صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } [ الجاثية : 23 ] فإنه مسوق لعدم المبالاة بالمواعظ ولذا جاءت الفاصلة { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } [ الجاثية : 23 ] فكان المناسب هناك تقديم السمع ، وأعاد جل شأنه الجار لتكون أدلة على شدة الختم في الموضعين فإن ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته وختمت داره كان أقوى المنع عنه وأظهر في الاستقلال لأن إعادة الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرتين ، ولذا قالوا في مررت بزيد وعمرو : مرور واحد ، وفي مررت بزيد وبعمرو : مروان ، والعطف وإن كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهراً مثلها في الإفادة لما فيه من الاحتمال . ووحد السمع مع أنه متعدد في الواقع ومقتضى الانتظام بالسباق . واللحاق أن يجري على نمطهما للاختصار والتفنن مع الإشارة إلى نكتة هي أن مدركاته نوع واحد ومدركاتهما مختلفة وكثيراً ما يعتبر البلغاء مثل ذلك ، وقيل : إن وحدة اللفظ تدل على وحدة مسماه وهو الحاسة ووحدتها تدل على قلة مدركاتها في بادىء النظر فهناك دلالة التزام ويكفي مثل ما ذكر في اللزوم عرفا ومنه يتنبه لوجه جمع القلوب كثرة والأبصار قلة وإن كان ذلك هو المعروف في استعمال الفقهاء في جميعها على أن الاسماع قلما قرع السمع ومنه قراءة ابن أبي عبلة في الشواذ وعلى أسماعهم ، واستشهد له بقوله :
قالت ولم تقصد لقيل الخنا ... مهلا لقد أبلغت أسماعي
والقول بأنه وحدة للأمن عن اللبس كما في قوله :
كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص
ولأنه في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فروعي ذلك ليس بشيء لأن ما ذكر مصحح لا مرجع وأدنى من هذا عندي تقدير مضاف مثل - وحواس سمعهم - وقد اتفق القراء على الوقف على { سمعهم } وظاهره دليل على أنه لا تعلق له بما بعده فهو معطوف على { على قلوبهم } وهذا أولى من كونه هو وما عطف عليه خبراً مقدماً لغشاوة أو عاملان فيه على التنازع وإن احمتلته الآية لتعين نظيرهفي قوله تعالى : { وختم على سمعه وقلبه } [ الجاثية : 23 ] والقرآن يفسر بعضه بعضاً ولأن اسمع كالقلب يدرك ما يدركه من جميع الجهات فناسب أن يقرن معه بالختم الذي يمنع من جميعها وإن اختص وقوعه بجانب إلا أنه لاي تعين ، ولما كان إدراك البصر لا يكون عادة إلا بالمحاذاة والمقابلة جعل المانع ما يمنع منها وهو الغشاوة لأنها في الغالب كذلك كغاشية السرج ، ومثل هذا يكفي في النكات ولا يضره ستره لجميع الجوانب كالإزار ، وما في « الكشف » : من أن الوجه أن الغشاوة مشهورة في أمراض العين فهي أنسب بالبصر من غير حاجة لما تكلفوه ، يكشف عن حاله النظر في المعنى اللغوي ممن لا غشاوة على بصره .

(1/134)


ولعل سبب تقديم السمع على البصر مشاركته للقلب في التصرف في الجهات الست مثله دون البصر . ومن هنا قيل : إنه أفضل منه ، والحق أن كلا من الحواس ضروري في موضعه ، ومن فقد حساً فقد علماً ، وتفضيل البعض على البعض تطويل من غير طائل .
وقد قرىء بإمالة { أبصارهم } ووجه الإمالة - مع أن الصاد حرف مستعل وهو مناف لها لاقتضائها لتسفل الصوت - مناسبة الكسرة واعترب على الراء دون غيرها لمناسبة الإمالة الترقيق ، والمشهور عند أهل العربية أن ذلك لقوة الراء لتكرره على اللسان في النطق به فإنه يرتعد ويظهر ذلك إذا شدد أو وقف عليه فكسرته بمنزلة كسرتين فقوي السبب حتى أزال المانع . ولعل مرادهم أنه متكرر طبعاً كما يدركه الوجدان إلا أنه يجب المحافظة لئلا يقع التقير فإنه مضر في الأدء حتى الراوي ، والجمهور على أن { على أبصارهم } خبر مقدم لغشاوة والتقديم مصحح لجواز الابتداء بالنكرة مع أن فيه مطابقة الجملة قبله لأنه تقدم الجزء المحكوم به فيها وهذا كذلك ، ففي الآية جملتان خبريتان فعلية دالة على التجدد واسمية دالة على الثبوت حتىكأن الغشاوة جبلية فيهم وكون الجملتين دعائيتين لييس بشي ، وفي تقديم الفعلية إشارة إلى أن ذلك قد وقع وفرغ منه ، ونصب المفضل وأبو حيوة وإسماعيل بن مسلم { غشاوة } فقيل هو على تقدير جعل كما صرح به في قوله تعالى { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } [ الجاثية : 23 ] ، وقيل إنه على حذف الجار ، وقال أبو حيان : يحتمل أن يكون مصدراً معنى ختم غشاوة كائنة على هذه الأمور لئلا يتصرف بها بالرفع والإزالة ، وفي كل ما لا يخفى ، فقراءة الرفع أولى ، وقرىء أيضاً بضم الغين ورفعه ، وبفتح الغين ونصبه ، وقرىء ( غشوة ) بكسر المعجمة مرفوعاً وبفتحها مرفوعاً ومنصوباً ، وغشية بالفتح والرفع وغشاوة بفتح المهملة والرفع ، وجوز فيه الكسر والنصب من الغشا / بالفتح والقصر وهو الرؤية نهاراً لا ليلاً ، والمعنى أنهم يبصرون إبصاراً غفلة لا إبصار عبرة أو أنهم لا يرون آيات الله في ظلمات كفرهم ولو زالت أبصروها ، وقال الراغب : العشا ظلمة تعرض للعين ، وعشي عن كذا عمي قال تعالى : { ومن يعش عن ذكر الرحمن } [ الزخرف : 36 ] فالمعنى حينئذ ظاهر والتنوين للإشارة إلى نوع من الأعطية غير ما يتعارفه الناس ويحتمل أن يكون للتعظيم أي غشاوة أيّ غشاوة ، وصرَّح بعضهم بحمله على النوعية والتعظيم معاً كما حل على التكثير والتعظيم معاً في قوله تعالى : { فقد كذبت رسل } [ فاطر : 4 ] واللام في { لهم } للاستحقاق كما في

(1/135)


{ لهم في الدنيا خزي } [ البقرة : 114 ] وفي « المغنى » : لام الاستحقاق هي الواقعة بين معنى وذات وهنا كذلك إلا أنه قدم الخبر استحساناً لأن المبتدأ نكرة موصوفة ولو أخر جاز ك { أجل مسمى عنده } [ الأنعام : 2 ] ويجوز كما قيل : أن يكون تقديمه للتخصيص فلا يعذب عذابهم أحد ولا يوثق وثاقهم أحد وكون اللام للنفع واستعملت هنا للتهكم مما لا وجه له لأنه إنما تقع له في مقابلة ( على ) في الدعاء ومايقاربه ولم يقل به أحد ممن يوثق به هنا ولا يقال عليهم العذاب ، والظاهر أن الجملة مساقة لبيان إصرارهم حالاً ، وقال السيالكوتي : عطف على { الذين كفروا } [ البقرة : 6 ] والجامع أن ما سبق بيان حالهم وهذا بيان ما يستحقونه ، أو على خبر إن واجلامع الشركة في المسند إليه مع تناسب مفهوم المسندين ، وجعل ذلك لدفع ما يتوهم من عدم استحقاقهم العذاب على كفرهم لأنه بختم الله تعالى وتغشيته ليس بوجيه كما لا يخفى . والعذاب في الأصل الاستمرار ثم اتسع فيه فسمي به كل استمرار ألم ، واشتقوا منه فقالوا : عذبته أي دوامت عليه الألم قاله أبو حيان ، وعن الخليل - وإليه مال كثير - أن أصله المنع يقال : عذبه أي داومت عليه الألم قاله أبو حيان ، وعن الخليل - وإليه مال كثير - أن أصله المنع يقال : عذب الفرس إذا امتنع عن العلف ، ومنه العذب لمنعه من العطش ثم توسع فأطلق على كل مؤلم شاق مطلقاً وإن لم يكن مانعاً ورادعاً ولهذا كان أعم من النكال لأنه ما كان رادعاً كالعقاب ، وقيل العقاب ما يجازي به كما في الآخرة ، وشمل البيان عذاب الأطفال والبهائم وغيرهما ، وخص السجاوندي العذاب بإيصال الألم إلى الحي مع الهوان فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب عنده ، وقيل : إن العذاب مأخوذ في ألصل من التعذيب ثم استعمل في الإيلام مطلقاً ، وأصل التعذيب على ما قيل : إكثار الضرب بعذبة السوط ، وقال الراغب أصله من العذب فعذبته أزلت عذب حياته على بناء مرضته وقذيته والتنكير فيه للنوعية أي لهم في الآخرة نوع من العذاب غير متعارف في عذاب الدنيا ، وحمله على التعظيم يستدعي حمل ما يستفاد من الوصف على التأكيد ولا حاجة إليه . والعظيم الكبير ، وقيل : فوق الكبير لأن الكبير بيقابله الصفغير والعظيم يقابله الحقير والحقير دون الصغير ، فالصغير والحقير خسيسان والحقير أخسهما ، والعظيم والكبري شريفان والعظيم أشرفهما فتوصيف العذاب به أكثر في التهويل من توصيفه بالكبير كما ذكؤره الكثير من شاع فضله إذ العادة جارية بأن الأخس يقابل بالأشرف والخسيس بالشريف فما يتوهم من أن نقيض الأخص - أعم - مما لا يلتفت إليه هنا ، نعم يشكل على دعوى أن التعظيم فوق الكبير قوله عز شأنه في الحديث القدسي : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري »

(1/136)


حيث جعل سبحانه الكبرياء مقام الرداء والعظمة مقام الإزار ، ومعلوم أن الرداء أرفع من الإزار فيجب أن يكون صفة الكبر أرفع من العظمة ، ويقال : إن الكبير هو الكبير في ذاته سواء استكبره غيره أم لا ، وأما العظمة فعبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره ، فالصفة الأولى على هذا ذاتية وأشرف من الثانية ويمكن أن يجاب على بعد بأن ما ذكروه خاص بما إذا استعمل الكبير والعظيم في غيره تعلى أو فيما إذا خلا الكلام عن قرية تقتضي العكس ، أو يقال : إنه سبحانه جعل العظمة وهي أشرف من لكبرياء إزاراً لقلة العارفين به جل شأنه بهذا العنوان بالنظر إل العارفين / بعنوان الكبرياء فلقلة أولئك كانت إزاراً ولكثرة هؤلاء كانت رداءاً وسبحان الكبير العظيم ، وذكر الراغب ( ( أن أصل عظم الرجل كبر عظمه ثم استعير لكل كبير وأدري مجراه محسوساً كان أو معقولاً معنى كان أو عيناً ، والعظيم إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتصلة والكبير يقال في المنفصلة ، وقد يقال فيها أيضاً : عظيم وهو بمعن كبير كجيش عظيم ) ) ، وعظم العذاب بالنسبة إلى عذاب دونه يتخلله فتور وبهذا التخللي يصح ان يتفاضل العذابان كسوداين أحدهما اشبع من الآخر وقد تخلل الآخر ما ليس بسواد . وقه ذهب المسلمون إلى أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار ، وهذه الآية وأمثالها شواهد صدق على ذلك . وقال بعضهم : لا يحسن وذكروا دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح العقلين فقالوا : التعذيب ضرر خال عن المنفعة لأنه سبحانه منره عن أن ينتفع بشيء والعبد يترر به ولو سلم انتفاعه فالله تعالى قادر أن يوصل إليه النفع من غير عذاب ، والضر الخالي عن النفع قبيح بديهة ، وأيضاً إن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان فتكليفه متى حصل ترتب عليه العذاب وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع قبيح ، فأما أن يقال لا تكليف أو تكليف ولا عذاب ، وأيضاً هو الخالق لداعية فيقبح أن يعاقب عليها ، وقالوا أيضاً : هب أنا سلمنا العقاب فمن أين القول بالدوام؟ وأقسى الناس قلباً إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه - وعذبه وبالغ فيه وواظب عليه - لامه كل أحد وقيل له إما أن تقتله وتريحه وإما أن تعفو عنه فإذا قبح هذا من إنسان يلتذ بالانتقام ، فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدواز؟! وأيضاً من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه ، أفترى أن هذا الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون أو يحسن أن يقول في الدنيا : { ادعوني أستجب لكم } [ غافر : 60 ] وفي الآخرة لا يجيب دعاءهم إلا ب { اخسئوا فيها ولا تكلمون } [ المؤمنون : 108 ] بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين فلا تعارض الأدلة العقيلة المفيدة له على أنا ندعي أن أخبار الوعيد في الكفار مشروطة بعدم العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً صريحاً كما قال ذلك فيها من جوز العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً صريحاً كما قال ذلك فيها من جوز العفو عن الفساقن على أنه يحتمل أن تكون تلك الجمل دعائية أو أنهاإخبارية لكن الإخبار عن استحقاق الوقوع لا عن الوقوع نفسه ، وهذا خصلاصة ما ذكر في هذا الباب .

(1/137)


وبسط الإمام الرازي الكلام فيه ولم يتعقبه بما شريح الفؤاد ويبرد الأكباد وتلك شنشن أعرفها من أخزم ، ولعمري إناه شبه تمكنت في قلوب كثير من الناس فكانت لهم الخناس الوسواس فخلعوا ربقة التكليف وانحرفوا عن الدين الحنيف وهي عند المؤمنين المتمكنين كصرير باب أو كطنين ذباب ، فأقول : وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب نفي العذاب مطلقاً مما لم يقله أحد ممن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر حتى إن المجوس لا يقولونه مع أنهم الذين بلغوا من الهذيان أقصاه فإن عقلاءهم - والعقل بمراحل عنهم - زعموا أن إبليس عليه اللعنة لم يزل في الظلمة بمعزل عن سلطان الله تعالى ثم لم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب فصار في سلطان الله تعالى وأدخل معه الآفات والشرور فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة له فوقع فيها فصار لا يمكنه الرجوع إلى سطانه فبقي محبوساً يرمى بالآفات فمن أحياه الله تعالى أماته ومن أصحه أشقمه ومن أسره أحزنه وكل يوم ينقص سلطانه فإذا قامت القيامة وزالت قوته طرحه الله تعالى في الجو وحاسب أهل الأديان وجازاهم على طاعتهم للشيطان وعصيانهم له ، نعم المشهور عنهم أن الآلام الدنيوية قبيحة لذاتها ولا تحسن بوجه من الوجوه فهي صادرة عن الظلمة دون النور ، وبطلان مذهب هؤلاء أظهر من نار على علم ، ولئن سلنما أن أحداً من الناس يقول ذلك فهو مردود ، وغالب الأدلة التي تذكر في هذا الباب مبني على الحسن والقبح العقليين وقد نفاهما أهل السنة والجماعة وأقاموا الأدلة على بطلانهما وشيوع ذلك / في كتب الكلام يجعل نقهل هنا من لغو الكلام على أنا نقول إن الله تعالى صفتي لطف وقهر ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك - لا سيما ملك الملوك - كذلك إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر ومن منع ذلك فقد كابر ، وقد مدح في الشاهد ذلك كما قيل :
يداك يد خيرها يرتجى ... وأخرى لأعدائها غائظة
فلما نظر الله سبحانه إلى ما علمه من الماهيات الأزلية والأعيان الثابة ورأى فيها من استعد للخير وطلبه بلسان استعداه ومن استعد للشر وطلبه كذلك أفاض على كل بمقتضى حكمته ما استعد له وأعطاه ما طلبه منه ثم كلفه ورغبه ورهبه إتماماً للنعمة وإظهاراً للحجة إذ لو عذبه وأظهر فيه صفة قهره قبل أن ينذره لربما قال :

(1/138)


{ لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزَى } [ طه : 134 ] فالتعذيب وإن لم يكن فيه نفع له سبحانه بالمعنى المألوف لكنه من آثار القهر ووقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته تعالة وكل ما تقتضيه حكمته تعالى وكماله حسن ، وإن شئت فقل : إن صفتي اللطف والقهر من مستتبعان ذاته التي هي في غاية لاكمال ولهما متعلقات في نفس الأمر مستعدة لهما في الأزل استعداداً غير مجعول . وقد علم سبحانه في الأزل التعلقات والمتعلقات فظهرت طبق ما علم ولو لم تظهر كذلك لزم انقلاب الحقائق وهو محال . فالإيمان والكفر في الحقيقة ليسا سبباً حقيقاً وعلة تامة للتنعيم والتعذيب وإنما هما علامتان هلما دعت إليهما الحكمة والرحمة . وهذا معنى ما ورد في « الصحيح » اعملوا فكل ميسر لما خلق له « أما من كان - أي في علم الله - من أهل السعادة المستعدة لهاذاته فسييسر بمقتضى الرحمة لعمل أهل السعادة لأنه شأنه تعالى الإفاضة على القوابل بحسب القابليات ، وأما من كان القهر - لعمل أهل الشقاوة ، وفي ذلك تظهر المنة وتتم الحجة ولا يرد في قوله تعالى : { فلو شاء لهداكم أجمعين } [ لأنعام : 149 ] لأن نفي الهداية لنفي المشيئة ولا شك أن المشيئة تابعة للعلم والعلم تابع لثبوت المعلوم في نفس الأمر كما يشير إليه قوله تعالى في المستحيل الغير الثابت في نفسه : { أم تنبّئونه بما لا يعلم في الأرض } [ الرعد : 33 ] وحيث لا ثبوت للهداية في نفسها لا تعلق للعلم بها ، وحيث لا تعلق لا مشيئة ، فسبب نفي إيجاد الهداية نفي المشيئة وسبب نفي المشيئة تقرر عدم الهداية في نفسها فيئول الأمر إلى أن سبب نفي إيجاد الهداية انتفاؤها في نفس الأمر وعدم تقررها في العلم الأزلي : { ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم } [ الأنفال : 23 ] فإذا انتقش هذا على صحيفة خاطرك ، فنقول : قولهم الضرر لاخالي عن النفع قبيح بديهة ليس بشيء لأن ذلك الضرر من آثار القهر التابع للذات الأقدس ومتى خلا عن القهر - كان عز شأنه عما يقوله الظالمون - كالأقطع الذي ليس له إلا يد واحدة بل من أنصفه عقله يعلم أن الخلو عن صفة القهر يخل بالربوبية ويسلب إزار العظمة ويحط شأن الملكية إذ لا يرهب منه حينئذ فيختل النظام وينحل نبذ هذا الانتظام . على أن هذه الشبهة تستدعي عدم إيلام الحيوان في هذه النشأة لا سيما البهائم والأطفال الذين لا ينالهم من هذه الآلام نفع بالكلية لا عجلاً ولا آجلاً مع أنا نشاهد وقوع ذلك أكثر من نجوم السماء فما هو جوابهم عن ههذ الآلام منه سبحانه في هذه النشأة مع أنه لا نفع له منها بوجه فهو جوابنا عن التعذيب في تلك النشأة .

