صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 8 9 ] وحملها على الذهب والفضة لأنهما يسميان حجراً كما في «القاموس» دون هذين القولين ، الأصح أولهما : عند المحدثين وثانيهما : عند الزمخشري؛ ويشير إليه كلام الشيخ الأكبر قدس سره . وأل فيها على كل ليست للعموم ، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها له ، ويكون المعنى أن النار التي وعدوا بها صالحة لأن تحرق ما ألقي فيها من هذين الجنسين؛ فعبر عن صلاحيتها واستعدادها بالأمر المحقق ، وذكر الناس والحجارة تعظيماً لشأن جهنم وتنبيهاً على شدة وقودها ليقع ذلك في النفوس أعظم موقع ويحصل به من التخويف ما لا يحصل بغيره وليس المراد الحقيقة وهوخلاف الظاهر والمتبادر من الآيات ، ويوشك أن يكون سوء ظن بالقدرة ولا يتوهم من الاقتصار على هذين الجنسين أن لا يكون في النار غيرهما بدليل ما ذكر في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها أيضاً ، نعم قال سيدي الشيخ الأكبر قدس سره : أنهم لهبها وأولئك جمرها ، وبدأ سبحانه بالناس لأنهم الذين يدركون الآلام أو لكونهم أكثر إيقاداً من الجماد لما فيهم من الجلود واللحوم والشحوم ولأن في ذلك مزيد التخويف ، وإنما عرف النار وجعل الجملة صلة وأنها يجب أن تكون قصة معلومة لأن المنكر في سورة التحريم نزل أولاً فسمعوه بصفته فلما نزل هذا بعد جاء معهوداً فعرف وجعلت صفته صلة وكون الصفة كذلك الخطيب فيه هين لما أن المخاطب هناك المؤمنون ، وظاهر أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن في كون سورة التحريم نزلت أولاً مقالاً فتأمل (1/225)
{ أُعِدَّتْ للكافرين } ابتداء كلام قطع عما قبله مع أن مقتضى الظاهر أن يعطف على الصلة السابقة اعتناء بشأنه بجعله مقصوداً بالذات بالإفادة مبالغة في الوعيد ، وجعله استئنافاً بيانياً بأن يقدر لمن أعدت أو لمَ كان وقودها كذا وكذا ، فمع عدم مساعدة عطف بشر الآتي على البناء للمفعول عليه لأنه لا يصلح للجواب إلا أن يقال المعطوف على الاستئناف لا يجب أن يكون استئنافاً يأبى عنه الذوق ، أما الأول : فلأن السياق لا يقتضيه ، وأما الثاني : فلأن المقصد من الصلة التهويل ، فالسؤال بلمَ كان شأن النار كذا مما لا معنى له ، والجواب غير واف به وجعله حالاً من النار باضمار قد والخبر من أجزاء الصلة لذي الحال لا من ضمير { وَقُودُهَا } للجمود أو لوقوع الفصل بالخبر الأجبني حينئذ ليس بشيء إذ لا يحسن التقييد بهذه الحال إلا أن يقال إنها لازمة بمنزلة الصفة فيفيد المعنى الذي تفيده الصلة ، ولذا قيل : إنها صلة بعد صلة وتعدد الصلات كالصفات والاخبار كثير بعاطف وبدونه كما نص عليه الإمام المرزوقي وإن لم يظفر به السعد ، أو معطوف بحذف الحرف كما صرح به ابن مالك وجعله صلة .
و { وَقُودُهَا الناس } إما معترضة للتأكيد أو حال مما لا ينبغي أن يخرج عليه التنزيل ، ومعنى : { أُعِدَّتْ } هيئت ، وقرأ عبد الله ( اعتدت ) من العتاد بمعنى العدة ، وابن أبي عبلة ( أعدها الله للكافرين ) والمراد إما جنسهم والمخاطبون داخلون فيهم دخولاً أولياً أو هم خاصة ووضع الظاهر موضع ضميرهم حينئذ لذمهم وتعليل الحكم بكفرهم وكون الإعداد للكافرين لا ينافي دخول غيرهم فيها على جهة التطفل فلا حاجة إلى القول بأن نار العصاة غير نار الكفار . ثم ما يتبادر من الآية الكريمة أن النار مخلوقة الآن والله تعالى أعلم بمكانها في واسع ملكه ، وجعل المستقبل لتحققه ماضياً ك { نفخ في الصور } [ الكهف : 99 ] والإعداد مثله في { أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً } [ الأحزاب : 5 3 ] كما يقول المعتزلة خلاف الظاهر ، والذي ذهب أهل الكشف إليه أنها مخلوقة غير أنها لم تتم وهي الآن عندهم دار حرروها هواء محترق لا جمر لها ألبتة ومن فيها من الزبانية في رحمة منعمون يسبحون الله تعالى لا يفترون وتحدث فيها الآلام بحدوث أعمال الإنس والجن الذين يدخلونها ، ولذا يختلف عذاب داخليها وحدها بعد الفراغ من الحساب ودخول/ أهل الجنة الجنة من مقعر فك الثوابت إلى أسفل السافلين ، فهذا كله يزاد إلى ما هو الآن . ولذا كان يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : إذا رأى البحر يا بحر متى تعود ناراً ، وكان يكره الوضوء بمائه ويقول : التيمم أحب إلي منه وقال تعالى : { وَإِذَا البحار سُجّرَتْ } [ التكوير : 6 ] أي أججت ، وليس للكفار اليوم مكث فيها وإنما يعرضون عليها كما قال تعالى : { بُكْرَةً وَعَشِيّاً } [ مريم : 2 6 ] وهي ناران حسية مسلطة على ظاهر الجسم ، والإحساس والحيوانية ، ومعنوية وهي : { التى تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة } [ الهمزة : 7 ] وبها يعذب الروح المدبر للهيكل الذي أمر فعصى ، والمخالفة وهي عين الجهل بمن استكبر عليه أشد العذاب ، وقد أطالوا الكلام في ذلك وأتوا بالعجب العجاب ، وحقيق الأمر عندي لا يعلمها إلا الله تعالى ولا شيء أحسن من التسليم لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيفية ما في تلك النشأة الأخروية مما لا يمكن أن تعلم كما ينبغي لمن غرق في بحار العلائق الدنيوية وماذا على إذا آمنت بما جاء مما أخبر به الصادق من الأمور السمعية مما لا يستحيل على ما جاء وفوضت الأمر إلى خالق الأرض والسماء أسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه . (1/226)
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)
{ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ * الصالحات } لما ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدم الكفار وما يؤول إليه حالهم في الآخرة وكان في ذلك أبلغ التخويف والإنذار عقب بالمؤمنين وما لهم جرياً على السنة الإلهية من شفع الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد لأن من الناس من لا يجديه التخويف ولا يجديه وينفعه اللطف ، ومنهم عكس ذلك فكأن هذا وما بعده معطوف على سابقه عطف القصة على القصة ، والتناسب بينهما باعتبار أنه بيان لحال الفريقين المتباينين وكشف عن الوصفين المتقابلين ، وهل هو معطوف على { وَإِن كُنتُمْ } [ البقرة : 3 2 ] إلى { أُعِدَّتْ } [ البقرة : 4 2 ] أو على { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } [ البقرة : 4 2 ] الآية قولان؟ اختار السيد أولهما ، وادعى بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة ، وادعى لتلائم النظم لأن { ياأيها الناس اعبدوا } [ البقرة : 1 2 ] خطاب عام يشمل الفريقين { وَإِن كُنتُمْ } [ البقرة : 23 ] الخ مختص بالمخالف ومضمونه الإنذار { وَبَشّرِ } الخ مختص بالموافق ومضمونه البشارة كأنه تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى عبادته ، ثم أمر أن ينذر من عاند ويبشر من صدق ، والسعد اختار ثانيهما لأن السوق لبيان حال الكفار ووصف عقابهم . وقيل عطف على { فاتقوا } [ البقرة : 4 2 ] وتغاير المخاطبين لا يضر ك { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا واستغفرى } [ يوسف : 9 2 ] وترتبه على الشرط بحكم العطف باعتبار أن اتقوا إنذار وتخويف للكفار { وَبَشّرِ } تبشيراً للمؤمنين ، وكل منهما مترتب على عدم المعارضة بعدم التحدي لأن عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم استيجاب منكره العقاب ، ومصدقه الثواب لأن الحجة تمت والدعوة كملت ، واستيجابهما إياهما يقتضي الإنذار والتبشير ، فترتب الجملة الثانية على الشرط ترتب الأولى عليه بلا فرق ، وقد يقال إن الجزاء ( فآمنوا ) محذوفاً والمذكور قائم مقامه؛ فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فآمنوا { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك ووضع الظاهر موضع الضمير ، وفيه حث لهم على الإيمان ، ولعله أقل مؤنة . واختار صاحب «الإيضاح» عطفه على أنذر مقدراً بعد جملة { أُعِدَّتْ } وقيل : عطف على قل قبل { وَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } وتقديره قبل { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } [ البقرة : 1 2 ] يحوج إلى إجراء { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة : 3 2 ] على طريقة كلام العظماء ، أو تقدير قال الله بعد قل ، والبشارة بالكسر والضم اسم من بشر بشراً وبشوراً وتفتح الباء فتكون بمعنى الجمال ، وفي الفعل لغتان ، التشديد وهي العليا ، والتخفيف وهي لغة أهل تهامة ، وقرىء بهما في المضارع في مواضع والتكثير في المشدد بالنسبة إلى المفعول ، فإن واحداً كان فعل فيه مغنياً عن فعل ، وفسروها في المشهور ، وصحح بالخبر السار الذي ليس عند المختبر علم به ، واشترط بعضهم أن يكون صدقاً ، وعن سيبويه إنها خبر يؤثر في البشرة حزناً أو سروراً وكثر استعماله في الخير ، وصححه في «البحر» (1/227)
{ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 1 2 ] ظاهر عليه ، ومن باب التهكم/ على الأول والمأمور بالتبشير البشير النذير صلى الله عليه وسلم ، وقيل : كل من يتأتى منه ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم «بشر المشائين إلى المساجد» الحديث ففيه رمز إلى أن الأمر لعظمته حقيق بأن يتولى التبشير به كل من يقدر عليه ويكون هناك مجاز إن كان الضمير موضوعاً لجزئي بوضع كلي وإلا ففي الحقيقة والمجاز كلام في محله ، ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيماً لشأنهم وإيذاناً تاماً فإنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنئوا بما أعد لهم ، وقيل : تغيير للأسلوب لتخييل كمال التباين بين حال الفريقين ، وعندي أنه سبحانه لما كسى رسوله صلى الله عليه وسلم حلة عبوديته في قوله : { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة : 3 2 ] ناسب أن يطرزها بطراز التكليف بما يزيد حب أحبابه له فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم ، وفي ذلك من اللطف به صلى الله عليه وسلم وبهم ما لا يخفى . (1/228)
وقرأ زيد بن علي ( وبشر ) مبنياً للمفعول وهو معطوف على { أُعِدَّتْ } [ البقرة : 4 2 ] كما اشتهر ، وقيل : إنه خبر معنى الأمر فتوافق القراءتان معنى وعطفاً ، وتعليق التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح لكن لا لذاتهما بل بجعل الشارع ومقتضى وعده ، وجعل صلته فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة الفاعل لحث المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان وتحذيرهم من الاستمرار على الكفر ، ثم لا يخفى أن كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي انتفاء البشارة عند انتفائه فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرد الجنة كما هو رأي المعتزلة على أن مفهوم المخالفة ظني لا يعارض النصوص الدالة على أن الجنة جزاء مجرد الإيمان ، ومتعلق { ءامَنُواْ } مما لا يخفى ، وقدره بعضهم هنا بأنه منزل من عند الله عز وجل ، و ( الصالحات ) جمع صالحة وهي في الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح صلوحاً وصلاحاً خلاف فسدت ، ثم غلبت على ما سوغه الشرع وحسنه ، وأجريت مجرى الأسماء الجامدة في عدم جريها على الموصوف وغيره ، وتأنيثها على تقدير الخلة وللغلبة ترك ، ولم تجعل التاء للنقل لعدم صيرورتها اسماً و أل فيها للجنس لكن لا من حيث تحققه في الأفراد إذ ليس ذلك في وسع المكلف ولو أريد التوزيع يلزم كفاية عمل واحد بل في البعض الذي يبقى مع إرادته معناه الأصلي الجنسية مع الجمعية وهو الثلاثة أو الاثنان ، والمخصص حال المؤمن فما يستطيع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد ، فالمؤمن الذي لم يعمل أصلاً أو عمل عملاً واحداً غير داخل في الآية ، ومعرفة كونه مبشراً من مواقع أخر ، وبعضهم جعل فيها شائبة التوزيع بأن يعمل كل ما يجب من الصالحات إن وجب قليلاً كان أو كثيراً ، وأدخل من أسلم ومات قبل أن يجب عليه شيء أو وجب شيء واحد ، وليس هذا توزيعاً في المشهور كركب القوم دوابهم إذ قد يطلق أيضاً على مقابلة أشياء بأشياء أخذ كل منها ما يخصه سواء الواحد الواحد كالمثال أو الجمع الواحد كدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العكس كلبس القوم ثيابهم ومنه
{ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } [ المائدة : 6 ] والسيد يسمي هذا شائبة التوزيع . (1/229)
{ أَنَّ لَهُمْ جنات * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار } أراد سبحانه : { بِأَنَّ لَهُمُ } الخ لتعدي البشارة بالباء فحذف لاطراد حذف الجار مع أنّ ، وأن بغير عوض لطولهما بالصلة ، ومع غيرهما فيه خلاف مشهور ، وفي المحل بعد الحذف قولان ، النصب بنزع الخافض كما هو المعروف في أمثاله ، والجر لأن الجار بعد الحذف قد يبقى أثره ولام الجر للاستحقاق وكيفيته مستفادة من خارج ولا استحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذي لا يخلفه فضلاً وكرماً لكن بشرط الموت على الإيمان ، والجنة في الأصل المرة من الجن بالفتح مصدر جنه إذا ستره ، ومدار التركيب على الستر ثم سمي بها البستان الذي سترت أشجاره أرضه أو كل أرض فيها شجر ونخل/ فإن كرم ففردوس ، وأطلقت على الأشجار نفسها ووردت في شعر الأعشى بمعنى النخل خاصة ثم نقلت وصارت حقيقة شرعية في دار الثواب إذ فيها من النعيم «مالا ، ولا» مما هو مغيب الآن عنا ، وجمعت جمع قلة في المشهور لقلتها عدداً كقلة أنواع العبادات ولكن في كل واحدة منها مراتب شتى ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال ، وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها سبع لم يقف على ثبوته الحفاظ ، وتنوينها إما للتنويع أو للتعظيم ، وتقديم الخبر لقرب مرجع الضمير وهو أسر للسامع ، والشائع التقديم إذا كان الاسم نكرة ك { إِنَّ لَنَا لاجْرًا } [ الأعراف : 3 11 ] وتحت ظرف مكان لا يتصرف فيه بغير ( من ) كما نص عليه أبو الحسن ، والضمير للجنات فإن أريد الأشجار فذاك مع ما فيه قريب في الجملة وإن أريد الأرض قيل من تحت أشجارها أو عاد عليها باعتبار الأشجار استخداماً ونحوه ، وقيل : إن تحت بمعنى جانب كداري تحت دار فلان وضعف كالقول من تحت أوامر أهلها وقيل : منازلها ، وإن أريد مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية كما قيل بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق الجنة على الكل والوارد في الأثر الصحيح عن مسروق إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود ، وهذا في أرض حصباؤها الدر والياقوت أبلغ في النزهة وأحلى في المنظر وأبهج للنفس :
وتحدث الماء الزلال مع الحصى ... فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى
والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح ، وأصله الشق ، والتركيب للسعة ولو معنوية كنهر السائل بناءً على أنه الزجر البليغ فأطلق على ما دون البحر وفوق الجدول ، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في المجرى المتسع؟ قولان : أشهرهما الأول ، وعليه فالمراد مياهها أو ماؤها ، وتأنيث { تَجْرِى } رعاية للمضاف إليه أو للفظ الجمع ، وفي الكلام مجاز في النقص أو في الطرف ( أولا ، ولا ) والإسناد مجازي ، و أل للعهد الذهني قيل : أو الخارجي لتقدم ذكر الأنهار في قوله تعالى : { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء } [ محمد : 5 1 ] الآية فإنها مكية على الأصح ، وذي مدنية نزلت بعدها ، واستبعده السيد والسعد ، وقيل : عوض عن المضاف إليه أي أنهارها وهو مذهب كوفي ، وحملها على الاستغراق على معنى يجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو وصف لدار الثواب بأن أشجارها على شواطىء الأنهار وأنهارها تحت ظلال الأشجار أبرد من الثلج ، ولا يخفى الكلام على جمع القلة . (1/230)
{ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } صفة ثانية لجنات أخرت عن الأولى لأن جريان الأنهار من تحتها وصف لها باعتبار ذاتها ، وهذا باعتبار سكانها أو خبر مبتدأ محذوف أي هم والقرينة ذكره في السابقة واللاحقة ، وكون الكلام مسوقاً لبيان أحوال المؤمنين ، وفائدة حذف هذا المبتدأ تحقق التناسب بين الجمل الثلاثة صورة لأسميتها ، ومعنى لكونها جواب سؤال كأنه قيل : ما حالهم في تلك الجنات؟ فأجيب بأن لهم فيها ثماراً لذيذة عجيبة وأزواجاً نظيفة { وَهُمْ فِيهَا خالدون } وتقدير المبتدأ هو أو هي للشأن أو القصة ليس بشيء بناءً على أنه لا يجوز حذف هذا الضمير ، وإذا لم تدخله النواسخ لا بد أن يكون مفسره جملة اسمية ، نعم جاز تقدير هي للجنات والجملة خبر إلا أن التناسب أنسب أو جملة مستأنفة كأنه لما وصف الجنات بما ذكر وقع في الذهن أن ثمارها كثمار جنات الدنيا أولاً فبين حالها { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج } زيادة في الجواب ولو قدر السؤال نحو ألهم في الجنات لذات كما في هذه الدار أم أتم وأزيد؟ كان أصح وأوضح ، وأجاز أبو البقاء كونها حالاً من { الذين } أو من { جنات } لوصفها وهي حينئذٍ حال مقدرة والأصل في الحال المصاحبة ، والقول بأنها صفة مقطوعة دعوى موصولة بالجهل بشرط القطع وهو علم السامع باتصاف المنعوت بذلك النعت وإلا لاحتاج إليه ولا قطع مع الحاجة ، و { كُلَّمَا } نصب على الظرفية ب { قَالُواْ } ، و { رِزْقاً } مفعول ثان لرزقوا كرزقه مالاً أي أعطاه ، وليس مفعولاً مطلقاً مؤكداً لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف ، والتأسيس خير من التأكيد مع اقتضاء ظاهر ما بعده له ، وتنكيره للتنويع أو للتعظيم أي نوعاً لذيذاً غير ما تعرفونه ، و ( من ) الأولى والثانية للابتداء قصد بهما مجرد كون المجرور بهما موضعاً انفصل عنه الشيء ، ولذا لا يحسن في مقابلتها نحو إلى وهما ظرفان مستقران واقعان حالاً على التداخل ، وصاحب الأولى : { رِزْقاً } والثانية : ضميره المستكن في الحال ، والمعنى كل حين رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة ، والشائع كونهما لغواً ، والرزق قد ابتدأ من الجنات ، والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وجعل بمنزلة أن تقول : أعطاني فلان ، فيقتل : من أين؟ فتقول : من بستانه ، فيقول : من أي ثمرة؟ فتقول : من الرمان ، وتحريره أن { رُزِقُواْ } جعل مطلقاً مبتدأ من الجنات ثم جعل مقيداً بالابتداء من ذلك مبتدأ من ثمرة ، وعلى القولين لا يرد أنهم منعوا تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد والآية تخالفه ، أما على الأول فظاهر ، وأما على الثاني فلأن ذاك إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداءً من غير تبعية .
