صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ثم لا يخفى أن ما تقدم من التعميم مبني على جواز النسخ بلا بدل وجواز نسخ الكتاب بالسنة وهو المذهب المنصور ومن الناس من منع ذلك ومنع النسخ ببدل أثقل أيضاً ، واحتج بظاهر الآية ، أما على الأول : فلأنه لا يتصور كون المأتي به خيراً أو مثلاً إلا في بدل ، وأما على الثاني : فلأن الناسخ هو المأتي به بدلاً وهو خير أو مثل ، ويكون الآتي به هو الله تعالى ، والسنة ليست خيراً ولا مثل القرآن ولا مما أتى به سبحانه وتعالى ، وأما على الثالث : فلأن الأثقل ليس بخير من الأخف ولا مثلاً له ، ورد ذلك أما الأول والثالث فلأنا لا نسلم أن كون المأتي به خيراً أو مثلاً لا يتصور إلا في بدل وأن الأثقل لا يكون خيراً من الأخف إذ الأحكام إنما شرعت والآيات إنما نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً منه تعالى ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كالدواء الذي تعالج به الأدواء فإن النافع في عصر قد يضر في غيره والمزيل علة شخص قد يزيل علة سواه فأذن قد يكون عدم الحكم أو الأثقل أصلح في انتظام المعاش وأنظم في إصلاح المعاد والله تعالى لطيف حكيم ، ولا يرد أن المتبادر من { نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا } بآية خير منها وإن عدم الحكم ليس بمأتي به لما أن الخلاف في جواز النسخ بلا بدل ليس في إتيان اللفظ بدل الآية الأولى بل في الحكم كما لا يخفى على من راجع الأصول وأما الثاني فلأنا لا نسلم حصر الناسخ بما ذكر إذ يجوز أن يعرف النسخ بغير المأتي به فإن مضمون الآية ليس إلا أن نسخ الآية يستلزم الاتيان بما هو خير منها أو مثل لها ، ولا يلزم منه أن يكون ذلك هو الناسخ فيجوز أن يكون أمراً مغايراً يحصل بعد حصول النسخ وإذا جاز ذلك فيجوز أن يكون الناسخ سنة والمأتي به الذي هو خير أو مثل آية أخرى ، وأيضاً السنة مما أتى به الله سبحانه لقوله تعالى :

(1/458)


{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } [ النجم : 3 ، 4 ] وليس المراد بالخيرية والمماثلة في اللفظ حتى لا تكون السنة كذلك بل في النفع والثواب فيجوز أن يكون ما اشتملت عليه السنة خيراً في ذلك ، واحتجت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن فإن التغير المستفاد/ من النسخ ، والتفاوت المستفاد من الخرية في وقت دون آخر من روادف الحدث وتوابعه فلا يتحقق بدونه ، وأجيب بأن التغير والتفاوت من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسي القديم وهي الأفعال في الأمر والنهي والنسب الخبرية في الخبر وذلك يستدعيهما في تعلقاته دون ذاته؛ وأجاب الإمام الرازي بأن الموصوف بهما الكلام اللفظي ، والقديم عندنا الكلام النفسي ، واعترض بأنه مخالف لما اتفقت عليه آراء الأشاعرة من أن الحكم قديم والنسخ لا يجري إلا في الأحكام ، وقرأ أبو عمرو نات بقلب الهمزة ألفاً .
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } الاستفهام قيل : للتقرير وقيل : للإنكار ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وأريد بطريق الكناية هو وأمته المسلمون وإنما أفرده لأنه صلى الله عليه وسلم أعلمهم ومبدأ علمهم ، ولإفادة المبالغة مع الاختصار ، وقيل : لكل واقف عليه على حد «بشر المشائين» وقيل : لمنكري النسخ ، والمراد الاستشهاد بعلم المخاطب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خير أو مماثل لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته سبحانه فمن علم شمول قدرته عز وجل على جميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعاً ، والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة ، ولأنه الاسم العلم الجامع لسائر الصفات ، ففي ضمنه صفة القدرة فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم ، وكذا الحال في قوله عز شأنه :

(1/459)


أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)

{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والارض } أي قد علمت أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر ، والاستيلاء الباهر ، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي إيجاداً وإعداماً ، وأمراً ونهياً حسبما تقتضيه مشيئته ، لا معارض لأمره ، ولا معقب لحكمه ، فمن هذا شأنه كيف يخرج عن قدرته شيء من الأشياء؟ا فيكون الكلام على هذا كالدليل لما قبله في إفادة البيان ، فيكون منزلاً منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح ، فلذا ترك العطف وجوّز أن يكون تكريراً للأول وإعادة للاستشهاد على ما ذكر ، وإنما لم تعطف { ءانٍ } مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها رَوْماً لزيادة التأكيد وإشعاراً باستقلال العلم بكل منهما وكفاية في الوقوف على ما هو المقصود ، وخص السموات والأرض بالملك لأنهما من أعظم المخلوقات الظاهرة ، ولأن كل مخلوق لا يخلو عن أن يكون في إحدى هاتين الجهتين فكان في الاستيلاء عليهما إشارة إلى الاستيلاء على ما اشتملا عليه ، وبدأ سبحانه بالتقرير على وصف القدرة لأنه منشئاً لوصف الاستيلاء والسلطان ، ولم يقل جل شأنه : إن لله ملك الخ قصداً إلى تقوي الحكم بتكرير الإسناد .
{ وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } عطف على الجملة الواقعة خبراً ل ( أن ) داخل معها حيث دخلت ، وفيه إشارة إلى تناول الخطاب فيما قبل للأمة أيضاً ، و { مِنْ } الثانية صلة فلا تتعلق بشيء ، و { مِنْ } الأولى : لابتداء الغاية وهي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مدخول { مِنْ } الثانية : وهو في الأصل صفة له فلما قدم انتصب على الحالية وفي «البحر» أنها متعلقة بما تعلق به { لَكُمْ } وهو في موضع الخبر؛ ويجوز في : ( ما ) أن تكون تميمية وأن تكون حجازية على رأي من يجيز تقدم خبرها إذا كان ظرفاً أو مجروراً والولي المالك ، و النصير المعين ، والفرق بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل ، والمعين قد يكون مالكاً وقد لا يكون بل يكون أجنبياً والمراد من الآية الاستشهاد على تعلق إرادته تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خير من المنسوخ أو بمثله ، فإن مجرد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصوله ألبتة ، وإنما الذي يستدعيه كونه تعالى مع ذلك ولياً نصيراً لهم ، فمن علم أنه تعالى وليه ونصيره لا ولي ولا نصير له سواه يعلم قطعاً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوض أمره إليه تعالى ، ولا يخطر بباله ريبة في أمر النسخ وغيره أصلاً .

(1/460)


أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)

/ { أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ } جوّز في { أَمْ } هذه أن تكون متصلة ، وأن تكون منقطعة ، فإن قدر ( تعلمون ) قبل { تُرِيدُونَ } بناء على دلالة السباق وهو { أَلَمْ تَعْلَمْ } [ البقرة : 106 ] والسياق وهو الاقتراح فإنه لا يكون إلا عند التعنت والعلم بخلافه كانت متصلة ، كأنه قيل : أي الأمرين من عدم العلم بما تقدم ، أو العلم مع الاقتراح واقع ، والاستفهام حينئذ للإنكار بمعنى لا ينبغي أن يكون شيء منهما ، وإن لم يقدر كانت منقطعة للإضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم كاقتراح اليهود إنكاراً عليهم بأنه لا ينبغي أن يقع أيضاً وقطع بعضهم بالقطع بناء على دخول الرسول صلى الله عليه وسلم في الخطاب أو لا ، وعدم دخوله فيه هنا لأنه مقترح عليه لا مقترح وذلك مخل بالاتصال وأجيب بأنه غير مخل به لحصوله بالنسبة إلى المقصد ، وإرادة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأول كانت لمجرد التصوير والانتقال لما قدمنا أنها بطريق الكناية ، والمراد على التقديرين توصيته المسلمين بالثقة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك الاقتراح بعد رد طعن المشركين أو اليهود في النسخ فكأنه قيل : لا تكونوا فيما أنزل إليكم من القرآن مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينة واقتراح غيرها فتضلوا وتكفروا بعد الإيمان ، وفي هذه التوصية كمال المبالغة والبلاغة حتى كأنهم بصدد الإرادة فنهوا عنها فضلاً عن السؤال يعني من شأن العاقل أن لا يتصدى لإرادة ذلك ، ولم يقل سبحانه : كما سأل أمة موسى عليه السلام أو اليهود للإشارة إلى أن من سأل ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره ولا يقتضي سابقية وقوع الاقتراح منهم ولا يتوقف مضمون الآية عليه إذ التوصية لا تقتضي سابقية الوقوع ، كيف وهو كفر كما يدل عليه ما بعد ولا يكاد يقع من المؤمن ، ومما ذكرنا يظهر وجه ذكر هذه الآية بعد قوله تعالى : { مَا نَنسَخْ } [ البقرة : 106 ] فإن المقصد من كل منهما تثبيتهم على الآيات وتوصيتهم بالثقة بها ، وأما بيانه بأنه لعلهم كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام بيان تفاصيل الحكم الداعية إلى النسخ فلذا أردفت آية النسخ بذلك فأراه إلى التمني أقرب ، وقد ذكر بعض المفسرين أنهم اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سبحان اللها هذا كما قال قوم موسى : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم ، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟» وهو مع الحاجة إليه يستدعي أن المخاطب في الآيات هم المؤمنون ، والسباق والسياق والتذييل تشهد له ، وعليه يترجح الاتصال لما نقل عن الرضى أن الفعليتين إذا اشتركتا في الفاعل نحو أقمت أم قعدت؟ فأم متصلة؛ وزعم قوم أن المخاطب بها اليهود ، وأن الآية نزلت فيهم حين سألوا أن ينزل عليهم كتاب من السماء جملة كما نزلت التوراة على موسى عليه السلام وخاطبهم بذلك بعد رد طعنهم تشديداً لهم ، وحينئذ يكون المضارع الآتي بمعنى الماضي ، إلا أنه عبر به عنه إحضاراً للصورة الشنيعة ، واختار هذا الإمام الرازي وقال : إنه الأصح لأن هذه سورة من أول قوله تعالى :

(1/461)


{ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ } [ البقرة : 0 4 ] حكاية عن اليهود ومحاجة معهم ، ولأنه جرى ذكرهم وما جرى ذكر غيرهم ، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يكون متبدلاً به الكفر بالإيمان ولا يخفى ما فيه ، وكأنه رحمه الله تعالى نسي قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ راعنا وَقُولُواْ انظرنا } [ البقرة : 104 ] وقيل : إن المخاطب أهل مكة ، وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقد روي عنه أن الآية نزلت في عبد الله بن أمية ورهط من قريش قالوا : يا محمد ، اجعل لنا الصفا ذهباً ووسع لنا أرض مكة ، وفجر لنا الأنهار خلالها تفجيراً ونؤمن لك . وحكي في سبب النزول غير ذلك ، ولا مانع كما في «البحر» من جعل الكل أسباباً ، وعلى الخلاف في المخاطبين يجيء الكلام في ( رسولكم ) فإن كان المؤمنين فالإضافة على ما في نفس الأمر وما أقروا به من رسالته صلى الله عليه وسلم ، وإن كانوا غيرهم فهي على ما في نفس الأمر دون الإقرار ، و ( ما ) مصدرية ، والمشهور أن المجرور نعت لمصدر محذوف أي سؤالاً كما ورأى سيبويه أنه في موضع نصب على الحال ، والتقدير عنده أن تسألوه أي السؤال ( كما ) وأجاز الحوفي أن تكون ( ما ) موصولة في موضع المفعول به لتسألوا أي كالأشياء التي سألها موسى عليه السلام قبل وهو الأنسب لأن الإنكار عليهم إنما هو لفساد المقترحات ، وكونها في العاقبة وبالاً عليهم وفيه نظر لأن المشبه { أَمْ تُرِيدُونَ } وهو مصدر ، فالظاهر أن المشبه به كذلك ، وقبح السؤال إنما هو لقبح المسؤول عنه ، بل قد يكون السؤال نفسه قبيحاً في بعض الحالات مع أن المصدرية لا تحتاج إلى تقدير رابط فهو أولى و { مِن قَبْلُ } متعلق بسئل وجيء به للتأكيد . وقرأ الحسن وأبو السمال ( سيل ) بسين مكسورة وياء وأبو جعفر والزهري ، باشمام السين الضم وياء وبعضهم بتسهيل الهمزة بين بين وضم السين .

(1/462)


{ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } جملة مستقلة مشتملة على حكم كلي أخرجت مخرج المثل جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله : { أَمْ تُرِيدُونَ } الخ معطوفة عليه ، فهي تذييل له باعتبار أن المقترحين الشاكين من جملة الضالين الطريق المستقين المتبدلين و ( سواء ) بمعنى وسط أو مستوى ، والإضافة من باب إضافة الوصف إلى الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة الاتصاف كأنه نفس السواء على منهاج حصول الصورة في الصورة الحاصلة والفاء رابطة وما بعدها لا يصح أن يكون جزاء الشرط لأن ضلال الطريق المستقيم متقدم على الاستبدال والارتداد لا يترتب عليه ، ولأن الجزاء إذا كان ماضياً مع ( قد ) كان باقياً على مضيه لأن ( قد ) للتحقيق ، وما تأكد ورسخ لا ينقلب ، ولا يترتب الماضي على المستقبل ، ولأن كون الشرط مضارعاً والجزاء ماضياً صورة ضعيف لم يأت في الكتاب العزيز على ما صرح به الرضي وغيره فلا بد من التقدير بأن يقال : ومن يتبدل الكفر بالإيمان فالسبب فيه أنه تركه ، ويؤل المعنى إلى أن ضلال الطريق المستقيم وهو الكفر الصريح في الآيات سبب للتبديل والارتداد ، وفسر بعضهم التبدل المذكور بترك الثقة بالآيات باعتبار كونه لازماً له فيكون كناية عنه ، وحاصل الآية حينئذ ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خير محض ، وحق بحت واقترح غيرها فقد عدل وجار من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى ، وتاه في تيه الهوى ، وتردى في مهاوي الردى ، واختار ما في النظم الكريم إيذاناً من أول الأمر على أبلغ وجه بأن ذلك كفر وارتداد ، ولعل ما أشرنا إليه أولى كما لا يخفى على المتدبر ، وقرىء { وَمَن يُبَدّلْ } من أبدل وإدغام الدال في الضاد والإظهار قراءتان مشهورتان .

(1/463)


وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)

{ وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب } وهم طائفة من أحبار اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد : ألم تروا إلى ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق لما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ، رواه الواحدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه . وروي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا ذلك لحذيفة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل ، ذكر الحافظ ابن حجر أنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث .
{ لَوْ يَرُدُّونَكُم } حكاية لودادتهم ، وقد تقدم الكلام على ( لو ) هذه فأغنى عن الإعادة { مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا } أي مرتدين ، وهو حال من ضمير/ المخاطبين يفيد مقارنة الكفر بالرد فيؤذن بأن الكفر يحصل بمجرد الارتداد مع قطع النظر إلى ما يرد إليه ، ولذا لم يقل لو يردونكم إلى الكفر ، وجوز أن يكون حالاً من فاعل ( وَدّ ) واختار بعضهم أنه مفعول ثان ليردونكم على تضمين الرد معنى التصيير إذ منهم من لم يكفر حتى يرد إليه فحيتاج إلى التغليب كما في { لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } [ الأعراف : 88 ] على أن في ذلك يكون الكفر المفروض بطريق القسر وهو أدخل في الشناعة ، وفي قوله تعالى : { مِن بَعْدِ } مع أن الظاهر عن لأن الرد يستعمل بها تنصيص بحصول الإيمان لهم ، وقيل : أورد متوسطاً لإظهار كمال فظاعة ما أرادوه وغاية بعده عن الوقوع إما لزيادة قبحه الصاد للعاقل عن مباشرته ، وإما لممانعة الإيمان له كأنه قيل : من بعده إيمانكم الراسخ ، وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفي .
{ حَسَدًا } علة لِوَدّ لا ليردونكم لأنهم يودون ارتدادهم مطلقاً لا ارتدادهم المعلل بالحسد ، وجوزوا أن يكون مصدراً منصوباً على الحال أي حاسدين ولم يجمع لأنه مصدر ، وفيه ضعف لأن جعل المصدر حالاً كما قال أبو حيان لا ينقاس . وقيل : يجوز أن يكون منصوباً على المصدر والعامل فيه محذوف يدل عليه المعنى أي حسدوكم حسداً وهو كما ترى .
{ مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة إما للحسد أي حسداً كائناً من أصل نفوسهم فكأنه ذاتي لها ، وفيه إشارة إلى أن بلغ مبلغاً متناهياً ، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم ، وإما للوداد المفهوم من ( وَدّ ) أي وداداً كائناً من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدبر والميل إلى الحق ، وجعله ظرفاً لغواً معمولاً لِوَدّ أو ( حسداً ) كما نقل عن مكي يبعده أنهما لا يستعملان بكلمة ( من ) كما قاله ابن الشجري .
{ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق } بالنعوت المذكورة في التوراة والمعجزات وهذا كالدليل على تخصيص الكثير بالأحبار لأن التبين بذلك إنما كان لهم لا للجهال ، ولعل من قال : إن الودادة من عوامهم أيضاً لئلا يبطل دينهم الذي ورثوه وتبطل رياسة أحبارهم الذين اعتقدوهم واتخذوهم رؤساء ، فالمراد من الكثير جميعهم من كفارهم ومنافقيهم ويكون ذكره لإخراج من آمن منهم سراً وعلانية يدعي أن التبين حصل للجميع أيضاً إلا أن أسبابه مختلفة متفاوتة وهذا هو الذي يغلب على الظن فإن من شاهد هاتيك المعجزات الباهرة والآيات الزاهرة يبعد منه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع الصدق إلا أن الحظوظ النفسانية والشهوات الدنية والتسويلات الشيطانية حجبت من حجبت عن الإيمان وقيدت من قيدت في الخذلان .

