صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير ابن كثير ]
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء
عدد الأجزاء : 4

يقول تعالى متوعدا من أشرك به غيره وعبد معه سواه ومخبرا أن من أشرك بالله لا برهان له أي لا دليل له على قوله فقال تعالى : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به } وهذه جملة معترضة وجواب الشرط في قوله : { فإنما حسابه عند ربه } أي الله يحاسبه على ذلك ثم أخبر { إنه لا يفلح الكافرون } أي لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة قال قتادة : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال لرجل : [ ما تعبد ؟ قال : أعبد الله وكذا وكذا حتى عد أصناما فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك ؟ قال : الله عز و جل قال فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها ؟ ] قال : الله عز و جل قال : [ فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه أم حسبت أن تغلب عليه ؟ ] قال : أردت شكره بعبارة هؤلاء معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ تعلمون ولا يعلمون ] فقال الرجل بعد ما أسلم : لقيت رجلا خصمني هذا مرسل من هذا الوجه وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندا عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم نحو ذلك وقوله تعالى : { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين } هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء فالغفر إذا أطلق ومعناه محو الذنب وستره عن الناس والرحمة معناها أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال
آخر تفسير سورة المؤمنون

(3/348)


سورة النور
بسم الله الرحمن الرحيم

(3/348)


يقول تعالى : هذه { سورة أنزلناها } فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ما عداها { وفرضناها } قال مجاهد وقتادة : أي بينا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود وقال البخاري : ومن قرأ فرضناها يقول فرضناها عليكم وعلى من بعدكم { وأنزلنا فيها آيات بينات } أي مفسرات واضحات { لعلكم تذكرون } ثم قال تعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } هذه الاية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد وللعلماء فيه تفصيل ونزاع فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرا وهو الذي لم يتزوج أو محصنا وهو الذي قد وطى في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما في الاية ويزاد على ذلك أن يغرب عاما عن بلده عند جمهور العلماء خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام : إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم : فقال أحدهما : يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفا ـ يعني أجيرا ـ على هذا فزنى بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى الوليدة والغنم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس ـ لرجل من أسلم ـ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها ] ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرا لم يتزوج فأما إذا كان محصنا وهو الذي قد وطى في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل فإنه يرجم
كما قال الإمام مالك حدثني محمد بن شهاب أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره أن عمر قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجمنا بعده فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولا وهذه قطعة منه فيها مقصودنا ههنا
وروى الإمام أحمد عن هشيم عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس : حدثني عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول : ألا وإن أناسا يقولون مابال الرجم ؟ في كتاب الله الجلد وقد رجم رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجمنا بعده ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت به وأخرجه النسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله به وقد روى الإمام أحمد أيضا عن هشيم عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر الرجم فقال : لا تخدعن عنه فإنه حد من حدود الله تعالى ألا وإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد رجم ورجمنا بعده ولولا أن يقول قائلون : زاد عمر في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد رجم ورجمناه بعده ألا إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم وبالدجال وبالشفاعة وبعذاب القبر وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا
وروى أحمد أيضا عن يحيى القطان عن يحيى الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب [ إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم ] الحديث رواه الترمذي من حديث سعيد عن عمر وقال صحيح وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ابن عون عن محمد هو ابن سيرين قال : نبئت عن كثير بن الصلت قال : كنا عند مروان وفينا زيد فقال زيد بن ثابت : كنا نقرأ : [ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ] قال مروان : ألا كتبتها في المصحف ؟ قال : ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب فقال : أنا أشفيكم من ذلك قال : قلنا فكيف ؟ قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : فذكر كذا وكذا وذكر الرجم فقال : يا رسول الله اكتب لي آية الرجم قال [ لا أستطيع الان ] هذا أو نحو ذلك وقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت عن زيد بن ثابت به وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولا به والله أعلم
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم برجم هذه المرأة وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير ورجم رسول الله صلى الله عليه و سلم ماعزا والغامدية وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنهم جلدهم قبل الرجم وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالإقتصار على رجمهم وليس فيها ذكر الجلد ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للاية والرجم للسنة
كما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما أتى بسراحة وكانت قد زنت وهي محصنة فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة فقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة و مسلم من حديث قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ] وقوله تعالى : { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } أي في حكم الله أي لا ترحموهما وترأفوا بهما في شرع الله وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد فلا يجوز ذلك قال مجاهد { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } قال : إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقد جاء في الحديث [ تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب ] وفي الحديث الاخر [ لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا ] وقيل المراد { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم وليس المراد الضرب المبرح
قال عامر الشعبي { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } قال : رحمة في شدة الضرب وقال عطاء : ضرب ليس بالمبرح وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن أبي سليمان : يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع ثيابه ثم تلا { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } فقلت هذا في الحكم ؟ قال : هذا في الحكم والجلد يعني في إقامة الحد وفي شدة الضرب وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمرو عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها قال نافع : أراه قال وظهرها قال قلت { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } قال : يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة إن الله لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في رأسها وقد أوجعت حين ضربتها وقوله تعالى : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } أي فافعلوا ذلك وأقيموا الحدود على من زنى وشددوا عليه الضرب ولكن ليس مبرحا ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال : يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها : فقال [ ولك في ذلك أجر ]
وقوله تعالى : { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورا قال الحسن البصري في قوله { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } يعني علانية : ثم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } الطائفة الرجل فما فوقه وقال مجاهد : الطائفة رجل إلى ألف وكذا قال عكرمة ولهذا قال أحمد : إن الطائفة تصدق على واحد وقال عطاء بن أبي رباح : اثنان وبه قال إسحاق بن راهويه وكذا قال سعيد بن جبير { طائفة من المؤمنين } قال : يعني رجلين فصاعدا وقال الزهري : ثلاثة نفر فصاعدا
وقال عبد الرزاق : حدثني ابن وهب عن الإمام مالك في قوله { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } قال : الطائفة أربعة نفر فصاعدا لأنه لا يكفي شهادة في الزنا دون أربعة شهداء فصاعدا وبه قال الشافعي وقال ربيعة : خمسة وقال الحسن البصري : عشرة وقال قتادة : أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أي نفر من المسلمين ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا بقية قال : سمعت نصر بن علقمة يقول في قوله تعالى : { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } قال : ليس ذلك للفضيحة إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة

(3/348)


هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك وكذلك { الزانية لا ينكحها إلا زان } أي عاص بزناه { أو مشرك } لا يعتقد تحريمه قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } قال : ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زان أو مشرك وهذا إسناد صحيح عنه وقد روي عنه من غير وجه أيضا وقد روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو ذلك
وقوله تعالى : { وحرم ذلك على المؤمنين } أي تعاطيه والتزوج بالبغايا أو تزويج العفائف بالرجال الفجار وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا قيس عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس { وحرم ذلك على المؤمنين } قال : حرم الله الزنا على المؤمنين وقال قتادة ومقاتل بن حيان : حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا وتقدم ذلك فقال { وحرم ذلك على المؤمنين } وهذه الاية كقوله تعالى : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } وقوله { محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان } الاية ومن ههنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى : { وحرم ذلك على المؤمنين }
وقال الإمام أحمد : حدثنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان قال أبي حدثنا الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا من المؤمنين استأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه قال فاستأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم أو ذكر له أمرها قال : فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين }
وقال النسائي : أخبرنا عمرو بن عدي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمرو قال : كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يتزوجها فأنزل الله عز و جل : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين }
وقال الترمذي : حدثنا عبد بن حميد حدثنا روح بن عبادة عن عبيد الله بن الأخنس أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة قال وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وإنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة قال : فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط فلما انتهت إلي عرفتني فقالت : مرثد ؟ فقلت : مرثد فقالت : مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة قال : فقلت : يا عناق حرم الله الزنا فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم قال : فتبعني ثمانية ودخلت الحديقة فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت فيه فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا : فظل بولهم على رأسي فأعماهم الله عني قال : ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر ففككت عنه أحبله فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : يا رسول الله أنكح عناقا أنكح عناقا ـ مرتين ؟ ـ فأمسك رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يرد علي شيئا حتى نزلت { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ يا مرثد : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فلا تنكحها ] ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد رواه أبو داود والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا مسدد أبو الحسن حدثنا عبد الوارث عن حبيب المعلم حدثني عمرو بن شعيب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله ] وهكذا أخرجه أبو داود في سننه عن مسدد وأبي معمر عن عبد الله بن عمر كلاهما عن عبد الوارث به وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أخيه عمر بن محمد عن عبد الله بن يسار مولى ابن عمر قال : أشهد لسمعت سالما يقول : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث وثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان بما أعطى ] ورواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس عن يزيد بن زريع عن عمر بن محمد العمري عن عبد الله بن يسار به
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يعقوب حدثنا الوليد بن كثير عن قطن بن وهب عن عويمر بن الأجدع عمن حدثه عن سالم بن عبد الله بن عمر قال : حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ ثلاثة حرم الله عليهم الجنة : مدمن الخمر والعاق لوالديه والديوث الذي يقر في أهله الخبث ] وقال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثني شعبة حدثني رجل من آل سهل بن حنيف عن محمد بن عمار عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا يدخل الجنة ديوث ] يستشهد به لما قبله من الأحاديث
وقال ابن ماجه : حدثنا هشام بن عمار حدثنا سلام بن سوار حدثنا كثير بن سليم عن الضحاك بن مزاحم سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ من أراد أن يلقى الله وهو طاهر متطهر فليتزوج الحرائر ] في إسناده ضعف وقال الإمام أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح في اللغة : الديوث القنزع وهو الذي لا غيرة له فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب النكاح من سننه : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة وغيره عن هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الكريم عن عبد الله بن عبيد عمير عن ابن عباس عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه قالا : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي وهي لا تمنع يد لامس ؟ قال [ طلقها قال : لا صبر لي عنها قال استمتع بها ] ثم قال النسائي : هذا الحديث غير ثابت و عبد الكريم ليس بالقوي و هارون أثبت منه وقد أرسل الحديث وهو ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم قلت : وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي لكن قد رواه النسائي في كتاب الطلاق عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن حماد بن سلمة عن هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس مسندا فذكره بهذا الإسناد فرجاله على شرط مسلم إلا أن النسائي بعد روايته له قال : هذا خطأ والصواب مرسل ورواه غير النضر على الصواب
وقد رواه النسائي أيضا وأبو داود عن الحسين بن حريث أخبرنا الفضل بن موسى أخبرنا الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم فذكره وهذا الإسناد جيد وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له كما تقدم عن النسائي ومنكر كما قال الإمام أحمد : هو حديث منكر وقال ابن قتيبة : إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلا وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم فقال وقيل : سخية تعطي ورد هذا بأن لو كان المراد لقال : لا ترد يد ملتمس وقيل المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثا وقد تقدم الوعيد على ذلك ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم بفراقها فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها متوهم فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الاجل والله سبحانه وتعالى أعلم
قالوا فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد عن ابن أبي ذئب قال : سمعت شعبة مولى ابن عباس رضي الله عنه قال : سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال : إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله عز و جل علي فرزقني الله عز و جل من ذلك توبة فأردت أن أتزوجها فقال أناس : إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فقال ابن عباس : ليس هذا في هذا انكحها فما كان من إثم فعلي وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الاية منسوخة قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : ذكر عنده { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } قال : كان يقال نسختها التي بعدها { وأنكحوا الأيامى منكم } قال : كان يقال الأيامى من المسلمين وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ له عن سعيد بن المسيب ونص على ذلك أيضا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي

(3/351)


هذه الاية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة هي الحرة البالغة العفيفة فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضا وليس في هذا نزاع بين العلماء فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد ولهذا قال تعالى : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام : ( أحدها ) أن يجلد ثمانين جلدة ( الثاني ) أنه ترد شهادته أبدا ( الثالث ) أن يكون فاسقا ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس
ثم قال تعالى : { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } الاية واختلف العلماء في هذا الاستثناء هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط ويبقى مردود الشهادة دائما وإن تاب أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة ؟ أما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصر ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته وارتفع عنه حكم الفسق ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين وجماعة من السلف أيضا وقال الإمام أبو حنيفة : إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط فيرتفع الفسق بالتوبة ويبقى مردود الشهادة أبدا وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر وقال الشعبي والضحاك : لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان فحينئذ تقبل شهادته والله أعلم

(3/354)


هذه الاية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله عز و جل وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين أي فيما رماها به من الزنا { والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين } فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء وحرمت عليه أبدا ويعطيها مهرها ويتوجب عليها حد الزنا ولا يدرأ عنهاالعذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين أي فيما رماها به { والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } ولهذا قال { ويدرأ عنها العذاب } يعني الحد { أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } فخصها بالغضب كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور وهي تعلم صدقه فيما رماها به ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه
ثم ذكر تعالى رأفته بخلقه ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق فقال تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } أي لحرجتم ولشق عليكم كثير من أموركم { وأن الله تواب } أي على عباده وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة { حكيم } فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الاية وذكر سبب نزولها وفيمن نزلت فيه من الصحابة
فقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار رضي الله عنه : أهكذا أنزلت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ فقالوا : يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته فقال سعد : والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء فو الله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته ـ قال : فما لبثوا إلا يسيرا ـ حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه و سلم ما جاء به واشتد عليه واجتمعت عليه الأنصار وقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الان يضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس فقال هلال : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا وقال هلال يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله يعلم إني لصادق فو الله إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسوله صلى الله عليه و سلم الوحي وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } الاية ] فسري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا فقال هلال : قد كنت أرجو ذلك من ربي عز و جل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسلوا إليها فأرسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه و سلم عليهما فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الاخرة أشد من عذاب الدنيا فقال هلال : والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت : كذب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لاعنوا بينهما فقيل لهلال : اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كانت الخامسة قيل له : يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال : والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم قيل للمرأة : اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين وقيل لها عند الخامسة : اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت : والله لا أفضح قومي فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه و سلم بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أن يفترقا من غير طلاق ولا متوفى عنها وقال إن جاءت به أصيهب أريشح حمش الساقين فهو لهلال وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو الذي رميت به فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لولا الأيمان لكان لي ولها شأن [ قال عكرمة : فكان بعد ذلك أميرا على مصر وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب ورواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرا
ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة فمنها ما قال البخاري : حدثني محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن هشام بن حسان حدثني عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه و سلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه و سلم ] البينة أوحد في ظهرك فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه { والذين يرمون أزواجهم } إلى قوله { إن كان من الصادقين } فانصرف النبي صلى الله عليه و سلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه و سلم يقول إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ؟ ثم قامت فشهدت فلما كان في الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه و سلم أبصروها فان جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه و سلم لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي و لها شأن [ انفرد به البخاري من هذا الوجه وقد رواه من غير وجه عن ابن عباس وغيره
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الزيادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا صالح وهو ابن عمر حدثنا عاصم يعني ابن كليب عن أبيه حدثني ابن عباس قال : جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فرمى امرأته برجل فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يزل يردده حتى أنزل الله تعالى { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء } فقرأ حتى فرغ من الايتين فأرسل إليهما فدعاهما فقال : ] إن الله تعالى قد أنزل فيكما فدعا الرجل فقرأ عليه فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه فقال له كل شيء أهون عليه من لعنة الله ثم أرسله فقال لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم دعاها فقرأ عليها فشهدت أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين ثم أمر فأمسك على فيها فوعظها وقال : ويحك كل شيء أهون من غضب الله ثم أرسلها فقالت : غضب الله عليها إن كان من الصادقين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أما والله لأقضين بينكما قضاء فصلا قال : فولدت فما رأيت مولودا بالمدينة أكثر غاشية منه فقال إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا وإن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا فجاءت به يشبه الذي قذفت به [
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال : سمعت سعيد بن جبير قال : ] سئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما في إمارة ابن الزبير فما دريت ما أقول فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلت : يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرق بينهما ؟ فقال : سبحان الله إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان فقال : يا رسول الله أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك فسكت فلم يجبه فلما كان بعد ذلك أتاه فقال : الذي سألتك عنه قد ابتليت به فأنزل الله تعالى هذه الايات في سورة النور { والذين يرمون أزواجهم } حتى بلغ { أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } فبدأ بالرجل فوعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاخرة فقال : والذي بعثك بالحق ما كذبتك ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاخرة فقالت المرأة : والذي بعثك بالحق إنه لكاذب قال : فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم فرق بينهما [ رواه النسائي في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به وأخرجاه في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : كنا جلوسا عشية الجمعة في المسجد فقال رجل من الأنصار : أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ والله لئن أصبحت صالحا لأسألن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : فسأله فقال : ] يا رسول الله إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا فقتل قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ اللهم احكم قال : فأنزلت آية اللعان فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به انفرد بإخراجه مسلم فرواه من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش به
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن سهل بن سعد قال : جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال له : [ سل رسول الله صلى الله عليه و سلم أرأيت رجلا وجد رجلا مع امرأته فقتله أيقتل به أم كيف يصنع ؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه و سلم فعاب رسول الله صلى الله عليه و سلم المسائل قال : فلقيه عويمر فقال : ما صنعت ؟ قال : ما صنعت إنك لم تأتني بخير سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم فعاب المسائل فقال عويمر : والله لاتين رسول الله صلى الله عليه و سلم فلأسألنه فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما قال : فدعا بهما فلاعن بينهما قال عويمر : لئن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها قال : ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم فصارت سنة المتلاعنين وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا فجاءت به على النعت المكروه ] أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن الزهري به
ورواه البخاري أيضا من طرق عن الزهري به فقال : حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن سهل بن سعد أن رجلا [ أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ فأنزل الله تعالى فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : قد قضى فيك وفي امرأتك قال : فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ففارقها فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين وكانت حاملا فأنكر حملها وكان ابنها يدعى اليها ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها ]
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إسحاق بن الضيف حدثنا النضر بن شميل حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن زيد بن بتيع عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر [ لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به ؟ قال : كنت والله فاعلا به شرا قال : فأنت يا عمر ؟ قال : كنت والله فاعلا كنت أقول : لعن الله الأعجز فإنه خبيث قال : فنزلت { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم } ] ثم قال : لا نعلم أحدا أسنده إلا النضر بن شميل عن يونس بن إسحاق ثم رواه من حديث الثوري عن ابن أبي إسحاق عن زيد بن بتيع مرسلا فالله أعلم
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لأول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته فرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أربعة شهود وإلا فحد في ظهرك فقال : يا رسول الله إن الله يعلم إني لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرىء به ظهري من الجلد فأنزل الله آية اللعان { والذين يرمون أزواجهم } إلى آخر الاية قال : فدعاه النبي صلى الله عليه و سلم فقال اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا فشهد بذلك أربع شهادات ثم قال له في الخامسة ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا ففعل ثم دعاها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا فشهدت بذلك أربع شهادات ثم قال لها في الخامسة وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا قال : فلما كانت الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على القول ففرق رسول الله صلى الله عليه و سلم بينهما وقال انظروا فإن جاءت به جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء وإن جاءت به أبيض سبطا قصير العينين فهو لهلال بن أمية فجاءت به جعدا حمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن ]

