صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقال الإمامان : لا يحد بناءً على أن ليس لها حكم الصحة وهو قول الأئمة الثلاثة ، ولا يعلم خلاف بين من يعتبر الحرية في الإحصان في أنه لا حد على من قذف مكاتباً مات وترك وفاء لتمكن الشبهة في شرط الحد وهو الإحصان لاختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أنه مات حراً أو عبداً وذلك يوجب درء الحد ولأنه يدرأ بالشبهة ، لا يحد من قذف أخرس فإن هناك احتمال أن يصدقه لو نطق ولا يعول على إشارته هنا وإن قالوا : إنها تقوم مقام عبارته في بعض الأحكام لقيام الاحتمال فيها ، واشترطوا أيضاً أن يوجد الإحصان وقت الحد حتى لو ارتد المقذوف سقط الحد ولو أسلم بعد ، وكذا لو زنى أو وطىء وطأً حراماً أو صار معتوهاً أو أخرس وبقي ذلك لم يحد كما في كافي الحاكم ، واشترطوا أيضاً أن لا يموت قبل أن يحد القاذف لأن الحد لا يورث ، وأن لا يكون المقذوف ولد القاذف أو ولد ولده فلا يحد من قذف أحدهما إلى غير ذلك مما ستعلم بعضه إن شاء الله تعالى . ولم يصرح أكثر الفقهاء بشروط القاذف ، ويفهم من كلامهم أنه يشترط فيه أن يكون بالغاً فلا يحد الصبي إذا قذف ويعزر عاقلاً فلا يحد المجنون ولا السكران إلا إذا سكر بمحرم ناطقاً فلا يحد الأخرس لعدم التصريح بالزنا ، وصرح بهذا ابن الشلبي عن النهاية طائعاً فلا يحد المكره قاذفاً في دار العدل فلا يحد القاذف في دار الحرب أو البغي ، وفي الآية إشارة إلى بعض ذلك ، ويحتمل أن يعد من الشروط كونه عالماً بالحرمة حقيقة أو حكماً بأن يكون ناشئاً في دار الإسلام ، لكن في كافي الحاكم حربي دخل دار الإسلام بأمان فقذف مسلماً يحد في قوله الأخير وهو قول صاحبيه ، وظاهره أنه يحد ولو كان قذفه في فور دخوله ، ولعل وجهه أن الزنا حرام في كل ملة فيحرم القذف به أيضاً فلا يصدق بالجهل ، ويشترط أن يكون القذف بصريح الزنا بأي لسان كان كما صرح به جمع من الفقهاء وألحقوا به بعض ألفاظ ثبت الحد بها بالأثر والإجماع فيحد بقوله : زنيت أو زاني بياء ساكنة وكذا يا زانىء بهمزة مضمومة عند أبي حنيفة . وأبي يوسف خلافاً لمحمد فلا يحد بذلك عنده لأنه حقيقة عنده في الصعود . وتعقب بأن ذلك إنما يفهم منه إذا ذكر مقروناً بمحل الصعود ، على أنه ينبغي أن يكون المذهب أنه لو قيل مع ذكر محل الصعود في حالة الغضب والسباب يكون قذفاً ، فقد جزم في «المبسوط» بالحد فيما إذا قال : زنأت في الجبل أو على الجبل في حالة الغضب ولو قال لامرأة : يا زاني حد اتفاقاً ، وعلله في الجوهرة بأن الأصل في الكلام التذكير ، ولو قال للرجل : يا زانية لا يحد عند الإمام .

(13/330)


وأبي يوسف لأنه أحال كلامه فوصف الرجل بصفة المرأة ، وقال محمد : يحد لأن الهاء تدخل للمبالغة كما في علامة . وأجيب بأن كونها للمبالغة مجاز بل هي لما عهد لها من التأنيث ولو كانت في ذلك حقيقة فالجد لا يجب للشك ، ويحد بقوله : أنت أزنى من فلان أو مني على ما في الظهيرية وهو الظاهر ، لكن في «الفتح» عن «المبسوط» أنه لا حد في أنت أزنى من فلان أو أزنى الناس ، وعلله في «الجوهرة» بأن معناه أنت أقدر على الزنا ، وفي «الفتح» بأن أفعل في مثله يستعمل للترجيح في العلم فكأنه قال : أنت أعلم بالزنا ، ولا يخفى أن قصد ذلك في حالة السباب بعيد ، وفي «الخانية» في أنت أزنى الناس أو أزنى من فلان الحد ، وفي أنت أزنى مني لاحد ، ولا يخفى أن التفرقة غير ظاهرة ، وقد يقال : إن قوله : أنت أزنى من فلان فيه نسبة فلان إلى الزنا وتشريك المخاطب معه في ذلك بخلاف أنت أزنى مني لأن فيه نسبة نفسه إلى الزنا وذلك غير قذف فلا يكون قذفاً للمخاطب لأنه تشريك له فيما ليس بقذف ، ويحد بلست لأبيك لما فيه من نسبة الزنا إلى الأم ولما جاء في الأثر عن ابن مسعود لاحد إلا في قذف محصنة أو نفي رجل من أبيه ، وقيد بكونه في حالة الغضب إذ هو في حالة الرضا يراد به المعاتبة بنفي مشابهته له ، وذكر أن مقتضى القياس أن لا حد به مطلقاً لجواز أن ينفي النسب من أبيه من غير أن تكون الأم زانية من كل وجه بأن تكون موطوأة بشبهة ولدت في عدة الواطىء لكن ترك ذلك للأثر ، ولا حد بالتعريض كأن يقول ما أنا بزان أو ليست أمي زانية وبه قال الشافعي . وسفيان الثوري . وابن شبرمة والحسن بن صالح وهو الرواية المشهورة عن أحمد ، وقال مالك . وهو رواية عن أحمد : يحد بتالعريض لما روى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال كان : عمر رضي الله تعالى عنه يضرب الحد بالتعريض ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه جلد رجلاً بالتعريض ، ولأنه إذا عرف المراد بدليله من القرينة صار كالصريح ، وللجماعة أن الشارع لم يعتبر مثله فإنه حرم صريح خطبة المتوفي عنها زوجها في العدة وأباح التعريض فقال سبحانه :

(13/331)


{ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا } [ البقرة : 235 ] وقال تعالى : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء أَوْ أَكْنَنتُمْ } [ البقرة : 235 ] فإذا ثبت من الشرع عدم اتحاد حكمهما في غير الحد لم يجز أن يعتبر مثله على وجه يوجب الحد المحتاط في درئه ، وهو أولى من الاستدلال بأنه صلى الله عليه وسلم لم يلزم الحد للذي قال : يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود يعرض بنفسه لأن إلزام حد القذف متوقف على الدعوى والمرأة لم تدع ذلك ، ولا حد بوطئك فلان وطأ حراماً أو جامعك حراماً أو فجرت بفلانة أو يا حرام زاده أو اذهب فقل لفلان : إنك زان فذهب الرسول فقال له ذلك عنه بأن قال : فلان يقول إنك زان لا إذا قال له : إنك زان فإنه يحد الرسول حينئذٍ ، واستيفاء ما فيه حد وما لا حد فيه في كتب الفقه ، وقولنا في كذا حد على إرادة إذا تحقق الشرط المفهو من قوله سبحانه : { ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ } الخ ، واشترط الإتيان بأربعة شهداء تشديداً على القاذف ، ويشترط كونهم رجالاً لما صرحوا به من أنه لا مدخل لشهادة النساء في الحدود ، وظاهر إتيان التاء في العدد مشعر باشتراط كونهم كذلك ، ولا يشترط فيهم العدالة ليلزم من عدم الإتيان بأربعة شهداء عدول الجلد لما صرح به في الملتقط من أنه لو أتى بأربعة فساق فشهدوا أن الأمر كما قال درىء الحد عن القاذف والمقذوف والشهود ، ووجه ذلك أن في الفاسق نوع قصور وإن كان من أهل الأداء والتحمل ولذا لو قضى بشهادته نفذ عندنا فيثبت بشهادتهم شبهة الزنا فيسقط الحد عنهم وعن القاذف وكذا عن المقذوف لاشتراط العدالة في الثبوت ، ولو كانوا عمياناً أو عبيداً أو محدودين في قذف فإنهم يحدون للقذف دون المشهود عليه لعدم أهلية الشهادة فيهم كما قيل .
والظاهر أن القاذف يحد أيضاً لأن الشهود إذا حدوا مع أنهم إنما تكلموا على وجه الشهادة دون القذف فحد القاذف أولى ، والظاهر أن المراد ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون على من رمى بأنه زنى ، والمتبادر أن يكون ذلك عن معاينة لكن قال في «الفتح» : لو شهد رجلان أو رجل وامرأتان على إقرار المقذوف بالزنا يدرأ عن القاذف الحد وكذا عن الثلاثة أي الرجل والمرأتين لأن الثابت بالبينة كالثابت فكأنا سمعناه إقراره بالزنا انتهى .
وأنت تعلم أن البينة على الإقرار لا تعتبر بالنسبة إلى حد المقذوف لأنه إن كان منكراً فقد رجع بالإنكار عن الإقرار وهو موجب لدرء الحد فتغلو البينة ، وإن أقر بشرطه لا تسمع فإنها إنما تسمع مع الإقرار في سبع مواضع ليس هذا الموضع منها ، ويشترط اجتماع شهود الزنا في مجلس الحاكم بأن يأتوا إليه مجتمعين أو فرادى ويجتمعوا فيه ويقوم منهم إلى الحاكم واحد بعد واحد فإن لم يأتوا كذلك بأن أتوا متفرقين أو اجتمعوا خارج مجلس الحاكم ودخلوا واحداً بعد واحد لم تعتبر شهادتهم وحدوا حد القذف .

(13/332)


والظاهر أنه يجوز أن يكون أحد الشهود زوج المقذوفة لاندراجه في { أَرْبَعَةِ * شُهَدَاء } وبه قال أبو حنيفة . وأصحابه وروي ذلك عن الحسن . والشعبي وقال مالك . والشافعي : يلاعن الزوج وتحد الثلاثة ، وروي مثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وظاهر الآية أنه إذا لم يأت القاذف بتمام العدة بأن أتى باثنين أو ثلاثة منها جلد وحده ولا يجلد الشاهد إلا أن المأثور جلده ، فقد روي أنه شهد على المغيرة بالزنا شبل بن معبد البجلي . وأبو بكرة . وأخوه نافع وتوقف زياد فحد الثلاثة عمر رضي الله تعالى عنه بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكروا عليه وهم هم . وفي كلمة { ثُمَّ } إشعار بجواز تأخير الإتيان بالشهود كما أن في كلمة { لَمْ } إشارة إلى تحقق العجز عن الإتيان بهم وتقرره .
وفي غير كتاب من كتب الفروع لأصحابنا أن القاذف إذا عجز عن الشهود للحال واستأجل لإحضارهم زاعماً أنهم في المصر يؤجل مقدار قيام الحاكم من مجلسه فإن عجز حد ولا يكفل ليذهب لطلبهم بل يحبس ويقال : ابعث إليهم من يحضرهم عند الإمام . وأبي يوسف في أحد قوليه لأن سبب وجوب الحد ظهر عند الحاكم فلا يكون له أن يؤخر الحد لتضرر المقذوف بتأخير دفع العار عنه والتأخير مقدار قيامه من المجلس قليل لا يتضرر به ، وفي قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد يكفل أي بالنفس إلى ثلاثة أيام .
وكان أبو بكر الرازي يقول : مراد أبي حنيفة أن الحاكم لا يجبره على ءعطاء الكفيل فإما إذا سمحت نفسه به فلا بأس لأن تسليم نفسه مستحق عليه والكفيل بالنفس إنما يطالب بهذا القدر ، وذكر ابن رستم عن محمد أنه إذا لم يكن له من يأتي بالشهود يبعث معه الحاكم واحداً ليرده عليه ، والأمر في قوله سبحانه : { فاجلدوهم } لولاة الأمر ونوابهم .
والظاهر وجوب الجلد وإن لم يطالب المقذوف وبه قال ابن أبي ليلى ، وقال أبو حنيفة . وأصحابه . والأوزاعي . والشافعي : لا يحد إلا بمطالبته . وقال مالك : كذلك إلا أن يكون الإمام سمعه يقذفه فيحده إن كان مع الإمام شهود عدول وإن لم يطالب المقذوف كذا قال أبو حيان . وللمقذوف المطالبة وإن كان آمراً للقاذف بقذفه لأن بالأمر لا يسقط الحد كما نقل الحصكفي ذلك عن شرح التكملة ثم لا يخفى أن القول بأن القاذف لا يحد إلا بمطالبة المقذوف ظاهر في أن الحد حق العبد ويشهد لذلك أحكام كثيرة ذكرها أصحابنا . منها أنه لا تبطل الشهادة على ما يوجبه بالتقادم .

(13/333)


ومنها أنه لا يدفعه الرجوع عن الإقرار بموجبه . ومنها أنه يقام على المستأمن وإنما يؤاخذ المستأمن بما هو من حقوق العباد . ومنها أنه يقدم استيفاؤه على استيفاء حد الزنا وحد السرقة وشرب الخمر . ومنها أنه يقيمه القاضي بعلمه إذا علمه في أيام قضائه ولذا لو قذف بحضرته يحده .
وعندنا أحكام تشهد بأنه حق الله عز وجل . منها أن استيفاءه إلى الإمام وهو إنما يتعين نائباً في استيفاء حق الله تعالى وأما حق العبد فاستيفاؤه إليه . ومنها أنه لا يحلف القاذف إذا أنكر سببه وهو القذف ولم تقم عليه بينة . ومنها أنه لا ينقلب مالا عند السقوط . ومنها أنه يتنصف بالرق كسائر العقوبات الواجبة حقاً له عز وجل ، وذكر ابن الهمام أنه لا خلاف في أن فيه حق الله تعالى وحق العبد إلا أن الشافعي مال إلى تغليب حق العبد باعتبار حاجته وغنى الحق سبحانه وتعالى ونحن صرنا إلى تغليب حق الله تعالى لأن ما للعبد من الحقوق يتولى استيفاءه مولاه فيصير حق العبد موجباً لتغليب حق الله تعالى لا مهدارً ولا كذلك عكسه أي لو غلب حق العبد لزم أن لا يستوفي حق الله عز وجل إلا بأن يجعل ولاية استيفائه إليه وذلك لا يجوز إلا بدليل ينصبه الشرع على إنابة العبد في الاستيفاء ولم يثبت ذلك بل الثابت هو استنابة الإمام حتى كان هو الذي يستوفيه كسائر الحدود التي هي حقه سبحانه وتعالى . ويتفرع على الخلاف أن من ثبت أنه قذف فمات قبل إقامة الحد على القاذف لا يورث عنه إقامة الحدّ عندنا إذ الإرث يجري في حقوق العباد بشرط كونها مالاً أو ما يتصل بالمال أو ما ينقلب إليه وتورث عنده ، وأن الحد لا يسقط عندنا بعد ثبوته إلا أن يقول المقذوف : لم يقذفني أو كذب شهودي وحينئذٍ يظهر أن القذف لم يقع موجباً للحد لا أنه وقع ثم سقط بقوله ذلك وهذا كما إذا صدقه المقذوف ، وقال زين الدين : أن المقذوف إذا عفا لم يكن للإمام استيفاء الحد لعدم الطلب فإذا عاد وطلب يقيمه ويلغو العفو ، وعند الشافعي يصح العفو وعن أبي يوسف مثله ، وكان المراد أنه إذا عفا سقط الحد ولا ينفع العود إلى المطالبة وأنه لا يجوز الاعتياض عنه عندنا وبه قال مالك ، وعنده يجوز وهو قول أحمد وأنه يجري فيه التداخل عندنا لا عنده وبقولنا قال مالك . والثوري . والشعبي . والنخعي . والزهري . وقتادة . وطاوس . وحماد . وأحمد في رواية حتى إذا حد الأسوطا فقذف آخر فإنه يتم الأول ولا شيء للثاني .
وكذا إذا قذف واحداً مرات أو جماعة بكلمة مثل أنتم زناة أو بكلمات مثل أنت يا زيد زان وأنت يا عمرو زان وأنت يا بشر زان في يوم أو أيام يحد حداً واحداً إذا لم يتخلل حد بين القذفين .

