صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير ابن كثير ]
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء
عدد الأجزاء : 4

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { الله نور السموات والأرض } يقول هادي أهل السموات والأرض قال ابن جريج : قال مجاهد وابن عباس في قوله { الله نور السموات والأرض } يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما وقال ابن جرير : حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي حدثنا وهب بن راشد عن فرقد عن أنس بن مالك قال : إن الله يقول نوري هداي واختار هذا القول ابن جرير وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى : { الله نور السموات والأرض مثل نوره } قال هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال { الله نور السموات والأرض } فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال : مثل نور من آمن به قال : فكان أبي بن كعب يقرؤها مثل نور من آمن به فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره وهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد عن ابن عباس أنه قرأها كذلك مثل نور من آمن بالله وقرأ بعضهم { الله نور السموات والأرض } وعن الضحاك { الله نور السماوات والأرض }
وقال السدي في قوله { الله نور السموات والأرض } فبنوره أضاءت السموات والأرض وفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف [ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والاخرة أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله ] وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال : [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام من الليل يقول : اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد ومن فيهن ] الحديث وعن ابن مسعود قال : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه وقوله تعالى : { مثل نوره } في هذا الضمير قولان ( أحدهما ) أنه عائد إلى الله عز و جل أي مثل هداه في قلب المؤمن قاله ابن عباس { كمشكاة } ( والثاني ) أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام تقديره مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه كما قال تعالى : { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه } فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف فقوله { كمشكاة } قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد : هو موضع الفتيلة من القنديل هذا هو المشهور ولهذا قال بعده { فيها مصباح } وهو الزبالة التي تضيء وقال العوفي عن ابن عباس قوله { الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه و سلم : كيف يخلص نور الله من دون السماء ؟ فضرب الله مثل ( ذلك ) لنوره فقال { الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة } والمشكاة كوة في البيت قال وهو مثل ضربه الله لطاعته فسمى الله طاعته نورا ثم سماها أنواعا شتى وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : هن الكوة بلغة الحبشة وزاد بعضهم فقال : المشكاة الكوة التي لا منفذ لها وعن مجاهد المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل والقول الأول أولى وهو أن المشكاة هو موضع الفتيلة من القنديل ولهذا قال { فيها مصباح } وهو النور الذي في الذبالة قال أبي بن كعب : المصباح النور وهو القرآن والإيمان الذي في صدره وقال السدي : هو السراج { المصباح في زجاجة } أي هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية وقال أبي بن كعب وغير واحد : وهي نظير قلب المؤمن { الزجاجة كأنها كوكب دري } قرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة من الدر أي كأنها كوكب من در وقرأ آخرون دريء ودريء بكسر الدال وضمها مع الهمزة من الدرء وهو الدفع وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال والعرب تسمي مالا يعرف من الكواكب دراري قال أبي بن كعب : كوكب مضيء وقال قتادة : مضيء مبين ضخم { يوقد من شجرة مباركة } أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة { زيتونة } بدل أو عطف بيان { لا شرقية ولا غربية } أي ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار ولا في غربيها فيقلص عنها الفيء قبل الغروب بل هي في مكان وسط تقرعه الشمس من أول النهار إلى آخره فيجيء زيتها صافيا معتدلا مشرقا
وروى ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد أخبرنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله { زيتونة لا شرقية ولا غربية } قال : هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء وهو أجود لزيتها وقال يحيى بن سعيد القطان عن عمران بن حدير عن عكرمة في قوله تعالى : { زيتونة لا شرقية ولا غربية } قال : هي بصحراء وذلك أصفى لزيتها وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا عمرو بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة وسأله رجل عن قوله تعالى : { زيتونة لا شرقية ولا غربية } قال : تلك بأرض فلاة إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها فإذا غربت غربت عليها فذلك أصفى ما يكون من الزيت وقال مجاهد في قوله تعالى : { زيتونة لا شرقية ولا غربية } قال : ليست بشرقية لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولكنها شرقية وغربية تصيبها إذا طلعت وإذا غربت
وعن سعيد بن جبير في قوله { زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء } قال هو أجود الزيت قال إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس فالشمس تصيبها بالغداة والعشي فتلك لا تعد شرقية ولا غربية وقال السدي قوله { زيتونة لا شرقية ولا غربية } يقول ليست بشرقية يحوزها المشرق ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق ولكنها على رأس جبل أو في صحراء تصيبها الشمس النهار كله وقيل المراد بقوله تعالى : { لا شرقية ولا غربية } أنها في وسط الشجر ليست بادية للمشرق ولا للمغرب
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله تعالى : { زيتونة لا شرقية ولا غربية } قال هي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت قال فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها فيثبته الله فيها فهو بين أربع خلال إن قال صدق وإن حكم عدل وإن ابتلي صبر وإن أعطي شكر فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله { زيتونة لا شرقية ولا غربية } قال هي وسط الشجر لا تصيبها شرقا ولا غربا وقال عطية العوفي { لا شرقية ولا غربية } قال هي شجرة في موضع من الشجر يرى ظل ثمرها في ورقها وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار حدثنا عبد الرحمن الدشتكي حدثنا عمرو بن أبي قيس عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { لا شرقية ولا غربية } ليست شرقية ليس فيها غرب ولا غربية ليس فيها شرق ولكنها شرقية غربية وقال محمد بن كعب القرظي { لا شرقية ولا غربية } قال هي القبلية وقال زيد بن أسلم { لا شرقية ولا غربية } قال الشام وقال الحسن البصري لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية ولكنه مثل ضربه الله تعالى لنوره وقال الضحاك { يوقد من شجرة مباركة } قال رجل صالح { زيتونة لا شرقية ولا غربية } قال : لا يهودي ولا نصراني وأولى هذه الأقوال القول الأول وهو أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح باد ظاهر ضاح للشمس تفرعه من أول النهار إلى آخره ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف كما قال غير واحد ممن تقدم ولهذا قال تعالى : { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني لضوء إشراق الزيت
وقوله تعالى : { نور على نور } قال العوفي عن ابن عباس يعني بذلك إيمان العبد وعمله وقال مجاهد والسدي : يعني نور النار ونور الزيت وقال أبي بن كعب { نور على نور } فهو يتقلب في خمسة من النور : فكلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة وقال شمر بن عطية : جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال : حدثني عن قول الله تعالى : { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } قال : يكاد محمد صلى الله عليه و سلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء وقال السدي في قوله تعالى { نور على نور } قال : نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه
وقوله تعالى : { يهدي الله لنوره من يشاء } أي يرشد الله إلى هدايته من يختاره كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري حدثنا الأوزاعي حدثني ربيعة بن زيد عن عبد الله الديلمي عن عبد الله بن عمرو : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأ ضل فلذلك أقول : جف القلم على علم الله عز و جل ]
( طريق أخرى عنه ) قال البزار : حدثنا أيوب عن سويد عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن أبيه عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورا من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل ] ورواه البزار عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر بلفظه حروفه وقوله تعالى : { ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم } لما ذكر تعالى هذا مثلا لنور هداه في قلب المؤمن ختم الاية بقوله { ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم } أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية حدثنا شيبان عن ليث عن عمرو بن مرة عن أبي البحتري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس وقلب مصفح فأما القلب الأجرد : فقلب المؤمن سراجه فيه نوره وأما القلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه ] إسناده جيد ولم يخرجوه

(3/387)


لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد فقال تعالى : { في بيوت أذن الله أن ترفع } أي أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الاية الكريمة { في بيوت أذن الله أن ترفع } قال نهى الله سبحانه عن اللغو فيها وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وسفيان بن حسين وغيرهم من العلماء المفسرين
وقال قتادة : هي هذه المساجد أمر الله سبحانه وتعالى ببنائها وأخر بعمارتها ورفعها وتطهيرها وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول : مكتوب في التوراة ألا إن بيوتي في الأرض المساجد وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته وحق على المزور كرامة الزائر رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها وذلك له محل مفرد يذكر فيه وقد كتبت في ذلك جزءا على حدة و لله الحمد والمنة ونحن بعون الله تعالى نذكر هاهنا طرفا من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنها قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة ] أخرجاه في الصحيحين
وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة ] و للنسائي عن عمرو بن عنبسة مثله والأحاديث في هذا كثيرة جدا وعن عائشة رضي الله عنها قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه وقال البخاري : قال عمر : ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس وروى ابن ماجه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم ] وفي إسناده ضعف
وروى أبو داود عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ ما أمرت بتشييد المساجد ] قال ابن عباس أزخرفها كما زخرفت اليهود والنصارى وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد ] رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي وعن بريدة أن رجلا أنشد في المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له ] رواه مسلم وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : [ نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد ] رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حسن
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا رد الله عليك ] رواه الترمذي وقال حسن غريب وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعا قال : خصال لا تنبغي في المسجد : لا يتخذ طريقا ولا يشهر فيه سلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل ولا يمر فيه بلحم نيء ولا يضرب فيه حد ولا يقتص فيه أحد ولا يتخذ سوقا وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع ] ورواه ابن ماجه أيضا وفي إسنادهما ضعف أما أنه لا يتخذ طريقا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه وفي الأثر إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه وأما أنه لا يشهر فيه السلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا مر أحد بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدا كما ثبت ذلك في الصحيح وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث وأما أنه لا يضرب فيه حد أو يقتص فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع وأما أنه لا يتخذ سوقا فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه كما قال النبي صلى الله عليه و سلم لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد [ إن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها ] ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله وفي الحديث الثاني [ جنبوا مساجدكم صبيانكم ] وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدرة وكان يفتش المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدا [ ومجانينكم ] يعني لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم فيؤدي إلى اللعب فيها ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك [ وبيعكم وشراءكم ] كما تقدم [ وخصوماتكم ] يعني التحاكم والحكم فيه ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد بل يكون في موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والالفاظ التي لا تناسبه ولهذا قال بعده [ ورفع أصواتكم ]
وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن قال : حدثني يزيد بن حفصة عن السائب بن يزيد الكندي قال : كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال : اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال من أنتما ؟ أو من أين أنتما ؟ قالا من أهل الطائف قال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال النسائي : حدثنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال : أتدري أين أنت ؟ وهذا أيضا صحيح وقوله [ وإقامة حدودكم وسل سيوفكم ] تقدما وقوله [ واتخذوا على أبوابها المطاهر ] يعني المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم آبار يستقون منها فيشربون ويتطهرون ويتوضؤون وغير ذلك
وقوله [ وجمروها في الجمع ] يعني بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا عبيد الله حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم كل جمعة إسناده حسن لا بأس به والله أعلم وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا ] وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه : اللهم صل عليه اللهم ارحمه ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة وعند الدار قطني مرفوعا [ لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ] وفي السنن [ بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة ] ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى وأن يقول كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان إذا دخل المسجد يقول [ أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ] ( قال : أقط قال نعم ) قال فإذا قال ذلك قال الشيطان : حفظ مني سائر اليوم
وروى مسلم بسنده عن أبي حميد أو أبي أسيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك فضلك ] ورواه النسائي عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه و سلم وليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه و سلم وليقل : اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم ] ورواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن حسين عن أمه فاطمة بنت حسين عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم ثم قال : [ اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ] وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال [ اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك ] ورواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن وإسناده ليس بمتصل لأن فاطمة بنت حسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك كله محاذرة الطول داخل في قوله تعالى { في بيوت أذن الله أن ترفع }
وقوله { ويذكر فيها اسمه } أي اسم الله كقوله { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } وقوله { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين } وقوله { وأن المساجد لله } الاية وقوله تعالى : { ويذكر فيها اسمه } قال ابن عباس يعني فيها يتلى كتابه وقوله تعالى : { يسبح له فيها بالغدو والآصال } أي في البكرات والعشيات والاصال جمع أصيل وهو آخر النهار وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : كل تسبيح في القرآن هو الصلاة وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يعني بالغدو صلاة الغداة ويعني بالاصال صلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده وكذا قال الحسن والضحاك { يسبح له فيها بالغدو والآصال } يعني الصلاة ومن قرأ من القراء { يسبح له فيها بالغدو والآصال } بفتح الباء من { يسبح } على أنه مبني لما لم يسم فاعله وقف على قوله { والآصال } وقفا تاما وابتدأ بقوله { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } وكأنه مفسر للفاعل المحذوف كما قال الشاعر :
( ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح ... )
كأنه قال : من يبكيه ؟ قال هذا يبكيه وكأنه قيل من يسبح له فيها ؟ قال رجال وأما على قراءة من قرأ { يسبح } بكسر الباء فجعله فعلا وفاعله { رجال } فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل لأنه تمام الكلام فقوله تعالى : { رجال } فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمارا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه كما قال تعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } الاية وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ]
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين حدثني عمرو عن أبي السمح عن السائب مولى أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ خير مساجد النساء قعر بيوتهن ] وقال أحمد أيضا : حدثنا هارون أخبرني عبد الله بن وهب حدثنا داود بن قيس عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي صلى الله عليه و سلم فقالت يا رسول الله إني أحب الصلاة معك قال [ قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي ] قال : فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى لم يخرجوه هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ] رواه البخاري ومسلم ولأحمد وأبي داود [ وبيوتهن خير لهن ] وفي رواية [ وليخرجن وهن تفلات ] أي لا ريح لهن وقد ثبت في صحيح مسلم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا ] وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بين إسرائيل
وقوله تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } كقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } الاية وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } الاية يقول تعالى لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم لأن ما عندهم ينفد وما عند الله باق ولهذا قال تعالى : { لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } أي يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم قال هشيم عن شيبان قال : حدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة فقال عبد الله بن مسعود : هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } الاية وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر : فيهم نزلت { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } رواه ابن أبي حاتم وابن جرير
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن عبد الله بن بكير الصنعاني حدثنا أبو سعيد مولى بن هاشم حدثنا عبد الله بن بجير حدثنا أبو عبد ربه قال : قال أبو الدرداء رضي الله عنه : إني قمت على هذا الدرج أبايع عليه أربح كل يوم ثلثمائة دينار أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد أما إني لا أقول إن ذلك ليس بحلال ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } وقال عمرو بن دينار الأعور : كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد فتلا سالم هذه الاية { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } ثم قال هم هؤلاء وكذا قال سعيد بن أبي الحسن والضحاك : لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها وقال مطر الوراق : كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } يقول عن الصلاة المكتوبة وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس وقال السدي : عن الصلاة في جماعة وقال مقاتل بن حيان : لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها وقوله تعالى : { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار } أي يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار أي من شدة الفزع وعظمة الأهوال كقوله { وأنذرهم يوم الآزفة } الاية
وقوله { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار } وقال تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا } وقوله تعالى ههنا : { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } أي هؤلاء من الذين يتقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم وقوله { ويزيدهم من فضله } أي يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم كما قال تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } الاية وقال تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } الاية وقال { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } الاية وقال { والله يضاعف لمن يشاء } وقال ههنا { والله يرزق من يشاء بغير حساب } وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدا واحدا فكلهم لم يشربه لأنه كان صائما فتناوله ابن مسعود فشربه لأنه كان مفطرا ثم تلا قوله { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار } رواه النسائي وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عنه
وقال أيضا : حدثنا أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إذا جمع الله الأولين والاخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق : سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون وهم قليل ثم يحاسب سائر الخلائق ] وروى الطبراني من حديث بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } قال : أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا

(3/390)


هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين : ناريا ومائيا وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين : مائيا وناريا وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته ولله الحمد والمنة فأما الأول من هذين المثلين فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات وليسوا في نفس الأمر على شيء فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض من بعد كأنه بحر طام والقيعة : جمع قاع كجار وجيرة والقاع أيضا واحد القيعان كما يقال جار وجيران وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار وأما الال فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين السماء والأرض فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء قصده ليشرب منه فلما انتهى إليه { لم يجده شيئا } فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حصل شيئا فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله لم يجد له شيئا بالكلية قد قبل إما لعدم الإخلاص أو لعدم سلوك الشرع كما قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } وقال ههنا { ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب } وهكذا روي عن أبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد
وفي الصحيحين أنه يقال يوم القيامة لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد عزير ابن الله فيقال : كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون ؟ فيقولون : يا رب عطشنا فاسقنا فيقال : ألا ترون ؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فينطلقون فيتهافتون فيها وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم كما قال تعالى : { أو كظلمات في بحر لجي } قال قتادة { لجي } هو العميق { يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها } أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده ولا يدري أين يذهب بل كما يقال في المثل للجاهل أين تذهب ؟ قال معهم قيل : فإلى أين يذهبون ؟ قال لا أدري
وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما { يغشاه موج } الاية يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر وهي كقوله { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم } الاية وكقوله { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } الاية وقال أبي بن كعب في قوله تعالى : { ظلمات بعضها فوق بعض } فهو يتقلب في خمسة من الظلم فكلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضا وقوله تعالى : { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } أي من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائل بائر كافر كقوله { من يضلل الله فلا هادي له } وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين { يهدي الله لنوره من يشاء } فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورا وعن أيماننا نورا وعن شمائلنا نورا وأن يعظم لنا نورا

(3/395)


يخبر تعالى أنه يسبح له من في السموات والأرض أي من الملائكة والأناسي والجان والحيوان حتى الجماد كما قال تعالى : { تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن } الاية وقوله تعالى : { والطير صافات } أي في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه وهو يعلم ما هي فاعلة ولهذا قال تعالى : { كل قد علم صلاته وتسبيحه } أي كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز و جل ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء ولهذا قال تعالى : { والله عليم بما يفعلون } ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا معقب لحكمه { وإلى الله المصير } أي يوم القيامة فيحكم فيه بما يشاء { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا } الاية فهو الخالق المالك ألا له الحكم في الدنيا والأخرى وله الحمد في الأولى والأخرة

(3/397)


يذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة وهو الإزجاء { ثم يؤلف بينه } أي يجمعه بعد تفرقه { ثم يجعله ركاما } أي متراكما أي يركب بعضه بعضا { فترى الودق } أي المطر { يخرج من خلاله } أي من خلله وكذا قرأها ابن عباس والضحاك قال عبيد بن عمير الليثي : يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قما ثم يبعث الله الناشئة فتنشىء السحاب ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب روواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله
وقوله { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } قال بعض النحاة { من } الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض والثالثة لبيان الجنس وهذا إنما يجيء على قول من ذهب من المفسرين إلى أن قوله { من جبال فيها من برد } معناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد وأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب فإن من الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضا لكنها بدل من الأولى والله أعلم وقوله تعالى : { فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء } يحتمل أن يكون المراد بقوله { فيصيب به } أي بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد فيكون قوله { فيصيب به من يشاء } رحمة لهم { ويصرفه عن من يشاء } أي يؤخر عنهم الغيث ويحتمل أن يكون المراد بقوله { فيصيب به } أي بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من نثر ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم ويصرفه عمن يشاء رحمة بهم
وقوله { يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار } أي يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته وقوله تعالى : { يقلب الله الليل والنهار } أي يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتى يعتدلا ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول الذي كان قصيرا ويقصر الذي كان طويلا والله هو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } أي لدليلا على عظمته تعالى كما قال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } وما بعدها من الايات الكريمات

(3/397)


يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد { فمنهم من يمشي على بطنه } كالحية وما شاكلها { ومنهم من يمشي على رجلين } كالإنسان والطير { ومنهم من يمشي على أربع } كالأنعام وسائر الحيوانات ولهذا قال { يخلق الله ما يشاء } أي بقدرته لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولهذا قال { إن الله على كل شيء قدير }

(3/398)


يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والحكم والأمثال البينة المحكمة كثيرا جدا وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى ولهذا قال { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }

(3/398)


يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يقولون قولا بألسنتهم { آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك } أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون ولهذا قال تعالى : { وما أولئك بالمؤمنين } وقوله تعال : { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم } الاية أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه وهذه كقوله تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء عن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا [ من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له ]
وقوله تعالى : { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } أي وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم جاؤوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله { مذعنين } وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه و سلم ليروج باطله ثم فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق بل لأنه موافق لهواه ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره ولهذا قال تعالى : { أفي قلوبهم مرض } الاية يعني لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها أو قد عرض لها شك في الدين أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم وأيا ما كان فهو كفر محض والله عليم بكل منهم وما هو منطو عليه من هذه الصفات
وقوله تعالى : { بل أولئك هم الظالمون } أي بل هم الظالمون الفاجرون والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور تعالى الله ورسوله عن ذلك قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مبارك حدثنا الحسن قال : كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدعي إلى النبي صلى الله عليه و سلم وهو محق أذعن وعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم سيقضي له بالحق وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى الله عليه و سلم أعرض وقال : انطلق إلى فلان فأنزل الله هذه الاية فقال النبي صلى الله عليه و سلم [ من كان بينه وبين أخيه شيء فدعي إلى حكم من أحكام المسلمين فأبى أن يجيب فهو ظالم لا حق له ] وهذا حديث غريب وهو مرسل
ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله فقال { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا } أي سمعا وطاعة ولهذا وصفهم تعالى بالفلاح وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب فقال تعالى : { وأولئك هم المفلحون } وقال قتادة في هذه الاية { أن يقولوا سمعنا وأطعنا } ذكر لنا أن عبادة بن الصامت وكان عقبيا بدريا أحد نقباء الأنصار أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية : ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك ؟ قال : بلى قال : فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك وعليك أن تقيم لسانك بالعدل وأن لا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحا فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله فاتبع كتاب الله
وقال قتادة : ذكر لنا أن أبا الدرداء قال : لا إسلام إلا بطاعة الله ولا خير إلا في جماعة والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة قال : وقد ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول : عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين رواه ابن أبي حاتم والأحاديث والاثار في وجوب الطاعة لكتاب الله وسنة رسوله وللخلفاء الراشدين والأئمة إذا أمروا بطاعة الله كثير جدا أكثر من أن تحصر في هذا المكان
وقوله { ومن يطع الله ورسوله } أي فيما أمراه به وترك ما نهياه عنه ويخش الله فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل وقوله { فأولئك هم الفائزون } يعني الذين فازوا بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والاخرة

(3/398)


يقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول صلى الله عليه و سلم : لئن أمرتهم بالخروج في الغزو ليخرجن قال الله تعالى : { قل لا تقسموا } أي لا تحلفوا وقوله { طاعة معروفة } قيل معناه طاعتكم طاعة معروفة أي قد علم طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه وكلما حلفتم كذبتم كما قال تعالى : { يحلفون لكم لترضوا عنهم } الاية وقال تعالى : { اتخذوا أيمانهم جنة } الاية فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه كما قال تعالى : { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون }
وقيل المعنى في قوله { طاعة معروفة } أي ليكن أمركم طاعة معروفة أي بالمعروف من غير حلف ولا أقسام كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف فكونوا أنتم مثلهم { إن الله خبير بما تعملون } أي هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي فالحلف وإظهار الطاعة والباطن بخلافه وإن راج على المخلوق فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى لا يروج عليه شي من التدليس بل هو خبير بضمائر عباده وإن أظهروا خلافها ثم قال تعالى : { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أي اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله
وقوله تعالى : { فإن تولوا } أي تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم به { فإنما عليه ما حمل } أي إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة { وعليكم ما حملتم } أي بقبول ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه { وإن تطيعوه تهتدوا } وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم { صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض } الاية وقوله تعالى : { وما على الرسول إلا البلاغ } كقوله تعالى : { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } وقوله { فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر } قال وهب بن منبه : أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعياء أن قم في بني إسرائيل فإني سأطلق لسانك بوحي فقام فقال : يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي فإن الله يريد أن يقضي شأنا ويدبر أمرا هو منفذه إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة والاجام في الغيطان والأنهار في الصحارى والنعمة في الفقراء والملك في الرعاة ويريد أن يبعث أميا من الأميين ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق لو يمر على السراج لم يطفئه من سكينته ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه أبعثه بشيرا ونذيرا لا يقول الخنى أفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأسدده لكل أمر جميل وأهب له كل خلق كريم وأجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة منطقه والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والحق شريعته والعدل سيرته والهدى إمامه والإسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلالة وأعلم به من الجهالة وأرفع به بعد الخمالة وأعرف به بعد النكرة وأكثر به القلة وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب مختلفة وأهواء مشتتة وأستنقذ به فئاما من الناس عظيما من الهلكة وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين بما جاءت به رسلي رواه ابن أبي حاتم

(3/400)


هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة فإنه صلى الله عليه و سلم لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه
ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه و سلم واختار الله له ما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق فلم شعث ما وهى بعد موته صلى الله عليه و سلم وأطد جزيرة العرب ومهدها وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه ففتحوا طرفا منها وقتلوا خلقا من أهلها وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة رضي الله عنه ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام وثالثا صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى بلاد مصر ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها وتوفاه الله عز و جل واختار له ما عنده من الكرامة
ومن على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق فقام بالأمر بعده قياما تاما لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام وانحدر إلى القسطنطينية وأنفق أموالهما في سبيل الله كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة
ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ويبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها ] فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله فنسأل الله الإيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا
قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه : حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا ] ثم تكلم النبي صلى الله عليه و سلم بكلمة خفيت عني فسألت أبي : ماذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : قال [ كلهم من قريش ] ورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك وذكر معه أحاديث أخر وفي هذا الحديث دلالة على أنه لابد من وجود اثني عشر خليفة عادلا وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش يلون فيعدلون وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين بل يكون وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا وقد وجد منهم أربعة على الولاء وهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنه ثم كانت بعدهم فترة ثم وجد منهم من شاء الله ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله صلى الله عليه و سلم وكنيته كنيته يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا ] وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } الاية قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سرا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة فقدموها فأمرهم الله بالقتال فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح فغبروا بذلك ما شاء الله ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيه حديدة ] وأنزل الله هذه الاية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا السلاح ثم إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه و سلم فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا فغير بهم وقال بعض السلف : خلافة أبى بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الاية
وقال البراء بن عازب : نزلت هذه الاية ونحن في خوف شديد وهذه الاية الكريمة كقوله تعالى : { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } وقوله تعالى : { كما استخلف الذين من قبلهم } كما قال تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه : { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } الاية وقال تعالى : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } الايتين
وقوله { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } الاية كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعدي بن حاتم حين وفد عليه [ أتعرف الحيرة ؟ قال : لم أعرفها ولكن قد سمعت بها قال : فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز قلت : كسرى بن هرمز قال نعم كسرى بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد ] قال عدي بن حاتم : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قالها
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن أبي سلمة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الاخرة للدنيا لم يكن له في الاخرة نصيب ] وقوله تعالى : { يعبدونني لا يشركون بي شيئا } قال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس أن معاذ بن جبل حدثه قال : بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه و سلم على حمار ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل قال [ يا معاذ قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك قال : ثم سار ساعة ثم قال : يا معاذ بن جبل قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال : يا معاذ بن جبل قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك قال : هل تدري ما حق الله على العباد ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا قال : ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ بن جبل قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك قال : فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قال : قلت الله ورسوله أعلم قال : فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم ] أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة
وقوله تعالى : { ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } أي فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد خرج عن أمر ربه وكفى بذلك ذنبا عظيما فالصحابة رضي الله عنهم لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه و سلم بأوامر الله عز و جل وأطوعهم لله كان نصرهم بحسبهم أظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب وأيدهم تأييدا عظيما وحكموا في سائر العباد والبلاد ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم ولكن قد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال [ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة ] ـ وفي رواية [ حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ] ـ وفي رواية ـ [ حتى يقاتلوا الدجال ] ـ وفي رواية ـ [ حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون ] وكل هذه الروايات صحيحة ولا تعارض بينها

