صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير ابن كثير ]
الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء
عدد الأجزاء : 4

يقول الله تعالى إخبارا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم يعرفونهم في النار بسيماهم { ما أغنى عنكم جمعكم } أي كثرتكم { وما كنتم تستكبرون } أي لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني أصحاب الأعراف { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس { قالوا ما أغنى عنكم جمعكم } الاية قال فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا يعني أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار قال الله لأهل التكبر والأموال { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون }
وقال حذيفة إن أصحاب الأعراف قوم تكاثفت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة وقصرت بهم سيئاتهم عن النار فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم فلما قضى الله بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة فأتوا آدم فقالوا : يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك فقال هل تعلمون أن أحدا خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمته إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري ؟ فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا ابني إبراهيم فيأتون إبراهيم صلى الله عليه و سلم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم فيقول تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا هل تعلمون أن أحدا أحرقه قومه بالنار في الله غيري ؟ فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا ابني موسى فيأتون موسى عليه السلام فيقول هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري فيقولون لا فيقول ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا عيسى فيأتونه عليه السلام فيقولون له اشفع لنا عند ربك فيقول هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب فيقولون لا فيقول هل تعلمون من أحد كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري ؟ قال : فيقولون لا فيقول : أنا حجيج نفسي ما علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه و سلم فيأتوني فأضرب بيدي على صدري ثم أقول أنا لها ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فآتي ربي عز و جل فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط ثم أسجد فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي ثم أثني على ربي عز و جل ثم أخر ساجدا فيقال لي ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول ربي أمتي فيقول هم لك فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني بذلك المقام وهو المقام المحمود فآتي بهم الجنة فأستفتح فيفتح لي ولهم فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحيوان حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك وحصباؤه الياقوت فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها يقال مساكين أهل الجنة

(2/292)


يخبر تعالى عن ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم لا يجابون إلى ذلك قال السدي { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } يعني الطعام وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يستطعمونهم ويستسقونهم وقال الثوري عن عثمان الثقفي عن سعيد بن جبير في هذه الاية قال ينادي الرجل أباه أوأخاه فيقول له قد احترقت فأفض علي من الماء فيقال لهم أجيبوهم فيقولون { إن الله حرمهما على الكافرين } وروي من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس مثله سواء وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم { إن الله حرمهما على الكافرين } يعني طعام الجنة وشرابها
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي أخبرنا موسى بن المغيرة حدثنا أبو موسى الصفار في دار عمرو بن مسلم قال : سألت ابن عباس أو سئل أي الصدقة أفضل ؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أفضل الصدقة الماء ألم تسمع إلى أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنة قالوا أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ] وقال أيضا : حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال لما مرض أبو طالب قالوا له لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا فيرسل إليك بعنقود من الجنة لعله أن يشفيك به فجاءه الرسول وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال أبو بكر إن الله حرمهما على الكافرين
ثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا باتخاذهم الدين لهوا ولعبا واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للاخرة وقوله { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } أي يعاملهم معاملة من نسيهم لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه كما قال تعالى : { في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله { نسوا الله فنسيهم } وقال { كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } وقال تعالى : { وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } وقال العوفي عن ابن عباس في قوله { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } قال نسيهم الله من الخير ولم ينسهم من الشر وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا وقال مجاهد نتركهم في النار وقال السدي نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا وفي الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : ألم أزوجك ؟ ألم أكرمك ؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع ؟ فيقول بلى فيقول أظننت أنك ملاقي ؟ فيقول لا فيقول الله تعالى فاليوم أنساك كما نسيتني ؟

(2/293)


يقول تعالى مخبرا عن إعذاره إلى المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول وأنه كتاب مفصل مبين كقوله { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت } الاية وقوله { فصلناه على علم } للعالمين أي على علم منا بما فصلناه به كقوله { أنزله بعلمه } قال ابن جرير وهذه الاية مردودة على قوله { كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه } الاية { ولقد جئناهم بكتاب } الاية وهذا الذي قاله فيه نظر فإنه قد طال الفصل ولا دليل عليه وإنما الأمر أنه لما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة في الاخرة ذكر أنه قد أزاح عللهم في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب كقوله { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ولهذا قال { هل ينظرون إلا تأويله } أي ما وعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار قاله مجاهد وغير واحد وقال مالك : ثوابه
وقال الربيع : لا يزال يجيء من تأويله أمر حتى يتم يوم الحساب حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ وقوله { يوم يأتي تأويله } أي يوم القيامة قال ابن عباس { يقول الذين نسوه من قبل } أي تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا { قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } أي في خلاصنا مما صرنا إليه مما نحن فيه { أو نرد } إلى الدار الدنيا { فنعمل غير الذي كنا نعمل } كقوله { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون } كما قال ههنا { قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا يشفعون فيهم ولا ينصرونهم ولا ينقذونهم مما هم فيه

(2/294)


يخبر تعالى أنه خلق العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن والستة الأيام هي : الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة وفيه اجتمع الخلق كله وفيه خلق آدم عليه السلام واختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان أو كل يوم كألف سنة كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق لأنه اليوم السابع ومنه سمي السبت وهو القطع
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال : حدثنا حجاج حدثنا ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيدي فقال [ خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ] فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه والنسائي من غير وجه عن حجاج وهو ابن محمد الأعور عن ابن جريج به وفيه استيعاب الأيام السبعة والله تعالى قد قال في ستة أيام ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعا والله أعلم
وأما قوله تعالى { ثم استوى على العرش } فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه و { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الايات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى وقوله تعالى { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا } أي يذهب ظلام هذا بضياء هذا وضياء هذا بظلام هذا وكل منهما يطلب الاخر طلبا حثيثا أي سريعا لا يتأخر عنه بل إذا ذهب هذا جاء هذا وعكسه كقوله { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون * والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } فقوله { ولا الليل سابق النهار } أي لا يفوته بوقت يتأخر عنه بل هو في أثره بلا واسطة بينهما ولهذا قال { يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } منهم من نصب ومنهم من رفع وكلاهما قريب المعنى أي الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته ولهذا قال منبها { ألا له الخلق والأمر } أي له الملك والتصرف { تبارك الله رب العالمين } كقوله { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } الاية
قال ابن جرير : حدثني المثنى حدثنا إسحاق حدثنا هشام أبو عبد الرحمن حدثنا بقية بن الوليد حدثنا عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له صحبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه ] لقوله { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء وروي مرفوعا [ اللهم لك الملك كله ولك الحمد كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله ]

(2/294)


أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم فقال { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } قيل معناه تذللا واستكانه وخفية كقوله { واذكر ربك في نفسك } الاية وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعون سميع قريب ] الحديث وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله { تضرعا وخفية } قال السر وقال ابن جرير تضرعا تذللا واستكانة لطاعته وخفية يقول بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهرا مراءاة وقال عبد الله بن المبارك بن فضالة عن الحسن قال : إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به ولقد أدركنا أقوما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال { إذ نادى ربه نداء خفيا } وقال ابن جريج يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانه
ثم روي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله { إنه لا يحب المعتدين } في الدعاء ولا في غيره وقال أبو مجلز { إنه لا يحب المعتدين } لا يسأل منازل الأنبياء وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن زياد بن مخراق سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول : اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت به من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء ـ وفي لفظ ـ يعتدون في الطهور والدعاء ـ وقرأ هذه الاية { ادعوا ربكم تضرعا } الاية ـ وإن بحسبك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ] ورواه أبو داود من حديث شعبة عن زياد بن مخراق عن أبي نعامة عن مولى لسعد عن سعد فذكره والله أعلم وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا الحريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بني سل الله الجنة وعذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول [ يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور ] وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نعامة واسمه قيس بن عباية الحنفي البصري وهو إسناد حسن لا بأس به والله أعلم
وقوله تعالى { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه فقال { وادعوه خوفا وطمعا } أي خوفا مما عنده من وبيل العقاب وطمعا فيما عنده من جزيل الثواب ثم قال { إن رحمة الله قريب من المحسنين } أي إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره كما قال تعالى { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون } الاية وقال قريب ولم يقل قريبة لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب أو لأنها مضافة إلى الله فلهذا قال قريب من المحسنين وقال مطر الوراق تنجزوا موعود الله بطاعته فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين رواه ابن أبي حاتم

(2/296)