(13/334)


ووافقنا الشافعي في الحد الواحد لقاذف جماعة بكلمة مرة واحدة ، وفي الظهيرية من قذف إنساناً فحد ثم قذفه ثانياً لم يحد ، والأصل فيه ما روي أن أبا بكرة لما شهد على المغيرة فحد لما سمعت كان يقول بعد ذلك في المحافل : أشهد أن المغيرة لزان فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يحده ثانياً فمنعه علي كرم الله تعالى وجهه فرجع إلى قوله وصارت المسألة إجماعاً اه ، والظاهر أن هذا فيما حد به كما فعل أبو بكرة فإنه لم يردان المغيرة لزان أنه زان غير الزنا الأول ، أما إذا قذفه بعد الحد بزنا آخر فإنه يحد به كما في «الفتح» .
وذكر صدر الإسلام أبو اليسر في مبسوطه الصحيح أن الغالب في هذا الحد حق العبد كما قال الشافعي لأن أكثر الأحكام تدل عليه والمعقول يشهد له وهو أن العبد ينتفع به على الخصوص ، وقد نص محمد في الأصل على أن حد القذف كالقصاص حق العبد ، وتفويضه إلى الإمام لأن كل أحد لا يهتدي إلى إقامته ولأنه ربما يريد المقذوف موته لحنقه فيقع متلفاً ، وإنما لا يورث لأنه مجرد حق ليس مالاف ولا بمنزلته فهو كخيار الشرط وحق الشفعة بخلاف القصاص فإنه ينقلب إلى المال ، وأيضاً هو في معنى ملك العين لأن من له القصاص يملك إتلاف العين وملك الإتلاف ملك العين عند الناس فصار من عليه القصاص كالملك لمن له القصاص فيملكه الوارث في حق استيفاء القصاص ، وإنما لا يصح عفوه لأنه متعنت فيه لأنه رضا بالعار والرضا بالعار عار ولا يخفى ما في ذلك من الأبحاث .
والشافعي يستدل بالآية لعدم التداخل فإن مقتضاها ترتب الحكم على الوصف المشعر بالعلية فيتكرر بتكرره . ويجاب بأن الإجماع لما كان على دفع الحدود بالشبهات كان مقيداً لما اقتضته الآية من التكرر عند التكرر بالتكرر الواقع من بعد الحد الأول بل هذا ضروري لظهور أن المخاطبين بالإقامة في قوله تعالى : { فاجلدوهم } هم الحكام ولا يتعلق بهم هذا الخطاب إلا بعد الثبوت عندهم فكان حاصل الآية إيجاب الحد إذا ثبت عندهم السبب وهو الرمي وهو أعم من كونه بوصف الكثرة أو القلة فإذا ثبت وقوعه منه كثيراً كان موجباً للجلد ثمانين ليس غير فإذا جلد ذلك وقع الامتثال ، ثم هو عليه الرحمة ترك مقتضى التكرر بالتكرر فيما إذا قذف واحداً مرة ثم قذفه ثانياً بذلك الزنا فإنه لا يحد مرتين عنده أيضاً ، وكذا في حد الزنا والشرب فإنه إذا زنى ألف مرة أو شرب كذلك لا يحد إلا مرة ، فالحق أن استدلاله بالآية لا يخلص فإنه ملجىء إلى ترك مثلها من آية أخرى وهي آية حد الزنا فيعود إلى أن هذا حق آدمي بخلاف الزنا فكان المبني هو إثبات أنه حق الله عز وجل أو حق العبد ، والنظر الدقيق يقتضي أن الغالب فيه حق الله سبحانه وتعالى فتدبر .

(13/335)


ثم الظاهر أن الرمي المراد في الآية لا يتوقف على حضور المرمى وخطابه فقذف المحصن حاضراً أو غائباً له الحكم المذكور كما في التاتارخانية نقلاً عن المضمرات واعتمده في «الدرر» ، ويدل على أن الغيبة كالحضور حده صلى الله عليه وسلم أهل الإفك مع أنه لم يشافه أحد منهم به من نزهها الله تعالى عنه ، فما في حاوي الزاهدي سمع من أناس كثيرة أن فلاناً يزني بفلانة فتكلم بما سمعه منهم مع آخر في غيبة فلان لا يجب حد القذف لأنه غيبة لأرمي وقذف بالزنا لأن الرمي والقذف به إنما يكون بالخطاب كقوله : يا زاني يا زانية ضعيف لا يعول عليه .
والظاهر أيضاً أنه لا فرق بين رمي الحي ورمي الميت فإذا قال : أبوك زان أو أمك زانية كان قاذفاً ويحد عند تحقق الشرط لا لو قال : جدك زان فإنه لا حد عليه لما في الظهيرية من أنه لا يدري أي جد هود وفي «الفتح» لأن في أجداده من هو كافر فلا يكون قاذفاً ما لم يعين محصناً . ويطالب بحد القذف للميت من يقع القدح في نسبه بالقذف وهو الوالد وإن علا والولد وإن سفل ، ولا يطالبان عن غائب خلافاً لابن أبي ليلى لعدم اليأس عن مطالبته ولأنه يجوز أن يصدق القاذف ، وولد البنت كولد الابن في هذا الفصل خلافاً لما روي عن محمد ، وتثبت المطالبة للمحروم عن الميراث بقتل أو رق أو كفر ، نعم ليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة التي قذفها في حال موتها ، وعند زفر إذا كان الولد عبداً أو كافراً لا حق له فيها مطلقاً ، وتثبت للأبعد مع وجود الأقرب فياطلب ولد الولد مع وجود الولد خلافاً لزفر ولو عفا بعضهم كان لغيره المطالبة لأنها لدفع العار عن نفسه ، والأم كالأب تطالب بحد قذف ولادها لا أم الأم وأبوها ، ولا يطالب الابن أباه وجده وإن علا بقذف أمه وهو قول الشافعي . وأحمد . ورواية عن مالك ، والمشهور عنه أن للابن أن يطالب الأب بقذف الأم فيقيم عليه الحد وهو قول أبي ثور ، وابن المنذر لعموم الآية أو ءطلاقها ولأنه حد هو حق الله عز وجل ولا يمنع من إقامته قرابة الولاد .
وأجيب بأن عموم قوله تعالى : { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } [ الإسراء : 23 ] مانع من إقامة الولد الحد على أبيه ولا فائدة للمطالبة سوى ذلك والمانع مقدم ، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده "

(13/336)


وأجمعوا على أنه لا يقتص منه بقتل ولده ولا شك أن إهدار جنايته على نفس الولد توجب إهدارها في عرضه بطريق الأولى مع أن القصاص متيقن سببه والمغلب فيه حق العبد بخلاف حد القذف فيهما ، ولا حق لأخي الميت وعمه وعمته وخاله وخالته في المطالبة بحد قذفه .
وعند الشافعي . ومالك عليهما الرحمة تثبت المطالبة لكل وارث وهو رواية غريبة عن محمد ، وللشافعية فيمن يرثه ثلاثة أوجه ، الأول : جميع الورثة . والثاني : غير الوارث بالزوجية . والثالث : ذكور العصبات لا غير . والظاهر أن مطالبة من له المطالبة بالحد غير واجبة عليه بل في التاتارخانية وحسن أن لا يرفع القاذف إلى القاضي ولا يطالب بالحد . وحسن من الإمام أن يقول للمطالب أعرض عنه ودعه اه .
وكأنه لا فرق في هذا بين أن يعلم الطالب صدق القاذف وأن يعلم كذبه . وما نقل في القنية من أن المقذوف إذا كان غير عفيف في السر له مطالبة القاذف ديانة فيه نظر لا يخفى . وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن يكون الرامي حراً وأن يكون عبداً فيجلد كل منهما إذا قذف وتحقق الشرط ثمانين جلدة . وبذلك قال عبد الله بن مسعود . والأوزاعي . وجمهور الأئمة على أن العبد ينصف له الحد لما علمت أول السورة . وإذا أريد إقامة الحد على القاذف لا يجرد من ثيابه إلا في قول مالك لأن سببه وهو النسبة إلى الزنا كذباً غير مقطوع به لجواز كونه صادقاً غير أنه عاجز عن البيان .
نعم ينزع عنه الفرو والثوب المحشو لأنهما يمنعان من وصول الألم إليه كذا في عامة الكتب ، ومقتضاه أنه لو كان عليه ثوب ذو بطانة غير محشو لا ينزع . والظاهر كما في «الفتح» أنه لو كان هذا الثوب فوق قميص نزع لأنه يصير مع القميص كالمحشو أو قريباً من ذلك ويمنع إيصال الألم وكيف لا والضرب هنا أخف من ضرب الزنا . هذا وقرأ أبو زرعة . وعبد الله بن مسلم { بِأَرْبَعَةِ } بالتنوين فشهداء بدل أو صفة . وقيل حال أو تمييز وليس بذاك . وهي قراءة فصيحة ورجحها ابن جني على قراءة الجمهور بناءً على إطلاق قولهم : إنه إذا اجتمع اسم العدد والصفة كان الاتباع أجود من الإضافة .
وتعقب بأن ذاك إذا لم تجر الصفة مجرى الأسماء في مباشرتها العوامل وأما إذا جرت ذلك المجرى فحكمها حكمها في العدد وغيره غاية ما في الباب أنه يجوز فيها الإبدال بعد العدد نظراً إلى أنها غير متمحضة الاسمية و { شُهَدَاء } من ذلك القبيل فأربعة شهداء بالإضافة أفصح من { أَرْبَعَةِ * شُهَدَاء } بالتنوين والاتباع .
وقال ابن عطية : وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر انتهى ، وكأنه أراد الطعن في هذه القراءة على هذا القول ، وفيه أن سيبويه إنما يرى ذلك في العدد الذي بعده اسم نحو ثلاثة رجال دون الذي بعده صفة فإنه على التفصيل الذي ذكر كما قال أبو حيان .

(13/337)


وقوله سبحانه : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } أي مدة حياتهم كما هو الظاهر عطف على { *اجلدوا } داخل في حكمه تتمة له كأنه قيل : فاجلدوهم وردوا شهادتهم أي فأجمعوا لهم الجلد والرد ، ورد شهادتهم عند الإمام أبي حنيفة عليه الرحمة معلق باستيفاء الجلد فلو شهدوا قبل الجلد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادتهم ، وقيل : ترد إذا ضربوا سوطاً ، وقيل : ترد إذا أقيم عليهم الأكثر ، ومن الغريب ما روى ابن الهمام عن مالك أنه مع قوله : إن للابن أن يطالب بحد والده إذا قذف أمه قال : إنه إذا حد الأب سقطت عدالة الابن لمباشرته سبب عقوبة أبيه أي وكذا عدالة الأب وهذا ظاهر ، وقوله تعالى : { أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } كلام مستأنف مبين لسوء حالهم في حكم الله عز وجل ، وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفساد أي أولئك هم المحكوم عليهم بالفسق والخروج عن الطاعة والتجاوز عن الحدود الكاملون فيه كأنهم هم المستحقون لإطلاق اسم الفاسق عليهم لا غيرهم من الفسقة ، ويعلم مما أشرنا إليه أنهم فسقة عند الشرع الحاكم بالظاهر لا أنهم كذلك في نفس الأمر وعند الله عز وجل العالم بالسرائر لاحتمال صدقهم مع عجزهم عن الاتيان بالشهداء كما لا يخفى ، وصرح بهذا بعض المفسرين .
وجوز أن يكون المراد الاخبار عن فسقهم عند الله تعالى وفي علمه ، ووجه إذا كانوا كاذبين ظاهر ، وأما وجهه إذا كانوا صادقين فهو أنهم هتكوا ستر المؤمنين وأوقعوا السامع في الشك من غير مصلحة دينية بذلك والعرض مما أمر الله تعالى بصونه إذا لم يتعلق بهتكه مصلحة فكانوا فسقة غير ممتثلين أمره عز وجل ، ولا يخفى حسن حمل الآية على هذا المعنى وهو أوفق لما ذكره الحصكفي في «شرح الملتقى» نقلاً عن النجم الغزي من أن الرمي بالزنا من الكبائر وإن كان الرامي صادقاً ولا شهود له عليه ولو من الوالد لولده وإن لم يحد به بل يعزر ولو غير محصن؛ وشرط الفقهاء الإحصان إنما هو لوجوب الحد لا لكونه كبيرة ، وقد روى الطبراني عن واثلة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قذف ذمياً حد له يوم القيامة بسياط من نار " وهذه مسألة مختلف فيها ، ففي «شرح جمع الجوامع» للعلامة المحلى قال الحليمي . قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر لأن الإيذاء في قذفهن دونه في الحرة الكبيرة المستترة ، وقال ابن عبد السلام : قذف المحصن في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله تعالى والحفظة ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة أما قذف الرجل زوجته إذا أتت بولد يعلم أنه ليس منه فمباح ، وكذا جرح الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب انتهى ، وظاهر ما نقل عن ابن عبد السلام نفى إيجاد الحد لا نفي كونه كبيرة أيضاً لشيوع توجه النفي إلى القيد في مثله ، وإن قلنا : إنه هنا لنفي القيد والمقيد فهو ظاهر كما قال الزركشي فيماإذا كان صادقاً لا فيما إذا كان كاذباً لجرأته على الله تعالى جل شأنه فهو كبيرة وإن كان في الخلوة ، ولعل ما ذكره من وجوب جرح الشاهد بالزنا إذا علم مقيد بما إذا قدر على الاتيان بالشهود ، والأولى عندي فيما إذا كان الضرر في قبول شهادته عليه يسيراً عدم الجرح بذلك وإن قدر على إثباته ، وما ذكر في جرح الراوي لا يتم فيما أرى على رأي من يعتبر الجرح المجرد عن بيان السبب ، ولا يبعد القول بأن الرمي منه ما هو كفر كرمي عائشة رضي الله تعالى عنها سواء كان جهراً أو سراً وسواء كان بخصوص الذي برأه الله تعالى منه أو بغيره وكذا رمي سائر أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وكذا القول في مريم عليها السلام ، ومنه ما هو كبيرة دون الكفر ومثاله ظاهر ، ومنه ما هو صغيرة كرمي المملوكة والصغيرة ، ومنه ما هو واجب كرمي شاهد على مسلم معصوم الدم بما يكون سبباً لقتله لو قبلت شهادته وعلم كونها زوراً وتعين ذلك لرد شهادته وصيانة ذلك المسلم من القتل ولو كان رميه مع إقامة البينة عليه بالزنا موجباً لرجمه ، ومنه ما هو سنة كرمي ترتبت عليه مصلحة دون مصلحة الرمي الواجب
[ بم وقوله تعالى :

(13/338)


إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)