(1/464)


{ فاعفوا واصفحوا } العفو ترك عقوبة المذنب ، والصفح ترك التثريب والتأنيب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح ، ولعله مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضاً أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما فيها . وآثر العفو على الصبر على أذاهم إيذاناً بتمكين المؤمنين ترهيباً للكافرين .
{ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } هو واحد الأوامر؛ والمراد به الأمر بالقتال بقوله سبحانه : { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر } إلى { وَهُمْ صاغرون } [ التوبة : 9 2 ] أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير ، وقيل : واحد الأمور ، والمراد به القيامة أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة الأمة ، ومن الناس من فسر الصفح بالاعراض عنهم وترك مخالطتهم وجعل غاية العفو إتيان آية القتال وغاية الإعراض إتيان الله تعالى أمره ، وفسره بإسلام من أسلم منهم كما قاله الكلبي وليس بشيء لأنه يستلزم أن يحمل الأمر على واحد الأوامر وواحد الأمور ، وهو عند المحققين جمع بين الحقيقة والمجاز ، وعن قتادة والسدي ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الآية منسوخة بآية السيف ، واستشكل/ ذلك بأن النسخ لكونه بياناً لمدة الانتهاء بالنسبة إلى الشارع ودفعاً للتأبيد الظاهري من الإطلاق بالنسبة إلينا يقتضي أن يكون الحكم المنسوخ خالياً عن التوقيت والتأبيد فإنه لو كان مؤقتاً كان الناسخ بياناً له بالنسبة إلينا أيضاً ولو كان مؤبداً كان بدءاً لا بياناً بالنسبة إلى الشارع والأمر ههنا مؤقت بالغاية وكونها غير معلومة يقتضي أن تكون آية القتال بياناً لإجماله وبذلك تبين ضعف ما أجاب به الإمام الرازي وتبعه فيه كثيرون من أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج الوارد من أن يكون ناسخاً ويحل محل { فاعفوا واصفحوا } إلى أن أنسخه لكم فليس هذا مثل قوله تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } [ البقرة : 187 ] وأما تأييد الطيبي له بحكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر فيهما انتهاء مدة الحكم بهما بإرسال النبي الأمي بنحو قوله تعالى : { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبى الامى الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل }

(1/465)


[ الأعراف : 157 ] وكان ظهوره صلى الله عليه وسلم نسخاً فيرد عليه ما في «التلويح» من أن الواقع فيهما البشارة بشرع النبي صلى الله عليه وسلم ، وإيجاب الرجوع إليه وذلك لا يقتضي توقيت الأحكام لاحتمال أن يكون الرجوع إليه باعتبار كونه مفسراً أو مقرراً أو مبدلاً للبعض دون البعض فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة يفهم منها التأبيد فتبديلها يكون نسخاً؛ وأجيب عن الاستشكال بأنه لا يبعد أن يقال : إن القائلين بالنسخ أرادوا به البيان مجازاً أو يقال : لعلهم فسروا الغاية باماتتهم أو بقيام الساعة ، والتأبيد إنما ينافي إطلاق الحكم إذا كان غاية للوجوب ، وأما إذا كان غاية للواجب فلا ، ويجري فيه النسخ عند الجمهور قاله مولانا الساليكوتي إلا أن الظاهر لا يساعده فتدبر .
{ إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تذييل مؤكد لما فيهم من سابقه ، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد للمؤمنين بالنصرة والتمكين ، ويحتمل على بعد أن يكون ذكراً لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديداً لمن يخالف أمره .

(1/466)


وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)

{ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكواة } عطف على { فاعفوا } [ البقرة : 109 ] كأنه سبحانه أمرهم بالمخالقة والالتجاء إليه تعالى بالعبادة البدنية والمالية لأنها تدفع عنهم ما يكروهون ، وقول الطبري : إنهم أمروا هنا بالصلاة والزكاة ليحبط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود { راعنا } [ البقرة : 104 ] منحط عن درجة الاعتبار .
{ وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } أي أي خير كان ، وفي ذلك توكيد للأمر بالعفو والصفح ، والصلاة والزكاة ، وترغيب إليه ، واللام نفعية ، وتخصيص الخير بالصلاة ، والصدقة خلاف الظاهر ، وقرىء ( تقدموا ) من قدم من السفر ، وأقدمه غيره جعله قادماً ، وهي قريب من الأولى لا من الإقدام ضد الإحجام .
{ تَجِدُوهُ عِندَ الله } أي تجدوا ثوابه لديه سبحانه فالكلام على حذف مضاف ، وقيل : الظاهر أن المراد تجدوه في علم الله تعالى ، والله تعالى عالم به إلا أنه بالغ في كمال علمه فجعل ثبوته في علمه بمنزلة ثبوت نفسه عنده وقد أكد تلك المبالغة بقوله سبحانه : { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } حيث جعل جميع ما يعملون مبصراً له تعالى فعبر عن علمه تعالى بالبصر مع أن قليلاً مما يعملون من المبصرات ، وكأنه لهذا فسر الزمخشري البصير بالعالم ، وأما قول العلامة إنه إشارة إلى نفي الصفات ، وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى إلا تعلق ذاته بالمعلومات ففيه أن التفسير لا يفيد إلا أن المراد من البصير ههنا العالم ولا دلالة على كونه نفس الذات أو زائداً عليه ولا على أن ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى سوى التعلق المذكور ، وقرىء ( يعملون ) بالياء والضمير/ حينئذ كناية عن كثير ، أو عن أهل الكتاب فيكون تذييلاً لقوله تعالى : { فاعفوا } [ البقرة : 109 ] الخ مؤكداً لمضمون الغاية ، والمناسب أن يكون وعيداً لأولئك ليكون تسلية ، وتوطيناً للمؤمنين بالعفو والصفح ، وإزالة لاستبطاء إتيان الأمر ، وجوز أن يكون كناية عن المؤمنين المخاطبين بالخطابات المتقدمة ، والكلام وعيد للمؤمنين ، ويستفاد من الالتفات الواقع من صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؛ وهو النكتة الخاصة بهذا الالتفات ولا يخفى أنه كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه .

(1/467)


وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)

{ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } عطف على { وَدَّ } [ البقرة : 109 ] وما بينهما أعني { فاعفوا واصفحوا } [ البقرة : 109 ] إما اعتراض بالفاء أو عطف على { وَدَّ } أيضاً ، وعطف الإنشاء على الأخبار فيما لا محل له من الإعراب بما سوى الواو جائز ، والضمير لأهل الكتاب لا لكثير منهم كما يتبادر من العطف ، والمراد بهم اليهود والنصارى جميعاً ، وكأن أصل الكلام قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فلف بين هذين المقولين ، وجعلا مقولاً واحداً اختصاراً وثقة بفهم السامع أن ليس المقصد أن كل واحد من الفريقين يقول هذا القول المردد ، وللعلم بتضليل كل واحد منهما صاحبه بل المقصد تقسيم القول المذكور بالنسبة إليهم فكلمه ( أو ) كما في «مغني اللبيب» للتفصيل والتقسيم لا للترديد فلا غبار وهود جمع هائد كعوذ جمع عائذ ، وقيل : مصدر يستوي فيه الواحد وغير ، وقيل : إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف ، وعلى القول بالجمعية يكون اسم ( كان ) مفرداً عائداً على ( مَنْ ) باعتبار لفظها ، وجمع الخبر باعتبار معناها ، وهو كثير في الكلام خلافاً لمن منعه ، ومنه قوله :
وأيقظ من كان منكم نياماً ... وقرأ أبيّ ( يهودياً أو نصرانياً ) فحمل الخبر والاسم معاً على اللفظ .
{ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } الأماني جمع أمنية وهي ما يتمنى كالأضحوكة والأعجوبة والجملة معترضة بين قولهم ذلك؛ وطلب الدليل على صحة دعواهم و { تِلْكَ } إشارة إلى { لَن يَدْخُلَ الجنة } الخ ، وجمع الخبر مع أن ما أشير إليه أمنية واحدة ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم وتكررها فيها ، وقيل : إشعاراً بأنها بلغت كل مبلغ لأن الجمع يفيد زيادة الآحاد فيستعمل لمطلق الزيادة وهذا من بديع المجاز ونفائس البيان؛ وقيل : لا حاجة إلى هذا كله بل الجمع لأن ( تلك ) محتوية على أمان أن لا يدخل الجنة إلا اليهود ، وأن لا يدخل الجنة إلا النصارى وحرمان المسلمين منها ، وأيضاً فقائله متعدد وهو باعتبار كل قائل أمنية وباعتبار الجميع أمان كثيرة ، ومن الناس من جعلها إشارة إلى أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأن يردوهم كفاراً ، وأن لا يدخل الجنة غيرهم وعليه يكون أمانيهم تغليباً لأن الأولين من قبيل المتمنيات حقيقة؛ والثالث دعوى باطلة ، وجوز أيضاً أن تكون إشارة إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم فإن جعل الأماني بمعنى الأكاذيب ، فإطلاق الأمنية على دعواهم على سبيل الحقيقة ، وإن جعل بمعنى المتمنيات فعلى الاستعارة تشبيهاً بالمتمني في الاستحالة ، ولا يخفى ما في الوجهين من البعد لا سيما أولهما لأن كل جملة ذكر فيها ودّهم لشيء قد انفصلت وكملت واستقلت في النزول فيبعد جداً أن يشار إليها .

(1/468)


{ قُلْ هَاتُواْ برهانكم } أي على ما ادعيتموه من اختصاصكم بدخول الجنة فهو متصل معنى بقوله تعالى : { قَالُواْ لَن * يَدْخُلِ } الخ على أنه جواب له لا غير ، و { هَاتُواْ } بمعنى أحضروا والهاء أصلية لا بدل من همزة آتوا ولا للتنبيه وهي فعل أمر خلافاً لمن زعم أنها اسم فعل أو صوت بمنزلة ها وفي مجيء الماضي والمضارع والمصدر من هذه المادة خلاف؛ وأثبت أبو حيان هاتي يهاتي مهاتاة والبرهان الدليل على صحة الدعوى ، قيل : هو مأخوذ من البره/ وهو القطع فتكون النون زائدة ، وقيل : من البرهنة وهو البيان فتكون النون أصلية لفقدان فعلن ووجود فعلل ويبنى على هذا الاشتقاق الخلاف في برهان إذا سمي به هل ينصرف أولاً؟
{ إِن كُنتُمْ صادقين } جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله ومتعلق الصدق دعواهم السابق لا الإيمان ولا الأماني كما قيل ، وأفهم التعليق أنه لا بد من البرهان للصادق ليثبت دعواه ، وعلل بأن كل قول لا دليل عليه غير ثابت عند الخصم فلا يعتد به ، ولذا قيل : من ادعى شيئاً بلا شاهد لا بد أن تبطل دعواه ، وليس في الآية دليل على منع التقليد فإن دليل المقلد دليله كما لا يخفى ، وتفسير الصدق هنا بالصلاح مما لا يدعو إليه سوى فساد الذهن .

(1/469)


بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)

{ بلى } رد لقولهم الذي زعموه وإثبات لما تضمنه من نفي دخول غيرهم الجنة . والقول بأنه رد لما أشار إليه { قُلْ هَاتُواْ برهانكم } [ البقرة : 111 ] من نفي أن يكون لهم برهان مما لا وجه له ولا برهان عليه { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } أي انقاد لما قضى الله تعالى وقدر ، أو أخلص له نفسه أو قصده فلم يشرك به تعالى غيره ، أو لم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات وتخصيصه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومعدن الحواس وإما مجاز عن القصد لأن القاصد للشيء مواجه له { وَهُوَ مُحْسِنٌ } حال من ضمير { أَسْلَمَ } أي والحال إنه محسن في جميع أعماله ، وإذا أريد بما تقدم الشرك يؤول المعنى إلى : ( آمن وعمل الصالحات ) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله : { أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك } { فَلَهُ أَجْرُهُ } أي الذي وعد له على ذلك لا الذي يستوجبه كما قاله الزمخشري رعاية لمذهب الاعتزال ، والتعبير عما وعد بالأجر إيذاناً بقوة ارتباطه بالعمل { عِندَ رَبّهِ } حال من أجره والعامل فيه معنى الاستقرار ، والعندية للتشريف ، والمراد عدم الضياع والنقصان ، وأتى بالرب مضافاً إلى ضمير { مَنْ أَسْلَمَ } إظهاراً لمزيد اللطف به وتقريراً لمضمون الجملة ، والجملة جواب { مِنْ } إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط ، وعلى التقديرين يكون الرد ب ( لى ) وحده وما بعده كلام مستأنف كأنه قيل : إذا بطل ما زعموه فما الحق في ذلك ، وجوز أن تكون ( مَن ) موصولة فاعل ليدخلها محذوفاً ، و ( بلى ) مع ما بعدها رد لقولهم ، ويكون { فَلَهُ أَجْرُهُ } معطوفاً على ذلك المحذوف عطف الاسمية على الفعلية لأن المراد بالأولى التجدد ، وبالثانية الثبوت ، وقد نص السكاكي بأن الجملتين إذا اختلفتا تجدداً وثبوتاً يراعى جانت المعنى فيتعاطفان { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تقدم مثله والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى ( من ) كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ ، ويجوز في مثل هذا العكس إلا أن الأفصح أن يبدأ بالحمل على اللفظ ثم بالحمل على المعنى لتقدم اللفظ عليه في الإفهام .