(3/355)


هذه العشر آيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله عز و جل لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال تعالى : { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم } أي جماعة منكم يعني ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين فإنه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به وجوزه آخرون منهم وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله تعالى وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت لها اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا ذكروا أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت : [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه و سلم معه قالت عائشة رضي الله عنها : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي وخرجت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك بعدما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من غزوة وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه قالت : وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطىء على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمناها شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله صلى الله عليه و سلم اللطف الذي أرى منه حين أشتكي إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فيسلم ثم يقول كيف تيكم ؟ فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه في البرية وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئسما قلت تسبين رجلا شهد بدرا ؟ فقالت : أي هنتاه ألم تسمعي ما قال ؟ قلت : وماذا قال ؟ قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلم ثم قال كيف تيكم ؟ فقلت له : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت : وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله صلى الله عليه و سلم فجئت أبوي فقلت لأمي : يا أمتاه ما يتحدث الناس به ؟ فقالت : أي بنية هوني عليك فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت : فقلت سبحان الله أوقد تحدث الناس بها فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ويستشيرهما في فراق أهله قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال أسامة : يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بريرة فقال : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟ فقالت له بريرة : والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو على المنبر يامعشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ : لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة : كذبت ( ! ) لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور الحيان : الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه و سلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت : وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي قال : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلم ثم جلس قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه و سلم حين جلس ثم قال أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه و سلم قالت : فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أحفظ كثيرا من القرآن والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي قالت : وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه و سلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت : فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال أبشري يا عائشة أما الله عز و جل فقد برأك قالت : فقالت لي أمي : قومي إليه فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز و جل هو الذي أنزل براءتي وأنزل الله عز و جل { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم } العشر آيات كلها فأنزل الله هذه الايات في براءتي قالت : فقال أبو بكر رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله تعالى { ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } فقال أبو بكر : والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعها منه أبدا
قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه و سلم عن أمري فقال يا زينب ماذا علمت أو رأيت ؟ فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم فعصمها الله تعالى بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك قال ابن شهاب : فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط ] أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري وهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك قال : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عن عمرة عن عائشة بنحو ما تقدم والله أعلم
ثم قال البخاري وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة قال : أخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به [ قام رسول الله صلى الله عليه و سلم في خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وأيم الله ما علمت على أهلي إلا خيرا وما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلا غاب معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله صلى الله عليه و سلم أئذن لنا أن نضرب أعناقهم فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال : كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد وما علمت فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح فعثرت فقالت : تعس مسطح فقلت لها : أي أم تسبين ابنك ؟ فسكتت ثم عثرت الثانية فقالت : تعس مسطح فقلت لها أي أم تسبين ابنك ؟ ثم عثرت الثالثة فقالت : تعس مسطح فانتهرتها فقالت : والله ما أسبه إلا فيك فقلت : في أي شأني ؟ قالت : فبقرت لي الحديث فقلت : وقد كان هذا ؟ قالت : نعم والله فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ووعكت وقلت لرسول الله صلى الله عليه و سلم أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ فقالت أم رومان : ماجاء بك بنية فأخبرتها وذكرت لها الحديث وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني فقالت : يابنية خففي عليك الشأن فإنه والله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها وقيل فيها فقلت : وقد علم به أبي ؟ قالت : نعم قلت : ورسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قالت : نعم ورسول الله صلى الله عليه و سلم فاستعبرت وبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي : ما شأنها ؟ قالت : بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه رضي الله عنه وقال : أقسمت عليك ـ أي بنية ـ إلا رجعت إلى بيتك فرجعت ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم بيتي فسأل عني خادمتي فقالت : لا والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أسقطوا لها به فقالت : سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ عن تبر الذهب الأحمر وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له فقال : سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قط
قالت عائشة رضي الله عنها : فقتل شهيدا في سبيل اللهو قالت : وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا عائشة إن كنت قارفت سوءا أو ظلمت فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده قالت : وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت : ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئا ؟ فوعظ رسول الله صلى الله عليه و سلم فالتفت إلى أبي فقلت له : أجبه قال : فماذا أقول ؟ فالتفت إلى أمي فقلت : أجيبيه قالت : ماذا أقول ؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت : أما بعد فوالله إن قلت لكم إني لم أفعل والله عز و جل يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم وإن قلت لكم إني قد فعلت والله يعلم أني لم أفعل لتقولن قد باءت به على نفسها وإنني والله ما أجد لي ولكم مثلا والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه و سلم من ساعته فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول : أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قالت : وكنت أشد ما كنت غضبا فقال لي أبواي : قومي إليه فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه
وكانت عائشة تقول : أما زينب بنت جحش فقد عصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما أختها حمنة بنت جحش فهلكت فيمن هلك وكان الذي يتكلم به مسطح وحسان بن ثابت وأما المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة قالت : وحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا فأنزل الله تعالى { ولا يأتل أولو الفضل منكم } يعني أبا بكر { والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين } يعني مسطحا إلى قوله { ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } فقال أبو بكر : بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وعاد له بما كان يصنع ] هكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أسامة أحد الأئمة الثقات وقد رواه ابن جرير في تفسيره عن سفيان بن وكيع عن أبي أسامة به مطولا مثله أو نحوه ورواه ابن حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة ببعضه
وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزل عذري من السماء [ جاءني النبي صلى الله عليه و سلم فأخبرني بذلك فقلت : نحمد الله لا نحمدك ] وقال الإمام أحمد : حدثني ابن أبي عدي عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أيضا عن عائشة قالت : لما نزل عذري [ قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم ] وأخرجه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي : هذا حديث حسن ووقع عند أبي داود تسميتهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها
وقد روي من حديث أمها أم رومان رضي الله عنها فقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم أخبرنا حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان قالت بينا أنا عند عائشة إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار فقالت : فعل الله بابنها وفعل فقالت عائشة : ولم ؟ قالت : إنه كان فيمن حدث الحديث قالت : وأي الحديث ؟ قالت : كذا وكذا قالت : وقد [ بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قالت : نعم قالت : وبلغ أبا بكر ؟ قالت : نعم فخرت عائشة رضي الله عنها مغشيا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض فقمت فدثرتها قالت : فجاء النبي صلى الله عليه و سلم قال فما شأن هذه ؟ فقلت : يا رسول الله أخذتها حمى بنافض قال فلعله في حديث تحدث به قالت : فاستوت له عائشة قاعدة فقالت : والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه حين قال : { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } قالت : فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنزل الله عذرها فرجع رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه أبو بكر فدخل فقال : يا عائشة إن الله تعالى قد أنزل عذرك فقالت : بحمد الله لا بحمدك فقال لها أبو بكر : تقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قالت : نعم قالت : فكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر فحلف أن لا يصله فأنزل الله { ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة } إلى آخر الاية فقال أبو بكر : بلى فوصله ] تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين
وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة وعن محمد بن سلام عن محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به : وفي لفظ أبي عوانة حدثتني أم رومان وهذا صريح في سماع مسروق منها وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي صلى الله عليه و سلم قال الخطيب : وقد كان مسروق يرسله فيقول : سئلت أم رومان ويسوقه فلعل بعضهم كتب سئلت بألف اعتقد الرواي أنها سألت فظنه متصلا قال الخطيب : وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته كذا قال والله أعلم
فقوله تعالى : { إن الذين جاؤوا بالإفك } أي بالكذب والبهت والافتراء { عصبة } أي جماعة منكم { لا تحسبوه شرا لكم } أي يا آل أبي بكر { بل هو خير لكم } أي في الدنيا والاخرة لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الاخرة وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } الاية ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنه وعنها وهي في سياق الموت قال لها : أبشري فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان يحبك ولم يتزوج بكرا غيرك وأنزل براءتك من السماء
وقال ابن جرير في تفسيره : حدثني محمد بن عثمان الواسطي حدثنا جعفر بن عون عن المعلي بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش قال : تفاخرت عائشة وزينب رضي الله عنهما فقالت زينب : أنا التي نزل تزويجي من السماء وقالت عائشة : أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين حملني صفوان بن المعطل على الراحلة فقالت لها زينب : يا عائشة ما قلت حين ركبتيها ؟ قالت : قلت حسبي الله ونعم الوكيل قالت : قلت كلمة المؤمنين
وقوله تعالى : { لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } أي لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب { والذي تولى كبره منهم } قيل ابتدأ به وقيل الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه { له عذاب عظيم } أي على ذلك ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول قبحه الله تعالى ولعنه وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث وقال ذلك مجاهد وغير واحد وقيل المراد به حسان بن ثابت وهو قول غريب ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بشعره وهو الذي [ قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم هاجهم وجبريل معك ] وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال : كنت عند عائشة رضي الله عنها فدخل حسان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة : ما تصنعين بهذا ؟ يعني يدخل عليك وفي رواية قيل لها : أتأذنين لهذا يدخل عليك وقد قال الله { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } قالت : وأي عذاب أشد من العمى وكان قد ذهب بصره لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم ثم قالت إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرا يمتدحها به فقال :
( حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل )
فقالت : أما أنت فلست كذلك وفي رواية لكنك لست كذلك وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن قزعة حدثنا سلمة بن علقمة حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت : ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب :
( هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء )
( فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء )
( أتشتمه ولست له بكفء ؟ ... فشركما لخيركما الفداء )
( لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء )
فقيل : يا أم المؤمنين أليس هذا لغوا ؟ قالت : لا إنما اللغو ما قيل عند النساء قيل : أليس الله يقول { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } قالت : أليس قد أصابه عذاب عظيم ؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف ؟ تعني الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك فعلاه بالسيف وكاد أن يقتله