{ إِلاَّ الذين تَابُواْ } أي رجعوا عما قالوا وندموا على ما تكلموا استثناء من الفاسقين كما صرح به أكثر الأصحاب . وقال بعضهم : المستثنى منه في الحقيقة { أولئك } وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك . ومحل المستثنى النصب لأنه عن موجب . وقوله عز وجل : { مِن بَعْدِ ذلك } لتهويل المتوب عنه أي من بعدما اقترفوا ذلك الذنب العظيم العائل . وقوله تعالى : { وَأَصْلَحُواْ } على معنى وأصلحوا أعمالهم بالاستحلال ممن رموه . وهذا ظاهر إن كان قد بقي حياً فإن كان قد مات فلعل الاستغفار له يقوم مقام الاستحلال منه كما قيل في نظير المسألة . فإن كانوا قد رموا أمواتاً فالظاهر أنهم يستحلون ممن خاصمهم وطلب إقامة الحد عليهم . ويحتمل أن يغني عنه الاستغفار لمن رموه . والجمع بين الاستحال من أولئك المخاصمين والاستغفار للمرميين أولى ولم أر من تعرض لذلك .
وكون الاستثناء من الجملة الأخيرة مذهب الحنفية فعندهم لا تقبل شهادة المحدود في قذف وإن تاب وأصلح لكن قالوا : إن حد الكافر ثم أسلم قبلت شهادته وإن لم تكن تقيل قبل على أهل الذمة ، ووجهه أن النص موجب لرد شهادته الناشئة عن أهليته الثابتة له عند القذف ولذا قيل { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً } [ النور : 4 ] دون ولا تقبلوا شهادتهم أي ولا تقبلوا منهم شهادة من الشهادات حال كونها حاصلهم لهم عند الرمي والشهادة التي كانت حاصلة للكافر عند الرمي هي الشهادة على أبناء جنسه فتدخل تحت الرد ، وأما الشهادة التي اعتبرت بعد الإسلام فغير تلك الشهادة ولهذا قبلت على أهل الإسلام وغيرهم فلم تدخل تحت الرد ، وهذا بخلاف العبد إذا حد في قذف ثم أعتق فإنه لا تقبل شهادته لأنه لم تكن له شهادة من قبل للرق فلزم كون تتميم حده برد شهادته التي تجدد له ، وقد طلب الفرق بينه وبين من زنى في دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام فإنه لا يحدث حيث توقف حكم الموجب في العبد إلى أن أمكن ولم يتوقف في الزنا في دار الحرب إلى الامكان بالخروج إلى دار الإسلام .
وأجيب بأن الزنا في دار الحرب لم يقع موجباً أصلاً لعدم قدرة الإمام فلم يكن الإمام مخاطباً بإقامته أصلاً لأن القدرة شرط التكليف لو حد بعد خروجه من غير سبب آخر كان بلا موجب وغير الموجب لا ينقلب موجباً بنفسه خصوصاً في الحد المطلوب درؤه ، وأما قذف العبد فموجب حال صدوره للحد غير أنه لم يكن تمامه في الحال فيتوقف تتميمه على حدوث ذلك بعد العتق كذا قيل ، وقال في «المبسوط» في الفرق بين الكافر إذا أسلم بعد الحد والعبد إذا اعتق بعده : إن الكافر استفاد بالإسلام عدالة لم تكن موجودة له عند إقامة الحد وهذه العدالة لم تكن مجروحة بخلاف العبد فإنه بالعتق لا يستفيد عدالة لم تكن من قبل وقد صارت عدالته مجروحة بإقامة الحد ، ثم لا فرق في العبد بين أن يكون حد ثم أعتق وبين أن يكون أعتق ثم حد حيث لم تقبل شهادته في الصورتين ، وأما الكافر فإنه لو قذف محصناً ثم أسلم ثم حد لا تقبل شهادته ، ومقتضى الآية عدم قبول كل شهادة للمحدود حادثة كانت أو قديمة لما أن { شَهَادَةً } نكرة وهي واقعة في حيز النهي فتفيد العموم كالنكرة الواقعة في حيز النفي ، وهذا يعكر على ما مر من قبول شهادة الكافر المحدود إذا أسلم .

(13/339)


وأجاب العلامة ابن الهمام بأن التكليف بما في الوسع وقد كلف الحكام برد شهادته فالامتثال إنما يتحقق برد شهادة قائمة فحيث ردت تحقق الامتثال وتم وقد حدثت أخرى فلو ردت كانت غير مقتضى إذ الموجب أخذ مقتضاه وللبحث فيه مجال ، ومقتضى العموم أيضاً عدم قبول شهادة المحدود في الديانات وغيرها وهي رواية المنتقى ، وفي رواية أخرى أنها تقبل في الديانات وكأنهم اعتبروها رواية وخبراً لا شهادة ورب شخص ترد شهادته وتقبل روايته . وأورد على العموم أنهم اكتفوا في النكاح بشهادة المحدودين . وأجيب بأن الشهادة هناك بمعنى الحضور وإنما يكتفي به في انعقاد النكاح وقد صرحوا بأن للنكاح حكمين حكم الانعقاد وحكم الإظهار ولا يقبل في الثاني إلا شهادة من تقبل شهادته في سائر الأحكام كما في «شرح الطحاوي» . والحاصل أن الآية تدل على وجوب رد شهادة المحدود على الحكام بمعنى أنه إذا شهد عندهم على حكم وجب عليهم رد شهادته ويندرج في ذلك شهادته في النكاح لأنه يشهد عندهم إذا وقع التجاحد فلا يعكر على العموم اعتبار حضوره مجلس النكاح في صحة انعقاده إذ ذلك أمر وراء ما نحن فيه كذا قيل فليتدبر . وذهب الشافعي إلى قبول شهادة المحدود إذا تاب ، والمراد بتوبته أن يكذب نفسه في قذفه ، ومبنى الخلاف على المشهور الخلاف فيما إذا جاء استثناء بعد جمل مقترنة بالواو هل ينصرف للجملة الأخيرة أو إلى الكل أو هناك تفصيل فالذي ذهب إليه أصحاب الشافعي انصرافه إلى الكل ، والذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة انصرافه للجملة الأخيرة ، وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري . وجماعة من المعتزلة إن كان الشروع في الجملة الثانية إضراباً عن الأولى ولا يضمر فيها شيء بمافي الأولى فالاستثناء مختص بالجملة الأخيرة لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الأولى مع استقلالها بنفسها إلى غيرها إلا وقد تم مقصوده منها وذلك على أربعة أقسام ، الأول : أن تختلف الجملتان نوعاً كما لو قال : أكرم بني تميم والنحاة البصريون إلا البغاددة إذ الجملة الأولى أمر والثانية خبر ، الثاني : أن يتحدا نوعاً ويختلفا اسماً وحكماً كما لو قال : أكرم بني تميم واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران ، الثالث : أن يتحدا نوعاً ويشتركا حكماً لا اسماً كما لو قال : سلم على بني تميم وسلم على بني ربيعة إلا الطوال ، الرابع : أن يتحدا نوعاً ويشتركا اسماً لا حكماً ولا يشترك الحكمان في غرض من الأغراض كما لو قال سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال ، وقوة اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة في هذه الأقسام على هذا الترتيب وإن لم يكن الشروع في الجملة الثانية إضراباً عن الأولى بأن كان بين الجملتين نوع تعلق فالاستثناء ينصرف إلى الكل وذلك على أربعة أقسام أيضاً ، الأول : أن يتحد الجملتان نوعاً واسماً لا حكماً غير أن الحكمين قد اشتركا في غرض واحد كما لو قال : أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال لاشتراكهما في غرض الإعظام ، الثاني» أن يتحد الجملتان نوعاً ويختلفا حكماً واسم الأولى مضمر في الثانية كما لو قال : أكرم بني تميم واستأجرهم إلا الطوال ، الثالث : بعكس ما قبله كما لو قال : أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال ، الرابع : أن يختلف نوع الجمل إلا أنه قد أضمر في الأخيرة ما تقدم أو كان غرض الأحكام المختلفة فيها واحداً وجعل آية الرمي التي نحن فيها من ذلك حيث قيل : إن جملة مختلفة النوع من حيث أن قوله تعالى : { فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً } أمر وقوله سبحانه : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } نهى وقوله جل وعلا

(13/340)


{ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } [ النور : 4 ] خبر وهي داخلة أيضاً تحت القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة لاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الانتقام والإهانة وداخلة أيضاً تحت القسم الثاني من جهة إضمار الاسم المتقدم فيها ، وذهب الشريف المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك ، وذهب القاضي أبو بكر . والغزالي . وجماعة إلى الوقف ، وقال الآمدي : المختار أنه مهما ظهر كون الواو للابتداء فالاستثناء يكون مختصاً بالجملة الأخيرة كما في القسم الأول من الأقسام الثمانية لعدم تعلق إحدى الجملتين بالأخرى وهو ظاهر وحيث أمكن أن تكون الواو للعطف أو الابتداء كما في باقي الأقسام السبعة فالواجب الوقف ، وذكر حجج المذاهب بما لها وعليها في الأحكام ، وفي التلويح وغيره أنه لا خلاف في جواز رجوع الاستثناء إلى كل وإنما الخلاف في الأظهر وفيه نظر فإن بعض حجج القائلين برجوعه إلى الجملة الأخيرة قد استدل بما يدل على عدم جواز رجوعه للجميع ، قال القلانسي : إن نصب ما بعد الاستثناء في الإثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة إلا على ما ذهب إليه أكابر البصريين فلو قيل برجوعه إلى الجميع لكان ما بعد إلا منتصباً بالأفعال المقدرة في كل جملة ويلزم منه اجتماع عاملين على معمول واحد وذلك لا يجوز لأنه بتقدير مضادة أحدهما للآخر في العمل يلزم أن يكون المعمول الواحد مرفوعاً منصوباً معاً وهو محال ولأنه إن كان كل منهما مستقلاً في العمل لزم عدم استقلاله ضرورة أنه لا معنى لكون كل مستقلاً إلا أن الحكم ثبت به دون غيره وإن لم يكن كل منهمامستقلاً لزم خلاف المفروض ، وإن كان المستقل البعض دون البعض لزم الترجيح بلا مرجح ، ووجه دلالته وإن بحث فيه على عدم جواز رجوعه للجميع ظاهر وكما اختلف الأصوليون في ذلك اختلف النحاة فيه ففي «شرح اللمع» أنه يختص بالأخيرة وأن تعليقه بالجميع خطا للزوم تعدد العامل في معمول واحد إلا على القول بأن العامل إلا أو تمام الكلام .

(13/341)


وقال أبوحيان : لم أر من تكلم على هذه المسألة من النحاة غير المهاباذي . وابن مالك فاختار ابن مالك عود الاستثناء إلى الجمل كلها كالشرط ، واختار المهاباذي عوده إلى الجملة الأخيرة ، وقال الولي بن العراقي : لم يطلق ابن مالك عوده إلى الجمل كلها بل استثنى من ذلك ما إذا اختلف العامل والمعمول كقولك : اكس الفقراء وأطعم أبناء السبيل إلا من كان مبتدعاً فقال في هذه الصورة : إنه يعود إلى الأخير خاصة ، ونقل عن أبي علي الفارسي القول برجوعه إلى الأخيرة مطلقاً وهذا كقول الحنفية في المشهور ، والحق أنهم إنما يقولون برجوعه إلى الأخيرة فقط إذا تجرد الكلام عن دليل رجوعه إلى الكل أما إذا وجد الدليل عمل به وذلك كما في قوله تعالى في المحاربين { أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ } إلى قوله سبحانه : { إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } [ المائدة : 33 ] فإن قوله تعالى : { مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } [ المائدة : 34 ] يقتضي رجوعه إلى الكل فإنه لو عاد إلى الأخيرة أعني قوله سبحانه : { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [ آل المائدة : 33 ] لم يبق للتقييد بذلك فائدة للعلم بأن التوبة تسقط العذاب فليس فائدة { مِن قَبْلُ } الخ إلا سقوط الحد وعلى مثل ذلك ينبغي حمل قول الشافعية بأن يقال : إنهم أرادوا رجوع الاستثناء إلى الكل إذا لم يكن دليل يقتضي رجوعه إلى الأخيرة .
وذكر بعض أجلة المحققين أن الحنفية إنما قالوا برجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة هنا لأن الجملتين الأوليين وردتا جزاء لأنهما أخرجتا بلفظ الطلب مخاطباً بهما الأئمة ولا يضر اختلافهما أمراً ونهياً والجملة الأخيرة مستأنفة بصيغة الإخبار دفعاً لتوهم استبعاد كون القذف سبباً لوجوب العقوبة التي تندرىء بالشبهة وهي قائمة هنا لأن القذف خبر يحتمل الصدق وربما يكون حسبة ، ووجه الدفع أنهم فسقوا بهتك ستر العفة بلا فائدة حيث عجزوا عن الإثبات فلذا استحقوا العقوبة وحيث كانت مستأنفة توجه الاستثناء إليها .

(13/342)


ونقل عن الشافعي أنه جعل { وَلاَ تَقْبَلُواْ } [ النور : 4 ] استئنافاً منقطعاً عن الجملة السابقة وأبى أن يكون من تتمة الحد لأنه لا مناسبة بين الجلد وعدم قبول الشهادة وجعل الاستثناء مصروفاً إليه بجعل من تاب مستثنى من ضمير { لَهُمْ } ويكون قوله تعالى : { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } [ النور : 4 ] اعتراضاً جارياً مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة غير منقطع عما قبله ولهذا جاز توسطه بني المستثنى والمستثنى منه ولا تعلق للاستثناء به ، وآثر ذلك ابن الحاجب في أماليه حيث قال : إن الاستثناء لا يرجع إلى الكل أما الجلد فبالاتفاق ، وأما قوله تعالى : { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } [ النور : 4 ] فلأنه إنما جيء به لتقرير منع الشهادة فلم يبق إلا الجملة الثانية فيرجع إليها ، وتعقب بأن استنئاف { وَلاَ تَقْبَلُواْ } [ النور : 4 ] الخ في غاية البعد ، والمراد من عدم قبول الشهادة ردها ومناسبته للجلد ظاهرة لأن كلاً منهما مؤلم زاجر عن ارتكاب جريمة الرمي وكم من شخص لا يتألم بالضرب كما يتألم برد شهادته ، وربما يقال : إن رد الشهادة قطع للآلة الخائنة معنى وهي اللسان فيكون كقطع اليد حقيقة في السرقة ، ومن أنصف رأي مناسبته للجلد أتم من مناسبة التغريب له لأن التغريب ربما يكون سبباً لزيادة الوقوع في الزنا لقلة من يراقب ويستحي منه في الغربة وقد تضطر المرأة إذا غربت إلى ما يسد رمقها فتسلم نفسها لتحصيل ذلك ، وأيضاً الجلد فعل يلزم على الإمام فعله والرد المراد من عدم القبول كذلك وقد خوطب بكلتا الجملتين الإنشائيتين لفظاً ومعنى الأئمة وبهذا يقوي أمر المناسبة .
واعترض الزيلعي على القول بأن جملة { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } [ النور : 4 ] تعليل لرد الشهادة فقال : لا جائز أن يكون رد شهادته لفسقه لأن الثابت بالنص في خبر الفاسق هو التوقف لقوله تعالى : { إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ } [ الحجرات : 6 ] لا الرد وعلة الرد هنا ليست إلا أنه حد انتهى ، وفيه نظر ولم يجعل الشافعي على هذا النقل الجملة المذكورة مع كونها جارية مجرى التعليل لما قبلها معطوفة عليه لما قال غير واحد من أن العطف بالواو يمنع قصد التعليل لرد الشهادة بسبب الفسق لأن العلة لا تعطف على الحكم بالواو بل إنما تذكر بالفاء ، وكذا ينبغي أن لا تكون معطوفة على ما أشير إليه سابقاً من أنها علة لاستحقاق العقوبة إذ ذلك غير منطوق ، وانتصر للشافعي عليه الرحمة فيما ذهب إليه من قبول شهادته إذا تاب بأنه إذا جعلت الجملة تعليلاً للرد يتم ذلك ولو سلم رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة من الجمل المتعاقبة بالواو لوجوب زوال الحكم بزوال العلة ، ولا أظنه يدفع إلا بالتزام أنها ليست للتعليل .
وقال بعضم : لا انقطاع بين الجمل عند الشافعي ومقتضى أصله المشهور رجوع الاستثناء إلى الجميع فيلزم حينئذ سقوط الجلد بالتوبة لكنه لا يقول بذلك لأن تحقيق مذهبه أن الرجوع إلى الكل قد يعدل عنه وذلك عند قيام الدليل وظهور المانع والمانع هنا من رجوعه إلى الجملة الأولى على ما قيل الإجماع على عدم سقوط الجلد بالتوبة لما فيه من حق العبد ، وأولى منه ما أوما إليه القاضي البيضاوي من أن الاستسلام للجلد من تتمة التوبة فكيف يعود إليه ، ولا يمكن أن يقال : إن عدم قبول الشهادة والتفسيق من تتمتها أيضاً كما لا يخفى ، وقيل : يجوز أن تخرج الآية على أصله المشهور ، ولا مانع من رجوع الاستثناء إلى الجملة الأولى أيضاً لما أن المستثنى { هُوَ * الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ } ومن جملة الإصلاح الاستحلال وطلب العفو من المقذوف وعند وقوع ذلك يسقط الجلد أيضاً ، وفيه أن كون طلب العفو من الإطلاح غير نافع لأن الجلد لا يسقط بطلب العفو بل بالعفو وهو ليس من جملة هذا الإصلاح إذ العفو فعل المقذوف وهذا الإصلاح فعل القاذف فلم يصح صرف الاستثناء إلى الكل كما هو أصله المشهور .