لما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قادر نبه تعالى على أنه الرزاق وأنه يعيد الموتى يوم القيامة فقال { وهو الذي يرسل الرياح بشرا } أي منتشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر ومنهم من قرأ بشرا كقوله { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } وقوله { بين يدي رحمته } أي بين المطر كما قال { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد } وقال { فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } وقوله { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } أي حملت الرياح سحابا ثقالا أي من كثرة ما فيها من الماء تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة كما قال زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله :
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا
وقوله { سقناه لبلد ميت } أي إلى أرض ميتة مجدبة لا نبات فيها كقوله { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } الاية ولهذا قال { فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى } أي كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم القيامة ينزل الله سبحانه وتعالى ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب الله مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها ولهذا قال { لعلكم تذكرون } وقوله { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } أي والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعا حسنا كقوله { وأنبتها نباتا حسنا } { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } قال مجاهد وغيره كالسباخ ونحوها وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الاية : هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر وقال البخاري حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ] رواه مسلم والنسائي من طرق عن أبي أسامة حماد بن أسامة به

(2/297)


لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتعلق بذلك وما يتصل به وفرغ منه شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام الأول فالأول فابتدأ بذكر نوح عليه السلام فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام وهو نوح بن لامك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس النبي عليه السلام فيما يزعمون وهو أول من خط بالقلم ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم عليهم السلام هكذا نسبه محمد بن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب
قال محمد بن إسحاق ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل وقال يزيد الرقاشي إنما سمي نوح لكثرة ما ناح على نفسه وقد كان بين آدم إلى زمن نوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام قال عبد اللهبن عباس وغير واحد من علماء التفسير وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صورة أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له فقال { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } أي من عذاب يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به { قال الملأ من قومه } أي الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم { إنا لنراك في ضلال مبين } أي في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة كقوله { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم } إلى غير ذلك من الايات { قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين } أي ما أنا ضال ولكن أنا رسول من رب العالمين رب كل شيء ومليكه { أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا [ أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون ؟ ] قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول [ اللهم اشهد اللهم اشهد ]

(2/298)


يقول تعالى إخبارا عن نوح أنه قال لقومه { أوعجبتم } الاية أي لا تعجبوا من هذا فإن هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم ولطفا وإحسانا إليكم لينذركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به { ولعلكم ترحمون } قال الله تعالى { فكذبوه } أي تمادوا على تكذيبه ومخالفته وما آمن معه منهم إلا قليل كما نص عليه في موضع آخر { فأنجيناه والذين معه في الفلك } أي السفينة كما قال : فأنجيناه وأصحاب السفينة { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } كما قال { مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } وقوله { إنهم كانوا قوما عمين } أي عن الحق لا يبصرونه ولا يهتدون له فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه وأنجى رسوله والمؤمنين وأهلك أعداءهم من الكافرين كقوله { إنا لننصر رسلنا } الاية
وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والاخرة أن العاقبة فيها للمتقين والظفر والغلب لهم كما أهلك قوم نوح بالغرق ونجى نوحا وأصحابه المؤمنين وقال مالك عن زيد بن أسلم كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز وقال ابن وهب بلغني عن ابن عباس أنه نجا مع نوح في السفينة ثمانون رجلا أحدهم جرهم وكان لسانه عربيا رواه ابن أبي حاتم وروي متصلا من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما

(2/299)


يقول تعالى وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحا كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا قال محمد بن إسحاق هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح قلت هؤلاء هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العمد في البر كما قال تعالى { ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد } وذلك لشدة بأسهم وقوتهم كما قال تعالى { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون } وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهي جبال الرمل قال محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة سمعت عليا يقول لرجل من حضرموت : هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة حمراء ذا أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت هل رأيته ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين ؟ والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه قال لا ولكني قد حدثت عنه فقال الحضرمي وما شأنه يا أمير المؤمنين ؟ قال فيه قبر هود عليه السلام رواه ابن جرير وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن فإن هودا عليه السلام دفن هناك وقد كان من أشرف قومه نسبا لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم وكانوا من أشد الأمم تكذيبا للحق ولهذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعته وتقواه
{ قال الملأ الذين كفروا من قومه } والملأ هم الجمهور والسادة والقادة منهم { إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين } أي في ضلالة حيث تدعونا إلى ترك عبادة الأصنام والإقبال على عبادة الله وحده كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد فقالوا { أجعل الآلهة إلها واحدا } الاية { قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين } أي لست كما تزعمون بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء فهو رب كل شيء ومليكه { أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة { أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } أي لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولا من أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه بل احمدوا الله على ذاكم { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } أي واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه { وزادكم في الخلق بسطة } أي زاد طولكم على الناس بسطة أي جعلكم أطول من أبناء جنسكم كقوله في قصة طالوت { وزاده بسطة في العلم والجسم } { فاذكروا آلاء الله } أي نعمة ومننه عليكم { لعلكم تفلحون } والالاء جمع إلى وقيل ألى

(2/299)


يخبر تعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود عليه السلام { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده } الاية كقول الكفار من قريش { إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره أنهم كانوا يعبدون أصناما فصنم يقال له صمد وآخر يقال صمود وآخر يقال له الهباء ولهذا قال هود عليه السلام { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } أي قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس قيل هو مقلوب من رجز وعن ابن عباس معناه سخط وغضب { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة وهي لا تضر ولا تنفع ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلا ولهذا قال { ما نزل الله بها من سلطان ؟ فانتظروا إني معكم من المنتظرين } وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه ولهذا عقبه بقوله { فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين }
وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم كما قال في الاية الأخرى { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية } لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتثلغ رأسه حتى تبينه من بين جثته ولهذا قال { كأنهم أعجاز نخل خاوية } وقال محمد بن إسحاق كانوا يسكنون باليمن بين عمان وحضرموت وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله فبعث الله إليهم هودا عليه السلام وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلها غيره وأن يكفوا عن ظلم الناس فأبوا عليه وكذبوه وقالوا من أشد منا قوة واتبعه منهم ناس وهم يسير يكتمون إيمانهم فلما عتت عاد على الله وكذبوا نبيه وأكثروا في الأرض الفساد وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثا بغير نفع كلمهم هود فقال { أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون } { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } أي بجنون { قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم }
قال محمد بن إسحاق : فلما أبوا إلا الكفر به أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين فيما يزعمون حتى جهدهم ذلك قال : وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان وطلبوا من الله الفرج فيه إنما يطلبونه بحرمة ومكان بيته وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان وبه العماليق مقيمون وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال هل معاوية بن بكر وكانت له أم من قوم عاد واسمها كلهدة ابنة الخيبري قال فبعثت عاد وفدا قريبا من سبعين رجلا إلى الحرم ليستسقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان : قينتان لمعاوية وكانوا قد وصلوا إليه في شهر فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرا يعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنياهم به فقال :
ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يصبحنا غماما
فيسقي أرض عاد إن عادا قد أمسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد وليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخير فقد أمست نساؤهم عيامى
وإن الوحش تأتيهم جهارا ولا تخشى لعادي سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما
قال : فعند ذلك تنبه القوم لما جاؤوا له فنهضوا على الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو قيل بن عنز فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وسوداء وحمراء ثم ناداه مناد من السماء اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب فقال : اخترت هذه السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد اخترت رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا لا والدا تترك ولا ولدا إلا جعلته همدا إلا بني اللوذية المهندا قال وبنو اللوذية بطن من عاد يقيمون بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الاخرة قال : وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء } أي تهلك كل شيء مرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها مميد فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا ما رأيت يا مميد ؟ قالت ريحا فيها شبه النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما كما قال الله تعالى والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك واعتزل هود عليه السلام فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الأنفس وإنها لتمر على عاد بالظعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة وذكر تمام القصة بطولها وهو سياق غريب فيه فوائد كثيرة وقد قال الله تعالى : { ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ }
وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله وقال الإمام أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث البكري قال : خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فمررت بالربذة فإذا بعجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي : يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حاجة هل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وإذا بلال متقلد سيفا بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها قال فجلست فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت وسلمت فقال : هل بينكم وبين تميم شيء قلت : نعم وكانت لنا الدائرة عليهم
ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب فأذن لها فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك قال قلت : إن مثلي مثل ما قال الأول : معزى حملت حتفها حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد قال لي [ وما وافد عاد ؟ ] وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه قلت إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال اللهم إنك تعلم أني لم أجىء إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا قال : فما بلغني أنه بعث الله عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال أبو وائل وصدق قال : وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا لا تكن كوافد عاد هكذا رواه الإمام أحمد في المسند ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن زيد بن الحباب به نحوه ورواه النسائي من حديث سلام بن أبي المنذر عن عاصم وهو ابن بهدلة ومن طريقه رواه ابن ماجه أيضا عن أبي وائل عن الحارث بن حسان البكري به ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن حباب به ووقع عنده عن الحارث بن يزيد البكري فذكره ورواه أيضا عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث بن حسان البكري فذكره ولم أر في النسخة أبا وائل والله أعلم

