صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)

{ أُولَئِكَ الذين اشتروا } بسبب كتمانهم الحق للمطامع الدنية ، والأغراض الدنيوية { الضلالة بالهدى } في الدنيا { والعذاب بالمغفرة } في الآخرة ، والجملة إما مستأنفة فإنه لما عظم وعيد الكاتمين كان مظنة أن يسأل عن سبب عظم وعيدهم فقيل : إنهم بسبب الكتمان خسروا الدنيا والآخرة ، وإما خبر بعد خبر لأن ، والجملة الأولى لبيان شدة وعيدهم ، وهذه لبيان شناعة كتمانهم .
{ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } أي ما أشد صبرهم ، وهو تعجيب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأي صبر لهم ، و ( ما ) في مثل هذا التركيب قيل : نكرة تامة وعليه الجمهور وقيل : استفهامية ضمنت معنى التعجب وإليه ذهب الفراء وقيل : موصولة وإليه ذهب الأخفش وحكي عنه أيضاً أنها نكرة وموصوفة وهي على هذه الأقوال في محل رفع على الابتداء ، والجملة خبرها ، أو خبرها محذوف إن كانت صفة أو صلة ، وتمام الكلام في «كتب النحو2 .

(2/102)


ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)

{ ذلك } أي مجموع ما ذكر من أكل النار وعدم التكليم والتزكية والعذاب المرتب على الكتمان . { بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق } أي بسبب أن الله تعالى نزل القرآن ، أو التوراة متلبساً بالحق ليس فيه شائبة البطلان أصلا فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان . { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى * الكتاب } أي في جنسه بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعض أو في التوراة ، ومعنى ( اختلفوا ) تخلفوا عن سلوك طريق الحق فيها ، أو جعلوا ما بدلوه خلفاً عما فيها أو في القرآن واختلافهم فيه قول بعضهم : إنه سحر ، وبعضهم إنه شعر ، وبعضهم إنه أساطير الأولين . { لَفِى شِقَاقٍ } أي خلاف { بَعِيدٍ } عن الحق موجب لأشد العذاب ، وهذه الجملة تذييل لما تقدم معطوفة عليه . ومن الناس من جعل الواو للحال والسببية المتقدمة راجعة إليها والتذييل أدخل في الذم كما لا يخفى .

(2/103)


لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)

{ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب } . البر اسم جامع لأنواع الخير والطاعات المقربة إلى الله تعالى والخطاب لأهل الكتابين والمراد من { قِبَلَ المشرق والمغرب } السمتان المعينان ، فإن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس من أفق مكة ، والنصارى قبل المشرق والآية/ نزلت رداً عليهم حيث أكثروا الخوض في أمر القبلة وادعى كل طائفة حصر البر على قبلته رداً على الآخر فرد الله تعالى عليهم جميعاً بنفي جنس البر عن قبلتهم لأنها منسوخة ، فتعريفه للجنس لإفادة عموم النفي لا للقصر إذ ليس المقصود نفي القصر أو قصر النفي . ويحتمل أن يكون الخطاب عاماً لهم وللمسلمين فيكون عوداً على بدء فإن الكلام في أمر القبلة وطعنهم في النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كان أساس الكلام إلى هذا القطع ، فجعل خاتمة كلية أجمل فيها ما فصل . والمراد من ذكر المشرق والمغرب التعميم لا تعيين السمتين وتعريف البر حينئذ إما للجنس فيفيد القصر ، والمقصود نفي اختصاص البر بشأن القبلة مطلقاً على ما يقتضيه الحال من كثرة الاشتغال والاهتمام بذلك والذهول عما سواه ، وإما لعهد أي ليس البر العظيم الذي أكثرتم الخوض فيه وذهلتم عما سواه ذلك ، وقدم المشرق على المغرب مع تأخر زمان الملة النصرانية رعاية لما بينهما من الترتيب المتفرع على ترتيب الشروق والغروب ، وقرأ حمزة وحفص البر بالنصب والباقون بالرفع ووجه الأول : أن يكون خبراً مقدما كما في قوله :
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس ( سواءاً ) عالم وجهول
وحسن ذلك أن المصدر المؤول أعرف من المحلى باللام لأنه يشبه الضمير من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرف أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولاً فلو روعي الترتيب المعهود لفات تجاوب أطراف النظم الكريم ، ووجه الثانية : أن كل فريق يدعي أن البر هذا فيجب أن يكون الرد موافقاً لدعواهم وما ذلك إلا بكون البر اسماً كما يفصح عنه جعله مخبراً عنه في الاستدراك . وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : { لَّيْسَ البر } بالنصب بأن تولوا بالباء
{ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله } تحقيق للحق بعد بيان بطلان الباطل ، و ال في البر إما للجنس فيكون القصر ادعائياً لكمال ذلك الجنس في هذا الفرد ، وإما للعهد أي ما ينبغي أن يهتم به ويعتني بشأنه ويجد في تحصيله ، والكلام على حذف مضاف أي برّ من آمن إذ لا يخبر بالجثة عن المعنى ويجوز أن لا يرتكب الحذف ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أو يقال باطلاق البر على البار مبالغة ، والأول أوفق لقوله : { لَّيْسَ البر } وأحسن في نفسه لأنه كنزع الخف عند الوصول إلى الماء ولأن المقصود من كون ذي البر من آمن إفادة أن البر إيمانه فيؤول إلى الأول .

(2/104)


والمراد بهذا الإيمان إيمان خال عن شائبة الإشراك لا كإيمان اليهود والنصارى القائلين عزيز ابن الله والمسيح ابن الله وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن ) بالتخفيف ، وقرأ بعضهم البار بصيغة اسم الفاعل .
{ واليوم الاخر } أي المعاد الذي يقول به المسلمون وما يتبعه عندهم { والملئكة } أي وآمن بهم وصدق بأنهم عباد مكرمون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة ومنهم المتوسطون بينه تعالى وبين أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام بإلقاء الوحي وإنزال الكتب { والكتاب } أي جنسه فيشمل جميع الكتب الإلهية لأن البر الإيمان بجميعها وهو الظاهر الموافق لقرينه ولما ورد في الحديث : « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله » أو القرآن لأنه المقصود بالدعوة والكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً والإيمان به الإيمان بجميع الكتب لكونه مصدقاً لما بين يديه ، وقيل : التوراة ويبعده عدم ظهور القرينة المخصصة لها وأن الإيمان بها لا يستلزم الإيمان بالجميع إلا باعتبار استلزامه الإيمان بالقرآن ، والإيمان بالكتب أن يؤمن بأنها كلام الرب جل شأنه منزهة عن الحدوث منزلة على ذويها ظاهرة لديهم حسبما اقتضته الحكمة من اللغات { *والنبين } أي جميعهم من غير تفرقة بين أحد منهم كما فعل أهل الكتابين والإيمان بهم أن يصدق بأنهم معصومون مطهرون وأنهم أشرف الناس/ حسباً ونسباً وأن ليس فيهم وصمة ولا عيب منفر ويعتقد أن سيدهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع والتمسك بها لازم لجميع المكلفين إلى يوم القيامة .
{ والنبيين وَءاتَى المال على حُبّهِ } حال من ضمير ( ءاتى ) ، والضمير المجرور للمال أي أعطى المال كائناً على حب المال والتقييد لبيان أفضل أنواع الصدقة فقد أخرج البخاري . ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا لفلان كذا الا وقد كان لفلان » وفي هذا إيذان بأن درجات الثواب تتفاوت حسب تفاوت المراتب في الحب حتى إن صدقة الفقير والبخيل أفضل من صدقة الغني والكريم إلا أن يكونا أحب للمال منهما ، ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : « أفضل الأعمال أحمزها » وجوز رجوع الضمير لله تعالى أو للمصدر المفهوم من الفعل ، والتقييد حينئذ للتكميل ، وبيان اعتبار الإخلاص أو طيب النفس في الصدقة ودفع كون إيتاء المال مطلقاً براً ، والأول : هو المأثور عن السلف الصالح ، ولعله المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(2/105)


{ ذَوِى القربى } مفعول أول ل { أتى } قدم عليه مفعوله الثاني للاهتمام أو لأن فيه مع ( ما ) عطف عليه طولا لو روعي الترتيب لفات تجاوب الأطراف ، وهو الذي اقتضى تقديم الحال أيضاً ، وقيل : هو المفعول الثاني ، والمراد ب { ذَوِى القربى } ذوو قرابة المعطي لكن المحاويج منهم لا مطلقاً لدلالة سوق الكلام ، وعد مصارف الزكاة على أن المراد الخير والصدقة وإيتاء الأغنياء هبة لا صدقة ، وقدم هذا الصنف لأن إيتاءهم أهم فقد صح عن أم كلثوم بنت عقبة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح » وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن سلمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة »
{ واليتامى } عطم على { ذَوِى القربى } وقيل : على { القربى } إذ لا يصح إيصال المال إلى من لا يعقل فالمعطي حينئذ كافلهم لأجلهم ، وفيه ما لا يخفى { والمساكين } جمع مسكين وهو الدائم السكون لما أن الحاجة أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس ، وتخصيصه بمن لا شيء له أو بمن لا يملك ما يقع موقعاً من حاجته خارج عن مفهومه { وابن السبيل } أي المسافر كما قاله مجاهد وسمي بذلك لملازمته الطريق في السفر أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبداً يتوق إلى الجمع ، ويشتاق إلى الربع ، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف إلى عطنه ، أو لأنه لما لم يكن بين أبناء السبيل ، والمعطي تعارف غالباً يهون أمر الاعطاء ويرغب فيه أفردهم ليهون أمر إعطائهم وليشير إلى أنهم وإن كانوا جمعاً ينبغي أن يعتبروا كنفس واحدة فلا يضجر من إعطائهم لعدم معرفتهم وبعد منفعتهم فليفهم ، وروي عن ابن عباس وقتادة وابن جبير أنه الضيف الذي ينزل بالمسلمين { والسائلين } أي الطالبين للطعام سواء كانوا أغنياء إلا أن ما عندهم لا يكفي لحاجتهم أو فقراء كما يدل عليه ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « للسائل حق وإن جاء على فرس » فإن الجائي على فرس يكون في الغالب غنياً ، وقيل : أرد المساكين/ الذين يسألون فتعرف حالهم بسؤالهم ، والمساكين السابق ذكرهم الذين لا يسألون وتعرف حاجتهم بحالهم وإن كان ظاهرهم الغنى وعليه يكون التقييد في الحديث لتأكيد رعاية حق السائل وتحقيق أن السؤال سبب للاستحقاق ، وإن فرض وجوده من الغني كالقرابة واليتم .

(2/106)


{ وَفِي الرقاب } متعلق ب { أتى } أي آتى المال في تخليص الرقاب وفكاكها بمعاونة المكاتبين ، أوفك الأسارى ، أو ابتياع الرقاب لعتقها ، و الرقبة مجاز عن الشخص وإيراد كلمة في للإيذان بأن ما يعطى لهؤلاء مصروف في تخليصهم لا يملكونه كما في المصارف الأخر { وَأَقَامَ الصلاة } عطف على صلة ( من ) والمراد بالصلاة المفروضة كالزكاة في { وَءاتَى الزكواة } بناءاً على أن المراد بما مر من إيتاء المال نوافل الصدقات وقدمت على الفريضة مبالغة في الحث عليها ، أو حقوق كانت في المال غير مقدرة سوى الزكاة ، أخرج الترمذي والدارقطني وجماعة عن فاطمة بنت قيس قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " في المال حق سوى الزكاة ثم قرأ الآية " وأخرج البخاري في «تاريخه» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحو ذلك ، واختلف هل بقي هذا الحق أم لا؟ فذهب قوم إلى الثاني واستدلوا بما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً نسخ الأضحى كل ذبح ، ورمضان كل صوم؛ وغسل الجنابة كل غسل ، والزكاة كل صدقة وقال جماعة بالأول لقوله تعالى : { وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم } [ الذاريات : 9 1 ] ولقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاً وجاره طاو إلى جنبه " وللإجماع على أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوا مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ولو امتنعوا عن الأداء جاز الأخذ منهم وأجابوا عن الحديث بأنه غريب معارض ، وفي إسناده المسيب بن شريك وهو ليس بالقوي عندهم وبأن المراد أن الزكاة نسخت كل صدقة مقدرة ، وجوز أن يكون المراد بما مر الزكاة المفروضة أيضاً ولا تكرار لأن الغرض مما تقدم بيان مصارفها ، ومن هذا بيان أدائها والحث عليها وترك ذكر بعض المصارف لأن المقصود ههنا بيان أبواب الخير دون الحصر ، وقدم بيان المصرف اهتماماً بشأنه فإن الصدقة إنما تعتبر إذا كانت في مصرفها ومحلها كما يدل عليه قوله تعالى : { قُلْ مَا * أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والاقربين } [ البقرة : 5 21 ] وعلى هذا يتعين أن يراد بالسائلين الفقراء
{ والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا } عطف على { مَنْ ءامَنَ } ولم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء ، وقيل : رمزاً إلى أنه أمر مقصود بالذات ، وقيل : إيذاناً بمغايرته لما سبق فإنه من حقوق الله تعالى والسابق من حقوق الناس ، وعلى هذا فالمراد بالعهد ما لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً من العهود الجارية فيما بين الناس ، والظاهر حمل العهد على ما يشمل حقوق الحق وحقوق الخلق ، وحذف المعمول يؤذن بذلك ، والتقييد بالظرف للإشارة إلى أنه لا يتأخر إيفاؤهم بالعهد عن وقت المعاهدة ، وقيل : للإشارة إلى عدم كون العهد من ضروريات الدين وليس للتأكيد كما قيل : به { والصابرين * فِى البأساء والضراء } نصب على المدح بتقدير أخص أو أمدح وغير سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على سائر الأعمال حتى كأنه ليس من جنس الأول ، ومجي القطع في العطف مما أثبته الأئمة الأعلام ووقع في الكتاب أيضاً واستحسنه الأجلة وجعلوه أبلغ من الاتباع وقد جاء في النكرة أيضاً كقول الهذلي :

(2/107)


ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالى
/و البأساء البؤس والفقر ، و الضراء السقم والوجع وهما مصدران بنيا على فعلاء وليس لهما أفعل لأن أفعل وفعلاء في الصفات والنعوت ولم يأتيا في الأسماء التي ليست بنعوت وقرىء ( والصابرون ) كما قرىء ( والموفين ) .
{ وَحِينَ البأس } أي وقت القتال وجهاد العدو وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر والصبر على القتال فوق الصبر على المرض ، وعدى الصبر على الأولين بفي لأنه لا يعد الإنسان من الممدوحين إذا صبر على شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر والمرض كالظرف له وأما إذا أصاباه وقتاً مّا وصبر فليس فيه مدح كثير إذ أكثر الناس كذلك وأتى بحين في الأخير لأن القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات .
{ أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا } في إيمانهم أو طلب البر . { وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون } عذاب الله تعالى بتجنب معاصيه وامتثال أوامره ، وأتى بخبر أولئك الأولى : موصولاً بفعل ماض أيذاناً بتحقق اتصافهم به وإن ذلك قد وقع منهم واستقر ، وغاير في خبر الثانية : ليدل على أن ذلك ليس بمتجدد بل صار كالسجية لهم ، وأيضاً لو أتى به على طبق سابقه لما حسن وقوعه فاصلة ، هذا والآية كما ترى مشتملة على خمس عشرة خصلة وترجع إلى ثلاثة أقسام ، فالخمسة الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل صحة الاعتقاد ، وآخرها قوله : { والنبيين } وافتتحها بالإيمان بالله واليوم الآخر لأنهما إشارة إلى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة فليتئم مع ما نفاه أولاً غاية الالتئام ، والستة التي بعدها تتعلق بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن معاشرة العباد وأولها { لَّيْسَ البر } وآخرها { وَفِي الرقاب } والأربعة الأخيرة تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس وأولها { لَّيْسَ البر } وآخرها { وَحِينَ البأس } ولعمري من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان ونال أقصى مراتب الإيقان .
ومن باب التأويل : { لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ } مشرق عالم الأرواح ومغرب عالم الأجساد فإن ذلك تقيد واحتجاب { ولكن البر } بر الموحد الذي آمن بالله والمعاد في مقام الجمع وشاهد الجمع في تفاصيل الكثرة ولم يحتجب بالجمع عن التفصيل الذي هو باطن عالم الملائكة وظاهر عالم النبيين والكتاب الجامع بين الظاهر والباطن { وَءاتَى } العلم الذي هو مال القلب مع كونه محبوباً ذوي قربى القوى الروحانية القريبة منه ، ويتامى القوى النفسانية المنقطعة عن الأب الحقيقي وهو نور الروح ، ومساكين القوى الطبيعية التي لم تزل دائمة السكون إلى تراب البدن وأبناء السبيل السالكين إلى منزل الحق ، والسائلين الطالبين بلسان استعدادهم ما يكون غذاء لأرواحهم ، وفي فك رقاب عبدة الدنيا وأسراء الشهوات بالوعظ والإرشاد ، وأقام صلاة الحضور ، وآتى ما يزكي نفسه بنفي الخواطر ومحو الصفات ، والموفون بعهد الأزل بترك المعارضة في العبودية والإعراض عما سوى الحق في مقام المعرفة ، والصابرين في بأساء الافتقار إلى الله تعالى دائماً ، وضراء كسر النفس ، وحين بأس محاربة العدو الأعظم { أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا } الله تعالى في السير إليه وبذل الوجود { وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون } عن الشرك المنزهون عن سائر الرذائل .