(13/343)


وقال الزمخشري : الذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن يكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط ، والمعنى ومن قذف فأجمعوا لهم بين الأجزئة الثلاثة إلا الذين تابوا منهم فيعودون غير مجلودين ولا مردودي الشهادة ولا مفسقين ، قال في «الكشف» : وهذا جار على أصل الشافعي من أن الاستثناء يرجع إلى الكل وانضم إليه ههنا أن الجمل دخلت في حيز الشرط فصرن كالمفردات ، وتعقب القول بدخوله قوله تعالى : { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } [ النور : 4 ] في حيز الجزاء بأن دليل عدم المشاركة في الشرط يقتضي عدم الدخول فإنه جملة خبرية غير مخاطب بها الأئمة لإفراد الكاف في { أولئك } فهو عطف على الجملة الإسمية أي الذين يرمون الخ أو مستأنف لحكاية حال الرامين عند الشرع ، وأورد عليه أن عطف الخبر على الإنشاء وعكسه لاختلاف الأغراض شائعان في الكلام وأن إفراد كاف الخطاب مع الإشارة جائز في خطاب الجماعة كقوله تعالى : { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذلك } [ البقرة : 25 ] على أن التحقيق { إِنَّ الذين يَرْمُونَ } [ النور : 4 ] منصوب بفعل محذوف أي اجلدوا الذين الخ فهو أيضاً جملة فعلية إنشائية مخاطب بها الأئمة فالمانع المذكور قائمة هنا مع زيادة العدول عن الأقرب إلى الأبعد ولو سلم أن { الذين } مبتدأ فلا بد في الإنشائية الواقعة موقع الخبر من تأويل وصرف عن الإنشائية عند الأكثر وحينئذ يصح عطف { أُولَئِكَ هُمُ الفاسقون } [ النور : 4 ] عليه ، وقال الزمخشري : معنى { أُولَئِكَ هُمُ الفاسقون } فسقوهم والإنصاف يحكم بعدم ظهور دخول الجملة الأخيرة في حيز الجزاء وجميع ما ذكروه إنما يفيد الصحة لا الظهور .
ولعل الظاهر أنها استئناف تذييلي لبيان سوء حال الرامين في حكم الله تعالى وحينئذ عود الاستئناف إليه ظاهر ، لا يقال : إن ذلك ينفي الفائدة لأنه معلوم شرعاً أن التوبة تنزيل الفسق من غير هذه الآية لأنا نقول : لا شبهة في أن العلم بذلك من طريق السمع وقد ذكر الدال عليه منه وكون آية أخرى تفيده لا يضر للقطع بأن طريق القرآن تكرار الدوال خصوصاً إذا كان التأكيد مطلوباً ، هذا وإلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب ذهب الحسن .

(13/344)


وابن سيرين . وسعيد بن المسيب . وسعيد بن جبير . وقد روى ذلك عن كل الجلال السيوطي في «الدر المنثور» وإلى ما ذهب إليه الشافعي من قبول شهادته ذهب مالك وأحمد ، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز . وطاوس . ومجاهد . والشعبي . والزهري . ومحارب وشريح . ومعاوية بن قرة . وعكرمة . وسعيد بن جبير على ما ذكره الطيبي وعن ابن جبير من القائلين كقول الشافعي يخالفه ما سمعت آنفاً ، وعد ابن الهمام شريحاً ممن قال كقول أبي حنيفة وعن ابن عباس روايتان ، وفي «صحيح البخاري» جلد عمر رضي الله تعالى عنه أبا بكرة . وشبل بن معبد . ونافعاً بقذف المغيرة ثم استتابهم ، وقال من تاب قبلت شهادته ، ومن تتبع تحقق أن أكثر الفقهاء قائلون كقول الشافعي عليه الرحمة ودعوى إجماع فقهاء التابعين عليه غير صحيحة كما لا يخفى والله تعالى أعلم ، ووجه التعليل المستفاد من قوله تعالى : { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } على القولين ظاهر لكن قيل إنه على قول أبي حنيفة أظهر وهو تعليل لما يفيده الاستثناء ولا محل من الإعراب ، وجوز أبو البقاء كون { الذين } مبتدأ وهذه الجملة خبره والرابط محذوف أي لهم .
واختار الجمهور الاستئناف والاستثناء وهو على ما ذهب إليه أصحابنا منقطع ، وبينه أبو زيد الدبوسي في التقويم بما حاصله أن المستثنى وإن دخل في الصدر لكن لم يقصد إخراجه من حكمه على ما هومعنى الاستثناء المتصل بل قصد إثبات حكم آخر له وهو أن التائب لا يبقى فاسقاً . وتعقبه العلامة الثاني بأنه إنما يتم إذا لم يكن معنى { هُمُ الفاسقون } [ النور : 4 ] الثبات والدوام وإلا فلا تعذر للاتصال فلا وجه للانقاطع ، وبينه فخر الإسلام بأن المستثنى غير داخل في صدر الكلام لأن التائب ليس بفاسق ضرورة أنه عبارة عمن قام به الفسق والتائب ليس كذلك لزوال الفسق بالتوبة ، وهذا مبني على أنه يشترط في حقيقة اسم الفاعل بقاء معنى الفعل ، وأما إذا لم يشترط ذلك فيتحقق التناول لكن لا يصح الإخراج لأن التائب ليس بمخرج ممن كان فاسقاً في الزمان الماضي .
واعترض بأن المستثنى منه على تقدير اتصال الاستثناء ليس هو الفاسقين بل الذين حكم عليهم بذلك وهم الذين يرمون المشار إليه بقوله تعالى : { وَأُوْلئِكَ } [ النور : 4 ] ولا شك أن التائبين داخلون فيهم مخرجون عن حكمهم وهو الفسق كأنه قيل جميع القاذفين فاسقون إلا التائبين منهم كما يقال القوم منطلقون إلا زيداً متصلاً بناء على أن زيداً داخل في القوم مخرج عن حكم الانطلاق فيصح الاستثناء المتصل سواء جعل المستثنى منه بحسب اللفظ هو القوم أو الضمير المستتر في منطلقون بناء على أنه أقرب وإن عمل الصفة في المستثنى أظهر ، وليس المراد أن المستثنى منه لفظاً هو لفظ القوم البتة وإذا جعل المستثنى منه ضمير منطلقون فمعنى الكلام أن زيداً داخل في الذوات المحكوم عليهم بالإطلاق مخرج عنم حكم الانطلاق كما في قولنا انطلق القوم إلا زيداً وكذا الكلام في الآية .

(13/345)


وأجيب بأن الفاسقين ههنا إما أن يكون بمعنى الفاسق على قصد الدوام والثبات أو بمعنى من صدر عنه الفسق في الزمان الماضي أو من قام به الفسق في الجملة ماضياً كان أو حالاً فإن أريد الأول فالتائب ليس بفاسق ضرورة قضاء الشارع بأن التائب ليس بفاسق حقيقة . ومن شرط الاستثناء المتصل أن يكون الحكم متناولاً للمستثنى على تقدير السكوت عن الاستثناء وهذا مراد فخر الإسلام بعدم تناول الفاسقين للتائبين بخلاف منطلقون فإنه يدخل فيه زيد على تقدير عدم الاستثناء وإن أريد الثاني أو الثالث فلا صحة لإخراج التائب عن الفاسقين لأنه فاسق بمعنى صدور الفسق عنه في الجملة ضرورة أنه قاذف والقذف فسق .
ولا يخفى أن منع عدم دخول التائبين في الفاسقين بالمعنى الذي ذكرنا ومنع عدم صحة إخراجهم عنهم بالمعنى الآخر غير موجه وإن الاستقلال على دخولهم بأنه قد حكم بالفسق على { أولئك } المشار به إلى { الذين يَرْمُونَ } [ النور : 4 ] وهو عام ليس بصحيح للإجماع القاطع على أنه لا فسق مع التوبة» وكفى به مخصصاً اه . وفيه أن الاجماع لا يكون مخصصاً فيما نحن فيه لكونه متراخياً عن النص ضرورة أنه لا إجماع إلا بعد زمان النبي صلى الله عليه وسلم فالحكم بالفسق على { أولئك } المشار به إلى { الذين يَرْمُونَ } [ النور : 4 ] وهو عام فيتم الاستدلال .
وأجيب عن هذا بأن المراد بالتخصيص قصر العام على بعض ما يتناوله اللفظ لا التخصيص المصطلح وهو كما ترى . وفي قوله : ومن شرط الاستثناء المتصل الخ بحث يعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ، وقال العلامة : الظاهر كون الاستثناء متصلاً أي أولئك الذين يرمون محكوم عليهم بالفسق إلا التائبين منهم فإنه غير محكوم عليهم بالفسق لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وكأنه أراد أنهم غير محكوم عليهم بالفسق الدائم وهو المحكوم به عليه في الصدر بقرينة الجملة الاسمية .
وذكر بعض الأفاضل في توجيه كونه متصلاً أن دخول المستثنى في المستثنى منه إنما يكون باعتبار تناول المستثنى منه وشموله إياه لا بحسب ثبوته له في الواقع كيف ولو ثبت الحكم له لما صح استثناؤه فههنا

(13/346)


{ الذين يَرْمُونَ } [ النور : 4 ] شامل للتائبين منهم فلا يضر في صحة الاستثناء أنهم ليسوا بفاسقين وأن التوبة تنافي ثبوت الفسق كما إذا لم يدخل زيد في الانطلاق فإنه يصح استثناؤه باعتبار دخوله في القوم مثل انطلق القوم إلا زيداً .
والحاصل أنه يكفي في الاستثناء دخول المستثنى في حكم المستثنى منه بحسب دلالة اللفظ وإن لم يدخل فيه بحسب دليل خارج كما يقال : خلق الله تعالى كل شيء إلا ذاته سبحانه وصفاته العلى ، قال القلامة : ويمكن الجواب عن هذا بأنه لا فائدة للاستثناء المتصل على هذا التقدير لأن خروج المستثنى من حكم المستثنى منه معلوم فيحمل على المنقطع المفيد لفائدة جديدة وهذا مراد فخر الإسلام بعدم دخول التائبين في صدر الكلام وبحث فيه بأن عدم التناول الشرعي مستفاد من الاستثناء المذكور في الآية والحديث أعني « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » مبين له فلا وجه لمنع وجود الفائدة وبأن كون خروج المستثنى من حكم المستثنى منه معلوماً هنا غير معلوم لمكان الخلاف في اشتراط بقاء الفعل وبأن الفائدة الجديدة في المنقطع التي يعرى عنها المتصل غير ظاهرة ، وقال أيضاً : لا يقال لم لا يجوز أن يكون المستثنى منه هو الفاسقون ويكون الاستثناء لإخراج التائبين منهم في الحكم الذي هو الحمل على أولئك القاذفين والإثبات له فإن الاستثناء كما يجوز من المحكوم به يجوز من غيره كما يقال : كرام أهل بلدتنا أغنياؤهم إلا زيداً بمعنى أن زيداً وإن كان غنياً لكنه خارج عن الحمل على الكرام لأنا نقول : فحينئذ يلزم أن يكون التائبون من الفاسقين ولا يكونوا من القاذفين والأمر بالعكس ، وقد يقال : إن الاستثناء منقطع على معنى أنهم فاسقون في جميع الأحوال إلا حال التوبة ، ولا يخفى أنه يحتاج إلى تكليف في التقدير أي إلا حال توبة الذين الخ أو إلا توبة القاذفين أي وقت توبتهم على أن يجعل { الذين } حرفاً مصدرياً لا اسماً موصولاً وضمير { تَابُواْ } عائداً على { أولئك } [ النور : 4 ] وبعد اللتيا والتي يكون الاستثناء مفرغاً متصلاً لا منقطعاً انتهى فتأمل .

(13/347)


وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)

{ والذين يَرْمُونَ أزواجهم } بيان لحكم الرامين لأزواجهم خاصة وهو ناسخ لعموم المحصنات وكانوا قبل نزول هذه الآية يفهمون من آية { والذين يَرْمُونَ } [ النور : 4 ] الخ أن حكم من رمى الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء فقد أخرج أبو داود وجماعة عن ابن عباس قال : لما نزلت و { الذين يَرْمُونَ المحصنات } الآية قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار : أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا معشر الأنصار ألا تسمعوا ما يقول سيدكم؟ قالوا : يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً وما طلق امرأة فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته فقال : سعد والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من عند الله تعالى ولكني تعجبت إني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته قال : فما لبثوا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه واجتمعت الأنصار فقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين فقال : هلال والله إني لأرجو أن يجعل الله تعالى لي منها مخرجاً فقال : يا رسول الله إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله تعالى يعلم إني لصادق فوالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام الوحي وكان إذا نزل عليه عليه الصلاة والسلام الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت { والذين يَرْمُونَ أزواجهم } الآية فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبشر يا هلال قد كنت أرجو ذلك من ربي ، وقال عليه الصلاة والسلام أرسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال : هلال والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت : كذب فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاعنوا بينهما " الحديث ، ومنه وكذا من رواية أخرى ذكرها البخاري في «صحيحه» .

(13/348)


والترمذي؛ وابن ماجه يعلم أن قصة هلال سبب نزول الآية ، وقيل : نزلت في عاصم بن عدي ، وقيل : في عويمر بن نصر العجلاني؛ وفي «صحيح البخاري» ما يشهد له بل قال السهيلي إن هذا هو الصحيح ونسب غيره للخطأ ، والمشهور كما في «البحر» أن نازلة هلال قبل نازلة عويمر ، وأخرج أبو يعلى . وابن مردويه عن أنس أنه قال : لأول لعان كان في الإسلام ما وقع بين هلال بن أمية وزوجته ، ونقل الخفاجي هنا عن السبكي إشكالاً وأنه قال : إنه إشكال صعب وارد على آية اللعان والسرقة والزنا وهو أن ما تضمن الشرط نص في العلية مع الفاء ومحتمل لها بدونها ولتنزيله منزلة الشرط يكون ما تضمنه من الحدث مستقبلاً لا ماضياً فلا ينسحب حكمه على ما قبله ولا يشمل ما قبله من سبب النزول ، وتعقبه بأنه لا صعوبة فيه بل هو أسهل من شرب الماء البارد في حر الصيف لأن هذا وأمثاله معناه إن أردتم معرفة هذا الحكم فهو كذا فالمستقبل معرفة حكمه وتنفيذه وهو مستقبل في سبب النزول وغيره ، والقرينة على أن المراد . هذا أنها نزلت في أمر ماض أريد بيان حكمه ولذا قالوا : دخول سبب النزول قطعي .
ولا حاجة إلى القول بأن الشرط قد يدخل على الماضي ولا أن ما تضمن الشرط لا يلزمه مساواته لصريحه من كل وجه ولا أن دخول ما ذكر بدلالة النص لفساده هنا انتهى ، ثم أن المراد هنا نظير ما مر والذين يرمون بالزنا أزواجهم المدخول بهن وغير المدخول بهن وكذا المعتدات في طلاق رجعي { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء } أربعة يشهدون بما رموهن به من الزنا . وقرىء { تَكُنْ } بالتاء الفوقية وقراءة الجمهور أفصح { إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } بدل من { شُهَدَاء } لأن الكلام غير موجب والمختار فيه الإبدال أو إلا بمعنى غير صفة لشهداء ظهر إعرابها على ما بعدها لكونها على صورة الحرف كما قالوا في أل الموصولة الداخلة على أسماء الفاعلين مثلاً ، وفي جعلهم من جملة الشهداء إيذان كما قيل من أول الأمر بعدم إلغاء قولهم بالمرة ونظمه في سلك الشهادة وبذلك ازداد حسن إضافة الشهادة إليهم في قوله تعالى : { فشهادة أَحَدِهِمْ } أي شهادة كل واحد منهم وهو مبتدأ وقوله سبحانه : { أَرْبَعُ شهادات } خبره أي فشهادتهم المشروعة أربع شهادات { بالله } متعلق بشهادات ، وجوز بعضهم تعلقه بشهادة .
وتعقب بأنه يلزم حينئذٍ الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو الخبر ، وأنت تعلم أن في كون الخبر أجنبياً كلاماً وأن بعض النحويين أجاز الفصل مطلقاً وبعضهم أجاز فيما إذا كان المعمول ظرفاً كما هنا .
وقرأ الأكثر { أَرْبَعُ } بالنصب على المصدرية والعامل فيه { شَهَادَةً } وهي خبر مبتدأ محذوف أي فالواجب شهادة أو مبتدأ خبره محذوف أي فعليهم شهادة أو فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله واجبة أو كافية ، ولا خلاف في جواز تعلق الجار على هذه القراءة بكل من الشهادة والشهادات وإنما الخلاف في الأولى { إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } أي فيما رماها به من الزنا ، والأصل على أنه الخ فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنها باللام للتأكيد ، ولا يختص التعليق بأفعال القلوب بل يكون فيما يجري مجراها ومنه الشهادة لإفادتها العلم ، وجوز أن تكون الجملة جواباً للقسم بناءً على أن الشهادة هنا بمعنى القسم حتى قال الراغب . إنه يفهم منها ذلك وإن لم يذكر { بالله } وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك .

(13/349)


وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)

{ والخامسة } أي والشهادة الخامسة للأربع المتقدمة أي الجاعلة لها خمساً بانضمامها إليهن ، وإفرادها مع كونها شهادة أيضاً لاستقلالها بالفحوى ووكادتها في إفادتها ما يقصد بالشهادة من تحقيق الخبر وإظهار الصدق ، وهي مبتدأ خبره قوله تعالى : { ءانٍ * لَّعْنَتُ الله * عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين } فيما رماها به من الزنا .

(13/350)


وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)

{ وَيَدْرَؤُاْ } أي يدفع { عَنْهَا العذاب } أي العذاب الدنيوي وهو الحبس عندنا والحد عند الشافعي ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام فيه { أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ } أي الزوج { لَمِنَ الكاذبين } فيما رماها به من الزنا .

(13/351)


وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)

{ والخامسة } بالنصب عطفاً على { أَرْبَعُ شهادات } [ النور : 8 ] وقوله تعالى : { أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ } أي الزوج { مِنَ الصادقين } فيما رماها به من الزنا بتقدير حرف الجر أي بأن غضب الخ ، وجوز أن تكون { ءانٍ } وما بعدها بدلاً من { *الخامسة } وتخصيص الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها لما أنها مادة الفجور ولأن النساء كثيراً ما يستعملن اللعن فربما يتجرين على التفوه به لسقوط وقعه عن قلوبهن بخلاف غضبه جل جلاله .
وقرأ طلحة . والسلمي . والحسن . والأعمش . وخالد بن أياس بنصب { *الخامسة } في الموضعين وقد علمت وجه النصب في الثاني ، وأما وجه النصب في الأول فهو عطف { *الخامسة } على { أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات } [ النور : 4 ] على قراءة من نصب { أَرْبَعُ } وجعلها مفعولاً لفعل محذوف يدل عليه المعنى على قراءة من رفع { أَرْبَعُ } أي ويشهد الخامسة ، والكلام في { أَن لَّعْنَةُ } الخ كما سمعت في { أَنَّ غَضَبَ } الخ . وقرأ نافع { أَن لَّعْنَةُ } بتخفيف { ءانٍ } ورفع { لَّعْنَةُ } و { أَنَّ غَضَبَ } بتخفيف أن وغضب فعل ماض والجلالة بعد مرفوعة ، و { ءانٍ } في الموضعين مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ، ولم يؤت بأحد الفواصل من قد والسين ولا بينها وبين الفعل في الموضع الثاني لكون الفعل في معنى الدعاء فما هناك نظير قوله تعالى : { أَن بُورِكَ مَن * النار } [ النمل : 8 ] فلا غرابة في هذه القراءة خلافاً لما يوهمه كلام ابن عطية .
وقرأ الحسن . وأبو رجاء ، وقتادة . وعيسى . وسلام . وعمرو بن ميمون . والأعرج . ويعقوب بخلاف عنهما { أَن لَّعْنَةُ } كقراءة نافع و { أَنَّ غَضَبَ } بتخفيف { ءانٍ } و { غَضَبَ } مصدر مرفوع ، هذا وظاهر قوله تعالى : { والذين يَرْمُونَ أزواجهم } [ النور : 6 ] العموم والمذكور في كتب الأصحاب أنه يشترط في القاذف وزوجته التي قذفها أن يكون لهما أهلية أداء الشهادة على المسلم فلا يجري اللعان بين الكافرين والمملوكين ولا إذا كان أحدهما مملوكاً أو صبياً أو مجنوناً أو محدوداً في قذف ، ويشترط في الزوجة كونها مع ذلك عفيفة عن الزنا وتهمته بأن لم توطأ حراماً لعينه ولو مرة بشبهة أو بنكاح فاسد ولم يكن لها ولد بلا أب معروف في بلد القذف ، واشتراط هذا لأن اللعان قائم مقام حد القذف في حق الزوج كما يشير إليه ما قدمناه من الخبر لكن بالنسبة إلى كل زوجة على حدة لا مطلقاً ألا ترى أنه لو قذف بكلمة أو كلمات أربع زوجات له بالزنا لا يجزيه لعان واحد لهن بل لا بد أن يلاعن كلاً منهن ، ولو قذف أربع أجنبيات كذلك حد حداً واحداً بهن ، فمتى لم تكن الزوجة ممن يحد قاذفها كما إذا لم تكن عفيفة لم يتحقق في قذفها ما يوجب الحد ليقام اللعان مقامه ، وأما اشتراط كونهما ممن له أهلية أداء الشهادة فلأن اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان عندنا خلافاً للشافعي فإنه عنده أيمان مؤكدة وهو الظاهر من قول مالك .

(13/352)


وأحمد فيقع ممن كان أهلاً لليمين وهو ممن يملك الطلاق فكل من يملكه فهو أهل للعان عنده فيكون من كل زوج عاقل وإن كان كافراً أو عبداً .
واستدل على أن اللعان أيمان مؤكدة بقوله سبحانه : { فشهادة أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات بالله } [ النور : 6 ] وذلك أن قوله تعالى : { بالله } محكم في اليمين والشهادة محتملة لليمين ألا يرى أنه لو قال : أشهد ينوي به اليمين كان يميناً فيحمل المحتمل على المحكم لأن حمله على حقيقته متعذر لأن المعهود في الشرع عدم قبول شهادة الإنسان لنفسه بخلاف يمينه ، وكذا المعهود شرعاً عدم تكرر الشهادة في موضع بخلاف اليمين فإن تكرره معهود في القسامة ، ولأن الشهادة محلها الإثبات واليمين للنفي فلا يتصور تعلق حقيقتهما بأمر واحد فوجب العمل بحقيقة أحدهما ومجاز الآخر فليكن المجاز لفظ الشهادة لما سمعت من الموجبين .
واستدل أصحابنا على أنه شهادات مؤكدة بأيمان بالآية أيضاً لأن الحمل على الحقيقة يجب عند الإمكان وقوله سبحانه وتعالى : { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } [ النور : 6 ] أثبت أنهم شهداء لأن الاستثناء من النفي إثبات وجعل الشهداء مجازاً عن الحالفين يصير المعنى ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم وهو غير مستقيم لأنه يفيد أنه إذا لم يكن للذين يرمون أزواجهم من يحلف لهم يحلفون لأنفسهم وهذا فرع تصور حلف الإنسان لغيره ولا وجود له أصلاً فلو كان معنى اليمين حقيقياً للفظ الشهادة كان هذا صارفاً عنه إلى مجازه كيف وهو مجازي لها ولو لم يكن هذا كان إمكان العمل بالحقيقة موجباً لعدم الحمل على اليمين فكيف وهذا صارف عن المجاز وما توهم كونه صارفاً مما ذكر غير لازم قوله قبول الشهادة لنفسه وتكرر الأداء لا عهد بهما قلنا : وكل من الحلف لغيره والحلف لإيجاب الحكم لا عهد به بل اليمين لرفع الحكم فإن جاز شرعية هذين الأمرين في محل بعينه ابتداء جاز أيضاً شرعية ذلك ابتداءً بل هي أقرب لعقلية كون التعدد في ذلك أربعاً بدلاً عما عجز عنه من إقامة شهود الزنا وهم أربع وعدم قبول الشهادة له عند التهمة ولذا تثبت عند عدمها أعظم ثبوت قال الله عز وجل : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ } [ آل عمران : 18 ] فغير بعيد أن تشرع عند ضعفها بواسطة تأكيدها باليمين وإلزام اللعنة والغضب إن كان كاذباً مع عدم ترتب موجبها في حق كل من الشاهدين إذ موجب شهادة كل إقامة الحد على الآخر وليس ذلك بثابت هنا بل الثابت عند الشهادتين هو الثابت بالأيمان وهو اندفاع موجب دعوى كل عن الآخر ، وإنما قيل عندهما ولم يقل بهما لأن هذا الاندفاع ليس موجب الشهادتين بل هو موجب تعارضهما ، وأما قوله : واليمين للنفي الخ فمحله ما إذا وقعت في إنكار دعوى مدع وإلا فقد يحلف على إخبار بأمر نفي أو إثبات وهنا كذلك فإنها على صدقه في الشهادة ، والحق أنها على ما وقعت الشهادة به وهو كونه من الصادقين فيما رماها به كما إذا جمع أيماناً على أمر واحد يخبر به فإن هذا هو حقيقة كونها مؤكدة للشهادة إذ لو اختلف متعلقهما لم يكن أحدهما مؤكداً للآخر .

(13/353)


وأورد على اشتراط الأهلية لأداء الشهادة أنهم قالوا : إن اللعان يجري بين الأعميين والفاسقين مع أنه لا أهلية لهما لذلك . ودفع بأنهما من أهل الأداء إلا أنه لا يقبل للفسق ولعدم تمييز الأعمى بين المشهود له وعليه وهنا هو قادر على أن يفصل بين نفسه وزوجته فيكون أهلاً لهذه الشهادة دون غيرها ، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة أن الأعمى لا يلاعن وعمم القهستاني الأهلية فقال : ولو بحكم القاضي والفاسق يصح القضاء بشهادته وكذا الأعمى على القول بصحتها فيما يثبت بالتسامع كالموت والنكاح والنسب وهذا بخلاف المحدود بالقذف فإنه لا يصح القضاء بشهادته ، ولعل مراد ابن كمال باشا بقوله : لو قضى بشهادة المحدود بالقذف نفذ نفاذ الحكم بصحتها ممن يراها كشافعي على ما قيل وهو خلاف ظاهر كلامه كما لا يخفى على من رجع إليه ، ويشترط كون القذف في دار الإسلام وكونه بصريح الزنا فلا لعان بالقذف باللواط عند الإمام وعندهما فيه لعان ولا لعان بالقذف كناية وتعريضاً والقذف بصريحه نحو أن يقال : أنت زانية أو يا زانية أو رأيتك تزنين ، والمشهور عن مالك أن القذف بالأولين يوجب الحد والذي يوجب اللعان القذف بالأخير وهو قول الليث . وعثمان . ويحيى بن سعيد ، وضعيف بأن الكل رمى بالزنا وهو السبب كما تدل عليه الآية فلا فرق ، وبمنزلة القذف بالصريح نفى نسب ولدها منه أو من غيره .
/ وفي «المحيط» و «المبتغى» إذا نفى الولد فقال : ليس هذا بابني ولم يقذفها بالزنا لا لعان بينهما لأن النفي ليس بقذف لها بالزنا يقيناً لاحتمال أن يكون الولد من غيره بوطء شبهة وهو احتمال ساقط لا يلتفت إليه كما حققه زين في «البحر» ، ويشترط في وجوب اللعان طلب الزوجة في مجلس القاضي كما في «البدائع» إذا كان القذف بصريح الزنا لأن اللعان حقها فإنه لدفع العار عنها وبذلك قالت الأئمة الثلاث أيضاً ، وإذا كان القذف بنفي الولد فيشترط طلب القاذف لأنه حقه أيضاً لاحتياجه إلى نفي من ليس ولده عنه ويجب عليه هذا النفي إذا تيقن أن الولد ليس منه لما في السكوت أو الإقرار من استلحاق نسب من ليس منه وهو حرام كنفي نسب من هو منه ، فقد روى أبو داود .

(13/354)


والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام قال حين نزلت آية الملاعنة : " أيما امرأة دخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله تعالى في شيء ولن يدخلها الله تعالى جنته وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عز وجل عنه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين " وإن احتمل أن يكون الولد منه فلا يجب بل قد يباح وقد يكون خلاف الأولى بحسب قوة الاحتمال وضعفه ، وقد يضعف الاحتمال إلى حد لا يباح معه النفي كأن أتت امرأته المعروفة بالعفاف بولد لا يشبهه فعن أبي هرية " أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال : هل لك من إبل؟ قال : نعم قال ما ألوانها؟ قال : حمر قال : فهل فيها أورق؟ قال : نعم قال : فكيف ذلك؟ قال : نزعه عرق قال : فلعل هذا نزعه عرق " وذكروا فيما إذا كانت متهمة برجل فأتت بولد يشبهه وجهين إباحة النفي وعدمها ، وأما القذف بصريح الزنا فمع التحقق يباح ويجوز أن يستر عليها ويمسكها لظاهر ما روي من " أن رجلاً قال : يا رسول الله إن امرأتي لا ترد يد لامس قال : طلقها قال : إني أحبها قال : فأمسكها " وفيه احتمال آخر ذكره شراح الحديث ومع عدم التحقق لا يباح ذلك ، والأفضل للزوجة أن لا تطالب باللعان وتستر الأمر وللحاكم أن يأمرها وإذا طلبت وقد أقر الزوج بقذفها أو ثبت بالبينة وهي رجلان لا رجل وامرأتان إذ لا شهادة للنساء في الحدود ، وما في «النهر» و «الدر المنتقى» من جواز ذلك سبق قلم لاعن إن كان مصراً وعجز عن البينة على زناها أو على إقرارها به أو على تصديقها له أو أقام البينة على ذلك ثم عمى الشاهدان أو فسقا أو ارتدا وهذا بخلاف ما إذا ماتا أو غابا بعد ما عدلا فإنه حينئذٍ لا يقضي باللعان فإن امتنع حبسه الحاكم حتى تبين منه بطلاق أو غيره أو يلاعن أو يكذب نفسه فيحد ، وعند الشافعي أن امتنع حد حد القذف وكان إذا لاعن فامتنعت تحد عنده حد الزنا وعندنا تحبس حتى تلاعن أو تصدقه فيرتفع سبب وجوب لعانهما وهو التكاذب على ما قيل ، والأوجه كون السبب القذف والتكاذب شرطه ، وكما لا لعان مع التصديق إذا كان بلفظ صدقت لا حد عليها ولو أعادت ذلك أربع مرات في مجالس متفرقة لأن التصديق المذكور ليس بإقرار قصداً وبالذات فلا يعتبر في وجوب الحد بل في درئه فيندفع به اللعان ولا يجب به الحد وكذا يندفع بذلك كما في «كافي الحاكم» الحد عن قاذفها بعد ولو صدقته في نفي الولد فلا حد ولا لعان أيضاً وهو ولدهما لأن النسب إنما ينقطع بحكم اللعان ولم يوجد وهو حق الولد فلا يصدقان في إبطاله وما في شرحي الوقاية والنقاية من أنها إذا صدقته ينتفي غير صحيح كما نبه عليه في «شرح الدرر والغرر» .

