صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } الفاء للتعقيب ، والمتبادر من القتل القتل المعروف من إزهاق الروح وعليه جمع من المفسرين والفعل معطوف على سابقه ، فإن كانت توبتهم هو القتل إما في حقهم خاصة ، أو توبة المرتد مطلقاً في شريعة موسى عليه السلام ، فالمراد بقوله تعالى : { فَتُوبُواْ } اعزموا على التوبة ليصح العطف وإن كانت هي الندم والقتل من متمماتها كالخروج عن المظالم في شريعتنا فهو على معناه ولا إشكال ، وقد يقال : إن التوبة جعلت لهؤلاء عين القتل ولا حاجة إلى تأويل توبوا باعزموا ، بل تجعل الفاء للتفسير كما تجعل الواو له وقد قيل به في قوله تعالى : { فانتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم فِي اليم } [ الأعراف : 136 ] وظاهر الأمر أنهم مأمورون بأن يباشر كل قتل نفسه ، وفي بعض الآثار أنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً ، فمعنى { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ النساء : 9 2 ] { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] والمؤمنون كنفس واحدة ، وروي أنه أمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده ، والمعنى عليه استسلموا أنفسكم للقتل ، وسمى الاستسلام للقتل قتلاً على سبيل المجاز ، والقاتل إما غير معين ، أو الذين اعتزلوا مع هارون عليه السلام ، والذين كانوا مع موسى عليه السلام ، وفي كيفية القتل أخبار لا نطيل بذكرها ، وجملة القتلى سبعون ألفاً ، وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشفار من أيديهم ، وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم وقال : لا يجوز ذلك عقلاً إذ الأمر لمصلحة المكلف وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة ، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقاً بأمره نستبقيها؛ وبأمره نفنيها وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو ، حياة سرمدية وبهجة أبدية ، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان ، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها ، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه ، ووال في بلد يسوسه وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه ، أو يأمر غيره بإخراجه وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة ، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما ، ومن الناس من جوّز ذلك إلا أنه استبعد وقوعه فقال : معنى { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } ذللوا ، ومن ذلك قوله :
إن التي عاطيتني فرددتها ... ( قتلت قتلت ) فهاتها لم ( تقتل )

(1/318)


ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيراً . ونقل عن قتادة أنه قرأ : ( فأقيلوا أنفسكم ) والمعنى أن أنفسكم قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه ، وقد هلكت فأقيلوها بالتوبة والتزام الطاعة ، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات .
{ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } جملة معترضة للتحريض على التوبة أو معللة ، والإشارة إلى المصدر المفهوم مما تقدم ، و { خَيْرٌ } أفعل تفضيل حذفت همزته ، ونطقوا بها في الشعر . قال الراجز :
بلا خير الناس وابن الأخير ... وقد تأتي ولا تفضيل والمعنى : أن ذلكم خير لكم من العصيان والإصرار على الذنب أو خير من ثمرة العصيان ، وهو الهلاك الدائم ، والكلام على حد العسل أحلى من الخل أو خير من الخيور كائن لكم . والعندية هنا مجاز ، وكرر البارىء بلفظ الظاهر اعتناءً بالحث على التسليم له في كل حال ، وتلقى ما يرد من قبله بالقبول والامتثال فإنه كما رأى الإنشاء راجحاً فأنشأ رأي الإعدام راجحاً ، فأمر به وهو العليم الحكيم .
{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } جواب شرط محذوف بتقدير قد إن كان من كلام موسى عليه السلام لهم ، تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ومعطوف على محذوف إن كان خطاباً من الله تعالى لهم ، كأنه قال : ففعلتم ما أمرتم فتاب عليكم بارئكم وفيه التفات لتقدم التعبير عنهم في كلام موسى عليه السلام بلفظ القوم وهو من قبيل الغيبة ، أو من التكلم إلى الغيبة في { فَتَابَ } حيث لم يقل : فتبنا ، ورجح العطف لسلامته من حذف الأداة والشرط وإبقاء الجواب ، وفي ثبوت ذلك عن العرب مقال ، وظاهر الآية كونها إخباراً عن المأمورين بالقتل الممتثلين ذلك . وقال ابن عطية : جعل الله تعالى القتل لمن قتل شهادة وتاب عن الباقين وعفا عنهم ، فمعنى { *علكيم } عنده ، على باقيكم .
{ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } تذييل لقوله تعالى : { فَتُوبُواْ } فإن التوبة بالقتل لما كانت شاقة على النفس هوّنها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها ، أو تذييل لقوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } وتفسر التوبة منه تعالى حينئذ بالقبول لتوبة المذنبين والتأكيد لسبق الملوح أو للاعتناء بمضمون الجملة ، والضمير المنصوب إن كان ضمير الشأن فالضمير المرفوع مبتدأ وهو الأنسب لدلالته على كمال الإعتناء بمضمون الجملة ، وإن كان راجعاً إلى البارىء سبحان فالضمير المرفوع إما فصل أو مبتدأ ، هذا وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن هواه بمنزلة عجل بني إسرائيل فلا يتخذه إلهاً { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الجاثية : 3 2 ] وأن الله سبحانه قد خلق نفسه في أصل الفطرة مستعدة لقبول فيض الله تعالى والدين القويم ، ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم ، والترقي إلى جناب القدس وحضرة الأنس ، وهذا هو الكتاب الذي أوتيه موسى القلب ، والفرقان الذي يهتدى بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الرب ، فمتى أخلدت النفس إلى الأرض واتبعت هواها ، وآثرت شهواتها على مولاها ، أمرت بقتلها بكسر شهواتها وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء ، والصحو بعد المحو ، وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية ، وهذا هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر .

(1/319)


ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق ورجال الصدق ، وإليه الإشارة بموتوا قبل أن تموتوا . وقيل أول قدم في العبودية إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات ، وقطعها عن الملاذ ، فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصديقين ومعارج المقربين هيهات هيهات ذاك بمعزل عنا ، ومناط الثريا منا :
تعالوا نقم مأتما للهموم ... فإن الحزين يواسي الحزينا

(1/320)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)

{ وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } القائل هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام لميقات التوراة ، قيل : قالوه بعد الرجوع ، وقتل عبدة العجل ، وتحريق عجلهم ، ويفهم من بعض الآثار أن القائل أهل الميقات الثاني الذي ضربه الله تعالى للاعتذار عن عبدة العجل وكانوا سبعين أيضاً ، وقيل القائل عشرة آلاف من قومه ، وقيل : الضمير لسائر بني إسرائيل إلا من عصمه الله تعالى وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف ما ينفعك هنا واللام من { لَكَ } إما لام الأجل أو للتعدية بتضمين معنى الإقرار على أن موسى مقرّ له/ والمقر به محذوف ، وهو أن الله تعالى أعطاه التوراة ، أو أن الله تعالى كلمه فأمره ونهاه ، وقد كان هؤلاء مؤمنين من قبل بموسى عليه السلام ، إلا أنهم نفوا هذا الإيمان المعين والإقرار الخاص . وقيل : أرادوا نفي الكمال أي لا يكمل إيماننا لك ، كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه » والقول إنهم لم يكونوا مؤمنين أصلاً لم نره لأحد من أئمة التفسير .
{ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } { حتى } هنا حرف غاية ، والجهرة في الأصل مصدر جهرت بالقراءة إذا رفعت صوتك بها واستعيرت للمعاينة بجامع الظهور التام . وقال الراغب : الجهر يقال لظهور الشيء بإفراط حاسة البصر أو حاسة السمع أما البصر فنحو رأيته جهاراً وأما السمع فنحو { وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } [ طه : 7 ] وانتصابها على أنها مصدر مؤكد مزيل لاحتمال أن تكون الرؤية مناماً أو علماً بالقلب ، وقيل : على أنها حال على تقدير ذوي جهرة أو مجاهرين ، فعلى الأول الجهرة من صفات الرؤية ، وعلى الثاني من صفات الرائين ، وثمّ قول ثالث ، وهو أن تكون راجعة لمعنى القول أو القائلين فيكون المعنى وإذ قلتم كذا قولاً جهرة أو جاهرين بذلك القول مكترثين ولا مبالين ، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي عبيدة ، وقرأ سهل بن شعيب وغيره جهرة بفتح الهاء ، وهي إما مصدر كالغلبة ومعناها معنى المسكنة وإعرابها إعرابها أو جمع جاهر أو كفاسق وفسقة ، وانتصابها على الحال .
{ فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة } أي استولت عليكم وأحاطت بكم ، وأصل الأخذ القبض باليد ، والصاعقة هنا نار من السماء أحرقتهم أو جند سماوي سمعوا حسهم فماتوا ، أو صيحة سماوية خروا لها صعقين ميتين يوماً وليلة ، واختلف في موسى هل أصابه ما أصابهم؟ والصحيح لا وأنه صعق ولم يمت لظاهر

(1/321)


{ فلما أفاق } [ الأعراف : 143 ] في حقه ، و { ثُمَّ بعثناكم } [ البقرة : 56 ] الخ في حقهم ، وقرأ عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما ( الصعقة ) .
{ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } جملة حالية ومتعلق النظر ما حل بهم من الصاعقة أو أثرها الباقي في أجسامهم بعد البعث ، أو إحياء كل منهم كما وقع في قصة العزيز ، قالوا : أحيا عضواً بعد عضو : والمعنى : وأنتم تعلمون أنها تأخذكم ، أو وأنتم يقابل بعضكم بعضاً ، قال في «البحر» : ولو ذهب ذاهب إلى أن المعنى : وأنتم تنظرون إجابة السؤال في حصول الرؤية لكم كان وجهاً من قولهم : نظرت الرجل أي انتظرته كما قال :
فإنكما إن ( تنظراني ) ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب
لكن هذا الوجه غير منقول فلا أجسر على القول به ، وإن كان اللفظ يحتمله .

(1/322)


ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

{ ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } بسبب الصاعقة ، وكان ذلك بدعاء موسى عليه السلام ومناشدته ربه بعد أن أفاق ، ففي بعض الآثار أنهم لما ماتوا لم يزل موسى يناشد ربه في إحيائهم ويقول : يا رب إن بني إسرائيل يقولون قتلت خيارنا حتى أحياهم الله تعالى جميعاً رجلاً بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحييون ، والموت هنا ظاهر في مفارقة الروح الجسد ، وقيد البعث به لأنه قد يكون عن نوم كما هو في شأن أصحاب الكهف ، وقد يكون بمعنى إرسال الشخص وهو في القرآن كثير ومن الناس من قال : كان هذا الموت غشياناً وهموداً لا موتاً حقيقة كما في قوله تعالى : { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } [ إبراهيم : 7 1 ] ومنهم من حمل الموت على الجهل مجازاً كما في قوله تعالى : { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } [ الأنعام : 122 ] . وقد شاع ذلك نثراً ونظماً ، ومنه قوله :
أخو ( العلم حي ) خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو ( الجهل ميت ) وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
ومعنى البعث على هذا التعليم أي ثم علمناكم بعد جهلكم .
{ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي نعمة الله تعالى عليكم بالإحياء بعد الموت أو نعمته سبحانه بعدما كفرتموها إذ رأيتم بأس الله تعالى في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت وتكليف من أعيد بعد الموت مما ذهب إليه جماعة لئلا يخلو بالغ عاقل من تعبد في هذه الدار بعد بعثة المرسلين ، ومن جعل البعث بعد الموت مجازاً عن التعليم بعد الجهل جعل متعلق الشكر ذلك ، وفي بعض الآثار أنه لما أحياهم الله تعالى سألوا أن يبعثهم أنبياء ففعل ، فمتعلق الشكر حينئذ على ما قيل : هذا البعث وهو بعيد ، وأبعد منه جعل متعلقه إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم وتفصيل شرائعهم بعد أن لم يكن لهم شرائع .
وقد استدل المعتزلة وطوائف من المبتدعة بهذه الآية على استحالة رؤية الباري سبحانه وتعالى لأنها لو كانت ممكنة لما أخذتهم الصاعقة بطلبها ، والجواب أن أخذ الصاعقة لهم ليس لمجرد الطلب ولكن لما انضم إليه من التعنت وفرط العناد كما يدل عليه مساق الكلام حيث علقوا الإيمان بها ، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك الأخذ لكفرهم بإعطاء الله تعالى التوراة لموسى عليه السلام وكلامه إياه أو نبوته لا لطلبهم ، وقد يقال : إنهم لما لم يكونوا متأهلين لرؤية الحق في هذه النشأة كان طلبهم لها ظلماً فعوقبوا بما عوقبوا ، وليس في ذلك دليل على امتناعها مطلقاً في الدنيا والآخرة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذه المسألة بوجه لا غبار عليه .

(1/323)


وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام } عطف على { بعثناكم } [ البقرة : 65 ] وقيل : على { قُلْتُمْ } [ البقرة : 55 ] والأول أظهر للقرب والاشتراك في المسند إليه مع التناسب في المسندين في كون كل منهما نعمة بخلاف { قُلْتُمْ } فإنه تمهيد لها ، وإفادته تأخير التظليل والإنزال عن واقعة طلبهم الرؤية ، وعلى التقديرين لا بد لترك كلمة { إِذْ } [ البقرة : 55 ] ههنا من نكتة ، ولعلها الاكتفاء بالدلالة العقلية على كون كل منهما نعمة مستقلة مع التحرز عن تكرارها في { *ظللنا } و { وَقَدْ أَنزَلْنَا } والغمام اسم جنس كحامة وحمام وهو السحاب ، وقيل : ما ابيض منه ، وقال مجاهد : هو أبرد من السحاب وأرق ، وسمي غماماً لأنه يغم وجه السماء ويستره ومنه الغم والغمم ، وهل كان غماماً حقيقة أو شيئاً يشبههه وسمي به؟ قولان ، والمشهور الأول وهو مفعول { *ظللنا } على إسقاط حرف الجر كما تقول : ظللت على فلان بالرداء أو بلا إسقاط ، والمعنى جعلنا الغمام علكيم ظلة ، والظاهر أن الخطاب لجميعهم فقد روي أنهم لما أمروا بقتال الجبارين وامتنعوا وقالوا : { فاذهب أَنتَ * وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } [ المائدة : 4 2 ] ابتلاهم الله تعالى بالتيه بين الشام ومصر أربعين سنة وشكوا حر الشمس فلطف الله تعالى بهم بإظلال الغمام وإنزال المنّ والسلوى وقيل : لما خرجوا من البحر وقعوا بأرض بيضاء عفراء ليس فيها ماء ولا ظل فشكوا الحر فوقوا به ، وقيل : الذين ظللوا بالغمام بعض بني إسرائيل وكان الله تعالى قد أجرى العادة فيهم أن من عبد ثلاثين سنة لا يحدث فيها ذنباً أظلته الغمامة وكان فيهم جماعة يسمون أصحاب غمائم فامتن الله تعالى لكونهم فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة والنعمة الباهرة .
{ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } المنّ اسم جنس لا واحد له من لفظه والمشهور أنه الترنجبين وهو شيء يشبه الصمغ حلو مع شيء من الحموضة كان ينزل عليهم كالطل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في كل يوم إلا يوم السبت وكان كل شخص مأموراً بأن يأخذ قدر صاع كل يوم أو ما يكفيه يوماً وليلة ولا يدخر إلا يوم الجمعة فإن ادخار حصة السبت كان مباحاً فيه . وعن وهب أنه الخبز الرقاق ، وقيل : المراد به جميع ما منّ الله تعالى/ به عليهم في التيه وجاءهم عفواً بلا تعب ، وإليه ذهب الزجاج ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم : « الكمأة من المنّ الذي منّ الله تعالى به على بني إسرائيل » والسلوى اسم جنس أيضاً واحدها سلواة كما قاله الخليل . وليست الألف فيها للتأنيث وإلا لما أنثت بالهاء في قوله .
كما انتفض السلوات من بلل القطر ... وقال : الكسائي : السلوى واحدة وجمعها سلاوي ، وعند الأخفش الجمع والواحد بلفظ واحد ، وقيل : جمع لا واحد له من لفظه وهو طائر يشبه السماني أو هو السماني بعينها وكانت تأتيهم من جهة السماء بكرة وعشياً أو متى أحبوا فيختارون منها السمين ويتركون منها الهزيل ، وقيل : إن ريح الجنوب تسوقها إليهم فيختارون منها حاجتهم ويذهب الباقي ، وفي رواية كانت تنزل عليهم مطبوخة ومشوية وسبحان من يقول للشيء كن فيكون وذكر السدوسي أن السلوى هو العسل بلغة كنانة ويؤيده؛ قول الهذلي :

(1/324)


وقاسمتها بالله جهراً لأنتم ... ألذ من ( السلوى ) إذا ما نشورها
وقول ابن عطية إنه غلط غلط ، واشتقاقها من السلوة لأنها لطيبها تسلي عن غيرها وعطفها على بعض وجوه المنّ من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنه .
{ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } أمر إباحة على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين ، و الطيبات المستلذات وذكرها للمنة عليهم أو الحلالات فهو للنهي عن الإدخار ، و { مِنْ } للتبعيض ، وأبعد من جعلها للجنس أو للبدل ، ومثله من زعم أن هذا على حذف مضاف أي من عوض طيبات قائلاً إن الله سبحانه عوضهم عن جميع مآكلهم المستلذة من قبل بالمنّ والسلوى فكانا بدلاً من الطيبات ، و { مَا } موصولة والعائد محذوف أي رزقناكموه أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول ، واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يكفي وضع المالك الطعام بين يدي الإنسان في إباحة الأكل بل لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن المالك وهو أحد أقوال في المسألة .
{ وَمَا ظَلَمُونَا } عطف على محذوف أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر أو فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا بذلك ، ويجوز كما في «البحر» أن لا يقدر محذوف لأنه قد صدر منهم ارتكاب قبائح من اتخاذ العجل إلهاً ، وسؤال رؤيته تعالى ظلماً وغير ذلك فجاء قوله تعالى : { وَمَا ظَلَمُونَا } بجملة منفية تدل على أن ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا منها نقص ولا ضرر ، وفي هذا دليل على أنه ليس من شرط نفي الشيء عن الشيء إمكان وقوعه لأن ظلم الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه ألبتة .
{ ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفران أو بما فعلوا إذ لا يتخطاهم ضرره ، وتقديم المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق ، وفيه ضرب تهكم بهم ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم عليه ، وفي ذكر ( أنفسهم ) بجمع القلة تحقير لهم وتقليل ، والنفس العاصية أقل من كل قليل .