(1/470)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)

{ وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على * شَىْء } المراد يهود المدينة ووفد نصارى نجران تماروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسابوا وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوة عيسى عليه السلام وأنكر النصارى التوراة ونبوة موسى عليه السلام فأل في الموضعين للعهد وقيل : المراد عامة اليهود وعامة النصارى وهو من الإخبار عن الأمم السالفة ، وفيه تقريع لمن بحضرته صلى الله عليه وسلم وتسلية له عليه الصلاة والسلام إذ كذبوا بالرسل والكتب قبله فأل في الموضعين للجنس ، والأول : هو المروي في أسباب النزول ، وعليه يحتمل أن يكون القائل كل واحد من آحاد الطائفتين وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون/ المراد بذلك رجلين رجل من اليهود يقال له نافع بن حرملة ورجل من نصارى نجران ونسبة ذلك للجميع حيث وقع من بعضهم وهي طريقة معروفة عند العرب في نظمها ونثرها وهذا بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه إثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم ، و { على شَىْء } خبر ليس ، وهو عند بعض من باب حذف الصفة أي شيء بعتد به في الدين لأنه من المعلوم أن كلاً منهما على شيء ، والأوْلى عدم اعتبار الحذف ، وفي ذلك مبالغة عظيمة لأن الشيء كما يشير إليه كلام سيبويه ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فإذا نفى مطلقاً كان ذلك مبالغة في عدم الاعتداد بما هم عليه وصار كقولهم أقل من لا شيء { وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب } حال من الفريقين بجعلهما فاعل فعل واحد لئلا يلزم إعمال عاملين في معمول واحد أي قالوا ذلك وهم عالمون بما في كتبهم الناطقة بخلاف ما يقولون ، وفي ذلك توبيخ لهم وإرشاد للمؤمنين إلى أن من كان عالماً بالقرآن لا ينبغي أن يقول خلاف ما تضمنه ، والمراد من الكتاب الجنس فيصدق على التوراة والإنجيل ، وقيل : المراد به التوراة لأن النصارى تمتثلها أيضاً .
{ كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } وهم مشركو العرب في قول الجمهور ، وقيل : مشركو قريش ، وقيل : هم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى ، وأما القول بأنهم اليهود وأعيد قولهم مثل قول النصارى ونفى عنهم العلم حيث لم ينتفعوا به فالظاهر أنه قول : { الذين لاَ يَعْلَمُونَ } والكاف من { كذلك } في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف منصوب ب ( قال ) مقدم عليه أي قولاً مثل قول اليهود والنصارى { قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } ويكون { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } على هذا منصوباً ب { يَعْلَمُونَ } والقول بمعنى الاعتقاد ، أو بقال على أنه مفعول به أو بدل من محل الكاف ، وقيل : { كذلك } مفعول به و { مَثَلُ } مفعول مطلق ، والمقصود تشبيه المقول بالمقول في المؤدي والمحصول ، وتشبيه القول بالقول في الصدور عن مجرد التشهي والهوى والعصبية ، وجوزوا أن تكون الكاف في موضع رفع بالابتداء والجملة بعده خبره والعائد محذوف أي قاله ، و { مَثَلُ } صفة مصدر محذوف ، أو مفعول { يَعْلَمُونَ } ولا يجوز أن يكون مفعول ( قال ) لأنه قد استوفى مفعوله ، واعترض هذا بأن حذف العائد على المبتدأ الذي لو قدر خلو الفعل عن الضمير لنصبه مما خصه الكثير بالضرورة ومثلوا له بقوله :

(1/471)


وخالد يحمد ساداتنا ... بالحق ( لا تحمد ) بالباطل
وقيل : عليه وعلى ما قبله أن استعمال الكاف اسماً وإن جوزه الأخفش إلا أن جماعة خصوه بضرورة الشعر مع أنه قد يؤل ما ورد منه فيه على أنه لا يخفى ما في توجيه التشبيهين دفعاً لتوهم اللغوية من التكلف والخروج عن الظاهر ، ولعل الأولى أن يجعل { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } إعادة لقوله تعالى : { كذلك } للتأكيد والتقرير كما في قوله تعالى : { جَزؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } [ يوسف : 5 7 ] وبه قال بعض المحققين ، وقد يقال : إن كذلك ليست للتشبيه هنا بل لإفادة أن هذا الأمر عظيم مقرر ، وقد نقل الوزير عاصم بن أيوب في شرح قول زهير :
( كذلك ) خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم
عن الإمام الجرجاني إن { كذلك } تأتي للتثبيت إما لخبر مقدم وإما لخبر متأخر وهي نقيض كلا لأن كلا تنفي وكذلك تثبت ومثله { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ المجرمين } [ الحجر : 2 1 ] وفي «شرح المفتاح» الشريفي إنه ليس المقصود من التشبيهات هي المعاني الوضعية فقط إذ تشبيهات البلغاء قلما تخلو من مجازات وكنايات فنقول : إنا رأيناهم يستعملون كذا وكذا للاستمرار تارة نحو عدل زيد في قضية فلان كذا وهكذا أي عدل مستمر ، وقال الحماسي :
( هكذا ) يذهب الزمان ويفنى ال ... علم فيه ويدرس الأثر
نص عليه التبريزي في «شرح الحماسة» وله شواهد كثيرة ، وقال في شرح قول أبي تمام :
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... إنه للتهويل والتعظيم وهو في صدر القصيدة لم يسبق ما يشبه به ، وسيأتي لذلك تتمة إن شاء الله تعالى ، وإنما جعل قول أولئك مشبهاً به لأنه أقبح إذ الباطل من العالم أقبح منه من الجاهل ، وبعضهم يجعل التشبيه على حد { إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } [ البقرة : 275 ] وفيه من المبالغة والتوبيخ على التشبه بالجهال ما لا يخفى وإنما وبخوا ، وقد صدقوا إذ كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء لأنهم لم يقصدوا ذلك وإما قصد كل فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر بنبيه وكتابه على أنه لا يصح الحكم بأن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء يعتدّ به لأن المتبادر منه أن لا يكون كذلك في حد ذاته وما لا ينسخ منهما حق واجب القبول والعمل فيكون شيئاً معتداً به في حد ذاته وإن يكن شيئاً بالنسبة إليهم لأنه لا انتفاع بما لم ينسخ مع الكفر بالناسخ .

(1/472)


{ فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } أي بين اليهود والنصارى لا بين الطوائف الثلاثة لأن مساق النظم لبيان حال تينك الطائفتين والتعرض لمقالة غيرهم لإظهار كمال بطلان مقالهم والحكم الفصل والقضاء وهو يستدعي جارين فيقال : حكم القاضي في هذه الحادثة بكذا ، وقد حذف هنا أحدهما اختصاراً وتفخيماً لشأنه أي بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العذاب ، والمتبادر من الحكم بين فريقين أن يحكم لأحدهما بحق دون الآخر فكأن استعماله بما ذكر مجاز ، وقال الحسن : المراد بالحكم بين هذين الفريقين تكذيبهم وإدخالهم النار وفي ذلك تشريك في حكم واحد وهو بعيد عن حقيقة الحكم ، و { يَوْمٍ } متعلق ب { يُحْكِمُ } وكذا ما بعده ولا ضير لاختلاف المعنى ، وفيه متعلق ب { يَخْتَلِفُونَ } لا ب { كَانُواْ } وقدم عليه للمحافظة على رؤوس الآي .
ومن باب الإشارة في الآيات : { مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } [ البقرة : 106 ] أي ما نزيل من صفاتك شيئاً عن ديوان قلبك أو نخفيه بإشراق أنوارنا عليه إلا ونرقم فيه من صفاتنا التي لا تظن قابليتك لما يشاركها في الاسم والتي تظن وجود ما لا يشاركها فيك { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ } [ البقرة : 107 ] عالم الأرواح وأرض الأجساد وهو المتصرف فيهما بيد قدرته بل العوالم على اختلافها ظاهر شؤون ذاته ومظهر أسمائه وصفاته فلم يبق شيء غيره ينصركم ويليكم { أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ } رسول العقل من اللذات الدنية والشهوات الدنيوية { كَمَا سُئِلَ موسى } القلب { مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ } [ البقرة : 108 ] الظلمة بالنور فقد ضل الطريق المستقيم وقالت اليهود لن يدخل الجنة المعهودة عندهم وهي جنة الظاهر وعالم الملك التي هي جنة الأفعال وجنة النفس { إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا } وقالت النصارى لن يدخل الجنة المعهودة عندهم وهي جنة الباطن وعالم الملكوت التي هي جنة الصفات وجنة القلب إلا من كان نصرانياً ، ولهذا قال عيسى عليه السلام : لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } أي غاية مطالبهم التي وقفوا على حدها واحتجبوا بها عما فوقها { قُلْ هَاتُواْ } دليلكم الدال على نفي دخول غيركم { إِن كُنتُمْ صادقين } [ البقرة : 111 ] في دعواكم بل الدليل دل على نقيض مدعاكم فإن { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ } وخلص ذاته من جميع لوازمها وعوارضها لله تعالى بالتوحيد الذاتي عند المحو الكلي وهو مستقيم في أحواله بالبقاء بعد الفناء مشاهد ربه في أعماله راجع من الشهود الذاتي إلى مقام الإحسان الصفاتي الذي هو المشاهدة للوجود الحقاني { فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ }

(1/473)


[ البقرة : 2 11 ] أي ما ذكرتم من الجنة وأصفى لاختصاصه بمقام العندية التي حجبتم عنها ولهم زيادة على ذلك هي عدم خوفهم من احتجاب الذات وعدم حزنهم على ما فاتهم من جنة الأفعال والصفات التي حجبتم بالوقوف عندها { وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء } لاحتجابهم بالباطن عن الظاهر { وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء } لاحتجابهم عن الباطن بالظاهر { وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب } وفيه ما يرشدهم إلى رفع الحجاب ورؤية حقية كل مذهب في مرتبته { كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } المراتب { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } فخطأ كل فرقة منهم الفرقة الأخرى ولم يميزوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية ولم يعرفوا وجه الحق في كل مرتبة من مراتب الوجود { فالله } تعالى الجامع لجميع الصفات على اختلاف مراتبها وتفاوت درجاتها { يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } بالحق في اختلافاتهم { يَوْمٍ } قيام { القيامة } [ البقرة : 3 11 ] الكبرى وظهور الوحدة الذاتية وتجلي الرب بصور المعتقدات حتى ينكرونه فلا يسجد له إلا من لم يقيده سبحانه حتى بقيد الإطلاق .

(1/474)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله } نزلت في طيطوس بن إسيانوس الرومي وأصحابه وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير وبقي خراباً إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في مشركي العرب منعوا المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام ، وعلى الأول : تكون الآية معطوفة على قوله تعالى : { وَقَالَتِ النصارى } [ البقرة : 3 11 ] عطف قصة على قصة تقريراً لقبائحهم ، وعلى الثاني : تكون اعتراضاً بأكثر من جملة بين المعطوف أعني { قَالُواْ * اتخذ } [ البقرة : 6 11 ] والمعطوف عليه أعني { قَالَتْ * اليهود } [ البقرة : 3 11 ] لبيان حال المشركين الذين جرى ذكرهم بياناً لكمال شناعة أهل الكتاب فإن المشركين الذين يضاهونهم إذا كانوا أظلم الكفرة ، وظاهر الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد وخصوص السبب لا يمنعه ، و { أَظْلَمَ } أفعل تفضيل خبر عن ( من ) ولا يراد بالاستفهام حقيقته وإنما هو بمعنى النفي فيؤول إلى الخبر أي لا أحد أظلم من ذلك واستشكل بأن هذا التركيب قد تقرر في القرآن ك { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } [ السجدة : 22 ] { فمن أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } [ الأنعام : 144 ] { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله } [ الأنعام : 157 ] إلى غير ذلك فإذا كان المعنى على هذا لزم التناقض ، وأجيب بالتخصيص إما بما يفهم من نفس الصلات أو بالنسبة إلى من جاء بعد من ذلك النوع ويؤول معناه إلى السبق في المانعية أو الافترائية مثلاً ، واعترض بأن ذلك بعد عن مدلول الكلام ووضعه العربي وعجمة في اللسان يتبعها استعجام المعنى ، فالأولى أن يجاب بأن ذلك لا يدل على نفي التسوية في الأظلمية وقصارى ما يفهم من الآيات أظلمية أولئك المذكورين فيها ممن عداهم كما أنك إذا قلت لا أحد أفقه من زيد وعمرو وخالد لا يدل على أكثر من نفي أن يكون أحد أفقه منهم ، وإما أنه يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر فلا ، ولا يرد أن من منع مساجد الله مثلاً ولا يفتر على الله كذباً أقل ظلماً ممن جمع بينهما فلا يكون مساوياً في الأظلمية لأن هذه الآيات إنما هي في الكفار وهم متساوون فيها إذ الكفر شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة لأفراد من اتصف به وإنما تمكن بالنسبة لهم ولعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة قاله أبو حيان ، ولا يخفى ما فيه . وقد قال غير واحد إن قولك : من أظلم ممن فعل كذا إنكار لأن يكون أحد أظلم منه أو مساوياً له وإن لم يكن سبك التركيب متعرضاً لإنكار المساواة ونفيها إلا أن العرف الفاشي والاستعمال المطرد يشهد له فإنه إذا قيل من أكرم من فلان أو لا أفضل من فلان فالمراد به حتماً أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل فلعل الأولى الرجوع إلى أحد الجوابين مع ملاحظة الحيثية وإن جعلت ذلك الكلام مخرجاً مخرج المبالغة في التهديد والزجر مع قطع النظر عن نفي المساواة أو الزيادة في نفس الأمر كما قيل به محكماً العرف أيضاً زال الإشكال وارتفع القيل والقال فتدبر
{ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه } مفعول ثان لمنع أو مفعول من أجله بمعنى منعها كراهية أن يذكر أو بدل اشتمال من ( مساجد ) والمفعول الثاني إذن مقدر أي عمارتها أو العبادة فيها أو نحوه أو الناس مساجد الله تعالى أو لا تقدير؛ والفعل متعدّ لواحد وكنى بذكر اسم الله تعالى عما يوقع في المساجد من الصلوات والتقربات إلى الله تعالى بالأفعال القلبية والقالبية المأذون بفعلها فيها .

(1/475)


{ وسعى فِى خَرَابِهَا } أي هدمها وتعطيلها ، وقال الواحدي : إنه عطف تفسير لأن عمارتها بالعبادة فيها { أولئك } الظالمون المانعون الساعون في خرابها . { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } اللام في { لَهُمْ } إما للاختصاص على وجه اللياقة كما في الجل للفرس ، والمراد من الخوف الخوف من الله تعالى ، وإما للاستحقاق كما في الجنة للمؤمن والمراد من الخوف الخوف من المؤمنين ، وإما لمجرد الارتباط بالحصول ، أي : ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه أن يدخلوها فيما سيجىء إلا خائفين والجملة على الأول : مستأنفة جواب لسؤال نشأ من قوله تعالى : { وسعى فِى خَرَابِهَا } كأنه قيل : فما اللائق بهم؟ والمراد من الظلم حينئذٍ وضع الشيء في غير موضعه . وعلى الثاني : جواب سؤال ناشىء من قوله سبحانه : { مِنْ * أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ } كأنه قيل : فما كان حقهم؟ والمراد من الظلم التصرف في حق الغير وعلى الثالث : اعتراض بين كلامين متصلين معنى ، وفيه وعد المؤمنين بالنصرة وتخليص المساجد عن الكفار وللاهتمام بذلك وسطه وقد أنجز الله تعالى وعده والحمد لله؛ فقد روي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارقة ، وقال قتادة : لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انتهك ضرباً ، وأبلغ إليه في العقوبة ، ولا نقض باستيلاء الأقرع ، وبقاء بيت المقدس في أيدي النصارى أكثر من مائة سنة إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين لأن الإنجاز يستدعي تحقيقه في وقت ما ، ولا دلالة فيه على التكرار ، وقيل : النفي بمعنى النهي ومعناه على طريق الكناية النهي عن التخلية والتمكين من دخولهم المساجد ، وذلك يستلزم أن لا يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين ، فذكر اللازم وأريد الملزوم ، ولا يخفى أن النهي عن التخلية والتمكين المذكور في وقت قوة الكفار ومنعهم المساجد لا فائدة فيه سوى الإشعار بوعد المؤمنين بالنصرة والاستخلاص منهم ، فالحمل عليه من أول الأمر أولى ، واختلف الأئمة في دخول الكفار المسجد ، فجوّزه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه مطلقاً للآية فإنها تفيد دخولهم بخشية وخشوع ولأن وفد ثقيف قدموا عليه عليه الصلاة والسلام فأنزلهم المسجد ، ولقوله صلى الله عليه وسلم :

(1/476)


« من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل الكعبة فهو آمن » والنهي محمول على التنزيه أو الدخول للحرم بقصد الحج ، ومنعه مالك رضي الله تعالى عنه مطلقاً لقوله تعالى : { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة : 8 2 ] والمساجد يجب تطهيرها عن النجاسات ، ولذا يمنع الجنب عن الدخول وجوّزه لحاجة وفرق الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بين المسجد الحرام وغيره وقال : الحديث منسوخ بالآية ، وقرأ عبد الله { إِلا } وهو مثل صيم
{ خَائِفِينَ لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } أي عظيم بقتل أبطالهم وأقيالهم ، وكسر أصنامهم ، وتسفيه أحلامهم ، وإخراجهم من جزيرة العرب التي هي دار قرارهم ، ومسقط رؤوسهم ، أو بضرب الجزية على أهل الذمة منهم { وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهو عذاب النار لما أن سببه أيضاً ، وهو ما حكى من ظلمهم كذلك في العظم وتقديم الظرف في الموضعين للتشويق لما يذكر بعده .
ومن باب الإشارة في الآية : ومن أبخس حظاً وأنقص حقاً ممن منع مواضع السجود لله تعالى وهي القلوب/ التي يعرف فيها فيسجد له بالفناء الذاتي أن يذكر فيها اسمه الخاص الذي هو الاسم الأعظم ، إذ لا يتجلى بهذا الاسم إلا في القلب وهو التجلي بالذات مع جميع الصفات أو اسمه المخصوص بكل واحد منها ، أي الكمال اللائق باستعداده المقتضي له وسعى في خرابها بتكديرها بالتعصبات وغلبة الهوى ، ومنع أهلها بتهييج الفتن اللازمة لتجاذب قوى النفس ، ودواعي الشيطان والوهم أولئك ما كان لهم أن يدخلوها ويصلوا إليها إلا خائفين منكسرين لظهور تجلي الحق فيها لهم في الدنيا خزي وافتضاح وذلة بظهور بطلان ما هم عليه ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو احتجابهم عن الحق سبحانه .