(13/355)


ووجه قول الشافعي بالحد عند الامتناع أن الواجب بالقذف مطلقاً الحد لعموم قوله سبحانه : { والذين يَرْمُونَ المحصنات } [ النور : 4 ] الخ إلا أنه يتمكن من دفعه فيما إذا كانت المقذوفة زوجة باللعان تخفيفاً عليه فإذا لم يدفعه به يحد وكذا المرأة تلاعن بعدما أوجب الزوج عليها اللعان بلعانه فإذا امتنعت حدت للزنا ويشير إليه قوله سبحانه وتعالى : { وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب } [ النور : 8 ] ووجه قولنا إن قوله تعالى : " والذين يَرْمُونَ أزواجهم " [ النور : 6 ] إلى قوله تعالى : { فشهادة أَحَدِهِمْ } الخ يفهم منه كيفما كانت القراءة أن الواجب في قذف الزوجات اللعان ولا ينكر ذلك إلا مكابر فإما أن يكون ناسخاً أو مخصصاً لعموم ذلك العام والظاهر عندنا كونه ناسخاً لتراخي نزوله كما تشهد له الأخبار الصحيحة والمخصص لا يكون متراخي النزول وعلى التقديرين يلزم كون الحكم الثابت في قذف الزوجات إنما هو ما تضمنته الآية من اللعان حال قيام الزوجية كما هو الظاهر فلا يجب غيره عند الامتناع عن إيفائه بل يحبس لإيفائه كما في كل حق امتنع من هو عليه عن إيفائه ولم يتعين كون المراد من العذاب في الآية الحد لجواز كونه الحبس وإذا قام الدليل على أن اللعان هو الواجب وجب حمله عليه .
قيل : والعجب من الشافعي عليه الرحمة لا يقبل شهادة الزوج عليها بالزنا مع ثلاثة عدول ثم يوجب الحد عليها بقوله وحده وإن كان عبداً فاسقاً ، وأعجب منه أن اللعان يمين عنده وهو لا يصلح لإيجاب المال ولا لإسقاطه بعد الوجوب وأسقط به كل من الرجل والمرأة الحد عن نفسه وأوجب به الرجم الذي هو أغلظ الحدود على المرأة ، فإن قال : إنما يوجب عليها لنكولها بامتناعها عن اللعان قلنا : هو أيضاً من ذلك العجب فإن كون النكول إقراراً فيه شبهة والحد مما يندفع بها مع أنه غاية ما يكون بمنزلة إقراره مرة ، ثم إن هذه الشبهة أثرت عنده في منع إيجاب المال مع أنه يثبت مع الشبهة فكيف يوجب الرجم به وهو أغلظ الحدود وأصعبها إثباتاً وأكثرها شروطاً انتهى ، وليراجع في ذلك كتب الشافعية . وفي «النهر» نقلاً عن الاسبيجابي أنهما يحبسان إذا امتنعا عن اللعان بعد الثبوت ، ثم قال : وينبغي حمله على ماذا لم تعف المرأة كما في «البحر» ، وعندي في حبسها بعد امتناعه ننوع إشكال لأن اللعان لا يجب عليها إلا بعد لعانه فقبله ليس امتناعاً لحق وجب عليها انتهى .

(13/356)


وأجاب الطحطاوي بأنه بعد الترافع منهما صار إمضاء اللعان حق الشرع فإذا لم تعف وأظهرت الامتناع تحبس بخلاف ما إذا أبى هو فقط فلا تحبس انتهى .
وقيل : ليس المراد امتناعهما في آن واحد بل المراد امتناعه بعد المطالبة به وامتناعها بعد لعانه فتأمل .
والمتبادر من الشهادة ما كان قولاً حقيقة ، ولذا قالوا : لا لعان لو كانا أخرسين أو أحدهما لفقد الركن وهو لفظ أشهد ، وعلل أيضاً بأن هناك شبهة احتمال تصديق أحدهما للآخر لو كان ناطقاً والحد يدرأ بالشبهة وكتابة الأخرى في هذا الفصل كإشارته لا يعول عليها ، وذكروا لو طرأ الخرس بعد اللعان قبل التفريق فلا تفريق ولا حد ، ويشعر ظاهر الآية بتقديم لعان الزوج وهو المأثور في السنة فلو بدأ القاضي بأمرها فلاعنت قبله فقد أخطأ السنة ولا يجب كما في الغاية أن تعيد لعانها بعد وبه قال مالك .
وفي «البدائع» ينبغي أن تعيد لأن اللعان شهادة المرأة وشهادتها تقدح في شهادة الزوج فلا تصح إلا بعد وجود شهادته ولهذا يبدأ بشهادة المدعي في باب الدعوى ثم بشهادة المدعى عليه بطريق الدفع له ، ونقل ذلك عن الشافعي . وأحمد عليهما الرحمة . وأشهب من المالكية ، والوجه ما تقدم فقد أعقب في الآية الرمي بشهادة أحدهم وشهادتها الدارئة عنها العذاب فيكون هذا المجموع بعد الرمي ، وليس في الآية ما يدل على الترتيب بين أجزاء المجموع ، وهذا نظير ما قرره بعض أجلة الأصحاب في قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } [ المائدة : 6 ] الآية في بيان أنه لا يدل على فرضية الترتيب كما يقوله الشافعية ، وظاهر الآية أنه لا يجب في لعانه أن يأتي بضمير المخاطبة ولا في لعانها أن تأتي بضمير المخاطب ، ففي الهداية صفة اللعان أن يبتدىء به القاضي فيشهد أربع مرات يقول في كل مرة : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ويقول في الخامسة : لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا يشير في جميع ذلك ثم تشهد المرأة أربع مرات تقول في كل مرة أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتقول في الخامسة : غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا والأصل فيه الآية ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يأتي بلفظ المواجهة ويقول فيما رميتك به من الزنا أي وتأتي هي بذلك أيضاً وتقول : إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به من الزنا لأنه أقطع للاحتمال وهو احتمال إضمار مرجع للضمير الغائب غير المراد ، ووجه الأول أن لفظة المغايبة إذا انضمت إليها الإشارة انقطع الاحتمال ، وعن الليث أنه يكتفي في اللعان بالكفيفة المذكورة في الآية ويأتي الملاعن مكان ضمير الغائب بضمير المتكلم في شهادته مطلقاً وتأتي الملاعنة بذلك في شهادتها الخامسة فتدخل على { عَلَىَّ } يا الضمير ، والمراد من الاكتفاء بالكيفية المذكورة أنه لا يحتاج إلى زيادة فيما رميتها به من الزنا في شهادته وإلى زيادة فيما رماني به من الزنا في شهادتها ، وما ذكر من الإتيان بضمير المتكلم هو الظاهر ولم يؤت به في «النظم الكريم» لتتسق الضمائر وتكون في جميع الآية على طرز واحد مع ما في ذلك من نكتة رعاية التالي على ما قيل ، وليس في الآية التفات أصلاً كما توهم بعض من أدركناه من فضلاء العصر ، وأما ما أشير من عدم الاحتياج إلى زيادة ما تقدم فالظاهر أن الأحوط خلافه وقد جاءت تلك الزيادة فيما وقع في زمانه صلى الله عليه وسلم من اللعان بين هلال وزوجته على ما في بعض الروايات ، وذكر الأصحاب أنه يزيد في صورة اللعان بالقذف بنفي الولد بعد قوله : لمن الصادقين قوله فيما رميتك به من نفي الولد وإنها تزيد بعد لمن الكاذبين قولها فيما رميتني به من نفي الولد : ولو كان القذف بالزنا ونفي الولد ذكر في اللعان الأمران ، ونقل أبو حيان عن مالك أن الملاعن يقول : أشهد بالله إني رأيتها تزني والملاعنة تقول أشهد بالله ما رآني أزني وعن الشافعي أن الزوج يقول : أشهد بالله إني لصادق فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان ويشير إليها إن كانت حاضرة أربع مرات ثم يقعده الإمام ويذكره الله تعالى فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده على فيه فإن لم يمتنع تركه وحينئذٍ يقول الخامسة ويأتي بياء الضمير مع { عَلَىَّ } وإن كان قد قذفها بأحد يسميه بعينه واحداً أو اثنين في كل شهادة ، وإن نفى ولدها زاد وإن هذا الولد ولد زنا ما هو منى ، والتخويف بالله عز وجل مشروع في حق المتلاعنين ، فقد صح في قصة هلال أنه لما كان الخامسة قيل له اتق الله تعالى واحذر عقابه فإن عذاب الدنيا أسهل من عذاب الآخرة وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العقاب ، وقيل : نحو ذلك لامرأته عند الخامسة أيضاً .

(13/357)


وفي ظاهر الآية رد على الشافعي عليه الرحمة حيث قال إنه بمجرد لعان الزوج تثبت الفرقة بينهما وذلك لأن المتبادر أنها تشهد الشهادات وهي زوجة ومتى كانت الفرقة بلعان الزوج لم تبق زوجة عند لعانها ، والذي ذهب إليه أبو حنيفة عليه الرحمة أنه إذا وقع التلاعن ثبتت حرمة الوطء ودواعيه عن الملاعن فإن طلقها فذاك وإن لم يطلقها بانت بتفريق الحاكم وإن لم يرضيا بالفرقة ، ولو فرق خطأ بعد وجود الأكثر من كل منهما صح ، ويشترط كون التفريق بحضورهما وحضور الوكيل كحضور الأصيل ويتوارثان قبله ، ولو زالت أهلية اللعان بعده فإن كان بما يرجى زواله كجنون فرق وإلاّ لا ، وقال زفر : تقع الفرقة بتلاعنهما وإن أكذب نفسه من بعد اللعان والتفريق وحد أم لم يحد يحل له تزوجها عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف إذا افترق المتلاعنان فلا يجتمعان أبداً وثبتت بينهما حرمة كحرمة الرضاع وبه قالت الأئمة الثلاثة ، وأدلة هذه الأقوال وما لها وما عليها تطلب من كتب الفقه المبسوطة ، واستدل بمشروعية اللعان على جواز الدعاء باللعن على كاذب معين فإن قوله :

(13/358)


{ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين } [ النور : 7 ] دعاء على نفسه باللعن على تقدير كذبه وتعليقه على ذلك لا يخرجه عن التعيين ، نعم يقال إن مشروعيته إن كان صادقاً فلو كان كاذباً فلا يحل له ، واستدل الخوارج على أن الكذب كفر لاستحقاق من يتصف به اللعن وكذا الزنا كفر لاستحقاق فاعله الغضب فإن كلاً من اللعن والغضب لا يستحقه إلا الكافر لأن اللعن الطرد عن الرحمة وهو لا يكون إلا لكافر والغضب أعظم منه ، وفيه أنه لا يسلم أن اللعن في أي موضع وقع بمعنى الطرد عن الرحمة فإنه قد يكون بمعنى الإسقاط عن درجة الأبرار وقد يقصد به إظهار خساسة الملعون ، وكذا لا يسلم اختصاص الغضب بالكافر وإن كان أشد من اللعن والله تعالى أعلم .

(13/359)


وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)

{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ } التفات إلى خطاب الرامين والمرميات بطريق التغليب لتوفية مقام الامتنان حقه ، وجواب { لَوْلاَ } محذوف لتهويله حتى كأنه لا توجد عبارة تحيط ببيانه ، وهذا الحذف شائع في كلامهم .
قال جرير
: كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بحزيز رامة والمطي سوام
ومن أمثالهم لو ذات سوار لطمتني فكأنه قيل : لولا تفضله تعالى عليكم ورحمته سبحانه وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة حكيم في جميع أفعاله وأحكامه التي من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان مما لا يحيط به نطاق البيان ، ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه أعرف بحال زوجته وأنه لا يفترى عليها لاشتراكهما في الفضاحة ، وبعد ما شرع لهم لو جعل شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر إليها ، ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له ، ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة ، فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتماً دارئة لما توجه إليه من الغائلة الدنيوية ، وقد ابتلى الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأته عنه وأطم وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى أما على الصادق فظاهر؛ وأما على الكاذب فهو إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبىء عنه التعرض لعنوان توابيته تعالى فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته قاله شيخ الإسلام ، وعن ابن سلام تفسير الفضل بالإسلام ولا يخفى أنه مما لا يقتضيه المقام ، وعن أبي مسلم أنه أدخل في الفضل النهي عن الزنا ويحسن ذلك لو جعلت الجملة تذييلاً لجميع ما تقدم من الآيات وفيه من البعد ما فيه .

(13/360)


إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

{ إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك } أي بأبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وكثيراً ما يفسر بالكذب مطلقاً ، وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك ، وجوز فيه فتح الهمزة والمراد به ما أفك به الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على أن اللام فيه للعهد ، وجوز حمله على الجنس قيل فيفيد القصر كأنه لا إفك إلا ذلك الإفك ، وفي لفظ المجىء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل ، وتفصيل القصة ما أخرجه البخاري . وغيره عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة فاقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم إنما نأكل العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فاممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطىء على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول : كيف تيكم؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قالت : قلت وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي فلما رجعت إلى بيتي ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : كيف تيكم؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت : وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي فقلت لامي : يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت : يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت : فقلت سبحان الله ولقد تحدت الناس بهذا قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن أبي طالب .

(13/361)


وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال : يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيراً وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان من الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت : فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم قالت : فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظناني أن البكاء فألق كبدي قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها وقد لبت شهراً لا يوحى إليه في شأني قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت الممت بذنب فاستغفري الله وتوبى إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت : لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله فقلت لأمي : أجيبي رسول الله قالت : ما أدري ما أقول لرسول الله قالت : فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم : إني برية والله يعلم أني برية لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه برية لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف

(13/362)


{ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ } [ يوسف : 18 ] فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني برية وأن الله مبرئني ببراءتي ولكن ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه قالت : فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها : يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت أمي : قومي إليه فقالت : والله لا أقوم ولا أحمد إلا الله وأنزل الله { إِنَّ الذين * جَاءوا بالإفك } [ النور : 11 ] العشر الآيات كلها ، والظاهر أن قوله تعالى :
{ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } خبر إن وإليه ذهب الحوفي .

(13/363)


وأبو البقاء ، وقال ابن عطية : هو بدل من ضمير { *جاؤوا } والخير جملة قوله تعالى : { مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } والتقدير إن فعل الذين وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون { عُصْبَةٌ } الخبر انتهى ، ولا يخفى أنه تكلف ، والفائدة في الأخبار على الأول قيل : التسلية بأن الجائين بذلك الإفك فرقة متعصبة متعاونة . وذلك من أمارات كونه إفكاً لا أصل له ، وقيل : الأول أن تكون التسلية بأن ذلك مما لم يجمع عليه بل جاء به شرذمة منكم ، وزعم أبو البققاء أنه بوصف العصبة بكونها منهم أفاد الخبر ، وفيه نظر .
والخطاب في { مّنكُمْ } على ما أميل إليه لمن ساءه ذلك من المؤمنين ويدخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبو بكر . وأم رومان . وعائشة . وصفوان دخولاً أولياً ، وأصل العصبة الفرقة المتعصبة قلت أو كثرت وكثر إطلاقها على العشرة فما فوقها إلى الأربعين وعليه اقتصر في الصحاح ، وتطلق على أقل من ذلك ففي مصحف حفصة عصبة أربعة . وقد صح أن عائشة رضي الله تعالى عنها عدت المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول . وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب رضي الله تعالى عنها . وزوجة طلحة بن عبيد الله . ومسطح ابن أثاثة . وحسان بن ثابت ، ومن الناس من برأ حسان وهو خلاأف ما في صحيح البخاري وغيره .
نعم الظاهر أنه رضي الله تعالى عنه لم يتكلم به عن صميم قلت وإنما نقله عن ابن أبي لعنه الله تعالى ، وقد جاء أنه رضي الله تعالى عنه اعتذر عما نسب إليه في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها فقال :
حصان رزان ماتزن بريبة ... وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
حليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبي الهدى ذي المكرمات الفواضل
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرما المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتمو ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول
فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرىء بي ما حل

(13/364)


وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تكرمه بعد ذلك وتذكره بخير وإن صح أنها قالت له حين أنشدها أول هذه الأبيات : لكنك لست كذلك ، فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تأذن لحسان وتدعو له بالوسادة وتقول : لا تؤذوا حساناً فإنه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه .
وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عنها أنها قالت : ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به الأرجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب :
هجوت محمداً وأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبى ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفؤ ... فشركما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء
وعد بعضهم مع الأربعة المذكورين زيد بن رغافة ولم نر فيه نقلاً صحيحاً ، وقيل إنه خطأ ، ومعنى { مّنكُمْ } من أهل ملتكم وممن ينتمي إلى الإسلام سواء كان كذلك في نفس الأمر أم لا فيشمل ابن أبي لأنه ممن ينتمي إلى الإسلام ظاهراً وإن كان كافراً في نفس الأمر ، وقيل إن قوله تعالى : { مّنكُمْ } خارج مخرج الأغلب وأغلب أولئك العصبة مؤمنون مخلصون ، وكذا الخطاب في { لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } وقيل : الخطاب في الأول للمسلمين وفي هذا لسيد المخاطبين رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولأبي بكر . وعائشة . وصفوان رضي الله تعالى عنهم والكلام مسوق لتسليتهم .
وأخرج ابن أبي حاتم . والطبراني عن سعيد بن جبير أن الخطاب في الثاني لعائشة . وصفوان ، وأبعد عن الحق من زعم دنه للذين جاؤوا بالافك وتكلف للخيرية ما تكلف ، ولعل نسبته إلى الحسن لا تصح ، والظاهر أن ضمير الغائب في { لاَ تَحْسَبُوهُ } عائد على الإفك .
وجوز أن يعود على القذف وعلى المصدر المفهوم من { *جاؤوا } وعلى ما نال المسلمين من الغم والكل كما ترى ، وعلى ما ذهب إليه ابن عطية يعود على المحذوف المضاف إلى اسم إن الذي هو الاسم في الحقيقة؛ ونهوا عن حسبان ذلك شراً لهم إراحة لبالهم بإزاحة ما يوجب استمرار بلبالهم ، وأردف سبحانه النهي عن ذلك بالإضراب بقوله عز وجل : { لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } اعتناء بأمر التسلية ، والمراد بل هو خير عظيم لكم لنيلكم بالصبر عليه الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله عز وجل بإنزال ما فيه تعظيم شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم بما أحزنكم ، والآيات المنزلة في ذلك على ما سمعت آنفاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها عشرة .