(1/139)


وقولهم إن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان فتكليفه متى حصل ترتب عليه العذاب الخ ، ففيه أن الكافر في علم الله تعالى حسب استعداده متعشق للنار تعشق الحديد للمغناطيس وإن نفر عنها نافر عن الجنة نور الظلمة عن النور وإن تعشقها فهو إن كلف وإن لم يكلف لا بد وأن يعذب فياه ، ولكن التكليف لاستخراج ما في استعداده من الإباء لإظهرا الحجة والكفر مجرد علامة { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم/ يظلمون } [ النحل : 33 ] . وقولهم هو سبحانه الخالق لداعية المعصية مسلم لكنه خلقها وأظهرها طبق ما دعا إليه الاستعداد الذاتي الذي لا دخل للقدرة إلا في إيجاده وأي قبح في إعطاء الشيء ما طلبه بلسان استعداده وإن أضربه ولا يلزم الله تعالى عقلاً أن يرتك مقتضى حكمته ويبطل شأن ربوبيته مع عدم تعلق علمه بخلاف ما اقتضاه ذلك الاستعداد . وقولهم هب أنا سلمنا العقاب فينم أين الدوام الخ قلنا الدوام من خبث الذات وقبح الصفات الثابتين فيما لم يزل الظاهرين فيما لا يزال بالإباء بعد التكليف مع مراعاة الحكمة ، وهذا الخبث دائم فيهم ما دامت حكمة الله تعالى الذاتية وذواتهم - كما يرشدك إل ذلك - قوله سبحانه : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } [ الأنعام : 28 ] ويدوم المعلول ما دامت عليه أو يقال العذاب وهو في الحقيقة البعد من الله لازم للكفر والملزوم ، وأيضاً الكفر مع ظهور البرهان في الأنفس والآفاق بمن لا يتناهى كبرياؤه ولا تنحصر عظمته أمر لا يحيط نطاق الفكر بقبحه وإن لم يتضرر به سبحانه لكن الغيرة الإلهية لا ترتضيه وإن أفاضته القدرة الأزلية حسب الاستعداد بمقتضى الحكمة ، ومثل ذلك يطلب عذاباً أبدياً وعقاباً سرمدياً وشبيه الشيء منجذب إله ، ولا يقاس هذا بام ضربه من المثال إذ أين ذل التراب من عزة رب الأرباب ، وليس مورد المسألتين منهلاً واحداً . وقولهم من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله تعالى عليه ، أفترى أن هذا الكرم العظيم يذهب في الآخرة أو تسلب عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون الخ . ففيه أن من تاب من الكفر فقد أبدل القبيح بضده وأظهر سبحانه مقتضى ذاته وماهيته المعلومة له حسب علمه فهناك حينئذ كفر قبيح زائل وإيمان حسن ثابت ، وقد انضم إلى هذا الإيمان ندم على ذلك الكفر في دار ينفع فيها تدارك ما فات والندم على الهفوات فيصير الكفر بهذا الإيمان كأن لم يكن شيئاً مذكوراً إذ يقابل القبيح بالحسن ويبقى الندم وهو ركن التوبة مكسباً على أن ظهور الإيمان بعد الكفر دليل على نجابة الذات في نفسها وطهارتها في معلوميتها ولأعمال بالخواتيم فلا بدع في مغفر الله تعالى له جوداً وكرماً ورحمة الله تعالى - وإن وسعت كل شيء ببعض اعتباراتها - إلا أنها خصت المتقين باعتبار آخر كما يشير إليه قوله تعالى :

(1/140)


{ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون } [ الأعراف : 156 ] فهي كمعيته سبحانه الغير المكيفة ، ألا تسمع قوله تعالى مرة : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم } [ المجادلة : 7 ] ، وتارة { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } [ النحل : 128 ] وكرة { إن الله معنا } [ التوبة : 40 ] وطوراً { إن معي ربي } [ الشعراء : 62 ] ولاينافي كون الرحمة أوسع دائرة من الغضب كما يرمز إليه { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] أن الكفار المعذبين أكثر من المؤمنين المنعمين كما يقتضيه قوله تعالى : { ولكن أكر الناس لا يؤمنون } [ الرعد : 1 ] وكذا حديث البعث لأن هذه الكثرة بالنسبة إلى الملائكة والحور والغلمان { وما يعلم جمود ربك إلا هو } [ المدثر : 31 ] { ويخلق ما لا تعلمون } [ النحل : 8 ] فيكون أهل الرحمة أكثر من أهل الغضب على أن أهل النار مرحومون في عذابهم وما عند الله تعالى من كل شيء لا يتناهى وبعض الشر أهون من بعض وهم متخلفون في العذاب ، وبين عذاب طل طبقة وطبقة ما بين السماء والأرض وإن ظن كل من أهلها أنه أشد النا سعذاباً لكن الكلام في الواقع بل منهم من هو ملتذ بعذابه من بعض الجهات ومنهم غير ذلك ، نعم فيهم من عذابه محض لا لذ لهم فيه ومع هذا يمقتون أنفسهم لعلمهم أنها هي التي استعدت لذلك ففاض عليها ما فاض من جانب المبدأ الفياض كما يشير إليه قوله تعالى : { لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } [ غافر : 10 ] ومن غفل منهم عن ذلك نبهه إبليس عليه اللعنة كما حكى الله عنه بقوله : { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } [ إبراهيم : 22 ] ولا تنفعهم التوبة هناك كما تنفعهم هنا إذ قد اختلفت الداران وامتاز الفريقان وانتهى الأمد المضروب/ لها بمقتضى الحكمة الإلهية . وقد رأينا في الشاهد أن لنفع الدواء وقتاً مخصوصاً إذا تعداه ربما يؤثر ضرراً ومن الكفار من يعرف أنه قد مضى الوقت وانقضى ذلك الزمان وأن التوبة إنما كانت في الدار الدنيا ولهذا { قال رب ارجعون* لعلي أعمل صالحاً فيما تركت } [ المؤمنون : 99 ، 100 ] ولما كان هذا الطلب عارف من وجه جاهل من وجه آخر قال الله تعالى في مقابلته : { كلا إنها كلمة هو قائلها } [ المؤمنون : 100 ] ولم يغلظ عليه كما أغلظ على ما قال : { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } [ المؤمنون : 108 ] فلما اختلف الطلب اختلف الجواب وليس كل دعاء يستجاب كما لا يخفى على أولي الألباب . وقولهم بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين فلا تعارض الأدلة العقلية المفيدة له فيقال فيه إن أرادوا أن هذه الأدلة العقلية مفيدة لليقين فقد علمت حالها وأنها كسراب بقيعة وليتها أفادت ظناً وإن أرادوا مطلق الأدلة العقلية فهذه ليست منها على أن كون الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين إنما هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة ، والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات ، ومن صدق القائل يعلم عدم المعارض العقلي فإنه إذا تعين المعنى وكان مراداً له فلو كان هناك معارض عقلي لزم كذبه ، نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر لأن كوها مفيدة لليقين مبني على أنه هل يحصل بمجردها والنظر فيها - وكون قائلها صادقاً - الجزم بعدم المعارض العقلي وأنه هل للقرينة التي تشاهد أو تنقل تواتراً مدخل في ذلك الجزم وحصول ذلك الجزم بمجردها ومدخلية القرينة فيه مما لا يمكنه الجزم بأحد طرفيه الإثبات والنفي فلا جرم كانت إفادتها اليقيين في العقليات محل نظر وتأمل .

(1/141)


فإن قلت : إذا كان صدق القائل مجزوماً به لزم منه الجزم بعدم المعارض في العقليات كما لزم منه في الشرعيات وإلا احتمل كلامه الكذب فيهما فلا فرق بينهما . قلت : أجاب بعض المحققين بأن المراد بالشرعيات أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً وانتفاء ولا طريق إليها ، وبالعقليات ما ليس كذلك وحينئذ جاز أن يكون من الممتنعات فلأجل هذا الاحتمال ربما لم يحصل الجزم بعدم المعارض العقلي للدليل النقلي في العقليات وإن حصل الجزم به في الشرعيات وذلك بخلاف الأدلة العقلية في العقليات فإنها بمجردها تفيد الجزم بعدم المعارض لأنها مركبة من مقدمات علم بالبديهة صحتها أو علم بالبديهة لزومها مما علم صحته بالبديهة ، وحينئذ يستحيل أن يوجد ما يعارضها لأن أحكام البديهة لا تتعارض بحسب نفس الأمر أصلاً .
هذا وقال الفاضل الرومي ههنا بحث مشهور وهو أن المعنى بعدم المعارض العقلي في الشرعيات صدق القائل وهو قائم في العقليات أيضاً وما لا يحكم العقل بإمكانه ثبوتاً أو انتفاء لا يلزم أن يكون من الممتنعات لجواز إمكانه الخافي من العقل فينبغي أن يحمل كل ما علم أن الشرع نطق به على هذا القسم لئلا يلزم كذبه وإبطال قطع العقل بصدقه فالحق أن النقلي يفيد القطع في العقليات أيضاً ولا مخلص إلا بأن يقال المراد أن النظر في الأدلة نفسها والقرائن في الشرعيات يفيد الجزم بعدم المعارض لأجل إفادة الإرادة من القائل الصادق جزماً . وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر بناء على أن إفادته الإرادة محتملة انتهى . وقد ذهب الشيخ الأكبر قدس سره إلى تقديم الدليل النقلي على العقلي فقال في الباب الثاني والسبعين والأربعمائة من «الفتوحات2 :
على السمع عولنا فكنا أولي النهى ... ولا علم فيما لا يكون عن السمع
وقال قدس سره في الباب الثامن والخمسين والثلثمائة :
كيف للعقل دليل والذي ... قد بناه العقل بالكشف انهدم
فنجاة النفس في الشرع فلا ... تك إنساناً رأى ثم حرم
واعتصم بالشرع في الكشف فقد ... فاز بالخير عبيد قد عصم
اهمل الفكر فلا تحفل به ... واتركنه مثل لحم في وضم
إن للفكر مقاماً فاعتضد ... به فيه تك شخصاً قد رحم
كل علم يشهد الشرع له ... هو علم فيه فلتعتصم
وإذا خالفه العقل فقل ... طورك الزم ما لكم فيه قدم

(1/142)


ويؤيد هذا ما روي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال : إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً ينتهي إليه ، وقال الإمام الغزالي : ولا تستبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل كما لا تستبعد أن يكون العقل طوراً وراء التمييز والإحساس ينكشف فيه عوالم وعجائب يقصر عنها الاحساس والتمييز إلى آخر ما قال ففيما نحن فيه في القرآن والسنة المتواترة ما لا يحصى مما يدل على الخلود في النار ، وفي العذاب دلالة واضحة لا خفاء فيها فتأويلها كلها بمجرد شبه أضعف من حبال القمر ، والعدول عنها إلى القول بنفي العذاب أو الخلود فيه مما لا ينبغي لا سيما في مثل هذه الأوقات التي فيها الناس كما ترى ، على أن هذه التأويلات في غاية السخافة إذ كيف يتصور حقيقة الدعاء من رب الأرض والسماء أم كيف يكون التعليق بعد النظر في قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 8 4 ] أم كيف يقبل أن يكون الاخبار عن الاستحقاق دون الوقوع على ما فيه في مثل قوله تعالى : { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } [ الإسراء : 97 ] و { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } [ النساء : 56 ] سبحانك هذا بهتان عظيم . وأما ما ينقل عن بعض السلف الصالح وكذا عن حضرة مولانا الشيخ الأكبر ومن حذا حذوه من السادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم من القول بعدم الخلود فذلك مبني على مشرب آخر وتجل لم ينكشف لنا ، والكثير منهم قد بنى كلامه على اصطلاحات ورموز وإشارات قد حال بيننا وبين فهمها العوائق الدنيوية والعلائق النفسانية ، ولعل قول من قال بعدم الخلود ممن لم يسلك مسلك أهل السلوك مبني على عدم خلود طائفة من أهل النار وهم العصاة مما دون الكفر وإن وقع إطلاق الكفر عليهم حمل على معنى آخر كما حمل على رأي في قوله صلى الله عليه وسلم : " من ترك الصلاة فقد كفر " ، على أن الشيخ قدس سره كم وكم صرح في كتبه بالخلود فقال في عقيدته الصغرى أول «الفتوحات» : والتأبيد لأهل النار في النار حق ، وفي الباب الرابع والستين في بحث ذبح الموت ونداء المنادي يا أهل النار خلود ولا خروج ما نصه : ويغتم أهل النار أشد الغم لذلك ثم تغلق أبواب النار غلقاً لا فتح بعده وتنطبق النار على أهلها ويدخل بعضهم في بعض ليعظم انضغاطهم فيها ويرجع أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ويرى الناس والجن فيها مثل قطع اللحم في القدر التي تحتها النار العظيمة تغلي كغلي الحميم فتدور في الخلق علواً وسفلاً

(1/143)


{ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } [ الإسراء : 97 ]
وذكر الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه المسمى ب «الإنسان الكبير» ، وفي «شرح لباب الأسرار من الفتوحات» : أن مراد القوم بأن أهل النار يخرجون منها هم عصاة الموحدين لا الكفار ، وقال : إياك أن تحمل كلام الشيح محيي الدين أو غيره من الصوفية في قولهم بانتهاء مدة أهل النار من العصاة على الكفار فإن ذلك كذب وخطأ وإذا احتمل الكلام وجهاً صحيحاً وجب المصير إليه انتهى ، نعم قال قدس سره في تفسير الفاتحة من «الفتوحات» : فإذا وقع الجدار وانهدم الصور وامتزجت الأنهار والتقى البحران وعدم البرزخ صار العذاب نعيماً وجهنم جنة ولاعذاب ولا عقاب إلا نعيم وأمان بمشاهدة العيان الخ ، وهذا وأمثاله محمول على معنى/ صحيح يعرفه الذوق لا ينافي ما وردت به القواطع ، وقصارى ما يخطر لأمثالنا فيه أنه محمول على مسكن عصاة هذه الأمة من النار ، وفيه : يضع الجبار قدمه ويتجلى بصفة القهر على الناس فتقول قط قط ولا تطيق تجليه فتخمد ولا بعد أن تلحق بعد بالجنة وإياك أن تقول بظاهره مع ما أنت عليه وكلما وجدت مثل هذا لأحد من أهل الله تعالى فسلمه لهم بالمعنى الذي أرادوه مما لا تعلمه أنت ولا أنا لا بالمعنى الذي ينقدح في عقلك المشوب بالأوهام فالأمر والله وراء ذلك والأخذ بظواهر هذه العبارات النافية للخلود في العذاب وتأويل النصوص الدالة على الخلود في النار بأن يقال الخلود فيها يستلزم الخلود في العذاب لجواز التنعم فيها وانقلاب العذاب عذوبة مما يجر إلى نفي الأحكام الشرعية وتعطيل النبوات وفتح باب لا يسد . وإن سولت نفسك لك ذلك قلبنا البحث معك ولنأتينك بجنود من الأدلة لا قبل لها بها وما النصر إلا من عند الله وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ، ولا يوقعنك في الوهم أن الخلود مستلزم لتناهي التجليات فالله تعالى هو الله وكل يوم هو في شأن فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ولا أظنك تجد هذا التحقيق من غيرنا والحمد لله رب العالمين .

