صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير ابن كثير ]
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء
عدد الأجزاء : 4

يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم { خير مقاما وأحسن نديا } أي أحسن منازل وأرفع دورا وأحسن نديا وهو مجتمع الرجال للحديث أي ناديهم أعمر وأكثر واردا وطارقا يعنون فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق كما قال تعالى مخبرا عنهم : { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه } وقال قوم نوح : { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } وقال تعالى : { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين } ولهذا قال تعالى رادا على شبهتهم { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم { هم أحسن أثاثا ورئيا } أي كانوا أحسن من هؤلاء أموالا ومناظر وأشكالا وأمتعة قال الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس { خير مقاما وأحسن نديا } قال المقام المنزل والندي المجلس والأثاث المتاع والرئي المنظر وقال العوفي عن ابن عباس المقام المسكن والندي المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص شأنهم في القرآن : { كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم } فالمقام المسكن والنعيم والندي المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه وقال تعالى فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط : { وتأتون في ناديكم المنكر } والعرب تسمي المجلس النادي وقال قتادة : لما رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم في عيشهم خشونة وفيهم قشافة فعرض أهل الشرك ما تسمعون { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } وكذا قال مجاهد والضحاك ومنهم من قال في الأثاث هو المال ومنهم من قال الثياب ومنهم من قال المتاع والرئي المنظر كما قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد وقال الحسن البصري يعني الصور وكذا قال مالك : { أثاثا ورئيا } أكثر أموالا وأحسن صورا والكل متقارب صحيح

(3/181)


يقول تعالى : { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على حق وأنكم على باطل : { من كان في الضلالة } أي منا ومنكم { فليمدد له الرحمن مدا } أي فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله { حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب } يصيبه { وإما الساعة } بغتة تأتيه { فسيعلمون } حينئذ { من هو شر مكانا وأضعف جندا } في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندى قال مجاهد في قوله : { فليمدد له الرحمن مدا } فليدعه الله في طغيانه وهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير رحمه الله وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله : { يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } أي ادعوا بالموت على المبطل منا أو منكم إن كنتم تدعون أنكم على الحق فإنه لا يضركم الدعاء فنكلوا عن ذلك وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطا ولله الحمد وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله وقد ذكر الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى وأنه مخلوق كآدم قال تعالى بعد ذلك : { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } فنكلوا أيضا عن ذلك

(3/182)


لما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه أخبر بزيادة المهتدين هدى كما قال تعالى : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا } الايتين وقوله : { والباقيات الصالحات } قد تقدم تفسيرها والكلام عليها وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف { خير عند ربك ثوابا } أي جزاء { وخير مردا } أي عاقبة ومردا على صاحبها وقال عبد الرزاق : أخبرنا عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : [ جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم فأخذ عودا يابسا فحط ورقه ثم قال : إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن هن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة ] قال أبو سلمة : فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال : لأهللن الله ولأكبرن الله ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وهذا ظاهره أنه مرسل ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن أبي الدرداء والله أعلم وهكذا وقع في سنن ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن عمر بن راشد عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي الدرداء فذكر نحوه

(3/183)


وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال : كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت : لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه و سلم حتى تموت ثم تبعث قال : فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك فأنزل الله : { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به وفي لفظ البخاري : كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فذكر الحديث وقال : { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } قال : موثقا
وقال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال : قال خباب بن الأرت : كنت قينا بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل فاجتمعت لي عليه دراهم فجئت لأتقاضاه فقال لي : لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت : لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال : فإذا بعثت كان لي مال وولد فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأنزل الله { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } الايات وقال العوفي عن ابن عباس : إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا يطالبون العاص بن وائل السهمي بدين فأتوه يتقاضونه فقال : ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات ؟ قالوا : بلى قال : فإن موعدكم الاخرة فو الله لأوتين مالا وولدا ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به فضرب الله مثله في القرآن فقال { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم : أنها نزلت في العاص بن وائل وقوله : { لأوتين مالا وولدا } قرأ بعضهم بفتح الواو من ولدا وقرأ آخرون بضمها وهو بمعناه قال رؤبة :
( الحمد لله العزيز فردا ... لم يتخذ من ولد شيء ولدا )
وقال الحارث بن حلزة :
( ولقد رأيت معاشرا ... قد ثمروا مالا وولدا )
وقال الشاعر :
( فليت فلانا كان في بطن أمه ... وليت فلانا كان ولد حمار )
وقيل : إن الولد بالضم جمع والولد بالفتح مفرد وهي لغة قيس والله أعلم { أطلع الغيب } إنكار على هذا القائل { لأوتين مالا وولدا } يعني يوم القيامة أي أعلم ماله في الاخرة حتى تألى وحلف على ذلك { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك وقد تقدم عند البخاري أنه الموثق وقال الضحاك عن ابن عباس : { أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا } قال : لا إله إلا الله فيرجو بها وقال محمد بن كعب القرظي { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } قال : شهادة أن لا إله إلا الله ثم قرأ { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا }
وقوله : { كلا } هي حرف ردع لما قبلها وتأكيد لما بعدها { سنكتب ما يقول } أي من طلبه ذلك وحكمه لنفسه بما يتمناه وكفره بالله العظيم { ونمد له من العذاب مدا } أي في الدار الاخرة على قوله ذلك وكفره بالله في الدنيا { ونرثه ما يقول } أي من مال وولد نسلبه منه عكس ما قال إنه يؤتى في الدار الاخرة مالا وولدا زيادة على الذي له في الدنيا بل في الاخرة يسلب منه الذي كان له في الدنيا ولهذا قال تعالى : { ويأتينا فردا } أي من المال والولد قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { ونرثه ما يقول } قال : نرثه
قال مجاهد : { ونرثه ما يقول } ماله وولده وذلك الذي قال العاص بن وائل وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة { ونرثه ما يقول } قال : ما عنده وهو قوله : { لأوتين مالا وولدا } وفي حرف ابن مسعود : ونرثه ما عنده وقال قتادة { ويأتينا فردا } لا مال له ولا ولد وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم { ونرثه ما يقول } قال : ما جمع من الدنيا وما عمل فيها قال { ويأتينا فردا } قال : فردا من ذلك لا يتبعه قليل ولا كثير

(3/183)


يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الالة { عزا } يعتزون بها ويستنصرونها ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا ولا يكون ما طمعوا فقال : { كلا سيكفرون بعبادتهم } أي يوم القيامة { ويكونون عليهم ضدا } أي بخلاف ما ظنوا فيهم كما قال تعالى : { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } وقرأ أبو نهيك { كلا سيكفرون بعبادتهم } وقال السدي : { كلا سيكفرون بعبادتهم } أي بعبادة الأوثان
وقوله : { ويكونون عليهم ضدا } أي بخلاف ما رجوا منهم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { ويكونون عليهم ضدا } قال : أعوانا قال مجاهد : عونا عليهم تخاصمهم وتكذبهم وقال العوفي عن ابن عباس { ويكونون عليهم ضدا } قال : قرناء وقال قتادة : قرناء في النار يلعن بعضهم بعضا ويكفر بعضهم ببعض وقال السدي { ويكونون عليهم ضدا } قال : الخصماء الأشداء في الخصومة وقال الضحاك { ويكونون عليهم ضدا } قال : أعداء وقال ابن زيد : الضد البلاء وقال عكرمة : الضد الحسرة
وقوله : { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : تغويهم إغواءا وقال العوفي عنه : تحرضهم على محمد وأصحابه وقال مجاهد : تشليهم إشلاء وقال قتادة : تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله وقال سفيان الثوري : تغريهم إغراءا وتستعجلهم استعجالا وقال السدي : تطغيهم طغيانا وقال عبد الرحمن بن زيد : هذا كقوله تعالى : { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين } وقوله : { فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا } أي لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم { إنما نعد لهم عدا } أي إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله وقال : { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } الاية { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } { نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } وقال السدي : إنما نعد لهم عدا : السنين والشهور والأيام والساعات وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { إنما نعد لهم عدا } قال : نعد أنفاسهم في الدنيا

(3/184)


يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم وأطاعوهم فيما أمروهم به وانتهوا عما عنه زجروهم أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه والوفد هم القادمون ركبانا ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الاخرة وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم فإنهم يساقون عنفا إلى النار { وردا } عطاشا قاله عطاء وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد وههنا يقال : { أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا }
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } قال : يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحا فيقول : من أنت ؟ فيقول أما تعرفني ؟ فيقول : لا إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك فيقول : أنا عملك الصالح هكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه فطالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني فيركبه فذلك قوله : { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } قال : ركبانا
وقال ابن جرير : حدثني ابن المثنى حدثنا ابن مهدي عن شعبة عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } قال : على الإبل وقال ابن جريج : على النجائب وقال الثوري : على الإبل النوق وقال قتادة { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } قال : إلى الجنة وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه : حدثنا سويد بن سعيد أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق حدثنا النعمان بن سعد قال : كنا جلوسا عند علي رضي الله عنه فقرأ هذه الاية : { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } قال : لا والله ما على أرجلهم يحشرون ولا يحشر الوفد على أرجلهم ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به وزاد عليها رحائل من ذهب وأزمتها الزبرجد والباقي مثله
وروى ابن أبي حاتم ههنا حديثا غريبا جدا مرفوعا عن علي فقال : حدثنا أبي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي سمعت أبا معاذ البصري قال : إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأ هذه الاية { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } فقال : ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين يا علي فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها فيفتح له فإذا رآه خر له ـ قال مسلمة أراه قال ساجدا ـ فيقول : ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك فيتبعه ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول : أنت حبي وأنا حبك وأنا الخالدة التي لا أموت وأنا الناعمة التي لا أبأس وأنا الراضية التي لا أسخط وأنا المقيمة التي لا أظعن فيدخل بيتا من رأسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق : أحمر وأصفر وأخضر ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها وفي البيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون حشية على كل حشية سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه الأنهار من تحتهم تطرد أنهار من ماء غير آسن قال : صاف لا كدر فيه وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ولم يخرج من ضروع الماشية وأنهار من خمر لذة للشاربين لم يعتصرها الرجال بأقدامهم وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء متكئا ثم تلا : { ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا } فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال أخضر فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء ثم يطير فتذهب فيدخل الملك فيقول : سلام عليكم { تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض لأضاءت الشمس معها سواد في نور ] هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا وقد رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه بنحوه وهو أشبه بالصحة والله أعلم
وقوله : { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } أي عطاشا { لا يملكون الشفاعة } أي ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض كما قال تعالى مخبرا عنهم : { فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم } وقوله : { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } هذا استثناء منقطع بمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } قال : العهد شهادة أن لا إله إلا الله ويبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله عز و جل
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عثمان بن خالد الواسطي حدثنا محمد بن الحسن الواسطي عن المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود بن يزيد قال : قرأ عبد الله يعني ابن مسعود هذه الاية { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } ثم قال : اتخذوا عند الله عهدا فإن الله يوم القيامة يقول : من كان له عند الله عهد فليقم قالوا : يا أبا عبد الرحمن فعلمنا قال : قولوا : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أن لا تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد وقال المسعودي : فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن أخبرنا ابن مسعود وكان يحلق بهن خائفا مستجيرا مستغفرا راهبا راغبا إليك ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه

(3/185)


لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى عليه السلام وذكر خلقه من مريم بلا أب شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدا تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا فقال : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم } أي في قولكم هذا { شيئا إدا } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك : أي عظيما ويقال إدا بكسر الهمزة وفتحها ومع مدها أيضا ثلاث لغات أشهرها الأولى وقوله : { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا } أي يكاد ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظاما للرب وإجلالا لأنهم مخلوقات ومؤسسات على توحيده وأنه لا إله إلا هو وأنه لا شريك له ولا نظير له ولا ولد له ولا صاحبة له ولا كفء له بل هو الأحد الصمد
( وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد )
قال ابن جرير : حدثني علي حدثنا عبد الله حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله : { تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا } قال : إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول منه لعظمة الله وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله فمن قالها عند موته وجبت له الجنة فقالوا : يا رسول الله فمن قالها في صحته ؟ قال تلك أوجب وأوجب ] ثم قال [ والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن ] هكذا رواه ابن جرير ويشهد له حديث البطاقة والله أعلم
وقال الضحاك : { تكاد السموات يتفطرن منه } أي يتشققن فرقا من عظمة الله وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : { وتنشق الأرض } أي غضبا له عز و جل { وتخر الجبال هدا } قال ابن عباس : هدما وقال سعيد بن جبير : هدا ينكسر بعضها على بعض متتابعات وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا مسعر عن عون عن عبد الله قال : إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر الله عز و جل ؟ فيقول : نعم ويستبشر قال عون : لهي للخير أسمع أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره ثم قرأ { تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا }
وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا المنذر بن شاذان حدثنا هودة حدثنا عوف عن غالب بن عجرد حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال : بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة ـ أو قال ـ كان لهم فيها منفعة ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم : اتخذ الرحمن ولدا فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر وقال كعب الأحبار : غضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنه يشرك به ويجعل له ولدا وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم ] أخرجاه في الصحيحين وفي لفظ [ أنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم ] وقوله : { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي لا يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته لأنه لا كفء له من خلقه لأن جميع الخلائق عبيد له ولهذا قال : { إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا } أي قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة ولا يظلم أحدا

(3/187)


يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات وهي الأعمال التي ترضي الله عز و جل لمتابعتها الشريعة المحمدية ـ يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من غير وجه قال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل قال : ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يحب فلانا فأحبوه قال : فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإن الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل إني أبغض فلانا فأبغضه قال : فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال : فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغضاء في الأرض ] ورواه مسلم من حديث سهيل ورواه أحمد والبخاري من حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع مولى ابن عمر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم نحوه
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر حدثنا ميمون أبو محمد المرائي حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ إن العبد ليلتمس مرضاة الله عز و جل فلا يزال كذلك فيقول الله عز و جل لجبريل : إن فلانا عبدي يلتمس أن يرضيني ألا وإن رحمتي عليه فيقول جبريل : رحمة الله على فلان ويقولها حملة العرش ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السموات السبع ثم يهبط إلى الأرض ] غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر حدثنا شريك عن محمد بن سعد الواسطي عن أبي ظبية عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن المقة من الله ] ـ قال شريك : هي المحبة ـ والصيت في السماء [ فإذا أحب الله عبدا قال لجبريل عليه السلام : إني أحب فلانا فينادي جبريل : إن ربكم يمق ـ يعني يحب ـ فلانا فأحبوه ـ أرى شريكا قد قال : فتنزل له المحبة في الأرض ـ وإذا أبغض عبدا قال لجبريل : إني أبغض فلانا فأبغضه قال : فينادي جبريل : إن ربكم يبغض فلانا فأبغضوه ـ أرى شريكا قال - : فيجري له البغض في الأرض ] غريب ولم يخرجوه
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو داود الحفري حدثنا عبد العزيز ـ يعني ابن محمد ـ وهو الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ إذا أحب الله عبدا نادى جبريل : إني قد أحببت فلانا فأحبه فينادي في السماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قول الله عز و جل : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } ] رواه مسلم والترمذي كلاهما عن عبد الله عن قتيبة عن الدراوردي به وقال الترمذي : حسن صحيح
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : { سيجعل لهم الرحمن ودا } قال : حبا وقال مجاهد عنه : { سيجعل لهم الرحمن ودا } قال : محبة في الناس في الدنيا وقال سعيد بن جبير عنه يحبهم ويحببهم يعني إلى خلقه المؤمنين كما قال مجاهد أيضا و الضحاك وغيرهم وقال العوفي عن ابن عباس أيضا : الود من المسلمين في الدنيا والرزق الحسن واللسان الصادق وقال قتادة { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } إي والله في قلوب أهل الإيمان وذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول : ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم وقال قتادة : وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول : ما من عبد يعمل خيرا أو شرا إلا كساه الله عز و جل رداء عمله
وقال ابن أبي حاتم رحمه الله : حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصري رحمه الله قال : قال رجل : والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائما يصلي وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج فكان لا يعظم فمكث بذلك سبعة أشهر وكان لا يمر على قوم إلا قالوا : انظروا إلى هذا المرائي فأقبل على نفسه فقال : لا أراني أذكر إلا بشر لأجعلن عملي كله لله عز و جل فلم يزد على أن قلب نيته ولم يزد على العمل الذي كان يعمله فكان يمر بعد بالقوم فيقولون : رحم الله فلانا الان وتلا الحسن { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } وقد روى ابن جرير أن هذه الاية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف وهو خطأ فإن هذه السورة بكمالها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة ولم يصح سند ذلك والله أعلم
وقوله : { فإنما يسرناه } يعني القرآن { بلسانك } أي يا محمد وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل { لتبشر به المتقين } أي المستجيبين لله المصدقين لرسوله { وتنذر به قوما لدا } أي عوجا عن الحق مائلين إلى الباطل وقال ابن أبي نجيج عن مجاهد { قوما لدا } لا يستقيمون وقال الثوري عن إسماعيل وهو السدي عن أبي صالح { وتنذر به قوما لدا } عوجا عن الحق وقال الضحاك : الألد الخصم وقال القرظي : الألد الكذاب وقال الحسن البصري { قوما لدا } صما وقال غيره : صم آذان القلوب وقال قتادة : قوما لدا يعني قريشا وقال العوفي عن ابن عباس { قوما لدا } فجارا وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد
وقال ابن زيد : الألد الظلوم وقرأ قوله تعالى : { وهو ألد الخصام } وقوله : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } أي من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } أي هل ترى منهم أحدا أو تسمع لهم ركزا وقال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد : يعني صوتا وقال الحسن وقتادة : هل ترى عينا أو تسمع صوتا والركز في أصل اللغة هو الصوت الخفي
قال الشاعر :
( فتوجست ركز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها )
آخر تفسير سورة مريم ولله الحمد والمنة ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة طه والحمد لله

(3/188)


سورة طه
وهي مكية
روى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد عن زياد بن أيوب عن إبراهيم بن المنذر الحزامي : حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار عن عمر بن حفص بن ذكوان عن مولى الحرقة ـ يعني عبد الرحمن بن يعقوب ـ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام فلما سمعت الملائكة قالوا : طوبى لأمة ينزل عليهم هذا وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسن تتكلم بهذا ] هذا حديث غريب وفيه نكارة و إبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما
بسم الله الرحمن الرحيم

(3/191)


قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسين بن محمد بن شيبة الواسطي حدثنا أبو أحمد ـ يعني الزبيري ـ أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : طه يا رجل وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبي مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى أنهم قالوا : طه بمعنى يا رجل وفي رواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنها كلمة بالنبطية معناها يا رجل وقال أبو صالح : هي معربة
وأسند القاضي عياض في كتابه الشفاء من طريق عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر عن الربيع بن أنس قال : [ كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى ] فأنزل الله تعالى : { طه } يعني : طأ الأرض يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ثم قال : ولا يخفى بما في هذا الإكرام وحسن المعاملة وقوله : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } قال جويبر عن الضحاك : لما أنزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه و سلم قام به هو وأصحابه فقال المشركون من قريش : ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فأنزل الله تعالى : { طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى } فليس الأمر كما زعمه المبطلون بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرا كثيرا كما ثبت في الصحيحين عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ]
وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال : حدثنا أحمد بن زهير حدثنا العلاء بن سالم حدثنا إبراهيم الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن سفيان عن سماك بن حرب عن ثعلبة بن الحكم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده : إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي ] إسناده جيد وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي ذكره أبو عمر في استيعابه وقال : نزل البصرة ثم تحول إلى الكوفة وروى عنه سماك بن حرب
وقال مجاهد في قوله : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } هي كقوله : { فاقرؤوا ما تيسر منه } وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة وقال قتادة : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } لا والله ما جعله شقاء ولكن جعله رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة { إلا تذكرة لمن يخشى } إن الله أنزل كتابه وبعث رسوله رحمة رحم بها عباده ليتذكر ذاكر وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه
وقوله : { تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى } أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو تنزيل من ربك رب كل شيء ومليكه القادر على ما يشاء الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وقد أورد ابن أبي حاتم ههنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله صلى الله عليه و سلم وBه وقوله : { الرحمن على العرش استوى } تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل
وقوله : { له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } أي الجميع ملكه وفي قبضته وتحت تصرفه ومشيئته وإرادته وحكمه وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه لا إله سواه ولا رب غيره وقوله : { وما تحت الثرى } قال محمد بن كعب : أي ما تحت الأرض السابعة وقال الأوزاعي : إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعبا سئل فقيل له : ما تحت هذه الأرض ؟ فقال : الماء قيل : وما تحت الماء ؟ قال : الأرض قيل : وما تحت الأرض ؟ قال : الماء قيل : وما تحت الماء ؟ قال : الأرض قيل : وما تحت الأرض ؟ قال : الماء قيل : وما تحت الماء ؟ قال : الأرض قيل : وما تحت الأرض ؟ قال : الماء قيل : وما تحت الماء ؟ قال : الأرض قيل : وما تحت الأرض ؟ قال : الصخرة قيل : وما تحت الصخرة ؟ قال : ملك قيل : وما تحت الملك ؟ قال : حوت معلق طرفاه بالعرش قيل : وما تحت الحوت ؟ قال : الهواء والظلمة وانقطع العلم
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب حدثنا عمي حدثنا عبد الله بن عياش حدثنا عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة والصخرة بيد الملك والثانية سجن الريح والثالثة فيها حجارة جهنم والرابعة فيها كبريت جهنم والخامسة فيها حيات جهنم والسادسة فيها عقارب جهنم والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يد أمامه ويد خلفه فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه ] وهذا حديث غريب جدا ورفعه فيه نظر
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا أبو موسى الهروي عن العباس بن الفضل قال : قلت ابن الفضل الأنصاري ؟ قال : نعم عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال : [ كنت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك فأقبلنا راجعين في حر شديد فنحن متفرقون بين واحد واثنين منتشرين قال وكنت في أول العسكر إذا عارضنا رجل فسلم ثم قال : أيكم محمد ؟ ومضى أصحابي ووقفت معه فإذا رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر مقنع بثوبه على رأسه من الشمس فقلت : أيها السائل هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أتاك فقال : أيهم هو ؟ فقلت : صاحب البكر الأحمر فدنا منه فأخذ بخطام راحلته فكف عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أنت محمد ؟ قال : نعم قال : إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه و سلم سل عما شئت قال : يا محمد أينام النبي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : تنام عيناه ولا ينام قلبه قال : صدقت ثم قال : يا محمد من أين يشبه الولد أباه وأمه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فأي الماءين غلب على الاخر نزع الولد فقال : صدقت فقال : ما للرجل من الولد وما للمرأة منه ؟ فقال للرجل العظام والعروق والعصب وللمرأة اللحم والدم والشعر قال : صدقت ثم قال : يا محمد ما تحت هذه ؟ ـ يعني الأرض ـ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : خلق فقال : فما تحتهم ؟ قال أرض قال : فما تحت الأرض ؟ قال : الماء قال : فما تحت الماء ؟ قال : ظلمة قال : فما تحت الظلمة ؟ قال : الهواء قال : فما تحت الهواء ؟ قال : الثرى قال : فما تحت الثرى ؟ ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالبكاء وقال : انقطع علم الخلق عند علم الخالق أيها السائل ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال : فقال صدقت أشهد أنك رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أيها الناس هل تدرون من هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال هذا جبريل عليه السلام ] هذا حديث غريب جدا وسياق عجيب تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا وقد قال فيه يحيى بن معين : ليس يساوي شيئا وضعفه أبو حاتم الرازي وقال ابن عدي : لا يعرف قلت : وقد خلط في هذا الحديث ودخل عليه شيء في شيء وحديث في حديث وقد يحتمل أنه تعمد ذلك أو أدخل عليه فيه والله أعلم
وقوله : { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } أي أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسموات العلى الذي يعلم السر وأخفى كما قال تعالى : { قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : { يعلم السر وأخفى } قال : السر ما أسره ابن آدم في نفسه { وأخفى } ما أخفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه فالله يعلم ذلك كله فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة وهو قوله : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } وقال الضحاك { يعلم السر وأخفى } قال : السر ما تحدث به نفسك وأخفى ما لم تحدث به نفسك بعد
وقال سعيد بن جبير : أنت تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدا والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غدا وقال مجاهد { وأخفى } يعني الوسوسة وقال أيضا هو و سعيد بن جبير { وأخفى } أي ما هو عالمه مما لم يحدث به نفسه وقوله : { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } أي الذي أنزل عليك القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف ولله الحمد والمنة

(3/191)


من هنا شرع تبارك وتعالى في ذكر قصة موسى وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم وسار بأهله قيل : قاصدا بلاد مصر بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين ومعه زوجته فأضل الطريق وكانت ليلة شاتية ونزل منزلا بين شعاب وجبال في برد وشتاء وسحاب وظلام وضباب وجعل يقدح بزند معه ليوري نارا كما جرت له العادة به فجعل لا يقدح شيئا ولا يخرج منه شرر ولا شيء فينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا أي ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه فقال لأهله يبشرهم : { إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس } أي شهاب من نار وفي الاية الأخرى { أو جذوة من النار } وهي الجمر الذي معه لهب { لعلكم تصطلون } دل على وجود البرد
وقوله : { بقبس } دل على وجود الظلام وقوله : { أو أجد على النار هدى } أي من يهديني الطريق دل على أنه قد تاه عن الطريق كما قال الثوري عن أبي سعيد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : { أو أجد على النار هدى } قال : من يهديني إلى الطريق وكانوا شاتين وضلوا الطريق فلما رأى النار قال : إن لم أجد أحدا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار توقدون بها

(3/194)


يقول تعالى : { فلما أتاها } أي النار واقترب منها { نودي يا موسى } وفي الاية الأخرى { نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله } وقال ههنا { إني أنا ربك } أي الذي يكلمك ويخاطبك { فاخلع نعليك } قال علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو أيوب وغير واحد من السلف : كانتا من جلد حمار غير ذكي وقيل : إنما أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة وقال سعيد بن جبير : كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة وقيل : ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيا غير منتعل وقيل غير ذلك والله أعلم
وقوله : { طوى } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هو اسم للوادي وكذا قال غير واحد فعلى هذا يكون عطف بيان وقيل عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه وقيل : لأنه قدس مرتين وطوى له البركة وكررت والأول أصح كقوله : { إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى } وقوله : { وأنا اخترتك } كقوله : { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } أي على جميع الناس من الموجودين في زمانه وقد قيل : إن الله تعالى قال يا موسى أتدري لم خصصتك بالتلكيم من بين الناس ؟ قال : لا قال : لأني لم يتواضع إلي أحد تواضعك وقوله : { فاستمع لما يوحى } أي استمع الان ما أقول لك وأوحيه إليك { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وقوله : { فاعبدني } أي وحدني وقم بعبادتي من غير شريك { وأقم الصلاة لذكري } قيل : معناه صل لتذكرني وقيل : معناه وأقم الصلاة عند ذكرك لي ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال : وأقم الصلاة لذكري ] وفي الصحيحين عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ] وقوله : { إن الساعة آتية } أي قائمة لا محالة وكائنة لا بد منها
وقوله : { أكاد أخفيها } قال الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرؤها : أكاد أخفيها من نفسي يقول : لأنها لا تخفى من نفس الله أبدا وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : من نفسه : وكذا قال مجاهد وأبو صالح ويحيى بن رافع وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { أكاد أخفيها } يقول : لا أطلع عليها أحدا غيري وقال السدي : ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة وهي في قراءة ابن مسعود إني أكاد أخفيها من نفسي يقول : كتمتها عن الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت وقال قتادة : أكاد أخفيها وهي في بعض القراءات : أخفيها من نفسي ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين قلت وهذا كقوله تعالى : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } وقال : { ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة } أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب حدثنا أبو نميلة حدثني محمد بن سهل الأسدي عن وقاء قال : أقرأنيها سعيد بن جبير : أكاد أخفيها يعني بنصب الألف وخفض الفاء يقول أظهرها ثم قال أما سمعت قول الشاعر :
( دأب شهرين ثم شهرا دميكا ... بأريكين يخفيان غميرا )
قال السدي : الغمير نبت رطب ينبت في خلال يبس والأريكين موضع والدميك الشهر التام وهذا الشعر لكعب بن زهير وقوله سبحانه وتعالى : { لتجزى كل نفس بما تسعى } أي أقيمها لا محالة لأجزي كل عامل بعمله { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } { إنما تجزون ما كنتم تعملون } وقوله : { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها } الاية المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين أي لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة وأقبل على ملاذه في دنياه وعصى مولاه واتبع هواه فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر { فتردى } أي تهلك وتعطب قال الله تعالى : { وما يغني عنه ماله إذا تردى }