(13/365)


وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال : نزلت ثماني عشرة آية متواليات بتكذيب من قذف عائشة وبراءتها . وأخرج الطبراني عن الحكم بن عتيبة قال : إنه سبحانه أنزل فيها خمس عشرة آية من سورة النور ثم قرأ حتى بلغ { الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ } [ النور : 26 ] وكأن الخلاف مبني على الخلاف في رؤس الآي ، وفي كتاب العدد للداني ما يوافق المروى عن ابن جبير .
{ لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ } أي من الذي جاؤوا بالإفك { مَّا اكتسب مِنَ الإثم } أي جزاء ما اكتسب وذلك بقدر ما خاض فيه فإن بعضهم تكلم وبعضهم ضحك كالمعجب الراضي بما سمع وبعضهم أكثر وبعضهم أقل .
{ والذى تولى كِبْرَهُ } بكسر الكاف . وقر الحسن . والزهري . وأبو رجاء . ومجاهد . والأعمش وأبو البرهسم . وحميد . وابن أبي عبلة . وسفيان الثوري . ويزيد بن قطيب . ويعقوب . والزعفراني . وابن مقسم . وعمرة بنت عبد الرحمن . وسورة عن الكسائي . ومحبوب عن أبي عمرو { كِبْرَهُ } بضم الكاف وهو مكسورها مصدر ان لكبر الشيء عظم ومعناهما واحد ، وقيل : الكبر بالضم المعظم وبالكسر البداءة بالشيء ، وقيل : الإثم ، والجمهور على الأول أي والذي تحمل معظمه { مِنْهُمْ } أي من الجبائين به { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط ، وفي التعبير بالموصول وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالعظم من تهويل الخطاب ما لا يخفى ، والمراد بالذي تولى كبره كما في «صحيح البخاري» عن الزهري عن عورة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عبد الله بن أبي عليه اللعنة وعلى ذلك أكثر المحدثين .
/ وكان لعنه الله تعالى يجمع الناس عنده ويذكر لهم ما يذكر من الإفك وهو أول من اختلقه وأشاعه لا معانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعذابه في الآخرة بعد جعله في الدرك الأسفل من النار لا يقدر قدره إلا الله عز وجل ، وأما في الدنيا فوسمه بميسم الذي وإظهار نفاقه على رؤس الاشهاد وحده حدين على ما أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت الآيات خرج إلى المسجد فدعا أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله تعالى من البراءة لعائشة وبعث إلى عبد الله بن أبي فجيء به فضربه عليه الصلاة والسلام حدين وبعث إلى حسان . ومسطح وحمنة فضربوا ضرباً وجيعا ووجئوا في رقابهم ، وقيل : حدحداً واحداً ، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه فسر العذاب في الدنيا بجلد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ثمانين جلدة وعذابه في الآخرة بمصيره إلى النار ، وقيل : إنه لم يحد أصلاً لأنه لم يقر ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيراً لجزائه إلى يوم القيامة كما أنه لم يلتزم إقامة البينة على نفاقه وصدور ما يوجب قتله لذلك وفيه نظر .

(13/366)


وزعم بعضهم أنه لم يحد مسطح ، وآخرون أنه لم يحد أحد ممن جاء بالإفك إذ لم يكن إقرار ولم يلتزم إقامة بينة . وفي البحر أن المشهور حد حسان . ومسطح . وحمنة ، وقد أخرجه البزار . وابن مردويه بسند حسن ع أبي هريرة ، وقد جاء ذلك في أبيات ذكرها ابن هشام في ملخص السيرة لأبن اسحق وهي :
لقد ذاق حسان الذي كان أهله ... وحمنة إذ قالوا هججيراً ومسطح
تعاطوا برجم الغيب أمر نبيهم ... وسخطة ذي العرش الكريم فانزحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا ... مخازي بغي يمومها وفضحوا
وصب عليهم محصدات كأنها ... شابيب قطر من ذرى المزن تسفح
وقيل : الذي تولى كبره حسان واستد بما في «صحيح البخاري» أيضاً عن مسروق قال : دخل حسان على عائشة فشبب وقال؛ حصان { البيت } قالت : لكنك لست كذلك قلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى : { والذى تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النور : 11 ] فقالت : وأي عذاب أشد من العمى ، وجاء في بعض الأخبار أنها قيل لها : أليس الله تعالى يقول : { والذى تولى كِبْرَهُ } الآية؟ فقالت : أليس أصابه عذاب عظيم أليس قد ذهب بصره وكسع بالسيف؟ تعني الضربة التي ضربها إياه صفوان حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك ، فإنه يروى أنه ضربه بالسيف على رأسه لذلك ولأبيات عرض فيها به وبمن أسلم من العرب من مضر وأنشد :
تلق ذباب السيف مني فإنني ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر
ولكنني أحمى حماي وأتفي ... من الباهت الرأي البرىء والظواهر
وكاد يقتله بتلك الضربة . فقد روي ابن إسحق أنه لما ضربه وثب عليه ثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحرث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال : ما هذا؟ قال : أما اعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراد إلا قد قتله فقال له عبد الله : هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وبما صنعت؟ قال : لا والله قال : لقد اجترأت اطلق الرجل فاطلقه فاتوا رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكروا ذلك له فدعا حسان . وصفوات فقال صفوات : يا رسول الله ءاذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال صلى الله عليه وسلم : يا حسان اتشوهت على قومي بعد أن هداهم الله تعالى للإسلام ثم قال : احسن يا حسان في الذي أصابك فقال : هي لك يا رسول الله فعوضه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بيرحاء وكان طلحة بن سهل أعطاها إياه عليه الصلاة والسلام ووهبه أيضاً سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان .

(13/367)


وفي رواية في «صحيح البخاري» عن عائشة أيضاً رضي الله تعالى عنها أنها قالت في { الذى تولى * كِبْرَهُ مِنْهُمْ } هو أي المنافق ابن أبي . وحمنة ، وقيل : هو . وحسان . ومسطح ، وعذاب المنافق الطرد وظهور نفاقه وعذاب الأخيرين بذهاب البصر ، ولا يأبى إرادة المتعدد إفراد الموصول لما في الكشف من أن { الذى } يكون جمعاً وأفراد ضميره جائز باعتبار إرادة الجمع أو الفوج أو الفريق أو نظراً إلى أن صورته صورة المفرد ، وقد جاء أفراده في قوله تعالى : { والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ } [ الزمر : 33 ] وجمعه في قوله سبحانه { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } [ التوبة : 69 ] والمشهور جواز استعمال { الذى } جمعا مطلقا . واشترط ابن مالك في التسهيل أن يراد به الجنس لا جمع مخصوص فإن أريد الخصوص قصر على الضرورة ، هذا ولا يخفى أن إرادة الجمع هنا لا تخلو عن بعد ، والذي اختاره إرادة الواحد وأن ذلك الواحد هو عدو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ابن أبي ، وقد روى ذلك الزهري عن سعيد بن المسيب . وعروة بن الزبير . وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة وكلهم سمع عائشة تقول { الذى تولى * كِبْرَهُ } عبد الله بن أبي ، وقد تظافرت روايات كثيرة على ذلك ، والذاهبون إليه من المفسرين أكثر من الذاهبين منهم إلى غيره . ومن الافك الناشىء من النصب قول هشام بن عبد الملك عليه من الله تعالى ما يستحق حين سئل الزهري عن { الذى تولى * كِبْرَهُ } فقال له : هو ابن أبي كذبت هو علي يعني به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وقد روي ذلك عن هشام البخاري . والطبراني . وابن مردويه . والبيهقي في الدلائل ، ولا بدع من أموي الافتراء على أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه . وأنت تعلم أن قصارى ما روي عن الأمير رضي الله تعالى عنه أنه قال لأخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشاره يا رسول الله لم يضيق الله تعالى عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك .
وفي رواية أنه قال : يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها ، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه ضرب بريرة وقال : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في ذلك شيء مما يصلح مستنداً لذلك الأموي الناصبي .
وجل غرض الأمير مما ذكر أن يسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو فيه من الغم غاية ما في الباب أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسامة وهو أمر غير متعين ، ومن دقق النظر عرف مغزى الأمير كرم الله تعالى وجهه وأنه بعيد عما يزعمه النواصب بعد ما بين المشرق والمغرب فليتدبر .

(13/368)


لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)

{ لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } التفات إلى خطاب الخائضين ما عدا من تولى كبره منهم ، واستظهر أبو حيان كون الخطاب للمؤمنين دونه ، واختير الخطاب لتشديد ما في لولا التحضيضية من التوبيخ ، ولتأكيد التوبيخ عدل إلى الغيبة في قوله تعالى : { ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات * الله خَيْرًا } لكن لا بطريق الاعراض عن المخاطبين وحكاية جناياتهم لغيرهم بل بالتوسل بذلك إلى وصفهم بما يوجب الاتيان بالمحضض عليه ويقتضيه اقتضاء تلا ويزجرهم عن ضده زجراً بليغا وهو الإيمان وكونه مما يحملهم على إحسان الظن ويكفهم عن إساءته بأنفسهم أي بأبناء جنسهم وأهل ملتهم النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى : { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] وقوله سبحانه : { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 85 ] ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر وإن قيل بجوازه مما لا ريب فيه فاخلالهم بموجب ذلك الوصف أقبح وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى توبيخ الخائضات والمشهور منهن حمنة؛ ثم إن كان المراد بالإيمان الإيمان الحقيقي فايجابه لما ذكر واضح والتوبيخ خاص بالمتصفين به ، وإن كان مطلق الإيمان الشامل لما يظهره المنافقون أيضاً فإيجابه له من حيث أنهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدعاهم فالتوبيخ حينئذ متوجه إلى الكل ، والنكتة في توسيط معمول الفعل المحضض عليه بينه وبين أداة التحضيض وإن جاز ذلك مطلقاً أي سواء كان المعمول الموسط ظرفاً أو غيره تخصيص التحضيض بأول وقت السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير الاتيان بالمحضض عليه عن ذلك الآن والتردد فيه ليفيد أن عدم الاتيان به رأساً في غاية ما يكون من القباحة والشناعة أي كان الواجب على المؤمنين والمؤمنات أن يظنوا أول ما سمعوا ذلك الإفك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بأهل ملتهم من آحاد المؤمنين والمؤمنات خيراً { وَقَالُواْ } في ذلك الآن { هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ } أي ظاهر مكشوف كونه إفكاً فكيف بأم المؤمنين حليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت المهاجرين رضي الله تعالى عنهما .
ويجوز أن يكون المعنى هلا ظن المؤمنين والمؤمنات أول ما سمعوا ذلك خيراً بأهل ملتهم عائشة . وصفوان وقالوا الخ .

(13/369)


لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)

{ لَوْلاَ * جَاءو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } إما من تمام القول المحضض عليه مسوق لتوبيخ السامعين على ترك الزام الخائضين أي هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ثبوت ما قالوا : { فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء } الأربعة ، وكان الظاهر فإذا لم يأتوا بهم إلا أنه عدل إلى ما في النظم الجليل لزيادة التقرير { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى الخائضين ، وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد أي فأولئك المفسدون { عَندَ الله } أي في حكمه وشريعته { هُمُ الكاذبون } أي المحكوم عليهم بالكذاب شرعاً أي بأن خبرهم لم يطابق في الشرع الواقع ، وقيل : المعنى فأولئك في علم الله تعالى هم الكاذبون الذين لم يطابق خبرهم الواقع في نفس الأمر لأن الآية في خصوص عائشة رضي الله تعالى عنها وخبر أهل الأفك فيها غير مطابق للواقع في نفس الأمر في علمه عز وجل .
وتعقب بأن خصوص السبب لا ينافي عمون الحكم مع أن ظاهر التقييد بالظرف يأبى ذلك . وجعله من قبيل قوله تعالى : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } [ الأنفال : 66 ] خلاف الظاهر ، وأياً ما كان فالحصر للمبالغة ، وإما كلام مبتدأ مسوق من جهته سبحانه وتعالى تقريراً لكون ذلك إفكاً .

(13/370)


وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)

{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله } أي تفضله سبحانه : { عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } إياكم { فِى الدنيا } بفنون النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة { *وَ } في { يَخَافُونَ الاخرة } بضروب الآلاء التي من جملتها العفو والمغفرة بعد التوبة ، وفي الكلام نشر على ترتيب اللف ، وجوز أن يتعلق { فِى الدنيا والاخرة } بكل من فضل الله تعالى ورحمته ، والمعنى لولا الفضل العام والرحمة العامة في كلا الدارين { لَمَسَّكُمْ } عاجلاً { فِى مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ } أي بسبب ما خضتم فيه من حديث الافك .
والإبهام لتهويل أمره واستهجان ذكره أفاض في الحديث وخاض وهضب واندفع بمعنى ، والإفاضة في ذلك مستعارة من إفاضة الماء في الإناء ، و { لَوْلاَ } امتناعية وجوابها { لَمَسَّكُمْ } { عَذَابِ } يستحقر دونه التوبيخ والجلد ، والخطاب لغير ابن أبي من الخائضين ، وجوز أن يكون لهم جميعاً .
وتعقب بأن ابن أبي رأس المنافقين لاحظ له من رحمة الله تعالى في الآخرة لأنه مخلد في الدرك الأسفل من النار .