(2/300)


قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مر رسول الله صلى الله عليه و سلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع قال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال : لما نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الابار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور فأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال [ إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم ] وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بالحجر [ لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم ] وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يزيد بن هارون المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فنادى في الناس [ الصلاة جامعة ] قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ممسك بعنزة وهو يقول [ ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم ] فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله ؟ قال [ أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا ] لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحجر قال [ لا تسألوا الايات فقد سألها قوم صالح فكانت ـ يعني الناقة ـ ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله ] فقالوا : من هو يا رسول الله ؟ قال [ أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه ] وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم قوله تعالى : { وإلى ثمود } أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقال { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقوله { قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية } أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز و جل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلهس وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال له : شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل رحمه الله :
وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا
لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا
ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذئابا
وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملأون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الاية الأخرى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر } وقال تعالى : { هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم ذلك واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى : { فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } وقال { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وقال { فعقروا الناقة } فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم غنم كانت عجوزا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدوف رجلا يقال له الحباب فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف وإنما هو من رجل يقال له صهياد ولكن ولد على فراش سالف وقالت له أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى : { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وذمرته وشد على الناقة بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا فروى عبدالرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال : يا رب أين أمي ؟ ويقال إنه رغا ثلاث مرات وإنه دخل في صخرة فغاب فيها ويقال بل اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا عليه السلام فجاءهم وهم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى وقال { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } الاية
وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا : إن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون * ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } الاية فلما عزموا على ذلك وتواطؤوا عليه وجاؤوا من الليل ليفتكوا بنبي الله فأرسل الله سبحانه وتعالى وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة { فأصبحوا في دارهم جاثمين } أي صرعى لا أرواح فيهم ولم يفلت منهم أحد لا صغير ولا كبير لا ذكر ولا أنثى قالوا : إلا جارية كانت مقعدة واسمها كلبة ابنة السلق ويقال لها الزريقة وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام فلما رأت ما رأت من العذاب أطلقت رجلاها فقامت تسعى كأسرع شيء فأتت حيا من الأحياء فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها ثم استسقتهم من الماء فلما شربت ماتت
قال علماء التفسير : ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح عليه السلام ومن تبعه رضي الله عنهم إلا أن رجلا يقال له أبو رغال كان لما وقعت النقمة بقومه مقيما إذ ذاك في الحرم فلم يصبه شيء فلما خرج في بعض الأيام إلى الحل جاءه حجر من السماء فقتله وقد تقدم في أول القصة حديث جابر بن عبد الله في ذلك وذكروا أن أبا رغال هذا هو والد ثقيف الذين كانوا يسكنون الطائف قال عبد الرزاق عن معمر : أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بقبر أبي رغال فقال [ أتدرون من هذا ؟ ] قالوا الله ورسوله أعلم قال [ هذا قبر أبي رغال رجل من ثمود كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن هاهنا ودفن معه غصن من ذهب فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن ] وقال عبد الرزاق : قال معمر : قال الزهري : أبو رغال أبو ثقيف هذا مرسل من هذا الوجه
وقد روي متصلا من وجه آخر كما قال محمد بن إسحاق : عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال [ هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم فدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن ] وهكذا رواه أبو داود عن يحيى بن معين عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن ابن إسحاق به قال شيخنا أبو الحجاج المزي : وهو حديث حسن عزيز ( قلت ) تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث قال يحيى بن معين : ولم أسمع أحدا روى عنه غير إسماعيل بن أمية ( قلت ) وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك وهذا محتمل والله أعلم

(2/303)


هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق وإعراضهم عن الهدى إلى العمى قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما ظهر على أهل بدر أقام هناك ثلاثا ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها ثم سار حتى وقف على القليب قليب بدر فجعل يقول [ يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة ويا فلان هل بن فلان وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا ] فقال له عمر : يا رسول الله ما تكلم من أقوام قد جيفوا ؟ فقال [ والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون ] وفي السيرة أنه عليه السلام قال لهم [ بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ]
وهكذا صالح عليه السلام قال لقومه { لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم } أي فلم تنتفعوا بذلك لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحا ولهذا قال { ولكن لا تحبون الناصحين } وقد ذكر بعض المفسرين : أن كل نبي هلكت أمته كان يذهب فيقيم في الحرم حرم مكة والله أعلم وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بوادي عسفان حين حج قال [ يا أبا بكر أي واد هذا ؟ ] قال هذا وادي عسفان قال [ لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمهن الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق ] هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجه أحد منهم

(2/307)


يقول تعالى { و } لقد أرسلنا { لوطا } أو تقديره { و } اذكر { لوطا إذ قال لقومه } ولوط هو ابن هاران بن آزر وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السلام وكان قد آمن مع إبراهيم عليه السلام وهاجر معه إلى أرض الشام فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى يدعوهم إلى الله عز و جل ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم وهو إتيان الذكور دون الإناث وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله
قال عمرو بن دينار في قوله { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } قال : ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي باني جامع دمشق : لولا أن الله عز و جل قص علينا خبر قوم ولوط ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا ولهذا قال لهم لوط عليه السلام { أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } أي عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال وهذا إسراف منكم وجهل لأنه وضع الشيء في غير محله ولهذا قال لهم في الاية الأخرى { هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين } فأرشدهم إلى نسائهم فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد } أي لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض وكذلك نساؤهم كن قد استغنين بعضهن ببعض أيضا

(2/308)


أي ما أجابوا لوطا إلا أن هموا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم فأخرجه الله تعالى سالما وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين وقوله تعالى : { إنهم أناس يتطهرون } قال قتادة : عابوهم بغير عيب وقال مجاهد : إنهم أناس يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء وروي مثله عن ابن عباس أيضا

(2/308)


يقول تعالى فأنجينا لوطا وأهله ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط كما قال تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } إلا امرأته فإنها لم تؤمن به بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم ولهذا لما أمر لوط عليه السلام ليسري بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد ومنهم من يقول : بل اتبعتهم فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم ولهذا قال ههنا { إلا امرأته كانت من الغابرين } أي الباقين وقيل من الهالكين وهو تفسير باللازم وقوله { وأمطرنا عليهم مطرا } مفسر بقوله { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد } ولهذا قال { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة من يجترىء على معاصي الله عز و جل ويكذب رسله
وقد ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم سواء كان محصنا أو غير محصن وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو بن أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ] وقال آخرون هو كالزاني فإن كان محصنا رجم وإن لم يكن محصنا جلد مائة جلدة وهو القول الاخر للشافعي وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى وهو حرام بإجماع العلماء إلا قولا شاذا لبعض السلف وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة

(2/308)


قال محمد بن إسحاق : هم من سلالة مدين بن إبراهيم وشعيب وهو ابن ميكيل بن يشجر قال واسمه بالسريانية يثرون ( قلت ) مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة وهي التي بقرب معان من طريق الحجاز قال الله تعالى : { ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون } وهم أصحاب الأيكة كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } هذه دعوة الرسل كلهم قد جاءتكم بينة من ربكم أي قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به ثم وعظهم في معاملتهم الناس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبخسوا الناس أشياءهم أي لا يخونوا الناس في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس وهو نقص المكيال والميزان وتدليسا كما قال تعالى : { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين } وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد نسأل الله العافية منه ثم قال تعالى إخبارا عن شعيب الذي يقال له خطيب الأنبياء لفصاحة عبارته وجزالة موعظته

(2/309)


ينهاهم شعيب عليه السلام عن قطع الطريق الحسي والمعنوي بقوله { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } أي تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم قال السدي وغيره : كانوا عشارين وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } أي تتوعدون المؤمنين الاتين إلى شعيب ليتبعوه والأول أظهر لأنه قال { بكل صراط } وهو الطريق وهذا الثاني هو قوله { وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا } أي وتودون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } أي كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عددكم فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } أي من الأمم الخالية والقرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله وقوله { وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا } أي قد اختلفتم علي { فاصبروا } أي انتظروا { حتى يحكم الله بيننا } وبينكم أي يفصل { وهو خير الحاكمين } فإنه سيجعل العاقبة للمتقين والدمار على الكافرين