(1/325)


وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)

{ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية } منصوبة على الظرفية عند سيبويه ، والمفعولية عند الأخفش ، والظاهر أن الأمر بالدخول على لسان موسى عليه السلام كالأوامر السابقة واللاحقة والقرية بفتح القاف والكسر لغة أهل اليمن المدينة من قريت إذا جمعت سميت بذلك لأنها تجمع الناس على طريقة المساكنة ، وقيل : إن قلوا قيل لها : قرية ، وإن كثروا قيل لها مدينة ، وأنهى بعضهم حدّ القلة إلى ثلاثة ، والجمع القرى على غير قياس ، وقياس أمثاله فعال كظبية وظباء وفي المراد بها هنا خلاف جمّ/ والمشهور عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة والسدي ، والربيع ، وغيرهم وإليه ذهب الجمهور أنها بيت المقدس ، وقد كان هذا الأمر بعد التيه والتحير وهو أمر إباحة يدل عليه عطف { فَكُلُواْ } الخ وهو غير الأمر المذكور بقوله تعالى : { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين } [ المائدة : 21 ] لأنه كان قبل ذلك وهو أمر تكليف كما يدل عليه عطف النهي ، ومنهم من زعم اتحادهما ، وجعل هذا الأمر أيضاً للتكليف . وحمل تبديل الأمر على عدم امتثاله بناء على أنه لم يدخلوا القدس في حياة موسى عليه السلام ، ومنهم من ادّعى اختلافهما لكنه زعم أن ما هنا كان بعد التيه على لسان يوشع لا على لسان موسى عليهما السلام لأنه وأخاه هرون ماتا في التيه وفتح يوشع مع بني إسرائيل أرض الشام بعد موته عليه السلام بثلاثة أشهر ، ومنهم من قال الأمر في التيه بالدخول بعد الخروج عنه ولا يخفى ما في كل ، فالأظهر ما ذكرنا . وقد روي أن موسى عليه السلام سار بعد الخروج من التيه بمن بقي من بني إسرائيل إلى أريحاء وهي بأرض القدس وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض ، وكأنهم أمروا بعد الفتح بالدخول على وجه الإقامة والسكنى كما يشير إليه قوله تعالى : { فَكُلُواْ } الخ ، وقوله تعالى في الأعراف ( 161 ) { اسكنوا هذه القرية } ويؤكد كونه بعد الفتح الإشارة بلفظ القريب ، والقول بأنها نزلت منزلة القريب ترويجاً للأمر بعيد ، ولا ينافي هذا ما مر من أنه مات في التيه لأن المراد به المفازة لا التيه مصدر تاه يتيه تيهاً بالكسر والفتح وتيهاناً إذا ذهب متحيراً فليفهم .
{ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } أي واسعاً هنيئاً ونصبه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين ، وفي الكلام إشارة إلى حلّ جميع مواضعها لهم ، أو الإذن بنقل حاصلها إلى أي موضع شاءوا مع دلالة ( رغداً ) على أنهم مرخصون بالأكل منها واسعاً وليس عليهم القناعة لسد الجوعة ، ويحتمل أن يكون وعداً لهم بكثرة المحصولات وعدم الغلاء ، وأخر هذه المنصوب هنا مع تقديمه في آية آدم عليه السلام قبل لمناسبة الفاصلة في قوله تعالى : { وادخلوا الباب سُجَّدًا } والخلاف في نصب ( الباب ) في نصب { هذه القرية } والمراد بها على المشهور أحد أبواب بيت القدس ، وتدعى الآن باب حطة قاله ابن عباس ، وقيل : الباب الثامن من أبوابه ، ويدعي الآن باب التوبة وعليه مجاهد وزعم بعضهم أنها باب القبة التي كانت لموسى وهرون عليهما السلام يتعبدان فيها ، وجعلت قبلة لبني إسرائيل في التيه ، وفي وصفها أمور غريبة في القصص لا يعلمها إلا الله تعالى .

(1/326)


و ( سجداً ) حال من ضمير { أَدْخِلُواْ } والمراد خضعاً متواضعين لأن اللائق بحال المذنب التائب والمطيع الموافق الخشوع والمسكنة ، ويجوز حمل السجود على المعنى الشرعي ، والحال مقارنة أو مقدرة ، ويؤيد الثاني ما روي عن وهب في معنى الآية إذا دخلتموه فاسجدوا شكراً لله أي على ما أنعم عليكم حيث أخرجكم من التيه ونصركم على من كنتم منه تخافون وأعادكم إلى ما تحبون وقول الزمخشري أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً لم نقف على ما يدل عليه من كتاب وسنة ، وفسر ابن عباس السجود هنا بالركوع ، وبعضهم بالتطامن والانحناء قالوا : وأمروا بذلك لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى انحناء ، وفي الصحيح عن أبي هريرة أنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل لبني إسرائيل : { ادخلوا الباب سُجَّداً } فدخلوا يزحفون على أستاهمم2 .
{ وَقُولُواْ حِطَّةٌ } أي مسالتنا ، أو شأنك يا ربنا أن تحط عنا ذنوبنا ، وهي فعلة من الحط كالجلسة ، وذكر أبان أنها بمعنى التوبة وأنشد :
فاز ( بالحطة ) التي جعل الل ... ه بها ذنب عبده مغفوراً
/ والحق أن تفسيرها بذلك تفسير باللازم ، ومن البعيد قول أبي مسلم : إن المعنى أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونقيم بها لعدم ظهور تعلق الغفران به وترتب التبديل عليه إلا أن يقال كانوا مأمورين بهذا القول عند الحط في القرية لمجرد التعبد ، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه ، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب بمعنى حط عنا ذنوبنا ( حطة ) أو نسألك ذلك ، ويجوز أن يكون النصب على المفعولية لقولوا أي قولوا هذه الكلمة بعينها وهو المروي عن ابن عباس ومفعول القول عند أهل اللغة يكون مفرداً إذا أريد به لفظه ولا عبرة بما في «البحر» من المنع إلا أنه يبعد هذا إن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بها ، ولأن الظاهر أنهم أمروا أن يقولوا قولاً دالاً على التوبة والندم حتى لو قالوا اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً ولا تتوقف التوبة على ذكر لفظة بعينها ، ولهذا قيل : الأوجه في كونها مفعولاً لقولوا أن يراد قولوا أمراً حاطاً لذنوبكم من الاستغفار ، وحينئذ يزول عن هذا الوجه الغبار ، ثم هذه اللفظة على جميع التقادير عربية معلومة الاشتقاق ، والمعنى وهو الظاهر المسموع ، وقال الأصم : هي من ألفاظ أهل الكتاب لا نعرف معناها في العربية .

(1/327)


وذكر عكرمة إن معناها لا إله إلا الله وهو من الغرابة بمكان .
{ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } بدخولكم الباب سجداً وقولكم حطة . والخطايا أصلها خطايىء بياء بعد ألف ثم همزة فأبدلت الياء عند سيبويه الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفاً ، وكانت الهمزة بين ألفين فأبدلت ياء ، وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بها ما ذكر ، وقرأ نافع { يَغْفِرُ } بالياء وابن عامر بالتاء على البناء للمجهول ، والباقون بالنون والبناء للمعلوم وهو الجاري على نظام ما قبله وما بعده ولم يقرأ أحد من السبعة إلا بلفظ { خطاياكم } وأمالها الكسائي ، وقرأ الجحدري وقتادة { تَغْفِرْ } بضم التاء ، وأفرد الخطيئة وقرأ الجمهور بإظهار الراء من { يَغْفِرُ } عند اللام وأدغمها قوم ، قالوا : وهو ضعيف .
{ وَسَنَزِيدُ المحسنين } معطوف على جملة { قُولُواْ * حِطَّةٌ } وذكر أنه عطف على الجواب ، ولم ينجزم لأن السين تمنع الجزاء عن قبول الجزم ، وفي إبرازه في تلك الصورة دون تردد دليل على أن المحسن يفعل ذلك ألبتة ، وفي الكلام صفة الجمع مع التفريق ، فإن { قُولُواْ * حِطَّةٌ } جمع ، و { نَّغْفِرْ لَكُمْ } و { سَنَزِيدُ } تفريق ، والمفعول محذوف ، أي ثواباً .

(1/328)


فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

{ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } أي بدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولاً غيره { فَبَدَّلَ } يتعدى لمفعولين أحدهما : بنفسه والآخر : بالياء ، ويدخل على المتروك فالذمّ متوجه وجوّز أبو البقاء أن يكون بدل محمولاً على المعنى ، أي : فقال الذين ظلموا قولاً الخ ، والقول بأن ( غير ) منصوب بنزع الخافض ، كأنه قيل : فغيروا قولاً بغيره غير مرضي من القول ، وصرح سبحانه بالمغايرة مع استحالة تحقق التبديل بدونها تحقيقاً لمخالفتهم وتنصيصاً على المغايرة من كمل وجه؛ وظاهر الآية انقسام من هناك إلى ظالمين وغير ظالمين وأن الظالمين هم الذين بدلوا وإن كان المبدل الكل كان وضع ذلك من وضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بالعلة واختلف في القول الذي بدلوه ففي الصحيحن أنهم قالوا : حبة في شعيرة ، وروى الحاكم { *حنطة } بدل { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وفي «المعالم» إنهم قالوا بلسانهم حطة سمقاثاً أي حنطة حمراء ، قالوا ذلك استهزاء منهم بما قيل لهم ، والروايات في ذلك كثيرة ، وإذا صحت يحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف القائلين ، والقول بأنه لم يكن منهم تبديل ومعنى فبدلوا لم يفعلوا ما أمروا به ، لا أنهم أتوا ببدل له غير مسلم وإن قاله أبو مسلم وظاهر الآية ، والأحاديث تكذبه .
/ { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وضع المظهر موضع الضمير مبالغة في تقبيح أمرهم ، وإشعاراً بكون ظلمهم وإضرارهم أنفسهم بترك ما يوجب نجاتها ، أو وضعهم غير المأمور به موضعاً سبباً لإنزال الرجز وهو العذاب وتكسر راؤه وتضم والضم لغة بني الصعدات وبه قرأ ابن محيصن والمراد به هنا كما روى عن ابن عباس ظلمة وموت ، يروى أنه مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفاً ، وقال وهب : طاعون غدوا به أربعين ليلة ثم ماتوا بعد ذلك ، وقال ابن جبير : ثلج هلك به منهم سبعون ألفاً فإن فسر بالثلج كان كونه { مّنَ السماء } ظاهراً وإن بغيره فهو إشارة إلى الجهة التي يكون منها القضاء أو مبالغة في علوّه بالقهر والاستيلاء ، وذكر بعض المحققين أن الجار والمجرور ظرف مستقر وقع صفة لرجزاً و { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } متعلق به لنيابته عن العامل علة له ، وكلمة ( ما ) مصدرية ، والمعنى : أنزلنا على الذين ظلموا لظلمهم عذاباً مقدراً بسبب كونهم مستمرين على الفسق في الزمان الماضي ، وهذا أولى من جعل الجار والمجرور ظرفاً لغواً متعلقاً بأنزلنا لظهوره على سائر الأقوال ، ولئلا يحتاج في تعليل الانزال بالفسق بعد التعليل المستفاد من التعليق بالظلم إلى القول بأن الفسق عين الظلم وكرر للتأكيد ، أو أن الظلم أعم والفسق لا بد أن يكون من الكبائر ، فبعد وصفهم بالظلم وصفوا بالفسق للإيذان بكونه من الكبائر ، فإن الأول : بضاعة العاجز .

(1/329)


والثاني : لا يدفع ركاكة التعليل ، وما قيل : إنه تعليل للظلم فيكون إنزال العذاب مسبباً عن الظلم المسبب عن الفسق ليس بشيء ، ، إذ ظلمهم المذكور سابقاً ، الذي هو سبب الإنزال لا يحتاج إلى العلة ، وقد احتج بعض الناس بقوله تعالى : { فَبَدَّلَ } الخ؛ وترتب العذاب على التبديل ، على أن ما ورد به التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره ولا تبديله بلفظ آخر ، وقال قول : يجوز ذلك إذا كانت الكلمة الثانية تسد الأولى ، وعلى هذا جرى الخلاف كما في البحر في قراءة القرآن بالمعنى ورواية الحديث به ، وجرى في تكبيرة الإحرام ، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة والبيع والتمليك ، والبحث مفصل في محله هذا . وقد ذكر مولانا الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن هذه الآية ذكرت في الأعراف مع مخالفة من وجوه لنكات . الأول : قال هنا : { وَإِذْ قُلْنَا } [ البقرة : 8 5 ] لما قدم ذكر النعم؛ فلا بد من ذكر المنعم ، وهناك { وَإِذْ قِيلَ } [ الأعراف : 161 ] إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به . الثاني : قال هنا : { أَدْخِلُواْ } وهناك { اسكنوا } لأن الدخول مقدم ، ولذا قدم وضعاً المقدم طبعاً . الثالث : قال هنا : { خطاياكم } بجمع الكثرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه ، واللائق بجوده غفران الذنوب الكثيرة ، وهناك { خطيئاتكم } بجمع القلة إذ لم يصرح بالفاعل . الرابع : قال هنا : { رَغَدًا } دون هناك لإسناد الفعل إلى نفسه هنا ، فناسب ذكر الإنعام الأعظم وعدم الإسناد هناك .
الخامس : قال هنا : { ادخلوا الباب سُجَّداً * وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وهناك بالعكس ، لأن الواو لمطلق الجمع ، وأيضاً المخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم مذنبين ، والبعض الآخر ما كانوا كذلك ، فالمذنب لا بد وأن يكون اشتغاله بحط الذنب مقدماً على اشتغاله بالعبادة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا : ( حطة ) ثم يدخلوا وأما الذي لا يكون مذنباً ، فالأولى به أن يشتغل أولاً : بالعبادة ثم يذكر التوبة . ثانياً : للهضم وإزالة العجب فهؤلاء يجب أن يدخلوا ثم يقولوا فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى ذين القسمين ، لا جرم/ ذكر حكم كل واحد منهما في سورة أخرى . السادس : قال هنا : { وَسَنَزِيدُ } بالواو وهناك بدونه ، إذ جعل هنا المغفرة مع الزيادة جزاءاً واحداً لمجموع الفعلين ، وأما هناك فالمغفرة جزاء قول ( حطة ) والزيادة جزاء الدخول فترك ( الواو ) يفيد توزع كل من الجزاءين على كل من الشرطين .