(2/108)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ } شروع في بيان بعض الأحكام الشرعية على وجه التلافي لما فرط من المخلين بما تقدم من قواعد الدين التي يبنى عليها أمر المعاش والمعاد { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } أي فرض وألزم عند مطالبة صاحب الحق فلا يضر فيه قدرة الولي على العفو فإن الوجوب إنما اعتبر بالنسبة إلى الحكام أو القاتلين ، وأصل الكتابة الخط ثم كني به عن الإلزام ، / وكلمة على صريحة في ذلك { القصاص فِي القتلى } أي بسببهم على حد «إن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها» وقيل : عدى القصاص بفي لتضمنه معنى المساواة إذ معناه أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل ، ومنه سمي المقص مقصاً لتعادل جانبيه ، والقصة قصة لأن الحكاية تساوي المحكي ، والقصاص قصاصاً لأنه يذكر مثل أخبار الناس ، والقتلى جمع قتيل كجريح وجرحى ، وقرىء كتب على البناء للفاعل ، والقصاص بالنصب وليس في إضمار المتعين المتقرر قبل ذكره إضمار قبل الذكر .
{ الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والانثى } جملة مبينة لما قبلها أي الحر يقتص بالحر ، وقيل : مأخوذ به ، روي أنه كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منهم بالعبد والذكر بالأنثى فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فأمرهم أن يتباوؤا ، فالآية كما تدل على أن لا يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر لأن مفهوم المخالفة إنما يعتبر إذا لم يعلم نفيه بمفهوم الموافقة وقد علم من قتل العبد بالعبد وقتل الأنثى بالأنثى أنه يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر بطريق الأولى كذلك لا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى لأن مفهوم المخالفة كما هو مشروط بذلك الشرط مشروط بأن لا يكون للتخصيص فائدة أخرى ، والحديث بين الفائدة وهو المنع من التعدي وإثبات المساواة بين حر وحر وعبد وعبد فمنع الشافعي ومالك قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره ليس للآية بل للسنة والإجماع والقياس ، أما الأول : فقد أخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله تعالى عنه : «أن رجلاً قتل عبده فجلده الرسول صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ولم يقده به» وأخرج أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال : " من السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد " وأما الثاني : فقد روى أن أبا بكر . وعمر رضي الله تعالى عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة ولم ينكر عليهما أحد منهم وهم الذين لم تأخذهم في الله تعالى لومة لائم . وأما الثالث : فلأنه لا قصاص في الأطراف بين الحر والعبد بالاتفاق فيقاس القتل عليه .

(2/109)


وعند إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه يقتل الحر بالعبد لقوله صلى الله عليه وسلم : « المسلمون تتكافأ دماؤهم » ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سيان فيهما ، والتفاضل في الأنفس غير معتبر بدليل أن الجماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به ولقوله تعالى : { أَنَّ النفس بالنفس } [ المائدة : 5 4 ] وشريعة من قبلنا إذا قصت علينا من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على أنها شريعة لنا ، ومن الناس من قال : إن الآية دالة على ما ذهب إليه المخالف لأن الحر بالحر بيان وتفسير لقوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } فدل على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة ، وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في ذلك المعنى ومقتضى هذا أن لا يقتل العبد إلا بالعبد ولا تقتل الأنثى إلا بالأنثى إلا أن المخالف لم يذهب إليه ، وخالف الظاهر للقياس والإجماع ، ومن سلم هذا منا ادعى نسخ الآية بقوله تعالى : { أَنَّ النفس بالنفس } لأنه لعمومه نسخ اشتراط المساواة في الحرية والذكورة المستفادة منها ، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والثوري/ وأورد عليه أن الآية حكاية ما في التوراة وحجية حكاية شرع من قبلنا مشروطة بأن لا يظهر ناسخه كما صرحوا به ، وهو يتوقف على أن لا يوجد في القرآن ما يخالف المحكي إذ لو وجد ذلك كان ناسخاً له لتأخره عنه فتكون الحكاية حكاية المنسوخ ، ولا تكون حجة فضلاً عن أن تكون ناسخاً ، وبعد تسليم الدلالة يوجد الناسخ كما لا يخفى هذا ، وذهب ساداتنا الحنفية والمالكية وجماعة إلى أنه ليس للولي إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا برضا القاتل لأن الله تعالى ذكر في الخطأ الدية فتعين أن يكون القصاص فيما هو ضد الخطأ وهو العمد ولما تعين بالعمد لا يعدل عنه لئلا يلزم الزيادة على النص بالرأي ، واعترض بأن منطوق النص وجوب رعاية المساواة في القود وهو لا يقتضي وجوب أصل القود ، وأجيب بأن القصاص وهو القود بطريق المساواة يقتضي وجوبهما
{ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ * شَىْء } أي ما يسمى شيئاً من العفو والتجاوز ولو أقل قليل فالمصدر المبهم في حكم الموصوف فيجوز نيابته عن الفاعل وله مفعول به ، و { مِنْ أَخِيهِ } يجوز أن يتعلق بالفعل ويجوز أن يكون حالاً من شيء ، وفي إقامة شيء مقام الفاعل على إشعار بأن بعض العفو كأن يعفى عن بعض الدم أو يعفو عنه بعض الورثة كالعفو التام في إسقاط القصاص لأنه لا يتجزأ ، والمراد بالأخ وليّ الدم سماه أخاً استعطافاً بتذكير إخوة البشرية والدين ، وقيل : المراد به المقتول ، والكلام على حذف مضاف أي من دم أخيه ، وسماه أخا القاتل للإشارة إلى أن أخوة الإسلام بينهما لا تنقطع بالقتل ، و { عُفِىَ } تعدى إلى الجاني وإلى الجناية بعن يقال : عفوت عن زيد وعن ذنبه وإذا عديت إلى الذنب مراداً سواء كان مذكوراً أولاً كما في الآية عدي إلى الجاني باللام لأن التجاوز عن الأول والنفع للثاني فالقصد هنا إلى التجاوز عن الجناية إلا أنه ترك ذكرها لأن الاهتمام بشأن الجاني ، وقدر بعضهم عن هذه داخلة على شيء لكن لما حذفت ارتفع لوقوعه موقع الفاعل ، وهو من باب الحذف والايصال المقصور على السماع ، ومن الناس من فسر ( عفي ) بترك فهو حينئذ متعد أقيم مفعوله مقام فاعله ، واعترض بأنه لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه ، وإنما الثابت أعفاه ، ورد بأنه ورد ، ونقله أئمة اللغة المعول عليهم في هذا الشأن وهو وإن لم يشتهر إلا أن إسناد المبني للمجهول إلى المفعول الذي هو الأصل يرجح اعتباره ويجعله أولى من المشهور لما أن فيه إسناد المجهول للمصدر وهو خلاف الأصل ، والقول بأن { شَىْء } مرفوع بترك محذوفاً يدل عليه { عُفِىَ } ليس بشي لأنه بعد اعتبار معنى العفو لا حاجة إلى معنى الترك بل هو ركيك كما لا يخفى .

(2/110)


{ فاتباع بالمعروف وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان } أي فليكن اتباع أو فالأمر اتباع والمراد وصية العافي بأن لا يشدد في طلب الدية على المعفو له وينظره إن كان معسراً ولا يطالبه بالزيادة عليها والمعفو بأن لا يمطل العافي فيها ولا يبخس منها ويدفعها عند الإمكان ، وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه والحسن وقتادة ومجاهد ، وقيل : المراد فعلى المعفو له الاتباع والاداء ، والجملة خبر ( من ) على تقدير موصوليتها ، وجواب الشرط على تقدير شرطيتها ، وربما يستدل بالآية على أن مقتضى العمد القصاص وحده حيث رتب الأمر بأداء الدية على العفو المرتب على وجوب القصاص ، واستدل بها بعضهم على أن الدية أحد مقتضى العمد وإلا لما رتب الأمر بأدار الدية على مطلق العفو الشامل للعفو عن كل الدم وبعضه بل يشترط رضا القاتل وتقييده بالبعض ، واعترض بأنه إنما يتم لو كان التنوين في ( شيء ) للإبهام أي شيء من العفو أي شيء كان ككله أو بعضه أما لو كان للتقليل فلا إذ يكون الأمر بالأداء مرتياً على بعض العفو ولا شك أنه إذا تحقق عن الدم يصير/ الباقي مالا وإن لم يرض القاتل ، وأيضاً الآية نزلت في الصلح وهو الموافق للأم فإن عفا إذا استعملت بها كان معناها البدل أي فمن أعطي له من جهة أخيه المقتول شيء من المال بطريق الصلح فلمن أعطى وهو الولي مطالبة البدل عن مجاملة وحسن معاملة إلا أن يقال : إنها نزلت في العفو كما هو ظاهر اللفظ ، وبه قال أكثر المفسرين .

(2/111)


{ ذلك } أي الحكم المذكور في ضمن بيان العفو والدية { تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } لما في شرعية العفو تسهيل على القاتل ، وفي شرعية الدية نفع لأولياء المقتول ، وعن مقاتل أنه كتب على اليهود القصاص وحده ، وعلى النصارى العفو مطلقاً ، وخيَّر هذه الأمة بين الثلاث تيسيراً عليهم وتنزيلاً للحكم على حسب المنازل ، وعلى هذا يكون { فَمَن تَصَدَّقَ } [ المائدة : 5 4 ] بياناً لحكم هذه الشريعة بعد حكاية حكم كان في التوراة ، ليس داخلاً تحت الحكاية { فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك } أي تجاوز ما شرع بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم؛ أو قتل القاتل بعد العفو وأخذ الدية { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي نوع من العذاب مؤلم ، والمتبادر أنه في الآخرة ، والمروي عن الحسن وابن جبير أنه في الدنيا بأن يقتل لا محالة ولا يقبل منه ديه لما أخرجه أبو داود من حديث سمرة مرفوعاً « لا أعافي أحداً قتل بعد أخذ الدية » .

(2/112)


وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)

{ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } عطف على قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 178 ] والمقصود منه توطين النفس على الانقياد لحكم القصاص لكونه شاقاً للنفس وهو كلام في غاية البلاغة وكان أوجز كلام عندهم في هذا المعنى القتل أنفى للقتل وفضل هذا الكلام عليه من وجوه ، الأول : قلة الحروف ، فإن الملفوظ هنا عشرة أحرف إذا لم يعتبر التنوين حرفاً على حدة وهناك أربعة عشر حرفاً ، الثاني : الاطراد ، إذ في كل قصاص حياة وليس كل قتل أنفى للقتل فإن القتل ظلماً أدعى للقتل . الثالث : ما في تنوين ( حياة ) من النوعية أو التعظيم . الرابع : صنعة الطباق بين القصاص والحياة فإن القصاص تفويت الحياة فهو مقابلها . الخامس : النص على ما هو المطلوب بالذات أعني الحياة فإن نفي القتل إنما يطلب لها لا لذاته . السادس : الغرابة من حيث جعل الشيء فيه حاصلاً في ضده ، ومن جهة أن المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق ، فكان القصاص فيما نحن فيه يحمي الحياة من الآفات . السابع : الخلوّ عن التكرار مع التقارب ، فإنه لا يخلو عن استبشاع ، ولا يعد ردع العجز على الصدر حتى يكون محسناً . الثامن : عذوبة اللفظ وسلاسته حيث لم يكن فيه ما في قولهم من توالي الأسباب الخفيفة إذ ليس في قولهم : حرفان متحركان على التوالي إلا في موضع واحد ، ولا شك أنه ينقص من سلاسة اللفظ وجريانه على اللسان ، وأيضاً الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعد الهمزة من اللام وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام التاسع : عدم الاحتياج إلى الحيثية ، وقولهم : يحتاج إليها . العاشر : تعريف القصاص بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على الضرب والجرح والقتل وغير ذلك ، وقولهم : لا يشمله الحادي عشر : خلوه من أفعل الموهم أن في الترك نفياً للقتل أيضاً . الثاني عشر : اشتماله على ما يصلح للقتال وهو الحياة بخلاف قولهم ، فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان ، وإنه لمما يليق بهم . الثالث عشر : خلوّه عما يوهمه ظاهر قولهم من كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال إلى غير ذلك فسبحان من علت كلمته ، وبهرت آيته ثم المراد بالحياة إما الدنيوية وهو الظاهر لأن في/ شرع القصاص والعلم به يروع القاتل عن القتل ، فكيون سبب حياة نفسين في هذه النشأة ، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل ، والجماعة بالواحد ، فتثور الفتنة بينهم ، وتقوم حرب البسوس على ساق ، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون ويصير ذلك سبباً لحياتهم ويلزم على الأول : الإضمار ، وعلى الثاني : التخصيص ، وأما الحياة الأخروية بناءاً على أن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ بحق المقتول في الآخرة ، وعلى هذا يكون الخطاب خاصاً بالقاتلين ، والظاهر أنه عام والظرفان إما خبران لحياة أو أحدهما خبر والآخر صلة له ، أو حال من المستكن فيه .

(2/113)


وقرأ أبو الجوزاء { فِى * القصص } وهو مصدر بمعنى المفعول ، والمراد من المقصوص هذا الحكم بخصوصه أو القرآن مطلقاً وحينئذ يراد بالحياة حياة القلوب لا حياة الأجساد ، وجوز كون القصص مصدراً بمعنى القصاص فتبقى الحياة على حالها .
{ يأُوْلِي الالباب } يا ذوي العقول الخالصة عن شوب الهوى ، وإنما خصهم بالنداء مع أن الخطاب السابق عام لأنهم أهل التأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس ، وقيل : للإشارة إلى أن الحكم مخصوص بالبالغين دون الصبيان { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ربكم باجتناب معاصيه المفضية إلى العذاب أو القتل بالخوف من القصاص وهو المروي عن ابن عباس والحسن وزيد رضي الله تعالى عنهم ، والجملة متعلقة بأول الكلام .

