حمل ( ما ) على عمومها بل يتعين حملها على الولد وهو المروي عن ابن عباس وقتادة مدفوع بأن ذات الدم وإن كان غير مخلوق في الرحم لكن الاتصاف بكونه حيضاً إنما يحصل له فيه ، وما قيل : إن الكلام في المطلقات ذوات الأقراء فلا يحتمل خلق الولد في أرحامهن فيجب حمل ( ما ) على الحيض كما حكي عن عكرمة فمدفوع أيضاً بأن تخصيص العام/ وتقييد بدليل خارجي لا يقتضي اعتبار ذلك التخصيص أو التقييد في الراجع ، واستدل بالآية على أنّ قولهما يقبل فيما خلق الله تعالى في أرحامهن إذ لولا قبول ذلك لما كان فائدة في تحريم كتمانهن ، قال ابن الفرس : وعندي أنّ الآية عامة في جميع ما يتعلق بالفرج من بكارة وثيوبة وعيب لأنّ كل ذلك مما خلق الله تعالى في أرحامهن فيجب أن يصدقن فيه ، وفيه تأمل :
{ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر } شرط لقوله تعالى : { لاَّ يَحِلُّ } لكن ليس الغرض منه التقييد حتى لو لم يؤمن كالكتابيات حل لهنّ الكتمان بل بيان منافاة الكتمان للإيمان وتهويل شأنه في قلوبهنّ ، وهذه طريقة متعارفة يقال : إن كنت مؤمناً فلا تؤذ أباك ، وقيل : إنه شرط جزاؤه محذوف أي فلا يكتمن وقوله سبحانه : { لاَّ يَحِلُّ } علة له أقيم مقامه ، وتقدير الكلام : إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ لأنه لا يحل لهن وفيه : «أن لا يكتمن المقدّر» إن كان نهياً يلزم تعليل الشيء بنفسه ، وإن كان نفياً يكون مفاد الكلام تعليق عدم وقوع الكتمان في المستقبل بأيمانهم في الزمان الماضي وهو كما ترى
{ وَبُعُولَتُهُنَّ } أي أزواج المطلقات جمع بعل كعم وعمومة ، وفحل وفحولة والهاء زائدة مؤكدّة لتأنيث الجماعة ، والأمثلة سماعية لا قياسية ، لا يقال : كعب وكعوبة ، قاله الزجاج .
وفي «القاموس» : «البعل الزوج والأنثى بعل وبعلة والرب والسيد والمالك ، والنخلة التي لا تسقى أو تسقى بماء المطر» وقال الراغب : البعل النخل الشارب بعروقه ، عبر به عن الزوج لإقامته على الزوجة للمعنى المخصوص ، وقيل : باعلها جامعها ، وبعل الرجل إذا دهش فأقام كأنه النخل الذي لا يبرح ، ففي اختيار لفظ البعولة إشارة إلى أنّ أصل الرجعة بالمجامعة ، وجوّز أن يكون البعولة مصدراً نعت به من قولك : بعل حسن البعولة أي العشرة مع الزوجة أو أقيم مقام المضاف المحذوف ، أي وأهل بعولتهن (2/240)
{ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } إلى النكاح والرجعة إليهن ، وهذا إذا كان الطلاق رجعياً للآية بعدها ، فالضمير بعد اعتبار القيد أخص من المرجوع إليه ، ولا امتناع فيه كما إذا كرّر الظاهر ، وقيل : بعولة المطلقات أحق بردّهنّ وخصص بالرجعي ، و { أَحَقُّ } ههنا بمعنى حقيق عبر عنه بصيغة التفضيل للمبالغة ، كأنه قيل : للبعولة حق الرجعة ، أي حق محبوب عند الله تعالى بخلاف الطلاق فإنه مبغوض ، ولذا ولد للتنفير عنه : " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق " وإنما لم يبق على معناه من المشاركة والزيادة إذ لا حق للزوجة في الرجعة كما لا يخفى . وقرأ أبيّ { *بردّتهنّ } { بِرَدّهِنَّ فِي ذلك } أي زمان التربص وهو متعلق ب { أَحَقُّ } أو { بِرَدّهِنَّ } { إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا } أي إن أراد البعولة بالرجعة إصلاحاً لما بينهم وبينهن ، ولم يريدوا الإضرار بتطويل العدّة عليهنّ مثلاً ، وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز للإجماع على جوازها مطلقاً ، بل المراد تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفي بانتفائه
{ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ بالمعروف } فيه صنعة الاحتباك ، ولا يخفى لطفه فيما بين الزوج والزوجة حيث حذف في الأول بقرينة الثاني ، وفي الثاني بقرينة الأوّل كأنه قيل : ولهنّ عليهم مثل الذي لهم عليهنّ ، والمراد بالمماثلة المماثلة في الوجوب لا في جنس الفعل فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك ، ولكن يقابله بما يليق بالرجال ، أخرج الترمذي وصححه ، والنسائي وابن ماجه/ عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا إنّ لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً ، فأمّا حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون ، ألا وحقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ وطعامهن "