(1/330)


السابع : قال هناك : { الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 162 ] وهنا لم يذكر ( منهم ) لأن أول القصة هناك مبني على التخصيص ب { مِنْ } حيث قال : { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } [ الأعراف : 159 ] فخص في آخر الكلام ليطابق أوله؛ ولما لم يذكر في الآيات التي قبل { فَبَدَّلَ } هنا تمييزاً وتخصيصاً لم يذكر في آخر القصة ذلك . الثامن : قال هنا : { فَأَنزَلْنَا } وهناك { فَأَرْسَلْنَا } [ الأعراف : 162 ] لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر ، والإرسال يفيد تسليطه عليهم واستئصاله لهم ، وذلك يكون بالآخرة . التاسع : قال هنا : { فَكُلُواْ } [ البقرة : 8 5 ] بالفاء وهناك بالواو لما مر في { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } [ البقرة : 5 3 ] وهو أن كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط ، وذلك الشيء بمنزلة الجزاء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو فلما تعلق الأكل بالدخول قيل في سورة البقرة : { فَكُلُواْ } ولما لم يتعلق الأكل بالسكون في الأعراف ( 161 ) قيل : { وَكُلُواْ } . العاشر : قال هنا : { يَفْسُقُونَ } وهناك { يَظْلِمُونَ } [ الأعراف : 162 ] لأنه لما بين هنا كون الفسق ظلماً اكتفى بلفظ الظلم هناك انتهى . ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من النظر ، أما في الأول والثاني والثامن والعاشر فلأنها إنما تصح إذا كانت سورة البقرة متقدمة على سورة الأعراف نزولاً كما أنها متقدمة عليها ترتيباً وليس كذلك ، فإن سورة البقرة كلها مدنية ، وسورة الأعراف كلها مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى : { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية } إلى قوله تعالى : { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل } [ الأعراف : 163 171 ] وقوله تعالى : { اسكنوا هذه القرية } [ الأعراف : 161 ] داخل في الآيات المكية ، فحينئذ لا تصح الأجوبة المذكورة . وأما ما ذكر في التاسع فيرد عليه منع عدم تعلق الأكل بالسكون لأنهم إذا سكنوا القرية ، تتسبب سكناهم للأكل منها كما ذكر الزمخشري ، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها ، فحينئذ لا فرق بين { كُلُواْ } و { فَكُلُواْ } فلا يتم الجواب ، وأما الثالث فلأنه تعالى وإن قال في الأعراف ( 161 ) { وَإِذْ قِيلَ } لكنه قال في السورتين : { نَّغْفِرْ لَكُمْ } [ البقرة : 58 ، الأعراف : 161 ] وأضاف الغفران إلى نفسه ، فبحكم تلك اللياقة ينبغي أن يذكر في السورتين جمع الكثرة بل لا شك أن رعاية { نَّغْفِرْ لَكُمْ } أولى من رعاية { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } لتعلق الغفران بالخطايا كما لا يخفى على العارف بالمزايا . وأما الرابع فلأنه تعالى وإن لم يسند الفعل إلى نفسه تعالى لكنه مسند إليه في نفس الأمر ، فينبغي أن يذكر الإنعام الأعظم في السورتين .

(1/331)


وأما الخامس فلأن القصة واحدة ، وكون بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين محقق فعلى مقتضى ما ذكر ينبغي أن يذكر { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } مقدماً في السورتين . وأما السادس فلأن القصة واحدة ، وأن الواو لمطلق الجمع ، وقوله تعالى : { نَّغْفِرْ } في مقابلة { قُولُواْ } سواء قدم أو أخر ، وقوله تعالى : { وَسَنَزِيدُ } [ البقرة : 85 ] في مقابلة { وادخلوا } [ الأعراف : 161 ] سواء ذكر الواو أو ترك ، وأما السابع فلأنه تعالى قد ذكر هنا قبل { فَبَدَّلَ } [ البقرة : 59 ] ما يدل على التخصيص والتمييز ، حيث قال سبحانه : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } [ البقرة : 57 ] الخ بكافات الخطاب وصيغته فاللائق حينئذ أن يذكر لفظ ( منهم ) أيضاً ، والجواب الصحيح عن جميع هذه السؤالات وما حكاها ما ذكره الزمخشري من أنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض ، ولا تناقض بين قوله تعالى : { اسكنوا هذه القرية } [ الأعراف : 161 ] وقوله : { وَكُلُواْ } [ الأعراف : 161 ] لأنهم إذا سكنوا القرية فتسبب سكناهم للأكل منها ، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها ، وسواء قدموا ( الحطة ) على دخول الباب أو أخروها ، فهم جامعون في الإيجاد بينهما ، وترك ذكر الرغد لا يناقض/ إثباته ، وقوله تعالى : { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم * سَنَزِيدُ المحسنين } [ الأعراف : 161 ] موعد بشيئين بالغفران والزيادة ، وطرح الواو لا يخل لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل : ماذا بعد الغفران؟ فقيل له : { سَنَزِيدُ المحسنين } وكذلك زيادة { مِنْهُمْ } زيادة بيان و { فَأَرْسَلْنَا } [ الأعراف : 162 ] و { أَنزَلْنَا } [ البقرة : 7 5 ] و { يَظْلِمُونَ } [ الأعراف : 162 ] و { يَفْسُقُونَ } [ البقرة : 9 5 ] من دار واحد ، انتهى .
وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء ، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى ، والقرآن الكريم مملوء من ذلك ، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللدني ، والله يؤتي فضله من يشاء ، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو .
ومن باب الإشارة في الآيات : { وَإِذْ قُلْتُمْ } لموسى القلب { لَن نُّؤْمِنَ } الإيمان الحقيقي حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان { فَأَخَذَتْكُمُ } [ البقرة : 55 ] صاعقة الموت الذي هو الفناء في التجلي الذاتي وأنتم تراقبون أو تشاهدون { ثُمَّ بعثناكم } [ البقرة : 56 ] بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله عز وجل ، { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ } غمام تجلي الصفات لكونها حجب الذات المحرقة سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره . { وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ } من الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة وإذهاب رذائل أخلاق النفس ، كالتوكل والرضا وسلوى الحكم والمعارف والعلوم الحقيقية التي يحشرها عليكم ريح الرحمة ، والنفحات الإلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها ، فتسلون بذلك ( السلوى ) وتنسون من لذائذ الدنيا كل ما يشتهى { كُلُواْ } أي تناولوا وتلقوا هذه الطيبات التي رزقتموها حسب استعدادكم ، وأعطيتموها على ما وعد لكم { وَمَا ظَلَمُونَا } أي ما نقصوا حقوقنا وصفاتنا باحتجابهم بصفات أنفسهم ، ولكن كانوا ناقصين حقوق أنفسهم بحرمانها وخسرانها ، وهذا هو الخسران المبين .

(1/332)


{ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية } أي المحل المقدس الذي هو مقام المشاهدة { وادخلوا الباب } الذي هو الرضا بالقضاء ، فهو باب الله تعالى الأعظم { سُجَّدًا } منحنين خاضعين لما يرد عليكم من التجليات ، واطلبوا أن يحط الله تعالى عنكم ذنوب صفاتكم وأخلاقكم وأفعالكم ، فإن فعلتم ذلك { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } « فمن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً . ومن تقرب إليّ ذراعاً ، تقربت إليه باعاً . ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » { وَسَنَزِيدُ المحسنين } [ البقرة : 58 ] أي المشاهدين « ما لا عين رأيت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » وهل ذلك إلا الكشف التام عن الذات الأقدس . { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } أنفسهم وأضاعوها ووضعوها في غير موضعها اللائق بها { قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } ابتغاءاً للحظوظ الفانية والشهوات الدنية . { فَأَنزَلْنَا } [ البقرة : 9 5 ] على الظالمين خاصة ، عذاباً وظلمة وضيقاً في سجن الطبيعة ، وإسراً في وثاق التمني ، وقيد الهوى ، وحرماناً ، وذلاً بمحبة الماديات السفلية ، والإعراض عن هاتيك التجليات العلية ، وذلك من جهة قهر سماء الروح ، ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا يأمر إلا بالهدى كما ورد في الأثر « إستفت قلبك وإن أفتاك المفتون » إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء . وهذا هو البلاء العظيم ، والخطب الجسيم .
من كان يرغب في السلامة فليكن ... أبداً من الحدق المراض عياذه
لا تخدعنك بالفتور فإنه ... نظر يضر بقلبك استلذاذه
إياك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله ، وغنيه شحاذه

(1/333)


وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

{ وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ } تذكير لنعمة عظيمة كفروا بها وكان ذلك في التيه لما عطشوا ففي/ بعض الآثار أنهم قالوا فيه : من لنا بحر الشمس فظلل عليهم الغمام وقالوا : من لنا بالطعام فأنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى وقالوا : من لنا بالماء فأمر موسى بضرب الحجر وتغير الترتيب لقصد إبراز كل من الأمور المعدود في معرض أمر مستقل واجب التذكير والتذكر ، ولو روعي الترتيب الوقوعي لفهم أن الكل أمر واحد أمر بذكره والاستسقاء طلب السقيا عند عدم الماء أو قلته . قيل : ومفعول استسقى محذوف أي ربه أو ماء وقد تعدى هذا الفعل في الفصيح إلى المستسقى منه تارة وإلى المستسقي أخرى كما في قوله تعالى : { وَإِذْ * استسقاه قَوْمُهُ } [ الأعراف : 160 ] وقوله :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وتعديته إليهما مثل أن تقول : استسقى زيد ربه الماء لم نجدها في شيء من كلام العرب واللام متعلقة بالفعل ، وهي سببية أي لأجل قومه .
{ فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر } أي فأجبناه { فَقُلْنَا } الخ والعصا مؤنث والألف منقلبة عن واو بدليل عصوان وعصوته أي ضربته بالعصا ويجمع على أفعل شذوذاً وعلى فعول قياساً ، فيقال : أعصى وعصى ، وتتبع حركة العين حركة الصاد و ( الحجر ) هو هذا الجسم المعروف ، وجمعه أحجار وحجار ، وقالوا : حجارة ، واشتقوا منه فقالوا : استحجر الطين ، والاشتقاق من الأعيان قليل جداً . والمراد بهذه ( العصا ) المسؤول عنها في قوله تعالى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى * موسى } [ طه : 71 ] والمشهور أنها من آس الجنة طولها عشرة أذرع طول موسى عليه السلام لها شعبتان تتقدان في الظلمة ، توارثها صاغر عن كابر حتى وصلت إلى شعيب ومنه إلى موسى عليهما السلام؛ وقيل : رفعها له ملك في طريق مدين ، وفي المراد من ( الحجر ) خلاف ، فقال الحسن : لم يكن حجراً معيناً ، بل أي حجر ضربه انفجر منه الماء ، وهذا أبلغ في الإعجاز وأبين في القدرة ، وقال وهب : كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر ، وعلى هذا اللام فيه للجنس ، وقيل : للعهد ، وهو حجر معين حمله معه من الطور مكعب له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين ، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمرت أن تسقيهم ، وكانوا ستمائة ألف ما عدا دوابهم ، وسعة المعسكر إثنا عشر ميلاً ، وقيل : حجر كان عند آدم وصل مع العصا إلى شعيب فدفع إلى موسى ، وقيل : هو الحجر الذي فر بثوبه ، والقصة معروفة .

(1/334)


وقيل : حجر أخذ من قعر البحر خفيف يشبه رأس الآدمي كان يضعه في مخلاته ، فإذا احتاج للماء ضربه . والروايات في ذلك كثيرة ، وظاهر أكثرها التعارض ، ولا ينبني على تعيين هذا الحجر أمر ديني ، وإلا سلم تفويض علمه إلى الله تعالى .
{ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } عطف على مقدر ، أي فضرب فانفلق ، ويدل على هذا المحذوف وجود الانفجار ، ولو كان ينفجر دون ضرب لما كان للأمر فائدة ، وبعضهم يسمي هذه الفاء الفصيحة ويقدر شرطاً أي فإن ضربت فقد انفجرت وفي «المغني» : إن هذا التقدير يقتضي تقدم الانفجار على الضرب ، إلا أن يقال : المراد فقد حكمنا بترتب الانفجار على ضربك ، وقال بعض المتأخرين : لا حذف ، بل الفاء للعطف وإن مقدرة بعد الفاء كما هو القياس ، بعد الأمر عند قصد السببية ، والتركيب من قبيل زرني فأكرمك أي ( اضرب بعصاك الحجر ) فإن انفجرت فليكن منك الضرب فالانفجار ولا يخفى ما في كل/ حتى قال مولانا مفتي الديار الرومية في الأول : إنه غير لائق بجلالة شأن النظم الكريم . والثاني : أدهى وأمر والانفجار انصداع شيء من شيء ، ومنه الفجر والفجور ، وجاء هنا { *انفجرت } وفي الأعراف ( 160 ) { فانبجست } فقيل : هما سواء . وقيل : بينهما فرق وهو أن الانبجاس أول خروج الماء ، والانفجار اتساعه وكثرته ، أو الانبجاس خروجه من الصلب ، والآخر خروجه من اللين ، والظاهر استعمالهما بمعنى واحد وعلى فرض المغايرة لا تعارض لاختلاف الأحوال ، و ( من ) لابتداء الغاية ، والضمير عائد على الحجر المضروب وعوده إلى الضرب ، و ( من ) سببية مما لا ينبغي الإقدام عليه ، والتاء في إثنتا للتأنيث ويقال : ثنتا إلا أن التاء فيها على ما في «البحر» للإلحاق ، وهذا نظير أنبت ، ونبت ولامها محذوفة ، وهي ياء لأنها من ثنيت ، وقرأ مجاهد وجماعة ورواه السعدي عن أبي عمرو عشرة بكسر الشين وهي لغة بني تميم ، وقرأ الفضل الأنصاري بفتحها قال ابن عطية : وهي لغة ضعيفة ، ونص بعضها النحاة على الشذوذ ، ويفهم من بعض المتأخرين إن هذه اللغات في المركب لا في عشرة وحدها ، وعبارات القوم لا تساعده ، و العين منبع الماء وجمع على أعين شذوذاً وعيون قياساً ، وقالوا في أشراف الناس : أعيان ، وجاء ذلك في الباصرة قليلاً كما في قوله :
أعياناً لها ومآقيا ... وهو منصوب على التمييز ، وإفراده في مثل هذا الموضع لازم ، وأجاز الفراء أن يكون جمعاً ، وكان هذا العدد دون غيره لكونهم كانوا اثني عشر سبطاً وكان بينهم تضاغن وتنافس فأجرى الله تعالى لكل سبط عيناً يردها لا يشركه فيها أحد من السبط الآخر دفعاً لإثارة الشحناء ، ويشير إلى حكمة الانقسام ، قوله تعالى : { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ } وهي جملة مستأنفة مفهمة على أن كل سبط منهم قد صار له مشرب يعرفه فلا يتعدى لمشرب غيره ، و ( أناس ) جمع لا واحد له من لفظه ، وما ذكر من شذوذ إثبات همزته إنما هو مع الألف واللام ، وأما بدونها فشائع صحيح ، و ( عَلِمَ ) هنا متعدية لواحد أجريت مجرى عرف ووجد ذلك بكثرة و المشرب إما اسم مكان أي محل الشرب ، أو مصدر ميمي بمعنى الشرب ، وحمله بعضهم على المشروب وهو الماء ، وحمله على المكان أولى عند أبي حيان ، وإضافة المشرب إليهم لأنه لما تخصص كل مشرب بمن تخصص به صار كأنه ملك لهم وأعاد الضمير في مشربهم على معنى { كُلٌّ } ولا يجوز أن يعود على لفظها لأن كُلاً متى أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المعنى كما في قوله تعالى :

(1/335)


{ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم } [ الإسرار : 1 7 ] وقوله :
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
ونص على المشرب تنبيهاً على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة وإن كان سرد الكلام يقتضي قد علم كل أناس عينهم وفي الكلام حذف أي منها لأن { قَدْ عَلِمَ } صفة لاثنتا عشرة عيناً فلا بد من رابط ، وإنما وصفها به لأنه معجزة أخرى حيث يحدث مع حدوث الماء جداول يتميز بها مشرب كل من مشرب آخر ، ويحتمل أن تكون الجملة حالية لا صفة لقوله تعالى : { اثنتا عَشْرَةَ } لئلا يحتاج إلى تقدير العائد وليفيد مقارنة العلم بالمشارب للانفجار ، والمشرب حينئذٍ العين
{ كُلُواْ واشربوا مِن رّزْقِ الله } على إرادة القول ، وبدأ بالأكل لأن قوام الجسد به ، والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه ، و ( من ) لابتداء الغاية ، ويحتمل أن تكون للتبعيض ، وفي ذكر الرزق مضافاً تعظيم للمنة ، وإشارة إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا تكلف ، وفي هذا التفات إذ تقدم { فَقُلْنَا اضرب } ولو جرى على نظم واحد لقال من رزقنا ، ولو جعل الإضمار قبل { كُلُواْ } مسنداً إلى موسى أي وقال موسى : كلوا واشربوا لا يكون فيه ذلك ، و الرزق هنا بمعنى المرزوق وهو الطعام المتقدم من المنّ والسلوى ، والمشروب من ماء/ العيون ، وقيل : المراد به الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت منه ويضعفه أنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء كما يشير إليه قوله تعالى : { يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الارض } [ البقرة : 1 6 ] و { لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } [ البقرة : 1 6 ] ويلزم عليه أيضاً الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ يؤول إلى كلوا واشربوا من الماء ، ويكون نسبة الشرب إليه بإرادة ذاته ، والأكل بإرادة ما هو سبب عنه ، أو القول بحذف متعلق أحد الفعلين أي كلوا من رزق الله واشربوا من رزق الله ، وقول بعض المتأخرين إن رزق الله عبارة عن الماء ، وفي الآية إشارة إلى إعجاز آخر وهو أن هذا الماء كما يروي العطشان يشبع الجوعان فهو طعام وشراب بعيد غاية البعد ، وأقرب منه أن لا يكون { كُلُواْ واشربوا } بتقدير القول من تتمة ما يحكى عنهم بل يجعل أمراً مرتباً على ذكرهم ما وقع وقت الاستسقاء على وجه الشكر والتذكير بقدرة الله تعالى فهو أمر المخاطبين بهذه الحكاية بأكلهم وشربهم مما يرزقهم الله تعالى ، وعدم الإفساد بإضلال الخلق ، وجمع عرض الدنيا ويكون فصله عما سبق لأنه بيان للشكر المأمور أو نتيجة للمذكور
واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة فاقتضى أن يكون الرزق مباحاً فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحاً وحراماً ، وأنه غير جائز ، والجواب أن الرزق هنا ليس بعام إذا أريد المنّ والسلوى والماء المنفجر من الحجر ، ولا يلزم من حلية معين مّا من أنواع الرزق حلية جميع الرزق وعلى تسليم العموم يلتزم التبعيض
{ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض مُفْسِدِينَ } لما أمروا بالأكل والشرب من رزق الله تعالى ولم يقيد ذلك عليهم بزمان ولا مكان ولا مقدار كان ذلك إنعاماً وإحساناً جزيلاً إليهم ، واستدعى ذلك التبسط في المأكل والمشرب نهاهم عما يمكن أن ينشأ عن ذلك وهو الفساد حتى لا يقابلوا تلك النعم بالكفران ، و العثي عند بعض المحققين مجاوزة الحد مطلقاً فساداً كان أولاً فهو كالاعتداء ، ثم غلب في الفساد ، و ( مفسدين ) على هذا حال غير مؤكدة وهو الأصل فيها كما يدل عليه تعريفها ، وذكر أبو البقاء أن العُثِيّ الفساد والحال مؤكدة ، وفيه أن مجىء الحال المؤكدة بعد الفعلية خلاف مذهب الجمهور .

(1/336)


وذهب الزمخشري أن معناه أشد الفساد والمعنى لا تتمادوا في الفساد حال إفسادكم ، والمقصد النهي عما كانوا عليه من التمادي في الفساد وهو من أسلوب { لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } [ آل عمران : 130 ] وإلا فالفساد أيضاً منكر منهي عنه ، وفيه أنه تكلف مستغنى عنه بما ذكرنا ، والمراد من ( الأرض ) عند الجمهور أرض التيه . ويجوز أن يريدها وغيرها مما قدروا أن يصلوا إليها فينالها فسادهم ، وجوز أن يريد الأرضين كلها ، و ( أل ) لاستغراق الجنس ، ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد ونزع البركات ، وذلك انتقام يعم الأرضين ، هذا ثم إن ظاهر القرآن لا يدل على تكرر هذا الاستسقاء ولا الضرب ولا الانفجار فيحتمل أن يكون ذلك متكرراً ، ويحتمل أن يكون ذلك مرة واحدة والواحدة هي المتحققة .

(1/337)


والحكايات في هذا الأمر كثيرة وأكثرها لا صحة له ، وقد أنكر بعض الطبيعيين هذه الواقعة وقال : كيف يعقل خروج الماء العظيم الكثير من الحجر الصغير ، وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والاستحالات فقد ترك النظر على طريقتهم إذ قد تقرر عندهم أن حجر المغناطيس يجذب الحديد والحجر الحلاق يحلق الشعر والحجر الباغض للخل ينفر منه ، وذلك كله من أسرار الطبيعة وإذا لم يكن مثل ذلك منكراً عندهم فليس يمتنع أن يخلق في حجر آخر قوة جذب الماء من تحت الأرض ، ويكون خلق تلك القوة عند ضرب العصا أو عند أمر موسى عليه السلام على ما ورد أنه كان بعد ذلك يأمره ، فينفجر ولا ينافيه انفصاله عن الأرض كما وهم ، ويحتمل أيضاً أن يقلب الله تعالى بواسطة قوة أودعها في الحجر الهواء/ ماء بإزالة اليبوسة عن أجزائه وخلق الرطوبة فيها . والله تعالى على كل شيء قدير ، وحظ العارف من الآية أن يعرف الروح الإنسانية وصفاتها في عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو مستسق ربه لإروائها بماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا لا إله إلا الله ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس ، وقد حملت من حضرة العزة على حجر القلب الذي هو كالحجارة أو أشد قسوة { فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } من مياه الحكمة لأن كلمة لا إله إلا الله اثنتا عشرة حرفاً فانفجر من كل حرف عين قد عَلِمَ كل سبط من أسباط صفات الإنسان . وهي اثنا عشر سبطاً من الحواس الظاهرة والباطنة ، واثنان من القلب والنفس ، ولكل واحد منهم مشرب من عين جرت من حرف من حروف الكلمة ، و ( قد عَلِمَ ) مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمن مشرب عذب فرات . ومشرب ملح أجاج ، والنفوس ترد مناهل التقى والطاعات . والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات ، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } [ الإنسان : 1 2 ] للاضمحلال في حقيقة الذات { كُلُواْ واشربوا مِن رّزْقِ الله } بأمره ورضاه { وَلاَ تَعْثَوْاْ } في هذا القالب { مُفْسِدِينَ } بترك الأمر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على العقبى وتقديمهما على المولى .

(1/338)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

{ وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } الظاهر أنه داخل في تعداد النعم وتفصيلها وهو إجابة سؤالهم بقوله تعالى : { اهبطوا } الخ مع استحقاقهم كمال السخط لأنهم كفروا نعمة إنزال الطعام اللذيذ عليهم وهم في التيه من غير كدّ وتعب حيث سألوا ب { لَن نَّصْبِرَ } فإنه يدل على كراهيتهم إياه إذ الصبر حبس النفس في المضيق ، ولذا أنكر عليه بقوله تعالى : { أَتَسْتَبْدِلُونَ } الخ ، فالآية في الأسلوب مثل قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى * موسى * لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } [ البقرة : 55 ] الخ ، حيث عاندوا بعد سماع الكلام وأهلكوا ، ثم أفاض عليهم نعمة الحياة ، قال مولانا الساليكوتي : ومن هذا ظهر ضعف ما قال الإمام الرازي لو كان سؤالهم معصية لما أجابهم ، لأن الإجابة إلى المعصية معصية وهي غير جائزة على الأنبياء وإن قوله تعالى : { كُلُواْ واشربوا } [ البقرة : 0 6 ] أمر إباحة لا إيجاب ، فلا يكون سؤالهم غير ذلك الطعام معصية ، ووصف الطعام بواحد وإن كانا طعامين ( المنّ والسلوى ) اللذين رزقوهما في التيه ، إما باعتبار كونه على نهج واحد كما يقال : طعام مائدة الأمير واحد ولو كان ألواناً شتى بمعنى أنه لا يتبدل ولا يختلف بحسب الأوقات ، أو باعتبار كونه ضرباً واحداً لأن المنّ والسلوى من طعام أهل التلذذ والسرف ، وكأن القوم كانوا فلاحة فما أرادوا إلا ما ألفوه ، وقيل : إنهم كانوا يطبخونهما معاً فيصير طعاماً واحداً ، والقول بأن هذا القول كان قبل نزول السلوى نازل من القول ، وأهون منه القول بأنهم أرادوا بالطعام الواحد السلوى لأن المنّ كان شراباً ، أو شيئاً يتحلون به ، فلم يعدوه طعاماً آخر ، وإلا نزل القول بأنه عبر بالواحد عن الاثنين كما عبر بالاثنين عن الواحد في نحو { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرَحمن : 22 ] وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب
{ فادع لَنَا رَبَّكَ } أي سله لأجلنا بدعائك إياه بأن يخرج لنا كذا وكذا والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء ، ولغة بني عامر { فادع } بكسر العين جعلوا دعا من ذوات الياء كرمى ، وإنما سألوا من موسى أن يدعو لهم ، لأن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقرب للإجابة من دعاء غيرهم ، على أن دعاء الغير للغير مطلقاً أقرب إليها فما ظنك بدعاء الأنبياء لأممهم؟ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم / لعمر رضي الله تعالى عنه : " أشركنا في دعائك " وفي الأثر : «ادعوني بألسنة لم تعصوني فيها» وحملت على ألسنة الغير ، والتعرض لعنوان الربوبية لتمهيد مبادىء الإجابة ، وقالوا : ( ربك ) ولم يقولوا : ربنا ، لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة ، فكأنهم قالوا : ادع لنا المحسن إليك بما لم يحسن به إلينا ، فكما أحسن إليك من قبل نرجو أن يحسن إليك في إجابة دعائك .

(1/339)


{ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الارض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } المراد بالإخراج المعنى المجازي اللازم للمعنى الحقيقي ، وهو الإظهار بطريق الإيجاد لا بطريق إزالة الخفاء والحمل على المعنى الحقيق يقتضي مخرجاً عنه ، وما يصلح له ههنا هو ( الأرض ) وبتقديره يصير الكلام سخيفاً ، و { يَخْرُجُ } مجزوم لأنه جواب الأمر ، وجزمه بلام الطلب محذوفة لا يجوز عند البصريين ، و ( من ) الأولى تبعيضية أي مأكولاً بعض ما ( تنبت ) وادعى الأخفش زيادتها وليس بشيء و ( ما ) موصولة والعائد محذوف ، أي تنبته ، وجعلها مصدرية لم يجوّزه أبو البقاء لأن المقدر جوهر ونسبة الإنبات إلى ( الأرض ) مجاز من باب النسبة إلى القابل . وقد أودع الله تعالى في الطبقة الطينية من الأرض أو فيها قوة قابلة لذلك ، وكون القوة القابلة مودعة في الحب دون التراب ربما يفضي إلى القول بقدم الحب بالنوع ، و ( من ) الثانية بيانية ، فالظرف مستقر واقع موقع الحال ، أي كائناً من ( بقلها ) . وقال أبو حيان : تبعيضية واقعة موقع البدل من كلمة ( ما ) فالظرف لغو متعلق ب ( يُخرجْ ) وعلى التقديرين كما قال الساليكوتي : يفيد أن المطلوب إخراج بعض هؤلاء ، ولو جعل بياناً لما أفاده ( من ) التبعيضية كما قاله المولى عصام الدين لخلا الكلام عن الإفادة المذكورة ، وأوهمَ أن المطلوب إخراج جميع هؤلاء لعدم العهد والبقل جنس يندرج فيه النبات الرطب مما يأكله الناس والأنعام ، والمراد به هنا أطاييب البقول التي يأكلها الناس والقثاء هو هذا المعروف ، وقال الخليل : هو الخيار ، وقرأ يحيى بن وثاب وغيره بضم القاف وهو لغة والفوم الحنطة وعليه أكثر الناس حتى قال الزجاج : لا خلاف عند أهل اللغة أن الفوم الحنطة ، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم وقال الكسائي وجماعة : هو الثوم ، وقد أبدلت ثاؤه فاء كما في جدث وجدف وهو بالبصل والعدس أوفق وبه قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ونفس شيخنا عليه الرحمة إليه تميل ، والقول بأنه الخبز يبعده الإنبات من ( الأرض ) وذكره مع البقل وغيره . وما في «المعالم» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن الفوم الخبز يمكن توجيهه بأن معناه إنه يقال عليه ، ووجه ترتيب النظم أنه ذكر أولاً ما هو جامع للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهو البقل إذ منه ما هو بارد رطب كالهندبا ومنه ما هو حار يابس كالكرفس والسذاب ومنه ما هو حار وفيه رطوبة ، كالنعناع وثانياً : ما هو بارد رطب وهو القثاء وثالثاً : ما هو حار يابس وهو الثوم ورابعاً : ما هو بارد يابس وهو العدس وخامساً : ما هو حار رطب وهو البصل وإذا طبخ صار بارداً رطباً عند بعضهم ، أو يقال : إنه ذكر أولاً ما يؤكل من غير علاج نار ، وذكر بعده ما يعالج به مع ما ينبغي فيه ذلك ويقبله .

(1/340)


{ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ } استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا قال لهم؟ فقيل قال : { أَتَسْتَبْدِلُونَ } الخ ، والقائل إما الله تعالى على لسان موسى عليه السلام ، ويرجحه كون المقام مقام تعداد النعم ، أو موسى نفسه وهو الأنسب بسياق النظم والاستفهام للإنكار ، والاستبدال الاعتياض .
فإن قلت كونهم لا يصبرون على طعام واحد أفهم طلب ضم ذلك إليه لا استبداله به أجيب بأن قولهم : { لَن نَّصْبِرَ } يدل على كراهتهم ذلك الطعام؛ وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال ، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها ، وقيل : إنهم طلبوا ذلك ، وخطابهم بهذا إشارة إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا منع عنهم المنّ والسلوى فلا يجتمعان ، وقيل : الاستبدال في المعدة وهو كما ترى وقرأ أبيّ : أتبدلون وهو مجاز ، لأن التبديل ليس لهم إنما ذلك إلى الله تعالى لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين ، وكان المعنى أتسألون تبديل الذي الخ ، و { الذى } مفعول { *تستبدلون } وهو الحاصل؛ و { فَلْيُؤَدّ الذى } دخلت عليه الباء هو الزائل ، وهو { أدنى } صلة { الذى } وهو هنا واجب الإثبات عند البصريين إذ لا طول ، و { أدنى } إما من الدنو أو مقلوب من الدون ، وهو على الثاني ظاهر ، وعلى الأول مجاز استعير فيه الدنو بمعنى القرب المكاني للخسة كما استعير البعد للشرف ، فقيل : بعيد المحل بعيد الهمة ، ويحتمل أن يكون مهموزاً من الدناءة ، وأبدلت فيه الهمزة ألفاً ويؤيده قراءة زهير والكسائي { *أدنأ } بالهمزة ، وأريد بالذي هو خير المنّ والسلوى ومعنى خيرية هذا المأكول بالنسبة إلى ذلك غلاء قيمته وطيب لذته ، والنفع الجليل في تناوله ، وعدم الكلفة في تحصيله ، وخلوّه عن الشبهة في حله
{ خَيْرٌ اهبطوا مِصْرًا } جملة محكية بالقول كالأولى ، وإنما لم يعطف إحداهما على الأخرى في المحكي لأن الأولى خبر معنى ، وهذه ليست كذلك ، ولكونها كالمبينة لها فإن الإهباط طريق الاستبدال ، هذا إذا جعل الجملتان من كلام الله تعالى أو كلام موسى ، وإن جعل إحداهما من موسى والأخرى من الله تعالى ، فوجه الفصل ظاهر ، والوقف على ( خير ) كاف على الأول : وتام على الثاني : والهبوط يجوز أن يكون مكانياً بأن يكون التيه أرفع من المصر ، وأن يكون رتبياً ، وهو الأنسب بالمقام ، وقرىء { اهبطوا } بضم الهمزة والباء والمصر البلد العظيم وأصله الحد والحاجز بين الشيئين ، قال :