(2/114)


كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)

{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } بيان حكم آخر من الأحكام المذكورة ، وفصله عما سبق للدلالة على كونه حكماً مستقلاً كما فصل اللاحق لذلك ولم يصدره بيا أيها الذين آمنوا لقرب العهد بالتنبيه مع ملابسته بالسابق في كون كل منهما متعلقاً بالأموات ، أو لأنه لما لم يكن شاقاً لم يصدره كما صدر الشاق تنشيطاً لفعله ، والمراد من حضور الموت حضور أسبابه ، وظهور أماراته من العلل والأمرار المخوفة ، أو حضوره نفسه ودونه ، وتقديم المفعول لإفادة كمال تمكن الفعل عند النفس وقت وروده عليها .
{ إِن تَرَكَ خَيْرًا } أي مالاً كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه ومجاهد وقيده بعضهم بكونه كثيراً إذ لا يقال في العرف للمال خيراً إلا إذا كان كثيراً ، كما لا يقال : فلان ذو مال إلا إذا كان له مال كثير ، ويؤيده ما أخرجه البيهقي وجماعة عن عروة أن علياً كرم الله تعالى وجهه دخل على مولى له في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم ، فقال : ألا أوصي؟ قال : لا إنما قال الله تعالى : { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وليس لك كثير مال ، فدع مالك لورثتك . وما أخرجه ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلاً قال لها : أريد أن أوصي ، قالت : كم مالك؟ قال : ثلاثة آلاف ، قالت : كم عيالك؟ قال : أربعة ، قالت : قال الله تعالى : { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل ، والظاهر من هذا أن الكثرة غير مقدرة بمقدار ، بل تختلف باختلاف حال الرجل فإنه بمقدار من المال يوصف رجل بالغنى ولا يوصف به غيره لكثرة العيال . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تقديرها ، فقد أخرج عبد بن حميد عنه : «من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً» ومذهب الزهري أن الوصية مشروعة مما قل أو كثر ، فالخير عنده المال مطلقاً وهو أحد إطلاقاته ولعل اختياره إيذاناً بأنه ينبغي أن يكون الموصي به حلالاً طيباً لا خبيثاً لأن الخبيث يجب رده إلى أربابه ويأثم بالوصية فيه .
{ الوصية للوالدين والاقربين } مرفوع بكتب وفي الرضى إذا كان الظاهر غير حقيقي التأنيث منفصلاً فترك/ العلامة أحسن إظهار الفضل الحقيقي على غيره ولهذا اختير هنا تذكير الفعل والوصية اسم من أوصى يوصي ، وفي «القاموس» أوصاه وصاه توصية عهد إليه والاسم الوصاية والوصية وهي الموصى به أيضاً والجار متعلق بها فلا بد من تأويلها بأن مع الفعل عند الجمهور ، أو بالمصدر بناءاً على تحقيق الرضي من أن عمل المصدر لا يتوقف على تأويله ، وهو الراجح ولذلك ذكر الراجع في بدله ، وجوز أن يكون النائب ( عليكم ) و ( الوصية ) خبر مبتدأ كأنه قيل : ما المكتوب؟ فقيل : هو الوصية ، وجواب الشرط محذوف دل عليه { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } ، وقيل : مبتدأ خبره { للوالدين } والجملة جواب الشرط بإضمار الفاء لأن الاسمية إذا كانت جزاء لا بد فيها منها ، والجملة الشرطية مرفوعة بكتب أو ( عليكم ) وحده ، والجملة استئنافية ورد بأن إضمار الفاء غير صحيح لا يجترىء عليه إلا في ضرورة الشعر كما قال الخليل ، والعالم في ( إذا ) معنى ( كتب ) والظرف قيد للإيجاب من حيث الحدوث والوقوع ، والمعنى توجه خطاب الله تعالى ( عليكم ) ومقتضى كتابته ( إذا حضر ) وغير إلى ما ترى لينظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل ، وجوز أن يكون العامل الوصية ، وهي وإن كانت اسماً إلا أنها مؤولة بالمصدر أو بأن والفعل ، والظرف مما يكفيه رائحة الفعل لأن له شأناً ليس لغيره لتنزيله من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيه ، وعدم انفكاكه عنه ، ولهذا توسع في الظروف ما لم يتوسع في غيرها ، وليس كل مؤول بشيء حكمه حكم ما أوّل به ، وقد كثر تقديم معمول المصدر عليه في الكلام ، والتقدير تكلف ، ولا يرد على التقديرين أن الوصية واجبة على من حضره الموت لا على جميع المؤمنين عند حضور أحدهم الموت لأن { أَحَدَكُمُ } يفيد العموم على سبيل البدل فمعنى { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ } إذا حضر واحداً بعد واحد ، وإنما زيد لفظ أحد للتنصيص على كنها فرض عين لا كفاية كما في

(2/115)


" كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى " [ البقرة : 178 ] والقول بأن الوصية لم تفرض على من حضره الموت فقط بل عليه بأن يوصي ، وعلى الغير بأن يحفظ ولا يبدل ، ولهذا قال : { عَلَيْكُمْ } وقال : { أَحَدَكُمُ } لأن الموت يحضر أحد المخاطبين بالافتراض عليهم ليس بشيء لأن حفظ الوصية إنما يفرض على البعض بعد الوصية لا وقت الاحتضار فكيف يصح أن يقال : فرض عليكم حفظ الوصية إذا حضر أحدكم الموت ولأن إرادة الإيصاء ، وحفظه من الوصية تعسف لا يخفى ، واختار بعض المحققين أن { إِذَا } شرطية وجواب كل من الشرطين محذوف ، والتقدير : إذا حضر أحدكم الموت فليوص إن ترك خيراً فليوص فحذف جواب الشرط الأول لدلالة السياق عليه ، وحذف جواب الشرط الثاني لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه ، والشرط الثاني عند صاحب «التسهيل» مقيد للأول كأنه قيل : إذا حضر أحدكم الموت تاركاً للخير فليوص ، ومجموع الشرطين معترض بين { كتاب } وفاعله لبيان كيفية الإيصاء قبل ، ولا يخفى أن هذا الوجه مع غنائه عن تكلف تصحيح الظرفية وزيادة لفظ أحد أنسب بالبلاغة القرآنية حيث ورد الحكم أولاً مجملاً ثم مفصلاً ووقع الاعتراض بين الفعل وفاعله للاهتمام ببيان كيفية الوصية الواجبة انتهى ، وأنت تعلم ما في ذلك من كثرة الحذف المهونة لما تقدم ، ثم إن هذا الحكم كان في بدء الإسلام ثم نسخ بآية المواريث كما قاله ابن عباس وابن عمر وقتادة وشريح ومجاهد وغيرهم وقد أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه ، والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن خارجة رضي الله تعالى عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فقال :

(2/116)


" إن الله قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصية " وأخرج أحمد والبيهقي في «سننه» عن أبي أمامة الباهلي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يقول : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحو ذلك/
وهذه الأحاديث لتلقي الأمة لها بالقبول انتظمت في سلك المتواتر/ في صحة النسخ بها عند أئمتنا قدس الله أسرارهم بل قال البعض : إنها من المتواتر وأن التواتر قد يكون بنقل من لا يتصور تواطؤهم على الكذب وقد يكون بفعلهم بأن يكونوا عملوا به من غير نكير منهم على أن النسخ في الحقيقة بآية المواريث والأحاديث مبينة لجهة نسخها ، وبين فخر الإسلام ذلك بوجهين : الأول : أنها نزلت بعد آية الوصية بالاتفاق وقد قال تعالى : { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } [ النساء : 11 ] فرتب الميراث على وصية منكرة والوصية الأولى كانت معهودة فلو كانت تلك الوصية باقية لوجب ترتيبه على المعهود فلما لم يترتب عليه ورتب على المطلق دل على نسخ الوصية المقيدة لأن الإطلاق بعد التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الإطلاق كذلك لتغاير المعنيين . والثاني : أن النسخ نوعان ، أحدهما : ابتداء بعد انتهاء محض ، والثاني : بطريق الحوالة من محل إلى آخر كما في نسخ القبلة ، وهذا من قبيل الثاني لأن الله تعالى فرض الإيصاء في الأقربين إلى العباد بشرط أن يراعوا الحدود ، ويبينوا حق كل قريب بحسب قرابته ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { بالمعروف } أي بالعدل ، ثم لما كان الموصي قد لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصي لكل واحد منهم وربما كان يقصد المضارة تولى بنفسه بيان ذلك الحق على وجه تيقن به بأنه الصواب وأن فيه الحكمة البالغة ، وقصره على حدود لازمة من السدس والثلث والنصف والثمن لا يمكن تغيرها فتحول من جهة الإيصاء إلى الميراث فقال : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } [ النساء : 11 ] أي الذي فوض إليكم تولى شأنه بنفسه إذ عجزتم عن مقاديره لجهلكم ، ولما بين بنفسه ذلك الحق بعينه انتهى حكم تلك الوصية لحصول المقصود بأقوى الطرق كمن أمره غيره بإعتاق عبده ثم أعتقه بنفسه فإنه بذلك انتهى حكم الوكالة ، وإلى ذلك تشير الأحاديث لما أن الفاء تدل على سببية ما قبلها لما بعدها فما قيل : إن من أن آية المواريث لا تعارض هذا الحكم بل تحققه من حيث تدل على تقديم الوصية مطلقاً ، والأحاديث من الآحاد وتلقي الأمة لها بالقبول لا تلحقها بالمتواتر ، ولعله احترز عن النسخ من فسر الوصية بما أوصى به الله عز وجل رجل من توريث الوالدين والأقربين بقوله سبحانه :

(2/117)


{ يُوصِيكُمُ الله } [ النساء : 11 ] أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به الله تعالى عليهم على ما فيه بمعزل عن التحقيق وكذا ما قيل : من أن الوصية للوارث كانت واجبة بهذه الآية من غير تعيين لأنصبائهم فلما نزلت آية المواريث بياناً للأنصباء بلفظ الإيصاء فهم منها بتنبيه النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد منه هذه الوصية التي كانت واجبة كأنه قيل : إن الله تعالى أوصى بنفسه تلك الوصية ولم يفوضها إليكم فقام الميراث مقام الوصية فكان هذا معنى النسخ لا أن فيها دلالة على رفع ذلك الحكم لأن كون آية المواريث رافعة لذلك الحكم مبينة لانتهائه مما لا ينبغي أن يشتبه على أحد ، ثم إن القائلين بالنسخ اختلفوا ، فمنهم من قال : إن وجوبها صار منسوخاً في حق الأقارب الذين يرثون وبقي في حق الذين لا يرثون من الوالدين والأقربين كأن يكونوا كافرين ، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية ، ومنهم من قال : إن الوجوب صار منسوخاً في حق الكافة وهي مستحبة في حق الذين لا يرثون وإليه ذهب الأكثرون ، واستدل محمد بن الحسن بالآية على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين لعطفه عليه .
{ حَقّا عَلَى المتقين } مصدر مؤكد للحدث الذي دل عليه { كتاب } وعامله إما { كتاب } أو ( حق ) محذوفاً أي حق ذلك حقاً فهو على طرز قعدت جلوساً ، ويحتمل أن يكون مؤكداً لمضمون جملة { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } وإن اعتبر إنشاء فيكون على طرز له عليّ ألف عرفاً ، وجعله صفة/ لمصدر محذوف أي إيصاءاً حقاً ليس بشيء وعلى التقديرين { عَلَى المتقين } صفة له أو متعلق بالفعل المحذوف على المختار ، ويجوز أن يتعلق بالمصدر لأن المفعول المطلق يعمل نيابة عن الفعل ، والمراد بالمتقين المؤمنون ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن المحافظة على الوصية والقيام بها من شعائر المتقين الخائفين من الله تعالى .

(2/118)


فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)

{ فَمَن بَدَّلَهُ } أي غير الإيصاء من شاهد ووصي ، وتغيير كل منهما إما بإنكار الوصية من أصلها أو بالنقص فيها أو بتبديل صفتها أو غير ذلك ، وجعل الشافعية من التبديل عموم وصيته من أوصي إليه بشيء خاص ، فالموصى بشيء خاص لا يكون وصياً في غيره عندهم ويكون عندنا وليس ذلك من التبديل في شيء { بَعْدِ مَا * سَمِعَهُ } أي علمه وتحقق لديه ، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله .
{ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ } أي فما إثم الإيصاء المبدل أو التبديل ، والأول : رعاية لجانب اللفظ ، والثاني : رعاية لجانب المعنى إلا على مبدليه لا على الموصي لأنهم الذين خالفوا الشرع وخانوا ، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على علية التبديل للإثم ، وإيثار صيغة الجمع مراعاة لمعنى من ، وفيه إشعار بشمول الإثم لجميع الأفراد .
{ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فيسمع أقوال المبدلين والموصين ويعلم بنياتهم فيجازيهم على وفقها ، وفي هذا وعيد للمبدلين ووعد للموصين ، واستدل بالآية على أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية ولا يلحقه ضرر إن لم يعمل بها ، وعلى أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه يسلم من تبعته في الآخرة وإن ترك الوصي والوارث قضاءه وإلى ذلك ذهب إلكيا والذي يميل القلب إليه أن المديون لا تبعة عليه بعد الموت مطلقاً ولا يحبس في قبره كما يقوله الناس أما إذا لم يترك شيئاً ومات معسراً فظاهر لأنه لو بقي حياً لا شيء عليه بعد تحقق إعساره سوى نظرة إلى ميسرة ، فمؤاخذته وحبسه في قبره بعد ذهابه إلى اللطيف الخبير مما لا يكاد يعقل ، وأما إذا ترك شيئاً وعلم الوارث بالدين أوبرهن عليه به كان هو المطالب بأدائه والملزم بوفائه فإذا لم يؤد ولم يف أوخذ هو لا من مات وترك ما يوفي منه دينه كلاً أو بعضاً فإن مؤاخذة من يقول يا رب تركت ما يفي ولم يف عني من أوجبت عليه الوفاء بعدي ولو أمهلتني لوفيت مما ينافي الحكمة ولا تقتضيه الرحمة ، نعم المؤاخذة معقولة فيمن استدان لحرام وصرف المال في غير رضا الملك العلام ، وما ورد في الأحاديث محمول على هذا أو نحوه وأخذ ذلك مطلقاً مما لا يقبله العقل السليم والذهن المستقيم .

(2/119)


فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)

{ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا } الجنف مصدر جنف كفرح مطلق الميل والجور ، والمراد به الميل في الوصية من غير قصد بقرينة مقابلته بالإثم فإنه إنما يكون بالقصد ، ومعنى خاف توقع وعلم ومنه قوله :
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
وتحقيق ذلك أن الخوف حالة تعتري عند انقباض من شر متوقع فلتلك الملابسة استعمل في التوقع وهو قد يكون مظنون الوقوع وقد يكون معلومه فاستعمل فيهما بمرتبة ثانية ولأن الأول أكثر كان استعماله فيه أظهر ، ثم أصله أن يستعمل في الظن والعلم بالمحذور ، وقد يتسع في إطلاقه على المطلق وإنما حمل على المجاز هنا لأنه لا معنى للخوف من الميل والإثم بعد وقوع الإيصاء وقرأ أهل الكوفة غير حفص ويعقوب ( من موص ) بالتشديد والباقون بالتخفيف .
{ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } أي بين الموصي لهم من الوالدين والأقربين بإجرائهم على نهج الشرع؛ وقيل : المراد فعل مافيه الصلاح بين الموصي والموصى له بأن يأمر بالعدل والرجوع عن الزيادة وكونها للأغنياء/ وعليه لا يراد الصلح المرتب على الشقاق فإن الموصي والموصى له لم يقع بينهما شقاق { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في ذلك التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف السابق ، واستدل بالآية على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصية كلها خلافاً لزاعمه وإنما يبطل منها ما زاد عليه لأن الله تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها بل جعل فيها الوجه الأصلح { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل أتى به للوعد بالثواب للمصلح على إصلاحه وذكر المغفرة مع أن الإصلاح من الطاعات وهي إنما تليق من فعل ما لا يجوز لتقدم ذكر الإثم الذي تتعلق به المغفرة ولذلك حسن ذكرها وفائدتها التنبيه على الأعلى بما دونه يعني أنه تعالى غفور للآثام فلأن يكون رحيماً من أطاعه من باب الأولى ، ويحتمل أن يكون ذكرها وعداً للمصلح بمغفرة ما يفرط منه في الإصلاح إذ ربما يحتاج فيه إلى أقوال كاذبة وأفعال تركها أولى ، وقيل : المراد غفور للجنف والإثم الذي وقع من الموصي بواسطة إصلاح الوصي وصيته ، أو غفور للموصي بما حدث به نفسه من الخطأ والعمل إذ رجع إلى الحق ، أو غفور للمصلح بواسطة إصلاحه بأن يكون الإصلاح مكفراً لسيآته والكل بعيد .