(13/371)


إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)

{ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } بحذف إحدى التاءين و { إِذْ } ظرف للمس ، وجوز أن يكون ظرفاً لافضتم وليس بذاك ، والضمير المنصوب لما أي لمسكم ذلك العذاب العظيم وقت تلقيكم ما أفضتم فيه من الأفك وأخذ بعضكم إياه من بعض بالسؤال عنه ، والتلقي والتلقف والتلقن متقاربة المعاني إلا أن في التلقي معنى الاستقبال وفي التلقف معنى الخطف والأخذ بسرعة وفي التلقن معنى الحذق والمهارة . وقرأ أبي رضي الله تعالى عنه { *تتلقونه } على الأصل ، وشد التاء البزي ، وأدغم الذال في التاء النحويان . وحمزة .
وقرأابن السميقع { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ } بضم التاء والقاف وسكون اللام مضارع ألقى ، وعنه { تَلَقَّوْنَهُ } بفتح التاء والقاف وسكون اللام مضارع لقى ، وقرأت عائشة . وابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وعيسى . وابن يعمر . وزيد بن علي بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف من ولق الكلام كذبه حكاه السرقسطي ، وفيه رد على من زعم أن ولقى إذا كان بمعنى كذب لا يكون متعدياً وهو ظاهر كلام ابن سيده وارتضاء أبو حيان ولذا جعل ذلك من باب الحذف والايصال والأصل تلقون فيه ، وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقرأ ذلك وتقول : الوالق الكذب ، وقال ابن أبي مليكة : وكانت اعلم بذلك من غيرها لأنه نزل فيها .
وقال ابن الأنباري : من ولق الحديث انشأه واخترعه ، وقيل : من ولق الكلام دبره ، وحكى الطبري . وغيره أن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد في أثر عدد وكلام في أثر كلام ويقال : ناقة ولقى سريعة ، ومنه الأولق للمجنون لأن العقل باب من السكون والتماسك والجنون باب من السرعة والتهافت .
وعن ابن جنى أنه إذا فسر ما في الآية بما ذكر يكون ذلك من باب الحذف والإيصال والأصل تسرعون فيه أو إليه ، وقرأ زيد بن أسلم . وأبو جعفر { *تألقونه } بفتح التاء وهمزة ساكنة بعدها لام ساكنة من الألق وهو الكذب . وقرأ يعقوب في رواية المازني { *تيلقونه } بتاء فوقانية مكسورة بعدها ياء ولام مفتوحة كأنه مضارع ولق بكسر اللام كما قال تيجل مضارع وجل ، وعن سفيان بن عيينة سمعت أمي تقرأ { إِذْ } من ثقفت الشيء إذا طلبته فادركته جاء مثقلاً ومخففاً أي تتصيدون الكلام في الإفك من ههنا ومن ههنا .
وقرىء { *تقفونه } من قفاه إذا تبعه أي تتبعونه .
{ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } أي تقولون قولاً مختصاً بالأفواه من غير أن يكون له مصداق ومنشأ في القلوب لأنه ليس تعبيراً عن علم به في قلوبكم فهذا كقوله تعالى : { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } [ آل عمران : 167 ] } .
وقال ابن المنير : يجوز أن يكون قوله سبحانه : { تَقُولُونَ * بأفواهكم } توبيخاً كقولك : أتقول ذلك بملء فيك فإن القائل ربما رمز وعرض وربما تشدق جازماً كالعالم ، وقد قيل هذا في قوله سبحانه :

(13/372)


{ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } [ آل عمران : 118 ] وقال صاحب الفرائد : يمكن أن يقال فائدة ذكر { بأفواهكم } أن لا يظن أنهم قالوا ذلك بالقلب لأن القول يطلق على غير الصادر من الأفواه كما في قوله تعالى : { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] وقول الشاعر
: امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلاً رويداً قد ملأت بطني
/ فهو تأكيد لدفع المجار ، وأنت تعلم أن السياق يقتضي الأل وإليه ذهب الزمخشري ، وكان الظاهر وتقولونه بأفواهكم إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل لما لا يخفى { وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً } سهلاً لا تبعة له : { وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ } أي والحال أنه عند الله عز وجل أمر عظيم لا يقادر قدره في الوزر واستجرار العذاب ، والجملتان الفعليتان معطوفتان على جملة { تَلَقَّوْنَهُ } داخلتان معها في حيز { إِذْ } فيكون قد علق مس العذاب العظيم بتلقي الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير روية وفكر وحسبانهم ذلك مما لا يعبأ به وهو عند الله عز وجل عظيم .

(13/373)


وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)

{ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } ممن اخترعه أو المتابع له { قُلْتُمْ } تكذيباً له وتهويلاً لما ارتكبه { مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ } أي ما يمكننا وما يصدر عنا بوجه من الوجوه التكلم { بهذا } إشارة إلى القول الذي سمعوه باعتبار شخصه .
وجوز أن يكون إشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس المتصفين بالإحصان محرم شرعاً ، وجاء عن حذيفة مرفوعاً أنه يهدم عمل مائة سنة فضلاً عن تعريض الصديقة حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والكلام في توسيط الظرف على نحو ما مر { سبحانك } تعجب ممن تفوه به ، وأصله أن يذكر عند معاينة العجيب من صنائعه تعالى شأنه تنزيهاً له سبحانه من أن يصعب عليه أمثاله ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه واستعماله فيما ذكر مجاز متفرع على الكناية ، ومثله في استعماله للتعجب لا إله إلا الله ، والعوام يستعملون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام أيضاً ولم يسمع في لسان الشرع بل قد صرح بعض الفقهاء بالمنع منه .
وجوز أن يكون { سبحانك } هنا مستعملاً في حقيقته والمراد تنيه الله تعالى شأنه من أن يصم نبيه عليه الصلاة والسلام ويشينه فإن فجور الزوجة وصمة في الزوج تنفر عنه القلب وتمنع عن اتباعه النفوس ولداً صان الله تعالى أزواج الأنبياء عليهم السلام عن ذلك ، وهذا بخلاف الكفر فإن كفر الزوجة ليس وصمة في الزوج ، وقد ثبت كفر زوجتي نوح عليهما السلام كذا قيل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما يتعلق به ، وعلى هذا يكون { سبحانك } تقريراً لما قبله وتمهيداً لقوله سبحانه { هذا بهتان } أي كذب يبهت ويحير سامعه لفظاعته { عظِيمٌ } لا يقدر قدره لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها كثيراً ما يكونان باعتبار متعلقاتها ، والظاهر أن التوبيخ للسامعين الخائضين لا للسامعين مطلقاً ، فقد روي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها قال : سبحانك هذا بهتان عظيم . وعن سعيد بن المسيب أنه قال : كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئاً من ذلك قالا ما ذكر أسامة بن زيد بن حارثة . وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهما . وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : إن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له : يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث به الناس؟ فقال : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ، ومنشأ هذا الجزم على ما قاله الإمام الرازي العلم بأن زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن تكون فاجرة ، وعلل بأن ذلك ينفر عن الاتباع فيخل بحكمة البعثة كدناءة الآباء وعهر الأمهات ، وقد نص العلامة الثاني على أن من شروط النبوة السلامة عن ذلك بل عن كل ما ينفر عن الاتباع .

(13/374)


واستشكل ذلك بأنه إذا كان ما ذكر شرطاً فكيف علمه من سمعت حتى قالوا ما قالوا وخفي الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال كما في «صحيح البخاري» وغيره : " يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاسغفري الله تعالى وتوبى إليه " .
وجاء في بعض الروايات " يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله تعالى لك " وكذا خفي على صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه رأسها فقالت : ألا عذرتني فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم؟
وأجيب بأن ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوة كالأمانة والصدق بل هو من الشروط الشرعية والعادية كما قال اللقاني فيجوز أن يقال : إنه لم يكن معلوماً قبل وإنما علم بعد نزول آيات براءة عائشة رضي الله تعالى عنها ، وعدم العلم بمثل ذلك لا يقدح في منصب النبوة ، وأما دعوى علم من ذكر به فلا دليل عليها ، وقولهم ذلك يجوز أن يكون ناشئاً عن حسن الظن لا عن علم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة ، ويشهد لهذا نظراً إلى بعض القائلين والظاهر تساويهم ما أخرجه ابن إسحق . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه . وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله تعالى عنها؟ قال : بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة يا أم أيوب؟ قالت : لا والله فقال : فعائشة رضي الله تعالى عنها والله خير منك وأطيب هذا كذب وإفك باطل ، وروى قريباً منه الحاكم . وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب ، ولعله المعنى ببعض الأنصار في الخبر السابق ، ولم يقل صلى الله عليه وسلم نحو ذكل لحسن الظن لشدة غيرته عليه الصلاة والسلام والغيور لا يكاد يعود في مثل ذلك على حسن الظن ، ويمكن أن يكون قولهم ذلك ناشئاً عن العلم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة بأن يكونوا قد تفطنوا لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامة وقد يتفطن العالم لما لا يتفطن له من هو أعلم منه .

(13/375)


وجوز أن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بعدم جواز فجور نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما فيه من النفرة المخلة بحكمة البعثة لكن أراد عليه الصلاة والسلام أن يظهر أمر براءة الصديقة رضي الله تعالى عنها ظهور الشمس في رابعة النهار بحيث لا يبقى فيها خفاء عند أحد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ، وما عراه من الهم إنما هو أمر طبيعي حصل بسبب خوض المنافقين ومن تبعهم وشيوع ما لا أصل له من الباطل بين الناس ، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأن السلامة من المنفر من شروط النبوة لكن خشي من الله عز وجل الذي لا يجب عليه شيء أن لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعهم فيه من المنفر بأن لا يرتب سبحانه خلق النفرة في القلوب عليه ليمنع من الاتباع فتختل حكمة البعثة فداخله عليه الصلاة والسلام من الهم ما داخله وجعل يتتبع الأمر على أتم وجه وما ذلك إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم ، ونظيره من وجه خوفه عليه الصلاة والسلام من قيام الساعة عند اشتداد الريح بحيث لا يستطيع أن ينام ما دام الأمر كذلك حتى تمطر السماء .
وقيل : يجوز أن لا يعد فجور الزوجة منفراً إلا إذا أمسكت بعدم العلم به فلم لا يجوز أن يقع فيجب طلاقها وإذا طلقت لا يتحقق المنفر المخل بالحكمة ، هذا ولا يخفى عليك ما في بعض الاحتمالات من البحث بل بعضها في غاية البعد عن ساحة القبول ، ولعل الحق أنه عليه الصلاة والسلام قد أخفى عليه أمر الشرطية إلى أن اتضح أمر البراءة ونزلت الآيات فيها لحكمة الابتلاء وغيره مما الله تعالى أعلم به . وأن قول أولئك الأصحاب رضي الله تعالى عنهم : سبحانك هذا بهتان عظيم لم يكن ناشئاً إلا عن حسن الظن ، ولم يتمسك به صلى الله عليه وسلم لأنه لا يحسم القال والقيل ولايرد به شيء من الأباطيل ، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن ، ونسب للشيعة قذف عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله تعالى منه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار وليس في كتبهم المعول عليها عندهم عين منه ولا أثر أصلاً ، وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وليس له أيضاً في كتبهم عين ولا أثر .
والظاهر أنه ليس في الفرق الإسلامية من يختلج في قلبه ذلك فضلاً عن الإفلاك الذي برأها الله عز وجل منه .

(13/376)


يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)

{ يَعِظُكُمُ الله } أي ينصحكم { أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً } أي كراهة أن تعودوا أو لئلا تعودوا أو يعظكم في العود أي في شأنه وما فيه من الإثم والمضار كما يقال وعظته في الخمر وما فيها من المعار أو يزجركم عن العود على تضمين الوعظ معنى الزجر ، ويقال عاده وعاد إلليه وعاد له وعاد فيه بمعنى ، والمراد بأبداً مدة الحياة .
{ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } من باب إن كنت أباً لك فلم لا تحسن إلى يتضمن تذكيرهم بالايمان الذي هو العلة في الترك والتهيج لإبرازه في معرض الشك وفيه طرف من التوبيخ .

(13/377)


وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)

{ وَيُبَيّنُ الله لَكُمُ الايات } أي ينزلها مبينة ظاهرة الدلالة على معانيها ، والمراد بها الآيات الدالة على الشرائع ومحاسن آداب معاملة المسلمين ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن البيان .
{ والله عَلِيمٌ } بأحوال جميع مخلوقاته جلها ودقها { حَكِيمٌ } في جميع أفعاله فإني يمكن صدق ما قيل في حق حرم من اصطفاه لرسالته وبعثه إلى كافة الخلق ليرشدهم إلى الحق ويزكيهم ويطهرهم تطهيراً ، وإظهار الاسم الجليل ههنا لتأكيد استقلال الاعتراض التذييلي والإشعار بعلية الألوهية للعلم والحكمة .

(13/378)


إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)

{ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ } أي يريدون ويقصدون { أَن تَشِيعَ } أن تنتشر { الفاحشة } أي الخصلة المفرطة في القبح وهي الفرية والرمي بالزنا أو نفس الزنا كما روى عن قتادة ، والمراد بشيوعها شيوع خبرها { فِى الذين * ءامَنُواْ } متعلق بتشيع أي تشيع فيما بين الناس .
وذكر المؤمنين لأنهم العمدة فيهم أو بمضمر هو حال من الفاحشة أي كائنة في حق المؤمنين وفي شأنهم والمراد بهم المحصنون والمحصنات كما روى عن ابن عباس { لَهُمْ } بسبب ذلك { عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدنيا } مما يصيبه من البلاء كالشلل والعمى { *وَ } في { يَخَافُونَ الاخرة } من عذاب النار ونحوه ، وترتب ذلك على المحبة ظاهر على ما نقل عن الكرماني من أن أعمال القلب السيئة كالحقد والحسد ومحبة شيوع الفاحشة يؤاخذ العبد إذا وطن نفسه عليها ، ويعلم من الآية على أتم وجه سوء حال من نزلت الآية فيهم كابن أبي ومن وافقه قلباً وقالباً وأن لهم الحظ الأوفر من العذابين حيث أحبوا الشيوع وأشاعوا .
وقال بعضهم : المراد من محبة الشيوع الإشاعة بقرينة ترتب العذاب عليها فإنه لا يترتب إلا على الإشاعة دون المحبة التي لا اختيار فيها ، وإن سلم أن المراد بها محبة تدخل تحت الاختيار وهي مما يترتب عليها العذاب قلنا : إن ذلك هو العذاب الأخروي دون العذاب الدنيوي مثل الحد ، وقد فسر ابن عباس . وابن جبير العذاب الأليم في الدنيا هنا بالحد وهو لا يترتب على المحبة مطلقاً بالاتفاق ، ومن هنا قيل أيضاً : إن ذكر المحبة من قبيل الاكتفاء عن ذكر الشيء وهو الإشاعة بذكر مقتضيه تنبيهاً على قوة المقتضى ، وقيل : إن الكلام على التضمين أي يشيعون الفاحشة مبين شيوعها لأن كلا معنى المحبة والإشاعة مقصودان .
واستشكل تفسير العذاب الأليم في الدنيا بالحد بأنه لا يضم إليه العذاب الأليم في الآخرة لأن الحدود مكفرة . وأجيب بأن حكم الآية مخصوص بمن أشاع ذلك في حق أم المؤمنين ، وقيل : الحد لمن نقل الإفك من المسلمين والعذاب الأخروي لأبي عذرته ابن أبي والموصول عام لهما ، على أن في كون لحدود مطلقاً مكفرة خلافاً فبعضهم قال به فيما عدا الردة وبعضهم أنكره وبعضهم توقف فيه لحديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : « لا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا » ولعل الأنسب بمساق النظم الكريم من تقبيح الخائضين في الإفك المشيعين له هو ما ذكرناه أولاً ، والمراد بالموصول إمامهم على أن يكون للعهد الخارجي كما روى عن مجاهد . وابن زيد؛ والتعبير بالمضارع في الصلة للإشارة إلى زيادة تقبيحهم بأنه قد صارت محبتهم لشيوع الفاحشة عادة مستمرة ، وأما ما يعمهم وغيرهم من كل من يتصف بمضمون الصلة على إرادة الجنس ويدخل أولئك المشيعون دخولاً أولياً كما قيل : { والله يَعْلَمُ } جميع الأمور التي من جملتها ما في الضمائر من المحبة المذكورة وكذا وجه الحكمة في تغليظ الوعيد { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ما يعلمه سبحانه وتعالى .
والجملة اعتراض تذييلي جيء به تقريراً لثبوت العذاب له وتعليلاً له ، قيل : المعنى والله يعلم ما في ضمائرهم فيعاقبهم عليه في الآخرة وأنتم لا تعلمون ذلك بل تعلمون ما يظهر لكم من أقوالهم فعاقبوا عليه في الدنيا .

(13/379)