(3/359)


هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضي الله عنها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السيء وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى : { لولا } يعني هلا { إذ سمعتموه } أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها { ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى وقد قيل : إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن بعض رجال بني النجار : إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها ؟ قال : نعم وذلك الكذب أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت : لا والله ما كنت لأفعله قال : فعائشة والله خير منك قال : فلما نزل القرآن ذكر عز و جل من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم } وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا ثم قال تعالى : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون } الاية أي كما قال أبو أيوب وصاحبته
وقال محمد بن عمر الواقدي : حدثني ابن أبي حبيب عن داود بن الحصين عن أبي سفيان عن الافلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك ؟ قالت : لا والله قال : فعائشة والله خير منك فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله عز و جل { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين } يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال ويقال إنما قالها أبي بن كعب وقوله تعالى : { ظن المؤمنون } إلخ أي هلا ظنوا الخير فإن أم المؤمنين أهله وأولى به هذا ما يتعلق بالباطن وقوله { وقالوا } أي بألسنتهم { هذا إفك مبين } أي كذب ظاهر على أم المؤمنين رضي الله عنها فإن الذي وقع لم يكن ريبة وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة والجيش بكماله يشاهدون ذلك ورسول الله صلى الله عليه و سلم بين أظهرهم ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جهرة ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رؤوس الأشهاد بل كان يكون هذا لو قدر خفية مستورا فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت والقول الزور والرعونة الفاحشة الفاجرة والصفقة الخاسرة قال الله تعالى : { لولا } أي هلا { جاؤوا عليه } أي على ما قالوه { بأربعة شهداء } يشهدون على صحة ما جاءوا به { فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } أي في حكم الله كاذبون فاجرون

(3/365)


يقول تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة } أيها الخائضون في شأن عائشة بأن قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الاخرة { لمسكم في ما أفضتم فيه } من قضية الإفك { عذاب عظيم } وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه التوبة إليه كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينت بنت جحش فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي ابن سلول وأضرابه فليس أولئك مرادين في هذه الاية لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقا مشروطا بعدم التوبة أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه
ثم قال تعالى : { إذ تلقونه بألسنتكم } قال مجاهد وسعيد بن جبير : أي يرويه بعضكم عن بعض يقول هذا سمعته من فلان وقال فلان كذا وذكر بعضهم كذا وقرأ آخرون { إذ تلقونه بألسنتكم } وفي صحيح البخاري عن عائشة أنها كانت تقرؤها كذلك وتقول : هو من ولق اللسان يعني الكذب الذي يستمر صاحبه عليه تقول العرب : ولق فلان في السير إذا استمر فيه والقراءة الأولى أشهر وعليها الجمهور ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة أنها كانت تقرأ { إذ تلقونه } وتقول : إنما هو ولق القول ـ والولق الكذب ـ قال ابن أبي مليكة : هي أعلم به من غيرها
وقوله تعالى : { وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم } أي تقولون ما لا تعلمون ثم قال تعالى : { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } أي تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين وتحسبون ذلك يسيرا سهلا ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه و سلم لما كان هينا فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل ! فإن الله سبحانه وتعالى يغار لهذا وهو سبحانه وتعالى لا يقدر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك حاشا وكلا ولما لم يكن ذلك فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والاخرة ؟ ولهذا قال تعالى : { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } وفي الصحيحين [ إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض ] وفي رواية [ لا يلقي لها بالا ]

(3/366)


هذا تأديب آخر بعد الأول الامر بظن الخير أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيرا وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك وسوسة أو خيالا فلا ينبغي أن يتكلم به فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل ] أخرجاه في الصحيحين وقال الله تعالى : { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } أي ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد { سبحانك هذا بهتان عظيم } أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله
ثم قال تعالى : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا } أي ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدا أي فيما يستقبل فلهذا قال { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه وتعظمون رسوله صلى الله عليه و سلم فأما من كان متصفا بالكفر فذاك حكم آخر ثم قال تعالى : { ويبين الله لكم الآيات } أي يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية { والله عليم حكيم } أي عليم بما يصلح عباده حكيم في شرعه وقدره