(2/120)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } بيان لحكم آخر من الأحكام الشرعية وتكرير النداء لإظهار الاعتناء مع بعد العهد ، و الصيام كالصوم مصدر صام وهو لغة الإمساك ، ومنه يقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ، قال ابن دريد : كل شيء تمكث حركته فقد صام ، ومنه قول النابغة :
خيل ( صيام ) وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
فصامت الريح ركدت ، وصامت الشمس إذا استوت في منتصف النهار ، وشرعاً إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص في زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة { كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } أي الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى يومنا كما هو ظاهر عموم الموصول ، وعن ابن عباس ، ومجاهد رضي الله تعالى عنهما أنهم أهل الكتاب ، وعن الحسن ، والسدي ، والشعبي ، أنهم النصارى ، وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب لأنفس المخاطبين فيه ، فإن الأمور الشاقة إذا عمت طابت ، والمراد بالمماثلة إما المماثلة في أصل الوجوب وعليه أبو مسلم والجبائي وإما في الوقت والمقدار بناء على أن أهل الكتاب فرض عليهم صوم رمضان فتركه اليهود إلى صوم يوم من السنة زعموا أنه اليوم الذي أغرق فيه فرعون ، وزاد فيه النصارى يوماً قبل ويوماً بعد احتياطاً حتى بلغوا فيه خمسين يوماً فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى زمن نزول الشمس برج الحمل ، وأخرج ابن حنظلة ، والنحاس ، والطبراني عن مغفل بن حنظلة مرفوعاً «كان على النصارى صوم شهر رمضان فمرض ملكهم فقالوا : لئن شفاه الله تعالى لنزيدن عشراً ، ثم كان آخر فأكل لحماً فأوجع فوه فقالوا : لئن شفاه الله لنزيدن سبعة ، ثم كان عليهم ملك آخر فقال : ما ندع من هذه الثلاثة أيام شيئاً أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع ففعل فصارت خمسين يوماً» ، وفي { كَمَا } خمسة أوجه . أحدها : أن محله النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي كتب كتباً مثل ما كتب . الثاني : أنه في محل نصب حال من المصدر المعرفة أي كتب عليكم الصيام الكتب مشبهاً بما كتب ، و ( ما ) على الوجهين مصدرية . الثالث : أن يكون نعتاً لمصدر من لفظ الصيام أي صوماً مماثلاً للصوم المكتوب على من قبلكم . الرابع : أن يكون حالاً من الصيام أي حال كونه مماثلاً لما كتب ، و ( ما ) على الوجهين موصولة . الخامس : أن يكون في محل رفع على أنه صفة للصيام بناء على أن المعرفة بأل الجنسية/ قريب من النكرة .
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي كي تحذروا المعاصي فإن الصوم يعقم الشهوة التي هي أمها أو يكسرها .

(2/121)


فقد أخرج البخاري ، ومسلم في «صحيحيهما» عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ويحتمل أن يقدر المفعول الاخلال بأدائه ، وعلى الأول : يكون الكلام متعلقاً بقوله : { كتاب } من غير نظر إلى التشبيه ، وعلى الثاني : بالنظر إليه أي كتب عليكم مثل ما كتب على الأولين لكي تتقوا الإخلال بأدائه بعد العلم بأصالته وقدمه ولا حاجة إلى تقدير محذوف أي أعلمتكم الحكم المذكور لذلك كما قيل به وجوز أن يكون الفعل منزلاً منزل اللازم أي لكي تصلوا بذلك إلى رتبة التقوى .

(2/122)


أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

{ أَيَّامًا معدودات } أي معينات بالعد أو قليلات لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافاً قال مقاتل : كل معدودات في القرآن أو معدودة دون الأربعين ولا يقال ذلك لما زاد ، والمراد بهذه الأيام إما رمضان واختار ذلك ابن عباس والحسن وأبو مسلم رضي الله تعالى عنه وأكثر المحققين وهو أحد قولي الشافعي فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر أولاً أنه كتب علينا الصيام ثم بينه بقوله عز وجل : { أَيَّامًا معدودات } فزال بعض الإبهام ثم بينه بقوله عز من قائل : { شَهْرُ رَمَضَانَ } [ البقرة : 185 ] توطيناً للنفس عليه ، واعترض بأنه لو كان المراد ذلك لكان ذكر المريض والمسافر تكراراً ، وأجيب بأنه كان في الابتداء صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية فحين نسخ التخيير وصار واجباً على التعيين كان مظنة أن يتوهم أن هذا الحكم يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه كالمقيم والصحيح فأعيد حكمهما تنبيهاً على أن رخصتهما باقية بحالها لم تتغير كما تغير حكم المقيم والصحيح؛ وأما ما وجب صومه قبل وجوبه وهو ثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض على ما روى عن عطاء ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، أو ثلاثة من كل شهر ويوم عاشوراء على ما روي عن قتادة ، واتفق أهل هذا القول على أن هذا الواجب قد نسخ بصوم رمضان ، واستشكل بأن فرضيته إنما ثبتت بما في هذه الآية فإن كان قد عمل بذلك الحكم مدة مديدة كما قيل به فكيف يكون الناسخ متصلاً وإن لم يكن عمل به لا يصح النسخ إذ لا نسخ قبل العمل؟ وأجيب أما على اختيار الأول فبأن الاتصال في التلاوة لا يدل على الاتصال في النزول ، وأما على اختيار الثاني فبأن الأصح جواز النسخ قبل العمل فتدبر .
وانتصاب { أَيَّامًا } ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصل بينهما بأجنبي بل بمضمر دل هو عليه أعني صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعاً ، وقيل : منصوب بفعل يستفاد من كاف التشبيه ، وفيه بيان لوجه المماثلة كأنه قيل : كتب عليكم الصيام مماثلاً لصيام الذين من قبلكم في كونه أياماً معدودات أي المماثلة واقعة بين الصيامين من هذا الوجه وهو تعلق كل منهما بمدة غير متطاولة ، فالكلام من قبيل زيد كعمرو «فقها» ، وقيل : نصب على أنه مفعول ثان لكتب على الاتساع ورده في «البحر» بأن الاتساع مبني على جواز وقوعه ظرفاً لكتب وذا لا يصح لأن الظرف محل الفعل ، والكتابة ليست واقعة في الأيام وإنما الواقع فيها متعلقها وهو الصيام ، وأجيب بأنه يكفي للظرفية ظرفية المتعلق كما في

(2/123)


{ يَعْلَمُ مَا فِى * السموات والارض } [ التغابن : 4 ] وبأن معنى : { كتاب } فرض ، وفرضية الصيام واقعة في الأيام
{ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } مرضاً يعسر عليه الصوم معه كما يؤذن به قوله تعالى فيما بعد : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة : 185 ] وعليه أكثر الفقهاء ، وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرخص مطلق/ المرض عملاً بإطلاق اللفظ ، وحكي أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع إصبعه وهو قول للشافعية . { أَوْ على سَفَرٍ } أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه بأن اشتغل به قبل الفجر ففيه إيماء إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر ولهذا المعنى أوثر على مسافراً ، واستدل بإطلاق السفر على أن القصير وسفر المعصية مرخص للإفطار ، وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وما يلزمه العسر غالباً وهو السفر إلى المسافة المقدرة في الشرع .
{ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أخر إن أفطر وحذف الشرط والمضافان للعلم بهما ، أما الشرط فلأن المريض والمسافر داخلان في الخطاب العام فدل على وجوب الصوم عليهما فلو لم يتقيد الحكم هنا به لزم أن يصير المرض والسفر اللذان هما من موجبات اليسر شرعاً وعقلاً موجبين للعسر ، وأما المضاف الأول : فلأن الكلام في الصوم ووجوبه ، وأما الثاني : فلأنه لما قيل من كان مريضاً أو مسافراً فعليه عدة أي أيام معدودة موصوفة بأنها من أيام أخر علم أن المراد معدودة بعدد أيام المرض والسفر واستغنى عن الإضافة وهذا الإفطار مشروع على سبيل الرخصة فالمريض والمسافر إن شاآ صاما وإن شاآ أفطرا كما عليه أكثر الفقهاء إلا أن الإمام أبا حنيفة ومالكاً قالا : الصوم أحب ، والشافعي وأحمد والأوزاعي قالوا : الفطر أحب ، ومذهب الظاهرية وجوب الإفطار وأنهم إذا صاما لا يصح صومهما لأنه قبل الوقت الذي يقتضيه ظاهر الآية ، ونسب ذلك إلى ابن عباس ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنه وبه قال الإمامية وأطالوا بالاستدلال على ذلك بما رووه عن أهل البيت ، واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعاً ومتفرقاً وأنه ليس على الفور خلافاً لداود ، وعلى أن من أفطر رمضان كله قضى أياماً معدودة فلو كان تاماً لم يجزه شهر ناقص أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل خلافاً لمن خالف في الصورتين ، واحتج بها أيضاً من قال : لا فدية مع القضاء وكذا من قال : إن المسافر إذا أقام والمريض إذا شفي أثناء النهار لم يلزمهما الإمساك بقيته لأن الله تعالى إنما أوجب عدة من أيام أخر وهما قد أفطرا فحكم الإفطار باق لهما ومن حكمه أن لا يجب أكثر من يوم ولو أمرناه بالإمساك ثم القضاء لأوجبنا بدل اليوم أكثر منه ، ولا يخفى ما فيه ، وقرىء ( فعدة ) بالنصب على أنه مفعول لمحذوف أي فليصم عدة ومن قدر الشرط هناك قدره هنا
{ وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } أي وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا .

(2/124)


{ فِدْيَةٌ } أي إعطاؤها . { طَعَامُ مساكين } هي قدر ما يأكله كل يوم وهي نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق ومد عند أهل الحجاز لكل يوم وكان ذلك في بدء الإسلام لما أنه قد فرض عليهم الصوم وما كانوا متعودين له فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية ، أخرج البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي والنسائي ، والطبراني ، وآخرون عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه عنه قال : لما نزلت هذة الآية { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } كان من شاء منا صام ، ومن شاء أفطر ويفتدي فعل ذلك حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } [ البقرة : 185 ] ، وقرأ سعيد بن المسيب : ( يُطيّقونه ) بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية ، ومجاهد ، وعكرمة ، { يُطِيقُونَهُ } بتشديد الطاء والياء الثانية وكلتا القراءتين على صيغة المبني للفاعل على أن أصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه من فيعل وتفيعل لا من فعل وتفعل وإلا لكان بالواو دون الياء لأنه من طوق وهو واوي ، وقد جعلت الواو ياءاً فيهما ثم أدغمت الياء في الياء ومعناهما يتكلفونه ، وعائشة رضي الله تعالى عنها { *يطوقونه } بصيغة المبني للمفعول من التفعيل أي يكلفونه أو يقلدونه من الطوق بمعنى الطاقة أو القلادة ، ورويت الثلاث عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً ، وعنه { *يتطوّقونه } بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام التاء في الطاء وذهب إلى عدم النسخ كما رواه البخاري ، وأبو داود وغيرهما وقال : إن الآية نزلت في الشيخ الكبير الهرم ، والعجوز الكبيرة الهرمة . ومن الناس من لم يقل بالنسخ أيضاً على القراءة المتواترة وفسرها بيصومونه جهدهم وطاقتهم ، وهو مبني على أن الوسع اسم للقدرة على الشيء على وجه السهولة والطاقة اسم للقدرة مع الشدة والمشقة ، وفيصير المعنى : وعلى الذين يصومونه مع الشدة والمشقة فيشمل نحو الحبلى والمرضع أيضاً ، وعلى أنه من أطاق الفعل بلغ غاية طوقه أو فرغ طوقه فيه ، وجاز أن تكون الهمزة للسلب كأنه سلب طاقته بأن كلف نفسه المجهود فسلب طاقته عند تمامه ، ويكون مبالغة في بذل المجهود لأنه مشارف لزوال ذلك كما في «الكشف» والحق أن كلاً من القراآت يمكن حملها على ما يحتمل النسخ وعلى ما لا يحتمله ، ولكل ذهب بعض وروي عن حفصة أنها قرأت { وَعَلَى الذين * لا * يُطِيقُونَهُ } وقرأ نافع ، وابن عامر بإضافة ( فدية ) إلى الطعام وجمع المسكين والإضافة حينئذ من إضافة الشيء إلى جنسه كخاتم فضة لأن طعام المسكين يكون فدية وغيرها ، وجمع المسكين لأنه جمع في { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } فقابل الجمع بالجمع ، ولم يجمع ( فدية ) لأنها مصدر والتاء فيها للتأنيث لا للمرة ولأنه لما أضافها إلى مضاف إلى الجمع فُهِم منها الجمع .

(2/125)


{ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } بأن زاد على القدر المذكور في الفدية قال مجاهد : أو زاد على عدد من يلزمه إطعامه فيطعم مسكينين فصاعداً قاله ابن عباس أو جمع بين الإطعام والصوم قاله ابن شهاب . { فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } أي التطوع أو الخير الذي تطوعه ، وجعل بعضهم الخير الأول مصدر خرت يا رجل وأنت خائر أي حسن ، والخير الثاني اسم تفضيل فيفيد الحمل أيضاً بلا مرية وإرجاع الضمير إلى ( مَن ) أي فالمتطوع خير من غيره لأجل التطوع لا يخفى بعده { وَأَن تَصُومُواْ } أي أيها المطيقون المقيمون الأصحاء ، أو المطوقون من الشيوخ والعجائز ، أو المرخصون في الإفطار من الطائفتين ، والمرضى والمسافرين ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب جبراً لكلفة الصوم بلذة المخاطبة ، وقرأ أبيّ ( والصيام خَيْرٌ لَّكُمْ ) من الفدية أو تطوع الخير على الأولين ، أو منهما ومن التأخير للقضاء على الأخير { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ما في الصوم من الفضيلة ، وجواب { ءانٍ } محذوف ثقة بظهوره أي اخترتموه وقيل : معناه إن كنتم من أهل العلم علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك ، وعليه تكون الجملة تأكيداً لخيرية الصوم وعلى الأول تأسيساً .