(1/477)


وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)

{ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } أي الناحيتان المعلومتان المجاورتان لنقطة تطلع منها الشمس وتغرب ، وكنى بمالكيتهما عن مالكية كل الأرض ، وقال بعضهم : إذا كانت الأرض كروية يكون كل مشرق بالنسبة مغرباً بالنسبة والأرض كلها كذلك فلا حاجة إلى التزام الكناية ، وفيه بعد { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } أي ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة ، وقرأ الحسن { تَوَلَّوْاْ } على الغيبة { فَثَمَّ وَجْهُ الله } أي فهناك جهته سبحانه التي أمرتم بها ، فإذاً مكان التولية لا يختص بمسجد دون مسجد ولا مكان دون آخر { فَأَيْنَمَا } ظرف لازم الظرفية متضمن لمعنى الشرط وليس مفعولاً ل { تَوَلَّوْاْ } والتولية بمعنى الصرف منزل منزلة اللازم ، و ( ثم ) اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مبني على الفتح ولا يتصرف فيه بغير من وقد وهم من أعربه مفعولاً به في قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً } [ الإنسان : 0 2 ] وهو خبر مقدم ، وما بعده مبتدأ مؤخر ، والجملة جواب الشرط والوجه الجهة كالوزن والزنة واختصاص الإضافة باعتبار كونها مأموراً بها ، وفيها رضاه سبحانه ، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل ومجاهد وقتادة وقيل : الوجه بمعنى الذات مثله في قوله تعالى : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] إلا أنه جعل هنا كناية عن علمه واطلاعه بما يفعل هناك ، وقال أبو منصور : بمعنى الجاه ، ويؤل إلى الجلال والعظمة ، والجملة على هذا اعتراض لتسلية قلوب المؤمنين بحل الذكر والصلاة في جميع الأرض لا في المساجد خاصة وفي الحديث الصحيح : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» ولعل غيره عليه الصلاة والسلام لم تبح له الصلاة في غير البيع والكنائس ، وصلاة عيسى عليه السلام في أسفاره في غيرها كانت عن ضرورة فلا حاجة إلى القول باختصاص المجموع وجوّز أن تكون ( أينما ) مفعول { تَوَلَّوْاْ } بمعنى الجهة ، فقد شاع في الاستعمال ( أينما ) توجهوا ، بمعنى أي جهة توجهوا بناءً على ما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في صلاة المسافر والتطوع على الراحلة ، وعلى ما روي عن جابر أنها نزلت في قوم عميت عليهم القبلة في غزوة كنت فيها معهم ، فصلوا إلى الجنوب والشمال ، فلما أصبحوا تبين خطؤهم ، ويحتمل على هاتين الروايتين أن تكون ( أينما ) كما في الوجه الأول أيضاً ، ويكون المعنى في أي مكان فعلتم أي تولية لأن حذف المفعول به يفيد العموم ، واقتصر عليه بعضهم مدعياً أن ما تقدم لم يقل به أحد من أهل العربية ، ومن الناس من قال : الآية توطئة لنسخ القبلة ، وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة ، وإلا لكانت أحق بالاستقبال ، وهي محمولة على العموم غير مختصة بحال السفر أو حال التحري ، والمراد ب ( أينما ) أي جهة ، وبالوجه الذات ووجه الارتباط حينئذٍ أنه لما جرى ذكر المساجد سابقاً أورد بعدها تقريباً حكم القبلة على سبيل الاعتراض ، وادعى بعضهم أن هذا أصح الأقوال ، وفيه تأمل

(1/478)


{ إِنَّ الله واسع } أي محيط بالأشياء ملكاً أو رحمة ، فلهذا وسع عليكم القبلة ولم يضيق عليكم { عَلِيمٌ } بمصالح العباد وأعمالهم/ في الأماكن ، والجملة على الأول : تذييل لمجموع { وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } الخ وعلى الثاني : تذييل لقوله سبحانه : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } الخ ، ومن الغريب جعل ذلك تهديداً لمن منع مساجد الله وجعل الخطاب المتقدم لهم أيضاً ، فيؤول المعنى إلى أنه لا مهرب من الله تعالى لمن طغى ، ولا مفر لمن بغى ، لأن فلك سلطانه حدد الجهات ، وسلطان علمه أحاط بالأفلاك الدائرات :
أين المفر ولا مفر لهارب ... وله البسيطان الثرى والماء
ومن باب الإشارة : أن المشرق عبارة عن عالم النور والظهور وهو جنة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه ، والمغرب عالم الأسرار والخفاء وهو جنة اليهود وقبلتهم بالحقيقة باطنه ، أو المشرق عبارة عن إشراقه سبحانه على القلوب بظهور أنواره فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة الشهود ، والمغرب عبارة عن الغروب بتستره واحتجابه واختفائه بصفة جلاله حالة البقاء بعد الفناء ولله تعالى كل ذلك فأي جهة يتوجه المرء من الظاهر والباطن ( فثم وجه الله ) المتحلي بجميع الصفات المتجلي بما شاء منزهاً عن الجهات وقد قال قائل القوم :
وما الوجه إلا واحد غير أنه ... إذا أنت عددت المرايا تعدد
{ إِنَّ الله واسع } لا يخرج شيء عن إحاطته { عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه شيء من أحوال خليقته ومظاهر صفته .

(1/479)


وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)

{ وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } نزلت في اليهود حيث قالوا عزيز ابن الله وفي نصارى نجران حين قالوا المسيح ابن الله وفي مشركي العرب حيث قالوا الملائكة بنات الله فالضمير لما سبق ذكره من النصارى واليهود والمشركين الذين لا يعلمون ، وعطفه على { قَالَتْ * اليهود } [ البقرة : 3 11 ] وقال أبو البقاء على { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة } [ البقرة : 111 ] : وجوز أن يكون عطفاً على { مَنَعَ } [ البقرة : 411 ] أو على مفهوم من أظلم دون لفظه للاختلاف إنشائية وخبرية ، والتقدير ظلموا ظلماً شديداً بالمنع ، وقالوا : وإن جعل من عطف القصة على القصة لم يحتج إلى تأويل ، والاستئناف حينئذٍ بياني كأنه قيل بعدما عدد من قبائحهم هل انقطع خيط إسهابهم في الافتراء على الله تعالى أم امتد؟ فقيل : بل امتد فإنهم قالوا ما هو أشنع وأفظع ، و الاتخاذ إما بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى إلا إلى واحد ، وإما بمعنى التصيير ، والمفعول الأول محذوف أي صير بعض مخلوقاته ولداً ، وقرأ ابن عباس وابن عامر وغيرهما ( قالوا ) بغير واو على الاستئناف أو ملحوظاً فيه معنى العطف ، واكتفى بالضمير ، والربط به عن الواو كما في «البحر» { سبحانه } تنزيه وتبرئة له تعالى عما قالوا : بأبلغ صيغة ومتعلق سبحان محذوف كما ترى لدلالة الكلام عليه . { بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والارض } إبطال لما زعموه وإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من التشبيه بالمحدثات في التناسل والتوالد ، والحاجة إلى الولد في القيام بما يحتاج الوالد إليه ، وسرعة الفناء لأنه لازم للتركيب اللازم للحاجة ، وكل محقق قريب سريع ، ولإن الحكمة في التوالد هو أن يبقى النوع محفوظاً بتوارد الأمثال فيما لا سبيل إلى بقاء الشخص بعينه مدة بقاء الدهر ، وكل ذلك يمتنع على الله تعالى فإنه الأبدي الدائم والغنى المطلق المنزع عن مشابهة المخلوقات ، واللام في { لَهُ } قيل للملك ، وقيل : إنها كالتي في قولك لزيد ضرب تفيد نسبة الأثر إلى المؤثر ، وقيل : للاختصاص بأي وجه كان ، وهو الأظهر ، والمعنى ليس الأمر كما افتروا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها ما زعموه ولداً ، والخالق لكل موجود لا حاجة له إلى الولد إذ هو يوجد ما يشاء منزهاً عن الاحتياج إلى التوالد
{ كُلٌّ لَّهُ قانتون } أي كل ما فيهما كائناً ما كان جميعاً منقادون له لا يستعصي شيء منهم على مشيئته وتكوينه إيجاداً وإعداماً وتغيراً من حال إلى حال ، وهذا يستلزم الحدوث والإمكان المنافي للوجوب الذاتي فكل من كان متصفاً بهذه الصفة لا يكون والداً لأن من حق الولد أن يشارك والده في الجنس لكونه بعضاً منه ، وإن لم يماثله ، وكان الظاهر كلمة من مع { قانتون } كيلا يلزم اعتبار التغليب فيه ، ويكون موافقاً لسوق الكلام فإن الكلام في العزير والمسيح والملائكة وهم عقلاء إلا أنه جاء بكلمة ( ما ) المختصة بغير أولي العلم كما قاله بعضهم محتجاً بقصة الزبعري مخالفاً لما عليه الرضى من أنها في الغالب لما لا يعلم ، ولما عليه الأكثرون من عمومها كما في «التلويح» ، واعتبر التغليب في { قانتون } إشارة إلى أن هؤلاء الذين جعلوهم ولد الله تعالى سبحانه وتعالى في جنب عظمته جمادات مستوية الأقدام معها في عدم الصلاحية لاتخاذ الولد ، وقيل : أتى بما في الأول لأنه إشارة إلى مقام الألوهية ، والعقلاء فيه بمنزلة الجمادات ، وبجمع العقلاء في الثاني لأنه إشارة إلى مقام العبودية ، والجمادات فيه بمنزلة العقلاء .

(1/480)


ويحتمل أن يقدر المضاف إليه كل ما جعلوه ولداً لدلالة المقول لا عاماً لدلالة مبطله ، ويراد بالقنوت الانقياد لأمر التكليف كما أنه على العموم الانقياد لأمر التكوين ، وحينئذ لا تغلب في { قانتون } وتكون الجملة إلزاماً بأن ما زعموه ولداً مطيع لله تعالى مقر بعبوديته بعد إقامة الحجة عليهم بما سبق ، وترك العطف للتنبيه على استقلال كل منهما في الدلالة على الفساد واختلافهما في كون أحدهما حجة والآخر إلزاماً ، وعلى الأول يكون الأخير مقرراً لما قبله ، وذكر الجصاص أن في هذه الآية دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده لأنه نفى الولد باثبات الملك باعتبار أن اللام له فمتى ملك ولده عتق عليه ، وقد حكم صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذا ملكه ولده؛ ولا يخفى أن هذا بعيد عما قصد بالآية لا سيما إذا كان الأظهر الاختصاص كما علمت .

(1/481)


بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)

{ بَدِيعُ السماوات والارض } أي مبدعهما فهو فعيل من أفعل وكان الأصمعي ينكر فعيلاً بمعنى مفعل ، وقال ابن بري : قد جاء كثيراً نحو مسخن وسخين ومقعد وقعيد وموصى ووصي ومحكم وحكيم ومبرم وبريم ومونق وأنيق في أخوات له ، ومن ذلك السميع في بيت عمرو بن معدي كرب السابق . والاستشهاد بناءاً على الظاهر المتبادر على ما هو الأليق بمباحث العربية فلا يرد ما قيل في البيت لأنه على خلافه كما لا يخفى على المنصف ، وقيل : هو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها للتخفيف أي بديع سمواته . وأنت تعلم أنه قد تقرر أن الصفة إذا أضيفت إلى الفاعل يكون فيها ضمير يعود إلى الموصوف فلا تصح الإضافة إلا إذا صح اتصاف الموصوف بها نحو حسن الوجه حيث يصح اتصاف الرجل بالحسن لحسن وجهه بخلاف حسن الجارية وإنما صح زيد كثير الاخوان لاتصافه بأنه متقوّ بهم ، وفيما نحن فيه وإن امتنع اتصافه بالصفة المذكورة لكن يصح اتصافه بما دلت عليه وهو كونه مبدعاً لهما . وهذا يقتضي أن يكون الأولى بقاء المبدع على ظاهره وهو الذي عليه أساطين أهل اللغة ، والإبداع اختراع الشيء لا عن مادة ولا في زمان ، ويستعمل ذلك في إيجاده تعالى للمبادي كما قاله الراغب وهو غير الصنع إذ هو تركيب الصورة بالعنصر؛ ويستعمل في إيجاد الأجسام وغير التكوين فإنه ما يكون بتغير وفي زمان غالباً وإذا أريد من السموات والأرض جميع ما سواه تعالى من المبدعات والمصنوعات والمكونات لاحتوائها على عالم الملك والملكوت فبعد اعتبار التغليب يصح إطلاق كل من الثلاثة إلا أن لفظ الإبداع أليق لأنه يدل على كمال قدرته تعالى ، والقول بتعين حمل الإبداع على التكوين من مادة أو أجزاء لأن إيجاد السموات من شيء كما يشير إليه قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ } [ فصلت : 11 ] ناشىء من الغفلة عما ذكرنا ، والآية حجة أخرى لإبطال تلك المقالة الشنعاء ، وتقريرها أنه تعالى مبدع لكل ما سواه فاعل على الإطلاق ، ولا شيء من الوالد كذلك ضرورة انفعاله بانفصال مادة الولد عنه فالله تعالى ليس بوالد ، وقرأ المنصور { بَدِيعُ } بالنصب على المدح ، وقرىء بالجر على أنه بدل من الضمير في { لَهُ } على رأي من يجوز ذلك { وَإِذَا قضى أَمْرًا } أي أراد شيئاً بقرينة قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً } [ يس : 82 ] وجاء القضاء على وجوه ترجع كلها إلى إتمام الشيء قولاً أو فعلاً وإطلاقه على الإرادة مجاز من استعمال اللفظ المسبب في السبب فإن الإيجاد الذي هو إتمام الشيء مسبب عن تعلق الإرادة لأنه يوجبه ، وساوى ابن السيد بينه وبين القدر ، والمشهور التفرقة بينهما بجعل القدر تقديراً لأمور قبل أن تقع ، والقضاء إنفاذ ذلك القدر وخروجه من العدم إلى حد الفعل ، وصحح ذلك الجمهور لأنه قد جاء في الحديث

(1/482)


« أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بكهف مائل للسقوط فأسرع المشي حتى جاوزه فقيل : له أتفر من قضاء الله تعالى؟ فقال : أفر من قضائه تعالى إلى قدره » ففرق صلى الله عليه وسلم بين القضاء والقدر .
{ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } الظاهر أن الفعلين من كان التامة لعدم ذكر الخبر مع أنها الأصل أي احدث فيحدث ، وهي تدلك على معنى الناقصة لأن الوجود المطلق أعم من وجوده في نفسه أو في غيره والأمر محمول على حقيقته كما ذهب إليه محققو ساداتنا الحنفية والله تعالى قد أجرى سنته في تكوين الأشياء أن يكوّنها بهذه الكلمة وإن لم يمتنع تكوينها بغيرها ، والمراد الكلام الأزلي لأنه يستحيل قيام اللفظ المرتب بذاته تعالى ولأنه حادث فيحتاج إلى خطاب آخر فيتسلسل وتأخره عن الإرادة وتقدمه على وجود الكون باعتبار التعلق ، ولما لم يشتمل خطاب التكوين على الفهم واشتمل على أعظم الفوائد جاز تعلقه بالمعدوم ، وذهب المعتزلة وكثير من أهل السنة إلى أنه ليس المراد به حقيقة الأمر والامتثال ، وإنما هو تمثيل لحصول ما تعلق به الإرادة بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف فهناك استعارة تمثيلية حيث شبهت هيأة حصول المراد بعد تعلق الإرادة بلا مهلة ، وامتناع بطاعة المأمور المطيع عقيب أمر المطاع بلا توقف وإباء تصويراً لحال الغائب بصورة الشاهد ثم استعمل الكلام الموضوع للمشبه في المشبه به من غير اعتبار استعارة في مفرداته وكان أصل الكلام إذا قضى أمراً فيحصل عقيبه دفعة فكأنما يقول له كان فيكون ثم حذف المشبه ، واستعمل المشبه به مقامه ، وبعضهم يجعل في الكلام استعارة تحقيقية تصريحية مبنية على تشبيه حال بقال ، ولعل الذي دعى هؤلاء إلى العدول عن الظاهر زعم امتناعه لوجوه ذكرها بعض أئمتهم الأول : أن قوله تعالى : { كُنَّ } إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً لتأخر النون ولتقدم الكاف ، والمسبوق محدث لا محالة ، وكذا المتقدم عليه بزمان مقدر أيضاً ، ولأن { إِذَا } للاستقبال فالقضاء محدث و { كُنَّ } مرتب عليه بفاء التعقيب ، والمتأخر عن المحدث محدث ، ولا جائز أن يكون محدثاً وإلا لدار أو تسلسل ، الثاني : إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود ، وخطاب المعدوم سفه ، وإما بعد دخوله ولا فائدة فيه . الثالث : المخلوق قد يكون جماداً وتكليفه لا يليق بالحكمة الرابع : إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله { كُنَّ } فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إليها وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه ب { كُنَّ } فيلزم عجزه بالنظر إلى ذاته .