(3/401)


يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بإقامة الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله صلى الله عليه و سلم أي سالكين وراءه فيما به أمرهم وتاركين ما عنه زجرهم لعل الله يرحمهم بذلك ولا شك أن من فعل هذا أن الله سيرحمه كما قال تعالى في الاية الأخرى : { أولئك سيرحمهم الله } وقوله تعالى : { لا تحسبن } أي لا تظن يا محمد أن { الذين كفروا } أي خالفوك وكذبوك { معجزين في الأرض } أي لا يعجزون الله بل الله قادر عليهم وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب ولهذا قال تعالى : { ومأواهم } أي في الدار الاخرة { النار ولبئس المصير } أي بئس المآل مآل الكافرين وبئس القرار وبئس المهاد

(3/403)


هذه الايات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال ( الأول ) من قبل صلاة الغداة لأن الناس إذ ذاك يكونون نياما في فرشهم { وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة } اي في وقت القيلولة لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله { ومن بعد صلاة العشاء } لأنه وقت النوم فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال ولهذا قال { ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } أي إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم من ذلك إياهم ولا عليهم إن رأوا شيئا في غير تلك الأحوال لأنه قد أذن لهم في الهجوم ولأنهم طوافون عليكم اي في الخدمة وغير ذلك ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم ولهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في الهرة [ إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم أو والطوافات ] ولما كانت هذه الاية محكمة ولم تنسخ بشيء وكان عمل الناس بها قليلا جدا أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس
كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } إلى آخر الاية والاية التي في سورة النساء { وإذا حضر القسمة أولو القربى } الاية والاية في الحجرات { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وروى أيضا من حديث إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات فلم يعملوا بهن { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } إلى آخر الاية
وروى أبو داود : حدثنا ابن الصباح وابن سفيان وابن عبدة وهذا حديثه : أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول : لم يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لامر جاريتي هذه تستأذن علي قال أبو داود : وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس يأمر به وقال الثوري عن موسى بن أبي عائشة : سألت الشعبي { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } ؟ قال : لم تنسخ قلت : فإن الناس لا يعملون بها فقال : الله المستعان
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا ابن وهب أخبرنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن فقال ابن عباس : إن الله ستير يحب الستر كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله ثم جاء الله بعد بالستور فبسط الله عليهم الرزق فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ورواه أبو داود عن القعنبي عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به
وقال السدي : كان أناس من الصحابة رضي الله عنهم يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن وقال مقاتل بن حيان : بلغنا ـ والله أعلم ـ أن رجلا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرثد صنعا للنبي صلى الله عليه و سلم طعاما فجعل الناس يدخلون بغير إذن فقالت أسماء : يا رسول الله ما أقبح هذا إنه ليدخل على المرأة وزوجها ـ وهما في ثوب واحد ـ غلامهما بغير إذن فأنزل الله في ذلك { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } إلى آخرها ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ قوله { كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم } ثم قال تعالى : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } يعني إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث إذا بلغوا الحلم وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته وإن لم يكن في الأحوال الثلاث
قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير : إذا كان الغلام رباعيا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال وهكذا قال سعيد بن جبير وقال في قوله { كما استأذن الذين من قبلهم } يعني كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه وقوله { والقواعد من النساء } قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والضحاك وقتادة : هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد { اللاتي لا يرجون نكاحا } أي لم يبق لهن تشوف إلى التزوج { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة } أي ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء
قال أبو داود : حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثني علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } الاية فنسخ واستثنى من ذلك القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا الاية قال ابن مسعود في قوله { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } قال : الجلباب أو الرداء وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم وقال أبو صالح : تضع الجلباب وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار
وقال سعيد بن جبير وغيره في قراءة عبد الله بن مسعود { أن يضعن ثيابهن } وهو الجلباب من فوق الخمار فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد ان يكون عليها خمار صفيق وقال سعيد بن جبير في الاية { غير متبرجات بزينة } يقول : لا يتبرجن بوضع الجلباب ليرى ما عليهن من الزينة وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا هشام بن عبد الله حدثنا ابن المبارك حدثني سوار بن ميمون حدثنا طلحة بن عاصم عن أم الضياء أنها قالت : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت : يا أم المؤمنين ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق ؟ فقالت : يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة أحل الله لكن الزينة غير متبرجات أي لا يحل لكن ان يروا منكن محرما
وقال السدي : كان شريك لي يقال له مسلم وكان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان فجاء يوما إلى السوق وأثر الحناء في يده فسألته عن ذلك فأخبرني أنه خضب رأس مولاته وهي امرأة حذيفة فأنكرت ذلك فقال : إن شئت ادخلتك عليها ؟ فقلت : نعم فأدخلني عليها فإذا هي امرأة جليلة فقلت لها : إن مسلما حدثني أنه خضب لك رأسك ؟ فقالت : نعم يا بني إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا وقد قال الله تعالى في ذلك ما سمعت وقوله { وأن يستعففن خير لهن } أي وترك وضعهن لثيابهن وإن كان جائزا خير وأفضل لهن { والله سميع عليم }

(3/404)


اختلف المفسرون رحمهم الله في المعنى الذي لأجله رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض ههنا فقال عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنها : نزلت في الجهاد وجعلوا هذه الاية ههنا كالتي في سورة الفتح وتلك في الجهاد لا محالة أي إنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم وكما قال تعالى في سورة براءة { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون } وقيل : المراد ههنا أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات فربما سبقه غيره إلى ذلك ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فيفتات عليه جليسه والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم فأنزل الله هذه الاية رخصة في ذلك وهذا قول سعيد بن جبير ومقسم
وقال الضحاك : كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرا وتعززا ولئلا يتفضلوا عليهم فأنزل الله هذه الاية وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : { ليس على الأعمى حرج } الاية قال : كان الرجل يذهب بالأعمى أو بالأعرج أو بالمريض إلى بيت أبيه أو أخيه أو بيت أخته أو بيت عمته أو بيت خالته فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون : إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم فنزلت هذه الاية رخصة لهم وقال السدي : كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فلا يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم فقال الله تعالى { ليس على الأعمى حرج } الاية
وقوله تعالى : { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } إنما ذكر هذا وهو معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ وليستأديه به ما بعده في الحكم وتضمن هذا بيوت الأبناء لأنه لم ينص عليهم ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه وقد جاء في المسند والسنن من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال [ أنت ومالك لأبيك ] وقوله { أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه } هذا ظاهر وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنهما وأما قوله { أو ما ملكتم مفاتحه } فقال سعيد بن جبير والسدي : هو خادم الرجل من عبد وقهرمان فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف وقال الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان المسلمون يذهبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه فكانوا يقولون : إنه لا يحل لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم وإنما نحن أمناء فأنزل الله { أو ما ملكتم مفاتحه }
وقوله { أو صديقكم } أي بيوت أصدقائكم وأصحابكم فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ذلك وقال قتادة : إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه وقوله { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الاية : وذلك لما أنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } قال المسلمون : إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل من الأموال فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فكف الناس عن ذلك فأنزل الله { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم } وكانوا أيضا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره فرخص الله لهم في ذلك فقال { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } وقال قتادة : كان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه فأنزل الله { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة وإن كان الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل
كما رواه الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا [ قال للنبي صلى الله عليه و سلم : إنا نأكل ولا نشبع قال : لعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه ] ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم به وقد روى ابن ماجه أيضا من حديث عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن أبيه عن عمرو [ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة ]
وقوله { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري : يعني فليسلم بعضكم على بعض وقال ابن جريج : أخبرني أبو الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول : إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة قال : ما رأيته إلا يوجبه قال ابن جريج : وأخبرني زياد عن ابن طاوس أنه كان يقول : إذا دخل أحدكم بيته فليسلم قال ابن جريج : قلت لعطاء : أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم ؟ قال : لا ولا آثر وجوبه عن أحد ولكن هو أحب إلي وما أدعه إلا ناسيا
وقال مجاهد : إذا دخلت المسجد فقل : السلام على رسول الله وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وروى الثوري عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل : بسم الله والحمد لله السلام علينا من ربنا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقال قتادة : إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنه كان يؤمر بذلك وحدثنا أن الملائكة ترد عليه
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عويد بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن أنس قال : [ أوصاني النبي صلى الله عليه و سلم بخمس خصال قال : يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك وإذا دخلت ـ يعني بيتك ـ فسلم على أهلك يكثر خير بيتك وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك يا أنس ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة ] وقوله { تحية من عند الله مباركة طيبة } قال محمد بن إسحاق : حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول : ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله سمعت الله يقول { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة } فالتشهد في الصلاة التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ثم يدعو لنفسه ويسلم وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث ابن إسحاق والذي في صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يخالف هذا والله أعلم وقوله { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون } لما ذكر تعالى ما في هذه السور الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع المتقنة المبرمة نبه تعالى عباده على أنه يبين لعباده الايات بيانا شافيا ليتدبروها ويتعقلوها لعلهم يعقلون