وما نحن فيه ليس كذلك للإطلاق والتقييد والمراد من الثمرة على هذا النوع كالتفاح والرمان لا الفرد لأن ابتداء الرزق من البستان من فرد يقتضي أن يكون المرزوق قطعة من لا جميعه وهو ركيك جداً ، ويحتمل أن تكون الثانية مبينة للمرزوق والظرف الأول لغو والثاني مستقر خلافاً لمن وهم فيه وقع حالاً من النكرة لتقدمه عليها ولتقدمها تقديراً جاز تقديم المبين على المبهم ، والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجنأة الواحدة ولم يلتفت المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول ، و { رِزْقاً } مصدر مؤكد أو في موقع الحال من { رِزْقاً } لبعده مع أن الأصل التبيين والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزأ لمجرورها لا جزئياً فتأتي الركاكة ههنا ، وجمع سبحانه بين { مِنْهَا } و { مِن ثَمَرَةٍ } ولم يقل من ثمرها بدل ذلك لأن تعلق { مِنْهَا } يفيد أن سكانها لا تحتاج لغيرها لأن فيها كل ما تشتهي الأنفس ، وتعلق { مِن ثَمَرَةٍ } يفيد أن المراد بيان المأكول على وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق ، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا ويكفي إحساس أفراده وهذا كقولك مشيراً إلى نهر جار هذا الماء لا ينقطع أو إلى شخصه ، والإخبار عنه ب ( الذي ) الخ على جعله عينه مبالغة أو تقدير مثل الذي رزقناه من قبل أي في الدنيا ، والحكمة في التشابه أن النفس تميل إلى ما يستطاب وتطلب زيادته . (1/231)
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع
وهذا مختلف بحسب الأحوال والمقامات ، أو لتبيين المزية وكنه النعمة فيما رزقوه هناك إذ لو كان جنساً لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك أو في الجنة ، والتشابه في الصورة إما مع الاختلاف في الطعم كما روي عن الحسن : «إن أحدهم يؤتي بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك؟ فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف» أو مع التشابه في الطعم أيضاً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها " فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك ، والداعي لهم لهذا القول فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم . (1/232)
/ والمشهور أن كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى مما يقدم في الآخرة لأن ( كلما ) تفيد العموم ولا يتصور قولهم ذلك في أول ما قدم إليهم ، وقيل : كون المراد بها في الآخرة أولى لئلا يلزم انحصار ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في الدنيا مع أن فيها ما علمت وما لم تعلم ، على أن فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقته لمتشابها بعد فإنه في رزق الجنة أظهر ، وإعادة الضمير إلى المرزوق في الدارين تكلف وستسمعه بمنه تعالى ، وفي الآية محمل آخر يميل إليه القلب بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة ، وهذا جزاء مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله تعالى : { ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ العنكبوت : 55 ] أي جزاءه فالذي رزقناه مجاز مرسل عن جزائه بإطلاق اسم المسبب على السبب ولا يضر في ذلك أن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من الجزاء كما لا يخفى أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر ، وقيل : أرض الجنة قيعان يظهر فيها أعمال الدنيا كما يشير إليه بعض الآثار فثمرة النعيم ما غرسوه في الدنيا فتدبر { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } تذييل للكلام السابق وتأكيد له بما يشتمل على معناه لا محل له من الإعراب ، ويحتمل الاستئناف والحالية بتقدير ( قد ) وهو شائع ، وحذف الفاعل للعلم به وهو ظاهراً الخدم والولدان كما يشير إليه قراءة هارون والعتكي ( وأتوا ) على الفاعل وفيها إضمار لدلالة المعنى عليه ، وقد أظهر ذلك في قوله تعالى : { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ } إلى قوله سبحانه : { وفاكهة مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } [ الواقعة : 7 1 0 2 ] والضمير المجرور إما على تقدير أن يراد من قبل في الدنيا فراجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان : { هذا } و { الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } وهو المرزوق في الدارين أي أوتوا بمرزق الدارين متشابهاً بعضه بالبعض ويسمى هذا الطريق بالكناية الإيمائية ولو رجع إلى الملفوظ لقيل بهما ، وعبر عما بعضه ماض وبعضه مستقبل بالماضي لتحقق وقوعه ، وفي «الكشف» أن المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما ، وإما على تقدير أن يراد في الجنة فراجع إلى الرزق أي أوتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد .
قال أبو حيان : والظاهر هذا لأن مرزوقهم في الآخرة هو المحدث عنه والمشبه بالذي رزقوه من قبل ولأن هذه الجملة إنما جاءت محدثاً بها عن الجنة وأحوالها وكونه يخبر عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابه ليس من حديث الجنة إلا بتكلف ، ولا يعكر على دعوى متشابه ما في الدارين ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : «ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء» لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وهو حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم وإن لم يكن في المقدار والطعم ، وتحريره أن إطلاق الأسماء عليها لكونها على الاستعارة يقتضي الاشتراك فيما هو مناطها وهو الصورة ، وبذلك يتحقق التشابه بينهما فالمستثنى في الأثر الأسماء وما هو مناطها بدلالة العقل { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خالدون } صفة ثالثة ورابعة للجنات وأوردت الأوليتان بالجملة الفعلية لإفادة التجدد ، وهاتان بالإسمية لإفادة الدوام ، وترك العاطف في البعض مع إيراده في البعض قيل : للتنبيه على جواز الأمرين في الصفات ، واختص كل بما اختص به لمناسبة لا تخفى ، وذهب أبو البقاء إلى أن هاتين الجملتين مستأنفتان ، وجوز أن تكون الثانية حالاً من ضمير الجمع في : ( لهم ) والعامل فيها معنى الاستقرار والأزواج جمع قلة وجمع الكثرة زوجة كعود وعودة ولم يكثر استعماله في الكلام ، قيل : ولهذا استغنى عنه بجمع القلة توسعاً ، وقد ورد في الآثار ما يدل على كثرة الأزواج في الجنة من الحور وغيرهن ، ويقال : الزوج للذكر والأنثى ، ويكون لأحد المزدوجين ولهما معاً ، ويقال : للأنثى زوجة في لغة تميم وكثير من قيس ، والمراد هنا بالأزواج النساء اللاتي تختص بالرجل لا يشركه فيها غيره ، وليس في المفهوم اعتبار التوالد الذي هو مدار بقاء/ النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج الجنة لخلودهم فيها واستغنائهم عن الأولاد ، على أن بعضهم صحح التوالد فيها وروى آثاراً في ذلك لكن على وجه يليق بذلك المقام ، وذكر بعضهم أن الأولاد روحانيون والله قادر على ما يشاء . ومعنى كونها مطهرة أن الله سبحانه نزههن عن كل ما يشينهن ، فإن كن من الحور كما روي عن عبد الله فمعنى التطهر خلقهن على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولا خارجي ، وإن كن من بني آدم كما روي عن الحسن : «من عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب» فالمراد إذهاب كل شين عنهن من العيوب الذاتية وغيرها . (1/233)
والتطهير كما قال الراغب يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعاً ، فيكون عاماً هنا بقرينة مقام المدح لا مطلقاً منصرفاً إلى الكامل ، وكمال التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل ، فإن المعهود من إرادة الكامل إرادة أعلى أفراده لا الجميع ، وقرأ زيد بن علي ( مطهرات ) بناءً على طهرن لا طهرت كما في الأولى ولعلها أولى استعمالاً ، وإن كان الكل فصيحاً لأنهم قالوا : جمع ما لا يعقل إما أن يكون جمع قلة أو كثرة ، فإن كان جمع كثرة فمجىء الضمير على حد ضمير الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات ، وإن كان جمع قلة فالعكس ، وكذلك إذا كان ضميراً عائداً على جمع العاقلات الأولى فيه النون دون التاء ك { بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } [ البقرة : 234 ] و { يُرْضِعْنَ أولادهن } [ البقرة : 233 ] ولم يفرقوا في هذا بين جمع القلة والكثرة ، ومجىء هذه الصفة مبينة للمفعول ، ولم تأت طاهرة وصف من طهر بالفتح على الأفصح ، أو طهر بالضم ، وعلى الأول قياس ، وعلى الثاني شاذ للتفخيم لأنه أفهم أن لها مطهراً وليس سوى الله تعالى ، وكيف يصف الواصفون من طهره الرب سبحانه؟ا وقرأ عبيد بن عمير : { مُّطَهَّرَةٍ } وأصله متطهرة فأدغم ، ولما ذكر سبحانه وتعالى مسكن المؤمنين ومطعمهم ومنكحهم؛ وكانت هذه الملاذ لا تبلغ درجة الكمال مع خوف الزوال ولذلك قيل : (1/234)
أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالاً
أعقب ذلك بما يزيل ما ينغص إنعامه من ذكر الخلود في دار الكرامة ، والخلود عند المعتزلة البقاء الدائم الذي لا ينقطع ، وعندنا البقاء الطويل انقطع أو لم ينقطع ، واستعماله في المكث الدائم من حيث إنه مكث طويل لا من حيث خصوصه حقيقة وهو المراد هنا ، وقد شهدت له الآيات والسنن ، والجهمية يزعمون أن الجنة وأهلها يفنيان وكذا النار وأصحابها ، والذي دعاهم إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأول والآخر ، والأولية تقدمه على جميع المخلوقات ، والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء السوي ، ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه لمن لا شبيه له سبحانه وهو محال ، ولأنه إن لم يعلم أنفاس أهل الجنة كان جاهلاً تعالى عن ذلك ، وإن علم لزم الانتهاء وهو بعد الفناء ، ولنا النصوص الدالة على التأبيد والعقل معها لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن . والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله بل قيل : البؤس خير من نعيم زائل ، والكفر جريمة خالصة فجزاؤها عقوبة خالصة لا يشوبها نقص ، ومعنى : ( الأول والآخر ) ليس كما في الشاهد بل بمعنى لا ابتداء ولا انتهاء له في ذاته من غير استناد لغيره فهو الواجب القدم المستحيل العدم ، والخلق ليسوا كذلك ، فأين الشبه والعلم لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى ، وما أنفاس أهل الجنة إلا كمراتب الأعداد؟ا أفيقال : إن الله سبحانه لا يعلمها أو يقال إنها متناهية ، تباً للجهمية ما أجهلهم ، وأجهل منهم من قال إن الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية إلى الانحلال والانفكاك فكيف يمكن التأبيد ، وذلك لأن مدار هذا على قياس هاتيك النشأة على هذه النشأة ، وهيهات هيهات كيف يقاس ذلك العالم الكامل على عالم الكون والفساد؟ا على أنه إذا ثبت كونه تعالى قادراً مختاراً ولا فاعل في الوجود إلا هو فلمَ لا يجوز أن يعيد الأبدان بحيث لا تتحلل ، أو إن تحللت فلمَ لا يجوز أن يخلق بدل/ ما تحلل دائماً أبداً؟ وسبحان القادر الحكيم الذي لا يعجزه شيء .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)
{ إِنَّ الله لاَ * يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره : نزلت في اليهود لما ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت والذباب وغير ذلك مما يستحقر قالوا : إن الله تعالى أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات فرد الله تعالى عليهم بهذه الآية . ووجه ربطها بما تقدم على هذا وكان المناسب عليه أن توضع في سورة العنكبوت مثلاً أنها جواب عن شبهة تورد على إقامة الحجة على حقية القرآن بأنه معجز فهي من الريب الذي هو في غاية الاضمحلال فكان ذكرها هنا أنسب ، وقال مجاهد وغيره : نزلت في المنافقين قالوا لما ضرب الله سبحانه المثل بالمستوقد والصيب الله تعالى أعلى وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها فرد الله تعالى عليهم ووجه الربط عليه ظاهر فإنها للذب عن التمثيلات السابقة على أحسن وجه وأبلغه ، وقيل : إنها متصلة بقوله تعالى : { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } [ البقرة : 22 ] أي : لا يستحي أن يضرب مثلاً لهذه الأنداد ، وقيل : هذا مثل ضرب للدنيا وأهلها فإن البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت ، كذلك أهل الدنيا إذا امتلؤا منها هلكوا ، أو مثل لأعمال العباد وأنه لا يمتنع أن يذكر منها ما قل أو كثر ليجازى عليه ثواباً وعقاباً ، وعلى هذين القولين لا ارتباط للآية بما قبلها بل هي ابتداء كلام ، وهذا وإن جاز لا أقول به إذ المناسب بكل آية أن ترتبط بما قبلها وفي الآية إشارة إلى حسن التمثيل كيف والله سبحانه مع عظمته وبالغ حكمته لم يتركه ولم يستح منه : (1/235)
وما انفكت الأمثال في الناس سائرة ... والحياء كما قال الراغب انقباض النفس عن القبائح ، وهو مركب من جبن وعفة ، وليس هو الخجل بل ذاك حيرة النفس لفرط الحياء فهما متغايران وإن تلازما ، وقال بعضهم : الخجل لا يكون إلا بعد صدور أمر زائد لا يريده القائم به بخلاف الحياء فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله ، وما في «القاموس» خجل استحي تسامح ، وهو مشتق من الحياة لأنه يؤثر في القوة المختصة بالحيوان وهي قوة الحس والحركة ، والآية تشعر بصحة نسبة الحياء إليه تعالى لأنه في العرف لا يسلب الحياء إلا عمن هو شأنه ، على أن النفي داخل على كلام فيه قيد فيرجع إلى القيد فيفيد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه لا أقل ، وأما في الأحاديث فقد صرح بالنسبة وللناس في ذلك مذهبان فبعض يقول بالتأويل إذ الانقباض النفساني مما لا يحوم حول حظائر قدسه سبحانه ، فالمراد بالحياء عنده الترك اللازم للانقباض ، وجوّز جعل ما هنا بخصوصه من باب المقابلة لما وقع في كلام الكفرة بناءً على ما روي أنهم قالوا : ما يستحي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت ، وبعض وأنا والحمد لله منهم لا يقول بالتأويل بل يمر هذا وأمثاله مما جاء عنه سبحانه في الآيات والأحاديث على ما جاءت ويكل علمها بعد التنزيه عما في الشاهد إلى عالم الغيب والشهادة ، وقرأ الجمهور ( يستحيي ) بياءين والماضي استحيا ، وجاء استفعل هنا للإغناء عن الثلاثي المجرد كاستأثر ، وقرأ ابن كثير في رواية وقليلون بياء واحدة وهي لغة بني تميم ، وهل المحذوف اللام فالوزن يستفع ، أو العين فالوزن يستفل؟ قولان : أشهرهما الثاني ، وهذا الفعل مما يكون متعدياً بنفسه وبالحرف فيقال : استحييته واستحيت منه ، والآية تحتملهما .