(3/194)


هذا برهان من الله تعالى لموسى عليه السلام ومعجزة عظيمة وخرق للعادة باهر دل على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله عز و جل وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل وقوله : { وما تلك بيمينك يا موسى } قال بعض المفسرين : إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له وقيل : وإنما قال له ذلك على وجه التقرير أي أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها فسترى ما نصنع بها الان { وما تلك بيمينك يا موسى } استفهام تقرير { قال هي عصاي أتوكأ عليها } أي أعتمد عليها في حال المشي { وأهش بها على غنمي } أي أهز بها الشجرة ليتساقط ورقها لترعاه غنمي قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك : الهش أن يضع الرجل المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود فهذا الهش ولا يخبط وكذا قال ميمون بن مهران أيضا
وقوله : { ولي فيها مآرب أخرى } أي مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت فقيل : كانت تضيء له بالليل وتحرس له الغنم إذا نام ويغرسها فتصير شجرة تظله وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة والظاهر أنها لم تكن كذلك ولو كانت كذلك لما استنكر موسى عليه الصلاة و السلام صيرورتها ثعبانا فما كان يفر منها هاربا ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية وكذا قول بعضهم : إنها كانت لادم عليه الصلاة و السلام وقول الاخر : إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة وروي عن ابن عباس أنه قال : كان اسمها ما شا والله أعلم بالصواب
وقوله تعالى : { قال ألقها يا موسى } أي هذه العصا التي في يدك يا موسى ألقها { فألقاها فإذا هي حية تسعى } أي صارت في الحال حية عظيمة ثعبانا طويلا يتحرك حركة سريعة فإذا هي تهتز كأنها جان وهو أسرع الحيات حركة ولكنه صغير فهذه في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة { تسعى } أي تمشي وتضطرب قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا حفص بن جميع حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس { فألقاها فإذا هي حية تسعى } ولم تكن قبل ذلك حية فمرت بشجرة فأكلتها ومرت بصخرة فابتلعتها فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبرا ونودي : أن يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية : أن خذها ولا تخف فقيل له في الثالثة : إنك من الامنين فأخذها
وقال وهب بن منبه في قوله : { فألقاها فإذا هي حية تسعى } قال فألقاها على وجه الأرض ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون فدب يلتمس كأنه يبتغي شيئا يريد أخذه يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها عيناه توقدان نارا وقد عاد المحجن منها عرفا قيل : شعره مثل النيازك وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ولم يعقب فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي يا موسى أن ارجع حيث كنت فرجع موسى وهو شديد الخوف فقال : { خذها } بيمينك { ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى } وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف فدخلها بخلال من عيدان فلما أمره بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده فقال له ملك : أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا ؟ قال : لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الأضراس والأنياب ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين ولهذا قال تعالى : { سنعيدها سيرتها الأولى } أي إلى حالها التي تعرف قبل ذلك

(3/196)


وهذا برهان ثان لموسى عليه السلام وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه كما صرح به في الاية الأخرى وههنا عبر عن ذلك بقوله : { واضمم يدك إلى جناحك } وقال في مكان آخر { واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه } وقال مجاهد : { واضمم يدك إلى جناحك } كفك تحت عضدك وذلك أن موسى عليه السلام كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر وقوله : { تخرج بيضاء من غير سوء } أي من غير برص ولا أذى ومن غير شين قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم وقال الحسن البصري : أخرجها والله كأنها مصباح فعلم موسى أنه قد لقي ربه عز و جل ولهذا قال تعالى : { لنريك من آياتنا الكبرى } وقال وهب : قال له ربه : ادنه فلم يزل يدنيه حتى أسند ظهره بجذع الشجرة فاستقر وذهبت عنه الرعدة وجمع يده في العصا وخضع برأسه وعنقه
وقوله : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } أي اذهب إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فارا منه وهاربا فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم فإنه قد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الرب الأعلى قال وهب بن منبه : قال الله لموسى : انطلق برسالتي فإنك بسمعي وعيني وإن معك أيدي ونصري وإني قد ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري فأنت جند عظيم من جندي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا عني حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وزعم أنه لا يعرفني فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار فإن أمرت السماء حصبته وإن أمرت الأرض ابتلعته وإن أمرت الجبال دمرته وإن أمرت البحار غرقته ولكنه هان علي وسقط من عيني ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحقي إني أنا الغني لاغني غيري فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي وذكره أيامي وحذره نقمتي وبأسي وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني وقل له أجب ربك فإنه واسع المغفرة وقد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزه بالمحاربة تسبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل ولكنه ذو أناة وحلم عظيم وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة ولا قليل مني تغلب الفئة الكثيرة بإذني ولا تعجبنكما زينته ولا ما متع به ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين نظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي وقديما ما جرت عادتي في ذلك فإني لأذودهم عن نعيمها وزخارفها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العناء وما ذاك لهوانهم علي ولكن لسيتكملوا نصيبهم في دار كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع وسيماهم في وجوههم من أثر السجود أولئك أوليائي حقا حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل قلبك ولسانك واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والاخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري رواه ابن أبي حاتم { قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري } هذا سؤال من موسى عليه السلام لربه عز و جل أن يشرح له صدره فيما بعثه به فإنه قد أمره بأمر عظيم وخطب جسيم بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك وأجبرهم وأشدهم كفرا وأكثرهم جنودا وأعمرهم ملكا وأطغاهم وأبلغهم تمردا بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله ولا يعلم لرعاياه إلها غيره هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدا عندهم في حجر فرعون على فراشه ثم قتل منهم نفسا فخافهم أن يقتلوه فهرب منهم هذه المدة بكمالها ثم بعد هذا بعثه ربه عز و جل إليهم نذيرا يدعوهم إلى الله عز و جل أن يعبدوه وحده لا شريك له ولهذا قال : { رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري } أي إن لم تكن أنت عوني ونصيري وعضدي وظهيري وإلا فلا طاقة لي بذلك { واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي } وذلك لما كان أصابه من اللثغ حين عرض عليه التمرة والجمرة فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه كما سيأتي بيانه وما سأل أن يزول ذلك بالكلية بل بحيث يزول العي ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة ولو سأل الجميع لزال ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة ولهذا بقيت بقية قال الله تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال : { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين } أي يفصح بالكلام
وقال الحسن البصري { واحلل عقدة من لساني } قال : حل عقدة واحدة ولو سأل أكثر من ذلك أعطي وقال ابن عباس : شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فآتاه سؤله فحل عقدة من لسانه وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال : أتاه ذو قرابة له : فقال له : ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك ولست تعرب في قراءتك فقال القرظي : يا ابن أخي ألست أفهمك إذا حدثتك ؟ قال : نعم قال : فإن موسى عليه السلام إنما سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه ولم يزد عليها هذا لفظه
وقوله : { واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي } وهذا أيضا سؤال من موسى عليه السلام في أمر خارجي عنه وهو مساعدة أخيه هارون له قال الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال فنبىء هارون ساعتئذ حين نبىء موسى عليهما السلام وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن ابن نمير حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر فنزلت ببعض الأعراب فسمعت رجلا يقول : أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه ؟ قالوا : لا ندري قال : أنا والله أدري قالت : فقلت في نفسي في حلفه لا يستثني إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه قال : موسى حين سأل لأخيه النبوة فقلت : صدق والله قلت : وفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى عليه السلام : { وكان عند الله وجيها }
وقوله : { اشدد به أزري } قال مجاهد : ظهري { وأشركه في أمري } أي في مشاورتي { كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا } قال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا وقوله : { إنك كنت بنا بصيرا } أي في اصطفائك لنا وإعطائك إيانا النبوة وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون فلك الحمد على ذلك

(3/197)