(3/367)


هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيء فقام بذهنه شيء منه وتكلم به فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه فقد قال تعالى : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم } أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح { لهم عذاب أليم في الدنيا } أي بالحد وفي الاخرة بالعذاب الأليم { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } أي فردوا الأمور إليه ترشدوا وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكير حدثنا ميمون بن موسى المرئي حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته ]

(3/367)


يقول الله تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم } أي لولا هذا لكان أمر آخر ولكنه تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم فتاب على من تاب إليه من هذه القضية وطهر من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم ثم قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } يعني طرائقه ومسالكه وما يأمر به { ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { خطوات الشيطان } عمله وقال عكرمة : نزغاته وقال قتادة : كل معصية فهي من خطوات الشيطان وقال أبو مجلز : النذور في المعاصي من خطوات الشيطان وقال مسروق : سأل رجل ابن مسعود فقال : إني حرمت أن آكل طعاما وسماه فقال : هذا من نزغات الشيطان كفر عن يمينك وكل وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده : هذا من نزغات الشيطان وأفتاه أن يذبح كبشا
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا حسان بن عبد الله المصري حدثنا السري بن يحيى عن سليمان التيمي عن أبي رافع قال : غضبت علي امرأتي فقالت هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك فأتيت عبد الله بن عمر فقال : إنما هذه من نزغات الشيطان وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك ثم قال تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا } أي لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرا { ولكن الله يزكي من يشاء } أي من خلقه ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي وقوله { والله سميع } أي سميع لأقوال عباده { عليم } بمن يستحق منهم الهدى والضلال

(3/368)


يقول تعالى : { ولا يأتل } من الألية وهي الحلف أي لا يحلف { أولو الفضل منكم } أي الطول والصدقة والإحسان { والسعة } أي الجدة { أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله } أي لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام ولهذا قال تعالى : { وليعفوا وليصفحوا } أي عما تقدم منهم من الإساءة والأذى ؟ وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم وهذه الاية نزلت في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال كما تقدم في الحديث فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة وطابت النفوس المؤمنة واستقرت وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك وأقيم الحد على من أقيم عليه ـ شرع تبارك وتعالى وله الفضل والمنة يعطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة فإنه كان ابن خالة الصديق وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه وكان من المهاجرين في سبيل الله وقد ولق ولقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها وكان الصديق رضي الله عنه معروفا بالمعروف له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب فلما نزلت هذه الاية إلى قوله { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } الاية فإن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك وكما تصفح نصفح عنك فعند ذلك قال الصديق : بلى والله إنا نحب ـ يا ربنا ـ أن تغفر لنا ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال : والله لا أنزعها منه أبدا في مقابلة ما كان قال والله لا أنفعه بنافعة أبدا فلهذا كان الصديق هو الصديق رضي الله عنه وعن بنته

(3/368)


هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات ـ خرج مخرج الغالب ـ المؤمنات فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ولا سيما التي كانت سبب النزول وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الاية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن وفي بقية أمهات المؤمنين قولان : أصحهما أنهن كهي والله أعلم
وقوله تعالى : { لعنوا في الدنيا والآخرة } الاية كقوله { إن الذين يؤذون الله ورسوله } الاية وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة رضي الله عنها فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الاية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } قال : نزلت في عائشة خاصة وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان وقد ذكره ابن جرير عن عائشة فقال : حدثنا أحمد بن عبدة الضبي حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال : قالت عائشة : رميت بما رميت به وأنا غافلة فبلغني بعد ذلك قالت : [ فبينا رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس عندي إذ أوحي إليه قالت : وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي ثم استوى جالسا يمسح وجهه وقال يا عائشة أبشري قالت : فقلت بحمد الله لا بحمدك فقرأ { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } حتى قرأ { أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } ] هكذا أورده وليس فيه أن الحكم خاص بها وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها وإن كان الحكم يعمها كغيرها ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله والله أعلم وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط : المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء
وقال العوفي عن ابن عباس في الاية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } الاية يعني أزواج النبي صلى الله عليه و سلم رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه و سلم ثم نزل بعد ذلك { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } فأنزل الله الجلد والتوبة فالتوبة تقبل والشهادة ترد وقال ابن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا هشيم أخبرنا العوام بن حوشب عن شيخ من بني أسد عن ابن عباس قال : فسر سورة النور فلما أتى على هذه الاية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } الاية قال : في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه و سلم وهي مبهمة وليست لهم توبة ثم قرأ { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } الاية قال : فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة قال : فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر به سورة النور فقوله وهي مبهمة أي عامة في تحريم قذف كل محصنة ولعنته في الدنيا والاخرة وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذا في عائشة ومن صنع مثل هذا أيضا اليوم في المسلمات فله ما قال الله تعالى ولكن عائشة كانت أما في ذلك
وقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي وهب حدثني عمي حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : اجتنبوا السبع الموبقات قيل : وما هن يا رسول الله ؟ قال : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ] أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال به
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عمر بن أبي خالد الحذاء الطاني المحرمي حدثني أبي وحدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا جدي أحمد بن أبي شعيب حدثني موسى بن أعين عن ليث عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة ] وقوله تعالى : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو يحيى الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إنهم يعني المشركين إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة قالوا : تعالوا حتى نجحد فيجحدون فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم و أرجلهم ولا يكتمون الله حديثا
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا : حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فيجحد ويخاصم فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول كذبوا فيقال أهلك وعشيرتك فيقول كذبوا فيقال احلفوا فيحلفون ثم يصمتهم الله فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم ثم يدخلهم النار ]
وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي حدثنا منجاب بن الحارث التميمي حدثنا أبو عامر الأسدي حدثنا سفيان بن عبيد المكتب عن فضيل بن عمرو الفقيمي عن الشعبي عن أنس بن مالك قال : كنا عند النبي صلى الله عليه و سلم فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال : [ أتدرون مم أضحك ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم قال : من مجادلة العبد لربه يقول : يا رب ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول : بلى فيقول : لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام عليك شهودا فيختم على فيه ويقال لأركانه : انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل ] وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبيه عن عبد الله الأشجعي عن سفيان الثوري به ثم قال النسائي : لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي وهو حديث غريب والله أعلم هكذا قال وقال قتادة : ابن آدم والله إن عليك لشهودا غير متهمة في بدنك فراقبهم واتق الله في سرك وعلانيتك فإنه لا يخفى عليه خافية الظلمة عنده ضوء والسر عنده علانية فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل ولا قوة إلا بالله
وقوله تعالى : { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } قال ابن عباس { دينهم } أي حسابهم وكل ما في القرآن دينهم أي حسابهم وكذا قال غير واحد ثم إن قراءة الجمهور بنصب الحق على أنه صفة لدينهم وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة وقرأها بعض السلف في مصحف أبي بن كعب : يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق وقوله { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } أي وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه

(3/369)


قال ابن عباس : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول والطيبات من القول للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من القول ـ قال ـ ونزلت في عائشة وأهل الإفك وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم ولهذا قال تعالى : { أولئك مبرؤون مما يقولون } وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء وهذا أيضا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه و سلم إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعا ولا قدرا ولهذا قال تعالى : { أولئك مبرؤون مما يقولون } أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان { لهم مغفرة } أي بسبب ما قيل فيهم من الكذب { ورزق كريم } أي عند الله في جنات النعيم وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه و سلم في الجنة
قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن مسلم حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن الحكم بإسناده إلى يحيى بن الجزار قال : جاء أسير بن جابر إلى عبد الله فقال : لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم اليوم بكلام أعجبني فقال عبد الله : إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما يستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل عنده يتلها فيضمها إليه وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الخبيثة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه ثم قرأ عبد الله { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } الاية ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعا [ مثل هذا الذي يسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشر ما سمع كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم فقال اجزرني شاة فقال : اذهب فخذ بأذن أيها شئت فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم وفي الحديث الاخر : الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها ]

(3/371)