(2/309)


هذا خبر من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه شعيبا ومن معه من المؤمنين في توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة وقوله { أو لو كنا كارهين } يقول أو أنتم فاعلون ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه فإنا إن رجعنا إلى ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أندادا وهذا تعبير منه عن اتباعهم { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } وهذا رد إلى المشيئة فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علما { على الله توكلنا } أي في أمورنا ما نأتي منها وما نذر { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم { وأنت خير الفاتحين } أي خير الحاكمين فإنك العادل الذي لا يجور أبدا

(2/310)


يخبر تعالى عن شدة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق ولهذا أقسموا وقالوا { لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون } فلهذا عقبه بقوله { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين } أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة وذلك كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود فقال { ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } والمناسبة هناك والله أعلم أنهم لما تهكموا به في قولهم { أصلاتك تأمرك } الاية فجاءت الصيحة فأسكتتهم وقال تعالى إخبارا عنهم في سورة الشعراء { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم } وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة { فأسقط علينا كسفا من السماء } الاية
فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة وقد اجتمع عليهم ذلك كله { فأخذهم عذاب يوم الظلة } وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام { فأصبحوا في دارهم جاثمين } ثم قال تعالى : { كأن لم يغنوا فيها } أي كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها ثم قال تعالى مقابلا لقيلهم { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين }

(2/310)


أي فتولى عنهم شعيب عليه السلام بعد ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال وقال مقرعا لهم وموبخا { يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } أي قد أديت إليكم ما أرسلت به فل اآسف عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به فلهذا قال { فكيف آسى على قوم كافرين } ؟

(2/311)


يقول تعالى مخبرا عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء يعني بالبأساء ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام والضراء ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك { لعلهم يضرعون } أي يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم وتقدير الكلام أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا فما فعلوا شيئا من الذي أراد منهم فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه ولهذا قال { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } أي حولنا الحالة من شدة إلى رخاء ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ومن فقر إلى غنى ليشكروا على ذلك فما فعلوا وقوله { حتى عفوا } أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم يقال عفا الشيء إذا كثر
{ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } يقول تعالى : ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ولا انتهوا بهذا ولا بهذا بل قالوا : قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر وإنما هو الدهر تارات وتارات بل لم يتفطنوا لأمر الله فيهم و لا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ويصبرون على الضراء كما ثبت في الصحيحين [ عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ] فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء ولهذا جاء في الحديث [ لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله ولا فيم أرسلوه ] أو كما قال ولهذا عقب هذه الصفة بقوله { فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } أي أخذناهم بالعقوبة بغتة أي على بغتة وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة كما في الحديث [ موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر ]

(2/311)


يخبر تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل كقوله تعالى : { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } أي ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا وذلك بعدما عاينوا العذاب كما قال تعالى : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين } وقال تعالى : { وما أرسلنا في قرية من نذير } الاية وقوله تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا } أي آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل وصدقت به واتبعوه واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات { لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } أي قطر السماء ونبات الأرض قال تعالى : { ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } أي ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم ثم قال تعالى مخوفا ومحذرا من مخالفة أوامره والتجرؤ على زواجره : { أفأمن أهل القرى } أي الكافرة { أن يأتيهم بأسنا } أي عذابنا ونكالنا { بياتا } أي ليلا { وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون } أي في حال شغلهم وغفلتهم { أفأمنوا مكر الله } أي بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله : المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن

(2/312)


قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } أو لم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم وكذا قال مجاهد وغيره وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها : يقول تعالى أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم وعتوا على ربهم { أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم } يقول : أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم { ونطبع على قلوبهم } يقول ونختم على قلوبهم { فهم لا يسمعون } موعظة ولا تذكيرا ( قلت ) وهكذا قال تعالى : { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى } وقال تعالى : { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون } وقال { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال * وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } الاية وقال تعالى : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } أي هل ترى لهم شخصا أو تسمع لهم صوتا ؟
وقال تعالى : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين * ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون }
وقال تعالى : { وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير } وقال تعالى : { ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير } وقال تعالى : { فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد * أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } وقال تعالى { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } إلى غير ذلك من الايات الدالة على حلول نقمه بأعدائه وحصول نعمه لأوليائه ولهذا عقب بقوله وهو أصدق القائلين ورب العالمين

(2/312)


لما قص تعالى على نبيه صلى الله عليه و سلم خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين قال تعالى : { تلك القرى نقص عليك } أي يا محمد { من أنبائها } أي من أخبارها { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } أي الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به كما قال تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقال تعالى : { ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد * وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } وقوله تعالى : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } الباء سببية أي فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم حكاه ابن عطية رحمه الله وهو متجه حسن كقوله { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } الاية ولهذا قال هنا { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين * وما وجدنا لأكثرهم } أي لأكثر الأمم الماضية { من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } أي ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال والعهد الذي أخذه هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو فأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا شرع وفي الفطرة السليمة خلاف ذلك وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم يقول الله تعالى : [ إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ] وفي الصحيحين [ كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ] الحديث
وقال تعالى في كتابه العزيز { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } وقوله تعالى : { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } وقال تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } إلى غير ذلك من الايات وقد قيل في تفسير قوله تعالى : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } ما روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } قال كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق أي فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك وكذا قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن أنس واختاره ابن جرير وقال السدي { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } قال : ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها وقال مجاهد في قوله { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } هذا كقوله { ولو ردوا لعادوا } الاية

(2/313)


يقول تعالى : { ثم بعثنا من بعدهم } أي الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين { موسى بآياتنا } أي بحججنا ودلائلنا البينة إلى فرعون وهو ملك مصر في زمن موسى { وملئه } أي قومه { فظلموا بها } أي جحدوا وكفروا بها ظلما منهم وعنادا وكقوله تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } أي الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله أي انظر كيف فعلنا بهم أغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه وأشفى لقلوب أولياء الله موسى وقومه من المؤمنين به

(2/314)


يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة وإظهاره الايات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر فقال تعالى : { وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين } أي أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } فقال بعضهم : معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق أي جدير بذلك وحري به قالوا : والباء وعلى يتعاقبان يقال رميت بالقوس وعلى القوس وجاء على حال حسنة وبحال حسنة وقال بعض المفسرين : معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق وقرأ آخرون من أهل المدينة : حقيق علي بمعنى واجب وحق علي ذلك أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه { قد جئتكم ببينة من ربكم } أي بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقي فيما جئتكم به { فأرسل معي بني إسرائيل } أي أطلقهم من أسرك وقهرك ودعهم وعبادة ربك وربهم فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن { قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين } أي قال فرعون لست بمصدقك فيما قلت ولا بمطيعك فيما طلبت فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقا فيما ادعيت

(2/314)


قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { ثعبان مبين } الحية الذكر وكذا قال السدي والضحاك وفي حديث الفتون من رواة يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال { فألقى عصاه } فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل وقال قتادة : تحولت حية عظيمة مثل المدينة وقال السدي في قوله { فإذا هي ثعبان مبين } الثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فلما رآها ذعر منها ووثب وأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى عليه السلام فعادت عصا وروي عن عكرمة عن ابن عباس نحو هذا وقال وهب بن منبه : لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون : أعرفك قال نعم قال { ألم نربك فينا وليدا } قال : فرد إليه موسى الذي رد فقال فرعون : خذوه فبادر موسى { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } فحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا وقام فرعون منهزما حتى دخل البيت رواه ابن جرير والإمام أحمد في كتابه الزهد وابن أبي حاتم وفيه غرابة في سياقه والله أعلم
وقوله { ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين } أي أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض كما قال تعالى : { وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } الاية وقال ابن عباس في حديث الفتون : من غير سوء يعني من غير برص ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول وكذا قال مجاهد وغير واحد

(2/315)


أي قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه بعدما رجع إليه روعه واستقر على سرير مملكته بعد ذلك قال للملأ حوله { إن هذا لساحر عليم } فوافقوا وقالوا كمقالته وتشاوروا في أمره كيف يصنعون في أمره وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته وظهور كذبه وافترائه وتخوفوا أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون فيكون ذلك سببا لظهوره عليهم وإخراجه إياهم من أرضهم والذي خافوا منه وقعوا فيه كما قال تعالى : { ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا بما فيه اتفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى

(2/316)