هذه إجابة من الله لرسوله موسى عليه السلام فيما سأل من ربه عز و جل وتذكير له بنعمه السالفة عليه فيما كان من امر أمه حين كانت ترضعه وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان فاتخذت له تابوتا فكانت ترضعه ثم تضعه فيه وترسله في البحر وهو النيل وتمسكه إلى منزلها بحبل فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت منها وذهب به البحر فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله : { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } فذهب به البحر إلى دار فرعون { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } أي قدرا مقدورا من الله حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل حذرا من وجود موسى فحكم الله وله السلطان العظيم والقدرة التامة أن لا يربى إلا على فراش فرعون ويغذى بطعامه وشرابه مع محبته وزوجته له ولهذا قال تعالى : { يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني } أي عند عدوك جعلته يحبك قال سلمة بن كهيل { وألقيت عليك محبة مني } قال : حببتك إلى عبادي { ولتصنع على عيني } قال أبو عمران الجوني : تربى بعين الله وقال قتادة : تغذى على عيني وقال معمر بن المثنى { ولتصنع على عيني } بحيث أرى وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف وغذاؤه عندهم غذاء الملك فتلك الصنعة
وقوله : { إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها } وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون عرضوا عليه المراضع فأباها قال الله تعالى : { وحرمنا عليه المراضع من قبل } فجاءت أخته وقالت : { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون } تعني هل أدلكم على من يرضعه لكم بالأجرة فذهبت به وهم معها إلى أمه فعرضت عليه ثديها فقبله ففرحوا بذلك فرحا شديدا واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الاخرة أغنى وأجزل ولهذا جاء في الحديث [ مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها ] وقال تعالى ههنا : { فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن } أي عليك { وقتلت نفسا } يعني القبطي { فنجيناك من الغم } وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله ففر منهم هاربا حتى ورد ماء مدين وقال له ذلك الرجل الصالح : { لا تخف نجوت من القوم الظالمين }
وقوله : { وفتناك فتونا } قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله في كتاب التفسير من سننه قوله { وفتناك فتونا } ( حديث الفتون ) حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أصبغ بن زيد حدثنا القاسم بن أبي أيوب أخبرني سعيد بن جبير قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله عز و جل لموسى عليه السلام { وفتناك فتونا } فسألته عن الفتون ما هو ؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم : إن بني اسرائيل ينتظرون ذلك لا يشكون فيه وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان وعد إبراهيم عليه السلام فقال فرعون : كيف ترون ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ففعلوا ذلك فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون قالوا : ليوشكن أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولد ذكر واتركوا بناتهم ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام فوقع في قلبها الهم والحزن وذلك من الفتون ـ يا ابن جبير ـ ما دخل عليه وهو في بطن أمه مما يراد به فأوحى الله إليها أن لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدت فعلت ذلك فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها : ما فعلت با بني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه
فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون فلما رأينه أخذنه فأردن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن : إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه غلاما فألقى الله عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت لهم : أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم ألمكم فأتت فرعون فقالت : قرة عين لي ولك فقال فرعون : يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها ولكن حرمه ذلك ] فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها فلم يقبل
وأصبحت أم موسى والها فقالت لأخته : قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا : أحي ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فأخذوها فقالوا ما يدريك ما نصحهم له هل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك ورجاء منفعة الملك فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت أمه فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت إليها فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي ترضعي ابني هذا فإني لم أحب شيئا حبه قط قالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز وعده فرجعت به إلى بيتها من يومها وأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه
فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أتريني ابني فدعتها يوما تريها إياه فيه وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤرها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه ثم قالت : لاتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه فلما دخلت به عليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به
وأريد به فتونا فجاءت امرأة فرعون فقالت : ما بدالك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟ فقال ألاترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ؟ فقالت : اجعل بيني وبينك أمرا يعرف الحق به ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقدمهن إليه فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين فتناول الجمرتين فانتزعهمامنه مخافة أن يحرقا يده فقالت المرأة : ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به وكان الله بالغا فيه أمره فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والاخر إسرائيلي فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا إنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما أحد إلا الله عز و جل والإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل : هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ثم قال : { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم }
فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار فأتى فرعون فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم فقال : ابغوني قاتله ومن يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتا إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى فندم على ما كان منه وكره الذي رأى فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم : { إنك لغوي مبين } فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي وقال : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس فأرسل فوعون الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره وذلك من الفتون يا ابن جبير
فخرج موسى متوجها نحو مدين ولم يلق بلاء قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز و جل فإنه قال : { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان } يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما : ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس ؟ قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم وإنما نسقي من فضول حياضهم فسقى لهما فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى عليه السلام فاستظل بشجرة وقال : { رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا فقال : إن لكما اليوم لشأنا فأخبرتاه بما صنع موسى فأمر إحداهما أن تدعوه فأتت موسى فدعته فلما كلمه قال : لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته فقالت إحداهما : { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } فاحتملته الغيرة على أن قال لها : ما يدريك ما قوته وما أمانته ؟ فقالت : أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك ثم قال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق فلم يفعل هذا إلا وهو أمين فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت فقال له : هل لك { أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين } ؟ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة وكانت سنتان عدة منه فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا
قال سعيد وهو ابن جبير : فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال : هل تدري أي الأجلين قضى موسى ؟ قلت : لا وأنا يومئذ لا أدري فلقيت ابن عباس فذكرت له ذلك فقال : أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا ويعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي كان وعده فإنه قضى عشر سنين فلقيت النصراني فأخبرته ذلك فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك قلت : أجل وأولى فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن فشكا إلى الله تعالى ما يحذر من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليهما السلام فانطلقا جميعا إلى فرعون فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا : { إنا رسولا ربك } قال : فمن ربكما ؟ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن ؟ قال : فما تريدان ؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال : أريد أن تؤمن بالله وترسل معنا بني إسرائيل فأبى عليه وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء يعني من غير برص ثم ردها فعادت إلى لونها الأول فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له : هذان ساحران { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له : اجمع لهما السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما فأرسل إلى المدئن فحشر له كل ساحر متعالم فلما أتوا فرعون قالوا : بم يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل بالحيات قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل فما أجرنا إن نحن غلبنا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
قال سعيد بن جبير : فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فلنحضر هذا الأمر { لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } يعنون موسى وهارون استهزاء بهما ؟ فـ { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين * قال ألقوا } { فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله إليه أن ألق عصاك فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جزرا إلى الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتعلته فلما عرف السحرة ذلك قالوا : لو كان هذا سحرا لم يبلغ من سحرنا كل هذا ولكن هذا أمر من الله عز و جل آمنا بالله وبما جاء به موسى من عند الله ونتوب إلى الله مما كنا عليه فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون { فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا مضت أخلف موعده وقال : هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا ؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله
فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى : إنا لمدركون افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب قال : وعدني ربي إذا أتيت البحر انفلق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى فانفلق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه التقى عليهم البحر كما أمر فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه : إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه } الاية قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال : أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضعه فقال له ربه حين أتاه : لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان قال : يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح قال : أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ارجع فصم عشرا ثم ائتني
ففعل موسى عليه السلام ما أمر به فلما رأى قومه أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك وكان هارون قد خطبهم وقال : إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ولكم فيهم مثل ذلك فإني أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ثم أوقد عليه النار فأحرقته فقال : لا يكون لنا ولا لهم وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقضي له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون عليه السلام : يا سامري ألا تلقي ما في يدك وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك ؟ فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد فألقاها ودعا له هارون فقال : أريد أن يكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلا أجوف ليس فيه روح وله خوار قال ابن عباس : لا والله ما كان له صوت قط إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه وكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة : يا سامري ما هذا وأنت أعلم به ؟ قال : هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق فقالت فرقة : لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأينا وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى وقالت فرقة : هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به فقال لهم هارون : { يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري } قالوا : فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا هذه أربعون يوما قد مضت وقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه : يتبعه فلما كلم الله موسى وقال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } فقال لهم ما سمعتم في القرآن وأخذ برأس أخيه يجره إليه وألقى الألواح من الغضب ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له وانصرف إلى السامري فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها وعميت عليكم { فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي * قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا } ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون فقالوا لجماعتهم : يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض ! فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال : { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } وفيهم من كان اطلع الله منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به فلذلك رجفت بهم الأرض فقال : { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } فقال : يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة ؟ فقال له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول
ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر وذكروا من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها فقالوا : يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون قيل ليزيد هكذا قرأه ؟ قال : نعم من الجبارين آمنا بموسى وخرجا إليه فقالوا : نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس : إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون من بني إسرائيل : { قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم موسى فاسقين وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار وظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس
رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه و سلم وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل فقال : كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك ؟ فغضب ابن عباس فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له : يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون ؟ الاسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني ؟ قال : إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره وهكذا رواه النسائي في السنن الكبرى وأخرجه أبو جعفر بن جرير و ابن أبي حاتم في تفسيرهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به وهو موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره والله أعلم وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا وقوله عز و جل :

(3/199)


يقول تعالى مخاطبا لموسى عليه السلام : إنه لبث مقيما في أهل مدين فارا من فرعون وملئه يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل ثم جاء موافقا لقدر الله وإرادته من غير ميعاد والأمر كله لله تبارك وتعالى وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء ولهذا قال : { ثم جئت على قدر يا موسى } قال مجاهد : أي على موعد وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : { ثم جئت على قدر يا موسى } قال : على قدر الرسالة والنبوة وقوله : { واصطنعتك لنفسي } أي اصطفيتك واجتبيتك رسولا لنفسي أي كما أريد وأشاء وقال البخاري عند تفسيرها : حدثنا الصلت بن محمد حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ التقى آدم وموسى فقال موسى : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم : وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة ؟ قال : نعم قال فوجدته مكتوبا علي قبل أن يخلقني قال : نعم فحج آدم موسى ] أخرجاه
وقوله : { اذهب أنت وأخوك بآياتي } أي بحججي وبراهيني ومعجزاتي { ولا تنيا في ذكري } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : لا تبطئا وقال مجاهد عن ابن عباس : لا تضعفا والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون ليكون ذكر الله عونا لهما عليه وقوة لهما وسلطانا كاسرا له كما جاء في الحديث [ إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه ] وقوله : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى } أي تمرد وعتا وتجبر على الله وعصاه { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } هذه الاية فيها عبرة عظيمة وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين كما قال يزيد الرقاشي عند قوله : { فقولا له قولا لينا }
( يا من يتحبب إلى من يعاديه ... فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟ )
وقال وهب بن منبه : قولا له إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة وعن عكرمة في قوله : { فقولا له قولا لينا } قال : لا إله إلا الله وقال عمرو بن عبيد عن الحسن البصري { فقولا له قولا لينا } أعذرا إليه قولا له : إن لك ربا ولك معادا وإن بين يديك جنة ونارا وقال بقية عن علي بن هارون عن رجل عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن علي في قوله { فقولا له قولا لينا } قال : كنه وكذا روي عن سفيان الثوري : كنه بأبي مرة والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع كما قال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن }
وقوله : { لعله يتذكر أو يخشى } أي لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة أو يخشى أي يوجد طاعة من خشية ربه كما قال تعالى : { لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } فالتذكر الرجوع عن المحذور والخشية تحصيل الطاعة وقال الحسن البصري : { لعله يتذكر أو يخشى } يقول : لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر إليه وههنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل ويروى لأمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن إسحاق
( وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا )
( فقلت له : فاذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان باغيا )
( فقولا له : هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى استقلت كما هيا )
( وقولا له : آأنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذن بك بانيا )
( وقولا له : آأنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل هاديا )
( وقولا له : من يخرج الشمس بكرة ... فيصبح مامست من الأرض ضاحيا )
( وقولا له : من ينبت الحب في الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا )
( ويخرج منه حبة في رؤوسه ؟ ... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا )

(3/207)


يقول تعالى إخبارا عن موسى وهارون عليهما السلام أنهما قالا متسجيرين بالله تعالى شاكيين إليه : { إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى } يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة أو يعتدي عليهما فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أن يفرط يعجل وقال مجاهد : يبسط علينا وقال الضحاك عن ابن عباس أو أن يطغى : يعتدي { قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } أي لا تخافا منه فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه وأرى مكانكما ومكانه لا يخفى علي من أمركم شيء واعلما أن ناصيته بيدي فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : لما بعث الله عز و جل موسى إلى فرعون قال : رب أي شيء أقول ؟ قال : قل هيا شراهيا قال الأعمش : فسر ذلك : أنا الحي قبل كل شيء والحي بعد كل شيء إسناده جيد وشيء غريب { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك } قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال : مكثا على بابه حينا لا يؤذن لهما حتى أذن لهما بعد حجاب شديد
وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن موسى وأخاه هارون خرجا فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان : إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل فمكثا فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترىء أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه فقال له : أيها الملك إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبا يزعم أن له إلها غيرك أرسله إليك قال ببابي ؟ قال : نعم قال : أدخلوه فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه فلما وقف على فرعون قال : إني رسول رب العالمين فعرفه فرعون وذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر ضاف أمه وأخاه وهما لا يعرفانه وكان طعامهما ليلتئذ الطفيل وهو اللفت ثم عرفاه وسلما عليه فقال له موسى : يا هارون إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى الله وأمرك أن تعاونني قال : افعل ما أمرك ربك فذهبا وكان ذلك ليلا فضرب موسى باب القصر بعصاه فسمع فرعون فغضب وقال : من يجترىء على هذا الصنيع الشديد فأخبره السدنة والبوابون بأن ههنا رجلا مجنونا يقول إنه رسول الله فقال علي به فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما ما ذكر الله في كتابه
وقوله : { قد جئناك بآية من ربك } أي بدلالة ومعجزة من ربك { والسلام على من اتبع الهدى } أي والسلام عليك إن اتبعت الهدى ولهذا لما كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى هرقل عظيم الروم كتابا كان أوله [ بسم الله الرحمن الرحمن من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ] وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم كتابا صورته من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك أما بعد فإني قد أشركتك في الأمر فلك المدر ولي الوبر ولكن قريشا قوم يعتدون فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ] ولهذا قال موسى وهارون عليهما السلام لفرعون { والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } أي قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب متمحض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته كما قال تعالى : { فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى } وقال تعالى : { فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى } وقال تعالى : { فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى } أي كذب بقلبه وتولى بفعله

(3/208)


يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى منكرا وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه ومليكه قال { فمن ربكما يا موسى } أي الذي بعثك وأرسلك من هو فإني لا أعرفه وما علمت لكم من إله غيري { قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يقول خلق لكل شيء زوجه وقال الضحاك عن ابن عباس : جعل الإنسان إنسانا والحمار حمارا والشاة شاة وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : أعطى كل شيء صورته وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : سوى خلق كل دابة
وقال سعيد بن جبير في قوله : { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } قال : أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة ولاللدابة من خلق الكلب ولا للكلب من خلق الشاة وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح وهيأ كل شيء على ذلك ليس شيء منها يشبه شيئا من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح وقال بعض المفسرين : أعطى كل شيء خلقه ثم هدى كقوله تعالى : { الذي قدر فهدى } أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه أي كتب الأعمال والاجال والأرزاق ثم الخلائق ماشون على ذلك لا يحيدون عنه ولا يقدر أحد على الخروج منه
يقول ربنا الذي خلق الخلق وقدر القدر وجبل الخليقة على ما أراد { قال فما بال القرون الأولى } أصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لماأخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى شرع يحتج بالقرون الأولى أي الذين لم يعبدوا الله أي فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره فقال له موسى في جواب ذلك هم وإن لم يعبدوه فإن علمهم عند الله مضبوط علهيم وسجزيهم بعملهم في كتاب الله وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال { لا يضل ربي ولا ينسى } أي لا يشذ عنه شيء ولا يفوته صغير ولا كبير ولا ينسى شيئا يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط وأنه لا ينسى شيئا تبارك وتعالى وتقدس وتنزه فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان : أحدهما عدم الإحاطة بالشيء والاخر نسيانه بعد علمه فنزه نفسه عن ذلك

(3/210)


من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه عز و جل حين سأله فرعون عنه فقال : { الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ثم اعترض الكلام بين ذلك ثم قال : { الذي جعل لكم الأرض مهدا } وفي قراءة بعضهم مهادا أي قرارا تستقرون عليها وتقومون وتنامون عليها وتسافرون على ظهرها { وسلك لكم فيها سبلا } أي جعل لكم طرقا تمشون في مناكبها كما قال تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } { وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } أي من أنواع النباتات من زروع وثمار ومن حامض وحلو ومر وسائر الأنواع { كلوا وارعوا أنعامكم } أي شيء لطعامكم وفاكهتكم وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرا ويبسا { إن في ذلك لآيات } أي لدلالات وحججا وبراهين { لأولي النهى } أي لذوي العقول السليمة المستقيمة على أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } أي من الأرض مبدؤكم فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض وفيها نعيدكم أي وإليها تصيرون إذا متم وبليتم ومنها نخرجكم تارة أخرى { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } وهذه الاية كقوله تعالى : { قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال : منها خلقناكم ثم أخذ أخرى وقال : وفيها نعيدكم ثم أخرى وقال : ومنها نخرجكم تارة أخرى وقوله : { ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى } يعني فرعون أنه قامت عليه الحجج والايات والدلالات وعاين ذلك وأبصره فكذب بها وأباها كفرا وعنادا وبغيا كما قال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } الاية

(3/210)


يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الاية الكبرى وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانا عظيما ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء فقال : هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك وتكاثرنا بهم ولا يتم هذا معك فإن عندنا سحرا مثل سحرك فلا يغرنك ما أنت فيه { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي يوما نجتمع نحن وأنت فيه فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين ووقت معين فعند ذلك { قال } لهم موسى { موعدكم يوم الزينة } وهو يوم عيدهم ونيروزهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء ومعجزات الأنبياء وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية ولهذا قال : { وأن يحشر الناس } أي جميعهم { ضحى } أي ضحوة من النهار ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بين واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج ولهذا لم يقل ليلا ولكن نهارا ضحى قال ابن عباس : وكان يوم الزينة يوم عاشوراء وقال السدي وقتادة وابن زيد : كان يوم عيدهم وقال سعيد بن جبير : كان يوم سوقهم ولا منافاة قلت : وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده كما ثبت في الصحيح وقال وهب بن منبه : قال فرعون : يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه قال موسى لم أومر بهذا إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له أن يجعل هو قال فرعون : اجعله إلى أربعين يوما ففعل وقال مجاهد وقتادة : مكانا سوى منصفا وقال السدي : عدلا وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : مكانا سوى مستو بين الناس وما فيه لا يكون صوب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى

(3/211)


يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه لما تواعد هو وموسى عليه السلام إلى وقت ومكان معلومين تولى أي شرع في جمع السحرة من مدائن ممكلته كل من ينسب إلى السحر في ذلك الزمان وقد كان السحر فيهم كثيرا نافقا جدا كما قال تعالى : { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم } ثم أتي أي اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة وجلس فرعون على سرير مملكته واصطف له أكابر دولته ووقفت الرعايا يمنة ويسرة وأقبل موسى عليه الصلاة و السلام متوكئا على عصاه ومعه أخوه هارون ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفا وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم يقولون { أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين } { قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا } أي لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها مخلوقة وليست مخلوقة فتكونون قد كذبتم على الله { فيسحتكم بعذاب } أي يهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له { وقد خاب من افترى * فتنازعوا أمرهم بينهم } قيل معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم فقائل يقول ليس هذا بكلام ساحر إنما هذا كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر وقيل غير ذلك والله أعلم
وقوله : { وأسروا النجوى } أي تناجوا فيما بينهم { قالوا إن هذان لساحران } وهذه لغة لبعض العرب جاءت هذه القراءة على إعرابها ومنهم من قرأ { إن هذان لساحران } وهذ اللغة المشهورة وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم : تعلمون أن هذا الرجل وأخاه ـ يعنون موسى وهارون ـ ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس وتتبعهما العامة ويقاتلا فرعون وجنوده فينصرا عليه ويخرجاكم من أرضكم
وقوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي ويستبدا بهذه الطريقة وهي السحر فإنهم كانوا معظمين بسببها لهم أموال وأرزاق عليها يقولون : إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض وتفردا بذلك وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم وقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عباس قال في قوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } قال : يصرفا وجوه الناس إليهما
وقال مجاهد { ويذهبا بطريقتكم المثلى } قال : أولو الشرف والعقل والأسنان وقال أبو صالح : بطريقتكم المثلى أشرافكم وسرواتكم وقال عكرمة : بخيركم وقال قتادة : وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل وكانوا أكثر القوم عددا وأمولا فقال عدو الله يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما وقال عبد الرحمن بن زيد : بطريقتكم المثلى بالذي أنتم عليه { فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا } أي اجتمعوا كلكم صفا واحدا وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة لتبهروا الأبصار وتغلبوا هذا وأخاه { وقد أفلح اليوم من استعلى } أي منا ومنه أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل وأما هو فينال الرياسة العظيمة