(3/406)


نما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استاذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم وهذا أيضا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك أمرهم الله تعالى أن لا يتفرقوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته وإن من يفعل ذلك فإنه من المؤمنين الكاملين ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء ولهذا قال { فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله } الاية وقد قال أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا : حدثنا بشر هو ابن المفضل عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الاخرة ] وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به وقال الترمذي : حديث حسن

(3/409)


قال الضحاك عن ابن عباس : كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله عز و جل عن ذلك إعظاما لنبيه صلى الله عليه و سلم قال : فقولوا يا نبي الله يا رسول الله وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقال قتادة : أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه و سلم وأن يبجل وأن يعظم وأن يسود وقال مقاتل في قوله { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } يقول : لا تسموه إذا دعوتموه يا محمد ولا تقولوا يا ابن عبد الله ولكن شرفوه فقولوا : يا نبي الله يا رسول الله
وقال مالك عن زيد بن أسلم في قوله { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } قال : أمرهم الله أن يشرفوه هذا قول وهو الظاهر من السياق كقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } إلى آخر الاية وقوله { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم } الاية فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي صلى الله عليه و سلم والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته والقول الثاني في ذلك أن المعنى في { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره فإن دعاءه مستجاب فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي والله أعلم
وقوله { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } قال مقاتل بن حيان : هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة ويعني بالحديث الخطبة فيلوذون ببعض أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم حتى يخرجوا من المسجد وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي صلى الله عليه و سلم في يوم الجمعة بعد ما يأخذ في الخطبة وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي صلى الله عليه و سلم يخطب بطلت جمعته وقال السدي : كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض حتى يتغيبوا عنه فلا يراهم وقال قتادة في قوله { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } يعني لواذا عن نبي الله وعن كتابه وقال سفيان { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } قال : من الصف وقال مجاهد في الاية { لواذا } خلافا
وقوله { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } أي عن أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله فما وافق ذلك قبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ] أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا { أن تصيبهم فتنة } أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة { أو يصيبهم عذاب أليم } أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك كما روى الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه ويقتحمن فيها ـ قال ـ فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها ] أخرجاه من حديث عبد الرزاق

(3/409)


يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه عالم الغيب والشهادة وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم فقال { قد يعلم ما أنتم عليه } وقد للتحقيق كما قال قبلها { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } وقال تعالى : { قد يعلم الله المعوقين منكم } الاية وقال تعالى : { قد سمع الله قول التي تجادلك } الاية وقال { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } وقال { قد نرى تقلب وجهك في السماء } الاية فكل هذه الايات فيها تحقيق الفعل بقد كقول المؤذن تحقيقا وثبوتا : قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فقوله تعالى : { قد يعلم ما أنتم عليه } أي هو عالم به مشاهد له لا يعزب عنه مثقال ذرة كما قال تعالى : { وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم } وقوله { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } وقال تعالى : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } أي هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر وقال تعالى : { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون } وقال تعالى : { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به } الاية وقال تعالى : { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } وقال { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } والايات والأحاديث في هذا كثيرة جدا
وقوله { ويوم يرجعون إليه } أي ويوم ترجع الخلائق إلى الله وهو يوم القيامة { فينبئهم بما عملوا } أي يخبرهم بما فعلوا في الدنيا من جليل وحقير وصغير وكبير كما قال تعالى : { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } وقال { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } ولهذا قال ههنا { ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم } والحمد لله رب العالمين ونسأله التمام
آخر تفسير سورة النور و لله الحمد والمنة

(3/410)


سورة الفرقان
بسم الله الرحمن الرحيم

(3/411)


يقول تعالى حامدا لنفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم كما قال تعالى : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات } الاية وقال ههنا { تبارك } وهو تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة { الذي نزل الفرقان } نزل فعل من التكرر والتكثر كقوله { والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل } لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة والقرآن نزل منجما مفرقا مفصلا آيات بعد آيات وأحكاما بعد أحكام وسورا بعد سور وهذا أشد وأبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه كما قال في أثناء هذه السورة { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } ولهذا سماه ههنا الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد والحلال والحرام
وقوله { على عبده } هذه صفة مدح وثناء لأنه أضافه إلى عبوديته كما وصفه بها في أشرف أحواله وهي ليلة الإسراء فقال { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا } وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه فقال { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } وقوله { ليكون للعالمين نذيرا } أي إنما خصه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } الذي جعله فرقانا عظيما إنما خصه به ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء ويستقل على الغبراء كما [ قال صلى الله عليه و سلم : بعثت إلى الأحمر والأسود ] وقال : [ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي فذكر منهن أنه : كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ] كما قال تعالى : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } الاية أي الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض الذي يقول للشيء كن فيكون وهو الذي يحيي ويميت وهكذا قال ههنا { الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك } ونزه نفسه عن الولد وعن الشريك ثم أخبر أنه { خلق كل شيء فقدره تقديرا } أي كل شيء مما سواه مخلوق مربوب وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه وكل شيء تحت قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره

(3/411)


يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء المالك لأزمة الأمور الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة بل هم مخلوقون لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فكيف يملكون لعابديهم ؟ { ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } أي ليس لهم من ذلك شيء بل ذلك كله مرجعه إلى الله عز و جل الذي هو يحيي ويميت وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } كقوله { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } وقوله { فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة } { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون } { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه ولا تنبغي العبادة إلا له لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو الذي لا ولد ولا والد له ولا عديل ولا نديد ولا وزير ولا نظير بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد

(3/412)


يقول تعالى مخبرا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن { إن هذا إلا إفك } أي كذب { افتراه } يعنون النبي صلى الله عليه و سلم { وأعانه عليه قوم آخرون } أي واستعان على جمعه بقوم آخرين فقال الله تعالى : { فقد جاؤوا ظلما وزورا } أي فقد افتروا هم قولا باطلا وهم يعلمون أنه باطل ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها } يعنون كتب الأوائل أي استنسخها { فهي تملى عليه } أي تقرأ عليه { بكرة وأصيلا } أي في أول النهار وآخره وهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم يعلم كل أحد بطلانه فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن يعاني شيئا من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته وبره وأمانته وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره وإلى أن بعث الأمين لما يعلمون من صدقه وبره فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا له العداوة ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها وحاروا فيما يقذفونه به فتارة من إفكهم يقولون ساحر وتارة يقولون شاعر وتارة يقولون مجنون وتارة يقولون كذاب وقال الله تعالى : { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } وقال تعالى في جواب ما عاندوا ههنا وافتروا { قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض } الاية أي أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والاخرين إخبارا حقا صدقا مطابقا للواقع في الخارج ماضيا ومستقبلا { الذي يعلم السر } أي الله الذي يعلم غيب السموات والأرض ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر
وقوله تعالى : { إنه كان غفورا رحيما } دعاء لهم إلى التوبة والإنابة وإخبار لهم بأن رحمته واسعة وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتانهم وكفرهم وعنادهم وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى كما قال تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } وقال تعالى : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } قال الحسن البصري : انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة

(3/412)


يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم وإنما تعللوا بقولهم { مال هذا الرسول يأكل الطعام } يعنون كما نأكله ويحتاج إليه كما نحتاج إليه { ويمشي في الأسواق } أي يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } يقولون : هلا أنزل إليه ملك من عند الله فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه وهذا كما قال فرعون { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين } وكذلك قال هؤلاء على السواء تشابهت قلوبهم ولهذا قالوا { أو يلقى إليه كنز } أي علم كنز ينفق منه { أو تكون له جنة يأكل منها } أي تسير معه حيث سار وهذا كله سهل يسير على الله ولكن له الحكمة في ترك ذلك وله الحجة البالغة { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } قال الله تعالى : { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا } أي جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك من قولهم ساحر مسحور مجنون كذاب شاعر وكلها أقوال باطلة كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك ولهذا قال { فضلوا } عن طريق الهدى { فلا يستطيعون سبيلا } وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى فإنه ضال حيثما توجه لأن الحق واحد ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضا
ثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه إن شاء لاتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن فقال { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك } الاية قال مجاهد : يعني في الدنيا قال : وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا كبيرا كان أو صغيرا قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة : [ قيل للنبي صلى الله عليه و سلم إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبيا قبلك ولا نعطي أحدا من بعدك ولا ينقص ذلك مما لك عند الله فقال : اجمعوها لي في الاخرة ] فأنزل الله عز و جل في ذلك { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك } الاية
وقوله { بل كذبوا بالساعة } أي إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيبا وعنادا لا أنهم يطلبون ذلك تبصرا واسترشادا بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال { وأعتدنا } أي أرصدنا { لمن كذب بالساعة سعيرا } أي عذابا أليما حارا لا يطاق في نار جهنم قال الثوري عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير { السعير } واد من قيح جهنم وقوله { إذا رأتهم } أي جهنم { من مكان بعيد } يعني في مقام المحشر قال السدي : من مسيرة مائة عام { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } أي حنقا عليهم كما قال تعالى : { إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور * تكاد تميز من الغيظ } أي يكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها على من كفر بالله
وروى ابن أبي حاتم : حدثنا إدريس بن حاتم بن الأحنف الواسطي أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي عن أصبغ بن زيد عن خالد بن كثير عن خالد بن دريك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ قال رسول الله : من يقل علي ما لم أقل أو ادعى إلى غير والديه أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار ـ وفي رواية ـ فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا قيل : يا رسول الله وهل لها من عينين ؟ قال : أما سمعتم الله يقول { إذا رأتهم من مكان بعيد } الاية ] ورواه ابن جرير عن محمد بن خداش عن محمد بن يزيد الواسطي به وقال أيضا : حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال : خرجنا مع عبد الله يعني ابن مسعود ومعنا الربيع بن خيثم فمروا على حداد فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار ونظر الربيع بن خيثم إليها فتمايل الربيع ليسقط فمر عبد الله على أتون على شاطىء الفرات فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الاية { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا } فصعق يعني الربيع وحملوه إلى أهل بيته فرابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق رضي الله عنه
وحدثنا أبي حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال : إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف هكذا رواه ابن أبي حاتم بأسناده مختصرا وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال : إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض فيقول لها الرحمن : ما لك ؟ قالت : إنه يستجير مني فيقول : أرسلوا عبدي وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول : يا رب ما كان هذا الظن بك فيقول : فما كان ظنك ؟ فيقول : أن تسعني رحمتك فيقول : أرسلوا عبدي وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف وهذا إسناد صحيح
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } قال : إن جهنم لتزفر زفرة لايبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه ترتعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول : رب لاأسألك اليوم إلا نفسي وقوله { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين } قال قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال : مثل الزج في الرمح أي من ضيقه وقال عبد الله بن وهب : أخبرني نافع بن يزيد عن يحيى بن أبي أسيد يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أنه سئل عن قول الله { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين } قال : والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ]
وقوله { مقرنين } قال أبو صالح : يعني مكتفين { دعوا هنالك ثبورا } أي بالويل والحسرة والخيبة { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا } الاية روى الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن أنس بن مالك [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده وهو ينادي ياثبوراه وينادون ياثبورهم حتى يقفوا على النار فيقول يا ثبوراه ويقولون ياثبورهم فيقال لهم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ] لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن عفان به ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به وقال العوفي عن ابن عباس في قوله { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا } الاية أي لاتدعوا اليوم ويلا واحدا وادعوا ويلا كثيرا وقال الضحاك : الثبور الهلاك والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار كما قال موسى لفرعون { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } أي هالكا وقال عبد الله بن الزبعري :
( إذ أجاري الشيطان في سنن الغـ ... ي ومن مال ميله مثبور )

(3/413)


يقول تعالى : يا محمد هذا الذي وصفناه لك من حال الأشقياء الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم فتلقاهم بوجه عبوس وبغيظ وزفير ويلقون في أماكنها الضيق مقرنين لا يستطيعون حراكا ولا استنصارا ولا فكاكا مما هم فيه أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده التي أعدها لهم وجعلها لهم جزاء ومصيرا على ماأطاعوه في الدنيا وجعل مآلهم إليها { لهم فيها ما يشاؤون } من الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب ومناظر وغير ذلك مما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد وهم في ذلك خالدون أبدا دائما سرمدا بلاانقطاع ولا زوال ولا انقضاء ولا يبغون عنها حولا وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم وأحسن به إليهم ولهذا قال { كان على ربك وعدا مسؤولا } أي لابد أن يقع وأن يكون كما حكاه أبو جعفر بن جرير عن بعض علماء العربية أن معنى قوله { وعدا مسؤولا } أي وعدا واجبا
وقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس { كان على ربك وعدا مسؤولا } يقول : سلوا الذي وعدتكم ـ أو قال وعدناكم ـ ننجز وعدهم وتنجزوه وقال محمد بن كعب القرظي في قوله { كان على ربك وعدا مسؤولا } إن الملائكة تسأل لهم ذلك { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم } وقال أبو حازم : إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون : ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا فذلك قوله { وعدا مسؤولا } وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار ثم التنبيه على حال أهل الجنة كما ذكر تعالى في سورة الصافات حال أهل الجنة وما فيها من النضرة والحبور ثم قال { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رؤوس الشياطين * فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم * إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون }

(3/416)


يقول تعالى مخبرا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم فقال { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله } قال مجاهد : هوعيسى والعزير والملائكة { فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } الاية أي فيقول تبارك وتعالى للمعبودين : أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم من غير دعوة منكم لهم ؟ كما قال الله تعالى : { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به } الاية ولهذا قال تعالى مخبرا عما يجيب به المعبودون يوم القيامة { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } قرأ الأكثرون بفتح النون من قوله { نتخذ من دونك من أولياء } أي ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدا سواك لا نحن ولا هم فنحن ما دعوناهم إلى ذلك بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا ونحن برآء منهم ومن عبادتهم كما قال تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك } الاية وقرأ آخرون { ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } أي ما ينبغي لأحد أن يعبدنا فإنا عبيد لك فقراء إليك وهي قريبة المعنى من الأولى { ولكن متعتهم وآباءهم } أي طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر أي نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك { وكانوا قوما بورا } قال ابن عباس : أي هلكى وقال الحسن البصري ومالك عن الزهري : أي لا خير فيهم وقال ابن الزبعري حين أسلم :
( يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور )
( إذ أجاري الشيطان في سنن الغـ ... ي ومن مال ميله مثبور )
وقال الله تعالى : { فقد كذبوكم بما تقولون } أي فقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى كقوله تعالى { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } وقوله { فما تستطيعون صرفا ولا نصرا } أي لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم { ومن يظلم منكم } أي يشرك بالله { نذقه عذابا كبيرا }

(3/416)


يقول تعالى مخبرا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين : أنهم كانوا يأكلون الطعام ويحتاجون إلى التغذي به ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم فإن الله تعالى جعل لهم من السمات الحسنة والصفات الجميلة والأقوال الفاضلة والأعمال الكاملة والخوارق الباهرة والأدلة الظاهرة ما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة مستقيمة على صدق ما جاؤوا به من الله ونظير هذه الاية الكريمة قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى } وقوله { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } الاية وقوله تعالى : { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } أي اختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي ولهذا قال { أتصبرون وكان ربك بصيرا } أي بمن يستحق أن يوحي إليه كما قال تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك
وقال محمد بن إسحاق في قوله : { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } قال : يقول الله : لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم وفي صحيح مسلم عن عياض بن عماد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ يقول الله تعالى إني مبتليك ومبتل بك ] وفي المسند عن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة ] وفي الصحيح أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا

(3/417)