قال ابن عباس { أرجه } أخره وقال قتادة احبسه { وأرسل } أي ابعث { في المدائن } أي في الأقاليم ومدائن ملكك { حاشرين } أي من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم وقت كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا واعتقد من اعتقد منهم وأوهم من أوهم منهم أن ما جاء به موسى عليه السلام من قبيل ما تشعبذه سحرتهم فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى * فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى } وقال تعالى ههنا :

(2/316)


يخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى عليه السلام إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلا فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده فلما توثقوا من فرعون لعنه الله

(2/316)


هذه مبارزة من السحرة لموسى عليه السلام في قولهم { إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } أي قبلك كما قال في الاية الأخرى { وإما أن نكون أول من ألقى } فقال لهم موسى عليه السلام ألقوا أي أنتم أولا قيل الحكمة في هذا والله أعلم ليرى الناس صنيعهم ويتأملوا فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلب له والانتظار منهم لمجيئه فيكون أوقع في النفوس وكذا كان ولهذا قال تعالى : { فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم } أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوا له حقيقة في الخارج ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال كما قال تعالى : { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى }
قال سفيان بن عيينة حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس : ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا قال فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وقال محمد بن إسحاق صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه وخرج موسى عليه السلام معه أخوه يتكى على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته ثم قال السحرة { يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم } فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا وقال السدي كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل وليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا { فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم } يقول فرقوهم أي من الفرق وقال ابن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن هشام الدستوائي حدثنا القاسم بن أبي بزة قال جمع فرعون سبعين ألف ساحر فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولهذا قال تعالى : { وجاؤوا بسحر عظيم }

(2/316)


يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام في ذلك الموقف العظيم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه { فإذا هي تلقف } أي تأكل { ما يأفكون } أي ما يلقونه ويوهمون أنه حق وهو باطل قال ابن عباس فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء ليس هذا بسحر فخروا سجدا وقالوا { آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون }
وقال محمد بن إسحاق جعلت تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت ووقع السحرة سجدا قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون لو كان هذا ساحرا ما غلبنا وقال القاسم بن أبي بزة أوحى الله إليه أن ألق عصاك فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه يبتلع حبالهم وعصيهم فألقي السحرة عند ذلك سجدا فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما

(2/317)


يخبر تعالى عما توعد به فرعون لعنه الله السحرة لما آمنوا بموسى عليه السلام وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها } أي إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك كقوله في الاية الأخرى { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل فإن موسى عليه السلام بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطنته فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر ممن اختار هو والملأ من قومه وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على ذلك وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون وموسى عليه السلام لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به وفرعون يعلم ذلك وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم كما قال تعالى : { فاستخف قومه فأطاعوه } فإن قوما صدقوه في قوله { أنا ربكم الأعلى } من أجهل خلق الله وأضلهم
وقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى : { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة } قال : التقى موسى عليه السلام وأمير السحرة فقال له موسى أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق قال الساحر لاتين غدا بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهما قالوا فلهذا قال ما قال وقوله { لتخرجوا منها أهلها } أي تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء وتكون الدولة والتصرف لكم { فسوف تعلمون } أي ما أصنع بكم ثم فسر هذا الوعيد بقوله { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } يعني يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس { ثم لأصلبنكم أجمعين } وقال في الاية الأخرى { في جذوع النخل } أي على الجذوع
قال ابن عباس وكان أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون وقول السحرة { إنا إلى ربنا منقلبون } أي قد تحققنا أنا إليه راجعون وعذابه أشد من عذابك ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك فلنصبرن اليوم على عذابك لنخلص عن عذاب الله ولهذا قالوا { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه { وتوفنا مسلمين } أي متابعين لنبيك موسى عليه السلام وقالوا لفرعون { فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا * إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى * إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا * ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } فكانوا في أول النهار سحرة فصاروا في آخره شهداء بررة قال ابن عباس وعبيد بن عمير وقتادة وابن جريج كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء

(2/318)


يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه وما أضمروه لموسى عليه السلام وقومه من الأذى والبغضة { وقال الملأ من قوم فرعون } أي لفرعون { أتذر موسى وقومه } أي أتدعهم ليفسدوا في الأرض أي يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك يا لله العجب صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه ! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ولكن لا يشعرون ولهذا قالوا { ويذرك وآلهتك } قال بعضهم الواو هاهنا حالية أي أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك ؟ وقرأ ذلك أبي بن كعب وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك حكاه ابن جرير وقال آخرون : هي عاطفة أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك وقرأ بعضهم إلاهتك أي عبادتك وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره وعلى القراءة الأولى قال بعضهم : كان لفرعون إله يعبده قال الحسن البصري كان لفرعون إله يعبده في السر وقال في رواية أخرى كان له حنانة في عنقه معلقة يسجد لها وقال السدي في قوله تعالى : { ويذرك وآلهتك } وآلهته فيما زعم ابن عباس كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها فلذلك أخرج لهم السامري عجلا جسدا له خوار فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وهذا أمر ثان بهذا الصنيع وقد كان نكل بهم قبل ولادة موسى عليه السلام حذرا من وجوده فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون وهكذا عومل في صنيعه أيضا لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم فجاء الأمر على خلاف ما أراد : أعزهم الله وأذله وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده ولما صمم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا } ووعدهم بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم في قوله { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } أي قد فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك فقال منبها لهم على حالهم الحاضر وما يصيرون إليه في ثاني الحال { عسى ربكم أن يهلك عدوكم } الاية وهذا تخصيص لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم

(2/319)


يقول تعالى : { ولقد أخذنا آل فرعون } أي اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم { بالسنين } وهي سني الجوع بسبب قلة الزروع { ونقص من الثمرات } قال مجاهد وهو دون ذلك وقال أبو إسحاق عن رجاء بن حيوة كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة { لعلهم يذكرون * فإذا جاءتهم الحسنة } أي من الخصب والرزق { قالوا لنا هذه } أي هذا لنا بما نستحقه { وإن تصبهم سيئة } أي جدب وقحط { يطيروا بموسى ومن معه } أي هذا بسببهم وما جاؤوا به { ألا إنما طائرهم عند الله } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس { ألا إنما طائرهم عند الله } يقول مصائبهم عند الله { ولكن أكثرهم لا يعلمون } وقال ابن جريج عن ابن عباس قال { ألا إنما طائرهم عند الله } أي إلا من قبل الله

(2/320)