وأخرج وكيع وجماعة عن أنس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين المرأة لي ، لأنّ الله تعالى يقول : { وَلَهُنَّ } الآية ، وجعلوا ما يجب لهنّ عدم العجلة إذا جامع حتى تقضي حاجتها . والمجرور الأخير متعلق بما تعلق به الخبر ، وقيل : صفة ل { مَثَلُ } وهي لا تتعرّف بالإضافة (2/241)
{ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } زيادة في الحق لأنّ حقوقهم في أنفسهن ، فقد ورد أنّ النكاح كالرق أو شرف فضيلة لأنهم قوام عليهن وحرّاس لهن ، يشاركوهنّ في غرض الزواج من التلذذ وانتظام مصالح المعاش ، ويخصون بشرف يحصل لهم لأجل الرعاية والإنفاق عليهن . والدرجة في الأصل المرقاة ويقال فيها : ( درجة ) كهمزة وقال الراغب : الدرجة نحو المنزلة لكن تقال إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السطح والسلم ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة ، ومنه الآية فهي على التوجيهين مجاز . وفي «الكشف» : إن أصل التركيب لمعنى الأناة والتقارب على مهل من درج الصبي إذا حبا وكذلك الشيخ والمفيد لتقارب خطوهما والدرجة التي يرتقي عليها لأن الصعود ليس في السهولة كالانحدار والمشيء على مستو ، فلا بدّ من تدرّج والدرج المواضع التي يمر عليها السيل شيئاً فشيئاً ، ومنه التدرّج في الأمور ، والاستدراج من الله ، والدركة هي الدرجة بعينها لكن في الانحدار والرجال جمع رجل ، وأصل الباب القوّة والغلبة وأتى بالمظهر بدل المضمر للتنويه بذكر الرجولية التي بها ظهرت المزية للرجال على النساء { والله عَزِيزٌ } غالب لا يعجزه الانتقام ممن خالف الأحكام { حَكِيمٌ } عالم بعواقب الأمور والمصالح التي شرع ما شرع لها ، والجملة تذييل للترهيب والترغيب .
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)
{ الطلاق مَرَّتَانِ } إشارة إلى الطلاق المفهوم من قوله تعالى : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } [ البقرة : 8 22 ] وهو الرجعي وهو بمعنى التطليق الذي هو فعل الرجل كالسلام بمعنى التسليم لأنه الموصوف بالوحدة والتعدّد دون ما هو وصف المرأة ، ويؤيد ذلك ذكر ما هو من فعل الرجل أيضاً بقوله تعالى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } أي بالرجعة وحسن المعاشرة { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } أي إطلاق مصاحب له من جبر الخاطر وأداء الحقوق ، وذلك إما بأن لا يراجعها حتى تبين ، أو يطلقها الثالثة وهو المأثور فقد أخرج أبو داود وجماعة عن أبي رزين الأسدي أنّ رجلاً قال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسمع الله تعالى يقول : { الطلاق مَرَّتَانِ } فأين الثالث؟ فقال : «التسريح بإحسان هو الثالثة» وهذا يدل على أن معنى ( مرتان ) اثنتان ، ويؤيد العهد كالفاء في الشق الأول فإنّ ظاهرها التعقيب بلا مهلة ، وحكم الشيء يعقبه بلا فصل ، وهذا هو الذي حمل عليه الشافعية الآية ، ولعله أليق بالنظم حيث قد انجرّ ذكر اليمين إلى ذكر الإيلاء الذي هو طلاق ، ثم انجرّ ذلك إلى ذكر حكم المطلقات من العدّة والرجعة ، ثم انجر ذلك إلى ذكر أحكام الطلاق المعقب للرجعة ، ثم انجرّ ذلك إلى بيان الخلع والطلاق الثلاثة وأوفق بسبب النزول فقد أخرج مالك ، والشافعي ، والترمذي رضي الله تعالى عنهما وغيرهم عن عروة قال : كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدّتها كان ذلك له وإن طلقها/ ألف مرة ، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا ما شارفت انقضاء عدّتها ارتجعها ثم طلقها؛ ثم قال : والله لا آويك إليّ ولا تخلين أبداً ، فأنزل الله تعالى الآية ، والذي دعاهم إلى ذلك قولهم إن جمع الطلقات الثلاث غير محرّم وأنه لا سنة في التغريق كما في «تحفتهم» ، واستدلوا عليه بأن عويمراً العجلاني لما