(2/126)


شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

{ شَهْرُ رَمَضَانَ } مبتدأ خبره الموصول بعده ، ويكون ذكر الجملة مقدمة لفرضية صومه بذكر فضله ، أو { فَمَن شَهِدَ } والفاء لتضمنه معنى الشرط لكونه موصوفاً بالموصول ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم الوقت الذي كتب عليكم الصيام فيه ، أو المكتوب شهر رمضان ، أو بدل من الصيام بدل كل بتقدير مضاف ، أي كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان ، وما تخلل بينهما من الفصل متعلق ب { كتاب } [ البقرة : 183 ] لفظاً أو معنى فليس بأجنبي مطلقاً ، وإن اعتبرته بدل اشتمال استغنيت عن التقدير ، إلا أن كون الحكم السابق وهو فرضية الصوم مقصوداً بالذات ، وعدم كون ذكر المبدل منه مشوقاً إلى ذكر البدل يبعد ذلك ، وقرىء { شَهْرٍ } بالنصب على أنه مفعول لصوموا محذوفاً؛ وقيل : إنه مفعول { وَأَن تَصُومُواْ } [ البقرة : 184 ] وفيه لزوم الفصل بين أجزاء المصدرية/ بالخبر ، وجوز أن يكون مفعول { تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 184 ] بتقدير مضاف أي شرف شهر رمضان ونحوه وقيل : لا حاجة إلى التقدير ، والمراد : إن كنتم تعلمون نفس الشهر ولا تشكون فيه ، وفيه إيذان بأن الصوم لا ينبغي مع الشك وليس بشيء كما لا يخفى والشهر المدة المعينة التي ابتداؤها رؤية الهلال ، ويجمع في القلة على أشهر ، وفي الكثرة على شهور ، وأصله من شهر الشيء أظهره ، وهو لكونه ميقاتاً للعبادات والمعاملات صار مشهوراً بين الناس ، و { ( مضان ) مصدر رمض بكسر العين إذا احترق ، وفي «شمس العلوم» من المصادر التي يشترك فيها الأفعال فعلان بفتح الفاء والعين وأكثر ما يجيء بمعنى المجيء والذهاب والاضطراب كالخفقان والعسلان واللمعان وقد جاء لغير المجيء والذهاب كما في شنآناً إذا بغضته فما في «البحر» من أن كونه مصدراً يحتاج إلى نقل فإن فعلاناً ليس مصدر فعل اللازم فإن جاء شيء منه كان شاذاً ، فالأولى أن يكون مرتجلاً لا منقولاً ناشيء عن قلة الاطلاع ، والخليل يقول : إن من الرمض مسكن الميم وهو مطر يأتي قبل الخريف يظهر وجه الأرض عن الغبار ، وقد جعل مجموع المضاف والمضاف إليه علماً للشهر المعلوم ، ولولا ذلك لم يحسن إضافة ( شهر ) إليه كما لا يحسن إنسان زيد وإنما تصح إضافة العام إلى الخاص إذا اشتهر كون الخاص من أفراده ، ولهذا لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان ، وبالجملة فقد أطبقوا على أن العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان ، وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني ، وفي البواقي لا يضاف شهر إليه ، وقد نظم ذلك بعضهم فقال :
ولا تضف شهراً إلى اسم شهر ... إلا لما أوله الرا فادر
واستثن منها رجباً فيمتنع ... لأنه فيما رووه ما سمع

(2/127)


ثم في الإضافة يعتبر في أسباب منع الصرف وامتناع اللام ووجوبها حال المضاف إليه فيمتنع في مثل { شهر رمضان } وابن داية من الصرف ودخول اللام وينصرف في مثل شهر ربيع الأول وابن عباس ويجب اللام في مثل امرىء القيس لأنه وقع جزءاً حال تحليته باللام ، ويجوز في مثل ابن عباس أما دخلوه فللمح الأصل ، وأما عدمه فلتجرده في الأصل ، وعلى هذا فنحو من صام رمضان من حذف جزء العلم لعدم الالباس كذا قيل وفيه بحث أما أولاً : لأن إضافة العام إلى الخاص مرجعها إلى الذوق ، ولهذا تحسن تارة كشجر الأراك ، وتقبح أخرى كإنسان زيد وقبحها في { شَهْرُ رَمَضَانَ } لا يعرفه إلا من تغير ذوقه من أثر الصوم ، وأما ثانياً : فإن قولهم : لم يسمع شهر رجب الخ ، مما سمع بين المتأخرين ولا أصل له ففي «شرح التسهيل» جواز إضافة ( شهر ) إلى جميع أسماء الشهور وهو قول أكثر النحويين فادعاء الأطباق غير مطبق عليه ، ومنشأ غلط المتأخرين ما في «أدب الكاتب» من أنه اصطلاح الكتاب ، قال : لأنهم لما وضعوا التاريخ في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وجعلوا أول السنة المحرم ، فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهراً إلا مع رمضان والربيعين ، فهو أمر اصطلاحي لا وضعي لغوي ووجه في ( رمضان ) موافقة القرآن ، وفي ربيع الفصل عن الفصل ، ولذا صحح سيبويه جواز إضافة الشهر إلى جميع أسماء الشهور ، وفرق بين ذكره وعدمه بأنه حيث ذكر لم يفد العموم وحيث حذف أفاده وعليه يظهر الفرق بين إنسان زيد و { شَهْرُ رَمَضَانَ } ولا يغم هلال ذلك . وأما ثالثاً : فلأن قوله : ( ثم ) في الإضافة الخ ، مما صرح النحاة بخلافه ، فإن ابن داية سمع منعه وصرفه كقوله :
ولما رأيت النسر عز ابن داية ... وعشش في وكريه جاش له صدري
قالوا : ولكل وجه ، أما عدم الصرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمة بالتسمية فكان كطلحة مفرداً وهو غير منصرف ، وأما الصرف فلأن المضاف إليه في أصله اسم جنس والمضاف كذلك وكل منهما بانفراده ليس بعلم ، وإنما العلم مجموعهما فلا يؤثر التعريف فيه؛ ولا يكون لمنع الصرف مدخل فليحفظ ، وبالجملة المعول عليه أن رمضان وحده علم وهو علم جنس لما علمت ، ومنع بعضهم أن يقال : رمضان بدون شهر لما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً

(2/128)


« لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان » وإلى ذلك ذهب مجاهد والصحيح الجواز فقد روي ذلك في الصحيح والاحتياط لا يخفى وإنما سمي الشهر به لأن الذنوب ترمض فيه قاله ابن عمر وروى ذلك أنس وعائشة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة ، وكان اسمه قبل ناتقاً ، ولعل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم مبين لما ينبغي أن يكون وجه التسمية عند المسلمين ، وإلا فهذا الاسم قبل فرضية الصيام بكثير على ما هو الظاهر .
{ الذى أُنزِلَ فِيهِ * القرءان } أي ابتدىء فيه إنزاله وكان ذلك ليلة القدر قاله ابن إسحق ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن جبير والحسن أنه نزل فيه جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجماً إلى الأرض في ثلاث وعشرين سنة ، وقيل : أنزل في شأنه القرآن ، وهو قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة : 183 ] وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين ، والإنجيل لثلاث عشرة ، والقرآن لأربع وعشرين » ولما كان بين الصوم ونزول الكتب الإلهية مناسبة عظيمة كان هذا الشهر المختص بنزولها مختصاً بالصوم الذي هو نوع عظيم من آيات العبودية ، وسبب قوي في إزالة العلائق البشرية المانعة عن إشراق الأنوار الصمدية .
{ هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان } حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما ( أنزل ) أي أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير ، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق ، والفارقة بين الحق والباطل باشتمالها على المعارف الإلهية والأحكام العملية كما يشعر بذلك جعله بينات منها فهو هاد بواسطة أمرين مختص وغير مختص فالهدى ليس مكرراً ، وقيل : مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية فيه كما تقول عالم نحرير .
{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ( من ) شرطية أو موصولة والفاء إما جواب الشرط ، أو زائدة في الخبر ، و { مّنكُمْ } في محل نصب على الحال من المستكن في { شَهِدَ } والتقييد به لإخراج الصبي والمجنون ، و { شَهِدَ } من الشهود والتركيب يدل على الحضور إما ذاتاً أو علماً ، وقد قيل : بكل منهما هنا ، و { الشهر } على الأول : مفعول فيه والمفعول به متروك لعدم تعلق الغرض به فتقدير البلد أو المصر ليس بشيء ، وعلى الثاني : مفعول به بحذف المضاف أي هلال الشهر وأل فيه على التقديرين للعهد ووضع المظهر موضع المضمر للتعظيم ونصب الضمير المتصل في يصمه على الاتساع لأن صام لازم والمعنى فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه أو من علم هلال الشهر وتيقن به فليصم ، ومفاد الآية على هذا عدم وجوب/ الصوم على من شك في الهلال وإنما قدر المضاف لأن شهود الشهر بتمامه إنما يكون بعد انقضائه ولا معنى لترتب وجوب الصوم فيه بعد انقضائه وعليه يكون قوله تعالى : { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } مخصصاً بالنظر إلى المريض والمسافر كليهما ، وعلى الأول : مخصص بالنظر إلى الأول دون الثاني وتكريره حينئذٍ لذلك التخصيص أو لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه والأول كما قيل على رأي من شرط في المخصص أن يكون متراخياً موصولاً ، والثاني : على رأي من جوز كونه متقدماً وهذا بجعل المخصص هو الآية السابقة ، و ( ما ) هنا لمجرد دفع التوهم ورجح المعنى الأول من المعنيين بعدم الاحتياج إلى التقدير وبأن الفاء في { فَمَن شَهِدَ } عليه وقعت في مخرها مفصلة لما أجمل في قوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ } من وجوب التعظيم المستفاد مما في أثره على كل من أدركه ومدركه إما حاضر أو مسافر فمن كان حاضراً فحكمه كذا الخ ولا يحسن أن يقال من علم الهلال فليصم ومن كان مريضاً أو على سفر فليقض لدخول القسم الثاني في الأول والعاطف التفصيلي يقتضي المغايرة بينهما كذا قيل ، لكن ذكر المريض يقوي كونه مخصصاً لدخوله فيمن شهد على الوجهين ، ولذا ذهب أكثر النحويين إلى أن الشهر مفعول به فالفاء للسببية أو للتعقيب لا للتفصيل .

(2/129)


{ يُرِيدُ الله } بهذا الترخيص { بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } لغاية رأفته وسعة رحمته ، واستدل المعتزلة بالآية على أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تعالى وذلك لأن المريض والمسافر إذا صاما حتى أجهدهما الصوم فقد فعلا خلاف ما أراد الله تعالى لأنه أراد التيسير ولم يقع مراده ، ورد بأن الله تعالى أراد التيسير وعدم التعسير في حقهما بإباحة الفطر ، وقد حصل بمجرد الأمر بقوله عز شأنه : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } من غير تخلف ، وفي «البحر» تفسير الإرادة هنا بالطلب ، وفيه أنه التزام لمذهب الاعتزال من أن إرادته تعالى لأفعال العباد عبارة عن الأمر وأنه تعالى ما طلب منا اليسر بل شرعه لنا ، وتفسير اليسر بما يسر بعيد ، وقرأ أبو جعفر ( اليسر ) و ( العسر ) بضمتين .
{ وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علل لفعل محذوف دل عليه { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } الخ أي وشرع لكم جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر المستفاد من قوله تعالى : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وأمر المرخص له بالقضاء كيفما كان متواتراً أو متفرقاً وبمراعاة عدة ما أفطره من غير نقصان فيه المستفادين من قوله سبحانه وتعالى : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ومن الترخيص المستفاد من قوله عز وجل : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } أو من قوله تعالى : { فَعِدَّةٌ } الخ لتكملوا الخ والأول علة الأمر بمراعاة عدة الشهر بالأداء في حال شهود الشهر ، وبالقضاء في حال الإفطار بالعذر فيكون علة لمعللين أي أمرناكم بهذين الأمرين لتكملوا عدة الشهر بالأداء والقضاء فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته نقصت أيامه أو كملت { وَلِتُكَبّرُواْ الله } علة الأمر بالقضاء وبيان كيفيته { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علة الترخيص والتيسير ، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى أن هذا المطلوب بمنزلة المرجو لقوة الأسباب المتآخذة في حصوله وهو ظهور كون الترخيص نعمة ، والمخاطب موقن بكمال رأفته وكرمه مع عدم فوات بركات الشهر ، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك قلما يهتدى إليه لأن مقتضى الظاهر ترك الواو لكونها عللاً لما سبق ، ولذا قال من لم يبلغ درجة الكمال : إنها زائدة أو عاطفة على علة مقدرة ووجه اختياره أما على الأول : فظاهر ، وأما على الثاني : فلما فيه من مزيد الاعتناء بالأحكام السابقة مع عدم التكلف لأن الفعل المقدر لكونه مشتملاً على ما سبق إجمالاً يكون ما سبق قرينة عليه مع بقاء التعليل/ بحاله ولكونه مغايراً له بالإجمال ، والتفصيل يصح عطفه عليه ، وفي ذكر الأحكام تفصيلاً أولاً ، وإجمالاً ثانياً وتعليلها من غير تعيين ثقة على فهم السامع بأن يلاحظها مرة بعد أخرى ويرد كل علة إلى ما يليق به ما لا يخفى من الاعتناء ، وجوز أن تكون عللاً لأفعال مقدرة كل فعل مع علة والتقدير ولتكملوا العدة أوجب عليكم عدة أيام أخر ولتكبروا الله على ما هداكم علمكم كيفية القضاء { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } رخصكم في الإفطار وإن شئت جعلتها معطوفة على علة مقدرة أي ليسهل عليكم أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا الخ وجعلت المجموع علة للأحكام السابقة إما باعتبار أنفسها أو باعتبار الأعلام بها فقوله : ليسهل أو لتعلموا علة لما سبق باعتبار الأعلام وما بعده علة للأحكام المذكورة كما مر ، ولك أن لا تقدر شيئاً أصلاً وتجعل العطف على اليسر أي ويريد بكم لتكملوا الخ واللام زائدة مقدرة بعدها أن وزيدت كما قيل : بعد فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك جئتك لإكرامك ، وقيل : إنها بمعنى أن كما في الرضي إلا أنه يلزم على هذا الوجه أن يكون { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } عطفاً على { يُرِيدُ } إذ لا معنى لقولنا يريد لعلكم تشكرون ، وحينئذٍ يحصل التفكيك بين المتعاطفات وهو بعيد ، ولاستلزام هذا الوجه ذلك وكثرة الحذف في بعض الوجوه السابقة وخفاء بعضها عدل بعضهم عن الجميع ، وجعل الكلام من الميل مع المعنى لأن ما قبله علة للترخيص فكأنه قيل : رخص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسر دون ولتكملوا الخ ، ولا يخفى عليك ما هو الأليق بشأن الكتاب العظيم ، والمراد من التكبير الحمد والثناء مجازاً لكونه فرداً منه ولذلك عدي بعلي ، واعتبار التضمين أي لتكبروا حامدين ليس بمعتبر لأن الحمد نفس التكبير ولكونه على هذا عبادة قولية ناسب أن يعلل به الأمر بالقضاء الذي هو نعمة قولية أيضاً ، وأخرج ابن المنذر وغيره عن زيد بن أسلم أن المراد به التكبير يوم العيد ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه التكبير عند الإهلال ، وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله تعالى يقول : { وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله } وعلى هذين القولين لا يلائم تعليل الأحكام السابقة ، و ( ما ) يحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون موصولة أي الذي هداكموه أو هداكم إليه ، والمراد من الشكر ما هو أعم من الثناء ولذا ناسب أن يجعل طلبه تعليلاً للترخيص الذي هو نعمة فعلية . وقرأ أبو بكر عن عاصم { وَلِتُكْمِلُواْ } بالتشديد .