هذا إخبار من الله عز و جل عن تمرد قوم فرعون وعتوهم وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل في قولهم { مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين } يقولون أي آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها رددناها فلا نقبلها منك ولا نؤمن بك ولا بما جئت به قال الله تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان } اختلفوا في معناه فعن ابن عباس في رواية كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار وبه قال الضحاك بن مزاحم وعن ابن عباس في رواية أخرى هو كثرة الموت وكذا قال عطاء وقال مجاهد : الطوفان الماء والطاعون على كل حال وقال ابن جرير : حدثنا ابن هشام الرفاعي حدثنا يحيى بن يمان حدثنا المنهال بن خليفة عن الحجاج عن الحكم بن ميناء عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ الطوفان الموت ] وكذا رواه ابن مردويه من حديث يحيى بن يمان به وهو حديث غريب وقال ابن عباس في رواية أخرى : هو أمر من الله طاف بهم ثم قرأ { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون } وأما الجراد فمعروف مشهور وهو مأكول لما ثبت في الصحيحين عن أبي يعفور قال سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد فقال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم سبع غزوات نأكل الجراد وروى الشافعي وأحمد بن حنبل وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ أحلت لنا ميتتان ودمان : الحوت والجراد والكبد والطحال ] ورواه أبو القاسم البغوي عن داود بن رشيد عن سويد بن عبد العزيز عن أبي تمام الأيلي عن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا مثله وروى أبو داود عن محمد بن الفرج عن محمد بن زبرقان الأهوازي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال : سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الجراد فقال [ أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه ] وإنما تركه عليه السلام لأنه كان يعافه كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب وأذن فيه وقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد من حديث أبي سعيد الحسن بن علي العدوي حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد حدثنا يحيى بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يأكل الجراد ولا الكلوتين ولا الضب من غير أن يحرمها أما الجراد فرجز وعذاب وأما الكلوتان فلقربهما من البول وأما الضب فقال [ أتخوف أن يكون مسخا ] ثم قال غريب لم أكتبه إلا من هذا الوجه وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشتهيه ويحبه فروى عبد الله بن دينار عن ابن عمر : أن عمر سئل عن الجراد فقال : ليت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين نأكله وروى ابن ماجه : حدثنا أحمد بن منيع عن سفيان بن عيينة عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال سمع أنس بن مالك يقول كان أزواج النبي صلى الله عليه و سلم يتهادين الجراد على الأطباق وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا داود بن رشيد حدثنا بقية بن الوليد عن يحيى بن يزيد القعنبي حدثني أبي عن صدي بن عجلان عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن مريم بنت عمران عليها السلام سألت ربها عز و جل أن يطعمها لحما لا دم له فأطعمها الجراد فقالت اللهم أعشه بغير رضاع وتابع بينه بغير شياع ] وقال نمير : الشياع الصوت وقال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك المزني حدثنا بقية بن الوليد حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي زهير النميري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لا تقاتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم ] غريب جدا وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد } قال : كانت تأكل مسامير أبوابهم وتدع الخشب وروى ابن عساكر من حديث علي بن زيد الخرائطي عن محمد بن كثير سمعت الأوزاعي يقول : خرجت إلى الصحراء فإذا أنا برجل من جراد في السماء فإذا برجل راكب على جرادة منها وهو شاك في الحديد وكلما قال بيده هكذا مال الجراد مع يده وهو يقول الدنيا باطل باطل ما فيها الدنيا باطل باطل ما فيها الدنيا باطل باطل مافيها وروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري : حدثنا محمد بن الحسن بن زياد حدثنا أحمد بن عبد الرحيم أخبرنا وكيع عن الأعمش أنبأنا عامر قال : سئل شريح القاضي عن الجراد فقال : قبح الله الجرادة فيها خلقة سبعة جبابرة رأسها رأس فرس وعنقها عنق ثور وصدرها صدر أسد وجناحها جناح نسر ورجلاها رجل جمل وذنبها ذنب حية وبطنها بطن عقرب وقدمنا عند قوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } حديث حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل جراد فجعلنا نضربه بالعصي ونحن محرمون فسألنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال [ لابأس بصيد البحر ] وروى ابن ماجه عن هارون الحمال عن هشام بن القاسم عن زياد بن عبد الله بن علاثة عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أنس وجابر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان إذا دعا على الجراد قال [ اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء ] فقال له جابر يا رسول الله أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره ؟ فقال [ إنما هو نثرة حوت في البحر ] قال هشام أخبرني زياد أنه أخبره من رآه ينثره الحوت قال من حقق ذلك إن السمك إذا باض في ساحل البحر فنضب الماء عنه وبدا للشمس أنه يفقس كله جرادا طيارا وقدمنا عند قوله { إلا أمم أمثالكم } حديث عمر رضي الله عنه أن الله خلق ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وإن أولها هلاكا الجراد وقال أبو بكر بن أبي داود حدثنا يزيد بن المبارك حدثنا عبد الرحمن بن قيس حدثنا سالم بن سالم حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا وباء مع السيف ولا نجاء مع الجراد ] حديث غريب وأما القمل فعن ابن عباس هو السوس الذي يخرج من الحنطة وعنه أنه الدبا وهو الجراد الصغير الذي لا أجنحة له وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعن الحسن وسعيد بن جبير القمل دواب سود صغار وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : القمل البراغيث وقال ابن جرير القمل جمع واحدتها قملة وهي دابة تشبه القمل تأكلها الإبل فيما بلغني وهي التي عناها الأعشى بقوله :
قوم يعالج قملا أبناؤهم وسلاسلا أجدى وبابا موصدا
قال : وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن القمل عند العرب الحمنان واحدتها حمنانة وهي صغار القردان فوق القمقامة وقال أبو جعفر ابن جرير : حدثنا ابن حميد الرازي حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال : لما أتى موسى عليه السلام فرعون قال له : أرسل معي بني إسرائيل فلم يرسلهم فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر فصب عليهم منه شيئا خافوا أن يكون عذابا فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ فقالوا : هذا ما كنا نتمنى فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع فقالوا يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم الجراد فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل فداسوا وأحرزوا في البيوت فقالوا قد أحرزنا فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون ما تلقى أنت وقومك من هذا فقال وما عسى أن يكون كيد هذا فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا وأرسل الله عليهم الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والابار وما كان في أوعيتهم وجدوه دما عبيطا فشكوا إلى فرعون فقالوا إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب فقال : إنه قد سحركم فقالوا من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا فأتوه وقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل وقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف أنه أخبر بذلك وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مغلولا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عليه الايات فأخذه بالسنين وأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل } فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم فقالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل فذكر لي أن موسى عليه السلام أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار فلما جهدهم قالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والانية فلا يكشف أحد ثوبا ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فسأل ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عاد دما عبيطا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور المروزي أنبأنا النضر أنبأنا إسرائيل أنبأنا جابر بن يزيد عن عكرمة عن عبيد الله بن عمرو قال : لا تقتلوا الضفادع فإنها لما أرسلت على قوم فرعون انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار يطلب بذلك مرضاة الله فأبدلهن الله من هذا أبرد شيء يعلمه من الماء وجعل نقيقهن التسبيح وروي من طريق عكرمة عن ابن عباس نحوه وقال زيد بن أسلم : يعني بالدم الرعاف رواه ابن أبي حاتم

(2/320)


يخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا مع ابتلائه إياهم بالايات المتواترة واحدة بعد واحدة انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم وهو البحر الذي فرقه لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون وهم بنو إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } وقال تعالى : { كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين } وعن الحسن البصري وقتادة في قوله { مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها } يعني الشام وقوله { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا } قال مجاهد وابن جرير وهي قوله تعالى : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } وقوله { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه } أي وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع { وما كانوا يعرشون } قال ابن عباس ومجاهد { يعرشون } يبنون

(2/323)


يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاوزوا البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا { فأتوا } أي فمروا { على قوم يعكفون على أصنام لهم }
قال بعض المفسرين كانوا من الكنعانيين وقيل كانوامن لخم قال ابن جرير : وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا { يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } أي تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } أي هالك { وباطل ما كانوا يعملون } وروى الإمام أبو جعفر ابن جرير في تفسير هذه الاية من حديث محمد بن إسحاق وعقيل ومعمر كلهم عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي [ أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حنين قال وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قال : فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال : فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال : قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى : { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت يا نبي الله : اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن من قبلكم ] أورده ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعا

(2/324)


يذكرهم موسى عليه السلام نعم الله عليهم من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره وما كانوا فيه من الهوان والذلة وما صاروا إليه من العزة والاشتفاء من عدوهم والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره وقد تقدم تفسيرها في البقرة

(2/324)


يقول تعالى ممتنا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى عليه السلام وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة قال المفسرون فصامها موسى عليه السلام وطواها فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر أربعين وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة والعشر عشر ذي الحجة قاله مجاهد ومسروق وابن جريج وروي عن ابن عباس وغيره فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر وحصل فيه التكليم لموسى عليه السلام وفيه أكمل الله الدين لمحمد صلى الله عليه و سلم كما قال تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فلما تم الميقات وعزم موسى على الذهاب إلى الطور كما قال تعالى : { يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن } الاية فحينئذ استخلف موسى عليه السلام على بني إسرائيل أخاه هارون ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد وهذا تنبيه وتذكير وإلا فهارون عليه السلام نبي شريف كريم على الله له وجاهة وجلالة صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء

(2/325)