والضرب إيقاع شيء على شيء ، وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء يظهر أثره في غيره ، فمعنى يضرب هنا يذكر ، وقيل : يبين ، وقيل : يضع من { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } [ البقرة : 1 6 ] و ( ما ) اسم بمعنى شيء يوصف به النكرة لمزيد الإبهام ويسد طرق التقييد ، وقد يفيد التحقير أيضاً كأعطه شيئاً ما والتعظيم كلأمر ما جدع قصير أنفسه والتنويع كاضربه ضرباً ما وقد تجعل سيف خطيب ، والقرآن أجل من أن يلغى فيه شيء ، وبعوضة إما صفة لما أو بدل منها أو عطف بيان إن قيل بجوازه في النكرات أو بدل من { مَثَلاً } أو عطف بيان له إن قيل ما زائدة ، أو مفعول/ و { مَثَلاً } حال وهي المقصودة ، أو منصوب على نزع الخافض أي : ما من بعوضة فما فوقها كما نقل عن الفراء . والفاء بمعنى إلى ، أو مفعول ثان؛ أو أول بناء على تضمن الضرب معنى الجعل ، ولا يرد على إرادة العموم أن مثال المعنى على المشهور أن الله لا يترك أي مثل كان فيقتضي أن جميع الأمثال مضروبة في كلامه فأين هي لأن المنفي ليس مطلق الترك بل الترك لأجل الاستحياء؟ فالمعنى لا يترك مثلاً ما استحياء وإن تركه لأمر آخر أراده ، وقرأ ابن أبي عبلة وجماعة : ( بعوضة ) بالرفع والشائع على أنه خبر ، واختلفوا فيما يكون عنه خبراً؛ فقيل : مبتدأ محذوف أي هي أو هو بعوضة ، والجملة صلة ( ما ) على جعلها موصولة ، وهو تخريج كوفي لحذف صدر الصلة من غير طول ، وقيل : ( ما ) بناءً على أنها استفهامية مبتدأ ، واختار في «البحر» أن تكون ( ما ) صلة أو صفة وهي ( بعوضة ) جملة كالتفسير لما انطوى عليه الكلام ، وقيل : { بَعُوضَةً } مبتدأ ، و { مَا } نافية والخبر محذوف أي متروكة لدلالة { لاَ يَسْتَحْىِ } عليه . (1/236)
والبعوضة واحد البعوض ، وهو طائر معروف ، وفيه من دقيق الصنع وعجيب الإبداع ما يعجز الإنسان أن يحيط بوصفه ولا ينكر ذلك إلا نمرود .
وهو في الأصل صفة على فعول كالقطوع ، ولذا سمي في لغة هذيل خموش فغلبت ، واشتقاقه من البعض بمعنى القطع { فَمَا فَوْقَهَا } الفاء عاطفة ترتيبية ، و { مَا } عطف على { بَعُوضَةً } أو { مَا } إن جعل اسماً والتفصيل وما فيه غير خفي . والمراد بالفوقية إما الزيادة في حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير وبه قال ابن عباس أو الزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر ، وهذان الوجهان على القراءة المشهورة وأما على قراءة الرفع فقد قالوا : إن جعلت { مَا } موصولة ففيه الوجهان ، وإن جعلت استفهامية تعين الأول لأن العظم مبتدأ من البعوضة إذ ذاك ، وقيل : أراد : ما فوقها وما دونها فاكتفى بأحد الشيئين عن الآخر على حد { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 1 8 ] فافهم . (1/237)
{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ } تفصيل لما أشار إليه قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ } الخ من أنه وقع فيه ارتياب بين التحقيق والارتياب ، أو لما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره عنه سبحانه ، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها ، وكأنه قيل كما قيل فيضربه { مُّبِيناً فَأَمَّا الذين } الخ ، وتقديم بيان حال المؤمنين لشرفه ، وأما على ما عليه المحققون حرف متضمنة لمعنى الشرط ولذا لزمتها الفاء غالباً ، وتفيد مع هذا تأكيد ما دخلت عليه من الحكم؛ وتكون لتفصيل مجمل تقدمها صريحاً ، أو دلالة ، أو لم يتقدم لكنه حاضر في الذهن ولو تقديراً ، ولما كان هذا خلاف الظاهر في كثير من موارد استعمالها جعله الرضى والمرتضى من المحققين أغلبياً ، وفسر سيبويه أما زيد فذاهب بمهما يكن من شيء فزيد ذاهب وليس المراد به أنها مرادفة لذلك الاسم ، والفعل إذ لا نظير له ، بل المراد أنها لما أفادت التأكيد وتحتم الوقوع في المستقبل كان مآل المعنى ذلك ، ولما أشعرت بالشرطية قدر شرط يدل على تحتم الوقوع وهو وجود شيء ما في الدنيا إذ لا تخلو عنه فما علق عليه محقق ، وحيث كان المعنى ما ذكر سيبويه . ومهما مبتدأ والاسمية لازمة له ، ويكن فعل شرط والفاء لازمة تليه غالباً ، وقامت أما ذلك المقام لزمها الفاء ولصوق الاسم إقامة لللازم مقام الملزوم وإبقاء لأثره في الجملة وكان الأصل دخول الفاء على الجملة فيما ذكر لأنها الجزاء لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوا الخبر وعوضوا المبتدأ عن الشرط لفظاً ، وقد يقدم على الفاء كما في الرضى من أجزاء الجزاء المفعول به والظرف والحال إلى غير ذلك مما عدوه على ما فيه ، وفي تصدير الجملتين بها من الإحماد والذمّ ما لا يخفى .
والمراد بالموصول فريق المؤمنين المعهودين كما أن المراد بالموصول الآتي فريق الكفرة الطاغين لا من يؤمن بضرب المثل ومن يكفر به لاختلال المعنى ، والضمير في { أَنَّهُ } للمثل وهو أقرب ، / أو لضربه المفهوم من أن يضرب ، وقيل : لترك الاستحياء المنقدح مما مر ، وقيل : للقرآن ، والحق خلاف الباطل ، وهو في الأصل مصدر حق يحق من بابي ضرب وقتل إذا وجب أو ثبت ، وقال الراغب : أصله المطابقة والموافقة ، ويكون بمعنى الموجد بحسب الحكمة والموجد على وفقها والاعتقاد المطابق للواقع ، وقيل : إنه الحكم المطابق ، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتماله على ذلك ، ولم يفرق في المشهور بينه وبين الصدق إلا أنه شاع في العقد المطابق ، والصدق في القول كذلك ، وقد يفرق بينها بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم ، وتعريفه هنا إما للقصر الادعائي كما يقال هذا هو الحق أو لدعوى الاتحاد ويكون المحكوم عليه مسلم الاتصاف ، و { مّن رَّبّهِمُ } إما خبر بعد خبر أو حال من ضمير الحق ، و { مِنْ } لابتداء الغاية المجازية ، والتعرض لعنوان الربوبية للإشارة إلى أنهم يعترفون بحقية القرآن وبما أنعم الله تعالى به عليهم من النعم التي من أجلها نزول هذا الكتاب وهو المناسب لقوله سبحانه : { نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة : 3 2 ] وأما الكفرة المنكرون لجلاله المتخذون غيره من الأرباب فالله عز اسمه هو المناسب لحالهم { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } [ آل عمران : 8 2 ] وقيل : في ذلك مع الإضافة إلى الضمير تشريف وإيذان بأن ضرب المثل تربية لهم وإرشاد إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم ، والجملة سادّة مسدّ مفعولي يعلمون عند الجمهور ، ومسد الأول والثاني محذوف عند الأخفش أي { فَيَعْلَمُونَ } حقيته ثابتة . (1/238)
{ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } لم يقل سبحانه وأما الذين كفروا فلا يعلمون ليقابل سابقه لما في هذا من المبالغة في ذمهم والتنبيه بأحسن وجه على كمال جهلهم لأن الاستفهام إما لعدم العلم أو للإنكار وكل منهما يدل على الجهل دلالة واضحة .
ومن قال للمسك أين الشذا ... يكذبه ريحه الطيب
قيل : ولم يقل سبحانه هناك وأما الذين آمنوا فيقولون الخ إشارة إلى أن المؤمنين اكتفوا بالخضوع والطاعة من غير حاجة إلى التكلم والكافرون لخبثهم وعنادهم لا يطيقون الأسرار لأنه كإخفاء الجمر في الحلفاء ، وقيل : إن يقولون لا يدل صريحاً على العلم وهو المقصود والكافرون منهم الجاهل والمعاند { فَيَقُولُونَ } الخ أشمل وأجمع ، و { مَاذَا } لها ستة أوجه في استعمالهم . الأول : أن تكون ( ما ) استفهامية في موضع رفع بالابتداء ، و ( ذا ) بمعنى الذي خبره ، وأخبر عن المعرفة بالنكرة هنا بناءً على مذهب سيبويه في جوازه في أسماء الاستفهام .
وغيره يجعل النكرة خبراً عن الموصول . الثاني : أن تكون ( ماذا ) كلها استفهاماً مفعولاً لأراد وهذان الوجهان فصيحان اعتبرهما سائر المفسرين والمعربين في الآية ، والاستفهام يحتمل الاستغراب والاستبعاد والاستهزاء { ظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } [ النور : 04 ] ، الثالث : أن يجعل ( ما ) استفهامية ، و ( ذا ) صلة لا إشارة ولا موصولة ، الرابع : أن يجعلا معاً موصولاً كقوله : دعى ( ماذا ) علمت سأتقيه . الخامس : أن يجعلا نكرة موصوفة ، وقد جوز في المثال ، السادس : أن تكون ( ما ) استفهامية ، و ( ذا ) اسم إشارة خبر له . (1/239)
والإرادة كما قاله الراغب : منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي في الأصل قوة مركبة من شهوة وخاطر وأمل ، وجعل اسماً لنزوغ النفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل ، ثم يستعمل مرة في المبدأ وهو نزوغ النفس إلى الشيء وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنه ينبغي الخ ، وإرادة المعنى من اللفظ مجرد القصد وهو استعمال آخر ولسنا بصدده ، وبين الإرادة والشهوة عموم من وجه لأنها قد تتعلق بنفسها بخلاف الشهوة فإنها إنما تتعلق باللذات ، والإنسان قد يريد الدواء البشع ولا يشتهيه ويشتهي اللذيذ ولا يريده إذا علم فيه هلاكه وقد يشتهي ويريد . وللمتكلمين أهل الحق وغيرهم في تفسيرها مذاهب ، فالكلبي والنجار وغيرهما على/ أن إرادته سبحانه لأفعاله أنه يفعلها عالماً بها وبما فيها من المصلحة ، ولأفعال غيره أنه أمر بها وطلبها ، فالمعاصي إذاً ليست بإرادته جل شأنه ، ونحو ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وارد عليهم؛ والجاحظ وبعض المعتزلة والحكماء على أن إرادته تعالى شأنه علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل ، ويكفيه صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النظام من غير قصد وطلب شوقي ، ويسمون هذا العلم عناية؛ وذهب الكرامية وأبو علي وأبو هاشم إلى أنها صفة زائدة على العلم إلا أنها حادثة قائمة بذاته عز شأنه عند الكرامية ، وموجودة لا في محل عند الأبوين ، والمذهب الحق أنها ذاتية قديمة وجودية زائدة على العلم ومغايرة له وللقدرة ، مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع ، وكونها نفس الترجيح الذي هو من صفات الأفعال كما قال البيضاوي عفا الله تعالى عنه لم يذهب إليه أحد . وفي كلمة ( هذا ) استحقار للمشار إليه مثلها في : { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً } [ الفرقان : 1 4 ] وقد تكون للتعظيم بحسب اقتضاء المقام ، و { مَثَلاً } نصب على التمييز عن نسبة الاستغراب ونحوه إلى المشار إليه . وقد ذكر الرضى والعهدة عليه أن الضمير واسم الإشارة إذا كانا مبهمين يجىء التمييز عنهما والعامل هما لتماميهما بنفسهما حيث يمتنع إضافتهما ، وإذا كانا معلومين فالتمييز عن النسبة ، ويحتمل أن يكون حالاً من اسم الله تعالى أو من ( هذا ) أي ممثلاً أو ممثلاً به أو بضربه .
{ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } جملتان جاريتان مجرى البيان ، والتفسير للجملتين المصدرتين بأما إذ يشتملان على أن كلا الفريقين موصوف بالكثرة وعلى أن العلم بكونه حقاً من الهدى الذي يزداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم ، والجهل بموقعه من الضلالة التي يزداد بها الجهال خبطاً في ظلمتهم ، وهاتان يزيدان ما تضمنتاه وضوحاً أو أنهما جواب لدفع ما يزعمونه من عدم الفائدة في ضرب الأمثال بالمحقرات ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة وغاية جميلة هي كونه وسيلة إلى هداية المستعدين للهداية وإضلال المنهمكين في الغواية ، وصرح بعضهم بأنهما جواب لماذا ووضع الفعلان موضع المصدر للإشعار بالاستمرار التجددي والمضارع يستعمل له كثيراً ، ففي التعبير به هنا إشارة إلى أن الإضلال والهداية لا يزالان يتجددان ما تجدد الزمان ، قيل : ووضعهما موضع الفعل الواقع في الاستفهام مبالغة في الدلالة على تحققهما فإن أرادتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في التعلق وليس كذلك ، فإن المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكير والاهتداء كما يشير إليه قوله تعالى : { وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ الحشر : 1 2 ] وأما الإضلال فعارض مترتب على سوء الاختيار ، وقدم في النظم الإضلال على الهداية مع سبق الرحمة على الغضب ، وتقدمها بالرتبة والشرف لأن قولهم ناشىء من الضلال مع أن كون ما في القرآن سبباً له أحوج للبيان لأن سببيته للهدى في غاية الظهور ، فالاهتمام ببيانه أولى ، ووصف كل من القبيلتين بالكثرة بالنظر إلى أنفسهم وإلا فالمهتدون قليلون بالنسبة إلى أهل الضلال وبعيد حمل كثرة المهتدين على الكثرة المعنوية بجعل كثرة الخصائص اللطيفة بمنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل : (1/240)
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى المجد حتى عد ألف بواحد
لا سيما وقد ذكر معها الكثرة الحقيقية ، هذا وجوّز بعضهم أن يكون قوله تعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } الخ في موضع الصفة لمثل فهو من كلام الكفار ، ولعله من باب المماشاة مع المؤمنين إذ هم ليسوا بمعترفين بأن هذا المثل يضل الله به كثيراً ويهدي به كثيراً وأغرب من هذا تجويز ابن عطية أن يكون { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } من كلام/ الكفار وما بعده من كلام الله تعالى وهو إلباس في التركيب وعدول عن الظاهر من غير دليل ، وإسناد الإضلال إليه تعالى حقيقي وقد تقدم وجهه فلا التفات إلى ما في «الكشاف» لأنه نزغة اعتزالية ، والضمير في { بِهِ } للمثل أو لضربه في الموضعين ، وقيل : في الأول للتكذيب ، وفي الثاني للتصديق ودل على ذلك قوة الكلام ، ولا يخفى ضعفه ، وقرأ زيد بن علي : { يُضِلَّ } هنا وفيما يأتي و { يَهْدِى } بالبناء للمفعول وابن أبي عبلة في الثلاثة بالبناء للفاعل ، ورفعاً للفاسقين خفضهم الله تعالى { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } تذييل أو اعتراض في آخر الكلام بناءً على قول من جوّزه ، وقيل : حال ، ومنع الساليكوتي عطفه على ما قبله قائلاً لأنه لا يصح كونه جواباً وبياناً ، وأجازه بعضهم تكملة للجواب وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم ببيان صفاتهم القبيحة المستتبعة له وإشارة إلى أن ذلك ليس إضلالاً ابتدائياً بل هو تثبيت على ما كانوا عليه من فنون الضلال وزيادة فيه ، و ( الفاسقين ) جمع فاسق من الفسق ، وهو شرعاً خروج العقلاء عن الطاعة فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة .
واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادراً بقرينة ، وهو من قولهم : فسق الرطب إذا خرج من قشره ، قال ابن الأعرابي : ولم يسمع الفسق وصفاً للإنسان في كلام العرب ، ولعله أراد في كلام الجاهلية كما صرح به ابن الأنباري ، وإلا فقد قال رؤبة ، وهو شاعر إسلامي يستدل بكلامه : (1/241)
يذهبن في نجد وغور أغائرا ... ( فواسقا ) عن قصدها جوائرا
على أنه يمكن أن يقال : لم يخرج الفسق في البيت عن الوضع لأنه وضعا خروج الإجرام وبروز الأجسام من غير العقلاء وما فيه خروج الإبل وهي لا تعقل . والمراد بالفاسقين هنا الخارجون عن حدود الإيمان وتخصيص الإضلال بهم مرتباً على صفة الفسق وما أجرى عليهم من القبائح للإيذان بأن ذلك هو الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم على الباطل صرفت وجوه أنظارهم عن التدبر والتأمل حتى رسخت جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروا وقالوا ما قالوا ، ونصب { الفاسقين } على أنه مفعول { يُضِلَّ } أو على الاستثناء والمفعول محذوف أي أحداً ، ولا تفريغ كما في قوله :
نجا سالم والنفس منه بشدة ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا
ومنع ذلك أبو البقاء ولعله محجوج بالبيت .
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)
{ الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه } يحتمل النصب والرفع ، والأول إما على الاتباع أو القطع أي أذمّ والثاني إما على الثاني من احتمالي الأول أو على الابتداء ، والخبر جملة { أولئك هُمُ الخاسرون } وعلى هذا تكون الجملة كأنها كلام مستأنف لا تعلق لها إلا على بعد . والنقض فسخ التركيب ، وأصله يكون في الحبل ونقيضه الإبرام وفي الحائط ونحوه ، ونقيضه البناء . وشاع استعمال النقض في إبطال العهد كما قال الزمخشري من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين ، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا بذكر شيء من روادفه فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه نحو قولك : عالم يغترف منه الناس ، وشجاع يفترس أقرانه . (1/242)
والحاصل أن في الآية استعارة بالكناية ، والنقض استعارة تحقيقية تصريحية حيث شبه إبطال العهد بإبطال/ تأليف الجسم ، وأطلق اسم المشبه به على المشبه لكنها إنما جازت وحسنت بعد اعتبار تشبيه العهد بالحبل ، فبهذا الاعتبار صارت قرينة على استعارة الحبل للعهد ، ومن هنا يظهر أن الاستعارة المكنية قد توجد بدون التخييلية وأن قرينتها قد تكون تحقيقية ، وتحقيق البحث يطلب من محله ، والعهد الموثق ، وعهد إليه في كذا إذا أوصاه ووثقه عليه ، واستعهد منه إذا اشترط عليه ، واستوثق منه . والمراد بالعهد ههنا إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله صلى الله عليه وسلم ، وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذمّ لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها ، والناقضون على هذا جميع الكفار . وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره . وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه . والناقضون حينئذٍ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلاً ، والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول ، وعكس بعض ولكل وجهة وقيل : الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السموات والأرض عن أن يحملنها ، وقيل : هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم . و { مِنْ } للابتداء وكون المجرور بها موضعاً انفصل عنه الشيء وخرج ، وتدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل ، وفيه إرشاد إلى عدم اكتراثهم بالعهد فأثر ما استوثق الله تعالى منهم نقضوه وقيل : صلة وهو بعيد ، والميثاق مفعال وهو في الصفات كثير كمنحار ويكون مصدراً عند أبي البقاء والزمخشري كميعاد بمعنى الوعد ، وأنكره جماعة وقالوا : هو اسم في موضع المصدر كما في قوله :
أكفراً بعد رد الموت عني ... وبعد ( عطاءك ) المائة الرتاعا (1/243)
ويكون اسم آلة كمحراث ولم يشع هذا وليس بالبعيد ، والمراد به ما وثق الله تعالى به عهده من الآيات والكتب ، أو ما وثقوه به من القبول والالتزام ، والضمير للعهد لأنه المحدث عنه . ويجوز عوده إلى الله تعالى ولم يجوزه الساليكوتي لأن المعنى لا يتم بدون اعتبار العهد فهو أهم من ذكر الفاعل ، ولأن الرجوع إلى المضاف خلاف الأصل ، وأفهم كلام أبي البقاء أن الميثاق هنا مصدر بمعنى التوثقة ، وفي الضمير الاحتمالان فإن عاد إلى اسم الله تعالى كان المصدر مضافاً إلى الفاعل ، وإن إلى العهد كان مضافاً إلى المفعول . وحديث الرجوع إلى المضاف خصه بعض المحققين في غير الإضافة اللفظية ، وأما فيها فمطرد كثير ، وما نحن فيه كذلك لأنه مصدر أو مؤل بمشتق فيكون كقولك أعجبني ضرب زيد وهو قائم ، والوجه أنها في نية الانفصال .
{ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } { مَا } المقطوعة موصولة ، أو نكرة موصوفة عند أبي البقاء ، وفي المراد بها أقوال : الأول : رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعوه بالتكذيب والعصيان قاله الحسن وفيه استعمال ( ما ) لمن يعقل بل سيد العقلاء بل العقل والثاني : القول فإنه تعالى أمر أن يوصل بالعمل فلم يصلوه ولم يعملوا ، وظاهر أنها نزلت في المنافقين الثالث : التصديق بالأنبياء أمروا بوصله فقطعوه بتكذيب بعض وتصديق بعض الرابع : الرحم والقرابة قاله قتادة ، وظاهره أنه أراد كفار قريش وأشباههم الخامس : الأمر الشامل لما ذكر مما يوجب قطعه قطع الوصلة بين الله تعالى وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل ، ولعل هذا هو الأوجه لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله/ من العموم ولا دليل واضح على الخصوص . ورجح بعضهم ما قبله بأن الظاهر أن هذا توصيف للفاسقين بأنهم يضيعون حق الخلق بعد وصفهم بتضييع حق الحق سبحانه ، وتضييع حقه بنقض عهده وحق خلقه بتقطيع أرحامهم وليس بالقوي . والأمر القول الطالب للفعل مع علو عند المعتزلة أو استعلاء عند أبي الحسين ، ويفسدهما ظاهر قوله تعالى حكاية عن فرعون : { مَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الأعراف : 0 11 ] ويطلق على التكلم بالصيغة وعلى نفسها ، وفي موجبها خلاف ، وهذا هو الأمر الطلبي . وقد نقل إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص لأنه يصدر عن داعية تشبه الأمر فكأنه مأمور به أو لأنه من شأنه أن يؤمر به كما سمي الخطب والحال العظيمة شأناً . وهو مصدر في الأصل بمعنى القصد وسمي به ذلك لأن من شأنه أن يقصد . وذهب الفقهاء إلى أن الأمر مشترك بين القول والفعل لأنه يطلق عليه مثل
{ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } [ هود : 79 ] . و { أَن يُوصَلَ } يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من { مَا } أو من ضميره ، والثاني : أولى للقرب ولأن قطع ما أمر الله تعالى بوصله أبلغ من قطع وصل ما أمر الله تعالى به نفسه ، واحتمال الرفع بتقدير هو أو النصب بالبدلية من محل المجرور أو بنزع الخافض أو أنه مفعول لأجله أي لأن أو كراهية أن ليس بشيء كما لا يخفى . (1/244)
{ وَيُفْسِدُونَ فِي الارض أولئك هُمُ الخاسرون } إفسادهم باستدعائهم إلى الكفر والترغيب فيه وحمل الناس عليه أو بإخافتهم السبل وقطعهم الطرق على من يريد الهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أو بأنهم يرتكبون كل معية يتعدى ضررها ويطير في الآفاق شررها ولعل هذا أولى . وذكر في ( الأرض ) إشارة إلى أن المراد فساد يتعدى دون ما يقف عليهم . و { أولئك } إشارة إلى { الفاسقين } [ البقرة : 26 ] باعتبار ما فصل من صفاتهم القبيحة ، وفيه رمز إلى أنهم في المرتبة البعيدة من الذم وحصر الخاسرين عليهم باعتبار كمالهم في الخسران حيث أهملوا العقل عن النظر ولم يقنصوا المعرفة المفيدة للحياة الأبدية والمسرة السرمدية ، واشتروا النقض بالوفاء ، والفساد بالصلاح ، والقطيعة بالصلة ، والثواب بالعقاب فضاع منهم الطلبتان رأس المال والربح وحصل لهم الضرر الجسيم وهذا هو الخسران العظيم . وفي الآية ترشيح للاستعارة المقدرة التي تتضمنها الآيات السابقة فافهم .
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } التفات إلى خطاب أولئك بعد أن عدد قبائحهم المستدعية لمزيد سخطه تعالى عليهم والإنكار إذا وجه إلى المخاطب كان أبلغ من توجيهه إلى الغائب وأردع له لجواز أن لا يصله . و { كَيْفَ } اسم إما ظرف وعزي إلى سيبويه فمحلها نصب دائماً ، أو غير ظرف وعزي إلا الأخفش فمحلها رفع مع المبتدأ ، ونصب مع غيره ، وادعى ابن مالك أن أحداً لم يقل بظرفيتها إذ ليست زماناً ولا مكاناً لكن لكونها تفسر بقولك على أي حال أطلق اسم الظرف عليها مجازاً ، واستحسنه ابن هشام ودخول الجر عليها شاذ . وأكثر ما تستعمل استفهاماً والشرط بها قليل والجزم غير مسموع ، وأجازه قياساً الكوفيون وقطرب ، والبدل منها أو الجواب إذا كانت مع فعل مستغن منصوب ومع ما لا يستغني مرفوع إن كان مبتدأ ومنصوب إن كان ناسخاً . وزعم ابن موهب أنها تأتي عاطفة وليس بشيء ، وهي هنا للاستخبار منضماً إليه الإنكار والتعجيب لكفرهم بإنكار الحال الذي له مزيد اختصاص بها وهي العلم بالصانع والجهل به ، ألا يرى أنه ينقسم باعتبارهما فيقال : كافر معاند وكافر جاهل؟ فالمعنى أفي حال العلم تكفرون أم في حال الجهل وأنتم عالمون بهذه القصة؟ وهو يستلزم العلم/ بصانع موصوف بصفات منزه عن النقصان ، وهو صارف قوي عن الكفر ، وصدور الفعل عن القادر مع الصارف القوي مظنة تعجيب وتوبيخ ، وفيه إيذان بأن كفرهم عن عناد وهو أبلغ في الذم . وفيه من المبالغة أيضاً ما ليس في ( أتكفرون ) لأن الإنكار الذي هو نفي قد توجه للحال التي لا تنفك ، ويلزم من نفيها نفي صاحبها بطريق البرهان ، وإن شئت عممت الحال . وإنكار أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها مع أن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال يستدعي إنكار وجود الكفر بذلك الطريق ، ولا يرد أن الاستخبار محال على اللطيف الخبير عز شأنه لأنه إما أن يكون بمعنى طلب الخبر فلا نسلم المحالية إذ قد يكون لتنبيه المخاطب وتوبيخه ولا يقتضي جهل المستخبر ولا يلزم من ضم الإنكار والتعجيب إليه وهما من المعاني المجازية للاستفهام الجمع بين الحقيقة والمجاز إن كان الاستخبار حقيقة للصيغة ، وبين معنيين مجازيين إن كان مجازاً لأن الانفهام بطريق الاستتباع واللزوم لا من حاق الوسط ، أو أنه تجوّز على تجوّز لشهرة الاستفهام في معنى الاستخبار حتى كأنه حقيقة فيه ، وإما أن يكون بمعنى الاستفهام فنقول : لا قدح في صدوره ممن يعلم المستفهم عنه لأنه كما في «الاتقان» طلب الفهم . أما فهم المستفهم وهو محال عليه تعالى أو وقوع فهمه ممن لا يفهم كائناً من كان ولا استحالة فيه منه تعالى ، وكذا لا استحالة في وقوع التعجيب منه تعالى بل قالوا : إذا ورد التعجب من الله جل وعلا لم يلزم محذور إذ يصرف إلى المخاطب أو يراد غايته أو يرجع إلى مذهب السلف ، وأتى سبحانه بتكفرون ولم يأت بالماضي وإن كان الكفر قد وقع منهم لأن الذي أنكر الدوام والمضارع هو المشعر به ولئلا يكون في الكلام توبيخ لمن وقع منه الكفر ممن آمن كأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم . (1/245)
{ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ما قبل { ثُمَّ } حال من ضمير { تَكْفُرُونِ } بتقدير قد لا محالة خلافاً لمن وهم فيه . والمعنى : كيف تكفرون وقد خلقكم ، فعبر عن الخلق بذلك ، ولما كان مركوزاً في الطباع ومخلوقاً في العقول أن لا خالق إلى الله كانت حالا تقتضي أن لا تجامع الكفر ، والجمل بعد مستأنفة لا تعلق لها بالحال ولذا غايرت ما قبلها بالحرف والصيغة ، ولك أن تجعل جميع الجمل مندرجة في الحال وهو في الحقيقة العلم بالقصة كأنه قيل : كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها وآخرها ، فلا يضر اشتمالها على ماض ومستقبل ، وكلاهما لا يصح أن يقع حالا ، ورجح هذا جمع محققون ، والحياة قوة تتبع الاعتدال النوعي ويفيض منها سائر القوى ، وقيل : القوة الحساسة والعضو المفلوج حي وإلا لتسارع إليه الفساد ، وعدم الاحساس بالفعل لا يدل على عدم القوة لجواز فقدان الأثر لمانع . وكأنهم أرادوا من ذلك قوة اللمس لأن مغايرة الحياة لما عداه من الحواس ظاهرة فإنها مختصة بعضو دون عضو ، وأنها مفقودة في بعض أنواع الحيوانات ، وأنه يلزم تعدد الحياة بالنوع في شخص واحد إن قيل بكون الحياة كل واحد منها . وتركبها في الخارج إن أريد مجموعها ، وتطلق مجازاً على القوة النامية لأنها من طلائعها ومقدماتها ، وعلى ما يخص الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها ، والموت مقابل لها في كل مرتبة والكل في كتاب الله تعالى وحياته سبحانه وتعالى صحة اتصافه جل شأنه بالعلم والقدرة أو معنى قائم بذاته تعالى يقتضي ذلك ، وأين التراب من رب الأرباب . ثم إن للناس في المراد بما في الآية الكريمة أقوالاً شتى ، والمروى عن ابن عباس ، وابن مسعود ، / ومجاهد رضي الله تعالى عنهم أن المراد بالموت الأول العدم السابق ، والاحياء الأول الخلق والموت الثاني المعهود في الدار الدنيا ، والحياة الثانية البعث للقيامة ، واختاره بعض المحققين وادعى أن قوله تعالى : { وَكُنتُمْ أمواتا } وإسناده آخر الاماتة إليه تعالى مما يقويه ، واختار آخرون أن كونهم أمواتاً هو من وقت استقرارهم نطفاً في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها ، وأن الحياة الأولى نفخ الروح بعد تلك الأطوار ، والاماتة هي المعهودة والاحياء بعدها هو البعث يوم ينفخ في الصور ولعله أقرب من الأول ، وإطلاق الأموات على تلك الأجسام مجاز إن فسر الموت بعدم الحياة عمن اتصف به ، وحقيقة إن فسر بعدم الحياة عما من شأنه ، قاله الساليكوتي ، ويفهم كلام بعضهم : أنه على معنى كالأموات على التفسير الثاني وإن فسر بعدم الحياة مطلقاً كان حقيقة وهو المشهور وأبعد الأقوال عندي حمل الموت الأول على المعهود بعد انقضاء الأجل ، والإحياء الأول على ما يكون للمسألة في القبر فيكون قد وضع الماضي موضع المستقبل لتحقق الوقوع ، ثم لا دليل في الآية على المختار لنفي عذاب القبر إذ نهاية ما فيها عدم ذكر الإحياء المصحح له ، ونحن لا نستدل لها بذلك الوجه عليه ولنا والحمد لله تعالى في ذلك المطلب أدلة شتى ، وكذا لا دليل للمجسمة القائلين بأنه تعالى في مكان في { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لأن المراد بالرجوع إليه الجمع في المحشر حيث لا يتولى الحكم سواه والأمر يومئذ لله ، ووراء هذا من المقال مالا يخفى على العارفين ، وفي قوله تعالى : { تُرْجَعُونَ } على البناء للمفعول دون يرجعكم المناسب للسياق مراعاة لتناسب رؤوس الآي مع وجود التناسب المعنوي للسباق ، ولهذا قيل إن قراءة الجمهور أفصح من قراءة يعقوب ومجاهد ، وجماعة { تُرْجَعُونَ } مبنياً للفاعل ، ولا يرد أن الآية إذا كانت خطاباً للكفار ومعنى العلم ملاحظ فيها امتنع خطابهم بما بعد ثم وثم من الفعلين لأنهم لا يعلمون ذلك لأن تمكنهم من العلم لوضوح الأدلة آفاقية وأنفسية وسطوع أنوارها عقلية ونقلية منزل منزل العلم في إزاحة العذر ، وبهذا يندفع أيضاً ما قيل : هم شاكون في نسبة ما تقدم إليه تعالى فكيف يتأتى ذلك الخطاب به ، ويحتمل كما قيل : أن يكون الخطاب في الآية للمؤمن والكافر فإنه سبحانه لما بين دلائل التوحيد أيضاً من قوله سبحانه : { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } إلى (1/246)
{ فَلاَ تَجْعَلُواْ } [ البقرة : 1 2 ، 22 ] ودلائل النبوة من { وَإِن كُنتُمْ } إلى { إِن كُنتُمْ } [ البقرة : 3 2 ] وأوعد ب { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } [ البقرة : 4 2 ] الآية ، ووعد ب { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } [ البقرة : 5 2 ] الخ أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامة من قوله : { وَكُنتُمْ أمواتا } إلى { هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة : 8 2 9 3 ] والخاصة من { مَعِىَ بَنِى إسراءيل } إلى { مَا نَنسَخْ } [ البقرة : 0 4 106 ] واستقبح صدور الكفر مع تلك النعم منهم توبيخاً للكافر وتقريراً للمؤمن وعد الإماتة نعمة لأنها وصلة إلى الحياة الأبدية واجتماع المحب بالحبيب ، وقد يقال : إن المعدود عليهم كذلك هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها . (1/247)
ومن الاشارة قول ابن عطاء { وَكُنتُمْ أمواتا } بالظاهر { فأحياكم } بمكاشفة الأسرار { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عن أوصاف العبودية { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بأوصاف الربوبية ، وقال فارس : { وَكُنتُمْ أمواتا } بشواهدكم { فأحياكم } بشواهده { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عن شاهدكم { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بقيام الحق { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } عن جميع ما لكم فتكونون له .