(1/144)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

هذه الآية وما بعدها إلى آخر القصة معطوفة على قصة { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } [ البقرة : 6 ] وكل من المتعاطفين مسوق لغرض إلا أن فيهما من النعي على أهل الضلال ما لا يخفى وقد سيقت هذه الآية إلى ثلاث عشر آية لنعي المنافقين الذين ستروا الكفر وأظهروا الإسلام فهم بحسب الظاهر أعظم جرماً من سائر الكفار كما يشير إليه قوله تعالى : { إِنَّ المنافقين فِى الدرك الاسفل مِنَ النار } [ النساء : 145 ] والناس أصله عند سيبويه والجمهور أناس وهو جمع أو اسم جمع لإنسان ، وقد حذفت فاؤه تخفيفاً فوزنه فعال ، ويشهد لأصله إنسان وإنس وأناسي ونقصه وإتمامه جائزان إذا نكر فإذا عرف بأل فالأكثر نقصه ومن عرف خص بالبلاء ويجوز إتمامه على قلة كما في قوله :
إن المنايا يطلع ... ن على الأناس الآمنينا
وهو مأخوذ من الأنس ضد الوحشة لأنسه بجنسه لأنه مدني بالطبع ومن هنا قيل :
وما سمى الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب
أو من آنس أي أبصر قال تعالى : { مِن جَانِبِ الطور نَاراً } [ القصص : 9 2 ] وجاء بمعنى سمع وعلم ، وسمي به لأنه ظاهر محسوس ، وذهب السكاكي إلى أنه اسم تام وعينه واو من نوس إذا تحرك بدليل تصغيره على نويس فوزنه فعل .
وفي «الكشاف» أنه من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل ، وقيل : من نسي بالقلب لقوله تعالى في آدم عليه السلام : { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [ طه : 5 11 ] وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فوزنه حينئذ ( فلع ) ولا يستعمل في الغالب إلا في بني آدم ، وحكى ابن خالويه عن ناس من العرب : أناس من الجن ، قال أبو حيان : وهو مجاز وإذا أخذ من نوس يكون صدق المفهوم على الجن ظاهراً لا سيما إذا قلنا إن النوس تذبذب الشيء في الهواء ، وعن سلمة بن عاصم أنه جزم بأن كلا من ناس وأناس مادة مستقلة واللام فيه إما للجنس أو للعهد الخارجي فإن كان الأول فمن نكرة موصوفة وإن كان الثاني فهي موصولة مراداً بها عبد الله بن أبيّ وأشياعه ، وجوز ابن هشام وجماعة أن تكون موصولة على تقدير الجنس وموصوفة على تقدير العهد لأن بعض الجنس قد يتعين بوجه ما وبعض المعينين قد يجهل باعتبار حال من أحواله كأهل محلة محصورين فيهم قاتل لم يعرف بعينه كونه قاتلاً وإن عرف شخصه فلا وجه للتخصيص عند هؤلاء ، وقيل إن التخصيص هو الأنسب لأن المعرف بلام الجنس لعدم التوقيت فيه قريب من النكرة وبعض النكرة نكرة فناسب من الموصوفة للطباق والأمر بخلافه في العهد ، وعلى هذا الأسلوب/ ورد قوله تعالى :

(1/145)


{ مّنَ المؤمنين رِجَالٌ } [ الأحزاب : 3 2 ] { وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى } [ التوبة : 1 6 ] لأنه أريد في الأول الجنس ، وفي مرجع الضمير في الثاني طائفة معينة من المنافقين ، ولما كان في الآية تفصيل معنوي لأنه سبحانه ذكر المؤمنين ثم الكافرين ثم عقب بالمنافقين فصار نظيراً للتفصيل اللفظي ، وفي قوة تفصيل الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق تضمن الأخبار عمن يقول بأنه من الناس فائدة ، ولك أن تحمله على معنى من يختفي من المنافقين معلوم لنا ولولا أن الستر من الكرم فضحته فيكون مفيداً أيضاً وملوحاً إلى تهديد ما ، وقيل : المراد بكونه من الناس أنهم لا صفة لهم تميزهم سوى الصورة الإنسانية ، أو المراد التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي الإنسانية فيتعجب منها أو مناط الفائدة الوجود أي إنهم موجودون فيما بينهم أو إنهم من الناس لا من الجن إذ لا نفاق فيهم ، أو المراد بالناس المسلمون والمعنى أنهم يعدون مسلمين أو يعاملون معاملتهم فيما لهم وعليهم ، ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من الكلف والتكلف ولكل ساقطة لاقطة ، واختار أبو حيان هنا أن تكون { مِنْ } موصلة مدعياً أنها إنما تكون موصوفة إذا وقعت في مكان يختص بالنكرة في الأكثر ، وفي غير ذلك قليل حتى أن السكاكي على علو كعبه أنكره ولا يخفى ما فيه ، ولا يرد على إرادة العهد أنه كيف يدخل المنافقون مطلقاً في الكفرة المصرين المحكوم عليهم بالختم وإن { وَمِنَ الناس } الآية وقع عديلاً لأن الذين كفروا بياناً للقسم الثالث المذبذب فلا يدخل فيه لأن المراد بالمنافقين المصممون منهم المختوم عليهم بالكفر كما يدل عليه { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [ البقرة : 8 1 ] لا مطلق المنافقين ولأن اختصاصهم بخلط الخداع والاستهزاء مع الكفر لا ينافي دخولهم تحت الكفرة المصرين؛ وبهذا الاعتبار صاروا قسماً ثالثاً فالقسمة ثنائية بحسب الحقيقة ثلاثية بالاعتبار ، وفي قوله تعالى : { يِقُولُ ءامَنَّا } مراعاة للفظ ( من ) ومعناها ولو راعى الأول فقط لقال آمنت أو الثاني فقط لقال يقولون ولما روعيا جميعاً حسن مراعاة اللفظ أولاً إذ هو في الخارج قبل المعنى والواحد قبل الجمع ولو عكس جاز ، وزعم ابن عطية أنه لا يجوز الرجوع من جمع إلى توحيد ويرده قول الشاعر :
لست ممن يكع أو يستكينو ... ن إذا كافحته خيل الأعادي
واقتصر من متعلق الإيمان على الله واليوم الآخر مع أنهم كانوا يؤمنون بأفواههم بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لأنهما المقصود الأعظم من الإيمان إذ من آمن بالله تعالى على ما يليق بجلال ذاته آمن بكتبه ورسله وشرائعه ، ومن علم أنه إليه المصير استعد لذلك بالأعمال الصالحة ، وفي ذلك إشعار بدعوى حيازة الإيمان بطرفيه المبدأ والمعاد وما طريقه العقل والسمع ويتضمن ذلك الإيمان بالنبوة أو أن تخصيص ذلك بالذكر للايذان بأنهم يبطنون الكفر فيما ليسوا فيه منافقين في الجملة لأن القوم في المشهور كانوا يهوداً وهم مخلصون في أصل الإيمان بالله واليوم الآخر على ظنهم ، ومع ذلك كانوا ينافقون في كيفية الإيمان بهما ويرون المؤمنين أن إيمانهم بهما مثل إيمانهم فكيف فيما يقصدون به النفاق المحض وليسوا مؤمنين به أصلاً كنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم والقرآن أو أنهم قصدوا بتخصيص الإيمان بهما التعرض بعدم الإيمان بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وما بلغه ففي ذلك بيان لمزيد خبثهم ، وهذا لو قصد حقيقته حينئذ لم يكن إيماناً لأنه لا بد من الإقرار بما جاء به صلى الله عليه وسلم فكيف وهو مخادعة وتلبيس؟ا وقيل : إنه لما كان غرضهم المبالغة في خلوص إسلامهم بأنهم تركوا عقائدهم التي كانوا عليها في المبدأ والمعاد واعترفوا أنهم كانوا في ضلال خصوا إيمانهم بذلك لأنهم كانوا قائلين بسائر الأصول ، وأما النبوة فليس في الإيمان بها اعتراف بذلك ، وأيضاً ترك/ الراسخ في القلب مما عليه الإباء بترك الإيمان به صلى الله عليه وسلم من المسلمات فكأنهم لم يتعرضوا له للإشارة إلى أنه مما لا شبهة في أنهم معتقدون له بعد اعتقادهم ما هو أشد منه عليهم وحمل { بالله وباليوم الأخر } على القسم منهم على الإيمان سمج بالله ، وأسمج منه بمراتب حمله على القسم منه تعالى على عدم إيمانهم بتقدير ما آمنوا { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } فيجب أن يكون الباء صلة الإيمان وكررت مبالغة في الخديعة والتلبيس بإظهار أن إيمانهم تفصيلي مؤكد قوي .

(1/146)


واليوم الآخر يحتمل أن يراد به الوقت الدائم من الحشر بحيث لا يتناهى أو ما عينه الله تعالى منه إلى استقرار كل من المؤمنين والكافرين فيما أعد له ، وسمي آخراً لأنه آخر الأوقات المحدودة والأشبه هو الأول لأن إطلاق اليوم شائع عليه في القرآن سواء كان حقيقة أو مجازاً ولأن الإيمان به يتضمن الإيمان بالثاني لدخوله فيه من غير عكس ، نعم المناسب للفظ اليوم لغة هو الثاني لمحدوديته وهو على كل تقدير مغاير لما عند الناس لأن اليوم عرفاً من طلوع الشمس إلى غروبها وشرعاً على الصحيح من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب ، واصطلاحاً من نصف النهار إلى نصف النهار والأمر وراء ذلك ، وسيأتي لذلك تتمة ، وفي قوله سبحانه : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } حيث قدم الفاعل وأولى حرف النفي رد لدعوى أولئك المنافقين على أبلغ وجه لأن انخراطهم في سلك المؤمنين من لوازم ثبوت الإيمان الحقيقي لهم وانتفاء اللازم أعدل شاهد على انتفاء الملزوم ، وقد بولغ في نفي اللازم بالدلالة على دوامه المستلزم لانتفاء حدوث الملزوم مطلقاً ، وأكد ذلك النفي بالباء أيضاً وهذا سبب العدول عن الرد بما آمنوا المطابق لصدر الكلام ، وبعضهم يجري الكلام على التخصيص وأن الكفار لما رأوا أنفسهم أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وادعوا موافقتهم قيل في جوابهم : { هُم بِمُؤْمِنِينَ } على قصر الإفراد والذوق يبعده ، وإطلاق الوصف للإشارة إلى العموم وأنهم ليسوا من الإيمان في شيء ، وقد يقيد بما قيد به سابقه لأنه واقع في جوابه إلا أن نفي المطلق يستلزم نفي المقيد فهو أبلغ وأوكد .

(1/147)


وفي هذه الآية دلالة على أن من لم يصدق بقلبه لا يكون مؤمناً ، وأما على أن من أقر بلسانه وليس في قلبه ما يوافقه أو ينافيه ليس بمؤمن فلا لوجود المنافي في المنافق هنا لأنه من المختوم على قلبه أو لأن الله تعالى كذبه وليس إلا لعدم مطابقة التصديق القلبي للساني كذا قيل ، ودقق بعضهم مدعياً أن من يجعل الإيمان الإقرار اللساني سواء يشترط الخلو عن الانكار والتكذيب أم لا يشترط أن يكون الإقرار بالشهادتين ولا يكفي عنده نحو آمنت بالله وباليوم الآخر لأن المدار على النطق بهما كما ورد في الصحيح حتى اشترط بعضهم لفظ اشهد ، والاسم الخاص به تعالى واسم محمد صلى الله عليه وسلم فليس في الآية حينئذ دليل على إبطال مذهب الكرامية بوجه فليتدبر .

(1/148)


يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

أصل الخدع بفتح الخاء وكسرها الإخفاء والإيهام ، وقيل : بالكسر اسم مصدر ، ومنه المخدع للخزانة والأخدعان لعرقين خفيين في موضع المحجمة وخدع الضب إذا توارى واختفى ويستعمل في إظهار ما يوهم السلامة وإبطال ما يقتضي الإضرار بالغير أو التلخص منه كما قاله الإمام ، وقال السيد : هو أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه وتصيبه به ، وفي «الكشف» التحقيق أن الخدع صفة فعلية قائمة بالنفس عقيب استحضار مقدمات في الذهن متوصل بها توصلاً/ يستهجن شرعاً أو عقلاً أو عادة إلى استجرار منفعة من نيل معروف لنفسه أو إصابة مكروه لغيره مع خفائهما على الموجه نحوه القصد بحيث لا يتأتى ذلك النيل أو الإصابة بدونه أو لو تأتى لزم فوت غرض آخر حسب تصوره وعليه يكون الحرب خدعة مجازاً ولا تخفى غرابته . والمخادعة مفاعلة ، والمعروف فيها أن يفعل كل أحد بالآخر مثل ما يفعله به فيقتضي أن يصدر من كل واحد من الله ومن المؤمنين ومن المنافقين فعل يتعلق بالآخر ، وظاهر هذا مشكل لأن الله سبحانه لا يخدع ولا يخدع ، أما على التحقيق لأنه غني عن كل نيل وإصابة واستجرار منفعة لنفسه وهو أيضاً متعال على التعمل واستحضار المقدمات ولأنه جل عن أن يحوم حول سرادقات جلاله نقص الانفعال وخفاء معلوم ما عليه ، وأما على ما ذكره السيد فلأنه جل شأنه أجل من أن تخفى عليه خافية أو يصيبه مكروه فكيف يمكن للمنافقين أن يخدعوه ويوقعوا في علمه خلاف ما يريدون من المكروه ويصيبونه به مع أنهم لكونهم من أهل الكتاب عالمون باستحالة ذلك ، والعاقل لا يقصد ما تحقق لديه امتناعه ، وأما أنه لا يخدع فلأنه وإن جاز عندنا أن يوقع سبحانه في أوهام المنافقين خلاف ما يريده من المكاره ليغتروا ثم يصيبهم به لكن يمتنع أن ينسب إليه لما يوهمه من أنه إنما يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم لأنه المعهود منه في الإطلاق كما في «الانتصاف» ولذا زيد في تفسيره مع استشعار خوف أو استحياء من المجاهرة ، وأما المؤمنون وإن جاز أن يخدعوا إلا أنه يبعد أن يقصدوا خدع المنافقين لأنه غير مستحسن بل مذموم مستهجن وهي أشبه شيء بالنفاق وهم في غنى عنه على أن الانخداع المتمدح به هو التخادع بمعنى إظهار التأثر دونه كرماً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن غر كريم " لا الانخداع الدال على البله ، ولذا قالت عائشة في عمر رضي الله تعالى عنهما : كان أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع ، ويجاب عن ذلك بأن صورة صنيعهم مع الله تعالى حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون ، وصورة صنيع الله تعالى معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عند أهل الدرك الأسفل ، وصورة صنيع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله تعالى فيهم فأجروا ذلك عليهم تشبه صورة المخادعة ففي الكلام إما استعارة تبعية في { يخادعون } وحده أو تمثيلية في الجملة وحيث إن ابتداء الفعل في باب المفاعلة من جانب الفاعل صريحاً وكون المفعول آتياً بمثل فعله مدلول عليه من عرض الكلام حسن إيراد ذلك في معرض الذم لما أسند إليه الفعل صريحاً وكون مقتضى المقام إيراد حالهم خاصة كما قاله مولانا مفتي الديار الرومية مما لا يخدش هذا الوجه الحسن أو يجاب كما قيل بأن المراد مخادعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقع الفعل على غير ما يوقع عليه للملابسة بينهما وهي الخلافة فهناك مجاز عقلي في النسبة الإيقاعية وهذا ظاهر على رأي من يكتفي بالملابسة بين ما هو له وغير ما هو له ، وأما على رأي من يعتبر ملابسة الفعل بغير ما هو له بأن يكون من معمولاته فلا ، على أنه يبقى من الإشكال أن لا خدع من الرسول والمؤمنين ولا مجال لأن يكون الخدع من أحد الجانبين حقيقة ومن الآخر مجازاً لاتحاد اللفظ وكأن المجيب إما قائل بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز أو غير قائل بامتناع صدور الخدع من الرسول والمؤمنين حتى يتأتى لهم ما يريدون من إعلاء الدين ومصالح المسلمين .

(1/149)


وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأبو حيوة ( يخدعون ) والجواب عما يلزم هو الجواب فيما يلزم ، وقد تأتي/ فاعل بمعنى فعل كعافاني الله تعالى وعاقبت اللص فلا بعد في حمل قراءة الجمهور على ذلك ويكون إيثار صيغة المفاعلة لإفادة المبالغة في الكيفية فإن الفعل متى غولب فيه بولغ به أو في الكمية كما في الممارسة والمزاولة فإنهم كانوا مداومين على الخدع و { يخادعون } إما بيان لِ { يقول } [ البقرة : 8 ] لا على وجه العطف إذ لا يجري عطف البيان في الجمل عند النحاة وإن أوهمه كلام أهل المعاني وإما استئناف بياني كأنه قيل لم يدعون الإيمان كاذبين وماذا نفعهم؟ فقيل يخادعون الخ ، وهذا في المآل كالأول ولعل الأول أولى .
وجوز أبو حيان كون هذه الجملة بدلاً من صلة { من } [ البقرة : 8 ] بدل اشتمال أو حالاً من الضمير المستكن في { يقول } [ البقرة : 8 ] أي مخادعين ، وأبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير المستتر في { مؤمنين } [ البقرة : 8 ] ، ولعل النفي متوجه للمقارنة لا لنفس الحال كما في ما جاءني زيد ، وقد طلع الفجر { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [ الأنفال : 33 ] على أنه قد تجعل الحال ونحوها في مثل ذلك قيداً للنفي لا للمنفي كما قرروه في لم أبالغ في اختصاره تقريباً ، وجعل الجملة صفة للمؤمنين ممنوع لمكان النفي والقيد وليست حال الصفة كصفة الحال فلا عجب في تجويز إحداهما ومنع الأخرى كما توهمه أبو حيان في «بحره» ، نعم التعجب من كون الجملة بياناً للتعجب من كونهم من الناس كما لا يخفى .