(3/212)


يقول تعالى مخبرا عن السحرة حين توافقوا هم وموسى عليه السلام أنهم قالوا لموسى { إما أن تلقي } أي أنت أولا { وإما أن نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا } أي أنتم أولا لنرى ماذا تصنعون من السحر وليظهر للناس جلية أمرهم { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } وفي الاية الأخرى أنهم لما ألقوا { قالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } وقال تعالى : { سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم } وقال ههنا : { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها وإنما كان حيلة وكانوا جما غفيرا وجمعا كثيرا فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملان حيات يركب بعضها بعضا
وقوله : { فأوجس في نفسه خيفة موسى } أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألق ما في يمينك يعني عصاك فإذا هي تلقف ما صنعوا وذلك أنها صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته وابتلعته والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ضحوة فقامت المعجزة واتضح البرهان ووقع الحق وبطل السحر ولهذا قال تعال : { إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن موسى الشيباني حدثنا حماد بن خالد حدثنا ابن معاذ أحسبه الصائغ عن الحسن عن جندب عن عبد الله البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إذا أخذتم يعني الساحر فاقتلوه ثم قرأ { ولا يفلح الساحر حيث أتى } قال : لا يؤمن به حيث وجد ] وقد روى أصله الترمذي موقوفا ومرفوعا فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل وأنه حق لا مرية فيه ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون فعند ذلك وقعوا سجدا لله وقالوا : آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ولهذا قال ابن عباس وعبيد بن عمير : كانوا أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء بررة وقال محمد بن كعب : كانوا ثمانين ألفا وقال القاسم بن أبي بزة : كانوا سبعين ألفا وقال السدي : بضعة وثلاثين ألفا وقال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة : كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفا وقال محمد بن إسحاق : كانوا خمسة عشر ألفا وقال كعب الأحبار : كانوا اثني عشر ألفا
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن علي بن حمزة حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانت السحرة سبعين رجلا أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا المسيب بن واضح بمكة حدثنا ابن المبارك قال : قال الأوزاعي : لما خر السحرة سجدا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها قال : وذكر عن سعيد بن سلام حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قوله : { فألقي السحرة سجدا } قال : رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة

(3/213)


يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والاية العظيمة ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم وغلب كل الغلب شرع في المكابرة والبهت وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة فتهددهم وتوعدهم وقال : { آمنتم له } أي صدقتموه { قبل أن آذن لكم } أي ما أمرتكم بذلك وأفتنتم علي في ذلك وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه كما قال تعالى في الاية الأخرى : { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون } ثم أخذ يتهددهم فقال : { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل } أي لأجعلنكم مثلة ولأقتلنكم ولأشهرنكم قال ابن عباس : فكان أول من فعل ذلك رواه ابن أبي حاتم
وقوله { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } أي أنتم تقولون : إني وقومي على ضلالة وأنتم مع موسى وقومه على الهدى فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في الله عز و جل و { قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات } أي لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين { والذي فطرنا } يحتمل أن يكون قسما ويحتمل أن يكون معطوفا على البينات يعنون لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم المبتدي خلقنا من الطين فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت { فاقض ما أنت قاض } أي فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } أي إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } أي ما كان منا من الاثام خصوصا ما أكرهتنا عليه من الحسر لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : { وما أكرهتنا عليه من السحر } قال : أخذ فرعون أربعين غلاما من بني إسرائيل فأمر أن يعلموا السحر بالفرماء وقال : علموهم تعليما لا يعلمه أحد في الأرض قال ابن عباس : فهم من الذين آمنوا بموسى وهم من الذين قالوا : { آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر } وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقوله : { والله خير وأبقى } أي خير لنا منك { وأبقى } أي أدوم ثوابا مما كنت وعدتنا ومنيتنا وهو رواية عن ابن إسحاق رحمه الله وقال محمد بن كعب القرظي { والله خير } أي لنا منك إن أطيع { وأبقى } أي منك عذابا غن عصي وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضا والظاهر أن فرعون ـ لعنه الله ـ صمم على ذلك وفعله بهم رحمة لهم من الله ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف : أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء

(3/214)


الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد فقالوا : { إنه من يأت ربه مجرما } أي يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم { فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا } كقوله : { لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور } وقال : { ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيا } وقال تعالى : { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون } وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا إسماعيل أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتمون فيها ولا يحيون ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم فتميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة فيقال : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ] فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان بالبادية وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به
وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال : حدثنا أبي حدثنا حيان سمعت سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطب فأتى على هذه الاية { إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا } قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تمسهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فتجعل الضبائر فيؤتى بهم نهرا يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل ]
وقوله تعالى : { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات } أي ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله { فأولئك لهم الدرجات العلى } أي الجنة ذات الدرجات العاليات والغرف الامنات والمساكن الطيبات قال الإمام أحمد : حدثنا عفان أنبأنا همام حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة ومنها تخرج الأنهار الأربعة والعرش فوقها فإذا سألتهم الله فاسألوه الفردوس ] ورواه الترمذي من حديث يزيد بن هارون عن همام به
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال : كان يقال : الجنة مائة درجة في كل درجة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فيهن الياقوت والحلي في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد وفي الصحيحين : [ إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء لتفاضل ما بينهم ـ قالوا يا رسول الله : تلك منازل الأنبياء قال ـ بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ] وفي السنن : وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما وقوله : { جنات عدن } أي إقامة وهي بدل من الدرجات العلى { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } أي ماكثين أبدا { وذلك جزاء من تزكى } أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاؤوا به من خير وطلب

(3/215)


يقول تعالى مخبرا أنه أمر موسى عليه السلام حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل ويذهب بهم من قبضة فرعون وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب فغضب فرعون غضبا شديدا وأرسل في المدائن حاشرين أي من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه يقول : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون } ثم لما جمع جنده واستوسق له جيشه ساق في طلبهم فأتبعوهم مشرقين أي عند طلوع الشمس { فلما تراء الجمعان } أي نظر كل من الفريقين إلى الاخر { قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين } ووقف موسى ببني إسرائيل البحر أمامهم وفرعون وراءهم فعند ذلك أوحى الله إليه { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } فضرب البحر بعصاه وقال : انفلق علي بإذن الله فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم أي الجبل العظيم فأرسل الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يبسا كوجه الأرض فلهذا قال : { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا } أي من فرعون { ولا تخشى } يعني من البحر أن يغرق قومك ثم قال تعالى : { فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم } أي البحر { ما غشيهم } أي الذي هو معروف ومشهور وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور كما قال تعالى : { والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى } وقال الشاعر :
( أنا أبو النجم وشعري شعري ... )
أي الذي يعرف وهو مشهور وكما تقدم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد كذلك يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود

(3/216)


يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام ومننه الجسام حيث أنجاهم من عدوهم فرعون وأقر أعينهم منه وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة لم ينج منهم أحد كما قال : { وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء فسألهم فقالوا : هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون فقال : [ نحن أولى بموسى فصوموه ] رواه مسلم أيضا في صحيحه
ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن وهو الذي كلمه الله تعالى عليه وسأل فيه الرؤية وأعطاه التوراة هنالك وفي غضون ذلك عبد بنو إسرائيل العجل كما يقصه الله تعالى قريبا وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها فالمن حلوى كانت تنزل عليهم من السماء والسلوى طائر يسقط عليهم فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد لطفا من الله ورحمة بهم وإحسانا إليهم ولهذا قال تعالى : { كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي } أي كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة وتخالفوا ما أمرتكم به { فيحل عليكم غضبي } أي أغضب عليكم { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : أي فقد شقي وقال شفي بن مانع : إن في جهنم قصرا يرمى الكافر من أعلاه فيهوي في جهنم أربعين خريفا قبل أن يبلغ الصلصال وذلك قوله { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } وراه ابن أبي حاتم
وقوله : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا } أي كل من تاب إلي تبت عليه من أي ذنب كان حتى أنه تاب تعالى على من عبد العجل من بني إسرائيل وقوله تعالى : { تاب } أي رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق وقوله : { وآمن } أي بقلبه { وعمل صالحا } أي بجوارحه وقوله : { ثم اهتدى } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أي ثم لم يشكك وقال سعيد بن جبير { ثم اهتدى } أي استقام على السنة والجماعة وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف وقال قتادة { ثم اهتدى } أي لزم الإسلام حتى يموت وقال سفيان الثوري { ثم اهتدى } أي علم أن لهذا ثوابا وثم ههنا لترتيب الخبر على الخبر كقوله : { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات }

(3/217)