يقول تعالى مخبرا عن تعنت الكفار في كفرهم وعنادهم في قولهم { لولا أنزل علينا الملائكة } أي بالرسالة كما تنزل على الأنبياء كما أخبر الله عنهم في الاية الأخرى { قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } ويحتمل أن يكون مرادهم ههنا { لولا أنزل علينا الملائكة } فنراهم عيانا فيخبرونا أن محمدا رسول الله كقولهم { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } وقد تقدم تفسيرها في سورة سبحان ولهذا قالوا : { أو نرى ربنا } ولهذا قال الله تعالى : { لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } وقد قال تعالى : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى } الاية وقوله تعالى : { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا } أي هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم بل يوم يرونهم لا بشرى يومئذ لهم وذلك يصدق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار والغضب من الجبار فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث اخرجي إلى سموم وحميم وظل من يحموم فتأبى الخروج وتتفرق في البدن فيضربونه كما قال الله تعالى : { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } الاية وقال تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم } أي بالضرب { أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } ولهذا قال في هذه الاية الكريمة { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين } وهذا بخلاف حال المؤمنين حال احتضارهم فإنهم يبشرون بالخيرات وحصول المسرات قال الله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم } وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب : أن الملائكة تقول لروح المؤمن : اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب إن كنت تعمرينه اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم عند قوله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء }
وقال آخرون : بل المراد بقوله { يوم يرون الملائكة لا بشرى } يعني يوم القيامة قاله مجاهد والضحاك وغيرهما ولا منافاة بين هذا وما تقدم فإن الملائكة في هذين اليومين : يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران فلا بشرى يومئذ للمجرمين { ويقولون حجرا محجورا } أي وتقول الملائكة للكافرين : حرام محرم عليكم الفلاح اليوم وأصل الحجر المنع ومنه يقال حجر القاضي على فلان إذا منعه التصرف إما لفلس أو سفه أو صغر أو نحو ذلك ومنه سمي الحجر عند البيت الحرام لأنه يمنع الطواف أن يطوفوا فيه وإنما يطاف من ورائه ومنه يقال للعقل حجر لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق والغرض أن الضمير في قوله { ويقولون } عائد على الملائكة هذا قول مجاهد وعكرمة والحسن والضحاك وقتادة وعطية العوفي وعطاء الخراساني وخصيف وغير واحد واختاره ابن جرير
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا موسى يعني ابن قيس عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري في الاية { ويقولون حجرا محجورا } قال : حراما محرما أن يبشر بما يبشر به المتقون وقد حكى ابن جرير عن ابن جريج أنه قال ذلك من كلام المشركين { يوم يرون الملائكة } أي يتعوذون من الملائكة وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة يقول { حجرا محجورا } وهذا القول وإن كان له مأخذ ووجه ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد لا سيما وقد نص الجمهور على خلافه ولكن قد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال في قوله { حجرا محجورا } أي عوذا معاذا فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج ولكن في رواية ابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال { حجرا محجورا } عوذا معاذا الملائكة تقول ذلك فا لله أعلم
وقوله تعالى { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل } الاية هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة لشرع الله فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ ولهذا قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } قال مجاهد والثوري { وقدمنا } أي عمدنا وكذا قال السدي وبعضهم يقول : أتينا عليه
وقوله تعالى : { فجعلناه هباء منثورا } قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه في قوله { هباء منثورا } قال : شعاع الشمس إذا دخل الكوة وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي وروي مثله عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والضحاك وغيرهم وكذا قال الحسن البصري : هو الشعاع في كوة أحدهم ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { هباء منثورا } قال : هو الماء المهراق وقال أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي { هباء منثورا } قال : الهباء رهج الدواب وروي مثله عن ابن عباس أيضا و الضحاك وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
وقال قتادة في قوله { هباء منثورا } قال : أما رأيت يبس الشجر إذا ذرته الريح ؟ فهو ذلك الورق وقال عبد الله بن وهب : أخبرني عاصم بن حكيم عن أبي سريع الطائي عن عبيد بن يعلى قال : وإن الهباء الرماد إذا ذرته الريح وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الاية وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شيء فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا إذا إنها لا شيء بالكلية وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية كما قال تعالى { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح } الاية وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا } وقال تعالى : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا } وتقدم الكلام على تفسير ذلك ولله الحمد والمنة
وقوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } أي يوم القيامة { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } وذلك أن أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات والغرفات الامنات فهم في مقام أمين حسن المنظر طيب المقام { خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما } وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات والحسرات المتتابعات وأنواع العذاب والعقوبات { إنها ساءت مستقرا ومقاما } أي بئس المنزل منظرا وبئس المقيل مقاما ولهذا قال تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } أي بما عملوه من الأعمال المتقبلة نالوا ما نالوا وصاروا إلى ما صاروا إليه بخلاف أهل النار فإنهم ليس لهم عمل واحد يقتضي دخول الجنة لهم والنجاة من النار فنبه تعالى بحال السعداء على حال الأشقياء وأنه لا خير عندهم بالكلية فقال تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } قال الضحاك عن ابن عباس : إنما هي ضحوة فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين
وقال سعيد بن جبير : يفرغ الله من الحساب نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قال الله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } وقال عكرمة : إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وهي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة فينصرف أهل النار إلى النار وأما أهل الجنة فينطلق بهم إلى الجنة فكانت قيلولتهم في الجنة وأطعموا كبد حوت فأشبعهم كلهم وذلك قوله { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } وقال سفيان عن ميسرة عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } وقرأ { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم }
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } قال : قالوا في الغرف من الجنة وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير وهو مثل قوله تعالى : { فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا * وينقلب إلى أهله مسرورا } وقال قتادة { خير مستقرا وأحسن مقيلا } مأوى ومنزلا وقال قتادة : وحدث صفوان بن محرز أنه قال : يجاء برجلين يوم القيامة أحدهما كان ملكا في الدنيا إلى الحمرة والبياض فيحاسب فإذا عبد لم يعمل خيرا قط فيؤمر به إلى النار والاخر كان صاحب كساء في الدنيا فيحاسب فيقول : يا رب ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به فيقول الله : صدق عبدي فأرسلوه فيؤمر به إلى الجنة ثم يتركان ما شاء الله ثم يدعى صاحب النار فإذا هو مثل الحممة السوداء فيقال له : كيف وجدت ؟ فيقول : شر مقيل فيقال له : عد ثم يدعى بصاحب الجنة فإذا هو مثل القمر ليلة البدر فيقال له : كيف وجدت ؟ فيقول : رب خير مقيل فيقال له : عد رواها ابن أبي حاتم كلها وقال ابن جرير : حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أنبأنا عمرو بن الحارث أن سعيدا الصواف حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس وذلك قوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا }

(3/418)


يخبر تعالى عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظيمة فمنها انشقاق السماء وتفطرها وانفراجها بالغمام وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار ونزول ملائكة السموات يومئذ فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر ثم يجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء قال مجاهد : وهذا كما قال تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } الاية
قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث حدثنا مؤمل حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه قرأ هذه الاية { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } قال ابن عباس رضي الله : عنهما يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد : الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلق فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والإنس وجميع الخلق ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلق ثم كذلك كل سماء على ذلك التضعيف حتى تنشق السماء السابعة فينزل أهلها وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السموات ومن الجن والإنس ومن جميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات وبالجن والإنس وجميع الخلق كلهم وينزل ربنا عز و جل في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم أكثر من أهل السموات السبع ومن الجن والإنس وجميع الخلق لهم قرون كأكعب القنا وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله عز و جل ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام وما بين كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام وما بن ركبته إلى حجزته مسيرة خمسمائة عام وما بين حجزته إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام وما بين ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام وجهنم مجنبته وهكذا رواه ابن حاتم بهذا السياق
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثني الحجاج عن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران أنه سمع ابن عباس يقول : إن هذه السماء إذا انشقت ينزل منها من الملائكة أكثر من الإنس والجن وهو يوم التلاق يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض فيقول أهل الأرض : جاء ربنا ؟ فيقولون : لم يجىء وهو آت ثم تنشق السماء الثانية ثم سماء سماء على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة فينزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نزل من السموات ومن الجن والإنس قال : فتنزل الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة قال : وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه يقول : سبحان الملك القدوس وعلى رؤوسهم شيء مبسوط كأنه القباء والعرش فوق ذلك ثم وقف فمداره على علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف وفي سياقاته غالبا وفيها نكارة شديدة وقد ورد في حديث الصور المشهور قريب من هذا والله أعلم وقد قال الله تعالى : { فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت السماء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } قال شهر بن حوشب : حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك وأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ورواه ابن جرير عنه وقال أبو بكر بن عبد الله : إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم من فوقهم شخصت إليه أبصارهم ورجفت كلاهم في أجوافهم وطارت قلوبهم من مقرها من صدورهم إلى حناجرهم قال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا المعتمر بن سليمان عن عبد الجليل عن أبي حازم عن عبد الله بن عمرو قال : يهبط الله عز و جل حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له القلوب وهذا موقوف على عبد الله بن عمرو من كلامه ولعله من الزاملتين والله أعلم
وقوله تعالى : { الملك يومئذ الحق للرحمن } الاية كما قال تعالى : { لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار } وفي الصحيح أن الله تعالى يطوي السموات بيمينه ويأخذ الأرضين بيده الأخرى ثم يقول : أنا الملك أنا الديان أين ملوك الأرض ؟ أين الجبارون أين المتكبرون ؟ وقوله { وكان يوما على الكافرين عسيرا } أي شديدا صعبا لأنه يوم عدل وقضاء فصل كما قال تعالى : { فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير } فهذا حال الكافرين في هذا اليوم وأما المؤمنون فكما قال تعالى : { لا يحزنهم الفزع الأكبر } الاية
وروى الإمام أحمد : حدثنا حسين بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال : قيل يا رسول الله { يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ما أطول هذا اليوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ] وقوله تعالى : { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلى الله عليه و سلم وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم وعض على يديه حسرة وأسفا وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء فإنها عامة في كل ظالم كما قال تعالى : { يوم تقلب وجوههم في النار } الايتين فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم ويعض على يديه قائلا { يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } يعني من صرفه عن الهدى وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة وسواء في ذلك أمية بن خلف أو أخوه أبي بن خلف أو غيرهما { لقد أضلني عن الذكر } وهو القرآن { بعد إذ جاءني } أي بعد بلوغه إلي قال الله تعالى : { وكان الشيطان للإنسان خذولا } أي يخذله عن الحق ويصرفه عنه ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه

(3/421)


يقول تعالى مخبرا عن رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه و سلم أنه قال [ يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ] وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه كما قال تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } الاية فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه فهذا من هجرانه وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه وترك تدبره وتفهمه من هجرانه وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء أن يخلصنا مما يسخطه ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه إنه كريم وهاب
وقوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } أي كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن كذلك كان في الأمم الماضين لأن الله جعل لكل نبي عدوا من المجرمين يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم كما قال تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن } الايتين ولهذا قال تعالى ههنا : { وكفى بربك هاديا ونصيرا } أي لمن اتبع رسوله وآمن بكتابه وصدقه واتبعه فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والاخرة وإنما قال { هاديا ونصيرا } لأن المشركين كانوا يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا يهتدي أحد به ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن فلهذا قال { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } الاية

(3/423)