هذه آداب شرعية أدب الله بها عباده المؤمنين وذلك في الاستئذان أمرهم أن لا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم حتى يستأنسوا أي يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات فإن أذن له وإلا انصرف كما ثبت في الصحيح [ أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له انصرف ثم قال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن ؟ ائذنوا له فطلبوه فوجدوه قد ذهب فلما جاء بعد ذلك قال : ما رجعك ؟ قال : إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي وإني سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف فقال عمر لتأتيني على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربا فذهب إلى ملإ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر فقالوا لا يشهد لك إلا أصغرنا فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال : ألهاني عنه الصفق بالأسواق ]
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا عمر عن ثابت عن أنس أو غيره [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم استأذن على سعد بن عبادة فقال : السلام عليك ورحمة الله فقال سعد : وعليك السلام ورحمة الله ولم يسمع النبي صلى الله عليه و سلم حتى سلم ثلاثا ورد عليه سعد ثلاثا ولم يسمعه فرجع النبي صلى الله عليه و سلم واتبعه سعد فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني ولقد رددت عليك ولم أسمعك وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبا فأكل نبي الله فلما فرغ قال : أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون ]
وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال : [ زارنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في منزلنا فقال : السلام عليكم ورحمة الله فرد سعد ردا خفيا قال قيس : فقلت ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقال : دعه يكثر علينا من السلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : السلام عليكم ورحمة الله فرد سعد ردا خفيا ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : السلام عليكم ورحمة الله ثم رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم واتبعه سعد فقال : يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام قال فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمر له سعد بغسل فاغتسل ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها ثم رفع رسول الله صلى الله عليه و سلم يديه وهو يقول : اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة قال : ثم أصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من الطعام فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حمارا قد وطىء عليه بقطيفة فركب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال سعد : يا قيس اصحب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قيس : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اركب فأبيت فقال : إما أن تركب وإما أن تنصرف قال : فانصرفت ] وقد روي هذا من وجوه أخر فهو حديث جيد قوي والله أعلم
ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره لما رواه أبو داود : حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا : حدثنا بقية حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بشر قال : [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول : السلام عليكم السلام عليكم ] وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور تفرد به أبو داود
وقال أبو داود أيضا : حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير ـ ( ح ) ـ حينئذ قال أبو داود : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال : جاء رجل قال عثمان : سعد [ فوقف على باب النبي صلى الله عليه و سلم يستأذن فقام على الباب قال عثمان : مستقبل الباب فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : هكذا عنك ـ أو هكذا ـ فإنما الاستئذان من النظر ] وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد عن النبي صلى الله عليه و سلم رواه أبو داود من حديثه وفي الصحيحين [ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ] وأخرج الجماعة من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : [ أتيت النبي صلى الله عليه و سلم في دين كان على أبي فدققت الباب فقال : من ذا ؟ فقلت : أنا قال : أنا أنا كأنه كرهه وإنما كره ذلك ] لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا فلا يحصل بها المقصود من الإستئذان الذي هو الإستئناس المأمور به في الاية وقال العوفي عن ابن عباس : الإستئناس الإستئذان وكذا قال غير واحد
وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الاية { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا } قال : إنما هي خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا وهكذا رواه هشيم عن أبي بشر ـ وهو جعفر بن إياس ـ عن سعيد عن ابن عباس بمثله وزاد : كان ابن عباس يقرأ { حتى تستأنسوا وتسلموا } وكان يقرأ على قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه وهذا غريب جدا عن ابن عباس وقال هشيم : أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال : في مصحف ابن مسعود حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا وهذا أيضا رواية عن ابن عباس وهو اختيار ابن جرير
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن أبي سفيان أن عمرو بن أبي صفوان أخبره أن كلدة بن الحنبل أخبره أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ وجدابة وصغابيس [ والنبي صلى الله عليه و سلم بأعلى الوادي قال : فدخلت على النبي صلى الله عليه و سلم ولم أسلم ولم أستأذن فقال صلى الله عليه و سلم : ارجع فقل السلام عليكم أأدخل ؟ وذلك بعدما أسلم صفوان ] ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج به وقال الترمذي : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه وقال أبو داود : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال : [ أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في بيته فقال : أألج ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم لخادمه : اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له : قل السلام عليكم أأدخل ؟ فسمعه الرجل فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ فأذن له النبي صلى الله عليه و سلم فدخل ]
وقال هشيم : أخبرنا منصور عن ابن سيرين وأخبرنا يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي [ أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه و سلم فقال : أألج أو أنلج ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم لأمة له يقال لها روضة : قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن يستأذن فقولي له : يقول السلام عليكم أأدخل ؟ فسمعها الرجل فقالها فقال : ادخل ] وقال الترمذي : حدثنا الفضل بن الصباح حدثنا سعيد بن زكريا عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : السلام قبل الكلام ثم قال الترمذي : عنبسة ضعيف الحديث ذاهب و محمد بن زاذان منكر الحديث وقال هشيم : قال مغيرة : قال مجاهد : جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ قالت : ادخل بسلام فأعاد فأعادت وهو يراوح بين قدميه قال : قولي ادخل قالت : ادخل فدخل ]
ولابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو نعيم الأحول حدثني خالد بن إياس حدثتني جدتي أم إياس قالت : كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة فقلت : ندخل ؟ فقالت : لا قلن لصاحبتكن تستأذن فقالت : السلام عليكم أندخل قالت : ادخلوا ثم قالت : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } الاية وقال هشيم : أخبرنا أشعث بن سوار عن كردوس عن ابن مسعود قال : عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم قال أشعث عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت : يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال قال فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا } الاية
وقال ابن جريج : سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ثلاث آيات جحدهن الناس قال الله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } قال : ويقولون إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتا قال والأذن كله قد جحده الناس قال : قلت : أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد ؟ قال : نعم فرددت عليه ليرخص لي فأبى فقال : تحب أن تراها عريانة ؟ قلت : لا قال : فاستأذن قال : فراجعته أيضا فقال : أتحب أن تطيع الله ؟ قلت نعم قال : فاستأذن قال ابن جريج : وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال : ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم قال : وكان يشدد في ذلك وقال ابن جريج عن الزهري سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول : عليكم الإذن على أمهاتكم وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أيستأذن الرجل على امرأته قال : لا وهذا محمول على عدم الوجوب وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا محمد بن حازم عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي زينب ـ امرأة عبد الله بن مسعود ـ عن زينب رضي الله عنها قالت : كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه إسناده صحيح
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي هبيرة قال : كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس وتكلم ورفع صوته وقال مجاهد : حتى تستأنسوا قال : تنحنحوا أو تنخموا وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال : إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه [ نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا ـ وفي رواية ـ ليلا يتخونهم ] وفي الحديث الاخر [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة نهارا فأناخ بظاهرها وقال انتظروا حتى ندخل عشاء ـ يعني آخر النهار ـ حتى تمشط الشعثة وتستحد المغيبة ]
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن واصل بن السائب حدثني أبو ثورة بن أخي أبي أيوب عن أبي أيوب قال : قلت : [ يا رسول الله هذا السلام فما الإستئناس ؟ قال يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت ] هذا حديث غريب وقال قتادة في قوله { حتى تستأنسوا } هو الاستئذان ثلاثا فمن لم يؤذن له منهم فليرجع أما الأولى فليسمع الحي وأما الثانية فليأخذوا حذرهم وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم فإن للناس حاجات ولهم أشغال والله أولى بالعذر
وقال مقاتل بن حيان في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ويقول : حييت صباحا وحييت مساء وكان ذلك تحية القوم بينهم وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول : قد دخلت ونحو ذلك فيشق ذلك على الرجل ولعله يكون مع أهله فغير الله ذلك كله في ستر وعفة وجعله نقيا نزها من الدنس والقذر والدرن فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } الاية وهذا الذي قاله مقاتل : حسن ولهذا قال تعالى : { ذلكم خير لكم } يعني الاستئذان خير لكم بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت { لعلكم تذكرون }
وقوله تعالى : { فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه فإن شاء أذن وإن شاء لم يأذن { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم } أي إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده { فارجعوا هو أزكى لكم } أي رجوعكم أزكى لكم وأطهر { والله بما تعملون عليم } وقال قتادة : قال بعض المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الاية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم } وقال سعيد بن جبير { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } الاية أي لا تقفوا على أبواب الناس
وقوله تعالى : { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } الاية هذه الاية الكريمة أخص من التي قبلها وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى قال ابن جريج : قال ابن عباس { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ثم نسخ واستثنى فقال تعالى : { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم } وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري وقال آخرون : هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة والأول أظهر والله أعلم وقال مالك عن زيد بن أسلم : هي بيوت الشعر