(1/150)


ثم إن الغرض من مخادعة هؤلاء لمن خادعوه كالغرض من نفاقهم طبق النعل بالنعل فقد قصدوا تعظيمهم عند المؤمنين والتطلع على أسرارهم ليفشوها ورفع القتل عنهم أو ضرب الجزية عليهم والفوز بسهم من الغنائم ونحو ذلك وثمرة مخادعة من خادعوه إياهم إن كانت حكم إلهية ومصالح دينية ربما يؤدي تركها إلى مفاسد لا تحصى ومحاذير لا تستقصى ، وقرأ الحرميان وأبو عمرو : { وَمَا * يخادعون } ، وقرأ باقي السبعة : { وَمَا يَخْدَعُونَ } وقرأ الجارود وأبو طالوت : { وَمَا يَخْدَعُونَ } بضم الياء مبنياً للمفعول . وقرأ بعضهم : { وَمَا * يخادعون } بفتح الدال مبنياً للمفعول أيضاً وقرأ قتادة والعجلي : { وَمَا يَخْدَعُونَ } من خدع مضاعفاً مبنياً للفاعل ، وبعضهم بفتح الياء والخاء وتشديد الدال المكسورة وما عدا القراءتين الأوليين شاذة وعليهما نصب أنفسهم على المفعولية الصرفة أو مع الفاعلية معنى ، وأما على قراءة بناء الفعل للمفعول فهو إما على إسقاط الجار أي في أنفسهم أو عن أنفسهم أو على التمييز على رأي الكوفيين أو التشبيه بالمفعول على زعم بعضهم أو على أنه مفعول بتضمين الفعل يتنقصون مثلاً ، ولا يشكل على قراءة ( يخادعون ) أنه كيف يصح حصر الخداع على أنفسهم ، وذلك يقتضي نفيه عن الله تعالى والمؤمنين ، وقد أثبت أولاً ، وإن المخادعة إنما تكون في الظاهر بين اثنين فكيف يخادع أحد نفسه لأنا نقول المراد أن دائرة الخداع راجعة إليهم وضررها عائد عليهم فالخداع هنا هو الخداع الأول والحصر باعتباره أن ضرره عائد إلى أنفسهم فتكون العبادة الدالة عليه مجازاً أو كناية عن انحصار ضررها فيهم أو نجعل لفظ الخداع مجازاً مرسلاً عن ضرره في المرتبة الثانية ، وكونه مجازاً باعتبار الأول كما قاله السعد غير ظاهر . وقد يقال إنهم خدعوا أنفسهم لما غروها بذلك وخدعتهم حيث حدثتهم بالأماني الخالية ، فالمراد بالخداع غير الأول . والمخادع والمخادع متغايران بالاعتبار فالخداع على هذا مجاز عن إيهام الباطل وتصويره بصورة الحق ، وحمله على حقيقته بعيد وكون ذلك من التجريد كقوله :
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
لا يرتضيه الذوق السليم كالقول بأن الكلام من باب المبالغة في امتناع خداعهم لله تعالى وللمؤمنين لأنه كما لا يخفى خداع المخادع لنفسه فيمتنع خداعه لها يمتنع خداع الله تعالى لعلمه والمؤمنون لاطلاعهم باعلامه تعالى أو الكناية عن أن مخالفتهم ومعاداتهم لله تعالى وأحبابه معاملة مع أنفسهم لأن الله تعالى والمؤمنين ينفعونهم كأنفسهم ، / وبعضهم يجعل التعبير هنا بالمخادعة للمشاكلة مع كون كل من المشاكل والمشاكل مجازاً وكل يعمل على شاكلته .

(1/151)


والنفس حقيقة الشيء وعينه ولا اختصاص لها بالأجسام لقوله تعالى : { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } [ الأنعام : 2 1 ] { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } [ آل عمران : 8 2 ] وتطلق على الجوهر البخاري اللطيف الحال لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية وسماها الحكيم الروح الحيوانية وأول عضو تحله القلب إذ هو أول ما يخلق على المشهور ، ومنه تفيض إلى الدماغ والكبد وسائر الأعضاء ولا يلزم من ذلك أن يكون منبت الأعصاب إذ من الجائز أن يكون العضو المستفيد منبتاً لآلة الاستفادة ، وقيل : الدماغ لأنه المنبت ولم تقم دلالة قطعية على ذلك كما في «شرح القانون» للإمام الرازي وكثيراً ما تطلق على الجوهر المجرد المتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف وهي الروح الأمرية المرادة في ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) وتسمى النفس الناطقة وبتنوع صفاتها تختلف أسماؤها وأحظى الأعضاء بإشراق أنوارها المعنوية القلب أيضاً ولذلك الشرف قد يسمى نفساً ، وبعضهم يسمي الرأي بها ، والظاهر في الآية على ما قيل : المعنى الأول إذ المقصود بيان أن ضرر مخادعتهم راجع إليهم ولا يتخطاهم إلى غيرهم وليس بالمتعين كما لا يخفى ، وتطلق على معان أخر ستسمعها مع تحقيق هذا المبحث إن شاء الله تعالى .
وجملة { وَمَا يَشْعُرُونَ } مستأنفة أو معطوفة على { وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } ومفعول { يَشْعُرُونَ } محذوف أي : وما يشعرون أنهم يخدعونها أو أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون أو إطلاع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على خداعهم وكذبهم كما روي ذلك عن ابن عباس أو هلاك أنفسهم وإيقاعها في الشقاء الأبدي بكفرهم ونفاقهم كما روي عن زيد ، أو المراد لا يشعرون بشيء ، ويحتمل كما في «البحر» أن يكون { وَمَا يَشْعُرُونَ } جملة حالية أي : وما يخدعون إلا أنفسهم غير شاعرين بذلك ولو شعروا لما خادعوا ، والشعور الادراك بالحواس الخمس الظاهرة ويكون بمعنى العلم ، قال الراغب : شعرت كذا يستعمل بوجهين بأن يؤخذ من مس الشعر ويعبر به عن اللمس؛ ومنه استعمل المشاعر للحواس ، فإذا قيل : فلان لا يشعر فذلك أبلغ في الذم من أنه لا يسمع ولا يبصر لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر ، وتارة يقول : شعرت كذا أي أدركت شيئاً دقيقاً من قولهم شعرته أي أصبت شعره نحو أذنته ورأسته وكان ذلك إشارة إلى قولهم فلان يشق الشعر إذا دق النظر؛ ومنه أخذ الشاعر لإدراك دقائق المعاني انتهى . والآية تحتمل نفي الشعور بمعنى العلم فمعنى { لاَّ يَشْعُرُونَ } لا يعلمون وكثيراً ما ورد بهذا المعنى ، وفي اللحاق نوع إشارة إليه ، ويحتمل نفيه بمعنى الإدراك بالحواس فيجعل متعلق الفعل كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على فاقد الحواس ، ونفي ذلك نهاية الذم لأن من لا يشعر بالبديهي المحسوس مرتبته أدنى من مرتبة البهائم فهم كالأنعام بل هم أضل . ولعل هذا أولى لما فيه من التهكم بهم مع الدلالة على نفي العلم بالطريق الأولى ، وهو أيضاً أنسب بقوله تعالى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة } [ البقرة : 7 ] كما لا يخفى .

(1/152)


فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

المرض بفتح الراء كما قرأ الجمهور ، وبسكونها كما قرأ الأصمعي عن أبي عمر وعلى ما ذهب إليه أهل اللغة حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل ، وعند الأطباء ما يقابل الصحة وهي الحالة التي تصدر عنها الأفعال سليمة ، والمراد من الأفعال ما هو متعارف وهي إما طبيعية كالنمو أو حيوانية كالنفس أو نفسانية كجودة الفكر ، فالحول والحدب مثلاً مرض عندهم دون أهل اللغة وقد يطلق المرض لغة على أثره وهو الألم كما قاله جمع ممن يوثق بهم ، وعلى الظلمة كما في قوله :
في ليلة مرضت من كل ناحية ... فما يحس بها نجم ولا قمر
وعلى ضعف القلب وفتوره كما قاله غير واحد ويطلق مجازاً على ما يعرض المرء مما يخل بكمال نفسه كالبغضاء والغفلة وسوء العقيدة والحسد وغير ذلك من موانع الكمالات المشابهة لاختلال البدن المانع عن الملاذ والمؤدية إلى الهلاك الروحاني الذي هو أعظم من الهلاك الجسماني ، والمنقول عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح حمل المرض في الآية على المعنى المجازي . ولا شك أن قلوب المنافقين كانت ملأى من تلك الخبائث التي منعتهم مما منعتهم وأوصلتهم إلى الدرك الأسفل من النار . ولا مانع عند بعضهم أن يحمل المرض أيضاً على حقيقته الذي هو الظلمة { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } [ النور : 0 4 ] { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات } [ البقرة : 257 ] وكذا على الألم فإن في قلوب أولئك ألماً عظيماً بواسطة شوكة الإسلام وانتظام أمورهم غاية الانتظام ، فالآية على هذا محتملة للمعنيين ونصب القرينة المانعة في المجاز إنما يشترط في تعيينه دون احتماله فإذا تضمن نكتة ساوى الحقيقة فيمكن الحمل عليهما نظراً إلى الأصالة والنكتة إلا أنه يرد هنا أن الألم مطلقاً ليس حقيقة المرض بل حقيقته الألم لسوى المزاج وهو مفقود في المنافقين والقول بأن حالهم التي هم عليها تفضي إليه في غاية الركاكة على أن قلوب أولئك لو كانت مريضة لكانت أجسامهم كذلك أو لكان الحمام عاجلهم ويشهد لذلك الحديث النبوي والقانون الطبي ، أما الأول : فلقوله صلى الله عليه وسلم : « إن في الجسد مضغة » الحديث ، وأما الثاني : فلأن الحكماء بعد أن بينوا تشريح القلب قالوا إذا حصلت فيه مادة غليظة فإن تمكنت منه ومن غلافه أو من أحدهما عاجلت المنية صاحبه وإن لم تتمكن تأخرت الحياة مدة يسيرة ولا سبيل إلى بقائها مع مرض القلب ، فالأولى دراية ورواية حمله على المعنى المجازي ومنه الجبن والخور وقد داخل ذلك قلوب المنافقين حين شاهدوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ما شاهدوا .

(1/153)


والتنوين للدلالة على أنه نوع غير ما يتعارفه الناس من الأمراض ، ولم يجمع كما جمع القلوب لأن تعداد المحال يدل على تعداد الحال عقلاً فاكتفى بجمعها عن جمعه . والجملة الأولى إما مستأنفة لبيان الموجب لخداعهم وما هم فيه من النفاق أو مقررة لما يفيده { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة : 8 ] من استمرار عدم إيمانهم أو تعليل له كأنه قيل : ما بالهم لا يؤمنون؟ فقال : في قلوبهم مرض يمنعه أو مقررة لعدم الشعور وإن كان سبيل قوله : { وَمَا يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 9 ] سبيل الاعتراض على ما قيل وجملة { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } إما دعائية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه والمعترضة قد تقرت بالفاء كما في قوله :
واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كلما قدرا
كما صرح به في «التلويح» وغيره نقلاً عن النحاة أو إخبارية معطوفة على الأولى وعطف الماضي على الاسمية لنكتة إن أريد في الأولى أن ذلك لم يزل غضاً طرياً إلى زمن الأخبار ، وفي الثانية أن ذلك سبب لازدياد مرضهم المحقق إذ لولا تدنس فطرتهم لازدادوا بما منّ الله تعالى به على المؤمنين شفاء ولا يتكرر هذا مع قوله تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم } [ البقرة : 5 1 ] للفرق بين زيادة المرض وزيادة الطغيان على أنه لا مانع من زيادة التوكيد مع بعد المسافة ، وأيضاً الدعاء إن لم يكن جارياً على لسان العبد أو مراداً به مجرد السب والتنقيص يكون إيجاباً منه سبحانه فيؤول إلى ما آل إليه الأخبار وزيادة الله تعالى مرضهم إما بتضعيف حسدهم بزيادة نعم الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أو ظلمة قلوبهم بتجدد كفرهم بما ينزله سبحانه شيئاً فشيئاً من الآيات والذكر الحكيم فهم في ظلمات بعضها فوق بعض أو بتكثير خوفهم ورعبهم المترتب عليه ترك مجاهرتهم بالكفر بسبب/ إمداد الله تعالى الإسلام ورفع أعلامه على أعلام الإعزاز والاحترام ، أو بإعظام الألم بزيادة الغموم وإيقاد نيران الهموم .
والغم يخترم النفوس نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
ويكون ذلك بتكاليف الله تعالى لهم المتجددة وفعلهم لها مع كفرهم بها وبتكليف النبي صلى الله عليه وسلم لهم ببعض الأمور وتخلفهم عنه الجالب لما يكرهونه من لومهم وسوء الظن بهم فيغتمون إن فعلوا وإن تركوا ونسبة الزيادة إلى الله تعالى حقيقة ولو فسرت بالطبع فإنه سبحانه الفاعل الحقيقي بالأسباب وبغيرها ولا يقبح منه شيء ، وبعضهم جعل الإسناد مجازاً في بعض الوجوه ولعله نزغة اعتزالية ، وأغرب بعضهم فقال : الإسناد مجازي كيفما كان المرض ، وحمل على أن المراد أنه ليس هنا من يزيدهم مرضاً حقيقة على رأي الشيخ عبد القاهر في أنه لا يلزم في الإسناد المجازي أن يكون للفعل فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة مثل .
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظراً

(1/154)


فتدبر ، وإنما عدى سبحانه الزيادة إليهم لا إلى القلوب فلم يقل فزادها إما ارتكاباً لحذف المضاف أي فزاد الله قلوبهم مرضاً أو إشارة إلى أن مرض القلب مرض لسائر الجسد أو رمزاً إلى أن القلب هو النفس الناطقة ولولاها ما كان الإنسان إنساناً وإعادة مرض منكراً لكونه مغايراً للأول ضرورة أن المزيد يغاير المزيد عليه ، وتوهم من زعم أنه من وضع المظهر موضع المضمر ، والتنكير للتفخيم ، والأليم فعيل من الألم بمعنى مفعل كالسميع بمعنى مسمع ، وعلى ما ذهب إليه الزمخشري من ألم الثلاثي كوجيع من وجع ، وإسناده إلى العذاب مجاز على حد جد جده ، ولم يثبت عنده فعيل بمعنى مفعل وجعل بديع السموات من باب الصفة المشبهة أي بديعة سمواته ، وسميع في قوله :
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
بمعنى سامع أي أمن ريحانة داع من قلبي سامع لدعاء داعيها بدليل ما بعده فإن أكثر القلق والأرق إنما يكون من دواعي النفس وأفكارها فعلى هذا يكون تفسيره بمؤلم اسم فاعل بيان لحاصل المعنى ، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كل شيء في القرآن أليم فهو موجع ، وقد جمع للمنافقين نوعان من العذاب ، عظيم وأليم ، وذلك للتخصيص بالذكر هنا والاندراج مع الكفار هناك؛ قيل : وهذه الجملة معترضة لبيان وعيد النفاق والخداع والباء إما للسببية أو للبدلية و ( ما ) إما مصدرية مؤولة بمصدر كان إن كان أو بمصدر متصيد من الخبر كالكذب وإما موصولة ، واستظهره أبو البقاء بأن الضمير المقدر عائد على ما أورده في «البحر» بأنه لا يلزم أن يكون ثم مقدر بل من قرأ ( يكذبون ) بالتخفيف وهم الكوفيون فالفعل غير متعد ومن قرأ بالتشديد كنافع وابن كثير وأبي عمر فالمفعول محذوف لفهم المعنى والتقدير بكونهم يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ، ويحتمل أن يكون المشدد في معنى المخفف للمبالغة في الكيف كما قالوا في بان الشيء وبين ، وصدق وصدق وقد يكون التضعيف للزيادة في الكم كموتت الإبل ويحتمل أن يكون من كذب الوحش إذا جرى ووقف لينظر ما وراءه ، وتلك حال المتحير وهي حال المنافق ففي الكلام حينئذٍ استعارة تبعية تمثيلية أو تبعية أو تمثيلية ويشهد لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة " والجار والمجرور صفة لعذاب لا لأليم كما قاله أبو البقاء لأن الأصل في الصفة أن لا توصف والكذب هو الإخبار عن الشيء النسبة أو الموضوع على خلاف/ ما هو عليه في نفس الأمر عندنا ، وفي الاعتقاد عند النظام ، وفيهما عند الجاحظ ، وكل مقصود محمود يمكن التواصل إليه بالصدق والكذب جميعاً فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه فإن لم يمكن إلا بالكذب فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً وواجب إن كان واجباً ، وصرح في الحديث بجوازه في ثلاث مواطن ، في الحرب ، وإصلاح ذات البين ، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها ولا حصر ولهذا جاز تلقين الذين أقروا بالحدود الرجوع عن الإقرار فينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضرراً فله الكذب وإن كان عكسه أو شك حرم عليه ، فما قاله الإمام البيضاوي عفا الله تعالى عنه من أن الكذب حرام كله يوشك أن يكون مما سها فيه .