(1/341)


وجاعل الشمس ( مصراً ) لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا
وإطلاقه على البلد لأنه ممصور أي محدود ، وأخذه من مصرت الشاة أمصرها إذا حلبت كل شيء في ضرعها بعيد ، وحكي عن أشهب أنه قال : قال لي مالك : هي مصر قريتك مسكن فرعون فهو إذاً عَلَمٌ وأسماء المواضع قد تعتبر من حيث المكانية فتذَكر ، وقد تعتبر من حيث الأرضية فتؤنث ، فهو إن جعل علماً فإما باعتبار كونه بلدة ، فالصرف مع العلمية ، والتأنيث لسكون الوسط ، وإما باعتبار كونه بلداً فالصرف على بابه ، إذ الفرعية الواحدة لا تكفي في منعه ، ويؤيد ما قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه : أنه في مصحف ابن مسعود ( مصر ) بلا ألف بعد الراء ويبعده أن الظاهر من التنوين التنكير ، وأن قوله تعالى : { ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ } [ المائدة : 1 2 ] يعني الشام التي كتب الله تعالى لكم للوجوب كما يدل عليه عطف النهي وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى ، وأن يكون الأمر بالهبوط مقصوراً على بلاد التيه وهو ما بين بيت المقدس إلى قنسرين ومن الناس من جعل ( مصر ) معرب مصرائيم كإسرائيل اسم لأحد أولاد نوح عليه السلام وهو أول من اختطها فسميت باسمه ، وإنما جاز الصرف حينئذٍ لعدم الاعتداد بالعجمة لوجود التعريب والتصرف فيه فافهم وتدبر .
{ فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } تعليل للأمر بالهبوط ، وفي «البحر» أنها جواب للأمر وكما يجاب بالفعل يجاب بالجملة وفي ذلك محذوفان فإن ما يربط الجملة بما قبلها ، والضمير العائد على { مَا } والتقدير : فإن لكم فيها ما سألتموه/ ، والتعبير عن الأشياء المسؤولة ب ( ما ) للاستهجان بذكرها ، وقرأ النخعي ويحيى : { سَأَلْتُمْ } بكسر السين .
{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } أي جعل ذلك محيطاً بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه ، أو ألصق بهم من ضرب الطين على الحائط ففي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه ذلك بالقبة أو بالطين ، و ( ضربت ) استعارة تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة والشمول أو اللزوم واللصوق بهم ، وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين ، وذلك بما ضرب عليهم من الجزية التي يؤدونها عن يَد وهم صاغرون ، وبما ألزموه من إظهار الزي ليعلم أنهم يهود ولا يلتبسوا بالمسلمين وبما طبعوا عليه من فقر النفس وشحها فلا ترى ملة من الملل أحرص منهم ، وبما تعودوا عليه من إظهار سوء الحال مخافة أن تضاعف عليهم الجزية إلى غير ذلك مما تراه في اليهود اليوم ، وهذا الضرب مجازاة لهم على كفران تلك النعمة ، وبهذا ارتبطت الآية بما قبلها ، وإنما أورد ضمير الغائب للإشارة إلى أن ذلك راجع إلى جميع اليهود ، وشامل للمخاطبين ، بقوله تعالى : { فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة فليس من قبيل الالتفات على ما وهم
{ وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } أي نزلوا وتمكنوا بما حل بهم من البلاء والنقم في الدنيا ، أو بما تحقق لهم من العذاب في العقبى؛ أو بما كتب عليهم من المكاره فيهما أو رجعوا بغضب أي صار عليهم ، ولذا لم يحتج إلى اعتبار المرجوع إليه ، أو صاروا أحقاء به ، أو استحقوا العذاب بسببه وهو بعيد وأصل البواء بالفتح والضم مساواة الأجزاء ثم استعمل في كل مساواة فيقال : هو بواء فلان أي كفؤه ، ومنه بؤ لشسع نعل كليب وحديث :

(1/342)


" فليتبوأ مقعده من النار " وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيم لشأنه بعد تعظيم وتفخيم بعد تفخيم .
{ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } أشار بذلك إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم ، وإنما بَعّدهُ لبعد بعضه حتى لو كان إشارة إلى البوء لم يكن على لفظ البعيد ، أو للإشارة إلى أنهم أدركتهم هذه الأمور مع بعدهم عنها لكونهم أهل الكتاب ، أو للإيماء إلى بعدها في الفظاعة ، والباء للسببية وهي داخلة على المصدر المؤل ولم يعبر به ، وعبر بما عبر تنبيهاً على تجدد الكفر والقتل منهم حيناً بعد حين واستمرارهم عليهما فيما مضى ، أو لاستحضار قبيح صنعهم ، و ( الآيات ) إما المعجزات مطلقاً أو التسع التي أتى بها موسى عليه السلام ، أو ما جاء به من التسع وغيرها ، أو آيات الكتب المتلوة مطلقاً ، أو التوراة أو آيات منها كالآيات التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أو التي فيها الرجم أو القرآن ، وفي إضافة الآيات إلى اسمه تعالى زيادة تشنيع عليهم ، وبدأ سبحانه بكفرهم بآياته لأنه أعظم كل عظيم ، وأردفه بقتلهم النبيين لأنه كالمنشأ له ، وأتى بالنبيين الظاهر في القلة دون الأنبياء الظاهر في الكثرة إذ الفرق بين الجمعين إذا كانا نكرتين وأما إذا دخلت عليهما ( أل ) فيتساويان كما في «البحر» فلا يرد أنهم قتلوا ثلثمائة نبي في أول النهار ، وأقاموا سوقهم في آخره ، وقيد القتل بغير الحق مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ذلك بغير الحق عندهم إذ لم يكن أحد معتقداً حقية قتل أحد منهم عليهم السلام ، وإنما حملهم عليه حب الدنيا ، واتباع الهوى والغلو في العصيان ، والاعتداء فاللام في الحق على هذا للعهد ، وقيل : الأظهر أنها للجنس ، والمراد بغير حق أصلاً إذ لام الجنس المبهم كالنكرة ، ويؤيده ما في آل عمران ( 12 )

(1/343)


{ بِغَيْرِ حَقّ } فيفيد أنه لم يكن حقاً باعتقادهم أيضاً ، ويمكن أن يكون فائدة التقييد إظهار معايب صنيعهم فإنه قتل النبي ثم جماعة منهم ثم كونه بغير الحق ، وهذا أوفق بما هو الظاهر من كون المنهي القتل بغير الحق في نفس الأمر/ سواء كان حقاً عند القاتل أو لا إلا أن الاقتصار على القتل بغير الحق عندهم أنسب للتعريض بما هم فيه على ما قيل ، والقول : بأنه يمكن أن يقال لو لم يقيد بغير الحق لأفاد أن من خواص النبوة أنه لو قتل أحداً بغير حق لا يقتص ، ففائدة التقييد أن يكون النظم مفيداً لما هو الحكم الشرعي بعيد كما لا يخفى ، قال بعض المتأخرين : هذا كله إذا كان الغير بمعنى النفي أي بلا حق ، أما إذا كان بمعناه أي بسبب أمر مغاير للحق أي الباطل فالتقييد مفيد لأن قتلهم النبيين بسبب الباطل وحمايته ، وقريب من هذا ما قاله القفال من إنهم كانوا يقولون : إنهم كاذبون وأن معجزاتهم تمويهات ويقتلونهم بهذا السبب ، وبأنهم يريدون إبطال ما هم عليه من الحق بزعمهم ، ولعل ذلك غالب أحوالهم وإلا فشعياء ، ويحيى وزكريا عليهم السلام لم يقتلوا لذلك ، وإنما قتل شعياء لأن ملكاً من بني إسرائيل لما مات مرج أمر بني إسرائيل ، وتنافسوا الملك ، وقتل بعضهم بعضاً فنهاهم عليه السلام فبغوا عليه وقتلوه ، ويحيى عليه السلام إنما قتل لقصة تلك الامرأة لعنها الله تعالى ، وكذلك زكريا لأنه لما قتل ابنه انطلق هارباً فأرسل الملك في طلبه غضباً لما حصل لامرأته من قتل ابنه فوجد في جوف شجرة ففلقوا الشجرة معه فلقتين طولاً بمنشار ، ثم الظاهر أن الجار والمجرور مما تنازع فيه الكفر والقتل ، وفي «البحر» أنه متعلق بما عنده ، وزعم بعض الملحدين أن بين هذه الآية وما أشبهها ، وقوله تعالى : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 1 5 ] تناقضاً وأجيب بأن المقتولين من الأنبياء والموعود بنصرهم الرسل ورد بأن قوله تعالى : { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ } إلى قوله سبحانه : { ففَرِيقاً * كَذَّبْتُمْ * وَفَرِيقًا * تَقْتُلُونَ } [ البقرة : 7 8 ] يدل على أن المقتول رسل أيضاً ، وأجاب بعضهم بأن المراد النصرة بغلبة الحجة أو الأخذ بالثأر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى قدر أن يقتل بكل نبي سبعين ألفاً ، وبكل خليفة خمساً وثلاثين ألفاً ولا يخفى ما فيه ، فالأحسن أن المراد بالرسل المأمورون بالقتال كما أجاب به بعض المحققين لأن أمرهم بالقتال وعدم عصمتهم لا يليق بحكمة العزيز الحكيم ، وقرأ علي رضي الله تعالى عنه : ( يقتلون ) بالتشديد ، والحسن في رواية عنه ( وتقتلون ) بالتاء فيكون ذلك من الالتفات ، وقرأ نافع بهمز النبيين وكذا النبي والنبوة ، واستشكل بما روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم :

(1/344)


« يا نبىء الله بالهمزة فقال : لست بنبىء الله يعني مهموزاً ولكن نبي الله » بغير همزة فأنكر عليه ذلك . ولهذا منع بعضهم من إطلاقه عليه عليه الصلاة والسلام على أنه استشكل أيضاً جمع النبي على نبيين وهو فعيل بمعنى مفعول ، وقد صرحوا بأنه لا يجمع جمع مذكر سالم وأجيب عن الأول بأن أبا زيد حكى نبأت من الأرض إذا خرجت منها فمنع لوهم أن معناه يا طريد الله تعالى فنهاه عن ذلك لإيهامه ، ولا يلزم من صحة استعمال الله تعالى له في حق نبيه صلى الله عليه وسلم الذي برأه من كل نقص جوازه من البشر ، وقيل : إن النهي كان خاصاً في صدر الإسلام حيث دسائس اليهود كانت فاشية وهذا كما نهى عن قول : { راعنا } إلى قول : { انظرنا } [ البقرة : 104 ] انتبه أيها المخرج وعن الثاني بأنه ليس بمتفق عليه إذ قيل : إنه بمعنى فاعل ولو سلم فقد خرج عن معناه الأصل ، ولم يلاحظ فيه هذا إذ يطلقه عليه من لا يعرف ذلك ، فصح جمعه باعتبار المعنى الغالب عليه فتدبر .
{ ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } إشارة إلى الكفر والقتل الواقعين سبباً لما تقدم ، وجازت الإشارة بالمفرد إلى متعدد للتأويل بالمذكور ، ونحوه مما هو مفرد لفظاً متعدد معنى ، وقد يجري مثل ذلك في الضمير حملاً عليه ، والباء للسببية ، وما بعدها سبب للسبب ، والمعنى : إن الذي حملهم على الكفر بآيات الله تعالى ، وقتلهم الأنبياء إنما هو تقدم عصيانهم واعتدائهم ومجاوزتهم الحدود ، والذنب يجر الذنب ، وأكد الأول لأنه مظنة الاستبعاد بخلاف مطلق العصيان ، وقيل : الباء بمعنى مع؛ وقيل : الإشارة بذلك إلى ما أشير إليه بالأول ، وترك العاطف للدلالة/ على أن كل واحد منهما مستقل في استحقاق الضرب فكيف إذا اجتمعا . وضعف هذا الوجه بأن التكرار خلاف الأصل مع فوات معنى لطيف حصل بالأول وسابقه بأنه لا يظهر حينئذٍ لإيراد كلمة ذلك فائدة إذ الظاهر { بِمَا عَصَواْ } الخ ويفوت أيضاً ما يفوت ، وحظ العارف من هذه الآيات الاعتبار بحال هؤلاء الذين لم يرضوا بالقضاء ولم يشكروا على النعماء ولم يصبروا على البلواء كيف ضرب عليهم ذل الطغيان قبل وجود الأكوان ، وقهرهم بلطمة المسكنة في بيداء الخذلان وألبس قلوبهم حب الدنيا وأهبطهم من الدرجة العليا .
ومن باب الإشارة : الطعام الواحد هو الغذاء الروحاني من الحكمة والمعرفة ، وما تنبته الأرض هو الشهوات الخبيثة واللذات الخسيسة والتفكهات الباردة الناشئة من أرض النفوس المبتذلة في مصر البدن الموجبة للذلة لمن ذاقها والمسكنة لمن لاكها والهلاك لمن ابتلعها ، وسبب طلب ذلك الاحتجاب عن آيات الله تعالى وتجلياته وتسويد القلوب بدرن الذنوب ، وقطع وريدها بقطع واردها ، والذي يجر إلى هذا الغفلة عن المحبوب ، والاعتياض بالأغيار عن ذلك المطلوب نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية .

(1/345)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } لما انجر الكلام إلى ذكر وعيد أهل الكتاب قرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته سبحانه من ذكر الترغيب والترهيب وبهذا يتضح وجه توسيط هذه الآية وما قبلها بين تعداد النعم ، وفي المراد ب { الذين كَفَرُواْ } هنا أقوال ، والمروي عن سفيان الثوري أنهم المؤمنون بألسنتهم ، وهم المنافقون بدليل انتظامهم في سلك الكفرة والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عبر عنها بالإيمان لا تجديهم نفعاً ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعاً ، وعن السدي أنهم الحنيفيون ممن لم يلحق الرسول صلى الله عليه وسلم كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل ومن لحقه كأبي ذر وبحيرى ووفد النجاشي الذين كانوا ينتظرون البعثة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم المؤمنون بعيسى قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وروى السدي عن أشياخه أنهم المؤمنون بموسى إلى أن جاء عيسى عليهما السلام فآمنوا به ، وقيل : إنهم أصحاب سلمان الذين قَصّ حديثهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : « هم في النار » فأظلمت الأرض عليه كما روى مجاهد عنه فنزلت عند ذلك الآية إلى : { يَحْزَنُونَ } قال سلمان : فكأنما كشف عني جبل ، وقيل : إنهم المتدينون بدين محمد صلى الله عليه وسلم مخلصين أو منافقين واختاره القاضي وكأن سبب الاختلاف قوله تعالى فيما بعد : { مَنْ ءامَنَ } الخ فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من أحدهما غير المراد من الآخر وأقل الأقوال مؤنة أولها : { والذين هَادُواْ } أي تهودوا يقال : هاد وتهود إذا دخل في اليهودية ، و يهود إما عربي من هاد إذا تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل ، ووجه التخصيص كون توبتهم أشق الأعمال كما مر ، وإما معرب يهوذا بذال معجمة وألف مقصورة كأنهم سموا بأكبر أولاد يعقوب عليه السلام ، وقرىء { هَادُواْ } بفتح الدال أي مال بعضهم إلى بعض
{ والنصارى } جمع نصران بمعنى نصراني ، وورد ذلك في كلام العرب وإن أنكره البعض كقوله :
تراه إذا دار العشيّ محنفا ... ويضحي لديه وهو ( نصران ) شامس
ويقال في المؤنث نصران كندمان وندمانة قال سيبويه وأنشد :
كما سجدت نصرانة لم تحنف ... والياء في نصراني عنده للمبالغة كما يقال للأحمر أحمري إشارة إلى أنه عريق في وصفه ، وقيل : إنها للفرق بين الواحد والجمع كزنج وزنجي ، وروم ورومي ، وقيل : النصارى جمع نصرى كمهرى ومهارى حذفت إحدى ياءيه وقلبت الكسرة فتحة للتخفيف فقلبت الياء ألفاً وإلى ذلك ذهب الخليل ، وهو اسم لأصحاب عيسى عليه السلام ، وسموا بذلك لأنهم/ نصروه ، أو لنصر بعضهم لبعض ، وقيل : إن عيسى عليه السلام ولد في بيت لحم بالقدس ثم سارت به أمه إلى مصر ولما بلغ اثني عشر سنة عادت به إلى الشام وأقامت بقرية ناصرة ، وقيل : نصرايا ، وقيل : نصرى ، وقيل : نصرانة ، وقيل : نصران وعليه الجوهري فسمي من معه باسمها ، أو أخذلهم اسم منها
( والصابئين ) هم قوم مدار مذاهبهم على التعصب للروحانيين واتخاذهم وسائط ولما لم يتيسر لهم التقرب إليها بأعيانها والتلقي منها بذواتها فزعت جماعة منهم إلى هياكلها ، فصابئة الروم مفزعها السيارات ، وصابئة الهند مفزعها الثوابت ، وجماعة نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن أحد شيئاً .