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
{ هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً } معطوف على قوله تعالى : { وَكُنتُمْ } [ البقرة : 28 ] وترك الحرف إما لكونه كالنتيجة له أو للتنبيه على الاستقلال في إفادة ما أفاده ، وذكر أنه بيان نعمة أخرى مترتبة على الأولى ، وأريد بترتبها أن الانتفاع بها يتوقف عليها فإن النعمة إنما تسمى نعمة من حيث الانتفاع بها ، و { هُوَ } لغير المتكلم والمخاطب ، / وفيه لغات : تخفيف الواو مفتوحة؛ وحذفها في الشعر ، وتشديدها لهمدان ، وتسكينها لأسد وقيس ، و { هُوَ } عند أهل الله تعالى اسم من أسمائه تعالى ينبىء عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة ، و { هُوَ } اسم مركب من حرفين الهاء والواو ، والهاء أصل ، والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع فليس في الحقيقة إلا حرف واحد دال على الواحد الفرد الذي لا موجود سواه وكل شيء هالك إلا وجهه ، ولمزيد ما فيه من الأسرار اتخذه الأجلة مداراً لذكرهم وسراجاً لسرهم ، وهو جار مع الأنفاس ، ومسماه غائب عن الحدس والقياس ، وفي { جَعَلَ } الضمير مبتدأ والموصول خبراً من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى ، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة واللام للتعليل والانتفاع أي : خلق لأجلكم جميع ما في الأرض لتنتفعوا به في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي أمور دينكم بالاستدلال والاعتبار . واستدل كثير من أهل النسة الحنفية والشافعية بالآية على إباحة الأشياء النافعة قبل ورود الشرع ، وعليه أكثر المعتزلة ، واختاره الإمام في «المحصول» ، والبيضاوي في «المنهاج2 . (1/248)
واعترض بأن اللام تجيء لغير النفع ك { إنٍ * أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء : 7 ] وأجيب بأنها مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع ، وبأن المراد النفع بالاستدلال ، وأجيب بأن التخصيص خلاف الظاهر مع أن ذلك حاصل لكل مكلف من نفسه فيحمل على غيره ، وذهب قوم إلى أن الأصل في الأشياء قبل الحظر ، وقال قوم بالوقف لتتعارض الأدلة عندهم ، واستدلت الإباحية بالآية على مدعاهم قائلين إنها تدل على أن ما في الأرض جميعاً خلق للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا ، ويرده أنها تدل على أن الكل للكل ، ولا ينافي اختصاص البعض بالبعض لموجب ، فهناك شبه التوزيع ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل ، ولا يلزم اختصاص كل شخص بشيء واحد كما ظنه الساليكوتي ، و { مَا } تعم جميع ما في الأرض لأنفسها إذ لا يكون الشيء ظرفاً لنفسه إلا أن يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو ويكفي في التحدر العرش المحيط ، أو تجعل الجهة اعتبارية ، نعم قيل : تعم كل جزء من أجزاء الأرض فإنه من جملة ضروراتها ما فيها ضرورة وجود الجزء في الكل والمغايرة اعتبارية والقول : بأن الكلام على تقدير معطوف أي خلق ما في الأرض والأرض لا أرضي به ، وبعضهم لم يتكلف شيئاً من ذلك ، واستغنى بتقدم الامتنان بالأرض في قوله تعالى :
{ جَعَلَ لَكُمُ الارض فِرَاشاً } [ البقرة : 22 ] و { جَمِيعاً } حال مؤكدة من كلمة { مَا } ولا دلالة لها كما ذكره البعض على الاجتماع الزماني وهذا بخلاف معاً ، وجعله حالا من ضمير { لَكُمْ } يضعفه السياق لأنه لتعداد النعم دون المنعم عليه مع أن مقام الامتنان يناسبه المبالغة في كثرة النعم ، ولاعتبار المبالغة لم يجعلوه حالاً من الأرض أيضاً . (1/249)
{ ثُمَّ استوى إِلَى السماء } أي علا إليها وارتفع من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحديد قاله الربيع أو قصد إليها بإرادته قصداً سوياً بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من قولهم : استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء قاله الفراء وقيل : استولى وملك كما في قوله :
فلما ( علونا واستوينا عليهم ) ... تركناهم صرعى لنسر وكاسر
وهو خلاف الظاهر لاقتضائه كون { إلى } بمعنى على ، وأيضاً الاستيلاء مؤخر عن وجود المستولي عليه فيحتاج إلى القول بأن المراد استولى على إيجاد السماء فلا يقتضي تقدم الوجود ، ولا يخفى ما فيه . والمراد بالسماء الاجرام العلوية أو جهة العلو . وثم قيل : للتراخي في الوقت ، وقيل : لتفاوت ما بين الخلقين ، وفضل خلق السماء على خلق الأرض ، والناس مختلفون في خلق السماء وما فيها ، والأرض وما فيها باعتبار التقدم والتأخر لتعارض الظواهر في ذلك ، فذهب بعض إلى تقدم خلق السموات لقوله تعالى : { أَمِ السماء بناها * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضحاها * والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا ومرعاها * والجبال أرساها } [ النازعات : 7 2 2 3 ] وذهب آخرون إلى تقدم خلق الأرض لقوله تعالى : { أَئِنَّكُمْ * لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الارض فِى يَوْمَيْنِ } إلى قوله سبحانه : { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ * سموات * فِى يَوْمَيْنِ وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } [ فصلت : 9 2 1 ] وجمع بعضهم فقال : إن { أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا } [ النازعات : 31 ] بدل أو عطف بيان لدحاها أي بسطها مبين للمراد منه فيكون تأخرها ليس بمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه بل خلق التمتع والانتفاع به فإن البعدية كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون باعتبار جزئه الأخير . وقيده المذكور كما لو قلت : بعثت إليك رسولاً ثم كنت بعثت فلاناً لينظر ما يبلغه فبعث الثاني ، وإن تقدم لكن ما بعث لأجله متأخر فجعل نفسه متأخراً . وما رواه الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في التوفيق بين الآيتين يشير إلى هذا ، ولا يعارضه ما رواه ابن جرير وغيره وصححوه عنه أيضاً «إن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال : خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والإثنين ، وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب ، فهذه أربعة فقال تعالى :
{ أَئِنَّكُمْ * لَتَكْفُرُونَ } إلى { سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } [ فصلت : 9 0 1 ] وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة» لجواز أن يحمل على أنه خلق مادة ذلك وأصوله إذ لا يتصور المدائن والعمران والخراب قبل ، فعطفه عليه قرينة لذلك ، واستشكال الإمام الرازي تأخر التدحية عن خلق السماء بأن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة كان خلقها أيضاً متأخراً مبني كما قيل : على الغفلة لأن من يقول بتأخر دحوها عن خلقها لا يقول بعظمها ابتداء بل يقول : إنها في أول الخلق كانت كهيئة الفهر ثم دحيت ، فيتحقق الانفكاك ويصح تأخر دحوها عن خلقها ، وقوله قدس سره : إن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة لا يخفى دفعه بناء على أن المراد بذلك خلق المواد والأصول لا خلق الأشياء فيها كما هو اليوم . وقال بعض المحققين : اختلف المفسرون في أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض أو مؤخر؟ نقل الإمام الواحدي عن مقاتل الأول واختاره المحققون ولم يختلفوا في أن جميع ما في الأرض مما ترى مؤخر عن خلق السموات السبع بل اتفقوا عليه ، فحينئذ يجعل الخلق في الآية الكريمة بمعنى التقدير لا الإيجاد أو مبعناه ويقدر الإرادة ويكون المعنى أراد خلق ما في الأرض جميعاً لكم على حد { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] و { إِذَا * وَإِذَا قَرَأْتَ } [ الإسراء : 5 4 ] ولا يخالفه { والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 0 3 ] فإن المتقدم على خلق السماء إنما هو تقدير الأرض وجميع ما فيها ، أو إرادة إيجادها والمتأخر عن خلق السماء إيجاد الأرض وجميع ما فيها فلا إشكال ، وأما قوله سبحانه وتعالى : { خَلَقَ الارض فِى يَوْمَيْنِ } [ فصلت : 9 ] فعلى تقدير الإرادة ، والمعنى أراد خلق الأرض ، وكذا { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } [ فصلت : 10 ] ينبغي أن يكون بمعنى أراد أن يجعل ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : { فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] فإن الظاهر أن المراد ائتيا في الوجود ، ولو كانت الأرض موجودة سابقة لما صح هذا فكأنه سبحانه قال : أئنكم لتكفرون بالذي أراد إيجاد الأرض وما فيها من الرواسي والأقوات في أربعة أيام ثم قصد إلى السماء فتعلقت إرادته بإيجاد السماء والأرض فأطاعا بأمر التكوين فأوجد سبع سموات في يومين وأوجد الأرض وما فيها في أربعة أيام . (1/250)
بقي هاهنا : بيان النكتة في تغيير الأسلوب حيث قدم في الظاهر هاهنا وفي { حم } السجدة خلق الأرض وما فيها/ على خلق السموات وعكس في النازعات ولعل ذلك لأن المقام في الأولين مقام الامتنان فمقتضاه تقديم ما هو نعمة نظراً إلى المخاطبين فكأنه قال سبحانه وتعالى : هو الذي دبر أمركم قبل خلق السماء قم خلق السماء ، والمقام في الثالثة مقام بيان كمال القدرة فمقتضاه تقديم ما هو أدل على كمالها ، هذا والذي يفهم من بعض عبارات القوم قدس الله تعالى أسرارهم أن المحدد ويقال له سماء أيضاً مخلوق قبل الأرض وما فيها ، وأن الأرض نفسها خلقت بعد ، ثم بعد خلقها خلقت السموات السبع ، ثم بعد السبع خلق ما في الأرض من معادن ونبات ، ثم ظهر عالم الحيوان ، ثم عالم الإنسان ، فمعنى { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض } حينئذ قدره أو أراد إيجاده أو أوجد مواذه ، ومعنى { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } [ فصلت : 10 ] الخ في الآية الأخرى على نحو هذا ، وخلق الأرض فيها على ظاهره ولا يأباه قوله سبحانه : { فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا } [ فصلت : 11 ] الخ لجواز حمله على معنى ائتيا بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وإبراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة ، أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة أو ليأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما ، وبعد هذا كله لا يخلو البحث من صعوبة ، ولا زال الناس يستصعبونه من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى الآن ، ولنا فيه إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة ، ونسأل الله تعالى التوفيق . (1/251)
{ الله سَبْعَ سماوات } الضمير للسماء إن فسرت بالأجرام ، وجاز أن يرجع إليها بناء على أنها جمع أو مؤلة به ، وإلا فمبهم يفسره ما بعده على حد نعم رجلا وفيه من التفخيم والتشويق والتمكين في النفس ما لا يخفى ، وفي نصب { سَبْعَ } خمسة أوجه : البدل من المبهم ، أو العائد إلى السماء ، أو مفعول به أي سوى منهن ، أو حال مقدرة ، أو تمييز ، أو مفعول ثان لسوى بناء على أنها بمعنى صير ولم يثبت والبدلية أرجع لعدم الاشتقاق وبعدها الحالية كما في «البحر» وأريد بسواهن أتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونات عن العوج والفطور لا أنه سبحانه وتعالى سواهن بعد أن لم يكن كذلك فهو على حد قولهم : ضيق فم البئر ووسع الدار ، وفي مقارنة التسوية والاستواء حسن لا يخفى لا يقال إن أرباب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك ، وهل هي إلا سموات؟ لأنا نقول هم شاكون إلى الآن في النقصان والزيادة فإن ما وجدوه من الحركات يمكن ضبطها بثمانية وسبعة بل بواحد ، وبعضهم أثبتوا بين فلك الثوابت والأطلس كرة لضبط الميل الكلي ، وقال بعض محققيهم : لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطوية بعضها على بعض ، وأطال الإمام الرازي الكلام في ذلك وأجاد ، على أنه إن صح ما شاع فليس في الآية ما يدل على نفي الزوائد بناء على ما اختاره الإمام من أن مفهوم العدد ليس بحجة ، وكلام البيضاوي في «تفسيره» يشير إليه خلافاً لما في «منهاجه» الموافق لما عليه الإمام الشافعي ونقله عنه الغزالي في «المنخول» ، وذكر الساليكوتي أن الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد والخلاف في ذلك مشهور وإذا قلنا بكروية العرش والكرسي لم يبق كلام .
{ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } تذييل مقرر لما قبله من خلق السموات والأرض وما فيها على هذا النمط العجيب والأسلوب الغريب { مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [ الملك : 3 ، 4 ] وفي { عَلِيمٌ } من المبالغة ما ليس في عالم وليس ذلك راجعاً إلى نفس الصفة لأن علمه تعالى واحد لا تكثر فيه لكن لما تعلق بالكلي والجزئي والموجود والمعدوم والمتناهي وغير المتناهي وصف نفسه سبحانه بما دل على المبالغة والشيء هنا عام باق على عمومه لا تخصيص فيه بوجه خلافاً لمن ضل عن سواء السبيل ، والجار والمجرور متعلق بعليم وإنما تعدى بالباء مع أنه من علم وهو متعد بنفسه ، والتقوية تكون باللام لأن أمثلة المبالغة/ كما قالوا : خالفت أفعالها لأنها أشبهت أفعل التفضيل لما فيها من الدلالة على الزيادة فأعطيت حكمه في التعدية وهو أنه إن كان فعله متعدياً فإن أفهم علماً أو جهلاً تعدى بالباء كأعلم به وأجهل به ، وعليم به وجهول به وأعلم من يضل على التأويل وإلا تعدى باللام كاضرب لزيد و { فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } [ هود : 107 ] وإلا تعدى بما يتعدى به فعله كاصبر على النار ، وصبور على كذا ولعل ذلك أغلبي إذ يقال رحيم به فافهم . (1/252)
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الارض خَلِيفَةً } لما امتن سبحانه على من تقدم بما تقدم أتبع ذلك بنعمة عامة وكرامة تامة والإحسان إلى الأصل إحسان إلى الفرع والولد سر أبيه و ( إذ ) ظرف زمان للماضي مبني لشبهه بالحرف وضعا وافتقاراً ويكون ما بعدها جملة فعلية أو اسمية ، ويستفاد الزمان منها بأن يكون ثاني جزأيها فعلاً أو يكون مضمونها مشهوراً بالوقوع في الزمان المعين ، وإذا دخلت على المضارع قلبته إلى الماضي ، وهي ملازمة للظرفية إلا أن يضاف إليها زمان ، وفي وقوعها مفعولاً به أو حرف تعليل أو مفاجاة أو ظرف مكان أو زائدة خلاف ، وفي «البحر» إنها لا تقع ، وإذا استفيد شيء من ذلك فمن المقام ، واختلف المعربون فيها هنا فقيل : زائدة وبمعنى قد ، وفي موضع رفع أي ابتداء خلقكم إذ وفي موضع نصب بمقدر أي ابتداء خلقكم أو أحياكم إذ ويعتبر وقتاً ممتداً لا حين القول ، ويقال : بعدها ومعمول لخلقكم المتقدم والواو زائدة والفصل بما يكاد أن يكون سورة ، ومتعلق باذكر ويكفي في صحة الظرفية ظرفية المفعول كرميت الصيد في الحرم وهذه عدة أقوال بعضها غير صحيح والبعض فيه تكلف ، فاللائق أن تجعل منصوبة بقالوا الآتي وبينهما تناسب ظاهر والجملة بما فيها عطف على ما قبلها عطف القصة على القصة كذا قيل ، وأنت تعلم أن المشهور القول الأخير ولعله الأولى فتدبر ، ولا يخفي لطف الرب هنا مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم بطريق الخطاب وكان في تنويعه والخروج من عامه إلى خاصه رمزاً إلى أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها فهو صلى الله عليه وسلم على الحقيقة الخليفة الأعظم في الخليقة والإمام المقدم في الأرض والسموات العلى ، ولولاه ما خلق آدم بل ولا ولا ولله تعالى در سيدي ابن الفارض حيث يقول عن لسان الحقيقة المحمدية : (1/253)
وإني وإن كنت ابن آدم صورة ... فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
واللام الجارة للتبليغ ، و الملائكة جمع ملئك على وزن شمائل وشمأل وهو مقلوب مالك صفة مشبهة عند الكسائي ، وهو مختار الجمهور من الألوكة وهي الرسالة ، فهم رسل إلى الناس وكالرسل إليهم ، وقيل : لا قلب فابن كيسان إلى أنه فعال من الملك بزيادة الهمزة لأنه مالك ما جعله الله تعالى إليه أو لقوته فإن ( م ل ك ) يدور مع القوة والشدة يقال : ملكت العجين شددت عجنه ، وهو اشتقاق بعيد ، وفعال قليل ، وأبو عبيدة إلى أنه مفعل من لاك إذا أرسل مصدر ميمي بمعنى المفعول؛ أو اسم مكان على المبالغة ، وهو اشتقاق بعيد أيضاً ، ولم يشتهر لاك ، وكثر في الاستعمال الكني إليه أي كن لي رسولا ولم يجىء سوى هذه الصيغة فاعتبره مهموز العين ، وإن أصله ألاكني ، وبعض جعله أجوف من لاك يلوك ، والتاء لتأنيث الجمع ، وقيل : للمبالغة ولم يجعل لتأنيث اللفظ كالظلمة لاعتبارهم التأنيث المعنوي في كل جمع حيث قالوا : كل جمع مؤنث بتأويل الجماعة وقد ورد بعير تاء في قوله :
أبا خالد صلت عليك الملائك ... واختلف الناس في حقيقتها بعد اتفاقهم على أنها موجودة سمعاً أو عقلاً ، فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام نورانية ، وقيل : هوائية قادرة على التشكل والظهور بأشكال مختلفة بإذن الله تعالى ، وقالت النصارى : إنها الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة ، والخبيثة عندهم شياطين ، وقال عبدة الأوثان : إنها هذه الكواكب السعد منها ملائكة الرحمة ، والنحس ملائكة العذاب . والفلاسفة يقولون : إنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس/ الناطقة في الحقيقة ، وصرح بعضهم بأنها العقول العشرة والنفوس الفلكية التي تحرك الأفلاك ، وهي عندنا منقسمة إلى قسمين . قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 0 2 ] ، وهم العليون والملائكة المقربون . وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] وهم { المدبرات أمْراً } [ النازعات : 5 ] فمنهم سماوية ومنهم أرضية ، ولا يعلم عددهم إلى الله . وفي الخبر «أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع» وهم مختلفون في الهيآت متفاوتون في العظم ، لا يراهم على ما هم عليه إلا أرباب النفوس القدسية . وقد يظهرون بأبدان يشترك في رؤيتها الخاص والعام وهم على ما هم عليه ، حتي قيل : إن جبريل عليه السلام في وقت ظهوره في صورة دحية الكلبي بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة المنتهى ، ومثله يقع للكمل من الأولياء ، وهذا ما وراء طور العقل وأنا به من المؤمنين وقد ذكر أهل الله قدس الله تعالى أسرارهم أن أول مظهر للحق جل شأنه العما ، ولما انصبغ بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيمين الذين هم فوق عالم الأجساد الطبيعية ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم . فلما أوجدهم تجلى لهم باسمه الجميل فهاموا في جلال جماله ، فهم لا يفيقون ، فلما شاء أن يخلق عالم التدوين والتسطير عين واحداً من هؤلاء وهو أول ملك ظهر عن ملائكة ذلك النور سماه العقل والقلم ، وتجلى في مجلى التعليم الوهبي بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية ، فقبل بذاته علم ما يكون ، وما للحق من الأسماء الإلهية الطالبة صدور هذا العالم الخلقي ، فاشتق من هذا العقل ما سماه اللوح ، وأمر القلم أن يتدلى إليه ويودع فيه ما يكون إلى يوم القيامة لا غير . (1/254)
فجعل لهذا العلم ثلثمائة وستين سناً من كونه قلما ، ومن كونه عقلاً ثلثمائة وستين تجلياً أو رقيقة كل سن أو رقيقة تفترق من ثلثمائة وستين صنفاً من العلوم الإجمالية فيفصلها في اللوح ، وأول علم حصل فيه علم الطبيعة فكانت دون النفس ، وهذا كله في عالم النور الخالص ، ثم أوجد سبحانه الظلمة المحضة التي هي في مقابلة هذا النور بمنزلة العدم المطلق المقابل للوجود المطلق فأفاض عليها النور إفاضة ذاتية بمساعدة الطبيعة ، فلأم شعثها ذلك النور فظهر العرش ، فاستوى عليه اسم الرحمن بالاسم الظاهر فهو أول ما ظهر من عالم الخلق ، وخلق من ذلك النور الممتزج الملائكة الحافين ، وليس لهم شغل إلا كونهم حافين من حول العرش يسبحون بحمد ثم أوجد الكرسي في جوف هذا العرش ، وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته ، فكل فلك أصل لما خلق فيه من عماره ، كالعناصر فيما خلق فيها من عمارها ، وقسم في هذا الكرسي الكلمة إلى خبر وحكم ، وهما القدمان اللتان تدلتا له من العرش كما ورد في الخبر . ثم خلق في جوف الكرسي الأفلاك فلكا في جوف فلك ، وخلق في كل فلك عالماً منه يعمرونه ، وزينها بالكواكب { وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } [ فصلت : 2 1 ] إلى أن خلق صور المولدات ، وتجلى لكل صنف منها بحسب ما هي عليه ، فتكون من ذلك أرواح الصور وأمرها بتدبيرها وجعلها غير منقسمة بل ذاتاً واحدة ، وميز بعضها عن بعض فتميزت وكان تمييزها بحسب قبول الصور من ذلك التجلي ، وهذه الصور في الحقيقة كالمظاهر لتلك الأرواح ، ثم أحدث سبحانه الصور الجسدية الخيالية بتجل آخر ، وجعل لكل من الأرواح والصور غذاء يناسبه ، ولا يزال الحق سبحانه يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفسين ، وسبحان من يقول للشيء كن فيكون . (1/255)
إذا علمت ذلك فاعلم أنهم اختلفوا في الملائكة المقول لهم ، فقيل : كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص ، فشمل المهيمين وغيرهم ، وقيل : ملائكة الأرض بقرينة أن الكلام في خلافة الأرض ، وقيل : إبليس ومن كان معه في محاربة الجن/ الذين أسكنوا الأرض دهراً طويلاً ففسدوا فبعث الله تعالى عليهم جنداً من الملائكة يقال لهم الجن أيضاً وهم خزان الجنة اشتق لهم اسم منها فطردوهم إلى شعوب الجبال والجزائر . والذي عليه السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ، أنهم ما عدا العالمين ممن كان مودعا شيئاً من أسماء الله تعالى وصفاته ، وأن العالمين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات ، وقوله تعالى : { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } [ ص : 57 ] يشير إلى ذلك عندهم ، وجعلوا من أولئك الملك المسمى بالروح وبالقلم الأعلى وبالعقل الأول وهو المرآة لذاته تعالى ، فلا يظهر بذاته إلا في هذا الملك ، وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته فهو قطب العالم الدنيوي والأخروي وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب والأعراف ، وما من شيء إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه ، وهو قد كان عالماً بخلق آدم ورتبته ، فإنه الذي سطر في اللوح ما كان وما يكون ، واللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه ، وقد ظهر هذا الملك بكماله في الحقيقة المحمدية كما يشير إليه قوله تعالى :
{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 2 5 ] ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق ، بل هو الخليفة على الحقيقة في السبع الطباق ، وليس هذا بالبعيد فليفهم . (1/256)
وجاعل اسم فاعل من الجعل بمعنى التصيير فيتعدى لاثنين ، والأول : هنا خليفة ، والثاني : { فِى الارض } أو بمعنى الخلق فيتعدى لواحد ، ف { فِى الارض } متعلق بخليفة ، وقدم للتشويق وعمل الوصف لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على مسند إليه ، ورجح في «البحر» كونه بمعنى الخلق لما في المقابل ، ويلزم على كونه بمعنى التصيير ذكر خليفة أو تقديره فيه . والمراد من الأرض إما كلها وهو الظاهر ، وبه قال الجمهور ، أو أرض مكة ، وروي هذا مرفوعاً والظاهر أنه لم يصح ، وإلا لم يعدل عنه ، وخص سبحانه الأرض لأنها من عالم التغيير والاستحالات ، فيظهر بحكم الخلافة فيها حكم جميع الأسماء الإلهية التي طلب الحق ظهوره بها بخلاف العالم الأعلى؛ والخليفة من يخلف غيره وينوب عنه ، والهاء للمبالغة ، ولهذا يطلق على المذكر ، والمشهور أن المراد به آدم عليه السلام وهو الموافق للرواية ولإفراد اللفط ولما في السياق ، ونسبة سفك الدم والفساد إليه حينئذٍ بطريق التسبب أو المراد بمن يفسد الخ من فيه قوة ذلك ، ومعنى كونه خليفة أنه خليفة الله تعالى في أرضه ، وكذا كل نبي استخلفهم في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى ، ولكن لقصور المستخلف عليه لما أنه في غاية الكدورة والظلمة الجسمانية ، وذاته تعالى في غاية التقدس ، والمناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة الإلهية فلا بد من متوسط ذي جهتي تجرد وتعلق ليستفيض من جهة ويفيض بأخرى . وقيل : هو وذريته عليه السلام ، ويؤيده ظاهر قول الملائكة ، فإلزامهم حينئذٍ بإظهار فضل آدم عليهم لكونه الأصل المستتبع من عداه ، وهذا كما يستغني بذكر أبي القبيلة عنهم ، إلا أن ذكر الأب بالعلم وما هنا بالوصف ، ومعنى كونهم خلفاء أنهم يخلفون من قبلهم من الجن بني الجان أو من إبليس ومن معه من الملائكة المبعوثين لحرب أولئك على ما نطقت به الآثار ، أو أنه يخلف بعضهم بعضاً ، وعند أهل الله تعالى المراد بالخليفة آدم وهو عليه السلام خليفة الله تعالى وأبو الخلفاء والمجلي له سبحانه وتعالى ، والجامع لصفتي جماله وجلاله ، ولهذا جمعت له اليدان وكلتاهما يمين ، وليس في الموجودات من وسع الحق سواه ، ومن هنا قال الخليفة الأعظم صلى الله عليه وسلم :
« إن الله تعالى خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن » وبه جمعت الأضداد وكملت النشأة وظهر الحق ، ولم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام ، بل متى فارق هذا/ الإنسان العالم مات العالم لأنه الروح الذي به قوامه ، فهو العماد المعنوي للسماء ، والدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه . ولما كان هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته صحت له الخلافة وتدبير العالم والله سبحانه الفعال لما يريد ، ولا فاعل على الحقيقة سواه وفي المقام ضيق ، والمنكرون كثيرون ولا مستعان إلا بالله عز وجل . وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة تعليم المشاورة لأن هذه المعاملة تشبهها أو تعظيم شأن المجعول وإظهار فضله ويحتمل أنه سبحانه أراد بذلك تعريف آدم عليه السلام لهم ليعرفوا قدره لأنه باطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية وما يعرفه لبطونه من الملأ الأعلى إلا اللوح والقلم ، وكان هذا القول على ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره في دولة السنبلة بعد مضي سبعة عشر ألف سنة من عمر الدنيا ومن عمر الآخرة التي لا نهاية له في الدوام ثمانية آلاف سنة ، ومن عمر العالم الطبيعي المقيد بالزمان المحصور بالمكان إحدى وسبعون ألف سنة من السنين المعروفة الحاصلة أيامها من دورة الفلك الأول وهو يوم وخمسا يوم من أيام ذي المعارج ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد ، وقرأ زيد بن علي ( خليقة ) بالقاف والمعنى واضح . (1/257)
{ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } استكشاف عن الحكمة الخفية وعما يزيل الشبهة وليس استفهاماً عن نفس الجعل والاستخلاف لأنهم قد علموه قبل ، فالمسؤول عنه هو الجعل ولكن لا باعتبار ذاته بل باعتبار حكمته ومزيل شبهته ، أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ، أو يستخلف مكان أهل الفساد مثلهم أو مكان أهل الطاعة أهل المعصية ، وقيل استفهام محض حذف فيه المعادل أي : أتجعل فيها من يفسد أم تجعل من لا يفسد وجعله بعضهم من الجملة الحالية أي : أتجعل فيها كذا ونحن نسبح بحمدك أم نتغير واختار ذلك شيخنا علاء الدين الموصلي روح الله تعالى روحه ، والأدب يسكتني عنه ، وعلى كل تقدير ليست الهمزة للإنكار كما زعمته الحشوية مستدلين بالآية على عدم عصمة الملائكة لاعتراضهم على الله تعالى وطعنهم في بني آدم ، ومن العجيب أن مولانا الشعراني وهو من أكابر أهل السنة بل من مشايخ أهل الله تعالى نقل عن شيخه الخواص أنه خص العصمة بملائكة السماء معللاً له بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة ، وقال : إن الملائكة الأرضية غير معصومين ولذلك وقع إبليس فيما وقع إذ كان من ملائكة الأرض الساكنين بجبل الياقوت بالمشرق عند خط الاستواء فعليه لا يبعد الاعتراض ممن كان في الأرض والعياذ بالله تعالى ، ويستأنس له بما ورد في بعض الأخبار أن القائلين كانوا عشرة آلاف نزلت عليهم نار فأحرقتهم ، وعندي أن ذلك غير صحيح ، وقيل : إن القائل إبليس وقد كان إذ ذاك معدوداً في عداد الملائكة ويكون نسبة القول إليهم على حد بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم ، والوجه ما قررنا وتكرار الظرف للدلالة على الإفراط في الفساد ولم يكرره بعد للاكتفاء مع ما في التكرار مما لا يخفى .