(1/155)


وفي الآية تحريض للمؤمنين على ما هم عليه من الصدق والتصديق فإن المؤمن إذا سمع ترتب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو هو تخيل في نفسه تغليظ اسم الكذب وتصور سماجته فانزجر عنه أعظم انزجار ، وهذا ظاهر على قراءة التخفيف ويمكن في غيرها أيضاً لأن نسبة الصادق إلى الكذب كذب ، وكذا كثرته وإن تكلف في المعنى الأخير ، وقيل : إنه مأخوذ من كذب المتعدي كأنه يكذب رأيه فيقف لينظر لكن لما كثر استعماله في هذا المعنى وكانت حالة المنافق شبيهة بهذا جاز أن يستعار منه لها أمكن على بعد بعيد ذلك التحريض ، ولا يرد على تحريم الكذب في بعض وجوهه ما روي في حديث الشفاعة عن إبراهيم عليه السلام أنه يقول : «ليست لها إني كذبت ثلاث كذبات» وعنى كما في رواية أحمد { إِنّى سَقِيمٌ } [ الصافات : 98 ] و { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } [ الأنبياء : 63 ] . وقوله للملك في جواب سؤاله عن امرأته سارة : هي أختي حين أراد غصبها ، وكان من طريق السياسة التعرض لذات الأزواج دون غيرهن بدون رضاهن فإنها إن كانت من الكذب المحرم فأين العصمة وهو أبو الأنبياء؟ا وإن لم تكن كذلك فقد أخبر يوم القيامة بخلاف الواقع وحاشاه حيث إن المفهوم من ذلك الكلام أني أذنبت فأستحي أن أشفع ، وهي يستحي مما لا إثم فيه ولقوة هذه الشبهة قطع الرازي بكذب الرواية صيانة لساحة إبراهيم عليه السلام لأنا نقول إن ذلك من المعاريض ، وفيها مندوحة عن الكذب ، وقد صدرت من سيد أولي العصمة صلى الله عليه وسلم كقوله مما في حديث الهجرة ، وتسميته كذباً على سبيل الاستعارة للاشتراك في الصورة فهي من المعاريض الصادقة كما ستراه بأحسن وجه إن شاء الله تعالى في موضعه لكنها لما كانت مبنية على لين العريكة مع الأعداء ، ومثله ممن تكفل الله تعالى بحمايته يناسبه المبارزة فلعدوله عن الأولى بمقامه عد ذلك في ذلك المقام ذنباً وسماه كذباً لكونه على صور ، وما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام من ذلك لم يقع في مثل هذا المقام حتى يستحي منه فلكل مقام مقال ، على أنا نقول إنها لو كانت كذباً حقيقة لا ضرر فيها ولا استحياء منها ، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم :

(1/156)


« ما منها كذبة إلا جادل بها عن دين الله تعالى فهي من الكذب المباح » لكن لما كان مقام الشفاعة هو المقام المحمود المخبوء للحبيب لا الخليل أظهر الاستحياء للدفع عنه بما يظن أنه مما يوجب ذلك وهو لا يوجبه . وفي ذلك من التواضع وإظهار العجز والدفع بالتي هي أحسن مما لا يخفى فكأنه قال : أنا لا آمن من العتاب على كذب مباح فكيف لي بالشفاعة لكم في هذا المقام فليحفظ ، ثم إن الإتيان بالأفعال المضارعة في أخبار الأفعال الماضية الناقصة أمر مستفيض كأصبح يقول كذا ، وكادت تزيغ قلوب فريق منهم ومعناه أنه في الماضي كان مستمراً متجدداً بتعاقب الأمثال والمضي والاستقبال بالنسبة لزمان الحكم ، وقد عد الاستمرار من معاني ( كان ) فلا إشكال في { بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } حيث دلت ( كان ) على انتساب الكذب إليهم في الماضي ويكذبون على انتسابه في الحال والاستقبال/ والزمان فيهما مختلف ودفعه بأن ( كان ) دالة على الاستمرار في جميع الأزمنة ويكذبون دل على الاستمرار التجددي الداخل في جميع الأزمنة على علاته يغني الله تعالى عنه . وأمال حمزة فزادهم في عشرة أفعال ووافقه ابن ذكوان في إمالة جاء وشاء وزاد هذه ، وعنه خلاف في زاد غيرها ، والإمالة لتميم والتفخيم للحجاز . وقد نظم أبو حيان تلك العشرة فقال :
وعشرة أفعال تمال لحمزة ... فجاء وشاء ضاق ران وكملا
بزاد وخاب طاب خاف معاً وحا ... ق زاغ سوى الأحزاب مع صادها فلا

(1/157)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)

اختلف في هذه الجملة فقيل معطوفة على { يكذبون } [ البقرة : 0 1 ] لأنه أقرب وليفيد تسببه للعذاب أيضاً وليؤذن أن صفة الفساد يحترز منها كما يحترز عن الكذب . ووجه إفادته لتسبب الفساد للعذاب أنه داخل في حيز صلة الموصول الواقع سبباً إذ المعنى في قولهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } إنكار لادعائهم أن ما نسب لهم منه صلاح وهو عناد وإصرار على الفساد والإصرار على ذلك فساد وإثم ، وهذا الذي مال إليه الزمخشري وهو مبني على عدم الاحتياج إلى ضمير في الجملة يعود إلى ( ما ) فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع وإلا يكون التقدير ولهم عذاب أليم بالذي كانوا إذا قيل لهم الخ وهو غير منتظم وكأن من يجعل ( ما ) مصدرية يجعل الوصل ب ( كان ) حيث لم يعهد وصلها بالجملة الشرطية نعم يرد أن قوله تعالى : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } كذب فيؤول المعنى إلى استحقاق العذاب بالكذب وعطف التفسير مما يأباه الذوق والاستعمال ومن هنا قيل : بأن هذا العطف وجيه على قراءة { يكذبون } [ البقرة : 10 ] بالتشديد على أحد احتمالاته ليكون سبباً للجمع بين ذمهم بالكذب والتكذيب . وقول مولانا مفتي الديار الرومية في الاعتراض : أن هذا النحو من التعليل حقه أن يكون بأوصاف ظاهرة العلية مسلمة الثبوت للموصوف غنية عن البيان لشهرة الاتصاف بها عند السامع أو لسبق الذكر صريحاً أو استلزاماً ، ولا ريب في أن هذه الشرطية غير معلومة الانتساب بوجه حتى تستحق الانتظام في سلك التعليل لا يخفى ما فيه على من أمعن النظر ، وقيل : معطوفة على { يقول } [ البقرة : 8 ] لسلامته مما في ذلك العطف من الدغدغة ولتكون الآيات حينئذٍ على نمط تعديد قبائحهم وإفادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالاً وقصداً ودلالتها على لحوق العذاب بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم فما ظنك بسائرها؟ ولكون هذا الماضي لمكان إذاً مستقبلاً حسن العطف ، وفيه أن مآل هذه الجملة الكذب كما أشير إليه فلا تغاير سابقها ولو سلم التغاير بالاعتبار وضم القيود فهي جزء الصلة أو الصفة وكلاهما يقتضي عدم الاستقلال ، وأيضاً كون ذلك الكذب أدنى أحوالهم لا يقبل عند من له أدنى عقل على أن تخلل البيان والاستئناف وإن لم يكن أجنبياً بين أجزاء الصلة أو الصفة لا يخلو عن استهجان فالذي أميل إليه وأعول دون هذين الأمرين عليه ما اختاره المدقق في «الكشف» ، وقريب منه كلام أبي حيان في «البحر» أنها معطوفة على قوله : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ } [ البقرة : 8 ] لبيان حالهم في ادعاء الإيمان وكذبهم فيه أولاً ثم بيان حالهم في انهماكهم في باطلهم ورؤية القبيح حسناً والفساد صلاحاً ثانياً ، ويجعل المعتمد بالعطف مجموع الأحوال وإن لزم فيه عطف الفعلية على الاسمية فهو أرجح بحسب السياق ونمط تعديد القبائح ، وما قيل عليه إنه ليس مما يعتد به وإن توهم كونه أوفى بتأدية هذه المعاني وذلك لعدم دلالته على اندراج هذه الصفة وما بعدها في قصة المنافقين وبيان أحوالهم إذ لا يحسن حينئذٍ عود الضمائر/ التي فيها إليهم كما يشهد به سلامة الفطرة لمن له أدنى دربة بأساليب الكلام كلام خارج عن دائرة الإنصاف كما يشهد به سلامة الفطرة من داء التعصب والاعتساف فإن عود الضمائر رابط للصفات بهم وسوق الكلام مناد عليه ، وقد يأتي في القصة الواحدة جملة مستأنفة بغير عطف فإذا لم ينافه الاستئناف رأساً كيف ينافيه العطف على أوله المستأنف ، والعطف إنما يقتضي مغايرة الأحوال لا مغايرة القصص وأصحابها .

(1/158)


وما أخرجه ابن جرير عن سلمان رضي الله تعالى عنه من أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد ليس المراد به أنها مخصوصة بقوم آخرين كما يشعر به الظاهر بل إنها لا تختص بمن كان من المنافقين وإن نزلت فيهم إذ خصوص السبب لا ينافي عموم النظم ، ثم القائل للمنافقين في عصر النزول هذا القول إما النبي صلى الله عليه وسلم تبليغاً عن الله سبحانه المخبر له بنفاقهم أو أنه عليه الصلاة والسلام بلغه عنهم ذلك ولم يقطع به فنصحهم فأجابوه بما أجابوه أو بعض المؤمنين الظانين بهم المتفرسين بنور الإيمان فيهم أو بعض من كانوا يلقون إليه الفساد فلا يقبله منهم لأمر ما فينقلب واعظاً لهم قائلاً : لا تفسدوا ، والفساد التغير عن حالة الاعتدال والاستقامة ونقيضه الصلاح ، والمعنى لا تفعلوا ما يؤدي إلى الفساد وهو هنا الكفر كما قاله ابن عباس أو المعاصي كما قاله أبو العالية أو النفاق الذي صافوا به الكفار فأطلعوهم على أسرار المؤمنين فإن كل ذلك يؤدي ولو بالوسائط إلى خراب الأرض وقلة الخير ونزع البركة وتعطل المنافع ، وإذا كان القائل بعض من كانوا يلقون إليه الفساد فلا يقبله ممن شاركهم في الكفر يحمل الفساد على هيج الحروب والفتن الموجب لانتفاء الاستقامة ومشغولية الناس بعضهم ببعض فيهلك الحرث والنسل . ولعل النهي عن ذلك لخور أو تأمل في العاقبة وإراحة النفس عما ضرره أكبر من نفعه مما تميل إليه الحذاق . على أن في أذهان كثير من الكفار إذا ذاك توقع ما يغني عن القتال من وقوع مكروه بالمؤمنين { ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } [ التوبة : 2 3 ] ، ولا يخفى ما في هذا الوجه من التكلف ، والمراد من الأرض جنسها أو المدينة المنورة ، والحمل على جميع الأرض ليس بشيء إذ تعريف المفرد يفيد استيعاب الأفراد لا الأجزاء ، اللهم إلا أن يعتبر كل بقعة أرضاً ، لكن يبقى أنه لا معنى للحمل على الاستغراق باعتبار تحقق الحكم في فرد واحد وليس ذكر الأرض لمجرد التأكيد بل في ذلك تنبيه على أن الفساد واقع في دار مملوكة لمنعم أسكنكم بها وخولكم بنعمها :

(1/159)


وأقبح خلق الله من بات عاصيا ... لمن بات في نعمائه يتقلب
وإنما للحصر كما جرى عليه بعض النحويين وأهل الأصول ، واختار في «البحر» أن الحصر يفهم من السياق ولم تدل عليه وضعاً ، وجعل القول بكونها مركبة من ( ما ) النافية دخل عليها ( أن ) التي للإثبات فأفادت الحصر قولاً ركيكاً صادر عن غير عارف بالنحو . ومعنى { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } مقصورون على الإصلاح المحض الذي لم يشبه شيء من وجوه الفساد وقد بلغ في الوضوح بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه ، والقصر إما قصر إفراد أو قلب وهذا إما ناشىء عن جهل مركب فاعتقدوا الفساد صلاحاً فأصروا واستكبروا استكباراً :
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وإما جار على عادتهم في الكذب وقولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، وقرأ هشام والكسائي { قِيلَ } بإشمام الضم ليكون دالاً على الواو المنقلبة ، وقول : بإخلاص الضم وسكون الواو لغة لهذيل ولم يقرأ بها .

(1/160)


أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

رد لدعواهم المحكية على أبلغ وجه حيث سلك فيه مسلك الاستئناف المؤدي إلى زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع مع تأكيد الحكم وتحقيقه ( بأن ، وألا ) بناءً/ على تركبها من همزة الاستفهام الإنكاري الذي هو نفي معنى و ( لا ) النافية فهو نفي نفي فيفيد الإثبات بطريق برهاني أبلغ من غيره ولإفادتها التحقيق كما قال ناصر الدين : لا يكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يتلقى به القسم ( كان ، واللام ، وحرف النفي ) والذي ارتضاه الكثير أنها بسيطة لا لأنها تدخل على أن المشددة و ( لا ) النافية لا تدخل عليها إذ قد يقال : انفسخ بعد التركيب حكمها الأصلي بل لأن الأصل البساطة ، ودعوى لا يكاد الخ لا تكاد تسلم كيف وقد دخلت على رب وحبذا ويا النداء في ألا رب يوم صالح لك منهما و ألا حبذا هند وأرض بها هند و ألا يا قيس والضحاك سيرا وضم إلى ذلك تعريف الخبر وتوسيط الفصل وأشار ب { لاَّ يَشْعُرُونَ } على وجه إلى أن كونهم من المفسدين قد ظهر ظهور المحسوس بالمشاعر وإن لم يدركوه ، وأتى سبحانه بالاستدراك هنا ولم يأت به بعد المخادعة لأن المخادعة هناك لم يتقدمها ما يتوهم منه الشعور توهماً يقتضي تعقيبه بالرفع بخلاف ما هنا فإنهم لما نهوا عما تعاطوه من الفساد الذي لا يخفى على ذوي العقول فأجابوه بادعاء أنهم على خلافه ، وأخبر سبحانه بفسادهم كانوا حقيقيين بالعلم به مع أنهم ليسوا كذلك فكان محلاً للاستدراك ، وما يقال : من أنه لا ذمّ على من أفسد ولم يعلم وإنما الذم على من أفسد عن علم ، يدفعه أن المقصر في العلم مع التمكن منه مذموم بلا ريب بل ربما يقال إنه أسوأ حالاً من غيره ، وهذا كله على تقدير أن يكون مفعول { لاَّ يَشْعُرُونَ } محذوفاً مقدراً بأنهم مفسدون ، ويحتمل أن يقدر أن وبال ذلك الفساد يرجع إليهم ، أو أنا نعلم أنهم مفسدون ويكون { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون } لإفادة لازم فائدة الخبر بناءً على أنهم عالمون بالخبر جاحدون له كما هو عادتهم المستمرة ، ويبعد هذا إذا كان المنافقون أهل كتاب ، ويحتمل أن لا ينوي محذوف وهو أبلغ في الذم . وفيه مزيد تسلية له صلى الله عليه وسلم إذ من كان من أهل الجهل لا ينبغي للعالم أن يكترث بمخالفته ، وفي التأويلات لعلم الهدى إن هذه الآية حجة على المعتزلة في أن التكليف لا يتوجه بدون العلم بالمكلف به وأن الحجة لا تلزم بدون المعرفة فإن الله تعالى أخبر أن ما صنعوا من النفاق إفساد منهم مع عدم العلم فلو كان حقيقة العلم شرطاً للتكليف ولا علم لهم به لم يكن صنيعهم إفساداً لأن الإفساد ارتكاب المنهي عنه فإذا لم يكن النهي قائماً عليهم عن النفاق لم يكن فعلهم إفساداً فحيث كان إفساداً دل على أن التكليف يعتمد قيام آلة العلم والتمكن من المعرفة لا حقيقة المعرفة فيكون حجة عليهم . وهذه المسألة متفرعة على مسألة مقارنة القدرة للفعل وعدمها ، وأنت تعلم أنه مع قيام الاحتمال يقعد على العجز الاستدلال .