(1/346)


فالفرقة الأولى : هم عبدة الكواكب ، والثانية : هم عبدة الأصنام وكل من هاتين الفرقتين أصناف شتى مختلفون في الاعتقادات والتعبدات ، والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول : إنهم ليسوا بعبدة أوثان وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة ، وقيل : هم قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى عليه السلام ، وقيل : إنهم يقرون بالله تعالى ويقرءون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة ، وقيل : إلى مهب الجنوب ، وقد أخذوا من كل دين شيئاً ، وفي جواز مناكحتهم وأكل ذبائحهم كلام للفقهاء يطلب في محله ، واختلف في اللفظ فقيل غير عربي ، وقيل عربي من صبأ بالهمز إذا خرج أو من صبا معتلاً بمعنى مال لخروجهم عن الدين الحق وميلهم إلى الباطل ، وقرأ نافع وحده بالياء وذلك إما على الأصل أو الإبدال للتخفيف .
{ مَنْ ءامَنَ بالله * الاخر وعَمِلَ صالحا } أي أحدث من هذه الطوائف إيماناً بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبوات ، وبالنشأة الثانية على الوجه اللائق ، وأتى بعمل صالح حسبما يقتضيه الإيمان بما ذكر ، وهذا مبني على أول الأقوال ، والقائلون بآخرها منهم من فسر الآية بمن اتصف من أولئك بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات ، والدوام عليه كإيمان المخلصين ، أو بطريق إحداثه ، وإنشائه كإيمان من عداهم من المنافقين ، وسائر الطوائف ، وفائدة التعميم للمخلصين مزيد ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين ، ومنهم من فسرها بمن كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعه ، فيعم الحكم المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والمنافقين الذين تابوا ، واليهود والنصارى الذين ماتوا قبل التحريف والنسخ والصابئين الذين ماتوا زمن استقامة أمرهم إن قيل : إن لهم ديناً ، وكذا يعم اليهود والصابئين الذين آمنوا بعيسى عليه السلام وماتوا في زمنه ، وكذا من آمن من هؤلاء الفرق بمحمد صلى الله عليه وسلم .

(1/347)


وفائدة ذكر ( الذين آمنوا ) على هذا مع أن الوعيد السابق كان في اليهود لتسكين حمية اليهود بتسوية المؤمنين بهم في أن كون كل في دينه قبل النسخ : يوجب الأجر وبعده : يوجب الحرمان ، كما أن ذكر الصابئين للتنبيه على أنهم مع كونهم أبين المذكورين ضلالاً يتاب عليهم إذا صح منهم الإيمان والعمل الصالح ، فغيرهم بالطريق الأولى وانفهام قبل النسخ من { وَعَمِلَ صالحا } إذ لا صلاح في العمل بعده ، وهذا هو الموافق لسبب النزول لا سيما على رواية أن سلمان رضي الله تعالى عنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم حسن حال الرهبان الذين صحبهم ، فقال : " ماتوا وهم في النار " فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقال عليه الصلاة والسلام : " من مات على دين عيسى عليه السلام قبل أن يسمع بي فهو على خير ، ومن سمع ولم يؤمن بي فقد هلك "
والمناسب لعموم اللفظ وعدم صرفه إلى تخصيص الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى بالكفرة منهم/ وتخصيص { مَنْ ءامَنَ } الخ بالدخول في ملة الإسلام ، إلا أنه يرد عليه أنه مستلزم أن يكون للصائبين دين ، وقد ذكر غير واحد أنه ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات ففي «الملل والنحل» أن الصبوة في مقابلة الحنيفية ، ولميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم : الصابئة ، ولو سلم أنه كان لهم دين سماوي ثم خرجوا عنه ، فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجهم منه ليسوا من الصابئين فكيف يمكن إرجاع الضمير الرابط بين اسم ( إن ) وخبرها إليهم على القول المشهور وارتكاب إرجاعه إلى المجموع من حيث هو مجموع قصداً إلى إدراج الفريق المذكور فيهم ضرورة أن من كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضى شرعه قبل نسخه من مجموع أولئك الطوائف بحكم اشتماله على اليهود والنصارى وإن لم يكن من الصابئين مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه؟ا على أن فيه بعد ما لا يخفى فتدبر . و ( من ) مبتدأ ، وجوّزوا فيها أن تكون موصولة والخبر جملة قوله تعالى : { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط كما في قوله تعالى : { إِنَّ الذين فَتَنُواْ } [ البروج : 0 1 ] الآية ، وأن تكون شرطية وفي خبرها خلاف هل الشرط ، أو الجزاء ، أو هما؟ وجملة { مَنْ ءامَنَ } الخ خبر { ءانٍ } فإن كانت { مِنْ } موصولة وهو الشائع هنا احتيج إلى تقدير منهم عائداً ، وإن كانت شرطية لم يحتج إلى تقديره إذ العموم يغني عنه كأنه قيل : هؤلاء وغيرهم إذا آمنوا { فَلَهُمْ } الخ على ما قالوا في قوله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً }

(1/348)


[ الكهف : 0 3 ] وجوّز بعضهم أن تكون { مِنْ } بدلاً من اسم { ءانٍ } وخبرها { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } واختار أبو حيان أنها بدل من المعاطيف التي بعد اسم { ءانٍ } فيصح إذ ذاك المعنى ، وكأنه قيل : إن الذين آمنوا من غير الأصناف الثلاثة ، ومن آمن من الأصناف الثلاثة ( فلهم ) الخ . وقد حملت الضمائر الثلاثة باعتبار معنى الموصول ، كما أن إفراد ما في الصلة باعتبار لفظه ، وفي «البحر» إن هذين الحملين لا يتمان إلا بإعراب { مِنْ } مبتدأ ، وأما على إعرابها بدلاً فليس فيها إلا حمل على اللفظ فقط فافهم .
ثم المراد من الأجر الثواب الذي وعدوه على الإيمان والعمل الصالح ، فإضافته إليهم واختصاصه بهم بمجرد الوعد لا بالاستيجاب كما زعمه الزمخشري رعاية للاعتزال لكن تسميته أجراً لعدم التخلف ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : { عِندَ رَبّهِمْ } المشير إلى أنه لا يضيع لأنه عند لطيف حفيظ ، وهو متعلق بما تعلق به { لَهُمْ } ، ويحتمل أن يكون حالاً من { أَجْرَهُمْ } .
{ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } عطف على جملة { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } وقد تقدم الكلام على مثلها في آخر قصة آدم عليه السلام فأغنى عن الإعادة هنا .

(1/349)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)

{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } تذكير بنعمة أخرى ، لأنه سبحانه إنما فعل ذلك لمصلحتهم ، والظاهر من الميثاق هنا العهد ، ولم يقل : مواثيقكم ، لأن ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره فكان ميثاقاً واحداً ولعله كان بالانقياد لموسى عليه السلام ، واختلف في أنه متى كان؟ فقيل : قبل رفع الطور؛ ثم لما نقضوه رفع فوقهم لظاهر قوله تعالى : { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم } [ النساء : 154 ] الخ ، وقيل : كان معه { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } الواو للعطف؛ وقيل : للحال ، والطور قيل : جبل من الجبال ، وهو سرياني معرب ، وقيل : الجبل المعين . وعن أبي حاتم عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا؛ وكان على قدر عسكرهم فرسخاً في فرسخ ورفع فوقهم قدر قامة الرجل ، واستشكل بأن هذا يجري مجرى الإلجاء/ إلى الإيمان فينافي التكليف ، وأجاب الإمام بأنه لا إلجاء لأن الأكثر فيه خوف السقوط عليهم ، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة بلا عماد جاز أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف ، وقال العلامة : كأنه حصل لهم بعد هذا الإلجاء قبول اختياري ، أو كان يكفي في الأمم السالفة مثل هذا الإيمان وفيه كما قال الساليكوتي إن الكلام في أنه كيف يصح التكليف ب { خُذُواْ } الخ مع القسر ، وقد تقرر أن مبناه على الاختيار فالحق أنه إكراه لأنه حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه لو خلي ونفسه فيكون معدماً للرضا لا للاختيار إذ الفعل يصدر باختياره كما فصل في الأصول ، وهذا كالمحاربة مع الكفار ، وأما قوله : { لا إِكْرَاهَ فِى الدين } [ البقرة : 256 ] وقوله سبحانه : { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ يونس : 99 ] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ به .
{ خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ } هو على إضمار القول أي قلنا أو قائلين خذوا وقال بعض الكوفيين : لا يحتاج إلى إضماره لأن أخذ الميثاق قول ، والمعنى : وإذ أخذنا ميثاقكم بأن تأخذوا ما آتيناكم ، وليس بشيء والمراد هنا بالقوة الجد والاجتهاد كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ويؤول إلى عدم التكاسل والتغافل ، فحينئذ لا تصلح الآية دليلاً لمن ادعى أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لا يقال : خذ هذا بقوة ، إلا والقوة حاصلة فيه لأن القوة بهذا المعنى لا تنكر صحة تقدمها على الفعل .
{ واذكروا مَا فِيهِ } أي ادرسوه واخفظوه ولا تنسوه ، أو تدبروا معناه ، أو اعلموا بما فيه من الأحكام ، فالذكر يحتاج أن يراد به الذكر اللساني والقلبي والأعم منهما وما يكون كاللازم لهما ، والمقصود منهما أعني العمل { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قد تقدم الكلام على الترجي في كلامه تعالى ، وقد ذكر ههنا أن كلما لعل متعلقة بخذوا ، واذكروا إما مجاز يؤول معناه بعد الاستعارة إلى تعليل ذي الغاية بغايته أو حقيقة لرجاء المخاطب؛ والمعنى : خذوا واذكروا راجين أن تكونوا متقين ويرجح المعنى المجازي أنه لا معنى لرجائهم فيما يشق عليهم أعنى التقوى ، اللهم إلا باعتبار تكلف أنهم سمعوا مناقب المتقين ودرجاتهم فلذا كانوا راجين للانخراط في سلكهم ، وجوز المعتزلة كونها متعلقة بقلنا المقدر وأولوا الترجي بالإرادة أي : قلنا و اذكروا إرادة أن تتقوا ، وهو مبني على أصلهم الفاسد من أن إرادة الله تعالى لأفعال العباد غير موجبة للصدور لكونها عبارة عن العلم بالمصلحة ، وجوز العلامة تعلقها إذا أول الترجي بالإرادة بخذوا أيضاً على أن يكون قيداً للطلب لا للمطلوب ، وجوز الشهاب أن يتعلق بالقول على تأويله بالطلب والتخلف فيه جائز ، وفيه أن القول المذكور وهو { خُذُواْ مَا ءاتيناكم } بعينه طلب التقوى فلا يصح أن يقال خذوا ما آتيناكم طالباً منكم التقوى إلا بنوع تكلف فافهم .

(1/350)


ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)

{ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك } أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه وخالفتم ، وأصل التولي الإعراض المحسوس ثم استعمل في الإعراض المعنوي كعدم القبول ، ويفهم من الآية أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه .
{ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ الخاسرين } الفضل التوفيق للتوبة والرحمة قبولها ، أو الفضل والرحمة بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدراكهم لمدته ، فالخطاب على الأول جار على سنن الخطابات السابقة مجازاً باعتبار الأسلاف وعلى الثاني جار على الحقيقة ، والخسران ذهاب رأس المال أو نقصه ، والمراد لكنتم مغبونين هالكين بالانهماك في المعاصي ، أو بالخبط في مهاوي الضلال عند الفترة ، وكلمة لولا إما بسيطة أو مركبة من لو الامتناعية/ وتقدم الكلام عليها ، وحرف النفي والاسم الواقع بعدها عند سيبويه مبتدأ خبره محذوف وجوباً لدلالة الحال عليه وسد الجواب مسده ، والتقدير ولولا فضل الله ورحمته حاصلان ، ولا يجوز أن يكون الجواب خبراً لكونه في الأغلب خالياً عن العائد إلى المبتدأ ، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف أي لولا ثبت فضل الله تعالى الخ ، و { لَكُنتُم } جواب لولا ويكثر دخول اللام على الجواب إذا كان موجباً ، وقيل : إنه لازم إلا في الضرورة كقوله :
لولال الحياء ولولا الدين ( عبتكم ) ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى
وجاء في كلامهم بعد اللام قد ، كقوله :
لولا الأمير ولولا خوف طاعته ... ( لقد ) شربت وما أحلى من العسل
وقد جاء أيضاً حذف اللام وإبقاء قد نحو لولا زيد قد أكرمتك ولم يجيء في القرآن مثبتاً إلا باللام إلا فيما زعم بعضهم أن قوله تعالى : { وَهَمَّ بِهَا } [ يوسف : 4 2 ] جواب لولا قدم عليها .
هذا ومن باب الإشارة والتأويل في الآية : { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } المأخوذ بدلائل العقل بتوحيد الأفعال والصفات { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ * طُورِ } الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها ، أو أشار سبحانه بالطور إلى موسى القلب ، وبرفعه إلى علوه واستيلائه في جو الإرشاد وقلنا { خُذُواْ } أي اقبلوا { مَا ءاتيناكم } [ البقرة : 3 6 ] من كتاب العقل الفرقاني بجد ، وَعُوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق ثم أعرضتم باقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك فلولا حكمة الله تعالى بامهاله وحكمه بافضاله لعاجلتكم العقوبة ولحل بكم عظيم المصيبة .
إلى الله يدعى بالبراهين من أبى ... فإن لم يجب بادته بيض الصوارم

(1/351)


وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)

{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت } اللام واقعة في جواب قسم مقدر ، و عَلِمَ عنا كعرف فلذلك تعدت إلى واحد ، وظاهر هذا أنهم علموا أعيان المعتدين ، وقدر بعضهم مضافاً أي اعتداء الذين ، وقيل : أحكامهم ، و { مّنكُمْ } في موضع الحال ، و ( السبت ) اسم لليوم المعروف وهو مأخوذ من السبت الذي هو القطع لأنه سبت فيه خلق كل شيء وعمله ، وقيل : من السبوت وهو الراحة والدعة . والمراد به هنا اليوم والكلام على حذف مضاف أي في حكم السبت لأن الاعتداء والتجاوز لم يقع في اليوم بل وقع في حكمه بناء على ما حكي أن موسى عليه السلام أراد أن يجعل يوماً خالصاً للطاعة وهو يوم الجمعة فخالفوه وقالوا : نجعله يوم السبت لأن الله تعالى لم يخلق فيه شيئاً فأوحى الله تعالى إليه أن دعهم وما اختاروا ثم امتحنهم فيه فأمرهم بترك العمل وحرم عليهم فيه صيد الحيتان فلما كان زمن داود عليه السلام اعتدوا وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أيلة . وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حظر هناك وأخرج خرطومه وإذا مضى تفرقت فحفروا حياضاً وأشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت بالموج فلا تقدر على الخروج لبعد العمق وقلة الماء فيصطادونها يوم الأحد ، وروي أنهم فعلوا ذلك زماناً فلم ينزل عليهم عقوبة فاستبشروا وقالوا : قد أحل لنا العمل في السبت فاصطادوا فيه علانية وباعوا في الأسواق ، وعلى هذا يصح جعل اليوم ظرفاً للاعتداء ، ولا يحتاج إلى تقدير مضاف ، وقيل : المراد بالسبت هنا مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وليس بمعنى اليوم فحينئذ لا حاجة إلى تقدير مضاف إذ يؤول المعنى إلى أنهم اعتدوا في التعظيم وهتكوا الحرمة الواجبة عليهم . وقد ذكر بعضهم أن تسمية العرب للأيام بهذه الأسماء المشهورة حدثت بعد عيسى عليه السلام وأن أسماءها قبل غير ذلك وهي التي في قوله :
أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته ... فمونس أو عروبة أو شبار
واستدل بهذه الآية على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا وإلى ذلك ذهب الإمام مالك فلا تجوز عنده بحال ، قال الكواشي : وجوزها أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل ، وأجابوا عن التمسك بالآية بأنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهي عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها ولا يخفى ما في هذا الجواب ، وتحقيقه في «كتب الفقه2 .
{ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } القردة جمع قرد وهو معروف ويجمع فعل الاسم قياساً على فعول ، وقليلاً على فعلة ، و الخسو الصغار والذلة ويكون متعدياً ولازماً ، ومنه قولهم للكلب : اخسأ وقيل : الخسوء والخساء مصدر خسأ الكلب بَعُدَ ، وبعضهم ذكر الطرد عند تفسير الخسوء كالابعاد؛ فقيل : هو لاستيفاء معناه لا لبيان المراد ، وإلا لكان الخاسىء بمعنى الطارد ، والتحقيق أنه معتبر في المفهوم إلا أنه بالمعنى المبني للمفعول ، وكذلك الابعاد فالخاسىء الصاغر المبعد المطرود ، وظاهر القرآن أنهم مسخوا قردة على الحقيقة ، وعلى ذلك جمهور المفسرين وهو الصحيح وذكر غير واحد منهم أنهم بعد أن مسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا ولم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام ، وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام وماتوا في اليوم الثامن ، واختار أبو بكر بن العربي أنهم عاشوا وأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم ويرده ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟

(1/352)


" إن الله تعالى لم يهلك قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك " وروى ابن جرير عن مجاهد «أنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فلا تقبل وعظاً ولا تعي زجراً» فيكون المقصود من الآية تشبيههم بالقردة كقوله :
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن ( حجراً ) من يابس الصخر جلمداً
و { كُونُواْ } على الأول : ليس بأمر حقيقة ، لأن صيرورتهم ما ذكر ليس فيه تكسب لهم لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم ، بل المراد منه سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد من غير امتناع ولا لبث .
وعلى الثاني : يكون الأمر مجازاً عن التخلية والترك والخذلان كما في قوله صلى الله عليه وسلم : " اصنع ما شئت " وقد قرره العلامة في تفسير قوله تعالى : { لِيَكْفُرُواْ بِمَا ءاتيناهم وَلِيَتَمَتَّعُواْ } [ العنكبوت : 66 ] والمنصوبان خبران للفعل الناقص ، ويجوز أن يكون ( خاسئين ) حالا من الاسم ، ويجوز أن يكون صفة لقردة والمراد وصفهم يالصغار عند الله تعالى دفعاً لتوهم أن يجعل مسخهم وتعجيل عذابهم في الدنيا لدفع ذنوبهم ورفع درجاتهم .
واعترض أنه لو كان صفة لها لوجب أن يقول : خاسئة لامتناع الجمع بالواو والنون في غير ذوي العلم ، وأجيب بأن ذلك على تشبيههم بالعقلاء كما في { ساجدين } [ الأعراف : 120 ] أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء ، أو بأن المسخ إنما كان بتبدل الصورة فقط ، وحقيقتهم سالمة على ما روي أن الواحد منهم كان يأتيه الشخص من أقاربه الذين نهوهم ، فيقول له : ألم أنهك؟ فيقول : بلى ثم تسيل دموعه على خده ولم يتعرض في الآية بمسخ شيء منهم خنازير وروى عن قتادة أن الشباب صاروا قردة والشيوخ صاروا خنازير وما نجا إلا الذين نهوا ، وهلك سائرهم ، وقرىء { قِرَدَةً } بفتح القاف وكسر الراء و { *خاسين } بغير همز .

(1/353)


فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

{ فجعلناها نكالا } أي كينونتهم/ وصيرورتهم قردة أو المسخة أو العقوبة ، أو الآية المدلول عليها بقوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } [ البقرة : 5 6 ] وقيل : الضمير للقرية ، وقيل : للحيتان والنكال واحد الأنكال وهي القيود ونكل به فعل به ما يعتبر به غيره ، فيمتنع عن مثله { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } أي لمعاصريهم ومن خلفهم وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره وروي عنه أيضاً ( لما ) بحضرتها من القرى أي أهلها وما تباعد هنها أو للآتين والماضين وهو المختار عند جماعة فكل من ظرفي المكان مستعار للزمان ، و ( ما ) أقيمت مقام من إما تحقيراً لهم في مقام العظمة والكبرياء أو لاعتبار الوصف فإن ما يعبر بها عن العقلاء تعظيماً إذا أريد الوصف كقوله : «سبحان ما سخركن» وصحح كونها نكالاً للماضين أنها ذكرت في زبر الأولين فاعتبروا بها وصحت الفاء لأن جعل ذلك ( نكالاً ) للفريقين إنما يتحقق بعد القول والمسخ ، أو لأن الفاء إنما تدل على ترتب جعل العقوبة ( نكالا ) على القول وتسببه عنه سواء كان على نفسه أو على الاخبار به فلا ينافي حصول الاعتبار قبل وقوع هذه الواقعة بسبب سماع هذه القصة ، وقيل : اللام لام الأجل و ( ما ) على حقيقتها والنكال بمعنى العقوبة لا العبرة والمراد بما { بَيْنَ يَدَيْهَا } ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمك ، وب { مَا * خَلْفَهَا } ما بعدها ، والقول بأن المراد جعلنا المسخ عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة عنها يستدعي بقاءهم مكلفين بعد المسخ ولا يظهر ذلك إلا على قول مجاهد ، وحمل الذنوب التي بعد المسخة على السيآت الباقية آثارها ليس بشيء كما لا يخفى ، وقول أبي العالية إن المراد ب { مَا بَيْنَ * يَدَيْهَا } ما مضى من الذنوب ، وب { مَا * خَلْفَهَا } من يأتي بعد ، والمعنى فجعلناها عقوبة لما مضى من ذنوبهم؛ وعبرة لمن بعدهم منحط من القول جداً لمزيد ما فيه من تفكيك النظم والتكلف .
{ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } الموعظة ما يذكر مما يلين القلب ثواباً كان أو عقاباً والمراد بالمتقين ما يعم كل متق من كل أمة وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقيل : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : منهم ، ويحتمل أنهم اتعظوا بذلك وخافوا عن ارتكاب خلاف ما أمروا به ، ويحتمل أنهم وعظ بعضهم بعضاً بهذه الواقعة ، وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس لعبادته وجعلهم بحيث لو أهملوا وتركوا وخلوا بينهم وبين طباعهم لتوغلوا وانهمكوا في اللذات الجسمانية والغواشي الظلمانية لضروراتهم لهم واعتيادهم من الطفولية عليها .

(1/354)


والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فوضع الله تعالى العبادات ، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة ليزول عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في أزمنة ارتكاب الشهوات ، وجعل يوماً من أيام الأسبوع مخصوصاً للاجتماع على العبادة وإزالة وحشة التفرقة ودفع ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية ، فوضع السبت لليهود لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم والسبت آخر الأسبوع ، والأحد للنصارى لأن عالم العقل الذي إليه دعوتهم أول العوالم ، ويوم الأحد أول الأسبوع ، والجمعة للمسلمين لأنه يوم الجمع ، والختم فهو أوفق بهم وأليق بحالهم فمن لم يراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلاً زال نور استعداده ، وطفىء مصباح فؤاده ، ومسخ كما مسخ أصحاب السبت ، ومن غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات ورسخ فيه بحيث أزال استعداده ، وتمكن في طباعه ، وصار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا أطلق عليه اسم/ ذلك الحيوان حتى كأن صار طباعه طباعه ، ونفسه نفسه ، فليجهد المرء على حفظ إنسانيته ، وتدبير صحته بشراب الأدوية الشرعية والمعاجين الحكمية ، وليحث نفسه بالمواعظ الوعدية والوعيدية .
هي النفس إن تهمل تلازم خساسة ... وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج

(1/355)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)

{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } بيان نوع من مساويهم من غير تعديد النعم وصح العطف لأن ذكر النعم سابقاً كان مستملاً على ذكر المساوي أيضاً من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك ، وقد يقال : هو على نمط ما تقدم ، لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين ، وأخروية لكونه معجزة لموسى عليه السلام . وكأن مولانا الإمام الرازي خفي عليه ذلك فقال : إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات ، وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية وليس بالبعيد .
وأول القصة : قوله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا } [ البقرة : 2 7 ] الخ ، وكان الظاهر أن يقال قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في قاتله إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا ، وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساويهم التي قصد نعيها عليهم ، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال ، وترك المصارعة إلى الامتثال ، ولو أجرى على النظم لكانت قصة واحدة ، ولذهبت تثنية التقريع ، وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص ، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتاً وفوائد ، وقيل : إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه السلام على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى بذبح البقرة ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها لكن المشهور خلافه والقصة أنه عمد إخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما أخي أبيهما فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذلح بقرة وضربه ببعضها ليحيا ، ويخبر بقاتله ، وقيل : كان القاتل أخا القتيل ، وقيل : ابن أخيه ولا وارث له غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه ، وقيل : إنه كان تحت رجل يقال له عاميل بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لينكحها فكان ما كان ، وقرأ الجمهور ( يأمركم ) بضم الراء ، وعن أبي عمرو السكون والاختلاس وإبدال الهمزة ألفاً ، و { أَن تَذْبَحُواْ } من موضع المفعول الثاني ليأمر ، وهو على إسقاط حرف الجر أي بأن تذبحوا .
{ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } استئناف وقع جواباً عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل : فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الإمتثال أم لا؟ فأجيب بذلك ، والاتخاذ كالتصيير ، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، و { هُزُواً } مفعوله الثاني ولكونه مصدراً لا يصلح أن يكون مفعولاً ثانياً لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف كمكان ، أو أهل أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى :

(1/356)


{ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر } [ المائدة : 6 9 ] أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل ، وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى عليه السلام بذبح بقرة دون ذكر الإحياء بضربها ، وإما بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعاداً لما قاله واستخفافاً به كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق ، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به ، ولا يأبى ذلك انقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة ، ومن هنا قال بعضهم : إن إجابتهم نبيهم حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك دليل على سوء اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له/ إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله تعالى لما استفهموا هذا الاستفهام ، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب ، فهم قد كفروا بموسى عليه السلام . ومن الناس من قال : كانوا مؤمنين مصدقين ولكن جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية ، والعذر لهم أنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما بين السؤال والجواب توهموا أنه عليه السلام داعبهم ، أو ظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء ، فأجابوا بما أجابوا ، وقيل : استفهموا على سبيل الاسترشاد لا على وجه الانكار والعناد وقرأ عاصم وابن محيصن { *يتخذنا } بالياء على أن الضمير لله تعالى . وقرأ حمزة وإسمعيل عن نافع { *هزأ } بالإسكان ، وحفص عن عاصم بالضم وقلب الهمزة واواً ، والباقون بالضم والهمزة والكل لغات فيه .
{ هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } أي من أن أعد في عدادهم ، و الجهل كما قال الراغب له معان ، عدم العلم ، واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه ، وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً وهذا الأخير هو المراد هنا ، وقد نفاه عليه السلام عن نفسه قصداً إلى نفي ملزومه الذي رمي به وهو الاستهزاء على طريق الكناية وأخرج ذلك في صورة الاستعارة استفظاعاً له ، إذ الهزء في مقام الإرشاد كاد يكون كفراً وما يجري مجراه ، ووقوعه في مقام الاحتقار والتهكم مثل : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 1 2 ] سائغ شائع وفرق بين المقامين وذكر بعضهم أن الاستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه كما في قوله تعالى : { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } [ المؤمنون : 7 9 ] لأن الأنبياء معصومون عن مثل ذلك ، والأول أولى وهو المعروف من إيراد الاستعاذة في أثناء الكلام والفرق بين الهزء والمزح ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياناً كما لا يخفى .

(1/357)


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)

{ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } أي سل لأجلنا ربك الذي عوّدك ما عوّدك يظهر لنا ما حالها وصفتها ، فالسؤال في الحقيقة عن الصفة ، لأن الماهية ومسمى الاسم معلومان ولا ثالث لهما لتستعمل { مَا } فيه ، أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل وإلا فلمكان التعجب وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا معينة ، والجواب على الأول : بيان . وعلى الثاني : نسخ وتشديد ، وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب . وكان مقتضى الظاهر على الأول : أي لأنها للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتياً .
وعلى الثاني : كيف؟ لأنها موضوعة للسؤال عن الحال ، و { مَا } وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور ، وهو إما مجاز أو اشتراك كما صرح به في «المفتاح» والغالب السؤال بها عن الجنس ، فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب نزل مجعول الصفة لكونه على صفة لم يوجد عليها جنسه وهو إحياء الميت بضرب بعضه منزلة مجهول الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلاً ، وعن الصفة حقيقة . وإن أجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور ، والقول إنه يمكن أن يجعل { مَا هِىَ } على حذف مضاف أي ما حالها؟ فيكون سؤالاً عن نوع حال تفرع عليه هذه الخاصية على بعده خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز . و { مَا } استفهامية خبر مقدم لهي والجملة في موضع نصب بيبين لأنه معلق عنها ، وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب ، والمعنى : يبين لنا جواب هذا السؤال .
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } الفارض اسم للمسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر ، والفعل فرضت بفتح الراء وضمها ويقال لكل ما قدم/ وطال أمره فارض ومنه قوله :
يا رب ذي ضعن على ( فارض ) ... له قروء كقروء الحائض
وكأن المسنة سميت فارضا لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها ، و البكر اسم للصغيرة ، وزاد بعضهم التي لم تلد من الصغر وقال ابن قتيبة : هي التي ولدت ولداً واحداً ، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجال ، وقيل : هي التي لم تحمل ، والبكر من الأولاد الأول ، ومن الحاجات الأولى والبكر بفتح الباء الفتيّ من الإبل ، والأنثى بكرة وأصله من التقدم في الزمان ، ومنه البكرة والباكورة والاسمان صفة بقرة ولم يؤت بالتاء لأنهما اسمان لما ذكر ، واعترضت { لا } بين الصفة والموصوف وكررت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة خلافاً للمبرد وابن كيسان كقوله :

(1/358)