(2/130)


وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي } في تلوين الخطاب مع توجيهه لسيد ذوي الألباب عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف ورفع المحل { عَنّي } أي عن قربي وبعدي إذ ليس السؤال عن ذاته تعالى . { فَإِنّي قَرِيبٌ } أي فقل لهم ذلك بأن تخبر عن القرب بأي طريق كان ، ولا بد من التقدير إذ بدونه لا يترتب على الشرط ، ولم يصرح بالمقدر كما في أمثاله للإشارة إلى أنه تعالى تكفل جوابهم ولم يكلهم إلى رسوله صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على كمال لطفه ، والقرب حقيقة في القرب المكاني المنزه عنه تعالى فهو استعارة لعلمه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على سائر أحوالهم ، وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الله بن أحمد عن أبيّ قال : قال المسلمون يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله الآية { أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ } دليل للقرب وتقرير له فالقطع لكمال الاتصال ، وفيه وعد الداعي بالإجابة في الجملة على ما تشير إليه كلمة { إِذَا } لا كلياً فلا حاجة إلى التقييد بالمشيئة المؤذن به قوله تعالى في آية أخرى : { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } [ الأنعام : 1 4 ] ولا إلى أن القول بأن إجابة الدعوة غير قضاء الحاجة لأنها قوله سبحانه وتعالى : لبيك يا عبدي وهو موعود موجود لكل مؤمن يدعو ولا/ إلى تخصيص الدعوة بما ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم ، أو الداعي بالمطيع المخبت . نعم كونه كذلك أرجى للإجابة لا سيما في الأزمنة المخصوصة والأمكنة المعلومة والكيفية المشهورة ، ومع هذا قد تتخلف الإجابة مطلقاً وقد تتخلف إلى بدل ، ففي الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله تبارك وتعالى إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء مثلها » وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى .
{ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } أي فليطلبوا إجابتي لهم إذا دعوني أو فليجيبوا لي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم ، واستجاب وأجاب واحد ومعناه قطع مسألته بتبليغه مراده من الجوب بمعنى القطع ، وهذا ما عليه أكثر المفسرين ولا يغني عنه { وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } لأنه أمر بالثبات والمداومة على الإيمان { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } أي يهتدون لمصالح دينهم ودنياهم ، وأصل الباب إصابة الخير ، وقرىء بفتح الشين وكسرها ، ولما أمرهم سبحانه وتعالى بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه تعالى خبير بأفعالهم سميع لأقوالهم مجازيهم على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه ، أو أنه لما نسخ الأحكام في الصوم ذكر هذه الآية الدالة على كمال علمه بحال العباد وكمال قدرته عليهم ونهاية لطفه بهم في أثناء نسخ الأحكام تمكيناً لهم في الإيمان ، وتقريراً لهم على الاستجابة لأن مقام النسخ من مظان الوسوسة والتزلزل ، فالجملة على التقديرين اعتراضية بين كلامين متصلين معنى ، أحدهما : ما تقدم
[ بم
والثاني : قوله سبحانه وتعالى :

(2/131)


أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ } أخرج أحمد وجماعة عن كعب بن مالك قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأيقظها وأرادها فقالت : إني قد نمت فقال : ما نمت ، ثم وقع بها؛ وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت . وفي رواية ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أعتذر إلى الله تعالى وإليك من نفسي هذه الخاطئة فإنها زينت لي فواقعت أهلي هل تجد لي من رخصة؟ قال : لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وأمر الله تعالى رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة فقال : { أُحِلَّ لَكُمُ } الخ وليلة الصيام الليلة التي يصبح منها صائماً فالإضافة لأدنى ملابسة ، والمراد بها الجنس وناصبها الرفث المذكور أو المحذوف الدال هو عليه بناءاً على أن المصدر لا يعمل متقدماً ، وجوز أن يكون ظرفاً لأحل لأن إحلال الرفث في ليلة الصيام وإحلال الرفث الذي فيها متلازمان ، والرفث من رفث في كلامه وأرفث وترفث أفحش وأفصح بما يكنى عنه ، والمراد به هنا الجماع لأنه لا يكاد يخلو من الإفصاح ، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أنشد وهو محرم :
وهن يمشين بنا هميسا ... إن صدق الطير ننك لميسا
فقيل له : أرفثت؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء ، فالرفث فيه يحتمل أن يكون قولاً وأن يكون فعلاً ، والأصل فيه أن يتعدى بالباء وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء ولم يجعل من أول الأمر كناية عنه لأن المقصود هو/ الجماع فقصرت المسافة ، وإيثاره ههنا على ما كنى به عنه في جميع القرآن من التغشية والمباشرة واللمس والدخول ونحوها استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة ، ولذا سماه اختيانا فيما بعد ، والنساء جمع نسوة فهو جمع الجمع أو جمع امرأة على غير اللفظ وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للاختصاص إذ لا يحل الإفضاء إلا لمن اختص بالمفضي إما بتزويج أو ملك ، وقرأ عبد الله ( الرفوث ) .
{ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن قاله ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق وأنشد رضي الله تعالى عنهما لما قال له : هل تعرف العرب ذلك؟ قول الذبياني :

(2/132)


إذا ما الضجيع ثنى عطفه ... تثنت عليه فكانت ( لباساً )
ولما كان الرجل والمرأة يتعانقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه كل واحد بالنظر إلى صاحبه باللباس أو لأن كل واحد منهما يستر صاحبه ويمنعه عن الفجور ، وقد جاء في الخبر « من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه » والجملتان مستأنفتان استئنافاً نحوياً والبياني يأباه الذوق ، ومضمونهما بيان لسبب الحكم السابق وهو قلة الصبر عنهن كما يستفاد من الأولى ، وصعوبة اجتنابهن كما تفيده الثانية ولظهور احتياج الرجل إليهن وقلة صبره قدم الأولى ، وفي الخبر « لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً »
{ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } جملة معترضة بين قوله تعالى : { أَحَلَّ } الخ وبين ما يتعلق به أعني { فالن } الخ لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم قبل الإحلال ، ومعنى { عِلْمٍ } تعلق علمه ، و الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة أو الخيانة البليغة فيكون المعنى تنقصون أنفسكم تنقيصاً تاماً بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب ، ويؤول إلى معنى تظلمونها بذلك ، والمراد الاستمرار عليه فيما مضى قبل إخبارهم بالحال كما ينبىء عنه صيغتا الماضي والمضارع وهو متعلق العلم ، وما تفهمه الصيغة الأولى من تقدم كونهم على الخيانة على العلم يأبى حمله على الأزلي الذاهب إليه البعض .
{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } عطف على { عِلْمٍ } والفاء لمجرد التعقيب ، والمراد قبل توبتكم حين تبتم عن المحظور الذي ارتكبتموه { الضر عَنْكُمْ } أي محا أثره عنكم وأزال تحريمه ، وقيل : الأول لإزالة التحريم وهذا لغفران الخطيئة { فالن } مرتب على قوله سبحانه وتعالى : { أُحِلَّ لَكُمُ } نظراً إلى ما هو المقصود من الإحلال وهو إزالة التحريم أي حين نسخ عنكم تحريم القربان وهو ليلة الصيام كما يدل عليه الغاية الآتية فإنها غاية للأوامر الأربعة التي هذا ظرفها ، والحضور المفهوم منه بالنظر إلى فعل نسخ التحريم وليس حاضراً بالنظر إلى الخطاب بقوله تعالى : { باشروهن } ، وقيل : إنه وإن كان حقيقة في الوقت الحاضر إلا أنه قد يطلق على المستقبل القريب تنزيلاً له منزلة الحاضر وهو المراد هنا أو إنه مستعمل في حقيقته والتقدير قد أبحنا لكم مباشرتهن ، وأصل المباشرة إلزاق البشرة بالبشرة وأطلقت على الجماع للزومها لها .
{ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } أي اطلبوا ما قدره الله تعالى لكم في اللوح من الولد ، وهو المروي عن ابن عباس . والضحاك .

(2/133)


ومجاهد . رضي الله تعالى عنهم وغيرهم . والمراد الدعاء بطلب ذلك بأن يقولوا : اللهم ارزقنا ما كتبت لنا ، وهذا لا يتوقف على أن يعلم كل واحد أنه قدر له ولد ، وقيل : المراد ما قدره لجنسكم والتعبير بما نظراً إلى الوصف كما في قوله تعالى : { والسماء وَمَا بناها } [ الشمس : 5 ] وفي الآية دلالة على أن المباشر ينبغي أن يتحرى بالنكاح حفظ النسل لا قضاء الشهوة فقط لأنه سبحانه وتعالى جعل لنا شهوة الجماع لبقاء نوعنا إلى/ غاية كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية ، ومجرد قضاء الشهوة لا ينبغي أن يكون إلا للبهائم ، وجعل بعضهم هذا الطلب كناية عن النهي عن العزل ، أو عن إتيان المحاش ، وبعض فسر من أول مرة ما كتب بما سن وشرع من صب الماء في محله ، أي اطلبوا ذلك دون العزل والإتيان المذكورين والمشهور حرمتهما أما الأول : فالمذكور في الكتب فيه أنه لا يعزل الرجل عن الحرة بغير رضاها ، وعن الأمة المنكوحة بغير رضاها أو رضا سيدها على الاختلاف بين الإمام وصاحبيه ، ولا بأس بالعزل عن أمته بغير رضاها إذ لا حق لها . وأما الثاني : فسيأتي بسط الكلام فيه على أتم وجه إن شاء الله تعالى . وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه تفسير ذلك بليلة القدر . وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً وعن قتادة أن المراد : ابتغوا الرخصة التي كتب الله تعالى لكم فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ، وعليه تكون الجملة كالتأكيد لما قبلها ، وعن عطاء أنه سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كيف تقرأ هذه الآية { ابتغوا } أو ( ابتعوا ) ؟ فقال : أيهما شئت ، وعليك بالقراءة الأولى .
{ وَكُلُواْ واشربوا } الليل كله { حتى يَتَبَيَّنَ } أي يظهر { لَكُمُ الخيط الابيض } وهو أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره ، وحمله على الفجر الكاذب المستطيل الممتد كذنب السرحان وهم { مِنَ الخيط الاسود } وهو ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة آخر الليل { مِنَ الفجر } بيان لأول الخيطين ومنه يتبين الثاني وخصه بالبيان لأنه المقصود وقيل : بيان لهما بناءاً على أن الفجر عبارة عن مجموعهما لقول الطائي :
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... فهو على وزان قولك : حتى يتبين العالم من الجاهل من القوم ، وبهذا البيان خرج الخيطان عن الاستعارة إلى التشبيه لأن شرطها عندهم تناسيه بالكلية ، وادعاء أن المشبه هو المشبه به لولا القرينة والبيان ينادي على أن المراد مثل هذا الخيط وهذا الخيط إذ هما لا يحتاجان إليه ، وجوّز أن تكون { مِنْ } تبعيضية لأن ما يبدو جزء من الفجر كما أنه فجر بناءً على أنه اسم للقدر المشترك بين الكل والجزاء ، و { مِنْ } الأولى قيل : لابتداء للغاية ، وفيه أن الفعل المتعدي بها يكون ممتداً أو أصلاً للشيء الممتد ، وعلامتها أن يحسن في مقابلتها ( إلى ) أو ما يفيد مفادها وما هنا ليس كذلك فالظاهر أنها متعلقة ب { يَتَبَيَّنَ } بتضمين معنى التميز ، والمعنى حتى يتضح لكم الفجر متميزاً عن غبش الليل؛ فالغاية إباحة ما تقدم حتى يتبين أحدهما من الآخر ويميز بينهما ، ومن هذا وجه عدم الاكتفاء ب { حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ } الفجر ، أو ( يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر ) لأن تبين الفجر له مراتب كثيرة ، فيصير الحكم مجملاً محتاجاً إلى البيان ، وما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال : أنزلت { وَكُلُواْ واشربوا } الخ ولم ينزل { مِنَ الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله تعالى بعد { مِنَ الفجر } فعلموا إنما يعني الليل والنهار ، فليس فيه نص على أن الآية قبل محتاجة إلى البيان بحيث لا يفهم منها المقصود إلا به وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز لجواز أن يكون الخيطان مشتهرين في المراد منهما ، إلا أنه صرح بالبيان لما التبس على بعضهم ، ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وصف من لم يفهم المقصود من الآية قبل التصريح بالبلادة ولو كان الأمر موقوفاً على البيان لاستوى فيه الذكي البليد ، فقد أخرج سفيان بن عيينة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وجماعة عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال : لما أنزلت هذه الآية/ { وَكُلُواْ واشربوا } الخ عمدت إلى عقالين أحدهما : أسود والآخر : أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت فقال :

(2/134)


" إن وسادك إذاً لعريض إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل " وفي رواية : «إنك لعريض القفا» وقيل : إن نزول الآية كان قبل دخول رمضان وهي مبهمة والبيان ضروري إلا أنه تأخر عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة وهو لا يضر ولا يخفى ما فيه وقال أبو حيان : إن هذا من باب النسخ ، ألا ترى أن الصحابة عملوا بظاهر ما دل عليه اللفظ ثم صار مجازاً بالبيان ويرده على ما فيه أن النسخ يكون بكلام مستقل ولم يعهد نسخ هكذا .
وفي هذه الأوامر دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب بل على وقوعه بناءاً على القول بأن الحكم المنسوخ من حرمة الوقاع والأكل والشرب كانت ثابتة بالسنة ، وليس في القرآن ما يدل عليها ، و { أَحَلَّ } أيضاً يدل على ذلك إلا أنه نسخ بلا بدل وهو مختلف فيه ، واستدل بالآية على صحة صوم الجنب لأنه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبين الفجر إباحتها في آخر جزء من أجزاء الليل متصل بالصبح فإذا وقعت كذلك أصبح الشخص جنباً فإن لم يصح صومه لما جازت المباشرة لأن الجنابة لازمة لها ومنافي اللازم مناف للملزوم ، ولا يرد خروج المني بعد الصبح بالجماع الحاصل قبله لأنه إنما يفسد الصوم لكونه مكمل الجماع فهو جماع واقع في الصبح ، وليس بلازم للجماع كالجنابة ، وخالف في ذلك بعضهم ومنع الصحة زاعماً أن الغاية متعلقة بما عندها ، واحتج بآثار صح لدى المحدثين خلافها .

(2/135)


واستدل بها أيضاً على جواز الأكل مثلاً لمن شك في طلوع الفجر لأنه تعالى أباح ما أباح مغيا بتبينه ولا تبين مع الشك خلافاً لمالك ومجاهد بها على عدم القضاء والحال هذه إذا بان أنه أكل بعد الفجر لأنه أكل في وقت أذن له فيه ، وعن سعيد بن منصور مثله وليس بالمنصور والأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم على أن أول النهار الشرعي طلوع الفجر فلا يجوز فعل شيء من المحظورات بعده وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمى ، فزعم أن أوله طلوع الشمس كالنهار العرفي وجوز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر ، وكذا الإمامية وحمل { مِنَ الفجر } على التبعيض وإرادة الجزء الأخير منه والذي دعاه لذلك خبر «صلاة النهار عجماء» وصلاة الفجر ليست بها فهي في الليل ، وأيده بعضهم بأن شوب الظلمة بالضياء كما أنه لم يمنع من الليليلة بعد غروب الشمس ينبغي أن لا يمنع منها قبل طلوعها وتساوي طرفي الشيء مما يستحسن في الحكمة وإلى البدء يكون العود ، وفيه أن النهار في الخبر بعد تسليم صحته يحتمل أن يكون بالمعنى العرفي ولو أراده سبحانه وتعالى في هذا الحكم لقال : وكلوا واشربوا إلى النهار ثُمَّ أَتمُّواْ الصيام إلَى اليل مع أنه أخصر وأوفق مما عدل إليه فحيث لم يفعل فهم أن الأمر مربوط بالفجر لا بطلوع الشمس سواء عد ذلك نهاراً أم لا ، وما ذكر من استحسان تساوي طرفي الشيء مع كونه مما لا يسمن ولا يغني من جوع في هذا الباب يمكن معارضته بأن جعل أول النهار كأول الليل وهما متقابلان مما يدل على عظم قدرة الصانع الحكيم وإلى الانتهاء غاية الإتمام ، ويجوز أن يكون حالاً من الصيام فيتعلق بمحذوف ولا يجوز جعله غاية للإيجاب لعدم امتداده ، وعلى التقديرين تدل الآية على نفي كون الليل محل الصوم وأن يكون صوم اليومين صومة واحدة ، وقد استنبط النبي صلى الله عليه وسلم منها حرمة الوصال كما قيل ، فقد روى أحمد من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت : أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال : يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى ، وأتموا الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فافطروا ، ولا تدل الآية على أن لا يجوز الصوم حتى يتخلل الإفطار خلافاً لزاعمه ، / نعم استدل بها على صحة نية رمضان في النهار ، وتقرير ذلك أن قوله تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ } الخ معطوف على قوله : { باشروهن } إلى قوله سبحانه : { حتى يَتَبَيَّنَ } وكلمة { ثُمَّ } للتراخي والتعقيب بمهلة واللام في ( الصيام ) للعهد على ما هو الأصل ، فيكون مفاد { ثُمَّ أَتِمُّواْ } الخ الأمر بإتمام الصيام المعهود أي الإمساك المدلول عليه بالغاية سواء فسر بإتيانه تاماً ، أو بتصييره كذلك متراخياً عن الأمور المذكورة المنقضية بطلوع الفجر تحقيقاً لمعنى ( ثم ) فصارت نية الصوم بعد مضي جزء من الفجر لأن قصد الفعل إنما يلزمنا حين توجه الخطاب ، وتوجهه بالإتمام بعد الفجر لأنه بعد الجزء الذي هو غاية لانقضاء الليل تحقيقاً لمعنى التراخي ، والليل لا ينقضي إلا متصلاً بجزء من الفجر ، فتكون النية بعد مضي جزء الفجر الذي به انقطع الليل ، وحصل فيه الإمساك المدلول عليه بالغاية ، فإن قيل : لو كان كذلك وجب وجوب النية بعد المضي ، أجيب بأن ترك ذلك بالإجماع ، وبأن إعمال الدليلين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما ، فلو قلنا بوجوب النية كذلك عملاً بالآية بطل العمل بخبر «لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل» ولو قلنا باشتراط النية قبله عملاً بالخبر بطل العمل بالآية ، فقلنا بالجواز عملاً بهما ، فإن قيل : مقتضى الآية على ما ذكر الوجوب وخبر الواحد لا يعارضها ، أجيب بأنها متروكة الظاهر بالإجماع فلم تبق قاطعة فيجوز أن يكون الخبر بياناً لها ولبعض الأصحاب تقرير الاستدلال بوجه آخر ، ولعل ما ذكرناه أقل مؤنة فتدبر .