والسفك الصب والإراقة ولا يستعمل إلا في الدم أو فيه وفي الدمع والعطف من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى الهياكل الجسمانية ، والدماء جمع دم لامه ياء أو واو وقصره وتضعيفه مسموعان ، وأصله فعل أو فعل ، والمراد بها المحرمة بقرينة المقام ، وقيل : الاستغراق فيتضمن جميع أنواعها من المحظور وغيره والمقصود عدم تمييزه بينها ، وقرأ ابن أبي عبلة يسفك بضم الفاء ، ويسفك من أسفك وبالتضعيف من سفك ، وقرأ ابن هرمز بنصب الكاف وخرج على النصب في جواب الاستفهام ، وقرىء على البناء للمجهول ، والراجع إلى من حينئذٍ سواء جعل موصولاً أو موصوفاً/ محذوف أي فيهم وحكم الملائكة بالإفساد والسفك على الإنسان بناءً على بعض هاتيك الوجوه ليس من ادعاء علم الغيب أو الحكم بالظن والتخمين ولكن بإخبار من الله تعالى ولم يقص علينا فيما حكي عنهم اكتفاءً بدلالة الجواب عليه للإيجاز كما هو عادة القرآن ، ويؤيد ذلك ما روي في بعض الآثار أنه لما قال الله تعالى ذلك قالوا : وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال : تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضاً فعند ذلك قالوا : ربنا { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } وقيل : عرفوا ذلك من اللوح ويبعده عدم علم الجواب ، ويحتاج الجواب إلى تكلف ، وقيل : عرفوه استنباطاً عما ركز في عقولهم من عدم عصمة غيرهم المفضي إلى العلم بصدور المعصية عمن عداهم المفضي إلى التنازع والتشاجر إذ من لا يرحم نفسه لا يرحم غيره ، وذلك يفضي إلى الفساد وسفك الدماء ، وقيل : قياساً لأحد الثقلين على الآخر بجامع اشتراكهما في عدم العصمة ولا يخفى ما في القولين ، ويحتمل أنهم علموا ذلك من تسميته خليفة لأن الخلافة تقتضي الإصلاح وقهر المستخلف عليه وهو يستلزم أن يصدر منه فساد إما في ذاته بمقتضى الشهوة أو في غيره من السفك أو لأنها مجلي الجلال كما أنها مجلي الجمال ، ولكل آثار ، والإفساد والسفك من آثار الجلال وسكتوا عن آثار الجمال إذ لا غرابة فيها وهم على كل تقدير ما قدروا الله تعالى حق قدره ولا يخل ذلك بهم ففوق كل ذي علم عليم . (1/258)
{ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } حال من ضمير الفاعل في { أَتَجْعَلُ } وفيها تقرير لجهة الإشكال ، والمعنى تستخلف من ذكر ونحن المعصومون وليس المقصود إلا الاستفسار عن المرجح لا العجب والتفاخر حتى يضر بعصمتهم كما زعمت الحشوية ، ولزوم الضمير ، وترك الواو في الجملة الاسمية إذا وقعت حالاً مؤكدة غير مسلم كما في «شرح التسهيل» وصيغة المضارع للاستمرار ، وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للاختصاص . ومن الغريب جعل الجملة استفهامية حذف منها الأداة ، وكذا المعادل والتسبيح في الأصل مطلق التبعيد ، والمراد به تبعيد الله تعالى عن السوء وهو متعد بنفسه ويعدى باللام إشعاراً بأن إيقاع الفعل لأجل الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه فالمفعول المقدر ههنا يمكن أن يكون باللام على وفق قرينه ، وأن يكون بدونه كما هو أصله ، و { بِحَمْدِكَ } في موضع الحال والباء لاستدامة الصحبة والمعية ، وإضافة الحمد إما إلى الفاعل والمراد لازمه مجازاً من التوفيق والهداية ، أو إلى المفعول أي متلبسين بحمدنا لك على ما وفقتنا لتسبيحك ، وفي ذلك نفي ما يوهمه الإسناد من العجب ، وقيل : المراد به تسبيح خاص وهو سبحان ذي الملك والملكوت سبحانه ذي العظمة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت ويعرف هذا بتسبيح الملائكة ، أو سبحان الله وبحمده وفي حديث عن عبادة بن الصامت عن أبي ذر : " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل؟ قال : ما اصطفى الله تعالى لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده " أي وبحمده نسبح ، والتقديس في المشهور كالتسبيح معنى ، واحتاجوا لدفع التكرار إلى أن أحدهما باعتبار الطاعات والآخر باعتبار الاعتقادات ، وقيل : التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به ، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقاً بنفسه فهو أبلغ ويشهد له أنه حيث جمع بينهما آخر نحو سبوح قدوس ويحتمل أن يكون بمعنى التطهير ، والمراد نسبحك ونطهر أنفسنا من الأدناس أو أفعالنا من المعاصي فلا نفعل فعلهم من الإفساد والسفك أو نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك ، ولام { لَكَ } إما للعلة متعلق بنقدس والحمل على التنازع مما فيه تنازع أو معدية للفعل كما في سجدت لله تعالى أو للبيان كما في سفهاً لك فمتعلقها حينئذٍ خبر مبتدأ محذوف أو زائدة والمفعول هو المجرور ، ثم الظاهر أن قائل هذه الجملة هو قائل الجملة الأولى ، وأغرب الشيخ/ صفي الدين الخزرجي في كتابه «فك الأزرار» فجعل القائل مختلفاً ، وبين ذلك بأن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين وكان إبليس مندرجاً في جملتهم فورد الجواب منهم مجملاً ، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه انفصل الجواب إلى نوعين ، فنوع الاعتراض منه ، ونوع التسبيح والتقديس ممن عداه ، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين ، وناسب كل جواب من ظهر عنه ، فالكلام شبيه بقوله تعالى : (1/259)
{ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ } [ البقرة : 135 ] وهو تأويل لا تفسير . (1/260)
{ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم من الحكم في ذلك ما أنتم بمعزل عنه ، وقيل : أراد بذلك علمه بمعصية إبليس وطاعة آدم ، وقيل : بأنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون ، وقيل : الأحسن أن يفسر هذا المبهم بما أخبر به تعالى عنه بقوله سبحانه : { إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض } [ البقرة : 33 ] ويفهم من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم ، أن المراد من الآية بيان الحكمة في الخلافة على أدق وجه وأكمله ، فكأنه قال جل شأنه أريد الظهور بأسمائي وصفاتي ولم يكمل ذلك بخلقكم فإني أعلم ما لا تعلمونه لقصور استعدادكم ونقصان قابليتكم ، فلا تصلحون لظهور جميع الأسماء والصفات فيكم ، فلا تتم بكم معرفتي ولا يظهر عليكم كنزي ، فلا بد من إظهار من تم استعداده ، وكملت قابليته ليكون مجلي لي ومرآة لأسمائي وصفاتي ومظهراً للمتقابلات فيّ ، ومظهراً لما خفي عندي ، وبي يسمع وبي يبصر وبي وبي ، وبعد ذاك يرق الزجاج والخمر ، وإلى الله عز شأنه يرجع الأمر . و { أَعْلَمُ } فعل مضارع ، واحتمال أنه أفعل تفضيل مما لا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله سبحانه كما لا يخفى .
وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)
{ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا } عطف على { قَالَ } [ البقرة : 0 3 ] ، وفيه تحقيق لمضمون ما تقدم ، وظاهر الابتداء بحكاية التعليم يدل على أن ما مر من المقاولة إنما جرت بعد خلقه عليه السلام بمحضر منه بأن قيل إثر نفخ الروح فيه : إن جاعل إياه خليفة ، فقيل ما قيل ، وقيل : إنه معطوف على محذوف ، أي فخلق وعلم ، أو فخلقه وسواه ونفخ فيه الروح وعلم ، أو فجعل في الأرض خليفة وعلم ، وإبراز اسمه عليه السلام للتنصيص عليه والتنويه بذكره . وآدم صرح الجواليقي وكثيرون أنه عربي ووزنه أفعل من الأدمة بضم فسكون السمرة وياما أحيلاها في بعض ، وفسرها أناس بالبياض أو الأدمة بفتحتين الأسوة والقدوة أو من أديم الأرض ما ظهر منها . وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه غير واحد ، أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها ، فخلق منها آدم ، فلذلك تأتي بنوه أخيافاً ، أو من الأدم أو الأدمة ، الموافقة والألفة ، وأصله أأدم بهمزتين فأبدلت الثانية ألفاً لسكونها بعد فتحة ، ومنع صرفه للعلمية ووزن الفعل ، وقيل : أعجمي ووزنه فاعل بفتح العين ويكثر هذا في الأسماء كشالخ وآزر ويشهد له جمعه على أوادم بالواو لا أآدم بالهمزة ، وكذا تصغيره على أويدم لا أؤيدم واعتذر عنه الجوهري بأنه ليس للهمزة أصل في البناء معروف ، فجعل الغالب عليها الواو ولم يسلموه له ، وحينئذٍ لا يجري الاشتقاق فيه لأنه من تلك اللغة لا نعلمه ومن غيرها لا يصح ، والتوافق بين اللغات بعيد ، وإن ذكر فيه فذاك للإشارة إلى أنه بعد التعريب ملحق بكلامهم ، وهو اشتقاق تقديري اعتبروه لمعرفة الوزن والزائد فيه من غيره ، ومن أجراه فيه حقيقة كمن جمع بين الضب والنون ، ولعل هذا أقرب إلى الصواب . والأسماء جمع اسم وهو باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلاً يرفعه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال ، واستعمل عرفاً في الموضوع/ لمعنى مفرداً كان أو مركباً مخبراً عنه أو خبراً أو رابطة بينهما ، وكلا المعنيين محتمل . والعلم بالألفاظ المفردة والمركبة تركيباً خبرياً أو إنشائياً يستلزم العلم بالمعاني التصورية والتصديقية . وإرادة المعنى المصطلح مما لا يصلح لحدوثه بعد القرآن . وقال الإمام : المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها ، لأنها علامات دالة على ماهياتها ، فجاز أن يعبر عنه بالأسماء ، وفيه كما قال الشهاب نظر إذ لم يعهد إطلاق الاسم على مثله حتى يفسر به النظم ، وقيل : المراد بها أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وعزي إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : اللغات ، وقيل : أسماء الملائكة ، وقيل : أسماء النجوم ، وقال الحكيم الترمذي : أسماؤه تعالى ، وقيل وقيل وقيل . (1/261)
والحق عندي ما عليه أهل الله تعالى ، وهو الذي يقتضيه منصب الخلافة الذي علمت ، وهو أنها أسماء الأشياء علوية أو سفلية جوهرية أو عرضية ، ويقال لها أسماء الله تعالى عندهم باعتبار دلالتها عليه ، وظهوره فيها غير متقيد بها . ولهذا قالوا : إن أسماء الله تعالى غير متناهية ، إذ ما من شيء يبرز للوجود من خبايا الجود ، إلا وهو اسم من أسمائه تعالى وشأن من شؤونه عز شأنه ، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن . ومن هنا قال قدس سره : (1/262)
إن الوجود وإن تعدد ظاهرا ... وحياتكم ما فيه إلا أنتم
لكن للفرق مقام وللجمع مقام ولكل مقام مقال ، ولولا المراتب لتعطلت الأسماء والصفات ، وتعليمها له عليه السلام على هذا ظهور الحق جل وعلا فيه منزهاً عن الحلول والاتحاد والتشبيه بجميع أسمائه وصفاته المتقابلة حسب استعداده الجامع بحيث علم وجه الحق في تلك الأشياء ، وعلم ما انطوت عليه وفهم ما أشارت إليه ، فلم يخف عليه منها خافية ولم يبق من أسرارها باقية ، فيالله هذا الجرم الصغير كيف حوى هذا العلم الغزير . واختلف الرسميون بينهم في كيفية التعليم بعد أن فسر بأنه فعل يترتب عليه العلم غالباً ، وبعد حصول ما يتوقف عليه من جهة المتعلم كاستعداده لقبول الفيض وتلقيه من جهة المعلم لا تخلف . فقيل : بأن خلق فيه عليه السلام بموجب استعداده علماً ضرورياً تفصيلياً بتلك الأسماء وبمدلولاتها وبدلالتها ووجه دلالتها ، وقيل : بأن خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعداً لإدراك أنواع المدركات ، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها ومعارفها وأصول العلم وقوانين الصناعات وتفاصيل آلاتها وكيفيات استعمالاتها فيكون ما مر من المقاولة قبل خلقه عليه السلام ، والقول : بأن التعليم على ظاهره وكان بواسطة ملك غير داخل في عموم الخطاب ب { *أنبؤوني } مما لا أرتضيه ، اللهم إلا إن صح خبر في ذلك ، ومع هذا أقول : للخبر محمل غير ما يتبادر مما لا يخفى على من له ذوق ، وقيل : غير ذلك . ثم إن هذا التعليم لا يقتضي تقدم لغة اصطلاحية كما زعمه أبو هاشم واحتج عليه بوجوه ردت في «التفسير الكبير» ، إذ لو افتقر لتسلسل الأمر أو دار ، والإمام الأشعري يستدل بهذه الآية على أن الواضع للغات كلها هو الله تعالى ابتداءً ويجوز حدوث بعض الأوضاع من البشر كما يضع الرجل علم ابنه . والمعتزلة يقولون : الواضع من البشر آدم أو غيره ويسمى مذهب الاصطلاح . وقيل : وضع الله تعالى بعضها ووضع الباقي البشر وهو مذهب التوزيع وبه قال الأستاذ ، والمسألة مفصلة بأدلتها وما لها وما عليها في أصول الفقه . وقرأ اليماني : { تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ } مبنياً للمفعول ، وفي «البحر» أن التضعيف للتعدية وهي به سماعية ، وقيل : قياسية ، والحريري في شرح لمحته» يزعم أن علم المتعدي لاثنين يتعدى به إلى ثلاثة ، وقد وهم في ذلك .
{ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة } أي المسميات المفهومة من الكلام وتذكير الضمير على بعض الوجوه لتغليب ما اشتملت عليه من العقلاء ، وللتعظيم بتنزيلها منزلتهم في رأي على البعض الآخر . وقيل : الضمير للأسماء باعتبار أنها المسميات مجازاً على طريق الاستخدام . ومن قال : الاسم عين المسمى قال : الأسماء هي المسميات/ والضمير لها بلا تكلف وإليه ذهب مكي والمهدوي ويرد عليه أن { أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } يدل على أن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات لا عن نفسها وإلا لقيل : أنبؤوني بهؤلاء ، فلا بد أن يكون المعروض غير المسؤول عنه فلا يكون نفس الأسماء ، ومعنى عرض المسميات تصويرها لقلوب الملائكة ، أو إظهارها لهم كالذر ، أو إخبارهم بما سيوجده من العقلاء وغيرهم إجمالاً ، وسؤالهم عما لا بد لهم منه من العلوم والصنائع التي بها نظام معاشهم ومعادهم إجمالاً أيضاً ، وإلا فالتفصيل لا يمكن علمه لغير اللطيف الخبير ، فكأنه سبحانه قال : سأوجد كذا وكذا فأخبروني بما لهم وما عليهم ، وما أسماء تلك الأنواع من قولهم : عرضت أمري على فلان فقال لي كذا ، فلا يرد أن المسميات عند بعض أعيان ومعان ، وكيف تعرض المعاني كالسرور والحزن والجهل والعلم ، وعندي أن عرض المسميات عليهم يحتمل أن يكون عبارة عن اطلاعهم على الصور العلمية والأعيان الثابتة التي قد يطلع عليها في هذه النشأة بعض عباد الله تعالى المجردين ، أو إظهار ذلك لهم في عالم تتجسد فيه المعاني وهذا غير ممتنع على الله تعالى بل إن المعاني الآن متشكلة في عالم الملكوت بحيث يراها من يراها ، ومن أحاط خبراً بعالم المثال لم يستبعد ذلك ، وقيل : إنهم شهدوا تلك المسميات في آدم عليه السلام ، وهو المراد بعرضها : (1/263)
وتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
وقرأ أبيّ : { ثُمَّ * عَرْضُهَا } وعبد الله : { *عرضهن } والمعنى عرض مسمياتها أو مسمياتهن ، وقيل : لا تقدير .