لما سار موسى عليه السلام ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون { فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } وواعده ربه ثلاثين ليلة ثم أتبعها عشرا فتمت أربعين ليلة أي يصومها ليلا ونهارا وقد تقدم في حديث الفتون بيان ذلك فسارع موسى عليه السلام مبادرا إلى الطور واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون ولهذا قال تعالى : { وما أعجلك عن قومك يا موسى * قال هم أولاء على أثري } أي قادمون ينزلون قريبا من الطور { وعجلت إليك رب لترضى } أي لتزداد عنى رضا { قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري } أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك السامري
وفي الكتب الإسرائيلية أنه كان اسمه هارون أيضا وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة كما قال تعالى : { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين } أي عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري
وقوله : { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } أي بعدما أخبره تعالى بذلك في غاية الغضب والحنق عليهم هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم وفيها شرف لهم وهم قوم قد عبدوا غير الله ما يعلم كل عاقل له لب وحزم بطلان ما هم فيه وسخافة عقولهم وأذهانهم ولهذا قال : رجع إليهم غضبان أسفا والأسف شدة الغضب وقال مجاهد : غضبان أسفا أي جزعا وقال قتادة والسدي : أسفا حزينا على ما صنع قومه من بعده { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } أي أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والاخرة وحسن العاقبة كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم وإظهاركم عليه وغير ذلك من أيادي الله { أفطال عليكم العهد } أي في انتظار ما وعدكم الله ونسيان ما سلف من نعمه وما بالعهد من قدم { أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } أم ههنا بمعنى بل وهي للإضراب عن الكلام الأول وعدول إلى الثاني كأنه يقول : بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا أي بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم { ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي عن قدرتنا واختيارنا ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر فقذفناها أي ألقيناها عنا
وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون عليه السلام هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار وهي في رواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة ويجعل حجرا واحدا حتى إذا رجع موسى عليه السلام رأى فيه ما يشاء ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول وسأل من هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوته فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد فأجيب له فقال السامري عند ذلك : أسأل الله أن يكون عجلا فكان عجلا له خوار أي صوت استدراجا وإمهالا ومحنة واختبارا ولهذا قال : { فكذلك ألقى السامري * فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار }
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبادة بن النجتري حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل فقال له : ما تصنع ؟ فقال : أصنع ما يضر ولا ينفع فقال هارون : اللهم أعطه ما سأل على ما في نفسه ومضى هارون وقال السامري : اللهم إني أسألك ان يخور فخار فكان إذا خار سجدوا له وإذا خار رفعوا رؤوسهم ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال : أعمل ما ينفع ولا يضر وقال السدي كان يخور ويمشي فقالوا : أي الضلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه : { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } أي نسيه ههنا وذهب يتطلبه كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس : { فنسي } أي نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فقال : { هذا إلهكم وإله موسى } قال : فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط يعني مثله يقول الله : { فنسي } أي ترك ما كان عليه من الإسلام يعني السامري قال الله تعالى ردا عليهم وتقريعا لهم وبيانا لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه : { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي العجل أفلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه ولا إذا خاطبوه { ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } أي في دنياهم ولا في أخراهم قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره فيخرج من فمه فيسمع له صوت وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه بهموت وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب يعني هل يصلي فيه أم لا ؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما : انظروا إلى أهل العراق قتلوا ابن بنت رسول الله يعني الحسين وهم يسألون عن دم البعوضة

(3/218)


يخبر تعالى عما كان من نهي هارون عليه السلام لهم عن عبادتهم العجل وإخباره إياهم إنما هذا فتنة لكم وإن ربكم الرحمن الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا ذو العرش المجيد الفعال لما يريد { فاتبعوني وأطيعوا أمري } أي فيما آمركم به واتركوا ما أنهاكم عنه { قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } أي لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه

(3/220)


يخبر تعالى عن موسى عليه السلام حين رجع إلى قومه فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم فامتلأ عند ذلك غضبا وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية وأخذ برأس أخيه يجره إليه وقد قدمنا في سورة الأعراف بسط ذلك وذكرنا هناك حديث [ ليس الخبر كالمعاينة ] وشرع يلوم أخاه هارون فقال : { ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * أن لا تتبعن } أي فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع { أفعصيت أمري } أي فيما كنت قدمت إليك وهو قوله : { اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } { قال يا ابن أم } ترقق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه لأن ذكر الأم ههنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف ولهذا قال : { يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } الاية هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم قال : { إني خشيت } أن أتبعك فأخبرك بهذا فتقول لي لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم { ولم ترقب قولي } أي وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم قال ابن عباس : وكان هارون هائبا مطيعا له

(3/220)


يقول موسى عليه السلام للسامري : ما حملك على ما صنعت ؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت ؟ قال محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان السامري رجلا من اهل باجرما وكان من قوم يعبدون البقر وكان حب عبادة البقر في نفسه وكان قد أظهر الاسلام مع بني إسرائيل وكان اسمه موسى بن ظفر وفي رواية عن ابن عباس أنه كان من كرمان وقال قتادة : كان من قرية سامرا { قال بصرت بما لم يبصروا به } أي رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون { فقبضت قبضة من أثر الرسول } أي من أثر فرسه وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث أخبرني عبيد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن السدي عن أبي بن عمارة عن علي رضي الله عنه قال : إن جبريل عليه السلام لما نزل فصعد بموسى عليه السلام إلى السماء بصر به السامري من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس قال : وحمل جبريل موسى عليهما السلام خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد وكتب الله الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده قال : نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه غريب
وقال مجاهد : { فقبضت قبضة من أثر الرسول } قال : من تحت حافر فرس جبريل قال : والقبضة ملء الكف والقبضة بأطراف الأصابع قال مجاهد : نبذ السامري أي ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل فانسبك عجلا جسدا له خوار حفيف الريح فيه فهو خوراه وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن يحيى أخبرنا علي بن المديني حدثنا يزيد بن زريع حدثنا عمارة حدثنا عكرمة أن السامري رأى الرسول فألقي في روعه أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء فقلت له كن فكان فقبض قبضة من أثر الرسول فيبست أصابعه على القبضة فلما ذهب موسى للميقات وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي آل فرعون فقال لهم السامري : إنما أصابكم من أجل هذا الحلي فاجمعوه فجمعوه فأوقدوا عليه فذاب فرآه السامري فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت كن فيكون فقذف القبضة وقال كن فكان عجلا جسدا له خوار فقال : { هذا إلهكم وإله موسى } ولهذا قال { فنبذتها } أي ألقيتها مع من ألقى { وكذلك سولت لي نفسي } أي حسنته وأعجبها إذا ذاك { قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } أي كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول فعقوبتك في الدنيا أن تقول لا مساس أي لا تماس الناس ولا يمسونك { وإن لك موعدا } أي يوم القيامة { لن تخلفه } أي لا محيد لك عنه وقال قتادة { أن تقول لا مساس } قال : عقوبة لهم وبقاياهم اليوم يقولون لا مساس
وقوله : { وإن لك موعدا لن تخلفه } قال الحسن وقتادة وأبو نهيك : لن تغيب عنه وقوله : { وانظر إلى إلهك } أي معبودك { الذي ظلت عليه عاكفا } أي أقمت على عبادته يعني العجل { لنحرقنه } قال الضحاك عن ابن عباس والسدي : سحله بالمبارد وألقاه على النار وقال قتادة : استحال العجل من الذهب لحما ودما فحرقه بالنار ثم القى رماده في البحر ولهذا قال : { ثم لننسفنه في اليم نسفا } وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن رجاء أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال : إن موسى لما تعجل إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل ثم صوره عجلا قال : فعمد موسى إلى العجل فوضع عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب فقالوا لموسى : ما توبتنا ؟ قال : يقتل بعضكم بعضا وهكذا قال السدي وقد تقدم في تفسير سورة البقرة ثم في حديث الفتون بسط ذلك
وقوله تعالى : { إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما } يقول لهم موسى عليه السلام : ليس هذا إلهكم إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ولا تنبغي العبادة إلا له فإن كل شيء فقير إليه عبد له وقوله : { وسع كل شيء علما } نصب على التمييز أي هو عالم بكل شيء { أحاط بكل شيء علما } و { أحصى كل شيء عددا } فلا { يعزب عنه مثقال ذرة } { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } والايات في هذا كثيرة جدا

(3/220)


يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم : كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص هذا وقد آتيناك من لدنا اي من عندنا ذكرا وهو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي لم يعط نبي من الأنبياء منذ بعثوا إلى أن ختموا بمحمد صلى الله عليه و سلم كتابا مثله ولا أكمل منه ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن وحكم الفصل بين الناس منه
ولهذا قال تعالى : { من أعرض عنه } أي كذب به وأعرض عن اتباعه أمرا وطلبا وابتغى الهدى من غيره فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم ولهذا قال : { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } أي إثما كما قال تعالى : { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم كما قال : { لأنذركم به ومن بلغ } فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع فمن اتبعه هدي ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا والنار موعده يوم القيامة ولهذا قال : { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * خالدين فيه } أي لا محيد لهم عنه ولا انفكاك { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي بئس الحمل حملهم

(3/222)


ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن الصور فقال : [ قرن ينفخ فيه ] وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم الدائرة منه بقدر السموات والأرض ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام وجاء في الحديث [ كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له فقالوا : يا رسول الله كيف نقول ؟ قال قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا ] وقوله : { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا } قيل : معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال { يتخافتون بينهم } قال ابن عباس : يتسارون بينهم أي يقول بعضهم لبعض : إن لبثتم إلا عشرا أي في الدار الدنيا لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها قال الله تعالى : { نحن أعلم بما يقولون } أي في حال تناجيهم بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي العاقل الكامل فيهم { إن لبثتم إلا يوما } أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها كأنها يوم واحد ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة ولهذا قال تعالى : { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون } وقال تعالى : { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير } الاية وقال تعالى : { كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين * قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون } أي إنما كان لبثكم فيها قليلا لو كنتم تعلمون لاثرتم الباقي على الفاني ولكن تصرفتم فاسأتم التصرف قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي

(3/222)