(3/372)


هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعا كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري وكذا رواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس بن عبيد به ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضا وقال الترمذي حسن صحيح وفي رواية لبعضهم فقال أطرق بصرك يعني أنظر إلى الأرض والصرف أعم فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى والله أعلم
وقال أبو داود : حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري حدثنا شريك عن أبي ربيعة الإيادي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي [ يا علي لاتتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الاخرة ] ورواه الترمذي من حديث شريك وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديثه وفي الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إياكم والجلوس على الطرقات قالوا : يارسول الله لابد لنا من مجالسنا نتحدث فيها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ فقال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ]
وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا طالوت بن عباد حدثنا فضل بن جبير سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ اكفلوا لي ستا أكفل لكم بالجنة : إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف وغضوا أبصاركم وكفوا أيدكم واحفظوا فروجكم ] وفي صحيح البخاري [ من يكفل لي ما بين لحييه وما بين رجليه أكفل له الجنة ] وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال : كل ما عصي الله به فهو كبيرة وقد ذكر الطرفين فقال { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب كما قال بعض السلف : النظر سهم سم إلى القلب ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك فقال تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم } وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا كما قال تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون } الاية وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن [ احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ] { ذلك أزكى لهم } أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم كما قيل من حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته ويروى في قلبه
وروى الإمام أحمد : حدثنا عتاب حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ( أول مرة ) ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها ] وروي هذا مرفوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم ولكن في إسنادها ضعف إلا أنها في الترغيب ومثله يتسامح فيه وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا [ لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكسفن وجوهكم ]
وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن زهير التستري قال : قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرى حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا هريم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه ] وقوله تعالى : { إن الله خبير بما يصنعون } كما قال تعالى : { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق وزنا الأذنين الاستماع وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين الخطى والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ] رواه البخاري تعليقا ومسلم مسندا من وجه آخر بنحو ما تقدم وقد قال كثير من السلف : إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى الأمرد وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك وحرمه طائفة من أهل العلم لما فيه من الافتتان وشدد آخرون في ذلك كثيرا جدا وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو سعيد المدني حدثنا عمر بن سهل المازني حدثني عمر بن محمد بن صهبان عن صفوان بن سليم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضت عن محارم الله وعينا سهرت في سبيل الله وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله عز و جل ]

(3/376)


هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركين وكان سبب نزول هذه الاية ما ذكره مقاتل بن حيان قال : بلغنا ـ والله أعلم ـ أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرثد كانت في محل لها في بني حارثة فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل وتبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء : ما أقبح هذا فأنزل الله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } الاية فقوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } أي عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا
واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدث أن أم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وميمونة قالت [ فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم احتجبا منه فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أوعمياوان أنتما ؟ أوألستما تبصرانه ] ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت
وقوله { ويحفظن فروجهن } قال سعيد بن جبير : عن الفواحش وقال قتادة وسفيان : عما لا يحل لهن وقال مقاتل : عن الزنا وقال أبو العالية : كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الاية { ويحفظن فروجهن } أن لا يراها أحد وقوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } أي لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه قال ابن مسعود : كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لايمكن إخفاؤه وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم
وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال : وجهها وكفيها والخاتم وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها كما قال أبو إسحاق السبقي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال في قوله { ولا يبدين زينتهن } الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال : الزينة زينتان : فزينة لا يراها إلا الزوج : الخاتم والسوار وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب وقال الزهري لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر وأما عامة الناس فلا يبدين منها إلا الخواتم
وقال مالك عن الزهري { إلا ما ظهر منها } الخاتم والخلخال ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ماظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه حدثنا يعقوب بن كعب الانطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا : حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر [ دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أي يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه ] لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي هذا مرسل خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها والله أعلم
وقوله تعالى : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } يعني المقانع يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية فإنهن لم يكن يفعلن ذلك بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن كما قال تعالى : { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } وقال في هذه الاية الكريمة { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } والخمر جمع خمار وهو ما يخمر به أي يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع
قال سعيد بن جبير { وليضربن } وليشددن { بخمرهن على جيوبهن } يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء وقال البخاري حدثنا أحمد بن شبيب حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن مروطهن فاختمرن بها وقال أيضا حدثنا أبو نعيم حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول : لما نزلت هذه الاية { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا الزنجي بن خالد حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة قالت فذكرنا نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة رضي الله عنها إن لنساء قريش لفضلا وإني والله مارأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه و سلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بنت شيبه به
وقال ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن قرة بن عبد الرحمن أخبره عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها ورواه أبو داود من حديث ابن وهب به وقوله تعالى { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } أي أزواجهن { أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن } كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير اقتصاء وتبهرج وقد روى ابن المنذر حدثنا موسى يعني ابن هارون حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا داود عن الشعبي وعكرمة في هذه الاية { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن } حتى فرغ منها وقال لم يذكر العم ولا الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره
وقوله { أو نسائهن } يعني تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة لئلا تصفهن لرجالهن وذلك وإن كان محذورا في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لاتباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ] أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغازي عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال : كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة : أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها وقال مجاهد في قوله { أو نسائهن } قال نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وروى عبد الله في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس { أو نسائهن } قال هن المسلمات لا تبديه ليهودية و لانصرانية وهو النحر والقرط والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم
وروى سعيد حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد قال لاتضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول : { أو نسائهن } فليست من نسائهن وعن مكحول وعبادة بن نسي أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة فأما مارواه ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو عمير حدثنا ضمرة قال : قال ابن عطاء عن أبيه قال : لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بيت المقدس كان قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات فهذا إن صح فمحمول على حال الضرورة أو أن ذلك من باب الامتهان ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد والله أعلم
وقوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } قال ابن جرير : يعني من نساء المشركين فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها وإليه ذهب سعيد بن المسيب وقال الأكثرون : بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود : حدثنا محمد بن عيسى حدثنا أبو جميع سالم بن دينار عن ثابت عن أنس : أن النبي صلى الله عليه و سلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال : وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى الله عليه و سلم ما تلقى قال [ إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك ]
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية : أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة وأنه قد كان النبي صلى الله عليه و سلم وهبه لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته ثم قد كان بعد ذلك كله برز مع معاوية أيام صفين وكان من أشد الناس على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن نبهان عن أم سلمة ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ إذا كان إحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه ] ورواه أبو داود عن مسدد عن سفيان به وقوله تعالى : { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال } يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء وهم مع ذلك في عقولهم وله وحوب ولا همة لهم إلى النساء ولا يشتهونهن قال ابن عباس : هو المغفل الذي لا شهوة له
وقال مجاهد : هو الأبله وقال عكرمة : هو المخنث الذي لا يقوم ذكره وكذلك قال غير واحد من السلف وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن مخنثا كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه و سلم وهو ينعت امرأة يقول : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم ] فأخرجه فكان بالبيداء يدخل كل يوم جمعة ليستطعم
وروى الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت : دخل عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم وعندها ( أخوها ) مخنث وعندها عبد الله بن أبي أمية والمخنث يقول : يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان قال : فسمعه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لأم سلمة [ لا يدخلن هذا عليك ] أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه و سلم مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه و سلم وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه و سلم [ ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا ] فحجبوه ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به عن أم سلمة
وقوله تعالى : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك : فلا بأس بدخوله على النساء فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء فلا يمكن من الدخول على النساء وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال [ إياكم والدخول على النساء قيل : يا رسول الله أفرأيت الحمو ؟ قال الحمو الموت ]
وقوله تعالى { ولا يضربن بأرجلهن } الاية كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته ضربت برجلها الأرض فيعلم الرجال طنينه فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى : { ولا يضربن بأرجلهن } إلى آخره ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها فقد قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ثابت بن عمارة الحنفي عن غنيم بن قيس عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية ] قال وفي الباب عن أبي هريرة : وهذا حسن صحيح رواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به
وقال أبو داود : حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار فقال : يا أمة الجبار جئت من المسجد ؟ قالت : نعم قال لها : وله تطيبت ؟ قالت : نعم قال : إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه و سلم يقول : [ لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة ] ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان هو ابن عيينة به وروى الترمذي أيضا من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها ] ومن ذلك أيضا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج
قال أبو داود : حدثنا التغلبي حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن ابن أبي اليمان عن شداد بن أبي عمرو بن حماس عن أبيه عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للنساء [ استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق عليكن بحافات الطريق ] فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به وقوله تعالى : { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } أي افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه والله تعالى هو المستعان