{ الملائكة فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } تعجيز لهم وليس من التكليف بما لا يطاق على ما وهمَ وفيه إشارة إلى أن أمر الخلافة والتصرف والتدبير وإقامة المعدلة بغير وقوف على مراتب الاستعدادات ومقادير الحقوق مما لا يكاد يمكن ، فكيف يروم الخلافة من لا يعرف ذلك ، أو من لا يعرف الألفاظ أنفسها؟ا هيهات ذلك أبعد من العيوق وأعز من بيض الأنوق وعندي أن المراد إظهار عجزهم وقصور استعدادهم عن رتبة الخلافة الجامعة للظاهر والباطن بأمرهم بالإنباء بتلك الأسماء على الوجه الذي أريد منها ، والعاجز عن نفس الإنباء أعجز عن التحلي المطلوب في ذلك المنصب المحبوب :
كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهن حتوف
الرجل حافية ومالي مركب ... والكف صفر والطريق مخوف
والإنباء في الأصل مطلق الإخبار وهو الظاهر هنا ويطلق على الإخبار بما فيه فائدة عظيمة ويحصل به علم أو غلبة ظن ، وقال بعضهم : إنه إخبار فيه إعلام ، ولذلك يجري مجرى كل منهما ، واختاره هنا على ما قيل للإيذان برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها؛ وهذا مبني ، على أن النبأ إنما يطلق على الخبر الخطير والأمر العظيم ، وفي استعمال ثم فيما تقدم والفاء هنا ما لا يخفى من الاعتناء بشأن آدم عليه السلام وعدمه في شأنهم . (1/264)
وقرأ الأعمش : { أَنبِئُونِى } بغير همز { إِن كُنتُمْ صادقين } أي فيما اختلج في خواطركم من أني لا أخلق خلقاً إلا أنتم أعلم منه وأفضل وهذا هو التفسير المأثور فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الملائكة قالوا : لن يخلق الله تعالى خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم ، وفي الكلام دلالة عليه ، فإن { وَنَحْنُ نُسَبّحُ } [ البقرة : 30 ] الخ يدل على أفضليتهم ، وتنزيه الله تعالى وتقديسه أو تقديسهم أنفسهم يدل على كمال العلم أيضاً . وقيل : إن المعنى { إِن كُنتُمْ صادقين } في زعمكم أنكم أحق بالاستخلاف أو في أن استخلافهم لا يليق فأثبتوه ببيان ما فيكم من الشرائط السابقة وليس هذا من المعصية في شيء لأنه شبهة اختلجت ، وسألوا عما يزيحها وليس باختياري ، ولا يرد/ أن الصدق والكذب إنما يتعلق بالخبر وهم استخبروا ولم يخبروا لأنا نقول : هما يتطرقان إلى الإنشاءات بالقصد الثاني ، ومن حيث ما يلزم مدلولها ، وإن لم يتطرقا إليها بالقصد الأول ومن حيث منطوقها ، وجواب { ءانٍ } في مثل هذا الموضع محذوف عند سيبويه وجمهور البصريين يدل عليه السابق ، وهو هنا { أَنبِئُونِى } وعند الكوفيين وأبي زيد والمبرد أن الجواب هو المتقدم ، وهذا هو النقل الصحيح عمن ذكر في المسألة ، ووهم البعض فعكس الأمر ، ومن زعم أن { ءانٍ } هنا بمعنى إذا الظرفية فلا تحتاج إلى جواب فقد وهمَ ، وكأنه لما رأى عصمة الملائكة وظن من الآية ما يخل بها ، ولم يجد لها محملاً مع إبقاء { ءانٍ } على ظاهرها افتقر إلى ذلك ، والحمد لله تعالى على ما أغنانا من فضله ولم يحوجنا إلى هذا ولا إلى القول بأن الغرض من الشرطية التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز ، فحاصل المعنى حينئذٍ أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً كما قال الإمام .
قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)
{ قَالُواْ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } استئناف واقع موقع الجواب كأنه قيل : فماذا؟ قالوا إذا ذاك : هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه أولاً؟ فقيل : { قَالُواْ } : الخ . وذكر غير واحد أن الجمل المفتتحة بالقول إذا كانت مرتباً بعضها على بعض في المعنى فالأفصح أن لا يؤتى فيها بحرف اكتفاء بالترتيب المعنوي ، وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك كثير ، بل القرآن مملوء منه ، وسبحان قيل : إنه مصدر ، وفعله سبح مخففاً بمعنى نزه ، ولا يكاد يستعمل إلا مضافاً ، إما للمفعول أو الفاعل منصوباً بإضمار فعل وجوباً ، وقوله : (1/265)
سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد
شاذ كقوله :
سبحانك اللهم ذا السبحان ... ومجئيه منادى مما زعمه الكسائي ولا حجة له وذهب جماعة إلى أنه علم للتسبيح بمعنى التنزيه لا مصدر سبح بمعنى قال : سبحان الله لئلا يلزم الدور ولأن مدلول ذلك لفظ ومدلول هذا معنى واستدل على ذلك بقوله :
قد قلت لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
إذ لولا أنه عَلَمٌ لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية ، وأجيب بأن سبحان فيه على حذف المضاف إليه أي سبحان الله وهو مراد للعلم به ، وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله وهو التجرد عن التنوين وقيل : ( من ) زائدة والإضافة لما بعدها على التهكم والاستهزاء به ، ومن الغريب قول بعض : إن معنى { سبحانك } تنزيه لك بعد تنزيه ، كما قالوا في لبيك إجابة بعد إجابة ، ويلزم على هذا ظاهراً أن يكون مثنى ومفرده سبحا وأن لا يكون منصوباً بل مرفوع وأنه لم تسقط النون للإضافة وإنما التزم فتحها ، ويا سبحان الله تعالى لمن يقول ذلك ، والغرض من هذا الجواب الاعتراف بالعجز عن أمر الخلافة ، والقصور عن معرفة الأسماء على أبلغ وجه كأنهم قالوا : لا علم لنا إلا ما علمتنا ولم تعلمنا الأسماء فكيف نعلمها؟ وفيه إشعار بأن سؤالهم لم يكن إلا استفساراً ، إذ لا علم لهم إلا من طريق التعليم ، ومن جملته علمهم بحكمة الاستخلاف مما تقدم فهو بطريق التعليم أيضاً فالسؤال المترتب هو عليم سؤال مستفسر لا معترض وثناءً عليه تعالى بما أفاض عليهم مع غاية التواضع ومراعاة الأدب وترك الدعوى ، ولهذا كله لم يقولوا لا علم لنا بالأسماء مع أنه كان مقتضى الظاهر ذلك ، ومن زعم عدم العصمة جعل هذا توبة ، والإنصاف أنه يشبهها ولكن/ لا عن ذنب مخل بالعصمة بل عن ترك أولى بالنسبة إلى علو شأنهم ورفعة مقامهم إذ اللائق بحالهم على العلات أن يتركوا الاستفسار ويقفوا مترصدين لأن يظهر حقيقة الحال .
و ( ما ) عند الجمهور موصولة حذف عائدها وهي إما في موضع رفع على البدل أو نصب على الاستثناء . وحكى ابن عطية عن الزهراوي أنها في موضع نصب ب { عَلَّمْتَنَا } ويتكلف لتوجيهه بأن الاستثناء منقطع ، ف { إِلا } بمعنى لكن . و { مَا } شرطية والجواب محذوف كأنهم نفوا أولاً سائر العلوم ثم استدركوا أنه في المستقبل أي شيء علمهم علموه ويكون ذلك أبلغ في ترك الدعوى كما لا يخفى . (1/266)
{ إِنَّكَ أَنتَ العليم الحكيم } تذييل يؤكد مضمون الجملة السابقة ، ولما نفوا العلم عن أنفسهم أثبتوه لله تعالى على أكمل أوصافه وأردفوه بالوصف بالحكمة لما تبين لهم ما تبين وأصل الحكمة المنع ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها عن الاعوجاج ، وتقال للعلم لأنه يمنع عن ارتكاب الباطل ، ولإتقان الفعل لمنعه عن طرق الفساد والاعتراض وهو المراد ههنا لئلا يلزم التكرار ، فمعنى الحكيم ذو الحكمة ، وقيل : المحكم لمبدعاته ، قال في «البحر» : وهو على الأول صفة ذات ، وعلى الثاني صفة فعل ، والمشهور أنه إن أريد به العليم كان من صفات الذات أو الفاعل لما لا اعتراض عليه كان من صفات الفعل فافهم .
وقدم سبحانه الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة لمناسبة ما تقدم من { أنبؤني } [ البقرة : 31 ] و { سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا } ولأن الحكمة لا تبعد عن العلم وليكون آخر مقالتهم مخالفاً لما يتوهم من أولها ، و { أَنتَ } يحتمل أن يكون فصلاً لا محل له على المشهور يفيد تأكيد الحكم ، والقصر المستفاد من تعريف المسند ، وقيل : هو تأكيد لتقرير المسند إليه ، ويسوغ في التابع ما لا يسوغ في المتبوع ، وقيل : مبتدأ خبره ما بعده ، والحكيم إما خبر بعد خبر أو نعت له وحذف متعلقهما لإفادة العموم ، وقد خصهما بعض فقال : العليم بما أمرت ونهيت الحكيم فيما قضيت وقدرت والعموم أولى .
قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
{ قَالَ يَاءادَمُ * ءادَمَ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ } نادى سبحانه آدم باسمه العلم كما هو عادته جل شأنه مع أنبيائه ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم حيث ناداه ب { ياأيها النبى } [ الأنفال : 4 6 ] و { ياأيهاالرسول } [ المائدة : 1 4 ] لعلو مقامه ورفعة شأنه إذ هو الخليفة الأعظم ، والسر في إيجاد آدم . ولم يقل سبحانه أنبئني كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضاً ، وهو ظهور فضل آدم إبانة لما بين الرتبتين من التفاوت ، وإنباء للملائكة بأن علمه عليه السلام واضح لا يحتاج إلى ما يجري مجرى الامتحان وأنه حقيق أن يعلم غيره أو لتكون له عليه السلام منة التعليم كاملة حيث أقيم مقام المفيد وأقيموا مقام المستفيدين منه ، أو لئلا تستولي عليه الهيبة فإن إنباء العالم ليس كإنباء غيره . والمراد بالإنباء هنا الإعلام لا مجرد الإخبار كما تقدم . (1/267)
وفيه دليل لمن قال : إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة ، ومنع قوم ذلك في الطبقة العليا منهم ، وحمل عليه { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] وأفهم كلام البعض منع حصول العلم المرقي لهم فلعل ما يحصل علم قال : لا حال والفرق ظاهر لمن له ذوق ، وقرأ ابن عباس : { أَنبِئْهُم } بالهمز وكسر الهاء وأنبيهم بقلب الهمزة ياء ، وقرأ الحسن : أنبهم كأعطهم ، والمراد بالأسماء ما عجزوا عن علمها واعترفوا بالقصور عن بلوغ مرتبتها ، والضمير عائد على المعروضين على ما تقدم .
{ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم } عطف على جملة محذوفة والتقدير فانبأهم بها فلما أنبأهم الخ ، وحذفت لفهم المعنى ، وإظهار الأسماء في موقع الإضمار لإظهار كمال العناية بشأنها مع الإشارة إلى أنه عليه السلام أنبأهم بها على وجه التفصيل دون الإجمال . وعلمهم بصدقه من القرائن الموجبة له والأمر أظهر من أن يخفى ، ولا يبعد إن عرفهم سبحانه الدليل على ذلك واحتمال أن يكون لكل صنف منهم لغة أو معرفة بشيء ثم حضر جميعهم/ فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة أو ذلك الشيء بعيد .
{ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } جواب ل { مَا } وتقرير لما مر من الجواب الإجمالي واستحضار له على وجه أبسط من ذلك وأشرح . ولا يخفى ما في الآية من الإيجاز ، إذ كان الظاهر أعلم غيب السموات والأرض وشهادتهما وأعلم ما كنتم تبدون وما كنتم تكتمون وما ستبدون وتكتمون ، إلا أنه سبحانه اقتصر على غيب السموات والأرض لأنه يعلم منه شهادتهما بالأولى ، واقتصر من الماضي على المكتوم لأنه يعلم منه البادي كذلك وعلى المبدأ من المستقبل لأنه قبل الوقوع خفي ، فلا فرق بينه وبين غيره من خفياته وتغيير الأسلوب حيث لم يقل : وتكتمون لعله لإفادة استمرار الكتمان فالمعنى أعلم ما تبدون قبل أن تبدوه وأعلم ما تستمرون على كتمانه ، وذكر الساليكوتي أن كلمة كان صلة غير مفيدة لشيء إلا محض التأكيد المناسب للكتمان ، ثم الظاهر من الآية العموم ومع ذلك
{ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 30 ] أعم مفهوماً لشموله غيب الغيب الشامل لذات الله تعالى وصفاته وخصها قوم فمن قائل : غيب السموات أكل آدم وحواء من الشجرة ، وغيب الأرض قتل قابيل هابيل . ومن قائل : الأول : ما قضاه من أمور خلقه والثاني : ما فعلوه فيها بعد القضاء ، ومن قائل : الأول : ما غاب عن المقربين مما استأثر به تعالى من أسرار الملكوت الأعلى والثاني : ما غاب عن أصفيائه من أسرار الملك الأدنى وأمور الآخرة ، والأولى وما أبدوه قبل قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا } [ البقرة : 0 3 ] وما كتموه ، قولهم : لن يخلق الله تعالى أكرم عليه منا ، وقيل : ما أظهروه بعد من الامتثال . وقيل : ما أسره إبليس من الكبر ، وإسناد الكتم إلى الجميع حينئذٍ من باب بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم ومعنى الكتم على كل حال عدم إظهار ما في النفس لأحد ممن كان في الجمع ، وليس المراد أنهم كتموا الله تعالى شيئاً بزعمهم فإن ذلك لا يكون حتى من إبليس وأبدى سبحانه العامل في { مَا تُبْدُونَ } الخ اهتماماً بالإخبار بذلك المرهب لهم والظاهر عطفه على الأول فهو داخل معه تحت ذلك القول ، ويحتمل أن يكون عطفاً على جملة { أَلَمْ أَقُلْ } فلا يدخل حينئذٍ تحته . (1/268)
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)
{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ } الظرف متعلق بمقدر دل عليه الكلام كانقادوا وأطاعوا والعطف من عطف القصة على القصة وفي كل تعداد النعمة مع أن الأول تحقيق للفضل وهذا اعتراف به ولا يصح عطف الظرف على الظرف بناءاً على اللائق الذي قدمناه لاختلاف الوقتين ، وجوز على أن نصب السابق بمقدر ، والسجود في الأصل تذلل مع انخفاض بانحناء وغيره ، وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة وفي المعنى المأمور به هنا خلاف فقيل : المعنى الشرعي ، والمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى وآدم إما قبلة أو سبب واعترض بأن لو كان كذلك ما امتنع إبليس ، وبأنه لا يدل على تفضيله عليه السلام عليهم . وقوله تعالى : { قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى كَرَّمْتَ } [ الإسراء : 2 6 ] يدل عليه ألا ترى أن الكعبة ليست بأكرم ممن سجد إليها وأجيب بالتباس الأمر على إبليس ، وبأن التكريم يجعله جهة لهذه العبادة دونهم ، ولا يخفى ما فيه من الدلالة على عظمة الشأن كما في جعل الكعبة قبلة من بين سائر الأماكن ومن الناس من جوّز كون المسجود له آدم عليه السلام حقيقة مدعياً أن السجود للمخلوق إنما منع في شرعنا وفيه أن السجود الشرعي عبادة ، وعبادة غيره سبحانه شرك محرم في جميع الأديان والأزمان ولا أراها حلت في عصر من الأعصار . وقيل : المعنى اللغوي ولم يكن فيه وضع الجباه/ بل كان مجرد تذلل وانقياد ، فاللام إما باقية على ظاهرها ، وإما بمعنى إلى مثلها في قول حسان رضي الله عنه : (1/269)
أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالقرآن والسنن
أو للسببية ، مثلها في قوله تعالى : { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } [ الإسراء : 8 7 ] وحكمة الأمر بالسجود إظهار الاعتراف بفضله عليه السلام ، والاعتذار عما قالوا فيه مع الإشارة إلى أن حق الأستاذ على من علمه حق عظيم ، وغير سبحانه الأسلوب حيث قال أولاً : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } [ البقرة : 0 3 ] وهنا { وَإِذَا قُلْنَا } بضمير العظمة لأن في الأول خلق آدم واستخلافه ، فناسب ذكر الربوبية مضافاً إلى أحب خلفائه إليه وهنا المقام مقام إبراد أمر يناسب العظمة وأيضاً في السجود تعظيم ، فلما أمر بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنية عن التعظيم . وقرأ أبو جعفر بضم تاء { الملائكة } اتباعاً لضم الجيم ، وهي لغة أزدشنوأة وهي لغة غريبة عربية وليست بخطأ كما ظن الفارسي فقد روي أن امرأة رأت بناتها مع رجل ، فقالت : أفي السوأ تنتنه تريد أفي السوأة أنتنه .
{ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } الفاء لإفادة مسارعتهم في الامتثال وعدم تثبطهم فيه ، وإبليس اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ، ووزنه فعليل قاله الزجاج . وقال أبو عبيدة وغيره : إنه عربي مشتق من الإبلاس وهو الإبعاد من الخير أو اليأس من رحمة الله تعالى ، ووزنه على هذا مفعيل ، ومنعه من الصرف حينئذٍ لكونه لا نظير له في الأسماء؛ واعترض بأن ذلك لم يعد من موانع الصرف مع أن له نظائر كإحليل وإكليل وفيه نظر ، وقيل : لأنه شبيه بالأسماء الأعجمية إذ لم يسم به أحد من العرب ، وليس بشيء ، واختلف الناس فيه هل هو من الملائكة أم من الجن؟ فذهب إلى الثاني جماعة مستدلين بقوله تعالى :