(1/483)


الخامس : أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها فكذا إذا تكلم بها غيرنا . السادس : المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين أو أحدهما وهو خلاف المفروض انتهى .
وأنت إذا تأملت ما ذكرنا ظهر لك اندفاع جميع هذه الوجوه ، ويا عجباً لمن يقول بالكلام النفسي ويجعل هذا دالاً عليه كيف تروعه هذه القعاقع أم كيف تغره هذه الفقاقع؟ا نعم لو ذهب ذاهب إلى هذا القول لما فيه من مزيد إثبات العظمة لله تعالى ما ليس في الأول لا لأن الأول باطل في نفسه كان حريا بالقبول ولعلي أقول به والآية مسوقة لبيان كيفية الإبداع ومعطوفة على قوله تعالى : { بَدِيعُ * السموات والارض } مشتملة على تقرير معنى الإبداع وفيها تلويح بحجة أخرى لإبطال ذلك الهذيان بأن اتخاذ الولد من الوالد إنما يكون بعد قصده بأطوار ومهلة لما أن ذلك لا يمكن إلا بعد انفصال مادته عنه وصيرورته حيواناً ، وفعله تعالى بعد إرادته أو تعلق قوله مستغن عن المهلة فلا يكون اتخاذ الولد فعله تعالى ، وكأن السبب في هذه الضلالة أنه ورد إطلاق الأب على الله تعالى في الشرائع المتقدمة باعتبار أنه السبب الأول وكثر هذا الإطلاق في إنجيل يوحنا ثم ظنت الجهلة أن المراد به معنى الولادة فاعتقدوا ذلك تقليداً وكفروا ، ولم يجوز العلماء اليوم إطلاق ذلك عليه تعالى مجازاً ، قطعاً لمادة الفساد ، وقرأ ابن عامر { فَيَكُونُ } بالنصب ، وقد أشكلت على النحاة حتى تجرأ أحمد بن موسى فحكم بخطئها وهو سوء أدب بل من أقبح الخطأ ووجهها أن تكون حينئذ جواب الأمر حملاً على صورة اللفظ وإن كان معناه الخبر إذ ليس معناه تعليق مدلول مدخول الفاء بمدلول صيغة الأمر الذي يقتضيه سببية ما قبل الفاء لما بعدها اللازمة لجواب الأمر بالفاء إذ لا معنى لقولنا ليكن منك كون فكون ، وقيل : الداعي إلى الحمل على اللفظ أن الأمر ليس حقيقياً فلا ينصب جوابه وإن من شرط ذلك أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحو ائتني فأكرمك إذ تقديره إن تأتني أكرمك ، وهنا لا يصح أن يكن يكن وإلا لزم كون الشيء سبباً لنفسه ، وأجيب بأن المراد إن يكن في علم الله تعالى وإرادته يكن في الخارج فهو على حد «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» وبأن كون الأمر غير الحقيقي لا ينصب في جوابه ممنوع فإن كان بلفظ فظاهر ولكنه مجاز عن سرعة التكوين وإن لم يعتبر فهو مجاز عن إرادة سرعته فيؤول إلى إن يراد سرعة وجود شيء يوجد في الحال فلا محذور للتغاير الظاهر ولا يخفى ما فيه ، ووجه الرفع الاستئناف أي فهو يكون وهو مذهب سيبويه ، وذهب الزجاج إلى عطفه على { يِقُولُ } وعلى التقديرين لا يكون { يَكُونَ } داخلاً في المقول ومن تتمته ليوجه العدول عن الخطاب بأنه من باب الالتفات تحقيراً لشأن الأمر في سهولة تكونه ووجهه به غير واحد على تقدير الدخول .

(1/484)


وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)

{ وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } عطف على قوله تعالى : { وَقَالُواْ اتخذ الله } [ البقرة : 6 11 ] ووجه الارتباط أن الأول : كان قدحاً في التوحيد وهذا قدح في النبوة ، والمراد من الموصول جهلة المشركين ، وقد روي ذلك عن قتادة والسدي والحسن وجماعة ، وعليه أكثر المفسرين ويدل عليه قوله تعالى : { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا } [ الإسرار : 0 9 ] وقالوا : { بَلْ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ بَلِ } [ الأنبياء : 5 ] وقالوا : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا } [ الفرقان : 1 2 ] وقيل : المراد به اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رافع بن خزيمة من اليهود قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت رسولاً من عند الله تعالى فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله تعالى : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك } [ النساء : 153 ] وقال مجاهد : المراد به النصارى ورجحه الطبري بأنهم المذكورون في الآية ، وهو كما ترى ، ونفي العلم على الأول عنهم على حقيقته لأنهم لم يكن لهم كتاب ولا هم أتباع نبوة/ ، وعلى الأخيرين لتجاهلهم أو لعدم علمهم بمقتضاه
{ لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله } أي هلا يكلمنا بأنك رسوله إما بالذات كما يكلم الملائكة أو بإنزال الوحي إلينا ، وهو استكبار منهم بعدّ أنفسهم الخبيثة كالملائكة والأنبياء المقدسين عليهم الصلاة والسلام { أَوْ تَأْتِينَا ءايَةٌ } أي حجة على صدقك وهو جحود منهم قاتلهم الله تعالى لما آتاهم من الآيات البينات ، والحجج الباهرات التي تخر لها صم الجبال ، وقيل : المراد إتيان آية مقترحة ، وفيه أن تخصيص النكرة خلاف الظاهر { كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم } جواب لشبهتهم يعني أنهم يسألون عن تعنت واستكبار مثل الأمم السابقة والسائل المتعنت لا يستحق إجابة مسألته { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } هذا الباطل الشنيع { فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً } [ النساء : 153 ] { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً } [ المائدة : 2 11 ] { اجعل لَّنَا إلها } [ الأعراف : 138 ] وقد تقدم الكلام على هذين التشبيهين ، ولبعضهم هنا زيادة على ما مر احتمال تعلق { كذلك } ب { تَأْتِينَا } وحينئذ يكون الوقف عليه لا على { ءايَةً } أو جعل { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } متعلقاً ب { تشابهت } وحينئذ يكون الوقف على { مِن قَبْلِهِمُ } وأنت تعلم أنه لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الكريم على مثل هذه الاحتمالات الباردة
{ تشابهت قُلُوبُهُمْ } أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد ، وقيل : في التعنت والاقتراح ، والجملة مقررة لما قبلها ، وقرأ أبو حيوة وابن أبي إسحق بتشديد الشين قال أبو عمرو الداني : وذلك غير جائز لأنه فعل ماض والتاآن المزيدتان إنما يجيئان في المضارع فيدغم أما الماضي فلا ، وفي غرائب التفسير أنهم أجمعوا على خطئه ، ووجه ذلك الراغب بأنه حمل الماضي على المضارع فزيد فيه ما يزاد فيه ولا يخفى أنه بهذا القدر لا يندفع الإشكال ، وقال ابن سهمي في الشواذ : إن العرب قد تزيد على أول تفعل في الماضي تاء فتقول تتفعل وأنشد .

(1/485)


تتقطعت بي دونك الأسباب ... وهو قول غير مرضي ولا مقبول فالصواب عدم صحة نسبة نسبة هذه القراءة إلى هذين الإمامين وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدم
{ قَدْ بَيَّنَّا الآيات } أي نزلناها بينة بأن جعلناها كذلك في أنفسها فهو على حد سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي يعلمون الحقائق علماً ذا وثاقة لا يعتريهم شبهة ولا عناد وهؤلاء ليسوا كذلك فلهذا تعنتوا واستكبروا وقالوا ما قالوا ، والجملة على هذا معللة لقوله تعالى : { كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم } كما صرح به بعض المحققين ، ويحتمل أن يراد من الإتيان طلب الحق واليقين . و الآية رد لطلبهم الآية وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد التبيين مكان الاتيان الذي طلبوه ما لا يخفى من الجزالة ، والمعنى أنهم اقترحوا آية فذة ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين وإنما لم يتعرض سبحانه لرد قولهم { لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله } إيذاناً بأنه منهم أشبه شيء بكلام الأحمق وجواب الأحمق السكوت .

(1/486)


إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)

{ إِنَّا أرسلناك بالحق } أي متلبسا مؤيداً به فالظرف مستقر ، وقيل : لغو متعلق بأرسلنا أو بما بعده ، وفسر الحق بالقرآن أو بالاسلام وبقاؤه على عمومه أولى { بَشِيراً وَنَذِيراً } حالان من الكاف ، وقيل : من الحق والآية اعتراض لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان يهتم ويضيق صدره لإصرارهم على الكفر والمراد : إنا أرسلناك لأن تبشر من أطاع وتنذر من عصى لا لتجبر على الإيمان فما عليك إن أصروا أو كابروا؟ والتأكيد لإقامة غير المنكر مقام المنكر بما لاح عليه من أمارة الإنكار والقصر إفرادي .
{ وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم } تذييل معطوف على ما قبله ، أو اعتراض أو حال أي أرسلناك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت ما أرسلت به وألزمت الحجة عليهم؟ا ، / وقرأ أبيّ و ( ما ) بدل و { لا } وابن مسعود ( ولن ) بدل ( ذلك ) وقرأ نافع ، ويعقوب لا تسأل على صيغة النهي إيذاناً بكمال شدة عقوبة الكفار وتهويلاً لها كما تقول كيف حال فلان وقد وقع في مكروه فيقال لك لا تسأل عنه أي أنه لغاية فظاعة ما حل به لا يقدر المخبر على إجرائه على لسانه أو لا يستطيع السامع أن يسمعه ، والجملة على هذا اعتراض أو عطف على مقدر أي فبلغ ، والنهي مجازي ، ومن الناس من جعله حقيقة ، والمقصود منه بالذات نهيه صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه على ما روي أنه عليه الصلاة والسلام سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فذهب فدعا لهما وتمنى أن يعرف حالهما في الآخرة وقال : ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت ولا يخفى بعد هذه الرواية لأنه صلى الله عليه وسلم كما في «المنتخب» عالم بما آل إليه أمرهما ، وذكر الشيخ ولي الدين العراقي أنه لم يقف عليها ، وقال الإمام السيوطي : لم يرد في هذا إلا أثر معضل ضعيف الإسناد فلا يعول عليه ، والذي يقطع به أن الآية في كفار أهل الكتاب كالآيات السابقة عليها والتالية لها لا في أبويه صلى الله عليه وسلم ، ولتعارض الأحاديث في هذا الباب وضعفها ، قال السخاوي : الذي ندين الله تعالى به الكف عنهما وعن الخوض في أحوالهما . والذي أدين الله تعالى به أنا أنهما ماتا موحدين في زمن الكفر ، وعليه يحمل كلام الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إن صح بل أكاد أقول : إنهما أفضل من عَلِيّ القاري وأضرابه . و الجحيم النار بعينه إذا شب وقودها ويقال : جحمت النار تحجم جحماً إذا اضطربت .

(1/487)


وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)

{ وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } بيان لكمال شدة شكيمتي هاتين الطائفتين إثر بيان ما يعمهما ، والمشركين مما تقدم ولا بين المعطوفين لتأكيد النفي وللإشعار بأن رضا كل منهما مباين لرضا الأخرى ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غاية وراءه فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه الصلاة والسلام ، ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون بل أملوا ما لا يكاد يدخل دائرة الإمكان ، وهو الاتباع لملتهم التي جاء بنسخها فكيف يتصور اتباعهم لملته صلى الله عليه وسلم ، واحتيج لهذه المبالغة لمزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم على ما روي أنه كان يلاطف كل فريق رجاء أن يسلموا فنزلت ، والملة في الأصل اسم من أمللت الكتاب بمعنى أمليته كما قال الراغب ، ومنه طريق ملول أي مسلوك معلوم كما نقله الأزهري ثم نقلت إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبي صلى الله عليه وسلم ولا يختلف الأنبياء عليهم السلام فيها ، وقد تطلق الباطل كالكفر ملة واحدة ، ولا تضاف إليه سبحانه فلا يقال ملة الله ، ولا إلى آحاد الأمة ، والدين يرادفها صدقاً لكنه باعتبار قبول المأمورين لأنه في الأصل الطاعة والانقياد ولاتحاد ما صدقهما قال تعالى : { دِينًا قِيَمًا مّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } [ الأنغام : 161 ] وقد يطلق الدين على الفروع تجوزاً ، ويضاف إلى الله تعالى وإلى الآحاد وإلى طوائف مخصوصة نظراً إلى الأصل على أن تغاير الاعتبار كاف في صحة الإضافة ، ويقع على الباطل أيضاً ، وأما الشريعة فهي المورد في الأصل ، وجعلت اسماً للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاش والمعاد سواء كانت منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه والنسخ والتبديل يقع فيها ، وتطلق على الأصول الكلية تجوزاً قاله بعض المحققين . ووحدت الملة وإن كان لهم ملتان للإيجاز أو لأنهما يجمعهما الكفر ، وهو ملة واحدة ، ثم إن هذا ليس ابتداء كلام منه تعالى بعدم رضاهم بل هو حكاية لمعنى كلام قالوه بطريق التكلم ليطابقه قوله سبحانه .
{ قُلْ إِنَّ هُدَى * هُوَ الهدى } فإنه على طريقة الجواب لمقالتهم ولعلهم ما قالوا ذلك إلا لزعمهم أن دينهم/ حق وغير باطل فأجيبوا بالقصر القلبي أي دين الله تعالى هو الحق ودينكم هو الباطل ، و هدى الله تعالى الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إليه ليس بهدى بل هوى على أبلغ وجه لإضافة الهدي إليه تعالى وتأكيده بأن وإعادة الهدى في الخبر على حد شعري شعري ، وجعله نفس الهدى المصدري وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم ، والأمر بهذا القول لهم لا يجب أن يكون جواباً لعين تلك العبارة بل جواب ورد لما يستلزم مضمونها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية أو النصرانية وأن الاهتداء فيهما ، وقيل : يصح أن يكون لاقناطهم عما يتمنونه ويطمعونه وليس بجواب :
{ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } أي آراءهم الزائغة المنحرفة عن الحق الصادرة عنهم بتبعية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل بالملة وكان الظاهر ولئن اتبعتها إلا أنه غير النظم ووضع الظاهر موضع المضمر من غير لفظه إيذاناً بأنهم غيروا ما شرعه الله سبحانه تغييراً أخرجوه به عن موضوعه ، وفي صيغة الجمع إشارة إلى كثرة الاختلاف بينهم وأن بعضهم يكفر بعضاً .

(1/488)


{ بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم } أي المعلوم وهو الوحي أو الدين لأنه الذي يتصف بالمجيء دون العلم نفسه ولك أن تفسر المجيء بالحصول فيجري العلم على ظاهره
{ مالك * مِنَ الله مِن وَلِيّ * وَلاَ نَصِيرٍ } جواب للقسم الدال عليه السلام الموطئة ولو أجيب به الشرط هنا لوجبت الفاء ، وقيل : إنه جواب له ويحتاج إلى تقدير القسم مؤخراً عن الشرط وتأويل الجملة الإسمية بالفعلية الاستقبالية أي ما يكون لك وهو تعسف إذ لم يقل أحد من النحاة بتقدير القسم مؤخراً مع اللام الموطئة ، وتأويل الاسمية بالفعلية لا دليل عليه ، وقيل : إنه جواب لِكِلاَ الأمرين القسم الدال عليه اللام وإن الشرطية لأحدهما لفظاً وللآخر معنى وهو كما ترى ، والخطاب أيضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقييد الشرط بما قيد للدلالة على أن متابعة أهوائهم محال لأنه خلاف ما علم صحته فلو فرض وقوعه كما يفرض المحال لم يكن له ولي ولا نصير يدفع عنه العذاب ، وفيه أيضاً من المبالغة في الإقناط ما لا يخفى ، وقيل : الخطاب هناك وهنا وإن كان ظاهراً للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المقصود منه أمته ، وأنت تعلم مما ذكرنا أنه لا يحتاج إلى التزام ذلك .