يقول تعالى مخبرا عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم وكلامهم فيما لا يعنيهم حيث قالوا { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } أي هلا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة كما نزلت الكتب قبله جملة واحدة كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنه إنما نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث وما يحتاج إليه من الأحكام ليثبت قلوب المؤمنين به كقوله { وقرآنا فرقناه } الاية ولهذا قال { لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا } قال قتادة : بيناه تبيينا وقال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم : وفسرناه تفسيرا { ولا يأتونك بمثل } أي بحجة وشبهة { إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } أي ولا يقولون قولا يعارضون به الحق إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس { ولا يأتونك بمثل } أي بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول { إلا جئناك بالحق } الاية أي إلا نزل جبريل من الله تعالى بجوابهم وما هذا إلا اعتناء وكبير شرف للرسول صلى الله عليه و سلم حيث كان يأتيه الوحي من الله عز و جل بالقرآن صباحا ومساء وليلا ونهارا سفرا وحضرا وكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن لا كإنزال كتاب مما قبله من الكتب المتقدمة فهذا المقام أعلى وأجل وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله ومحمد صلى الله عليه و سلم أعظم نبي أرسله الله تعالى وقد جمع الله للقرآن الصفتين معا ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجما بحسب الوقائع والحوادث وقال أبو عبد الرحمن النسائي أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا داود عن عكرمة عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة قال الله تعالى : { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } وقال تعالى : { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا }
ثم قال تعالى مخبرا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة وحشرهم إلى جهنم في أسوأ الحالات وأقبح الصفات { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا } وفي الصحيح عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ فقال [ إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ] وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من المفسرين

(3/424)


يقول تعالى متوعدا من كذب رسوله محمدا صلى الله عليه و سلم من مشركي قومه ومن خالفه ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه مما أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله فبدأ بذكر موسى وأنه بعثه وجعل معه أخاه هارون وزيرا أي نبيا مؤازرا ومؤيدا وناصرا فكذبهما فرعون وجنوده { دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها } وكذلك فعل بقوم نوح حين كذبوا رسوله نوحا عليه السلام ومن كذب برسول فقد كذب بجميع الرسل إذ لا فرق بين رسول ورسول ولو فرض أن الله تعالى بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبون ولهذا قال تعالى : { وقوم نوح لما كذبوا الرسل } ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز و جل ويحذرهم نقمه { وما آمن معه إلا قليل } ولهذا أغرقهم الله جميعا ولم يبق منهم أحدا ولم يترك من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط { وجعلناهم للناس آية } أي عبرة يعتبرون بها كما قال تعالى : { إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية * لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية } أي وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق أمره
وقوله تعالى : { وعادا وثمود وأصحاب الرس } قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة كسورة الأعراف بما أغنى عن الإعادة وأما أصحاب الرس فقال ابن جريج عن ابن عباس : هم أهل قرية من قرى ثمود وقال ابن جريج : قال عكرمة : أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس وقال قتادة : فلج من قرى اليمامة وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم حدثنا شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله { وأصحاب الرس } قال : بئر بأذربيجان وقال الثوري عن أبي بكير عن عكرمة : الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه بها
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم قال : فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله تعالى عليها فيدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت قال : فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع فنام فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الاخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع ثم إنه ذهب إلى الحفيرة موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وكان قد بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه قال : فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل فيقولون له : لا ندري حتى قبض الله النبي هب الأسود من نومته بعد ذلك ] فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة ] وهكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد عن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب مرسلا وفيه غرابة ونكارة ولعل فيه إدراجا والله أعلم وقال ابن جرير : لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس الذين ذكروا في القرآن لأن الله أخبر عنهم أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم اللهم إلا أن يكون حدث لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج فا لله أعلم
وقوله تعالى : { وقرونا بين ذلك كثيرا } أي وأمما أضعاف من ذكر أهلكناهم كثيرة ولهذا قال { وكلا ضربنا له الأمثال } أي بينا لهم الحجج ووضحنا لهم الأدلة كما قال قتادة : وأزحنا الأعذار عنهم { وكلا تبرنا تتبيرا } أي أهلكنا إهلاكا كقوله تعالى : { وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح } والقرن هو الأمة من الناس كقوله { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة وقيل بمائة وقيل بثمانين وقيل أربعين وقيل غير ذلك والأظهر أن القرن هم الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهم قرن آخر كما ثبت في الصحيحين [ خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ] الحديث { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } يعني قرية قوم لوط وهي سدوم ومعاملتها التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي من سجيل كما قال تعالى : { وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين } وقال { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون } وقال تعالى : { وإنها لبسبيل مقيم } وقال { وإنهما لبإمام مبين } ولهذا قال { أفلم يكونوا يرونها } أي فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول وبمخالفتهم أوامر الله { بل كانوا لا يرجون نشورا } يعني المارين بها من الكفار لا يعتبرون لأنهم لا يرجون نشورا أي معادا يوم القيامة

(3/424)


يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول صلى الله عليه و سلم إذا رأوه كما قال تعالى : { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا } الاية يعنونه بالعيب والنقص وقال ههنا { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا } أي على سبيل التنقيص والازدراء فقبحهم الله كما قال { ولقد استهزئ برسل من قبلك } الاية وقوله تعالى : { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا } يعنون أنه كاد يثنيهم عن عبادة الأصنام لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها قال الله تعالى متوعدا لهم ومتهددا { وسوف يعلمون حين يرون العذاب } الاية
ثم قال تعالى لنبيه منبها أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال فإنه لا يهديه أحد إلا الله عز و جل { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه كما قال تعالى : { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء } الاية ولهذا قال ههنا { أفأنت تكون عليه وكيلا } قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول ثم قال تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون } الاية أي هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة فإن تلك تعقل ما خلقت له وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم

(3/426)


من ههنا شرع سبحانه وتعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة فقال تعالى : { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ؟ } قال ابن عباس وابن عمر وأبو العالية وأبو مالك ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغيرهم : هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس { ولو شاء لجعله ساكنا } أي دائما لا يزول كما قال تعالى : { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا } الايات وقوله تعالى : { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } أي لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف فإن الضد لا يعرف إلا بضده وقال قتادة والسدي : دليلا تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله
وقوله تعالى : { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } أي الظل وقيل الشمس { يسيرا } أي سهلا قال ابن عباس : سريعا وقال مجاهد : خفيا وقال السدي : قبضا خفيا حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة وقد أظلت الشمس ما فوقه وقال أيوب بن موسى في الاية { قبضا يسيرا } قليلا قليلا وقوله { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } أي يلبس الوجود ويغشاه كما قال تعالى : { والليل إذا يغشى } { والنوم سباتا } أي قاطعا للحركة لراحة الأبدان فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات فاستراحت فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا { وجعل النهار نشورا } أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم كما قال تعالى : { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } الاية

(3/427)


وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات أي بمجيء السحاب بعدها والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير فمنها ما يثير السحاب ومنها ما يحمله ومنها ما يسوقه ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرا ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض ومنها ما يلقح السحاب ليمطر ولهذا قال تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } أي آلة يتطهر بها كالسحور والوقود وما جرى مجراهما فهذا أصح ما يقال في ذلك وأما من قال إنه فعول بمعنى فاعل أو إنه مبني للمبالغة والتعدي فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم ليس هذا موضع بسطها والله أعلم
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي عن أبي جعفر الرازي إلى حميد الطويل عن ثابت البناني قال : دخلت مع أبي العالية في يوم مطير وطرق البصرة قذرة فصلى فقلت له فقال { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } قال : طهره ماء السماء وقال أيضا : حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا وهيب عن داود عن سعيد بن المسيب في هذه الاية قال : أنزله الله طهورا لا ينجسه شيء وعن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها النتن ولحوم الكلاب ؟ فقال [ إن الماء طهور لا ينجسه شيء ] رواه الشافعي وأحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي
وروى ابن أبي حاتم بإسناده : حدثنا أبي حدثنا أبو الأشعث حدثنا معتمر سمعت أبي يحدث عن سيار عن خالد بن يزيد قال : كان عند عبد الملك بن مروان فذكروا الماء فقال خالد بن يزيد : منه من السماء ومنه يسقيه الغيم من البحر فيغذ به الرعد والبرق فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات فأما النبات فمما كان من السماء وروي عن عكرمة قال : ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة وقال غيره : في البر بر وفي البحر در
وقوله تعالى : { لنحيي به بلدة ميتا } أي أرضا قد طال انتظارها للغيث فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء فلما جاءها الحياء عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان كما قال تعالى : { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } الاية { ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا } أي وليشرب منه الحيوان من أنعام وأناسي محتاجين إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وثمارهم كما قال تعالى : { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } الاية وقال تعالى : { فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها } الاية
وقوله تعالى : { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } أي أمطرنا هذه الأرض دون هذه وسقنا السحاب يمر على الأرض ويتعداها ويتجاوزها إلى الأرض الأخرى فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقا والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من ماء وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم : ليس عام بأكثر مطرا من عام ولكن الله يصرفه كيف يشاء ثم قرأ هذه الاية { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا } أي ليذكروا بإحياء الله الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات أو ليذكر من منع المطر إنما أصابه ذلك بذنب أصابه فيقلع عما هو فيه
وقال عمر مولى غقبة : كان جبريل عليه السلام في موضع الجنائز فقال له النبي صلى الله عليه و سلم [ يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب ] قال : فقال له جبريل : يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله فقال : تأتينا صكاك مختمة اسق بلاد كذا وكذا كذا وكذا قطرة رواه ابن أبي حاتم وهو حديث مرسل وقوله تعالى : { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } قال عكرمة : يعني الذين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وهذا الذي قاله عكرمة كما صح في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال لأصحابه يوما على أثر سماء أصابتهم من الليل [ أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب ]

(3/427)