يخبر تعالى عن موسى عليه السلام أنه لما جاء لميقات الله تعالى وحصل له التكليم من الله تعالى سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال { رب أرني أنظر إليك قال لن تراني } وقد أشكل حرف لن ههنا على كثير من العلماء لأنها موضوعة لنفي التأبيد فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والاخرة وهذا أضعف الأقوال لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الاخرة كما سنوردها عند قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة }
وقوله تعالى إخبارا عن الكفار { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } وقيل إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعا بين هذه الاية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤيا في الدار الاخرة وقيل إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } وقد تقدم ذلك في الأنعام وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام [ يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ] ولهذا قال تعالى : { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا } قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الاية حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي حدثنا قرة بن عيسى حدثنا الأعمش عن رجل عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لما تجلى ربه للجبل أشار بأصبعه فجعله دكا وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم ثم قال حدثني المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد عن ليث عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ هذه الاية { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } قال : هكذا بأصبعه ووضع النبي صلى الله عليه و سلم أصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل هكذا وقع في هذه الرواية حماد بن سلمة عن ليث عن أنس والمشهور حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس كما قال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } قال : [ ووضع الإبهام قريبا من طرف خنصره ] قال : [ فساخ الجبل ] قال حميد لثابت يقول هكذا فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد وقال يقوله رسول الله صلى الله عليه و سلم ويقوله أنس وأنا أكتمه ؟ وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله { فلما تجلى ربه للجبل } قال : قال [ هكذا ] يعني أنه أخرج طرف الخنصر قال أحمد : أرانا معاذ فقال له حميد الطويل : ما تريد إلى هذا يا أبا محمد ؟ قال فضرب صدره ضربة شديدة وقال من أنت يا حميد وما أنت يا حميد ؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم يقول ما تريد إليه ؟
وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الاية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق عن معاذ بن معاذ به وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة به ثم قال : هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق عن حماد بن سلمة به وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ورواه أبو محمد بن الحسن بن محمد بن علي الخلال عن محمد بن علي بن سويد عن أبي القاسم البغوي عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة فذكره وقال هذا إسناد صحيح لا علة فيه وقد رواه داود بن المحير عن شعبة عن ثابت عن أنس مرفوعا وهذا ليس بشيء لأن داود بن المحير كذاب رواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر بن مردويه من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعا بنحوه وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا ولا يصح أيضا رواه الترمذي وصححه الحاكم وقال على شرط مسلم وقال السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله تعالى : { فلما تجلى ربه للجبل } قال ما تجلى منه إلا قدر الخنصر { جعله دكا } قال ترابا { وخر موسى صعقا } قال مغشيا عليه رواه ابن جرير وقال قتادة { وخر موسى صعقا } قال ميتا وقال سفيان الثوري ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب معه وقال سنيد عن حجاج بن محمد الأعور عن أبي بكر الهذلي { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة رواه ابن مردويه وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمر بن شبة حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني حدثنا عبد العزيز بن عمران عن معاوية بن عبد الله عن الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقع بمكة حراء وثبير وثور ] وهذا حديث غريب بل منكر وقال ابن أبي حاتم ذكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا عثمان بن حصين بن العلاف عن عروة بن رويم قال : كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صما ملساء فلما تجلى الله لموسى على الطور دك وتفطرت الجبال فصارت الشقوق والكهوف وقال الربيع بن أنس { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا } وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور صار مثل دك من الدكاك وقال بعضهم جعله دكا أي فتنة وقال مجاهد في قوله { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } فإنه أكبر منك وأشد خلقا { فلما تجلى ربه للجبل } فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا وقال عكرمة جعله دكاء قال نظر الله إلى الجبل فصار صحراء ترابا وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء واختارها ابن جرير وقد ورد فيها حديث مرفوع رواه ابن مردويه والمعروف أن الصعق هو الغشي ها هنا كما فسره ابن عباس وغيره لا كما فسره قتادة بالموت وإن كان صحيحا في اللغة كقوله تعالى : { ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } فإن هناك قرينة تدل على الموت كما أن هنا قرينة تدل على الغشي وهي قوله { فلما أفاق } والإفاقة لا تكون إلا عن غشي { قال سبحانك } تنزيها وتعظيما وإجلالا أن يراه أحد في الدنيا إلا مات وقوله { تبت إليك } قال مجاهد أن أسألك الرؤية { وأنا أول المؤمنين } قال ابن عباس ومجاهد من بني إسرائيل واختاره ابن جرير وفي رواية أخرى عن ابن عباس { وأنا أول المؤمنين } أنه لا يراك أحد وكذا قال أبو العالية قد كان قبله مؤمنون ولكن يقول أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة وهذا قول حسن له اتجاه وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره ها هنا أثرا طويلا فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار وكأنه تلقاه من الإسرائيليات والله أعلم وقوله { وخر موسى صعقا } فيه أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم فأما حديث أبي سعيد فأسنده البخاري في صحيحه ههنا فقال حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه و سلم قد لطم وجهه وقال يا محمد إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي قال [ ادعوه ] فدعوه قال [ لم لطمت وجهه ؟ ] قال يا رسول الله إني مررت باليهودي فسمعته يقول والذي اصطفى موسى على البشر قال وعلى محمد ؟ قال فقلت وعلى محمد وأخذتني غضبة فلطمته فقال [ لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ] وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه ومسلم في أحاديث الأنبياء وأبو داود في كتاب السنة من سننه من طرق عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني عن أبيه عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري به وأما حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال استب رجلان رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم : والذي اصطفى محمدا على العالمين فقال اليهودي : والذين اصطفى موسى على العالمين فغضب المسلم على اليهودي فلطمه فأتى اليهودي رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأله فأخبره فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فاعترف بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى ممسك بجانب العرش فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله عز و جل ] أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به
وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا رحمه الله أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار وهذا هو أصح وأصرح والله أعلم والكلام في قوله عليه السلام : [ لا تخيروني على موسى ] كالكلام على قوله [ لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى ] قيل من باب التواضع وقيل قبل أن يعلم بذلك وقيل نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب وقيل على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي والله أعلم وقوله [ فإن الناس يصعقون يوم القيامة ] الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون منه والله أعلم به وقد يكون ذلك إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء وتجلى للخلائق الملك الديان كما صعق موسى من تجلي الرب تبارك وتعالى ولهذا قال عليه السلام [ فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ] وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه الشفاء بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق حدثنا قتادة حدثنا الحسن عن قتادة عن يحيى بن وثاب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ لما تجلى الله لموسى عليه السلام كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ ] ثم قال : ولا يبعد على هذا أن يختص نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى انتهى ما قاله وكأنه صحح هذا الحديث وفي صحته نظر ولا تخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى منتهاه والله أعلم

(2/325)


يذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه ولا شك أن محمدا صلى الله عليه و سلم سيد ولد آدم من الأولين والاخرين ولهذا اختصه الله تعالى بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تستمر شريعته إلى قيام الساعة وأتباعه أكثر من أتباع سائر الأنبياء والمرسلين كلهم وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل عليه السلام ثم موسى بن عمران كليم الرحمن عليه السلام ولهذا قال الله تعالى له : [ فخذ ما آتيتك ] أي من الكلام والمناجاة { وكن من الشاكرين } أي على ذلك ولا تطلب ما لا طاقة لك به ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء قيل كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاما مفصلة مبينة للحلال والحرام وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها : { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس } وقيل الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم وقوله { فخذها بقوة } أي بعزم على الطاعة { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } قال سفيان بن عيينة حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال أمر موسى عليه السلام أن يأخذ بأشد ما أمر قومه وقوله { سأريكم دار الفاسقين } أي سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب قال ابن جرير وإنما قال { سأريكم دار الفاسقين } كما يقول القائل لمن يخاطبه سأريك غدا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري وقيل معناه { سأريكم دار الفاسقين } أي : من أهل الشام وأعطيكم إياها وقيل : منازل قوم فرعون والأول أولى والله أعلم لأن هذا بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه والله أعلم

(2/328)


يقول تعالى : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } أي سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي ويتكبرون على الناس بغير حق أي كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل كما قال تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } وقال تعالى : { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } وقال بعض السلف : لا ينال العلم حيي ولا مستكبر وقال آخر : من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذلك الجهل أبدا وقال سفيان بن عيينة في قوله : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } قال : أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي قال ابن جرير : وهذا يدل على أن هذا الخطاب لهذه الأمة قلت ليس هذا بلازم لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة ولا فرق بين أحد وأحد في هذا والله أعلم وقوله { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } كما قال تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } وقوله { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } أي وإن ظهر لهم سبيل الرشد أي طريق النجاة لا يسلكوها وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلا ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال بقوله { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } أي كذبت بها قلوبهم { وكانوا عنها غافلين } أي لا يعلمون شيئا مما فيها وقوله { والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم } أي من فعل منهم ذلك واستمر عليه إلى الممات حبط عمله وقوله { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي إنما نجازيهم بحسب أعمالهم التي أسلفوها إن خيرا فخير وإن شرا فشر وكما تدين تدان

(2/329)


يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم فشكل لهم منه عجلا ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل عليه السلام فصار عجلا جسدا له خوار : والخوار صوت البقر وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى فأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور حيث يقول تعالى إخبارا عن نفسه الكريمة { قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري } وقد اختلف المفسرون في هذا العجل هل صار لحما ودما له خوار أو استمر على كونه من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر على قولين والله أعلم ويقال إنهم لما صوت لهم العجل رقصوا حوله وافتتنوا به وقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي قال الله تعالى : { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } وقال في هذه الاية الكريمة { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل وذهولهم عن خالق السموات والأرض ورب كل شيء ومليكه أن عبدوا معه عجلا جسدا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ حبك الشيء يعمي ويصم ] وقوله { ولما سقط في أيديهم } أي ندموا على ما فعلوا { ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } وقرأ بعضهم لئن لم ترحمنا بالتاء المثناة من فوق { ربنا } منادى { ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } أي من الهالكين وهذا اعتراف منهم بذنبهم التجاء إلى الله عز و جل