(1/489)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122)

{ الذين ءاتيناهم الكتاب } اعتراض لبيان حال مؤمني أهل الكتاب بعد ذكر أحوال كفرتهم ولم يعطف تنبيهاً على كمال التباين بين الفريقين والآية نازلة فيهم وهم المقصودون منها سواء أريد بالموصول الجنس أو العهد على ماقيل إنهم الأربعون الذين قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب اثنان وثلاثون منهم من اليمن وثمانية من علماء الشام
{ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } أي يقرءونه حق قراءته وهي قراءة تأخذ بمجامع القلب فيراعى فيها ضبط اللفظ والتأمل في المعنى وحق الأمر والنهي ، والجملة حال مقدرة أي آتيناهم الكتاب مقدراً تلاوتهم لأنهم لم يكونوا تالين وقت الإيتاء وهذه الحال مخصصة لأنه ليس كل من أوتيه يتلوه ، و { حَقّ } منصوب على المصدرية لإضافته إلى المصدر ، وجوز أن يكون وصفاً لمصدر محذوف وأن يكون حالاً أي محقين والخبر قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } ويحتمل أن يكون يتلونه خبراً لا حالاً ، { أولئك } الخ خبراً بعد خبر أو جملة مستأنفة ، وعلى أول الاحتمالين يكون الموصول للجنس ، وعلى ثانيهما يكون للعهد أي مؤمنو أهل الكتاب ، وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للحصر والتعريض ، والضمير للكتاب أي أولئك يؤمنون بكتابهم دون المحرفين فإنهم غير مؤمنين به ، ومن هنا يظهر فائدة الاخبار على الوجه الأخير ، ولك أن تقول محط الفائدة ما يلزم الإيمان به/ من الربح بقرينة ما يأتي ، ومن الناس من حمل الموصول على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب عكرمة وقتادة ، فالمراد من ( الكتاب ) حينئذ القرآن ، ومنهم من حمله على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، وإليه ذهب ابن كيسان ، فالمراد من الكتاب حينئذ الجنس ليشمل الكتب المتفرقة ، ومنهم من قال بما قلنا إلا أنه جوز عود ضمير { بِهِ } إلى { الهدى } [ البقرة : 0 12 ] أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الله تعالى ، وعلى التقديرين يكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة أو من التكلم إليها ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من البعد البعيد .
{ وَمن يَكْفُرْ بِهِ } أي الكتاب بسبب التحريف والكفر بما يصدقه ، واحتمالات نظير هذا الضمير مقولة فيه أيضاً . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } من جهة أنهم اشتروا الكفر بالإيمان ، وقيل : بتجارتهم التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف .

(1/490)


وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)

تكرير لتذكير بني إسرائيل وإعادة لتحذيرهم للمبالغة في النصح ، وللإيذان بأن ذلك فذلكة القصة والمقصود منها وقد تفنن في التعبير فجاءت الشفاعة أولاً : بلفظ القبول متقدمة على العدل وهنا : النفع متأخرة عنه ، ولعله كما قيل إشارة إلى انتفاء أصل الشيء وانتفاء ما يترتب عليه ، وأعطي المقدم وجوداً تقدمه ذكراً ، والمتأخر وجوداً تأخره ذكراً ، وقيل : إن ما سبق كان للأمر بالقيام بحقوق النعم السابقة ، وما هنا لتذكير نعمة بها فضلهم على العالمين وهي نعمة الإيمان ببني زمانهم ، وانقيادهم لأحكامه ليغتنموها ويؤمنوا ويكونوا من الفاضلين لا المفضولين وليتقوا بمتابعته عن أهوال القيامة وخوفها كما اتقوا بمتابعة موسى عليه السلام .

(1/491)


وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)

{ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات } في متعلق { إِذْ } احتمالات تقدمت الإشارة إليها في نظير الآية ، واختار أبو حيان تعلقها ب { قَالَ } الآتي ، وبعضهم بمضمر مؤخر ، أي كان كيت وكيت والمشهور : تعلقها بمضمر مقدم تقديره اذكر أو اذكروا وقت كذا ، والجملة حينئذ معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة ، والجامع الاتحاد في المقصد؛ فإن المقصد من تذكيرهم وتخويفهم تحريضهم على قبول دينه صلى الله عليه وسلم ، واتباع الحق ، وترك التعصب ، وحب الرياسة ، كذلك المقصد من قصة إبراهيم عليه السلام وشرح أحواله ، الدعوة على ملة الإسلام؛ وترك التعصب في الدين ، وذلك لأنه إذا علم أنه نال الإمامة بالانقياد لحكمه تعالى وأنه لم يستجب دعاءه في الظالمين وأن الكعبة كانت مطافاً ومعبداً في وقته مأموراً هو بتطهيره ، وأنه كان يحج البيت داعياً مبتهلاً كما هو في دين النبي صلى الله عليه وسلم وأن نبينا عليه الصلاة والسلام من دعوته ، وأنه دعا في حق نفسه وذريته بملة الإسلام ، كان الواجب على من يعترف بفضله وأنه من أولاده ، ويزعم اتباع ملته؛ ويباهي بأنه من ساكن حرمه وحامي بيته ، أن يكون حاله مثل ذلك ، وذهب عصام الملة والدين إلى جواز العطف على { نِعْمَتِيَ } [ البقرة : 122 ] أي : اذكروا وقت ابتلاء إبراهيم فإن فيه ما ينفعكم ويرد اعتقادكم الفاسد أن آباءكم شفعاؤكم يوم القيامة ، لأنه لم يقبل دعاء إبراهيم في الظلمة ويدفع عنكم حب الرياسة المانع عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه يعلم منه أنه لا ينال الرياسة الظالمين واعترض بأنه خروج عن طريق البلاغة مع لزوم تخصيص الخطاب بأهل الكتاب وتخلل { اتقوا } [ البقرة : 123 ] بين المعطوفين والابتلاء في الأصل الاختبار كما قدمنا / والمراد به هنا التكليف ، أو المعاملة معاملة الاختبار مجازاً ، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه تعالى لكونه عالم السر والخفيات و ( إبراهيم ) علم أعجمي ، قيل : معناه قبل النقل أب رحيم وهو مفعول مقدم لإضافة فاعله إلى ضميره ، والتعرض لعنوان الربوبية تشريف له عليه السلام ، وإيذان بأن ذلك الابتلاء تربية له وترشيح لأمر خطير ، و الكلمات جمع كلمة وأصل معناها اللفظ المفرد وتستعمل في الجمل المفيدة ، وتطلق على معاني ذلك لما بين اللفظ والمعنى من شدة الاتصال واختلف فيها ، فقال طاوس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إنها العشرة التي من الفطرة ، المضمضة ، والاستنشاق ، وقص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والفرق ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، وحلق العانة .

(1/492)


والاستطابة ، والختان ، وقال عكرمة رواية عنه أيضاً : لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ، ابتلاه الله تعالى بثلاثين خصلة من خصال الإسلام ، عشر منها في سورة براءة ( 112 ) { التائبون } الخ ، وعشر في الأحزاب ( 53 ) { إِنَّ المسلمين والمسلمات } الخ ، وعشر في المؤمنين و { سَأَلَ سَائِلٌ } إلى { وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } [ المعارج : 1 4 3 ] وفي رواية الحاكم في «مستدركه» أنها ثلاثون ، وعد السور الثلاثة الأول ولم يعد السورة الأخيرة ، فالذي في براءة التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحفظ لحدود الله تعالى ، والإيمان المستفاد من { وَبَشّرِ المؤمنين } [ التوبة : 112 ] أو من { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين } [ التوبة : 111 ] في الأحزاب ، الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصيام والحفظ للفروج ، والذكر والذي في المؤمنين : الإيمان والخشوع والإعراض عن اللغو والزكاة والحفظ للفروج إلا على الأزواج أو الإماء ثلاثة والرعاية للعهد ، والأمانة اثنين ، والمحافظة على الصلاة ، وهذا مبني على أن لزوم التكرار في بعض الخصال بعد جمع العشرات المذكورة ، كالإيمان والحفظ للفروج لا ينافي كونها ثلاثين تعداداً إنما ينافي تغايرها ذاتاً ومن هنا عدت التسمية مائة وثلاث عشرة آية عند الشافعية باعتبار تكررها في كل سورة ، وما في رواية عكرمة مبني على اعتبار التغاير بالذات وإسقاط المكررات ، وعده العاشرة البشارة للمؤمنين في براءة ، وجعل الدوام على الصلاة والمحافظة عليها واحداً { والذين فِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لَّلسَّائِلِ والمحروم } [ المعارج : 4 2 ، 5 2 ] غير الفاعلين للزكاة لشموله صدقة التطوع وصلة الأقارب ، وما روي أنها أربعون وبينت بما في السور الأربع مبني على الاعتبار الأول أيضاً فلا إشكال وقيل : ابتلاه الله تعالى بسبعة أشياء : بالكوكب ، والقمرين ، والختان على الكبر ، والنار ، وذبح الولد ، والهجرة من كوثى إلى الشام ، وروي ذلك عن الحسن ، وقيل : هي ما تضمنته الآيات بعد من الإمامة ، وتطهير البيت ، ورفع قواعده ، والإسلام ، ( وقيل ، وقيل . . . ) إلى ثلاثة عشر قولاً ، وقرأ ابن عامر وابن الزبير وغيرهما ( إبراهام ) وأبو بكرة ( إبراهِم ) بكسر الهاء وحذف الياء وقرأ ابن عباس ، وأبو الشعثاء ، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم برفع ( إبراهيم ) ونصب ( ربه ) فالابتلاء بمعنى الاختبار حقيقة لصحته من العبد ، والمراد : دعا ربه بكلمات مثل { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ * يُحْيِىَ الموتى } [ البقرة : 0 62 ] و { اجعل هذا البلد امِنًا } [ ابراهيم : 5 3 ] ليرى هل يجيبه؟ ولا حاجة إلى الحمل على المجاز . وأما ما قيل : إنه وإن صح من العبد لا يصح أو لا يحسن تعليقه بالرب فوجهه غير ظاهر سوى ذكر لفظ الابتلاء ويجوز أن يكون ذلك في مقام الإنس ، ومقام الخلة غير خفي
{ فَأَتَمَّهُنَّ } الضمير المنصوب للكلمات لا غير ، والمرفوع المستكن يحتمل أن يعود لإبراهيم وأن يعود لربه على كل من قرائتي الرفع والنصب فهناك أربعة احتمالات الأول : عوده على { إِبْرَاهِيمَ } منصوباً ، ومعنى : { *أتمهن } حينئذ أتى بهن على الوجه الأتم وأداهن/ كما يليق .

(1/493)


الثاني : عوده على { خَشِىَ رَبَّهُ } مرفوعاً ، والمعنى حينئذ يسر له العمل بهن وقواه على إتمامهن أو أتم له أجورهن ، أو أدامهنّ سنة فيه وفي عقبه إلى يوم الدين . الثالث : عوده على إبراهيم مرفوعاً والمعنى عليه أتم { إِبْرَاهِيمَ } الكلمات المدعو بها بأن راعى شروط الإجابة فيها ، ولم يأت بعدها بما يضيعها . الرابع : عوده إلى { رَبَّهُ } منصوباً والمعنى عليه فأعطى سبحانه إبراهيم جميع ما دعاه ، وأظهر الاحتمالات الأول والرابع ، إذ التمدح غير ظاهر في الثاني مع ما فيه من حذف المضاف على أحد محتملاته والاستعمال المألوف غير متبع في الثالث ، ولأن الفعل الواقع في مقابلة الاختبار يجب أن يكون فعل المختبر اسم مفعول .
{ قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } استئناف بياني إن أضمر ناصب { إِذْ } كأنه قيل : فماذا كان بعد؟ فأجيب بذلك ، أو بيان لابتلى بناء على رأي من جعل الكلمات عبارة عما ذكر أثره وبعضهم يجعل ذلك من بيان الكلي بجزئي من جزئياته وإذا نصبت { إِذْ } ب { قَالَ } كما ذهب إليه أبو حيان : يكون المجموع جملة معطوفة على ما قبلها على الوجه الذي مرّ تفصيله ، وقيل : مستطردة أو معترضة ، ليقع قوله تعالى : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } [ البقرة : 133 ] إن جعل خطاباً لليهود موقعه ، ويلائم قوله سبحانه : { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة : 135 ] و ( جاهل ) من جعل بمعنى صير المتعدي إلى مفعولين ، و { لِلنَّاسِ } إما متعلق ب ( جاعل ) أي لأجلهم ، وإما في موضع الحال لأنه نعت نكرة تقدمت أي إماماً كائناً لهم والإمام اسم للقدوة الذي يؤتم به . ومنه قيل لخيط البناء : إمام ، وهو مفرد على فعال ، وجعله بعضهم اسم آلة لأن فعالاً من صيغها كالإزار واعترض بأن الإمام ما يؤتم به ، والإزار ما يؤتزر به فهما مفعولان ومفعول الفعل ليس بآلة لأنها الواسطة بين الفاعل والمفعول في وصول أثره إليه ، ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل كذلك وليس فليس ويكون جمع آم اسم فاعل من أم يؤم كجائع وجياع ، وقائم وقيام ، وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملاً للنبي والخليفة وإمام الصلاة ، بل كل من يقتدي به في شيء ولو باطلاً كما يشير إليه قوله تعالى : { وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار } [ القصص : 1 4 ] إلا أن المراد به ههنا النبي المقتدى به ، فإن من عداه لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته ، وهذه الإمامة إما مؤبدة كما هو مقتضى تعريف الناس وصيغة اسم الفاعل الدال على الاستمرار ولا يضر مجيء الأنبياء بعده لأنه لم يبعث نبي إلا وكان من ذريته ومأموراً باتباعه في الجملة لا في جميع الأحكام لعدم اتفاق الشرائع التي بعده في الكل ، فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب ، وإما مؤقتة بناء على أن ما نسخ ولو بعضه لا يقال له مؤبد وإلا لكانت إمامة كل نبي مؤبدة ولم يشع ذلك ، فالمراد من ( الناس ) حينئذ أمته الذين اتبعوه ، ولك أن تلتزم القول بتأبيد إمامة كل نبي ولكن في عقائد التوحيد وهي لم تنسخ بل لا تنسخ أصلاً كما يشير إليه قوله تعالى؛

(1/494)


{ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 0 9 ] وعدم الشيوع غير مسلم ، ولئن سلم لا يضر ، والامتنان على إبراهيم عليه السلام بذلك دون غيره لخصوصية اقتضت ذلك لا تكاد تخفى فتدبر .
ثم لا يخفى أن ظاهر الآية يشير إلى أن الابتلاء كان قبل النبوة لأنه تعالى جعل القيام بتلك الكلمات سبباً لجعله إماماً ، وقيل : إنه كان بعدها لأنه يقتضي سابقة الوحي ، وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم البعثة إلى الخلق وأنت تعلم أن ذبح الولد والهجرة والنار إن كانت من الكلمات يشكل الأمر لأن هذه كانت بعد النبوة بلا شبهة ، وكذا الختان أيضاً بناء على ما روي أنه عليه الصلاة والسلام حين ختن نفسه كان عمره مائة وعشرين فحينئذ يحتاج إلى أن يكون إتمام الكلمات سبب الإمامة باعتبار عمومها للناس واستجابة دعائه في حق بعض ذريته ، ونقل الرازي عن القاضي أنه على هذا يكون المراد من قوله تعالى : { فَأَتَمَّهُنَّ } أنه سبحانه وتعالى علم من حاله أنه/ يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة ولا يخفى أن الفاء يأبى عن الحمل على هذا المعنى .
{ قَالَ } استئناف بياني والضمير لإبراهيم عليه السلام { وَمِن ذُرّيَتِى } عطف على الكاف يقال سأكرمك فتقول وزيداً وجعله على معنى : ماذا يكون من ذريتي بعيد . وذهب أبو حيان إلى أنه متعلق بمحذوف أي اجعل من ذريتي إماماً لأنه عليه السلام فهم من { إِنّى جاعلك } الاختصاص به ، واختاره بعضهم واعترضوا على ما تقدم بأن الجار والمجرور لا يصلح مضافاً إليه فكيف يعطف عليه وبأن العطف على الضمير كيف يصح بدون إعادة الجار وبأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر ، ودفع الأولون بأن الإضافة اللفظية في تقدير الانفصال { وَمِن ذُرّيَتِى } في معنى : بعض ذريتي فكأنه قال : وجاعل بعض ذريتي وهو صحيح على أن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار وإن أباه أكثر النحاة إلا أن المحققين من علماء العربية وأئمة الدين على جوازه حتى قال صاحب «العباب» : إنه وارد في القراآت السبعة المتواترة فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم ، ودفع الثالث : بأنه من قبيل عطف التلقين فهو خبر في معنى الطلب وكأن أصله : واجعل بعض ذريتي كما قدره المعترض لكنه عدل عنه إلى المنزل لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه مستحق مثل المعطوف عليه وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في الثبوت ومراعات الأدب في التفادي عن صورة الأمر وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر؛ ونظير هذا العطف ما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(1/495)


« اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله؟ قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله؟ قال : والمقصرين »
وقد ذكر الأصوليون أن التلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف وأنه وقع في الاستثناء كما في الحديث : « إن الله تعالى حرم شجر الحرم قالوا إلا الإذخر يا رسول الله » واعترض أيضاً بأن العطف المذكور يستدعي أن تكون إمامة ذريته عامة لجميع الناس عموم إمامته عليه السلام على ماقيل ، وليس كذلك؛ وأجيب بأنه يكفي في العطف الاشتراك في أصل المعنى ، وقيل : يكفي قبولها في حق نبينا عليه الصلاة والسلام والذرية نسل الرجل وأصلها الأولاد الصغار ثم عمت الكبار والصغار الواحد وغيره ، وقيل : إنها تشمل الآباء لقوله تعالى : { أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ فِى الفلك المشحون } [ يس : 14 ] يعني نوحاً وأبناءه والصحيح خلافه ، وفيها ثلاث لغات ضم الذال وفتحها وكسرها وبها قرىء وهي إما فعولة من ذروت أو ذريت والأصل ذرووة أو ذروية فاجتمع في الأول واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت كالثانية فاجتمعت ياء وواء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الباء فصارت ذرية أو فعلية منهما والأصل في الأول ذريوية فقلبت الواو ياء لما سبق فصارت ذريية كالثانية فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذرية ، أو فعلية من الذرء بمعنى الخلق والأصل ذرئية فقلبت الهمزة ياء وأدغمت ، أو فعيلة من الذر بمعنى التفريق والأصل ذريرة قلبت الراء الأخيرة ياء هرباً من ثقل التكرير كما قالوا في تظننت تظنيت ، وفي تقضضت تقضيت ، أو فعولة منه والأصل ذرورة فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام أو فعلية منه على صيغة النسبة قالوا : وهو الأظهر لكثرة مجئيها كحرية ودرية ، وعدم احتياجها إلى الإعلال وإنما ضمت ذاله لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة كما قالوا في النسبة إلى الدهر : دهري .

(1/496)


{ قَالَ } استئناف بياني أيضاً؛ والضمير لله عز اسمه
{ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } إجابة لما/ راعى الأدب في طلبه من جعل بعض ذريته نبياً كما جعل مع تعيين جنس البعض الذي أبهم في دعائه عليه السلام بأبلغ وجه وآكده حيث نفى الحكم عن أحد الضدين مع الإشعار إلى دليل نفيه عنه ليكون دليلاً على الثبوت للآخر فالمتبادر من العهد الإمامة ، وليست هي هنا إلا النبوة ، وعبر عنها { بِهِ } للإشارة إلى أنها أمانة الله تعالى وعهده الذي لا يقوم به إلا من شاء الله تعالى من عباده ، وآثر النيل على الجعل إيماء إلى أن إمامة الأنبياء من ذريته عليهم السلام ليست بجعل مستقبل بل هي حاصلة في ضمن إمامته تنال كلاً منهم في وقته المقدر له ، ولا يعود من ذلك نقص في رتبة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه جار مجرى التغليب على أن مثل ذلك لو كان يحط من قدرها لما خوطب صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : { أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم } [ النحل : 123 ] والمتبادر من الظلم الكفر لأنه الفرد الكامل من أفراده ، ويؤيده قوله تعالى : { والكافرون هُمُ الظالمون } [ البقرة : 254 ] فليس في الآية دلالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر قبل البعثة ولا على أن الفاسق لا يصلح للخلافة ، نعم فيها قطع إطماع الكفرة الذين كانوا يتمنون النبوة ، وسد أبواب آمالهم الفارغة عن نيلها ، واستدل بها بعض الشيعة على نفي إمامة الصديق وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم حيث إنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك و { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 3 1 ] والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة ، وأجيب بأن غاية ما يلزم أن الظالم في حالة الظلم لا تناله ، والإمامة إنما نالتهم رضي الله تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم ، واعترض بأن { مِنْ } تبعيضية فسؤال إبراهيم عليه السلام الإمامة إما للبعض العادل من ذريته مدة عمره أو الظالم حال الإمامة سواء كان عادلاً في باق العمر أم لا ، أو العادل في البعض الظالم في البعض الآخر أو الأعم ، فعلى الأول : يلزم عدم مطابقة الجواب ، وعلى الثاني : جهل الخليل ، وحاشاه وعلى الثالث : المطلوب ، وحياه ، وعلى الرابع : إما المطلوب أو الفساد وأنت خبير بأن مبنى الاستدلال حمل العهد على الأعم من النبوة والإمامة التي يدعونها ودون إثباته خرط القتاد وتصريح البعض كالجصاص لا يبنى عليه إلزام الكل ، وعلى تقدير التنزل يجاب بأنا نختار أن سؤال الإمامة بالمعنى الأعم للبعض المبهم من غير إحضار الاتصاف بالعدالة والظلم حال السؤال ، والآية إجابة لدعائه مع زيادة على ما أشرنا إليه ، وكذا إذا اختير الشق الأول بل الزيادة عليه زيادة ، ويمكن الجواب باختيار الشق الثالث أيضاً بأن نقول : هو على قسمين ، أحدهما : من يكون ظالماً قبل الإمامة ومتصفاً بالعدالة وقتها اتصافاً مطلقاً بأن صار تائباً من المظالم السابقة فيكون حال الإمامة متصفاً بالعدالة المطلقة ، والثاني من يكون ظالماً قبل الإمامة ومحترزاً عن الظلم حالها لكن غير متصف بالعدالة المطلقة لعدم التوبة ، ويجوز أن يكون السؤال شاملاً لهذا القسم ولا بأس به إذا أمن الرعية من الفساد الذي هو المطلوب يحصل به؛ فالجواب بنفي حصول الإمامة لهذا القسم ، والشيخان وعثمان رضي الله تعالى عنهم ليسوا منه بل هم في أعلى مراتب القسم الأول متصفون بالتوبة الصادقة ، والعدالة المطلقة ، والإيمان الراسخ ، والإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة كذلك ، ومن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم في لغة وعرف وشرع إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة ، وفي غيره مجاز ، ولا يكون المجاز أيضاً مطرداً بل حيث يكون متعارفاً وإلا لجاز صبي لشيخ ونائم لمستيقظ ، وغني لفقير ، وجائع لشبعان ، وحي لميت وبالعكس ، وأيضاً لو اطرد ذلك يلزم من حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة أن يحنث ولا قائل به ، هذا ومن أصحابنا من جعل الآية دليلاً على عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل البعثة وأن الفاسق لا يصح للخلافة ، ومبنى ذلك حمل العهد على الإمامة وجعلها شاملة للنبوة والخلافة ، وحمل الظالم على من ارتكب معصية مسقطة للعدالة/ بناء على أن الظلم خلاف العدل ، ووجه الاستدلال حينئذ أن الآية دلت على أن نيل الإمامة لا يجامع الظلم السابق فإذا تحقق النيل كما في الأنبياء علم عدم اتصافهم حال النيل بالظلم السابق وذلك إما بأن لا يصدر منهم ما يوجب ذلك أو بزواله بعد حصوله بالتوبة ولا قائل بالثاني إذ الخلاف إنما هو في أن صدور الكبيرة هل يجوز قبل البعثة أم لا؟ فيتعين الثاني وهو العصمة ، أو المراد بها ههنا عدم صدور الذنب لا الملكة وكذا إذا تحقق الاتصاف بالظلم كما في الفاسق على عدم حصول الإمامة بعد ما دام اتصافه بذلك واستفادة عدم صلاحية الفاسق للإمامة على ما قررنا من منطوق الآية وجعلها من دلالة النص أو القياس المحوج إلى القول بالمساواة ولا أقل ، أو التزام جامع وهما مناط العيوق إنما يدعو إليه حمل الإمامة على النبوة ، وقد علمت أن المبنى الحمل على الأعم وكان الظاهر أن الظلم الطارىء والفسق العارض يمنع عن الإمامة بقاءاً كما منع عنها ابتداءاً لأن المنافاة بين الوصفين متحققة في كل آن وبه قال بعض السلف إلا أن الجمهور على خلافه مدعين أن المنافاة في الابتداء لا تقتضي المنافاة في البقاء لأن الدفع أسهل من الرفع ، واستشهدوا له بأنه لو قال لامرأة مجهولة النسب يولد مثلها لمثله : هذه بنتي لم يجز له نكاحها ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاح لكن إن أصر عليه يفرق القاضي بينهما وهذا الذين قالوه إنما يسلم فيما إذا لم يصل الظلم إلى حد الكفر أما إذا وصل إليه فإنه ينافي الإمامة بقاءاً أيضاً بلا ريب وينعزل به الخليفة قطعاً ، ومن الناس من استدل بالآية على أن الظالم إذا عوهد لم يلزم الوفاء بعهده وأيد ذلك بما روي عن الحسن أنه قال : إن الله تعالى لم يجعل للظالم عهداً وهو كما ترى ، وقرأ أبو الرجاء ، وقتادة ، والأعمش ( الظالمون ) بالرفع على أن ( عهدي ) مفعول مقدم على الفاعل اهتماماً ورعاية للفواصل .

(1/497)


وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

{ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت } عطف على { وَإِذِ ابتلى } [ البقرة : 124 ] والبيت من الأعلام الغالبة للكعبة كالنجم للثريا { مَثَابَةً لّلنَّاسِ } أي مجمعاً لهم قاله الخليل وقتادة أو معاذاً وملجأ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو مرجعاً يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم قاله مجاهد وجبير أو مرجعاً يحق أن يرجع ويلجأ إليه قاله بعض المحققين أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره قال عطاء وحكاه الماوردي عن بعض أهل اللغة والتاء فيه وتركه لغتان كما في مقام ومقامة وهي لتأنيث البقعة وهو قول الفراء . والزجاج وقال الأخفش : إن التاء فيه للمبالغة كما في نسابة وعلامة ، وأصله مثوبة على وزن مفعلة مصدر ميمي ، أو ظرف مكان ، واللام في الناس للجنس وهو الظاهر وجوز حمله على العهد أو الاستغراق العرفي ، وقرأ الأعمش ، وطلحة ( مثابات ) على الجمع لأنه مثابة كل واحد من الناس لا يختص به أحد منهم { سَوَاء العاكف فِيهِ والباد } [ الحج : 52 ] فهو وإن كان واحداً بالذات إلا أنه متعدد باعتبار الإضافات ، وقيل : إن الجمع بتنزيل تعدد الرجوع منزلة تعدد المحل أو باعتبار أن كل جزء منه مثابة ، واختار بعضهم ذلك زعماً منه أن الأول يقتضي أن يصح التعبير عن غلام جماعة بالمملوكين ولم يعرف ، وفيه أنه قياس مع الفارق إذ له إضافة المملوكية إلى كلهم لا إلى كل واحد منهم { وَأَمْناً } عطف على { مَثَابَةً } وهو مصدر وصف به للمبالغة ، والمراد موضع أمن إما لسكانه من الخطف؛ أو لحجاجه من العذاب حيث إن الحج يزيل ويمحو ما قبله غير حقوق العباد والحقوق المالية كالكفارة على الصحيح ، أو للجاني الملتجيء إليه من القتل وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إذ عنده لا يستوفى قصاص النفس في الحرم لكن يضيق على الجاني ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجب عليه الحد والتجأ إليه يأمر الإمام بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل فإن لم يخرج جاز قتله فيه ، وعند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه لا يستوفى من الملتجىء قصاص مطلقاً ولو قصاص الأطراف حتى يخرج ومن الناس من جعل ( أمنا ) مفعولاً ثانياً لمحذوف على معنى الأمر أي واجعلوه أمنا كما جعلناه مثابة وهو بعيد عن ظاهر النظم ، ولم يذكر للناس هنا كما ذكر من قبل ، اكتفاء به أو إشارة إلى العموم أي أنه أمن لكل شيء كائناً ما كان حتى الطير والوحش إلا الخمس الفواسق فإنها خصت من ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه أمن الناس دخولاً أولياً
{ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } عطف على جعلنا أو حال من فاعله على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا والمأمور به الناس كما هو الظاهر أو إبراهيم عليه السلام وأولاده كما قيل ، أو عطف على اذكر المقدر عاملاً ل { إِذْ } ، أو معطوف على مضمر تقديره ثوبوا إليه { واتخذوا } وهو معترض باعتبار نيابته عن ذلك بين ( جعلنا ) و ( عهدنا ) ولم يعتبر الاعتراض من دون عطف مع أنه لا يحتاج إليه ليكون الارتباط مع الجملة السابقة أظهر ، والخطاب على هذين الوجهين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله عليه وسلم رأس المخاطبين .

(1/498)


و { مِنْ } إما للتبعيض أو بمعنى في أو زائدة على مذهب الأخفش والأظهر الأول ، وقال القفال : هي مثل اتخذت من فلان صديقاً وأعطاني الله تعالى من فلان أخاً صالحاً ، دخلت لبيان المتخذ الموهوب وتمييزه ، و المقام مفعل من القيام يراد به المكان أي مكان قيامه وهو الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم عليه السلام حين ضعف من رفع الحجارة التي كان ولده إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت ، وفيه أثر قدميه قاله ابن عباس ، وجابر ، وقتادة ، وغيرهم ، وأخرجه البخاري وهو قول جمهور المفسرين وروي عن الحسن أنه الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل عليه السلام تحت إحدى رجليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحتها وقد غاصت فيه ووضعته تحت رجله الأخرى فغسلت شقه الآخر وغاصت رجله الأخرى فيه أيضاً ، أو الموضع الذي كان فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج ورفع بناء البيت ، وهو موضعه اليوم فالمقام في أحد المعنيين حقيقة لغوية وفي الآخر مجاز متعارف ويجوز حمل اللفظ على كل منهما كذا قالوا إلا أنه استشكل تعيين الموضع بما هو الموضع بما هو الموضع اليوم لما في «فتح الباري» من أنه كان المقام أي الحجر من عهد إبراهيم عليه السلام لزيق البيت إلى أن أخره عمر رضي الله تعالى عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن أخرجه عبد الرزاق بسند قوي ، وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حوله ، فإن هذا يدل على تغاير الموضعين سواء كان المحول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو عمر رضي الله تعالى عنه ، وأيضاً كيف يمكن رفع البناء حين القيام عليه حال كونه في موضعه اليوم؟ا وهو بعيد من الحجر الأسود بسبعة وعشرين ذراعاً ، وأيضاً المشهور أن دعوة الناس إلى الحج كانت فوق أبي قبيس فإنه صعده بعد الفراغ من عمارة البيت ونادى أيها الناس حجوا بيت ربكم فإن لم يكن الحجر معه حينئذ أشكل القول بأنه قام عليه ودعا وإن كان معه وكان الوقوف عليه فوق الجبل كما يشير إليه كلام روضة الأحباب ، وبه يحصل الجمع أشكل التعيين بماهو اليوم وغاية التوجيه أن يقال لا شك أنه عليه السلام كان يحول الحجر حين البناء من موضع إلى موضع ويقوم عليه فلم يكن له موضع معين ، وكذا حين الدعوة لم يكن عند البيت بل فوق أبي قبيس فلا بد من صرف عباراتهم عن ظاهرها بأن يقال الموضع الذي كان الحجر في أثناء زمان قيامه عليه واشتغاله بالدعوة ، أو رفع البناء لا حالة القيام عليه ، ووقع في بعض الكتب أن هذا المقام الذي فيه الحجر الآن كان بيت إبراهيم عليه السلام ، وكان ينقل هذا الحجر بعد الفراغ من العمل إليه ، وأن الحجر/ بعد إبراهيم كان موضوعاً في جوف الكعبة ، ولعل هذا هو الوجه في تخصيص هذا الموضع بالتحويل ، وما وقع في «الفتح» من أنه كان المقام من عهد إبراهيم لزيق البيت معناه بعد إتمام العمارة فلا ينافي أن يكون في أثنائها في الموضع الذي فيه اليوم كذا ذكره بعض المحققين فليفهم وسبب النزول ما أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر :

(1/499)


« أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال : يا عمر هذا مقام إبراهيم فقال عمر : أفلا نتخذه مصلى فقال : لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت هذه الآية » والأمر فيها للاستحباب إذ المتبادر من المصلى موضع الصلاة مطلقاً ، وقيل : المراد به الأمر بركعتي الطواف لما أخرجه مسلم عن جابر : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ، وقرأ الآية » فالأمر للوجوب على بعض الأقوال ، ولا يخفى ضعفه لأن فيه التقييد بصلاة مخصوصة من غير دليل وقراءته عليه الصلاة والسلام الآية حين أداء الركعتين لا يقتضي تخصيصه بهما ، وذهب النخعي ومجاهد إلى أن المراد من مقام إبراهيم الحرم كله ، وابن عباس وعطاء إلى أنه مواقف الحج كلها ، والشعبي إلى أنه عرفة ومزدلفة والجمار ، ومعنى اتخاذها مصلى أن يدعى فيها ويتقرب إلى الله تعالى عندها ، والذي عليه الجمهور ، هو ما قدمناه أولاً ، وهو الموافق لظاهر اللفظ ولعرف الناس اليوم وظواهر الأخبار تؤيده ، وقرأ نافع وابن عامر { واتخذوا } بفتح الخاء على أنه فعل ماض ، وهو يحنئذ معطوف على { جَعَلْنَا } أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي عرف به وأسكن ذريته عنده وهو الكعبة قبلة يصلون إليها .