(1/161)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ كَمَا ءامَنَ الناس } إشارة إلى التحلية بالحاء المهملة كما أن { لا تفسدوا } [ البقرة : 11 ] إشارة إلى التخلية بالخاء المعجمة ولذا قدم ، وليس هنا ما يدل على أن الأعمال داخلة في كمال الإيمان أو في حقيقته كما قيل لأن اعتبار ترك الفساد لدلالته على التكذيب المنافي للإيمان وحذف المؤمن به لظهوره أو أريد افعلوا الإيمان والكاف في موضع نصب ، وأكثر النحاة يجعلونها نعتاً لمصدر محذوف أي إيماناً كما آمن الناس وسيبويه لا يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في هذا الموضع ويجعلها منصوبة على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل ولم تجعل متعلقة بآمنوا والظرف لغو بناءً على أن الكاف لا تكون كذلك و ( ما ) إما مصدرية أو كافة ولم تجعل موصولة لما فيه من التكلف ، والمعنى على المصدرية آمنوا إيماناً مشابهاً لإيمان الناس ، وعلى الكف حققوا إيمانكم كما تحقق إيمان الناس وذلك بأن يكون مقروناً بالإخلاص خالصاً عن شوائب النفاق ، والمراد من الناس الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين مطلقاً كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهم نصب عين أولى الغين ، وملتفت/ خواطرهم لتأملهم منهم ، وقد مر ذكرهم أيضاً لدخولهم دخولاً أولياً في الذين آمنوا فالعهد خارجي ، أو خارجي ذكري ، أو من آمن من أبناء جنسهم كعبد الله بن سلام كما قاله جماعة من وجوه الصحابة ، أو المراد الكاملون في الإنسانية الذين يعد من عداهم في عداد البهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل ، فاللام إما للجنس أو للاستغراق .
واستدل بالآية على أن الإقرار باللسان إيمان وإلا لم يفد التقييد ، وكونه للترغيب يأباه إيرادهم التشبيه في الجواب؛ والجواب عنه بعد إمكان معارضته بقوله تعالى : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة : 8 ] أنه لا خلاف في جواز إطلاق الإيمان على التصديق اللساني لكن من حيث إنه ترجمة عما في القلب أقيم مقامه إنما النزاع في كونه مسمى الإيمان في نفسه ووضع الشارع إياه له مع قطع النظر عما في الضمير على ما بين لك في محله ، ولما طلب من المنافق الإيمان دل ذلك على قبول توبة الزنديق :
فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
نعم إن كان معروفاً بالزندقة داعياً إليها ولم يتب قبل الأخذ قتل كالساحر ولم تقبل توبته كما أفتى به جمع من المحققين .
{ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا * ءامَنَ *السفهاء } أرادوا ألا يكون ذلك أصلاً فالهمزة للإنكار الإبطالي وعنوا بالسفهاء إما أولئك الناس المتقدمين أو الجنس بأسره وأولئك الكرام والعقلاء الفخام داخلون فيه بزعمهم الفاسد دخولاً أولياً ، وأبعد من ذهب إلى أن اللام للصفة الغالبة كما في العيوق لأنه لم يغلب هذا الوصف على أناس مخصوصين إلا أن يدعي غلبته فيما بينهم قاتلهم الله أنى يؤفكون والسفه الخفة والتحرك والاضطراب ، وشاع في نقصان العقل والرأي وإنما سفهوهم جهلاً منهم حيث اشتغلوا بما لا يجدي في زعمهم ويحتمل أن يكون ذلك من باب التجلد حذراً من الشماتة إن فسر الناس بمن آمن منهم ، واليهود قوم بهت ، وقد استشكل هذه الآية كثير من العلماء بأنه إذا كان القائل المؤمنين كما هو الظاهر والمجيب المنافقين يلزم أن يكونوا مظهرين للكفر إذا لقوا المؤمنين فأين النفاق وهو المفهوم من السباق والسياق؟ وأجيب بأن هذا الجواب كان فيما بينهم وحكاه الله تعالى عنهم ورده عليهم ، وليس الجواب ما يقال مواجهة فقط فقد استفاض من الخلف إطلاق لفظ الجواب على رد كلام السلف مع بعد العهد من غير نكير ، وقيل : { إِذَا } هنا بمعنى لو تحقيقاً لإبطانهم الكفر وأنهم على حال تقتضي أنهم لو قيل لهم كذا قالوا كذا كما قيل مثله في قوله وإذا ما لمته لمته وحدي ، وقيل : إنه كان بحضرة المسلمين لكن مساررة بينهم وأظهره عالم السر والنجوى ، وقيل : كان عند من لم يفش سرهم من المؤمنين لقرابة أو لمصلحة ما ، وذكر مولانا مفتي الديار الرومية أن الحق الذي لا محيد عنه أن قولهم هذا وإن صدر بمحضر من الناصحين لا يقتضي كونهم من المجاهرين فإنه ضرب من الكفر أنيق وفن في النفاق عريق لأنه كلام محتمل للشر كما ذكره في تفسيره وللخير بأن يحمل على ادعاء الإيمان كإيمان الناس وإنكار ما اتهموا به من النفاق على معنى أنؤمن كما آمن السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بإيمانهم لو آمنوا ولا نؤمن كإيمان الناس حتى تأمرونا بذلك ، وقد خاطبوا به الناصحين استهزاءً بهم مرائين لإرادة المعنى الأخير وهم معولون على الأول ، والشرع ينظر للظاهر وعند الله تعالى علم السرائر ، ولهذا سكت المؤمنون ورد الله سبحانه عليهم ما كانوا يسرون ، فالكلام كناية عن كمال إيمانهم ولكن في قلب تلك الكناية نكاية فهو على مشاكلة قولهم :

(1/162)


{ أَسْمِعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } [ النساء : 6 4 ] في احتمال الشر والخير ولذلك نهى عنه ، وجعل رحمه الله تعالى قوله تعالى في الحكاية عنهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } [ البقرة : 11 ] من هذا القبيل أيضاً ، وإلى ذلك مال مولانا الشهاب الخفاجي وادعى أنه من بنات أفكاره ، وعندي أنه ليس بشيء لأن { أَنُؤْمِنُ } لإنكار الفعل في الحال وقولهم : { كَمَا آمَنَ السفهاء } بصيغة الماضي صريح/ في نسبتهم السفاهة إلى المؤمنين لإيمانهم فلا تورية ولا نفاق ، ولعله لما رأى صيغة الماضي زاد في بيان المعنى لو آمنوا ، ولا أدري من أين أتى به . ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر .

(1/163)


فالأهون بعض هاتيك الوجوه ، وقوله : إن إبراز ما صدر عن أحد المتحاورين في الخلاء في معرض ما جرى بينهما في مقام المحاورة مما لا عهد به في الكلام فضلاً عما هو في منصب الإعجاز لا يخفي ما فيه على من اطلع على محاورات الناس قديماً وحديثاً والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
{ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ } رد وأشنع تجهيل حسبما أشير إليه فيما سلف ، وإنما قال سبحانه هنا : { لاَّ يَعْلَمُونَ } وهناك { لاَّ يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 2 1 ] لأن المثبت لهم هناك هو الإفساد وهو مما يدرك بأدنى تأمل ولا يحتاج إلى كثير فكر ، فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر مبالغة في تجهيلهم ، والمثبت هنا السفه والمصدر به الأمر بالإيمان وذلك مما يحتاج إلى نظر تام يفضي إلى الإيمان والتصديق ولم يقع منهم المأمور به فناسب ذلك نفي العلم عنهم ، ولأن السفه خفة العقل والجهل بالأمور على ما قيل فيناسبه أتم مناسبة نفي العلم ، وهذا مبني على ما هو الظاهر في المفعول وعلى غير الظاهر غير ظاهر فتدبر .
ثم اعلم أنه إذا التقت الهمزتان والأولى مضمومة والثانية مفتوحة من كلمتين نحو السفهاء ، ألا ففي ذلك أوجه . تحقيق الهمزتين وبذلك قرأ الكوفيون وابن عامر وتحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإبدالها واواً وبذلك قرأ الحرميان وأبو عمرو . وتسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو . وتحقيق الثانية وتسهيل الأولى وإبدال الثانية واواً ، وأجاز قوم جعل الهمزتين بين بين ومنعه آخرون .

(1/164)


وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)

{ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } بيان لدأب المنافقين وأنهم إذا استقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم آمنا استهزاءً فلا يتوهم أنه مكرر مع أول القصة لأنه إبداء لخبثهم ومكرهم وكشف عن إفراطهم في الدعارة وادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وأنهم أحاطوه من جانبيه على أنه لو لم يكن هذا لا ينبغي أن يتوهم تكرار أيضاً لأن المعنى ومن الناس من يتفوه بالإيمان نفاقاً للخداع وذلك التفوه عند لقاء المؤمنين وليس هذا من التكرار بشيء لما فيه من التقييد وزيادة البيان وأنهم ضموا إلى الخداع الاستهزاء ، وأنهم لا يتفوهون بذلك إلا عند الحاجة ، والقول بأن المراد ب { مِنَ } أولاً الإخبار عن إحداث الإيمان وهنا عن إحداث إخلاص الإيمان مما ارتضاه الإمام ولا أقتدي به وتأييده له بأن الإقرار اللساني كان معلوماً منهم غير محتاج للبيان وإنما المشكوك الإخلاص القلبي فيجب إرادته يدفعه النظر من ذي ذوق فيما حررناه ، واللقاء استقبال الشخص قريباً منه وهو أحد أربعة عشر مصدراً للقي ، وقرأ أبو حنيفة وابن السميقع ( لاقوا ) ، وجعله في «البحر» بمعنى الفعل المجرد ، وحذف المفعول في ( آمنا ) قيل اكتفاءً بالتقييد قبل { بالله وباليوم الأخر } [ البقرة : 8 ] وقيل : المراد آمنا بما آمنتم به ، وأبعد من قال أرادوا الإيمان بموسى عليه السلام دون غيره وحذفوا تورية منهم وإيهاماً . هذا ولم يصح عندي في سبب نزول هذه الآية شيء ، وأما ما ذكره الزمخشري والبيضاوي ومولانا مفتي الديار الرومية وغيرهم فهو من طريق السدي الصغير وهو كذاب ، وتلك السلسلة سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب ، وآثار الوجه لائحة على ما ذكروه فلا يعول عليه ولا يلتفت بوجه إليه .
{ وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم } من خلوت به وإليه إذا انفردت معه أو من قولهم في المثل : اطلب الأمر وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك ومنه { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } [ آل عمران : 137 ] وعلى الثاني المفعول الأول ههنا محذوف لعدم تعلق الغرض به أي إذا خلوهم ، وتعديته إلى المفعول الثاني ب { إلى } لما في المضي عن الشيء معنى الوصول إلى الآخر واحتمال أن يكون من خلوت به أي سخرت منه ، فمعنى الآية إذا أنهوا السخرية معهم/ وحدثوهم كما يقال أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام رب العزة وإن ذكره الزمخشري والبيضاوي وغيرهما إذ لم يقع صريحاً خلا بمعنى سخر في كلام من يوثق به ، وقولهم : خلا فلان بعرض فلان يعبث به ليس بالصريح إذ يجوز أن يكون خلا على حقيقته أو بمعنى تمكن منه على ما قيل ، والدال على السخرية يعبث به ، وزعم النضر بن شميل أن { إلى } هنا بمعنى مع ولا دليل عليه كالقول بأنها بمعنى الباء على أن سيبويه والخليل لا يقولان بنيابة الحرف عن الحرف ، نعم إن الخلوة كما في «التاج» تستعمل ب ( إلى ، والباء ، ومع ) بمعنى واحد ويفهم من كلام الراغب أن أصل معنى الخلو فراغ المكان والحيز عن شاغر وكذا الزمان وليس بمعنى المضي ، وإذا أريد به ذلك كان مجازاً وظاهر كلام غيره أنه حقيقة وضعيفان يغلبان قوياً .

(1/165)


والمراد ب { شياطينهم } من كانوا يأمرونهم بالتكذيب من اليهود كما قاله ابن عباس أو كهنتهم كما قاله الضحاك وجماعة وسموا بذلك لتمردهم وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن أو لأن قرناءهم الشياطين إن فسروا بالكهنة وكان على عهده صلى الله عليه وسلم كثير منهم ككعب بن الأشرف من بني قريظة ، وأبي بردة من بني أسلم ، وعبد الدار في جهينة ، وعوف بن عامر في بني أسد ، وابن السوداء في الشام .
وحمله على شياطين الجن كما قاله الكلبي مما لا يختلج بقلبي ، والشياطين جمع تكسير وإجراؤه مجرى الصحيح كما في بعض الشواذ تنزلت به الشياطون لغة غريبة جداً والمفرد شيطان وهو فيعال عند البصريين فنونه أصلية من شطن أي بعد لبعده عن امتثال الأمر ويدل عليه تشيطن وإلا لسقطت ، واحتمال أخذه من الشيطان لا من أصله على أن المعنى فعل فعله خلاف الظاهر ، وعند الكوفيين وزنه فعلان فنونه زائدة من شاط يشيط إذا هلك أو بطل أو احترق غضباً والأنثى شيطانة وأنشد في «البحر2 :
هي البازل الكوماء لا شيء غيرها ... وشيطانة قد جن منها جفونها
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشيطان كل متمرد من الجن والإنس والدواب .
{ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } أي معية معنوية وهي مساواتهم لهم في اعتقاد اليهودية وهو أم الخبائث ، وأتى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث مع ترك التأكيد فيما ألقى على المؤمنين المنكرين لما هم عليه أو المتمردين ، وبالجملة الثبوتية مع التأكيد فيما ألقى إلى شياطينهم الذين ليسوا كذلك لأنهم في الأول بصدد دعوى إحداث الإيمان ولم ينظروا هنا لإنكار أحد وتردده إيهاماً منهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يتردد في إيمانهم ليؤكدوا لعله أن يتم لهم مرامهم بذلك في زعمهم وفي الثاني بصدد إفادة الثبات دفعاً لما يختلج بخواطر شياطينهم من مخالطة المؤمنين ومخاطبتهم بالإيمان ، وقيل : إن التأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والشك يكون لصدق الرغبة وتركه كما يكون لعدم ذلك يكون لعدم اعتناء المتكلم فللرغبة أكدوا ولعدمها تركوا ، أو لأنهم لو قالوا إنا مؤمنون كان ادعاء لكمال الإيمان وثباته ، وهو لا يروج عند المؤمنين مع ما هم عليه من الرزانة وحدة الذكاء ولا كذلك شياطينهم ، وعندي أن الوجه هو الأول إذ يرد على الأخيرين قوله تعالى فيما حكى عنهم :

(1/166)


{ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } [ المنافقون : 1 ] إلا أن يقال إنهم أظهروا الرغبة هناك وتبالهوا عن عدم الرواج لغرض ما من الأغراض والأحوال شتى ، والعوارض كثيرة ولهذا قيل : إنهم للتقية والخداع ، ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمان ليجروا عليهم أحكامهم ويعفوهم عن المحاربة أكدوا بالباء فيما تقدم حيث قالوا : { بالله وباليوم الأخر } [ البقرة : 8 ] . والقول بأن الفرق بين آية الشهادة وآية الإيمان هنا ظاهر لأنهم لو قالوا إنا لمؤمنون لكانوا ملتزمين أمرين ، رسالته صلى الله عليه وسلم ووجوب إيمانهم به بخلاف آية الشهادة فإن فيها التزام الأول ولا يلزم من عدم الرغبة في أمرين عدمها في أحدهما ظاهر الركاكة للمنصفين كما لا يخفى ، وقرأ/ الجمهور { مَّعَكُمْ } بتحريك العين وقرىء شاذاً بسكونها وهي لغة ربيعة وغنم .
{ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } الاستهزاء الاستخفاف والسخرية ، واستفعل بمعنى فعل تقول هزأت به واستهزأت بمعنى كاستعجب وعجب ، وذكر حجة الإسلام الغزالي أن الاستهزاء الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه ، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وبالإشارة والإيماء ، وأرادوا مستخفون بالمؤمنين . وأصل هذه المادة الخفة يقال : ناقته تهزأ به أي تسرع وتخف وقول الرازي : إنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطال ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية غير موافق للغة والعرف . والجملة إما استئناف فكأن الشياطين قالوا لهم لما قالوا : { إِنَّا مَعَكُمْ } إن صح ذلك فما بالكم توافقون المؤمنين فأجابوا بذلك . أو بدل من إنا معكم؛ وهل هو بدل اشتمال ، أو كل ، أو بعض؟ خلاف ، أما الأول : فلأن هذه الجملة تفيد ما تفيده الأولى وهو الثبات على اليهودية لأن المستهزىء بالشيء مصر على خلافه وزيادة وهو تعظيم الكفر المفيد لدفع شبهة المخالطة وتصلبهم في الكفر فيكون بدل اشتمال .
وأما الثاني : وبه قال السعد : فللتساوي من حيث الصدق ولا يقتضي التساوي من حيث المدلول ، وأما الثالث فلأن كونهم معهم عام في المعية الشاملة للاستهزاء والسخرية وغير ذلك ، أو تأكيد لما قبله بأن يقال إن مدعاهم بأنا معكم الثبات على الكفر وإنما نحن مستهزؤن لاستلزامه رد الإسلام ونفيه يكون مقرراً للثبات عليه إذ رفع نقيض الشيء تأكيد لثباته لئلا يلزم ارتفاع النقيضين ، أو يقال يلزم : { إِنَّا مَعَكُمْ } إنا نوهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الإيمان فيكون الاستخفاف بهم وبدينهم تأكيداً باعتبار ذلك اللازم ، وأولى الأوجه عند المحققين الاستئناف لولا ما ذكره الشيخ «في دلائل الإعجاز» من أن موضوع ( إنما ) أن تجىء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته فإنه يقتضي أن تقدير السؤال هنا أمر مرجوح ولعل الأمر فيه سهل ، وقرىء { مُسْتَهْزِءونَ } بتخفيف الهمزة وبقلبها ياء مضمومة ، ومنهم من يحذف الياء فتضم الزاي .