(2/136)


وزعم بعض الشافعية أن الآية تدل على وجوب التبييت ، لأن معنى { ثُمَّ أَتِمُّواْ } صيروه تاماً بعد الانفجار ، وهو يقتضي الشروع فيه قبله وما ذاك إلا بالنية إذ لا وجوب للإمساك قبل ، ولا يخفى ما فيه .
{ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } أي معتكفون فيها والاعتكاف في اللغة الاحتباس واللزوم مطلقاً ، ومنه قوله :
فباتت بنات الليل حولي عكفاً ... عكوف بواكي حولهن صريع
وفي الشرع لبث مخصوص ، والنهي عطف على أول الأوامر والمباشرة فيه كالمباشرة فيه وقد تقدم أن المراد بها الجماع ، إلا أنه لزم من إباحة الجماع إباحة اللمس والقبلة وغيرهما بخلاف النهي فإنه لا يستلزم النهي عن الجماع النهي عنهما ، فهما إما مباحان اتفاقاً بأن يكونا بغير شهوة ، وإما حرامان بأن يكونا بها يبطل الاعتكاف ما لم ينزل وصحح معظم أصحاب الشافعي البطلان وقيل : المراد من المباشرة ملاقاة البشرتين ، ففي الآية منع عن مطلق المباشرة وليس بشيء فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها ترجل رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، وفي تقييد الاعتكاف بالمساجد دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد إذ لو جاز شرعاً في غيره لجاز في البيت وهو باطل بالإجماع ويختص بالمسجد الجامع عند الزهري ، وروي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه مختص بمسجد له إمام ومؤذن راتب ، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه : يختص بالمساجد الثلاث ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه لا يجوز إلا في المسجد الحرام ، وعن ابن المسيب لا يجوز إلا فيه أو في المسجد النبوي ، ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يصح في جميع المساجد مطلقاً بناءاً على عموم اللفظ وعدم اعتبار أن المطلق ينصرف إلى الكامل ، واستدل بالآية على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد بناءاً على أنها لا تدخل في خطاب الرجال ، وعلى اشتراط الصوم في الاعتكاف لأنه قصر الخطاب على الصائمين ، فلو لم يكن الصوم من شرطه لم يكن لذلك معنى ، وهو المروي عن نافع مولى ابن عمر ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وعلى أنه لا يكفي فيه أقل من يوم كما أن الصوم لا يكون كذلك والشافعي رضي الله تعالى/ عنه لا يشترط يوماً ولا صوماً ، لما أخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(2/137)


« ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه » ومثله عن ابن مسعود ، وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه روايتان أخرجهما ابن أبي شيبة من طريقين إحداهما : الاشتراط ، وثانيتهما : عدمه ، وعلى أن المعتكف إذا خرج من المسجد فباشر خارجاً جاز لأنه حصر المنع من المباشرة حال كونه فيه ، وأجيب بأن المعنى : لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد ومن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فاعتكافه باق ، ويؤيده ما روي عن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع فنهوا عن ذلك واستدل بها أيضاً على أن الوطء يفسد الاعتكاف لأن النهي للتحريم ، وهو في العبادات يوجب الفساد ، وفيه أن المنهي عنه هنا المباشرة حال الاعتكاف وهو ليس من العبادات لا يقال : إذا وقع أمر منهي عنه في العبادة كالجماع في الاعتكاف كانت تلك العبادة منهية باعتبار اشتمالها على المنهي ومقارنتها إياه إذ يقال : فرق بين كون الشيء منهياً عنه باعتبار ما يقارنه ، وبين كون المقارن منهياً في ذلك الشيء والكلام في الأول ، وما نحن فيه من قبيل الثاني .

(2/138)


{ تِلْكَ } أي الأحكام الستة المذكورة المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحة { حُدُودَ الله } أي حاجزة بين الحق والباطل { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } كيلا يدانى الباطل والنهي عن القرب من تلك الحدود التي هي الأحكام كناية عن النهي عن قرب الباطل لكون الأول لازماً للثاني وهو أبلغ من ( لا تعتدوها ) لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح ، وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح ، وعلى هذا لا يشكل لا تقربوها في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت ، ولا وقوع { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [ البقرة : 9 22 ] وفي آية أخرى إذ قد حصل الجمع وصح لا تقربوها في الكل ، وقيل : يجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه إما لأن الأوامر السابقة تستلزم النواهي لكونها مغياة بالغاية ، وإما لأن المشار إليه قوله سبحانه : { وَلاَ تباشروهن } وأمثاله ، وقال أبو مسلم : معنى { لا * تَقْرَبُوهَا } لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } [ الأنعام : 152 ] فيشمل جميع الأحكام ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف والقول بأن تلك إشارة إلى الأحكام والحد إما بمعنى المنع أو بمعنى الحاجز بين الشيئين ، فعلى الأول : يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } أي لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء فإن الحكم لله تعالى عز شأنه وعلى الثاني : يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية ، فالإله يحكم والعباد تنقاد ، فلا تقربوا الأحكام لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه ، وهو بعيد بمراحل عن المقصود كما لا يخفى .
{ كذلك } أي مثل ذلك التبيين الواقع في أحكام الصوم { يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ } إما مطلقاً أو الآيات الدالة على سائر الأحكام التي شرعها { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } مخالفة أوامره ونواهيه ، والجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير الأحكام السابقة والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل تقواكم ، ولما ذكر سبحانه الصيام وما فيه عقبه بالنهي عن الأكل الحرام المفضي إلى عدم قبول عبادته من صيامه واعتكافه فقال :

(2/139)


وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)

{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم * بالباطل } والمراد من الأكل ما يعم الأخذ والاستيلاء ، وعبر به/ لأنه أهم الحوائج وبه يحصل إتلاف المال غالباً والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض ، فهو على حد { ولا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] وليس من تقسيم الجمع على الجمع ، كما في ركبوا دوابهم حتى يكون معناه لا يأكل كل واحد منكم مال نفسه ، بدليل قوله سبحانه : { بَيْنِكُمْ } فإنه بمعنى الواسطة يقتضي أن يكون ما يضاف إليه منقسماً إلى طرفين بكون الأكل والمال حال الأكل متوسطاً بينهما وذلك ظاهر على المعنى المذكور والظرف متعلق ب { تَأْكُلُواْ } كالجار والمجرور بعده ، أو بمحذوف حال من الأموال والباء للسببية والمراد من الباطل الحرام ، كالسرقة ، والغصب ، وكل ما لم يأذن بأخذه الشرع .
{ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام } عطف على { تَأْكُلُواْ } فهو منهي عنه مثله مجزوم بما جزم به وجوز نصبه بأن مضمرة ومثل هذا التركيب وإن كان للنهي عن الجمع إلا أنه لا ينافي أن يكون كل من الأمرين منهياً عنه والإدلاء في الأصل إرسال الحبل في البئر ثم استعير للتوصل إلى الشيء أو الإلقاء والباء صلة الإدلاء وجوز أن تكون سببية والضمير المجرور للأموال أي لا تتوصلوا ، أو لا تلقوا بحكومتها والخصومة فيها إلى الحكام وقيل : لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة ، وقرأ أبيّ { وَلاَ } .
{ الحكام لِتَأْكُلُواْ } بالتحاكم والرفع إليهم { فَرِيقاً } قطعة وجملة . { مِنْ أموالهم * الناس بالإثم } أي بسبب ما يوجب إثماً كشهادة الزور واليمين الفاجرة ، ويحتمل أن تكون الباء للمصاحبة أي متلبسين بالإثم والجار والمجرور على الأول : متعلق بتأكلوا وعلى الثاني : حال من فاعله وكذلك { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ومفعول العلم محذوف أي تعلمون أنكم مبطلون ، وفيه دلالة على أن من لا يعلم أنه مبطل ، وحكم له الحاكم بأخذ مال فإنه يجوز له أخذه ، أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلاً أن عبدان بن أشوع الحضرمي ، وامرؤ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس فهم به فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا } [ آل عمران : 77 ] فارتدع عن اليمين وسلم الأرض فنزلت .
واستدل بها على أن حكم القاضي لا ينفذ باطناً فلا يحل به الأخذ في الواقع ، وإلى ذلك ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وأبو يوسف ومحمد ، ويؤيده ما أخرجه البخاري ومسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(2/140)


" إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار " وذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن الحاكم إذا حكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ فهو نافذ ظاهراً وباطناً ويكون كعقد عقداه بينهما ، وإن كان الشهود زوراً كما روي أن رجلاً خطب امرأة هو دونها فأبت فادعى عند علي كرم الله تعالى وجهه أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة : لم أتزوجه وطلبت عقد النكاح فقال علي كرم الله تعالى وجهه : قد زوجك الشاهدان ، وذهب فيمن ادعى حقاً في يدي رجل وأقام بينة تقتضي أنه له وحكم بذلك الحاكم أنه لا يباح له أخذه وإن حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل محظوراً عليه وحمل الحديث على ذلك ، والآية ليست نصاً في مدعي مخالفيه لأنهم إن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ مطلقاً فممنوع وإن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ في الجملة فمسلم ولا نزاع فيه لأن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه يقول بذلك ، ولكن فيما سمعت والمسألة معروفة في الفروع والأصول ولها تفصيل في «أدب القاضي» فارجع إليه .

(2/141)


يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)

{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الاهلة } أخرج ابن عساكر بسند ضعيف أن معاذ بن جبل ، وثعلبة بن غنم قالا : يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟ فنزلت ، وفي رواية أن معاذاً قال : يا رسول الله إن اليهود يكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فيراد بالجمع على الرواية الأولى ما فوق الواحد أو ينزل الحاضرون المترقبون للجواب منزلة السائل وظاهره المتبادر على الرواية الثانية بناءاً على أن سؤال اليهود من بعض أصحابه بمنزلة السؤال منه صلى الله عليه وسلم إذ هو طريق علمهم ومستمد فيضهم ، والأهلة جمع هلال واشتقاقه من استهل الصبي إذا بكى وصاح حين يولد ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، وسمي به القمر في ليلتين من أول الشهر ، أو في ثلاث أو حتى يحجر وتحجيره أن يستدير بخط دقيق وإليه ذهب الأصمعي أو حتى يبهر ضوءه سواد الليل ، وغيا ذلك بعضهم بسبع ليال وسمي بذلك لأنه حين يرى يهل الناس بذكره أو بالتكبير؛ ولهذا يقال : أهلّ واستهل ولا يقال هلّ ، والسؤال يحتمل أن يكون عن الغاية والحكمة وأن يكون عن السبب والعلة ، ولا نص في الآية والخبر على أحدهما أما الملفوظ من الآية فظاهر ، وأما المحذوف فيحتمل أن يقدر ما سبب اختلافها وأن يقدر ما حكمته ، وهي وإن كانت في الظاهر سؤالاً عن التعدد إلا أنها في الحقيقة متضمنة للسؤال عن اختلاف التشكلات النورية لأن التعدد يتبع اختلافها إذ لو كان الهلال على شكل واحد لا يحصل التعدد كما لا يخفى ، وأما الخبر فلأن ما فيه يسأل بها عن الجنس وحقيقته فالمسؤول حينئذ حقيقة أمر الهلال وشأنه حال اختلاف تشكلاته النورية ، ثم عوده إلى مكان عليه وذلك الأمر المسؤول عن حقيقته يحتمل ذينك الأمرين بلا ريب فعلى الأول : يكون الجواب بقوله تعالى : { قُلْ هِى * مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج } مطابقاً مبيناً للحكمة الظاهرة اللائقة بشأن التبليغ العام المذكرة لنعمة الله تعالى ومزيد رأفته سبحانه وهي أن يكون معالم للناس يوقتون بها أمورهم الدنيوية ويعلمون أوقات زروعهم ومتاجرهم ومعالم للعبادات الموقتة يعرف بها أوقاتها كالصيام والإفطار وخصوصاً الحج ، فإن الوقت مراعى فيه أداءاً وقضاءاً ولو كان الهلال مدوراً كالشمس أو ملازماً حالة واحدة لم يكد يتيسر التوقيت به ، ولم يذكر صلى الله عليه وسلم الحكمة الباطنة لذلك مثل كون اختلاف تشكلاته سبباً عادياً أو جعلياً لاختلاف أحوال المواليد العنصرية كما بين في محله لأنه مما لم يطلع عليه كل أحد ، وعلى الثاني : يكون من الأسلوب الحكيم ، ويسمى القول بالموجب وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً على أنه الأولى بحاله واختاره السكاكي وجماعة فيكون في هذا الجواب إشارة إلى أن الأولى على تقدير وقوع السؤال أن يسألوا عن الحكمة لا عن السبب لأنه لا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم ، والنبي إنما بعث لبيان ذلك لا لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق علم الهيئة الموقوفة على الأرصاد والأدلة الفلسفية كما وهم لأن ذلك على فرض تسليمه في حق أولئك المشائين في ركاب النبوة ، والمرتاضين في رواق الفتوة ، والفائزين بإشراق الأنوار ، والمطلعين بأرصاد قلوبهم على دقائق الأسرار ، وإن لم يكن نقصاً من قدرهم إلا أنه يدل على أن سبب الاختلاف ما بين في علم الهيئة من بعد القمر عن الشمس وقربه إليها وهو باطل عند أهل الشريعة فإنه مبني على أمور لم يثبت جزماً شيء منها غاية الأمر أن الفلاسفة الأول تخيلوها موافقة لما أبدعه الحكيم المطلق كما يشير إليه كلام مولانا الشيخ الأكبر قدس سره في «فتوحاته» ، ومما ينادي على أن ما ذهبوا إليه مجرد تخيل/ لا تأباه الحكمة وليس مطابقاً لما في نفس الأمر أن المتأخرين مما انتظم في سلك الفلاسفة كهرشل الحكيم وأتباعه أصحاب الرصد والزيجالجديد تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة ، وقالوا : بأن الشمس مركز والأرض وكذا النجوم دائرة حولها وبنوا حكم الكسوف والخسوف ونحوه على ذلك وبرهنوا عليه وردوا مخالفيه ولم يتخلف شيء من أحكامهم في هذا الباب بل يقع حسبما يقع ما يقوله الأولون مبنياً على زعمهم فحيث اتفقت الأحكام مع اختلاف المبنيين وتضاد المشائين ، ورد أحد الزعمين بالآخر ارتفع الوثوق بكلا المذهبين ووجب الرجوع إلى العلم المقتبس من مشكاة الرسالة والمنقدح من أنوار شمس السيادة والبسالة ، والاعتماد على ما قاله الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم بعد إمعان النظر فيه وحمله على أحسن معانيه وإذا أمكن الجمع بين ما يقوله الفلاسفة كيف كانوا مما يقبله العقل وبين ما يقوله سيد الحكماء ونور أهل الأرض والسماء فلا بأس به بل هو الأليق الأحرى في دفع الشكوك التي كثيراً ما تعرض لضعفاء المؤمنين وإذا لم يمكن ذلك فعليك بما دارت عليه أفلاك الشرع وتنزلت به أملاك الحق .