لاعن امرأته طلقها ثلاثاً قبل أن يخبره صلى الله عليه وسلم بحرمتها عليه رواه الشيخان فلوحرم لنهاه عنه لأنه أوقعه معتقداً بقاء الزوجية ، ومع اعتقادها يحرم الجمع عند المخالف ، ومع الحرمة يجب الإنكار على العالم وتعليم الجاهل ، ولم يوجدا فدل على أنه لا حرمة وبأنه قد فعله جمع من الصحابة وأفتى به آخرون ، وقال ساداتنا الحنفية : إن الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة ، وإنما السنة التفريق لما روي في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة " فإنه لم يرد صلى الله عليه وسلم من السنة أنه يستعقب الثواب لكونه أمراً مباحاً في نفسه لا مندوباً بل كونه من الطريقة المسلوكة في الدين أعني ما لا يستوجب عقاباً وقد حصره عليه الصلاة والسلام على التفريق فعلم أن ما عداه من الجمع والطلاق في الحيض بدعة أي موجب لاستحقاق العقاب وبهذا يندفع ما قيل : إن الحديث إنما يدل على أن جمع الطلقتين أو الطلقات في طهر واحد ليس سنة ، وأمّا إنه بدعة فلا لثبوت الواسطة عند المخالف ، ووجه الدفع ظاهر كما لا يخفى وفي «الهداية» «وقال الشافعي : كل الطلاق مباح لأنه تصرف مشروع حتى يستفاد به الحكم ( و ) المشروعية لا تجامع الحظر بخلاف الطلاق في ( حالة ) ( 2 ) الحيض لأن المحرّم تطويل العدّة عليها لا الطلاق ولنا أن الأصل في الطلاق هو الحظر لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية والإباحة للحاجة إلى الخلاص ، ولا حاجة إلى الجمع بين الثلاث ، وهي في المفرّق على الأطهار ثابتة نظراً إلى دليلها ، والحاجة في نفسها باقية فأمكن تصوير الدليل عليها ، والمشروعية في ذاته من حيث إنه إزالة الرق لا تنافي الحظر لمعنى في غيره وهو ما ذكرناه» انتهى . (2/242)
ومنه يعلم أن المخالف معمم لا مقسم وإذا قلنا إنه مقسم بناءاً على ما فيه كتب بعض مذهبه فغاية ما أثبت أن الجمع خلاف الأولى من التفريق على الأقراء أو الأشهر ، وقد علمت أن تقسيم أبي القاسم صلى الله عليه وسلم غير تقسيمه ، وأجيب عما في خبر عويمر بأنها واقعة حال فلعلها من المستثنيات لما أن مقام اللعان ضيق فيغتفر فيه مثل ذلك ويعذر فيه الغيور؛ وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما وحملوا الآية على أن المراد التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق لما أن وظيفة الشارع بيان الأمور الشرعية واللام ليست نصاً في العهد بل الظاهر منها الجنس وأيضاً تقييد الطلاق بالرجعي يدع ذكر الرجعة بقوله سبحانه : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } كراراً إلا أن يقال المطلوب ههنا الحكم المردد بين الإمساك والتسريح ، وأيضاً لا يعلم على ذلك الوجه حكم الطلاق الواحد إلا بدلالة النص ، وهذا الوجه مع كونه أبعد عن توهم التكرار ودلالته على حكم الطلاق الواحد بالعبارة يفيد حكماً زائداً وهو التفريق ، ودلالة الآية حينئذ على ما ذهبوا إليه ظاهرة إذا كان معنى مرتين مجرد التكرير دون التثنية على حد { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] أي كرة بعد كرة لا كرتين ثنتين إلا أنه يلزم عله إخراج التثنية عن معناها الظاهر ، وكذا إخراج الفاء أيضاً وجعل ما بعدها حكماً مبتدأ وتخييراً مطلقاً عقيب تعليمهم كيفية التطليق وليس مرتباً على الأول ضرورة أن التفريق المطلق لا يترتب عليه أحد الأمرين لأنه إذا كان بالثلاث لا يجوز بعده الإمساك ولا التسريح وتحمل الفاء حينئذ على التركيب الذكري أي إذا علمتم كيفية الطلاق فاعلموا أن حكمه الإمساك أو التسريح فالإمساك في الرجعي والتسريح في غيره ، وإذا كان معنى مرتين التفريق مع التثنية كما قال به المحققون بناءاً على أنه حقيقة في الثاني ظاهر في الأول إذ لا يقال لمن دفع إلى آخر درهمين مرة واحدة أنه أعطاه مرتين حتى يفرق بينهما وكذا لمن طلق زوجته ثنتين دفعة أنه طلق مرتين اندفع حديث ارتكاب خلاف الظاهر في التثنية كما هو ظاهر ، وفيما بعدها أيضاً لصحة الترتب ويكون عدم جواز الجمع بين التطليقتين مستفاداً من { مَرَّتَانِ } الدالة على التفريق والتثنية . (2/243)