قهرت العدا ( لا مستعينا ) بعصبة ... ولكن بأنواع الخدائع والمكر
ومن جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدر مبتدأ أي لا هي فارض ولا بكر فقد أبعد ، إذ الأصل الوصف بالمفرد ، والأصل أيضاً أن لا حذف ، وذكر ( يقول ) للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه .
{ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } أي متوسطة السن ، وقيل : هي التي ولدت بطناً أو بطنين ، وقيل : مرة بعد مرة ويجمع على فعل كقوله :
طوال مثل أعناق الهوادي ... نواعم بين أبكار ( وعون )
ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر ، وفائدة هذا بعد { لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } نفي أن تكون عجلاً أو جنيناً ، وأراد من ذلك ما ذكر من الوصفين السابقين وبهذا صح الإفراد وإضافة ( بين ) إليه فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد وكون الكلام مما حذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه والتقدير عوان بين ذلك وهذا أي الفارض والبكر فيكون نظير قوله :
فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر ( إلا ليال ) قلائل
حيث أراد بين الخير وباعثه تكلف مستغنى عنه بما ذكر . واختار السجاوندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله تقول : سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك ، فالمشار إليه عوان وارتضاه بعض المحققين مدعياً أو أولى لئلا يفوت معنى بين ذلك لأن أهل اللغة قالوا : بقرة عوان ( لا فارض ولا بكر ) وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريد كما لا يخفى ، ثم إن عود الضمائر المذكورة في السؤال والجواب وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة لأن الأول : يدل على أن الكلام في البقرة المأمور بذبحها ، والثاني : يفيد أن المقصد تعيينها وإزالة إبهامها بتلك الصفات كما هو شأن الصفة لا أنها تكاليف متغايرة بخلاف ما إذا ذكر تلك الصفات بدون الإجراء ، وقيل : ( إنها لا فارض ولا بكر ) فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق ، والقول : بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة باعتقادهم فعينت تشديداً عليهم وإن لم يكن المراد منها أول الأمر معينة ليس بشيء لأنه حينئذ لم تكن الضمائر عائدة إلى ما أمروا بذبحها بل ما اعتقدوها ، والظاهر خلافه واللازم على هذا تأخير البيان عن وقت الخطاب وليس بممتنع والممتنع تأخيره عن وقت الحاجة إلا عند من يجوز/ التكليف بالمحال وليس بلازم إذ لا دليل على أن الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك ومن الناس من أنكروا ذلك وادعوا أن المراد بها بقرة من نوع البقر بلا تعيين وكان يحصل الامتثال لو ذبحوا أي بقرة كانت إلا أنها انقلبت مخصوصة بسؤالهم وإليه ذهب جماعة من أهل التفسير وتمسكوا بظاهر اللفظ فإنه مطلق فيترك على إطلاقه مع ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفاً لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم ، وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» عن عكرمة مرفوعاً مرسلاً وبأنه لو كانت معينة لما عنفهم على التمادي وزجرهم عن المراجعة إلى السؤال ، واللازم حينئذ النسخ قبل الفعل بناءاً على مذهب من يقول الزيادة على الكتاب نسخ كجماهير الحنفية القائلين بأن الأمر المطلق يتضمن التخيير وهو حكم شرعي والتقييد يرفعه وهو جائز بل واقع كما في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج ، والممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد بالاتفاق لأنه بداء وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وليس بلازم على ما قيل على أنه قيل : يمكن أن يقال : ليس ذلك بنسخ لأن البقرة المطلقة متناولة للبقرة المخصوصة وذبح البقرة المخصوصة ذبح للبقرة مطلقاً فهو امتثال للأمر الأولي فلا يكون نسخاً ، واعترض على كون التخيير حكماً شرعياً الخ بالمنع مستنداً بأن الأمر المطلق إنما يدل على إيجاب ماهية من حيث هي بلا شرط لكن لما تتحقق إلا في ضمن فرد معين جاء التخيير عقلاً من غير دلالة النص عليه وإيجاب الشيء لا يقتضي إيجاب مقدمته العقلية إذ المراد بالوجوب الوجوب الشرعي ، ومن الجائز أن يعاقب المكلف على ترك ما يشمله مقدمة عقلية ولا يعاقب على ترك المقدمة ، ونسب هذا الاعتراض لمولانا القاضي في منهياته وفيه تأمل وذكر بعض المحققين أن تحقيق هذا المقام أنه إن كان المراد بالبقرة المأمور بذبحها مطلق البقرة أي بقرة كانت فالنسخ جائز لأن شرط النسخ التمكن من الاعتقاد وهو حاصل بلا ريب ، وإن كان البقرة المعينة فلا يجوز النسخ لعدم التمكن من الاعتقاد حينئذ لأنه إنما حصل بعد الاستفسار فاختلاف العلماء في جواز النسخ وعدمه في هذا المقام من باب النزاع اللفظي فتدبر .

(1/359)


{ فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } أي من ذبح البقرة ولا تكرروا السؤال ولا تتعنتوا ، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من قول الله تعالى لهم ، ويحتمل أن تكون من قول موسى عليه السلام حرضهم على امتثال ما أمروا به شفقة منه عليهم ، و { مَا } موصولة والعائد محذوف أي ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به ، وقد شاع حذف الجار في هذا الفعل حتى لحق بالمتعدي إلى مفعولين فالمحذوف من أول الأمر هو المنصوب ، وأجاز بعضهم أن تكون { مَا } مصدرية أي فافعلوا أمركم ويكون المصدر بمعنى المفعول كما في قوله تعالى : { والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات : 6 9 ] على أحد الوجهين ، وفيه بعد لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل وإنما كثر في صيغة المصدر .

(1/360)


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

إسناد البيان في كل مرة إلى الله عز وجل لإظهار كمال المساعدة في إجابة مسؤولهم وصيغة الاستقبال لاستخضار الصورة والفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأبلغه والموصف به للتأكيد كأمس الدابر وكذا في قولهم أبيض ناصع ، وأسود حالك ، وأحمر قان ، وأخضر ناضر ، و ( لونها ) مرفوع بفاقع ولم يكتف بقوله صفراء فاقعة لأنه أراد تأكيد نسبة الصفرة فحكم عليها أنها صفراء ثم حكم على اللون أنه شديد الصفرة فابتدأ أولاً بوصف البقرة بالصفرة ثم أكد ذلك بوصف اللون بها فكأنه قال : هي صفراء ولونها شديد الصفرة ، وعن الحسن سوداء/ شديدة السواد ولا يخفى أنه خلاف الظاهر لأن الصفرة وإن استعملها العرب بهذا المعنى نادراً كما أطلقوا الأسود على الأخضر لكنه في الإبل خاصة على ما قيل في قوله تعالى : { جمالة صُفْرٌ } [ المراسلات : 33 ] لأن سواد الإبل تشوبه صفرة وتأكيده بالفقوع ينافيه لأنه من وصف الصفرة في المشهور ، نعم ذكر في «اللمع» أنه يقال : أصفر فاقع ، وأحمر فاقع ، ويقال : في الألوان كلها فاقع وناصع إذا أخلصت فعليه لا يرد ما ذكر ، ومن الناس من قال : إن الصفرة استعيرت هنا للسواد ، وكذا فاقع لشديد السواد وهو ترشيح ويجعل سواده من جهة البريق واللمعان وليس بشيء ، وجوز بعضهم أن يكون ( لونها ) مبتدأ وخبره إما ( فاقع ) أو الجملة بعده ، والتأنيث على أحد معنيين ، أحدهما : لكونه أضيف إلى مؤنث كما قالوا : ذهبت بعض أصابعه؛ والثاني : أنه يراد به المؤنث إذ هو الصفرة فكأنه قال : صفرتها تسر الناظرين ولا يخفى بعد ذلك . و السرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه أو رؤية أمر معجب رائق ، وأما نفسه فانشراح مستبطن فيه وبين السرور ، والحبور ، والفرح تقارب لكن السرور هو الخالص المنكتم سمي بذلك اعتباراً بالاسرار ، والحبور ما يرى حبره أي أثره في ظاهر البشرة وهما يستعملان في المحمود . وأما الفرح فما يحصل بطراً وأشراً ولذلك كثيراً ما يذم كما قال تعالى : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين } [ القصص : 6 7 ] والمراد به هنا عند بعض الإعجاب مجازاً للزومه له غالباً ، والجملة صفة البقرة أي تعجب الناظرين إليها . وجمهور المفسرين يشيرون إلى أن الصفرة من الألوان السارة ولهذا كان علي كرم الله تعالى وجهه يرغب في النعال الصفر ويقول من لبس نعلاً أصفر قل همه ، ونهى ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود لأنها تغم ، وقرىء يسر بالياء فيحتمل أن يكون ( لونها ) مبتدأ ويسر خبره ويكون ( فاقع ) صفة تابعة لصفراء على حد قوله :
وإني لأسقي الشرف ( صفراء فاقعا ) ... كأن ذكى المسك فيها يفتق
إلا أنه قليل حتى قيل : بابه الشعر ، ويحتمل أن يكون لونها فاعلاً بفاقع و يسر إخبار مستأنف .

(1/361)


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

{ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } إعادة للسؤال عن الحال والصفة لا لرد الجواب الأول بأنه غير مطابق وأن السؤال باق على حاله بل لطلب الكشف الزائد على ما حصل وإظهار أنه لم يحصل البيان التام .
{ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } تعليل لقوله تعالى : { ادع } كما في قوله تعالى : { صَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ } [ التوبة : 103 ] وهو اعتذار لتكرير السؤال أي إن البقر الموصوف بما ذكر كثير فاشتبه علينا ، والتشابه مشهور في البقر ، وفي الحديث : «فتن كوجوه البقر» أي يشبه بعضها بعضاً ، وقرأ يحيى وعكرمة والباقران الباقر وهو اسم لجماعة البقر ، والبقر اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء ومثله يجوز تذكيره وتأنيثه ك { نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } [ القمر : 0 2 ] { والنخل باسقات } [ ق : 0 1 ] وجمعه أباقر ، ويقال فيه : بيقور وجمع بواقر ، وفي «البحر» إنما سمي هذا الحيوان بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقها للحرث ، وقرأ الحسن { تشابه } بضم الهاء جعله مضارعاً محذوف التار وماضيه ( تشابه ) وفيه ضمير يعود على البقر على أنه مؤنث ، والأعرج كذلك إلا أنه شدد الشين ، والأصل تتشابه فأدغم ، وقرىء تشبه بتشديد الشين على صيغة المؤنث من المضارع المعلوم ، ويشبه بالياء والتشديد على صيغة المضارع المعلوم أيضاً ، وابن مسعود يشابه بالياء والتشديد جمعله مضارعاً من تفاعل لكنه أذغم التاء في الشين ، وقرىء مشتبه ومتشبه ويتشابه والأعمش متشابه ، ومتشابهة وقرىء تشابهت بالتخفيف ، وفي مصحف أبيّ بالتشديد ، واستشكل بأن التاء لا تدغم إلا في المضارع ، وليس في زنة الأفعال فعل ماض على تفاعل بتشديد الفاء ووجه بأن أصله / إن البقرة تشابهت فالتاء الأولى من البقرة؛ والثانية من الفعل فلما اجتمع مثلان أدغم نحو الشجرة تمايلت إلا أن جعل التشابه في بقرة ركيك ، والأهون القول بعدم ثبوت هذه القراءة فإن دون تصحيحها على وجه وجيه خرط القتاد ، ويشكل أيضاً تشابه من غير تأنيث لأنه كان يجب ثبوت علامته إلا أن يقال : إنه على حد قوله :
ولا أرض أبقل إبقالها ... وابن كيسان يجوزه في السعة .
{ وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ } أي إلى عين البقرة المأمور بذبحها ، أو لما خفي من أمر القاتل ، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا ، وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس مرفوعاً معضلاً وسعيد عن عكرمة مرفوعاً مرسلاً وابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعاً موصولاً أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لو لم يستثنوا لما تبينت لهم آخر الابد "

(1/362)


واحتج بالآية على أن الحوادث بارادة الله تعالى حيث علق فيما حكاه وجود الاهتداء الذي هو من جملة الحوادث بتعلق المشيئة وهي نفس الإرادة وما قصه الله تعالى في كتابه من غير نكير فهو حجة على ما عرف في محله ، وهذا مبني على القول بترادف المشيئة والإرادة ، وفيه خلاف وأن كون ما ذكر بالإرادة مستلزم لكون جميع الحوادث بها وفيه نظر واحتج أيضاً بها على أن الأمر قد ينفك عن الإرادة وليس هو الإرادة كما يقوله المعتزلة لأنه تعالى لما أمرهم بالذبح فقد أراد اهتداءهم في هذه الواقعة فلا يكون لقوله : إن شاء الله الدال على الشك وعدم تحقق الاهتداء فائدة بخلاف ما إذا قلنا : إنه تعالى قد يأمر بما لا يريد ، والقول بأنه يجوز أن يكون أولئك معتقدين على خلاف الواقع للانفكاك ، أو يكون مبنياً على ترددهم في كون الأمر منه تعالى يدفعه التقرير إلا أنه يرد أن الاحتجاج إنما يتم لو كان معنى { لَمُهْتَدُونَ } الاهتداء إلى المراد بالأمر أما لو كان المراد إن شاء الله اهتداءنا في أمر ما لكنا مهتدين فلا إلا أنه خلاف الظاهر كالقول بأن اللازم أن يكون المؤمور به وهو الذبح مراداً ولا يلزمه الاهتداء إذ يجوز أن يكون لتلك الإرادة حكمة أخرى بل هذا أبعد بعيد ، والمعتزلة والكرامية يحتجون بالآية على حدوث إرادته تعالى بناء على أنها والمشيئة سواء لأن كلمة ( إن ) دالة على حصول الشرط في الاستقبال وقد تعلق الاهتداء الحادث بها ، ويجاب بأن التعليق باعتبار التعلق فاللازم حدوث التعلق ولا يلزمه حدوث نفس الصفة وتوسط الشرط بين اسم ( إن ) وخبرها لتتوافق رؤوس الآي ، وجاء خبر ( إن ) اسماً لأنه أدل على الثبوت وعلى أن الهداية حاصلة لهم وللاعتناء بذلك أكد الكلام .

(1/363)


قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)

{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ } صفة { إِنَّهَا بَقَرَةٌ } وهو من الوصف بالمفرد ، ومن قال : هو من الوصف بالجملة ، وأن التقدير لا هي ذلول فقد أبعد عن الصواب ، و { لا } بمعنى غير ، وهو اسم على ما صرح به السخاوي وغيره لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها ، ويحتمل أن تكون حرفاً كالا التي بمعنى غير في مثل قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] و الذلول الريض الذي زالت صعوبته يقال : دابة ذلول بينة الذي بالكسر ، ورجل ذلول بين الذل بالضم .
{ تُثِيرُ الارض وَلاَ تَسْقِى الحرث } { لا } صلة لازمة لوجوب التكرار في هذه الصورة وهي مفيدة للتصريح بعموم النفي إذ بدونها يحتمل أن يكون لنفى الاجتماع ، ولذا تسمى المذكرة و الإثارة قلب الأرض للزراعة من أثرته إذا هيجته ، والحرث الأرض المهيأة للزرع أو هي شق الأرض ليبذر فيها ، ويطلق على ما حرث وزرع ، وعلى نفس الزرع أيضاً ، والفعلان صفتا ذلول والصفة يجوز وصفها على ما ارتضاه بعض النحاة وصرح به السمين والفعل الأول داخل في حيز النفي والمقصود نفي إثارتها الأرض أي لا تثير الأرض فتذل فهو من باب :
على لا حب لا يتهدي بمناره ... ففيه نفي للأصل والفرع معاً ، وانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم ، قال الحسن : كانت هذه البقرة وحشية ولهذا وصفت بأنها { لا * تُثِيرُ الارض } الخ ، وذهب قوم إلى أن تثير مثبت لفظاً ومعنى؛ وأنه أثبت للبقرة أنها تثير الأرض وتحرثها ونفى عنها سقي الحرث ، ورد بأن ما كان يحرث لا ينتفي عنه كونه ذلولاً ، وقال بعض : المراد إنها تثير الأرض بغير الحرث بطراً ومرحاً ، ومن عادة البقر إذا بطرت تضرب بقرونها وأظلافها فتثير تراب الأرض فيكون هذا من تمام قوله : { لاَّ ذَلُولٌ } لأن وصفها بالمرح والبطر دليل على ذلك وليس عندي بالبعيد وذهب بعضهم كما في الكواشي إلى أن جملة { تُثِيرُ } في محل نصب على الحال ، قال ابن عطية : ولا يجوز ذلك لأنها من نكرة ، واعترض بأنه إن أراد بالنكرة بقرة فقد وصفت ، والحال من النكرة الموصوفة جائزة جوازاً حسناً وإن أراد بها { لاَّ ذَلُولٌ } فمذهب سيبويه جواز مجيء الحال من النكرة وإن لم توصف ، وقد صرح بذلك في مواضع من كتابه اللهم إلا أن يقال : إنه تبع الجمهور في ذلك وهم على المنع وجعل الجملة حالاً من الضمير المستكن في ذلول أي : لا ذلول في حال إثارتها ليس بشيء ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : { لاَّ ذَلُولٌ } بالفتح فلا للتبرئة ، والخبر محذوف أي هناك ، والمراد مكان وجدت هي فيه ، والجملة صفة ذلول ، وهو نفي لأن توصف بالذل ، ويقال : هي ذلول بطريق الكناية لأنه لو كان في مكان البقرة لكانت موصوفة به ضرورة اقتضاء الصفة للموصوف ، فلما لم يكن في مكانها لم تكن موصوفة به ، فهذا كقولهم محل فلان مظنة الجود والكرم ، وهذا أولى مما قيل : إن { تُثِيرُ } خبر { لا } والجملة معترضة بين الصفة والموصوف لأنه أبلغ كما لا يخفى ، وبعضهم خرج القراءة على البناء نظراً إلى صورة { لا } كما في كنت بلا مال بالفتح ، وليس بشيء لأن ذلك مقصور على مورد السماع ، وليس بقياسي على ما يشعر به كلام الرضى وقرىء { تَسْقِى } بضم حرف المضارعة من أسقى بمعنى سقى ، وبعض فرق بينهما بأن سقى لنفسه ، وأسقى لغيره كماشيته وأرضه .

(1/364)