(2/142)


إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وسيأتي تتمة لهذا المبحث إن شاء الله تعالى .
والمواقيت جمع ميقات صيغة آلة أي مايعرف به الوقت ، والفرق بينه وبين المدة والزمان على ما يفهم من كلام الرغب أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك في الظاهر من مبدئها إلى منتهاها ، والزمان مدة مقسومة إلى السنين والشهور والأيام والساعات ، والوقت الزمان المقدور والمعين ، وقرىء بإدغام نون ( عن ) في ( الأهلة ) بعد النقل والحذف ، واستدل بالآية على جواز الإحرام بالحج في كل السنة ، وفيه بعد بل ربما يستدل بها على خلاف ذلك لأنه لو صح لم يحتج إلى الهلال في الحج ، وإنما احتيج إليه لكونه خاصاً بأشهر معلومة محتاجة في تمييزها عن غيرها إليه ، وإلى هذا ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة لأنه في بيان حكم الصيام ، وذكر شهر رمضان وبحث الأهلة يلائم ذلك لأن الصوم مقرون برؤية الهلال وكذا الإفطار ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :

(2/143)


« صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته »
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : أنه سبحانه ذكر قوانين جليلة من قوانين العدالة ، فمنها القصاص الذي فرض لإزالة عدوان القوة السبعية ، وهو ظل من ظلال عدله فإذا تصرف في عبده بإفنائه وقتله بسيف حبه عوضه عن حر روحه روحاً ، وعن عبد قلبه قلباً ، وعن أنثى نفسه نفساً فإنه كما كتب القصاص في قتلاكم كتب على نفسه الرحمة في قتلاه ففي بعض الآثار من طرق القوم أنه سبحانه يقول : من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته ولكن في مقاصة الله تعالى إياكم بما ذكر حياة عظيمة لا موت بعدها يا أولي العقول الخالصة عن قشر الأوهام وغواشي التعينات والأجرام لكي تتقوا تركه أو شرك وجودكم ، ومنها الوصية التي هي قانون آخر فرض لإزالة نقصان القوة الملكية وقصورها عما تقتضي الحكمة من التصرفات ووصية أهل الله تعالى قدس الله تعالى أسرارهم المحافظة على عهد الأزل بترك ما سوى الحق ، ومنها الصيام ، وهو قانون فرض لإزالة تسلط القوى البهيمية ، وهو عند أهل الحقيقة الإمساك عن كل قول وفعل وحركة ليس بالحق للحق والأيام المعدودة هي أيام الدنيا التي ستنقرض عن قريب فاجعلها كلها أيام صومك ، واجعل فطرك في عيد لقاء الله تعالى ، وشهر رمضان هو وقت احتراق النفس واضمحلالها بأنوار تجليات القرب الذي أنزل فيه القرآن ، وهو العلم الإجمالي الجامع هداية للناس إلى الوحدة باعتبار الجمع ، ودلائل مفصلة من الجمع ، والفرق فمن حضر منكم ذلك الوقت/ وبلغ مقام الشهود فليمسك عن كل شيء إلا له ، وبه ، وفيه ، ومنه ، وإليه ، ومن كان مبتلى بأمراض القلب والحجب النفسانية المانعة عن الشهود؛ أو على سفر وتوجه إلى ذلك المقام فعليه مراتب أخر يقطعها حتى يصل إليه يريد الله بكم اليسر والوصول إلى مقام التوحيد ، والاقتدار بقدرته ولا يريد بكم العسر وتكلف الأفعال بالنفس الضعيفة ولتكلموا عدة المراتب ولتعظموا الله تعالى على هدايته لكم إلى مقام الجمع { ولعلكم تشكرون } [ البقرة : 185 ] بالاستقامة { وإذا سألك عبادي }

(2/144)


[ البقرة : 186 ] المختصون بي المنقطعون إليَّ عن معرفتي { فَإِنّي قَرِيبٌ } منهم بلا أين ولا بين ولا إجماع ولا افتراق { أُجِيبُ } من يدعوني بلسان الحال ، والاستعداد بإعطائه ما اقتضى حاله واستعداده { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } [ البقرة : 186 ] بتصفية استعدادهم وليشاهدوني عند التصفية حين أتجلى في مرايا قلوبهم لكي يستقيموا في مقام الطمأنينة وحقائق التمكين .
ولما كان للإنسان تلونات بحسب اختلاف الأسماء فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية ، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً بمقتضى الحكمة إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذا وقت الغفلة الذي يتخلل ذلك الإمساك أباح له التنزل بعض الأحايين إلى مقارنة النفوس وهو الرفث إلى النساء وعلله بقوله سبحانه : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } أي لا صبر لكم عنها بمقتضى الطبيعة لكونها تلابسكم وكونكم تلابسونهن بالتعلق الضروري { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } وتنقصونها حظوظها الباقية باستراق تلك الحظوظ الفانية في أزمنة السلوك والرياضة { فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالن } أي وقت الاستقامة والتمكين حال البقاء بعد الفناء { باشروهن } بقدر الحاجة الضرورية { وابتغوا } بقوة هذه المباشرة { مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } من التقوى والتمكن على توفير حقوق الاستقامة والوصول إلى المقامات العقلية { وَكُلُواْ واشربوا } [ البقرة : 781 ] في ليالي الصحو حتى يظهر لكم بوادر الحضور ولوامعه وتغلب آثاره وأنواره على سواد الغفلة وظلمتها ثم كونوا على الإمساك الحقيقي بالحضور مع الحق حتى يأتي زمان الغفلة الأخرى فإن لكل حاضر سهماً منها ولولا ذلك لتعطلت مصالح المعاش ، وإليه الإشارة بخبر « لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولي وقت مع حفصة وزينب » ، ولا تقاربوهن حال اعتكافكم وحضوركم في مقامات القربة والأنس ومساجد القلوب { وَلاَ تَأْكُلُواْ } أموال معارفكم { بَيْنِكُمْ } بباطل شهوات النفس ، وترسلوا بها إلى حكام النفوس الأمارة بالسوء { لِتَأْكُلُواْ } الطائفة { مّنْ أَمْوَالِ } القوى الروحانية بالظلم لصرفكم إياها في ملاذ القوى النفسانية { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 188 ] أن ذلك إثم ووضع للشيء في غير موضعه { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الاهلة } وهي الطوالع القلبية عند إشراق نور الروح عليها { قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ } للسالكين يعرف بها أوقات وجوب المعاملة في سبيل الله وعزيمة السلوك وطواف بيت القلب ، والوقوف في عرفة العرفان ، والسعي من صفوة الصفا ومروة المروة ، وقيل : الأهلة للزاهدين مواقيت أورادهم ، وللصديقين مواقيت مراقباتهم ، والغالب على الأولين القيام بظواهر الشريعة ، وعلى الآخرين القيام بأحكام الحقيقة ، فإن تجلى عليهم بوصف الجلال طاشوا ، وإن تجلى عليهم بوصف الجمال عاشوا ، فهو بين جلال ، وجمال ، وخضوع ، ودلال ، نفعنا الله تعالى بهم ، وأفاض علينا من بركاتهم .
{ وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا } أخرج ابن جرير ، والبخاري ، عن البراء قال : كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله { وَلَيْسَ البر } الآية ، وكأنهم كانوا يتحرجون من الدخول من الباب من أجل سقف الباب أن يحول بينهم وبين السماء كما صرح به الزهري في رواية ابن جرير/ عنه ويعدون فعلهم ذلك براً فبين لهم أنه ليس ببر { ولكن البر مَنِ اتقى } أي بر من اتقى المحارم والشهوات ، أو لكن ذا البر أو البار من اتقى والظاهر أن جملة النفي معطوفة على مقول قل فلا بد من الجامع بينهما فأما أن يقال : إنهم سألوا عن الأمرين كيف ما اتفق ، فجمع بينهما في الجواب بناءاً على الاجتماع الاتفاقي في السؤال ، والأمر الثاني : مقدر إلا أنه ترك ذكره إيجازاً واكتفاءاً بدلالة الجواب عليه ، وإيذاناً بأن هذا الأمر مما لا ينبغي أن يقع فيحتاج إلى السؤال عنه ، أو يقال : إن السؤال واقع عن الأهلة فقط وهذا مستعمل إما على الحقيقة مذكور للاستطراد حيث ذكر مواقيت الحج والمذكور أيضاً من أفعالهم فيه إلا الخمس ، أو للتنبيه على أن اللائق بحالهم أن يسألوا عن أمثال هذا الأمر ، ولا يتعرضوا بما لا يهمهم عن أمر الأهلة وإما على سبيل الاستعارة التمثيلية بأن يكون قد شبه حالهم في سؤالهم عما لا يهم ، وترك المهم بحال من ترك الباب وأتى من غير الطريق للتنبيه على تعكيسهم الأمر في هذا السؤال ، فالمعنى : وليس البر بأن تعكسوا مسائلكم ولكن البر من اتقى ذلك ولم يجبر على مثله ، وجوز أن يكون العطف على قوله سبحانه : { يَسْأَلُونَكَ } والجامع بينهما أن الأول : قول لا ينبغي ، والثاني : فعل لا ينبغي وقعاً من الأنصار على ما تحكيه بعض الروايات .

(2/145)


{ وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها } إذ ليس في العدول براً وباشروا الأمور عن وجوهها ، والجملة عطف على { وَلَيْسَ البر } إما لأنه في تأويل لا تأتوا البيوت من ظهورها أو لكونه مقول القول ، وعطف الإنشاء على الإخبار جائز فيما له محل من الإعراب سيما بعد القول ، وقرأ ابن كثير ، وكثير بكسر باء البيوت حيثما وقع { واتقوا الله } في تغيير أحكامه كإتيان البيوت من أبوابها والسؤال عما لا يعني ، ومن الحكم والمصالح المودعة في مصنوعاته تعالى بعد العلم بأنه أتقن كل شيء ، أو في جميع أموركم . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تفوزوا بالمطلوب من الهدى والبر ، فإن من اتقى الله تعالى تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه؛ وانكشفت له دقائق الأسرار حسب تقواه .

(2/146)


وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)

{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } أي جاهدوا لإعزاز دين الله تعالى وإعلاء كلمته فالسبيل بمعنى الطريق مستعار لدين الله تعالى وكلمته لأنه يتوصل المؤمن به إلى مرضاته تعالى ، والظرفية التي هي مدلولة في ترشيح للاستعارة { الذين يقاتلونكم } أي يناجزونكم القتال من الكفار ، وكان هذا على ما روي عن أبي العالية قبل أن أمروا بقتال المشركين كافة المناجزين والمحاجزين فيكون ذلك حينئذ تعميماً بعد التخصيص المستفاد من هذا الأمر مقرراً لمنطوقه ناسخاً لمفهومه أي لا تقاتلوا المحاجزين وكذا المنطوق في النهي الآتي فإنه على هذا الوجه مشتمل على النهي عن قتالهم أيضاً . وقيل : معناه الذين يناصبونكم القتال ، ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم عن المشايخ ، والصبيان والنساء والرهبان فتكون الآية مخصصة لعموم ذلك الأمر مخرجة لمن لم يتوقع منهم وقيل : المراد ما يعم سائر الكفار فإنهم بصدد قتال المسلمين وقصده فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا ، ويؤيد الأول ما أخرجه أبو صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القصاء وخافوا أن لا تفي/ لهم قريش بذلك وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله تعالى الآية ، وجعل ما يفهم من الأثر وجهاً رابعاً في المراد بالموصول بأن يقال المراد به من يتصدى من المشركين للقتال في الحرم وفي الشهر الحرام كما فعل البعض بعيد لأنه تخصيص من غير دليل وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم .
{ وَلاَ تَعْتَدُواْ } أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أو لا تعتدوا بوجه من الوجوه كابتداء القتال أو قتال المعاهد أو المفاجأة به من غير دعوة أو قتل من نهيتم عن قتله قاله بعضهم ، وأيد بأن الفعل المنفي يفيد العموم { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } أي المتجاوزين ما حد لهم وهو كالتعليل لما قبله ومحبته تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عز شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن بينهما واسطة وهي عدمهما .

(2/147)


وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191)

{ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } أي وجدتموهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين سأله نافع بن الأزرق ، وأنشد عليه قول حسان رضي الله تعالى عنه :
فإما { *يثقفهن } بني لوى ... جذيمة أن قتلهم دواء
وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء عملاً كان أو علماً ويستعمل كثيراً في مطلق الإدراك ، والفعل منه ثقف ككرم وفرح { ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح وهذا الأمر معطوف على سابقه ، والمراد افعلوا كل ما يتيسر لكم من هذين الأمرين في حق المشركين فاندفع ما قيل : إن الأمر بالإخراج لا يجامع الأمر بالقتل فإن القتل والإخراج لا يجتمعان ، ولا حاجة إلى ما تكلف من أن المراد إخراج من دخل في الأمان أو وجدوه بالأمان كما لا يخفى { والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل } أي شركهم في الحرم أشد قبحاً فلا تبالوا بقتالهم فيه لأنه ارتكاب القبيح لدفع الأقبح فهو مرخص لكم ويكفر عنكم ، أو المحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن المحبب للطباع السليمة أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها ، ومن هنا قيل :
لقتل بحد سيف أهون موقعا ... على النفس من قتل ( بحد فراق )
والجملة على الأول من باب التكمل والاحتراس لقوله تعالى : { واقتلوهم } الخ عن توهم أن القتال في الحرم قبيح فكيف يؤمر به ، وعلى الثاني تذييل لقوله سبحانه : { وَأَخْرِجُوهُمْ } الخ لبيان حال الإخراج والترغيب فيه ، وأصل الفتنة عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ثم استعمل في الابتلاء والعذاب والصد عن دين الله والشرك به ، وبالأخير فسرها أبو العالية في الآية . { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ } نهي للمؤمنين أن يبدءوا القتال في ذلك الموطن الشريف حتى يكون هم الذين يبدءون ، فالنهي عن المقاتلة التي هي فعل اثنين باعتبار نهيهم عن الابتداء بها الذي يكون سبباً لحصولها ، وكذا كونها غاية باعتبار المفاتحة لئلا يلزم كون الشيء غاية لنفسه .
{ فَإِن قاتلوكم فاقتلوهم } نفي للحرج عن القتال في الحرم الذي خاف منه المسلمون وكرهوه أي إن قاتلوكم هناك فلا تبالوا بقتالهم لأنهم الذين هتكوا الحرمة وأنتم في قتالهم دافعون القتل عن أنفسكم وكان الظاهر الإتيان بأمر المفاعلة إلا أنه عدل عنه إلى أمر فعل بشارة للمؤمنين بالغلبة عليهم أي هم من الخذلان وعدم النصر بحيث/ أمرتم بقتلهم ، وقرأ حمزة والكسائي ( ولا تقتلوهم حتي يقتلوكم فإن قتلوكم فاقتلوهم ) واعترض الأعمش على حمزة في هذه القراءة فقال له : أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟ا فقال حمزة إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا : قتلنا ، وإذا ضرب منهم الرجل قالوا : ضربنا ، وحاصله أن الكلام على حذف المضاف إلى المفعول وهو لفظ بعض فلا يلزم كون المقتول قاتلاً ، وأما إسناد الفعل إلى الضمير فمبني على أن الفعل الواقع من البعض برضا البعض الآخر يسند إلى الكل على التجوز في الإسناد فلا حاجة فيه إلى التقدير ، ولذا اكتفى الأعمش في السؤال بجانب المفعول ، وكذا قوله سبحانه : { وَلاَ تقاتلوهم } جاز على حقيقة من غير تأويل لأن المعنى على السلب الكلي أي لا يقتل واحد منكم واحداً منهم حتى يقع منهم قتل بعضهم .

(2/148)