(1/500)


فالمقام مجاز عن ذلك المحل وكذا المصلى بمعنى القبلة مجاز عن المحل الذي يتوجه إليه في الصلابة بعلاقة القرب والمجاورة
{ وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل } أي وصينا أو أمرنا أو أوحينا أو قلنا ، والذي عليه المحققون أن العهد إذا تعدى ب ( إلى ) يكون بمعنى التوصية ، ويتجوز به عن الأمر ، وإسمعيل علم أعجمي قيل : معناه بالعربية مطيع الله ، وحكي أن إبراهيم عليه السلام كان يدعو أن يرزقه الله تعالى ولداً ، ويقول : اسمع إيل أي استجب دعائي يا الله فلما رزقه الله تعالى ذلك سماه بتلك الجملة ، وأراه في غاية البعد وللعرب فيه لغتان اللام والنون
{ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } أي بأن طهرا على أن { ءانٍ } مصدرية وصلت بفعل الأمر بياناً للموصى المأمور به ، وسيبويه وأبو علي جوزا كون صلة الحروف المصدرية أمراً أو نهياً والجمهور منعوا ذلك مستدلين بأنه إذا سبك منه مصدر فات معنى الأمر ، وبأنه يجب في الموصول الإسمي كون صلته خبرية . والموصول الحرفي مثله ، وقدروا هنا قلنا ليكون مدخول الحرف المصدري خبراً ، ويردّ عليهم أولاً أن كونه مع الفعل بتأويل المصدر لا يستدعي اتحاد معناهما ضرورة عدم دلالة المصدر على الزمان مع دلالة الفعل عليه وثانياً : أن وجوب كون الصلة خبرية في الموصول الأسمى إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت خبرية ، وأما الموصول الحرفي فليس كذلك ، وثالثاً : أن تقدير قلنا يفضي إلى أن يكون المأمور به القول ، وليس كذلك ، وجوز أن تكون { ءانٍ } هذه مفسرة لتقدم ما يتضمن معنى القول دون حروفه ، وهو العهد ، ويحتاج حينئذ إلى تقدير المفعول إذ يشترط مع تقدم ما ذكر كون مدخولها مفسراً لمفعول مقدر أو ملفوظ أي قلنا لهما شيئاً هو : أن طهرا والمراد من التطهير التنظيف من كل ما لا يليق فيدخل فيه الأوثان والأنجاس وجميع الخبائث وما يمنع منه شرعاً كالحائض؛ وخص مجاهد ، وابن عطاء ، ومقاتل ، وابن جبير التطهير بإزالة الأوثان ، وذكروا أن البيت كان عامراً على عهد نوح عليه السلام وأنه كان فيه أصنام على أشكال صالحيهم ، وأنه طال/ العهد فعبدت من دون الله تعالى فأمر الله تعالى بتطهيره منها ، وقيل : المراد بَخرَاهُ ونظفاه وخلقاه وارفعا عنه الفرث والدم الذي كان يطرح فيه ، وقيل : أخلصاه لمن ذكر بحيث لا يغشاه غيرهم فالتطهير عبارة عن لازمه ، ونقل عن السدي أن المراد به البناء والتأسيس على الطهارة والتوحيد وهو بعيد ، وتوجيه الأمر هنا إلى إبراهيم وإسمعيل لا ينافي ما في سورة الحج من تخصيصه بإبراهيم عليه السلام فإن ذلك واقع قبل بناء البيت كما يفصح عنه قوله تعالى :

(2/1)


{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت } [ الحج : 6 2 ] وكان إسمعيل حينئذ بمعزل من مثابة الخطاب ، وظاهر أن هذا بعد بلوغه مبلغ الأمر والنهي ، وتمام البناء بمباشرته كما ينبىء عنه إيراده إثر حكاية جعله مثابة وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف ك { نَاقَةُ الله } [ الأعراف : 3 7 ] لا أنه مكان له تعالى عن ذلك علواً كبيراً
{ لِلطَّائِفِينَ } أي لأجلهم فاللام تعليلية وإن فسر التطهير بلازمه كانت صلة له ، و الطائف اسم فاعل من طاف به إذا دار حوله ، والظاهر أن المراد كل من يطوف من حاضر أو باد وإليه ذهب عطاء وغيره وقال ابن جبير : المراد الغرباء الوافدون مكة حجاجاً وزواراً . { والعاكفين } وهم أهل البلد الحرام المقيمون عند ابن جبير ، وقال عطاء : هم الجالسون من غير طواف من بلدي وغريب ، وقال مجاهد : المجاورون له من الغرباء ، وقيل : هم المعتكفون فيه { والركع السجود } وهم المصلون جمع راكع وساجد ، وخص الركوع والسجود بالذكر من جميع أحوال المصلي لأنهما أقرب أحواله إليه تعالى وهما الركنان الأعظمان وكثيراً ما يكنى عن الصلاة بهما ولذا ترك العطف بينهما ولم يعبر بالمصلين مع اختصاره إيذاناً بأن المعتبر صلاة ذات ركوع وسجود لا صلاة اليهود . وقدم الركوع لتقدمه في الزمان وجمعا جمع تكسير لتغير هيأة المفرد مع مقابلتهما ما قبلهما من جمعي السلامة وفي ذلك تنويع في الفصاحة ، وخالف بين وزني تكسيرهما للتنويع مع المخالفة في الهيآت وكان آخرهما على فعول لأجل كونه فاصلة والفواصل قبل وبعد آخرها حرف قبله حرف مدّ ولين .

(2/2)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)

{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا ءامَنَّا } الإشارة إلى الوادي المذكور بقوله تعالى : { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } [ إبراهيم : 7 3 ] أي اجعل هذا المكان القفر بلداً الخ فالمدعو به البلدية مع الأمن ، وهذا بخلاف ما في سورة إبراهيم ( 53 ) { رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا } ولعل السؤال متكرر ، وما في تلك السورة كان بعد ، والأمن المسؤول فيها إما هو الأول وأعاد سؤاله دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي ، أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه . وإما غيره بأن يكون المسؤول أولاً : مجرد الأمن المصحح للسكنى ، وثانياً : الأمن المعهود ، ولك أن تجعل { هذا البلد } في تلك السورة إشارة إلى أمر مقدر في الذهن كما يدل عليه { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ } [ إبراهيم : 7 3 ] الخ فتطابق الدعوتان حينئذٍ؛ وإن جعلت الإشارة هنا إلى البلد تكون الدعوة بعد صيرورته بلداً والمطلوب كونه آمناً على طبق ما في السورة من غير تكلف إلا أنه يفيد المبالغة أي بلداً كاملاً في الأمن كأنه قيل : اجعله بلداً معلوم الاتصاف بالأمن مشهوراً به كقولك كان هذا اليوم يوماً حاراً ، والوصف بآمن إما على معنى النسب أي ذا أمن على حد ما قيل : { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ القارعة : 7 ] وإما على الاتساع والإسناد المجازي ، والأصل آمناً أهله فأسند { مَا } للحال للمحل لأن الأمن والخوف من صفات ذوي الإدراك ، وهل الدعاء بأن يجعله آمناً من الجبابرة والمتغلبين ، أو من أن يعود حرمه حلالاً ، أو من أن يخلو من أهله أو من الخسف والقذف ، أو من القحط والجذب ، أو من دخول الدجال ، أو من دخول أصحاب الفيل؟؟ أقوال ، والواقع يرد بعضها فإن الجبابرة دخلته وقتلوا فيه كعمرو بن لحي الجرهمي ، والحجاج الثقفي والقرامطة وغيرهم وكون البعض لم يدخله للتخريب بل كان/ غرضه شيئاً آخر لا يجدي نفعاً كالقول بأنه ما آذى أهله جبار إلا قصمه الله تعالى ففي المثل :
إذا مت عطشاناً فلا نزل القطر ... وكان النداء بلفظ الرب مضافاً لما في ذلك من التلطف بالسؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل ، وإجابة ضراعته ، وقد أشرنا من قبل إلى ما ينفعك هنا فتذكر .
{ وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } أي من أنواعها بأن تجعل قريباً منه قرى يحصل فيها ذلك أو تجىء إليه من الأقطار الشاسعة قد حصل كلاهما حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد روي أن الله سبحانه لما دعا إبراهيم أمر جبريل فاقتلع بقعة من فلسطين ، وقيل : من الأردن وطاف بها حول البيت سبعاً فوضعها حيث وضعها رزقاً للحرم وهي الأرض المعروفة اليوم بالطائف وسميت به لذلك الطواف ، وهذا على تقدير صحته غير بعيد عن قدرة الملك القادر جل جلاله؛ وإن أبيت إبقاءه على ظاهره فباب التأويل واسع ، وجمع القلة إظهاراً للقناعة ، وقد أشرنا إلى أنه كثيراً ما يقوم مقام جمع الكثرة ، و { مِنْ } للتبعيض ، وقيل : لبيان الجنس .

(2/3)


{ مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الاخر } بدل من { أَهْلِهِ } بدل البعض وهو مخصص لما دل عليه المبدل منه واقتصر في متعلق الإيمان بذكر المبدأ والمعاد لتضمن الإيمان بهما الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به { قَالَ } أي الله تعالى . { وَمَن كَفَرَ } عطف على { مَنْ ءامَنَ } أي وارزق من كفر أيضاً فالطلب بمعنى الخبر على عكس { وَمِن ذُرّيَتِى } [ البقرة : 124 ] وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق وأن لا يحجر في طلب اللطف وكأن إبراهيم عليه السلام قاس الرزق على الإمامة فنبهه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية لا تخص المؤمن بخلاف الإمامة أو أنه عليه السلام لما سمع { لاَ يَنَالُ } [ البقرة : 124 ] الخ احترز من الدعاء لمن ليس مرضياً عنده تعالى فأرشده إلى كرمه الشامل ، وبما ذكرنا اندفع ما في «البحر» من أن هذا العطف لا يصح لأنه يقتضي التشريك في العامل فيصير : قال إبراهيم وارزق فينافيه ما بعد ، ولك أن تجعل العطف على محذوف أي أرزق من آمن ومن كفر بلفظ الخبر ومن لا يقول بالعطف التلقيني يوجب ذلك ويجوز أن تكون { مِنْ } مبتدأ شرطية أو موصولة وقوله تعالى : { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } على الأول : معطوف على { كُفِرَ } وعلى الثاني : خبر للمبتدأ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ولا حاجة إلى تقدير أنا لأن ابن الحاجب نص على أن المضارع في الجزاء يصح اقترانه بالفاء إلا أن يكون استحساناً ، وإلى عدم التقدير ذهب المبرد ، ومذهب سيبويه وجوب التقدير وأيد بأن المضارع صالح للجزاء بنفسه فلولا أنه خبر مبتدأ لم يدخل عليه الفاء ، ثم الكفر وإن لم يكن سبباً للتمتع المطلق لكنه يصلح سبباً لتقليله وكونه موصولاً بعذاب النار وقليلاً صفة لمحذوف أي متاعاً أو زماناً قليلاً وقرأ ابن عامر { فَأُمَتّعُهُ } مخففاً على الخبر ، وكذا قرأ يحيى بن وثاب إلا أنه كسر الهمزة ، وقرأ أبيّ فنمتعه بالنون وابن عباس ومجاهد { فَأُمَتّعُهُ } على صيغة الأمر ، وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون الضمير في { قَالَ } عائداً إلى إبراهيم وحسن إعادة { قَالَ } طول الكلام وأنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين فكأنه أخذ في كلام آخر وكونه عائداً إليه تعالى أي : قال الله فأمتعه يا قادر يا رازق خطاباً لنفسه على طريق التجريد بعيد جداً لا ينبغي أن يلتفت إليه .

(2/4)


{ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } الاضطرار ضد الاختيار وهو حقيقة في كون الفعل صادراً من الشخص من غير تعلق إرادته به كمن ألقى من السطح مثلاً مجاز في كون الفعل باختياره لكن بحيث لا يملك الامتناع عنه بأن عرض له عارض يقسره على اختياره كمن أكل الميتة حال المخمصة وبِكِلاَ المعنيين قال بعض ، ويؤيد الأول قوله تعالى : { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } [ الطور : 3 1 ] و { يُسْحَبُونَ فِى النار على وُجُوهِهِمْ } [ القمر : 8 4 ] و { فيؤخذ بالنواصى والاقدام } [ الرحمن : 1 4 ] ويؤيد الثاني قوله تعالى : { وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها } [ الزمر : 1 7 ] { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [ مريم : 1 7 ] الآية و { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [ الأنبياء : 8 9 ] والتحقيق أن أحوال الكفار يوم القيامة عند إدخالهم النار شتى وبذلك يحصل الجمع بين الآيات وإن الاضطرار مجاز عن كون العذاب واقعاً به وقوعاً محققاً حتى كأنه مربوط به ، قيل : إن هذا الاضطرار في الدنيا وهو مجاز أيضاً كأنه شبه حال الكافر الذي أدَرّ الله تعالى عليه النعمة التي استدناه بها قليلاً إلى ما يهلكه بحال من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه فاستعمل في المشبه ما استعمل في المشبه به وهو كلام حسن لولا أنه يستدعي ظاهراً حمل ( ثم ) على التراخي الرتبي وهو خلاف الظاهر ، وقرأ ابن عامر إضطره بكسر الهمزة ، ويزيد بن أبي حبيب اضطره بضم الطاء وأبيّ نضطره بالنون ، وابن عباس ومجاهد على صيغة الأمر ، وابن محيصن أطره بإدغام الضاد في الطاء خبراً قال الزمخشري وهي لغة مرذولة لأن حروف ضم شفر يدغم فيها ما يجاورها دون العكس ، وفيه أن هذه الحروف ادغمت في غيرها فأدغم أبو عمرو الراء في اللام في { نغفر لكم } [ البقرة : 58 ] والضاد في الشين في { لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } [ النور : 2 6 ] والشين في السين في { العرش سَبِيلاً } [ الإسراد : 2 4 ] والكسائي الفاء في الباء في { نَخْسِفْ بِهِمُ } [ سبأ : 9 ] ونقل سيبويه عن العرب أنهم قالوا مضطجع ومطجع إلا أن عدم الإدغام أكثر ، وأصل اضطر على هذا على ما قيل : اضتر فأبدلت التاء طاءاً ، ثم وقع الإدغام { وَبِئْسَ المصير } المخصوص بالذم محذوف لفهم المعنى أي وبئس المصير النار إن كان المصير اسم مكان وإن كان مصدراً على من أجاز ذلك فالتقدير وبئست الصيرورة صيرورته إلى العذاب .

(2/5)