(3/378)


اشتملت هذه الايات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة فقوله تعالى : { وأنكحوا الأيامى منكم } إلى آخره هذا أمر بالتزويج وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه واحتجوا بظاهر قوله عليه السلام [ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ] أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود وقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ تزوجوا توالدوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ] وفي رواية : [ حتى بالسقط ] الأيامى جمع أيم ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها وللرجل الذي لا زوجة له سواء كان قد تزوج ثم فارق أول لم يتزوج واحد منهما حكاه الجوهري عن أهل اللغة يقال رجل أيم وامرأة أيم
وقوله تعالى : { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } الاية قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : رغبهم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى فقال { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد الأزرق حدثنا عمر بن عبد الواحد عن سعيد ـ يعني ابن عبد العزيز ـ قال : بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى : { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } وعن ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح يقول الله تعالى : { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } رواه ابن جرير وذكر البغوي عن عمر بنحوه وعن الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء والغازي في سبيل الله ] رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وقد زوج النبي صلى الله عليه و سلم ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث [ تزوجوا فقراء يغنكم الله ] فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الان وفي القرآن غنية عنه وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها ولله الحمد والمنة
وقوله تعالى : { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله } هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا بالتعفف عن الحرام كما قال صلى الله عليه و سلم [ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ] الحديث وهذه الاية مطلقة والتي في سورة النساء أخص منها وهي قوله { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم } أي صبركم عن تزوج الإماء خير لكم لأن الولد يجيء رقيقا { والله غفور رحيم } قال عكرمة في قوله { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا } قال : هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله
وقوله تعالى : { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب لا أمر تحتم وإيجاب بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه قال الثوري عن جابر عن الشعبي : إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه وكذا قال ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن رجل عن عطاء بن أبي رباح : إن يشأ يكاتبه وإن يشأ لم يكاتبه وكذا قال مقاتل بن حيان والحسن البصري وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذا بظاهر هذا الأمر
وقال البخاري : وقال روح عن ابن جريج قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه قال : ما أراه إلا واجبا وقال عمرو بن دينار : قلت لعطاء : أتأثره عن أحد ؟ قال : لا ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر رضي الله عنه فقال : كاتبه فأبى فضربه بالدرة ويتلو عمر رضي الله عنه { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } فكاتبه هكذا ذكره البخاري تعليقا ورواه عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه ؟ قال : ما أراه إلا واجبا وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن بكر حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك : أن سيرين أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه فقال له عمر : لتكاتبنه إسناد صحيح وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم بن جويبر عن الضحاك قال : هي عزمة وهذا القول القديم من قولي الشافعي وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله عليه السلام [ لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه ] وقال ابن وهب : قال مالك : الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده قال مالك : وإنما ذلك أمر من الله تعالى وإذن منه للناس وليس بواجب وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الاية
وقوله تعالى : { إن علمتم فيهم خيرا } قال بعضهم : أمانة وقال بعضهم : صدقا وقال بعضهم : مالا وقال بعضهم : حيلة وكسبا وروى أبو داود في المراسيل عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } قال [ إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس ] وقوله تعالى : { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } اختلف المفسرون فيه فقال بعضهم : معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها ثم قال بعضهم : مقدار الربع وقيل الثلث وقيل النصف وقيل جزء من الكتابة من غير حد
وقال آخرون : بل المراد من قوله { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكاة وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل بن حيان واختاره ابن جرير وقال إبراهيم النخعي في قوله { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } قال : حث الناس عليه مولاه وغيره وكذا قال بريدة بن الحصيب الأسلمي وقتادة وقال ابن عباس : أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب وقد تقدم في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ ثلاثة حق على الله عونهم ] فذكر منهم المكاتب يريد الأداء والقول الأول أشهر وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا وكيع عن ابن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر : أنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية فجاء بنجمه حين حل فقال : يا أبا أمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك فقال : يا أمير المؤمنين لو تركته حتى يكون من آخر نجم ؟ قال : أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } قال عكرمة : فكان أول نجم أدي في الإسلام
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال : كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الاية { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } قال : يعني ضعوا عنهم في مكاتبتهم وكذا قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي وقال محمد بن سيرين في قوله : { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا الفضل بن شاذان المقرى أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج أخبرني عطاء بن السائب : أن عبد الله بن جندب أخبره عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ ربع الكتابة ] وهذا حديث غريب ورفعه منكر والأشبه أنه موقوف على علي رضي الله عنه كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله
وقوله تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } الاية كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت فلماء جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك وكان سبب نزول هذه الاية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم
ذكر الاثار الواردة في ذلك
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار رحمه الله في مسنده : حدثنا أحمد بن داود الواسطي حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري قال : كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها معاذة يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } الاية وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر في هذه الاية قال : نزلت في أمة لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها مسيكة كان يكرهها على الفجور وكانت لا بأس بها فتأبى فأنزل الله هذه الاية { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } وروى النسائي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر نحوه
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عمرو بن علي حدثنا علي بن سعيد حدثنا الأعمش حدثني أبو سفيان عن جابر قال : كان لعبد الله بن أبي ابن سلول جارية يقال لها مسيكة وكان يكرهها على البغاء فأنزل الله { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان بن طلحة بن نافع فدل على بطلان قول من قال : لم يسمع منه إنما هو صحيفة حكاه البزار وقال أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس : أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادا من الزنا فقال لها مالك : لتزنين قالت : والله لا أزني فضربها فأنزل الله عز و جل { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء }
وروى البزار أيضا : حدثنا أحمد بن داود الوسطي حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال : كانت جارية لعبدالله بن أبي يقال لها معاذ يكرهها على الزنا فلما جاء الاسلام نزلت { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أن رجلا من قريش أسر يوم بدر وكان عند عبد الله بن أبي أسيرا وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها معاذة وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها وكانت مسلمة وكانت تمتنع منه لإسلامها وكان عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده فقال تبارك وتعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا }
وقال السدي : أنزلت هذه الاية الكريمة في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين وكانت له جارية تدعى معاذة وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له فأقبلت الجارية إلى أبي بكر رضي الله عنه فشكت إليه فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه و سلم فأمره بقبضها فصاح عبد الله بن أبي من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا فأنزل الله فيهم هذا وقال مقاتل بن حيان : بلغني ـ والله أعلم ـ أن هذه الاية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصار وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه و سلم فذكرتا ذلك له فأنزل الله في ذلك { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } يعني الزنا
وقوله تعالى : { إن أردن تحصنا } هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له وقوله تعالى : { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } أي من خراجهن ومهورهن وأولادهن وقد نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن وفي رواية [ مهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث ] وقوله تعالى : { ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } أي لهن كما تقدم في الحديث عن جابر وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم وإثمهن على من أكرههن وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة
وقال أبو عبيد : حدثني إسحاق الأزرق عن عوف عن الحسن في هذ الاية { فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } قال لهن والله لهن والله وعن الزهري قال غفور لهن ما أكرهن عليه وعن زيد بن أسلم قال غفور رحيم للمكرهات حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن عبد الله حدثني ابن لهيعة حدثني عطاء عن سعيد بن جبير قال في قراءة عبد الله بن مسعود { فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } لهن وإثمهن على من أكرههن وفي الحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال [ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ]
ولما فصل تبارك وتعالى هذه الأحكام وبينها قال تعالى : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } يعني القرآن فيه آيات واضحات مفسرات { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } أي خبرا عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى كما قال تعالى { فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين } أي زاجرا عن ارتكاب المآثم والمحارم { للمتقين } أي لمن اتقى الله وخافه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة القرآن : فيه حكم ما بينكم وخبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله

(3/382)