(1/167)


اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

{ الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } حمل أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل الاستهزاء منه تعالى على حقيقته وإن لم يكن المستهزىء من أسمائه سبحانه ، وقالوا : إنه التحقير على وجه من شأنه أن من اطلع عليه يتعجب منه ويضحك ولا استحالة في وقوع ذلك منه عز شأنه ومنعه من قياس الغائب على الشاهد ، وذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوصف به جل وعلا حقيقة لما فيه من تقرير المستهزأ به على الجهل الذي فيه ، ومقتضى الحكمة والرحمة أن يريه الصواب فإن كان عنده أنه ليس متصفاً بالمستهزأ به فهو لعب لا يليق بكبريائه تعالى ، فالآية على هذا مؤولة إما بأن يراد بالاستهزاء جزاؤه لما بين الفعل وجزائه من مشابهة في القدر وملابسة قوية ونوع سببية مع وجود المشاكلة المحسنة ههنا ، ففي الكلام استعارة تبعية أو مجاز مرسل ، وإما بأن يراد به إنزال الحقارة والهوان فهو مجاز عما هو بمنزلة الغاية له فيكون من إطلاق المسبب على السبب نظراً إلى التصور وبالعكس نظراً إلى الوجود ، وإما بأن يجعل الله تعالى وتقدس كالمستهزىء بهم على سبيل الاستعارة المكنية وإثبات الاستهزاء له تخييلاً ، ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح قصداً وله سبحانه أن يطلق على ذاته المقدسة ما يشاء تفهيماً للعباد ، وقد يقال : إن الآية جارية على سبيل التمثيل والمراد يعاملهم سبحانه معاملة المستهزىء؛ أما في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم من حيث لا يعلمون ، وأما في الآخرة بأن يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال : هلم هلم فيجىء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه ، ثم يفتح له باب آخر فيقال : هلم هلم فيجىء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له باب فيقال : هلم هلم فما يأتيه ، وقد روي ذلك بسند مرسل جيد الإسناد في/ المستهزئين بالناس ، وأسند سبحانه الاستهزاء إليه مصدراً الجملة بذكره للتنبيه على أن الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ الذي لا اعتداد معه باستهزائهم لصدوره عمن يضمحل علمهم وقدرتهم في جانب علمه وقدرته وأنه تعالى كفى عباده المؤمنين وانتقم لهم وما أحوجهم إلى معارضة المنافقين تعظيماً لشأنهم لأنهم ما استهزىء بهم إلا فيه ولا أحد أغير من الله سبحانه ، وترك العطف لأنه الأصل وليس في الجملة السابقة ما يصح عطف هذا القول عليه إلا بتكلف وبعد ، وقيل : ليكون إيراد الكلام على وجه يكون جواباً عن السؤال عن معاملة الله تعالى معهم في مقابلة معاملتهم هذه مع المؤمنين ، وقولهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } [ البقرة : 14 ] إشعار بأن ما حكي من الشناعة بحيث يقتضي ظهور غيرة الله تعالى ويسأل كل أحد عن كيفية انتقامه منهم ، ويشعر كلام بعض المحققين أنه لو ورد هذا القول بالعطف ولو على محذوف مناسب للمقام كهم مستهزءون بالمؤمنين لأفاد أن ذلك في مقابلة استهزائهم فلا يفيد أن الله تعالى أغنى المؤمنين عن معارضتهم مطلقاً وأنه تولى مجازاتهم مطلقاً بل يوهم تخصيص التولي بهذه المجازاة ، وأيضاً لكون استهزاء الله تعالى بمكان بعيد من استهزائهم إلى حيث لا مناسبة بينهما يكون العطف كعطف أمرين غير متناسبين ، وبعضهم رتب الفائدتين اللتين ذكرناهما في الإسناد إليه تعالى على الاستئناف مدعياً أنه لو عطف ولو بحسب التوهم على مقدر بأن يقال المؤمنون مستهزؤون بهم والله يستهزىء بهم لفاتت الفائدتان هذا ، ولعل ما ذكرناه أسلم من القيل والقال وأبعد عن مظان الاستشكال فتدبر ، وعدل سبحانه عن الله مستهزىء بهم المطابق لقولهم إلى قوله : { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } لإفادته التجدد الاستمراري وهو أبلغ من الاستمرار الثبوتي الذي تفيده الاسمية لأن البلاء إذا استمر قد يهون وتألفه النفس كما قيل :

(1/168)


خلقت ألوفاً ولو رجعت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكياً
وقد كانت نكايات الله تعالى فيهم ونزول الآيات في شأنهم أمراً متجدداً مستمراً { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة : 126 ] { يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } وهذا نوع من العذاب الأدنى { وَلَعَذَابُ الاخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 6 2 ] وصرح بالمستهزأ به هنا ليكون الاستهزاء بهم نصاً وإنما تركه المنافقون فيما حكى عنهم خوفاً من وصوله للمؤمنين فأبقوا اللفظ محتملاً ليكون لهم مجال في الذب إذا حوققوا فجعل الله تعالى كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا .
{ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } معطوف على قوله سبحانه وتعالى : { يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } كالبيان له على رأي ، والمدّ من مد الجيش وأمده بمعنى أي ألحق به ما يقويه ويكثره ، وقيل : مد زاد من الجنس وأمد زاد من غير الجنس ، وقيل : مد في الشر وأمد في الخير عكس وعد وأوعد ، وإذا استعمل أمد في الشر فلعله من باب { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 1 2 ] ، وقد ورد استعمال هذه المادة بمعنيين ، أحدهما : ما ذكرنا ، وثانيهما : الإمهال ، ومنه مد العمر ، والواقع هنا من الأول دون الثاني لوجهين ، الأول : أنه روي عن ابن كثير من غير السبعة { *يمدهم } بالضم من المزيد وهو لم يسمع في الثاني ، والثاني : أنه متعد بنفسه والآخر متعد باللام والحذف والإيصال خلاف الأصل فلا يرتكب بغير داع ، فمعنى { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم } يزيدهم ويقويهم فيه ، وإلى ذلك ذهب البيضاوي وغيره ، والحق أن الإمهال هنا محتمل وإليه ذهب الزجاج وابن كيسان والوجهان مخدوشان ، فقد ورد عند من يعول عليه من أهل اللغة كل منهما ثلاثياً ومزيداً ومعدى بنفسه وباللام وكلاهما من أصل واحد ومعناهما يرجع إلى الزيادة كماً أو كيفاً ، وفي «الصحاح» مد الله في عمره ومده في غيه أمهله وطول له ، وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن مد الله تعالى في طغيانهم التمكين من العصيان .

(1/169)


وعن ابن عباس الإملاء ونسبة المد إلى الله تعالى بأي معنى كان عند أهل الحق حقيقة إذ هو سبحانه وتعالى الموجد للأشياء المنفرد باختراعها على حسب ما اقتضته الحكمة ورفعت له أكفها الاستعدادات ، ونسبته إلى غيره سبحانه وتعالى في قوله عز شأنه : { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } [ الأعراف : 202 ] نسبة التوفي إلى الملك في قوله تعالى : { يتوفاكم مَّلَكُ الموت } [ السجدة : 11 ] مع قوله جل وعلا : { الله يَتَوَفَّى الانفس } [ الزمر : 2 4 ] وذهبت المعتزلة أن الزيادة في الطغيان والتقوية فيه مما يستحيل نسبته إليه تعالى حقيقة وحملوا الآية على محامل أخر ، وقد قدمنا ما يوهن مذهبهم فلنطوه هنا على ما فيه وال طغيان بضم الطاء على المشهور ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بكسرها وهما لغتان فيه ، وقد سمعا في مصدر اللقاء ، وقد أماله الكسائي ، وأصله تجاوز المكان الذي وقفت فيه ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فقد طغى ، ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد المعروف فيه ، وإضافته إليهم لأنه فعلهم الصادر منهم بقدرهم المؤثرة بإذن الله تعالى فالاختصاص المشعرة به الإضافة إنما هو بهذا الاعتبار لا باعتبار المحلية والاتصاف فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة ولا باعتبار الإيجاد استقلالاً من غير توقف على إذن الفعال لما يريد فإنه اعتبار عليه غبار بل غبار ليس له اعتبار فلا تهولنك جعجعة الزمخشري وقعقعته ، ويحتمل أن يكون الاختصاص للإشارة إلى أن طغيان غيرهم في جنبهم كلا شيء لادعاء اختصاصهم به وليس بالمنحرف عن سنن البلاغة .
وال عمه التردد والتحير ، ويستعمل في الرأي خاصة والعمى فيه وفي البصر فبينهما عموم وخصوص مطلق في الاستعمال وإن تغايرا في أصل الوضع ، واختصر العمى بالبصر على ما قيل ، وأصله الأصيل عدم الأمارات في الطريق التي تنصب لتدل من حجارة وتراب ونحوهما وهي المنار ويقال عمه يعمه كتعب يتعب عمهاً وعمهاناً فهو عمه وعامه وعمهاء فمعنى يعمهون على هذا يترددون ويتحيرون ، وإلى ذلك ذهب جمع من المفسرين ، وقيل : العمه العمى عن الرشد ، وقال ابن قتيبة : هو أن يكب رأسه فلا يبصر ما يأتي ، فالمعنى يعمون عن رشدهم أو يكبون رؤوسهم فلا يبصرون وكأن هذا أقرب إلى الصواب لأن المنافقين لم يكونوا مترددين في الكفر بل كانوا مصرين عليه معتقدين أنه الحق وما سواه باطل إلا أن يقال التردد والتحير في أمر آخر لا في الكفر ، وجملة { يَعْمَهُونَ } في موضع نصب على الحال إما من الضمير في { *يمدهم } وإما من الضمير في { فِي طغيانهم } لأنه مصدر مضاف إلى الفاعل ، وفي { طغيانهم } يحتمل أن يكون متعلقاً بيمدهم وأن يكون متعلقاً بيعمهون وجاز على خلاف كون { فِي طغيانهم } و { يَعْمَهُونَ } حالين من الضمير في يمدهم .

(1/170)


أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

{ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } إشارة إلى المنافقين الذين تقدم ذكرهم الجامعين للأوصاف الذميمة من دعوى الصلاح وهم المفسدون ، ونسبة السفه للمؤمنين وهم السفهاء والاستهزاء وهم المستهزأ بهم ولبعد منزلتهم في الشر وسوء الحال أشار إليهم بما يدل على البعد ، والكلام هنا يمكن أن يكون واقعاً موقع { أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ } [ البقرة : 5 ] فإن السامع بعد سماع ذكرهم وإجراء تلك الأوصاف عليهم كأنه يسأل من أين دخل على هؤلاء هذه الهيئات؟ فيجاب بأن أولئك المستبعدين إنما جسروا عليها لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى حتى خسرت صفقتهم وفقدوا الاهتداء للطريق المستقيم ووقعوا في تيه الحيرة والضلال ، وقيل : هو فذلكة وإجمال لجميع ما تقدم من حقيقة حالم أو تعليل لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد في الطغيان أو مقرر لقوله تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } [ البقرة : 5 1 ] وفيه حصر المسند على المسند إليه لكون تعريف الموصول للجنس بمنزلة تعريف اللام الجنسي وهو ادعائي باعتبار كمالهم في ذلك الاشتراء ، وإن كان الكفار الآخرون مشاركين لهم في ذلك لجمعهم هاتيك المساوىء الشنيعة والخلال الفظيعة ، فبذلك الاعتبار صح تخصيصهم بذلك ، والضلالة الجور عن القصد ، والهدى التوجه إليه ، ويطلقان على العدول عن الصواب في الدين والاستقامة عليه ، والاشتراء كالشراء استبدال السلعة بالثمن أي أخذها به وبعضهم يجعله من الأضداد لأن المتبايعين تبايعا الثمن والمثمن فكل من العوضين مشترى من جانب مبيع من جانب ، ويطلق مجازاً على أخذ شيء بإعطاء ما في يده عيناً كان كل منهما أو معنى ، وهذا يستدعي بظاهره أن يكون ما يجري مجرى الثمن وهو الهدى حاصلاً لهؤلاء قبل ، ولا ريب أنهم بمعزل عنه فإما أن يقال إن الاشتراء مجاز عن الاختيار لأن المشتري للشيء مختار له فكأنه تعالى قال : اختاروا الضلالة على الهدى ولكون الاستبدال ملحوظاً جىء بالباء على أنه قيل إن التوافق معنى لا يقتضي التوافق متعلقاً ، ولا يرد على هذا الحمل كونه مخلاً بالترشيح الآتي كما زعمه مولانا مفتي الديار الرومية لأن الترشيح المذكور يكفي له وجود لفظ الاشتراء وإن كان المعنى المقصود غير مرشح كما هو العادة في أمثاله أو يقال ليس المراد بما في حيز الثمن نفس الهدى بل هو التمكن التام منه بتعاضد الأسباب وبأخذ المقدمات المستتبعة له بطريق الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامع المشاركة في استتباع الجدوى ، ولا مرية في أن ذلك كان حاصلاً لأولئك المنافقين بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة والإرشاد العظيم والنصح والتعليم لكنهم نبذوا ذلك فوقعوا في مهاوي المهالك ، أو يقال : المراد بالهدى الهدى الجبلي وقد كان حاصلاً لهم حقيقة فإن كل مولود يولد على الفطرة وقول مولانا مفتي الديار الرومية : إن حمل الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أن إضاعتها غير مختصة بهؤلاء ، ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة إلى حد الختم المختصة بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيدها من المؤيدات النقلية والعقلية على أن ذلك يفضي إلى كون ما فصل من أول السورة إلى هنا ضائعاً كلام ناشىء عن الغفلة عن معنى الإشارة فإنها تقتضي ملاحظتهم بجميع ما مر من الصفات ، والمعنى أن الموصوفين بالنفاق المذكور هم الذين ضيعوا الفطرة أشد تضييع بتهويد الآباء ثم بعد ما ظفروا بها أضاعوها بالنفاق مع تحريضهم على المحافظة والنصح شفاها ونحو ذلك مما لا يوجد في غيرهم كما يشير إليه التعريف ، أو يقال : هذه ترجمة عن جناية أخرى من جناياتهم ، والمراد بالهدى ما كانوا عليه من التصديق ببعثته صلى الله عليه وسلم وحقية دينه بما وجدوه عندهم في التوراة ولهذا كانوا يستفتحون به ويدعون بحرمته ويهددون الكفار بخروجه

(1/171)


{ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين } [ البقرة : 9 8 ] وأما حمل الهدى على ما كان عندهم ظاهراً من التلفظ بالشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والغزو فمما لا يرتضيه من هدي إلى سواء السبيل ، وما ذكرناه من أن { أولئك } إشارة إلى المنافقين هو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين والمروى عن مجاهد ، وهو الذي يقتضيه النظم الكريم وبه أقول وروي عن قتادة أنهم أهل الكتاب مطلقاً ، وعن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أنهم الكفار مطلقاً ، والكل عندي بعيد ، ولعل مراد من قال ذلك أن الآية بظاهر مفهومها تصدق على من أرادوا لا أن الآية نزلت فيهم ، وقرأ يحيى بن يعمر وابن إسحق : { اشتروا الضلالة } بالكسر لأنه الأصل في التقاء الساكنين ، وأبو السماك { اشتروا } بالفتح اتباعاً لما قبل ، وأمال حمزة والكسائي { الهدى } وهي لغة بني تميم وعدم الإمالة لغة قريش .
{ فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } عطف على الصلة ، وأتى بالفاء للإشارة إلى تعقب نفي الربح للشراء وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح ، وزعم بعضهم أن الفاء دخلت لما في الكلام من معنى الجزاء لمكان/ الموصول فهو على حد الذي يدخل الدار فله درهم وليس بشيء لأن الموصول هنا ليس بمبتدأ كما في المثال بل هو خبر عن { أولئك } وما بعد الفاء ليس بخبر بل هو معطوف على الصلة فهو صلة ولا يجوز أن يكون { أولئك } مبتدأ و { الذين } مبتدأ و { فَمَا رَبِحَت تجارتهم } خبر عن الثاني وهو وخبره خبر عن الأول لعدم الرابط في الجملة الثانية ولتحقق معنى الصلة ، وإذا كانت الصلة ماضية معنى لم تدخل الفاء في خبر موصولها ولا أن يكون { أولئك } مبتدأ و { الذين } بدلاً منه والجملة خبراً لأن الفاء إنما تدخل الخبر لعموم الموصول والمبدل من المخصوص مخصوص فالحق ما ذكرناه ، ومعنى الآية عليه ليس غير كما في «البحر» .

(1/172)


والتجارة التصرف في رأس المال طلباً للربح ولا يكاد يوجد تاء أصلية بعدها جيم إلا نتج وتجر ورتج وارتج ، وأما تجاه ونحوه فأصلها الواو ، والربح تحصيل الزيادة على رأس المال ، وشاع في الفضل عليه ، والمهتدي اسم فاعل من اهتدى مطاوع هدى ولا يكون افتعل المطاوع إلا من المتعدي ، وأما قوله :
حتى إذا اشتال سهيل في السحر ... كشعلة القابس ترمى بالشرر
فافتعل فيه بمعنى فعل تقول : شال يشول واشتال يشتال بمعنى ، وفي الآية ترشيح لما سمعت من المجاز فيما قبلها ، والمقصد الأصلي تصوير خسارهم بفوت الفوائد المترتبة على الهدى التي هي كالربح وإضاعة الهدى الذي هو كرأس المال بصورة خسارة التاجر الفائت للربح المضيع لرأس المال حتى كأنه هو على سبيل الاستعارة التمثيلية مبالغة في تخسيرهم ووقوعهم في أشنع الخسار الذي يتحاشى عنه أولو الأبصار ، وإسناد الربح إلى التجارة وهو لأربابها مجاز للملابسة ، وكنى في مقام الذمّ بنفي الربح عن الخسران لأن فوت الربح يستلزمه في الجملة ولا أقل من قدر ما يصرف من القوة ، وفائدة الكناية التصريح بانتفاء مقصد التجارة مع حصول ضده بخلاف ما لو قيل خسرت تجارتهم فلا يتوهم إن نفى أحد الضدين إنما يوجب إثبات الآخر إذا لم يكن بينهما واسطة وهي موجودة هنا فإن التاجر قد لا يربح ولا يخسر ، وقيل : إن ذلك إنما يكون إذا كان المحل قابلاً للكل كما في التجارة الحقيقية أما إذا كان لا يقبل إلا اثنين منها فنفي أحدهما يكون إثباتاً للآخر ، والربح والخسران في الدين لا واسطة بينهما على أنه قد قامت القرينة هنا على الخسران لقوله تعالى : { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } وقد جعله غير واحد كناية عن إضاعة رأس المال فإن من لم يهتد بطرق التجارة تكثر الآفات على أمواله ، واختير طريق الكناية نكاية لهم بتجهيلهم وتسفيههم ، ويحتمل على بعد أن يكون النفي هنا من باب قوله : على لا حب لا يهتدى بمناره ، أي لا منار فيهتدى به فكأنه قال : لا تجارة ولا ربح ، والظاهر أن { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } عطف على ما ربحت للقرب مع التناسب والتفرع باعتبار المعنى الكنائي ، وبتقدير المتعلق لطرق الهداية يندفع توهم أن عدم الاهتداء قد فهم مما قبل فيكون تكراراً لما مضى وهو إما من باب التكميل والإحتراس كقوله :
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمة تهمى
أو من باب التتميم كقوله :
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

(1/173)


وقال الشريف قدس سره : إن العطف على { اشتروا الضلالة بالهدى } أولى لأن عطفه على ( ما ربحت ) يوجب ترتبه على ما قبله بالفاء فيلزم تأخره عنه ، والأمر بالعكس إلا أن يقال ترتيبه باعتبار الحكم والإخبار ، وفيه أنه لو كان معطوفاً على { اشتروا } كان الظاهر تقديمه لما في التأخير من الإيهام ، وحينئذٍ يكون الأحسن ترك العطف احتياطاً كما ذكر في نحو قوله :
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلاً أراها في الضلال تهيم
على أن بين معنى { اشتروا } الخ ومعنى { وَمَا كَانُواْ } الخ تقارباً يمنع حسن العطف كما لا يخفى على من لم يضع فطرته السليمة ، وجوّز أن تكون الجملة حالاً ، ولا يخفى سوء حاله على من حسن تمييزه . وقرأ ابن أبي عبلة ( تجاراتهم ) على الجمع ووجهه أن لكل واحد تجارة ، ووجه الإفراد في قراءة الجمهور فهم المعنى مع الإشارة أن تجاراتهم وإن تعددت فهي من سوق واحدة وهم شركاء فيها .