(2/329)


يخبر تعالى أن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف قال أبو الدرداء الأسف أشد الغضب { قال بئسما خلفتموني من بعدي } يقول بئس ما صنعتم في عبادة العجل بعد أن ذهبت وتركتكم وقوله { أعجلتم أمر ربكم } يقول استعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدر من الله تعالى وقوله { وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه } قيل كانت الألواح من زمرد وقيل من ياقوت وقيل من برد وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث : [ ليس الخبر كالمعاينة ] ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبا على قومه وهذا قول جمهور العلماء سلفا وخلفا وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبا لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء وهو جدير بالرد وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة وقوله { وأخذ برأس أخيه يجره إليه } خوفا أن يكون قد قصر في نهيهم كما قال في الاية الأخرى { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * أن لا تتبعن أفعصيت أمري * قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي } وقال ههنا { ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين } أي لا تسوقني سياقهم وتجعلني معهم وإنما قال : ابن أم ليكون أرق وأنجع عنده وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه فلما تحقق موسى عليه السلام براءة ساحة هارون عليه السلام كما قال تعالى : { ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري } فعند ذلك { قال } موسى { رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين } وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه عز و جل أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح ]

(2/330)


أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل فهو أن الله تعالى : لم يقبل لهم توبة حتى قتل بعضهم بعضا كما تقدم في سورة البقرة { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلا وصغارا في الحياة الدنيا وقوله { وكذلك نجزي المفترين } نائلة لكل من افترى بدعة فإن ذل البدعة ومخالفة الرشاد متصلة من قلبه على كتفيه كما قال الحسن البصري : إن ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت بهم البغلات وطقطقت بهم البراذين : وهكذا روى أيوب السختياني عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الاية { وكذلك نجزي المفترين } فقال : هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة وقال سفيان بن عيينة : كل صاحب بدعة ذليل ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان حتى ولو كان من كفر أوشرك أونفاق أوشقاق ولهذا عقب هذه القصة بقوله { والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك } أي : يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة { من بعدها } أي من بعد تلك الفعلة { لغفور رحيم } وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان حدثنا قتادة عن عزرة عن الحسن العرني عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن ذلك يعني عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فتلا هذه الاية { والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } فتلاها عبد الله عشر مرات فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها

(2/331)


يقول تعالى : { ولما سكت } أي سكن { عن موسى الغضب } أي غضبه على قومه { أخذ الألواح } أي التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل غيرة لله وغضبا له { وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } يقول كثير من المفسرين إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك ولهذا قال بعض السلف فوجد فيها هدى ورحمة وأما التفصيل فذهب وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية والله أعلم بصحة هذا وأما الدليل الواضح على أنها تكسرت حين ألقاها وهي من جوهر الجنة فقد أخبر تعالى أنه لما أخذها بعد ما ألقاها وجد فيها { هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } ضمن الرهبة معنى الخضوع ولهذا عداها باللام وقال قتادة : في قوله تعالى : { أخذ الألواح } قال رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة هم الاخرون السابقون أي آخرون في الخلق سابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها وكان من قبلهم يقرؤون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئا : لم يعطه أحد من الأمم قال رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الاخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلون الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم قال رب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفوعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال قتادة فذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال اللهم اجعلني من أمة أحمد

(2/331)


قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الاية كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختار سبعين رجلا فبرز ليدعوا ربهم وكان فيما دعوا الله أن قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة { قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } الاية وقال السدي : إن الله أمر موسى أن يأتيه في ثلاثين من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا { واختار موسى قومه سبعين رجلا } على عينيه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا { لن نؤمن لك } يا موسى { حتى نرى الله جهرة } فإنك قد كلمته فأرناه { فأخذتهم الصاعقة } فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } وقال محمد بن إسحاق : اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه لموسى : اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال : أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله دنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ إليه من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا : يا موسى { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة } وهي الصاعقة فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل
وقال سفيان الثوري : حدثني أبو إسحاق عن عمارة بن عبيد السلولي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : انطلق موسى وهارون وشبر وشبير فانطلقوا إلى سفح جبل فنام هارون على سرير فتوفاه الله عز و جل فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له : أين هارون ؟ قال : توفاه الله عز و جل قالوا : أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه أو كلمة نحوها قال : فاختاروا من شئتم قال : فاختاروا سبعين رجلا قال : فذلك قوله تعالى { واختار موسى قومه سبعين رجلا } فلما انتهوا إليه قالوا : يا هارون من قتلك ؟ قال : ما قتلني أحد ولكن توفاني الله قالوا : يا موسى لن تعصى بعد اليوم فأخذتهم الرجفة قال فجعل موسى يرجع يمينا وشمالا وقال : يا رب { لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } قال : فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم هذا أثر غريب جدا وعمارة بن عبيد هذا لا أعرفه وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن رجل من بني سلول عن علي فذكره وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جرير : إنهم أخذتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل ولا نهوهم ويتوجه هذا القول بقول موسى { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } وقوله { إن هي إلا فتنتك } أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف ولا معنى له غير ذلك يقول إن الأمر إلا أمرك وإن الحكم إلا لك فما شئت كان تضل من تشاء وتهدي من تشاء ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت فالملك كله لك والحكم كله لك لك الخلق والأمر وقوله { أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } الغفر هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب والرحمة إذا قرنت مع الغفر يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل { وأنت خير الغافرين } أي لا يغفر الذنب إلا أنت { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } الفصل الأول من الدعاء لدفع المحذور وهذا لتحصيل المقصود { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } أي أوجب لنا وأثبت لنا فيهما حسنة وقد تقدم تفسير الحسنة في سورة البقرة { إنا هدنا إليك } أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وإبراهيم التيمي والسدي وقتادة وغير واحد : وهو كذلك لغة وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن شريك عن جابر عن عبد الله بن يحيى عن علي قال : إنما سميت اليهود لأنهم قالوا { إنا هدنا إليك } جابر هو ابن يزيد الجعفي ضعيف

(2/332)


يقول تعالى مجيبا لنفسه في قوله { إن هي إلا فتنتك } الاية قال { عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء } أي أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد ولي الحكمة والعدل في كل ذلك سبحانه لا إله إلا هو وقوله تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء } الاية عظيمة الشمول والعموم كقوله تعالى إخبارا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد حدثنا أبي حدثنا الجريري عن أبي عبد الله الجشمي حدثنا جندب هو ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم علقها ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أتقولون هذا أضل أم بعيره ألم تسمعوا ما قال ؟ ] قالوا بلى قال : [ لقد حظرت رحمة واسعة إن الله عز و جل خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها وأخر عنده تسعا وتسعين رحمة أتقولون هو أضل أم بعيره ؟ ] رواه أحمد وأبو داود عن علي بن نصر عن عبد الصمد بن عبد الوارث به وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ إن لله عز و جل مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة ] تفرد بإخراجه مسلم فرواه من حديث سليمان هو ابن طرخان وداود بن أبي هند كلاهما عن أبي عثمان واسمه عبد الرحمن بن مل عن سلمان هو الفارسي عن النبي صلى الله عليه و سلم به وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ إن لله مائة رحمة عنده تسعة وتسعون وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإنس وبين الخلق فإذا كان يوم القيامة ضمها إليه ] تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد : حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لله مائة رحمة فقسم منها جزءا واحدا بين الخلق به يتراحم الناس والوحش والطير ] ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن الأعمش به وقال الحافظ ابو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن يونس حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه الأحمق في معيشته والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه ] هذا حديث غريب جدا وسعد هذا لا أعرفه وقوله { فسأكتبها للذين يتقون } الاية يعني فسأوجب حصول رحمتي منة مني وإحسانا إليهم كما قال تعالى : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } وقوله { للذين يتقون } أي سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات وهم أمة محمد صلى الله عليه و سلم { الذين يتقون } أي الشرك والعظائم من الذنوب قوله { ويؤتون الزكاة } قيل زكاة النفوس وقيل الأموال ويحتمل أن تكون عامة لهما فإن الاية مكية { والذين هم بآياتنا يؤمنون } أي يصدقون

(2/334)