(1/174)


مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً } جملة مقررة لجملة قصة المنافقين المسرودة إلى هنا فلذا لم تعطف على ما قبلها ، ولما كان ذلك جارياً على ما فيه من استعارات وتجوزات مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين وبيان أحوالهم عقبه ببيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها في صورة المشاهد بضرب المثل تتميماً للبيان ، فلضرب المثل شأن لا يخفى ونور لا يطفى يرفع الأستار عن وجوه الحقائق ويميط اللثام عن محيا الدقائق ويبرز المتخيل في معرض اليقين ويجعل الغائب كأنه شاهد ، وربما تكون المعاني التي يراد تفهيمها معقولة صرفة ، فالوهم ينازع العقل في إدراكها حتى يحجبها عن اللحوق بما في العقل فبضرب الأمثال تبرز في معرض المحسوس فيساعد الوهم العقل في إدراكها ، وهناك تنجلي غياهب الأوهام ويرتفع شغب الخصام { وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ الحشر : 1 2 ] وقيل : الأشبه أن تجعل موضحة لقوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين اشتروا } [ البقرة : 6 1 ] الخ ولا بعد فيه؛ والحمل على الاستئناف بعيد لا سيما والأمثال تضرب للكشف والبيان ، والمثل بفتحتين كالمثل بكسر فسكون والمثيل في الأصل النظر والشبيه ، والتفرقة لا أرتضيها ، وكأنه مأخوذ من المثول وهو الانتصاب ومنه الحديث : « من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار » ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن المشتمل إما على تشبيه بلا شبيه ، أو استعارة رائقة تمثيلية وغيرها ، أو حكمة وموعظة نافعة ، أو كناية بديعة ، أو نظم من جوامع الكلم الموجز ، ولا يشترط فيه أن يكون استعارة مركبة خلافاً لمن وهم ، بل لا يشترط أن يكون مجازاً ، وهذه أمثال العرب أفردت بالتآليف وكثرت فيها التصانيف وفيها الكثير مستعملاً في معناه الحقيقي ولكونه فريداً في بابه ، وقد قصد حكايته لم يجوزوا تغييره لفوات المقصود وتفسيره بالقول السائر الممثل مضربه بمورده يرد عليه أمثال القرآن لأن الله تعالى ابتدأها وليس لها مورد من قبل ، اللهم إلا أن يقال إن هذا اصطلاح جديد أو أن الأغلب في المثل ذلك ، ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة . ومن ذلك : { وَلِلَّهِ المثل الاعلى } [ النحل : 0 6 ] و { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون } [ الرعد : 5 3 ] وهو المراد هنا في المثل دون التمثيل المدلول عليه بالكاف . والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد ناراً الخ فيما سيكشف عن وجهه إن شاء الله تعالى ، فالكاف حرف تشبيه متعلقة بمحذوف خبر عن المبتدأ ، وزعم ابن عطية أنها اسم مثلها في قول الأعشى :
أينتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
وهذا مذهب ابن الحسن ، وليس بالحسن إلا في الضرورة والقول بالزيادة كما في قوله : فصيروا مثل : { كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ }

(1/175)


[ الفيل : 5 ] زيادة في الجهل ، والذي وضع موضع الذين إن كان ضمير { بِنُورِهِمْ } راجعاً إليه وإلا فهو باق على ظاهره إذ لا ضير في تشبيه حال الجماعة بحال الواحد وجاز هنا وضع المفرد موضع الجمع ، وقد منعه الجمهور فلم يجوزوا إقامة القائم مقام القائمين لأن هذا مخالف لغيره لخصوصية اقتضته فإنه إنما وضع ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل فلما لم يقصد لذاته توسعوا فيه ، ولأنه مع صلته كشيء واحد ، وعلامة الجمع لا تقع حشواً فلذا لم/ يلحقوها به ووضعوه لما يعم كمن وما ، والذين ليس جمعاً له بل هو اسم وضع مزيداً فيه لزيادة المعنى ، وقصد التصريح بها ولذا لم يعرف بالحروف كغيره على الأفصح ، ولأن استطال بالصلة فاستحق التخفيف حتى بولغ فيه إلى أن اقتصر على اللام في نحو اسم الفاعل ، قاله القاضي وغيره ، ولا يخلو عن كدر لا سيما الوجه الأخير ، وما روي عن بعض النحاة من جواز حذف نون الذين ليس بالمرضي عند المحققين ، ولئن تنزل يلتزم عود ضمير الجمع إليه كما في قوله تعالى : { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } [ التوبة : 9 6 ] على وجه ، وقول الشاعر :
يا رب عيسى لا تبارك في أحد ... في قائم منهم ولا فيمن قعدإلا الذي قاموا بأطراف المسد
وإفراد الضمير لم نسمعه ممن يوثق به ولعله لأن المحذوف كالملفوظ ، فالوجه أن يقال إنه نظر إلى ما في الذي من معنى الجنسية العامة إذ لا شبهة في أنه لم يرد به مستوقد مخصوص ولا جميع أفراد المستوقدين والموصول كالمعرف باللام يجري فيه ما يجري فيه ، واسم الجنس وإن كان لفظه مفرداً قد يعامل معاملة الجمع ك { عاليهم ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ } [ الإنسان : 1 2 ] وقولهم : الدينار الصفر ، والدرهم البيض ، أو يقال : إنه مقدر له موصوف مفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فيحسن النظام ، ويلاحظ في ضمير استوقد لفظ الموصوف ، وفي ضمير { بِنُورِهِمْ } معناه ، و ( استوقدوا ) بمعنى أوقدوا ، فقد حكى أبو زيد أوقد واستوقد بمعنى كأجاب واستجاب وبه قال الأخفش ، وجعل الاستيقاد بمعنى طلب الوقود وهو سطوع النار كما فعل البيضاوي محوج إلى حذف ، والمعنى حينئذٍ طلبوا ناراً واستدعوها فأوقدوها { فَلَمَّا أَضَاءتْ } لأن الإضاءة لا تتسبب عن الطلب وإنما تتسبب عن الإيقاد . والنار جوهر لطيف مضىء محرق ، واشتقاقها من نار ينور نوراً إذا نفر لأن فيها على ما تشاهد حركة واضطراباً لطلب المركز ، وكونه من غلط الحس كأنه من غلط الحس ، نعم أورد على التعريف أن الإضاءة لا تعتبر في حقيقتها وليست شاملة لما ثبت في «الكتب الحكمية» أن النار الأصلية حيث الأثير شفافة لا لون لها وكذا يقال في الإحراق ، والجواب أن تخصيص الأسماء لأعيان الأشياء حسبما تدرك أو للمعاني الذهنية المأخوذة منها ، وأما اعتبار لوازمها وذاتياتها فوظيفة من أراد الوقوف على حقائقها وذلك خارج عن وسع أكثر الناس ، والناس يدركون من النار التي عندهم الإضاءة والإحراق ويجعلونهما أخص أوصافها ، والتعريف للمتعارف وعدم الإحراق لمانع لا يضر على أن كون النار التي تحت الفلك هادية غير محرقة وإن زعمه بعض الناس أبطله الشيخ ، واحتراق الشهب شهاب على من ينكر الإحراق ، وأغرب من هذا نفي النار التي عند الأثير؛ وقريب منه القول بأنها ليست غير الهواء الحار جداً ، وقرأ ابن السميقع ( كمثل الذين ) على الجمع وهي قراءة مشكلة جداً ، وقصارى ما رأيناه في توجيهها أن إفراد الضمير على ما عهد في لسان العرب من التوهم كأنه نطق بمن الذي لها لفظاً ومعنى كما جزم بالذي على توهم من الشرطية في قوله :

(1/176)


كذاك الذي يبغي على الناس ظالما ... تصبه على رغم عواقب ما صنع
أو أنه اكتفى بالإفراد عن الجمع كما يكتفي بالمفرد الظاهر عنه فهو كقوله :
وبالبدو منا أسرة يحفظونها ... سراع إلى الداعي عظام كراكره
أي كراكرهم ، أو أن الفاعل في استوقد عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل كما في قوله تعالى : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات } [ يوسف : 5 3 ] على وجه ، والعائد حينئذٍ محذوف على خلاف القياس أي لهم أولاً : عائد في الجملة الأولى اكتفاءً بالضمير من الثانية المعطوفة بالفاء ، وفي القلب من كل شيء .
{ فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } ( لما ) حرف وجود لوجود ، أو وجوب لوجوب كما نص عليه سيبويه ، أو ظرف بمعنى حين ، أو إذ ، والإضاءة جعل/ الشيء مضيئاً نيراً ، أو الإشراق وفرط الإنارة . وأضاء يكون متعدياً ولازماً ، فعلى الأول : ( ما ) موصولة أو موصوفة والظرف صلة أو صفة وهي المفعول والفاعل ضمير النار ، وعلى الثاني : فما كذلك وهي الفاعل وأنث فعله لتأويله بمؤنث كالأمكنة والجهات أو الفاعل ضمير النار وما زائدة أو في محل نصب على الظرفية ، ولا يجب التصريح بفي حينئذٍ كما توهم لأن الحق أن ما الموصولة أو الموصوفة إذا جعلت ظرفاً فالمراد بها الأمكنة التي تحيط بالمستوقد وهي الجهات الست وهي مما ينصب على الظرفية قياساً مطرداً فكذا ما عبر به عنها ، وأولى الوجوه أن تكون ( أضاءت ) متعدية و ( ما ) موصولة إذ لا حاجة حينئذٍ إلى الحمل على المعنى ، ولا ارتكاب ما قل استعماله لا سيما زيادة ما هنا حتى ذكروا أنها لم تسمع هنا ، ولم يحفظ من كلام العرب جلست ما مجلساً حسناً ولا قمت ما يوم الجمعة . ويا ليت شعري من أين أخذ ذلك الزمخشري وكيف تبعه البيضاوي؟ا وإذا جعل الفاعل ضمير النار والفعل لازم يكون الإسناد إلى السبب لأن النار لم توجد حول المستوقد ووجد ضوؤها فجعل إشراق ضوئها حوله بمنزلة إشراقها نفسها على ما قيل ، وهو مبني على أن الظرف إذا تعلق بفعل قاصر له أثر متعد يشترط في تحقق النسبة الظرفية للأثر والمؤثر فلا بد في إشراق كذا في كذا من كون الإشراق والمشرق فيه ، وهذا كما إذا تعلق الظرف بفعل قاصر كقام زيد في الدار فإن زيداً والقيام فيها ذاتاً وتبعاً وإلى ذلك مال الزمخشري ومن الناس من اكتفى بوجود الأثر فيه وإن لم يوجد المؤثر فيه بذاته كما في الأفعال المتعدية فأضاءت الشمس في الأرض حقيقة على هذا مجاز على الأول ، وحول ظرف مكان ملازم للظرفية والإضافة ويثنى ويجمع فيقال حوليه وأحواله وحوال مثله فيثني على حوالي ، ولم نظفر بجمعه فيما حولنا من الكتب اللغوية ولا تقل حواليه بكسر اللام كما في «الصحاح» .

(1/177)


ولعل التثنية والجمع مع ما يفهم من بعض الكتب أن حول وكذا حوال بمعنى الجوانب وهي مستغرقة ليسا حقيقين ، وقيل : باعتبار تقسيم الدائرة كما أشار إليه المولى عاصم أفندي في ترجمة «القاموس» بالرومية وفيه تأمل ، وأصل هذا التركيب موضوع للطواف والإحاطة كالحول للسنة فإنه يدور من فصل أو يوم إلى مثله ، ولما لزمه الانتقال والتغير استعمل فيه باعتباره كالاستحالة والحوالة وإن خفي في نحو الحول بمعنى القوة ، وقيل : أصله تغير الشيء وانفصاله و ( ذهب ) الخ جواب ( لما ) والسببية ادعائية فإنه لما ترتب إذهاب النور على الإضاءة بلا مهلة جعل كأنه سبب له على أنه يكفي في الشرط مجرد التوقف نحو إن كان لي مال حججت والإذهاب متوقف على الإضاءة ، والضمير في { بِنُورِهِمْ } للذي أو لموصوفه وجمعه لما تقدم . واختار النور على النار لأنه أعظم منافعها والمناسب للمقام سباقاً ولحاقاً ، وقيل : الجملة متسأنفة جواباً عما بالهم شبهت حالهم بذلك ، أو بدل من جملة التمثيل للبيان والضمير للمنافقين وجواب ( لما ) محذوف أي خمدت نارهم فبقوا متحيرين ، ومثله { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } [ يوسف : 5 1 ] وحذفه للإيجاز وأمن الإلباس ولا يخفى ما فيه على من له أدنى إنصاف وإن ارتضاه الجم الغفير ، ويجل عن مثل هذا الألغاز كلام الله تعالى اللطيف الخبير . وإسناد الفعل إليه تعالى حقيقة فهو سبحانه الفعال المطلق الذي بيده التصرف في الأمور كلها بواسطة وبغير بواسطة ، ولا يعترض على الحكيم بشيء ، وحمل النار على نار لا يرضى الله تعالى إيقادها إما مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام أو حقيقية أوقدها الغواة للفساد أو الإفساد ، فحينئذٍ يليق بالحكيم إطفاؤها وإلا يرتكب المجاز لم يدع إليه إلا اعتزال وإيقاد نار الغواية والإضلال ، وعدي بالباء دون الهمزة لما في المثل السائر أن ذهب بالشيء يفهم منه أنه استصحبه وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى ولا كذلك أذهبه فالباء والهمزة وإن اشتركا في معنى التعدية فلا يبعد أن ينظر صاحب المعاني إلى معنى الهمزة والباء الأصليين ، أعني الإزالة والمصاحبة/ والإلصاق .

(1/178)


ففي الآية لطف لا ينكر كيف والفاعل هو الله تعالى القوي العزيز الذي لا رادّ لما أخذه ولا مرسل لما أمسكه . وذكر أبو العباس أن ذهبت بزيد يقتضي ذهاب المتكلم مع زيد دون أذهبته ، ولعله يقول : إن ما في الآية مجاز عن شدة الأخذ بحيث لا يرد أو يجوز أن يكون الله تعالى وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به كما وصف نفسه سبحانه بالمجىء في ظاهر قوله تعالى : { وَجَاء رَبُّكَ } [ الفجر : 22 ] والذي ذهب إليه سيبويه إلى أن الباء بمعنى الهمزة فكلاهما لمجرد التعدية عنده بلا فرق فلذا لا يجمع بينهما . والنور منشأ الضياء ومبدؤه كما يشير إليه استعمال العرب حيث أضافوا الضياء إليه كما قال ورقة بن نوفل :
ويظهر في البلاد ضياء نور ... وقال العباس رضي الله تعالى عنه :
وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق
ولهذا أطلق عليه سبحانه النور دون الضياء ، وأشار سبحانه إلى نفي الضياء الذي هو مقتضى الظاهر بنفي النور وإذهابه لأنه أصله وبنفي الأصل ينتفي الفرع ، وهذا الذي ذكرنا هو الذي ارتضاه المحققون من أهل اللغة ، ومنه يعلم وجه وصف الشريعة المحمدية بالنور في قوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ } [ المائدة : 5 1 ] والشريعة الموسوية بالضياء في قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ } [ الأنبياء : 8 4 ] وفي ذلك إشارة إلى مقام نبينا صلى الله عليه وسلم الجامع الفارق ومزيته على أخيه موسى عليه السلام الذي لم يأت إلا بالفرق ولفرق ما بين الحبيب والكليم :
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
وكذا وجه وصف الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر في حديث مسلم بالنور والصبر بالضياء ، ويعلم من هذا أنه أقوى من الضياء كذا قيل واعترض بأنه قد جاء وصف ما أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم بالضياء كما جاء وصف ما أوتيه موسى عليه السلام بالنور وإليه يشير كلام الشيخ الأكبر قدس سره في «الفتوحات» فتدبر ، وذهب بعض الناس إلى أن الضياء أقوى من النور لقوله تعالى : { جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً } [ يونس : 5 ] وعلى هذا يكون التعبير ب { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } دون ذهب الله بضوئهم دفعاً لاحتمال إذهاب ما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً مع أن الغرض إزالة النور رأساً ، وذكر بعضهم أن كلاً من الضوء والنور يطلق على ما يطلق عليه الآخر فهما كالمترادفين والفرق إنما نشأ من الاستعمال أو الاصطلاح لا من أصل الوضع واللغة ، ومن هنا قال الحكماء : إن الضوء ما يكون للشيء من ذاته ، والنور ما يكون من غيره ، واستعمل الضوء لما فيه حرارة حقيقة كالذي في الشمس ، أو مجازاً كالذي ذكر فيما أوتيه موسى عليه السلام مما فيه شدة ومزيد كلفة ، ومنه «الصبر ضياء» ومعلوم أنه كاسمه ، والنور لما ليس كذلك كالذي في القمر وفيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الشريعة السهلة السمحة البيضاء ، ومنه

(1/179)