صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

البصري، فقال إسماعيل القاضي:
حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن -هو البصري -يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تأكل الأرض جَسَدَ من كَلّمه (1) روح القدس". مرسل حسن (2) .
وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم (3) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة، فأكثروا الصلاة علي". هذا مرسل (4) .
وهكذا يجب على الخطيب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر في الخطبتين، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك؛ لأنها (5) عبادة، وذكر الله فيها شرط (6) ، فوجب ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيها كالأذان والصلاة. هذا مذهب الشافعي وأحمد، رحمهما الله.
ومن ذلك: أنه يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره، صلوات الله وسلامه عليه: قال (7) أبو داود:
حدثنا ابن عوف -هو محمد -حدثنا (8) المقري، حدثنا حَيْوَة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من (9) أحد يسلم علي إلا رَدّ الله علي روحي، حتى أرد عليه السلام".
تفرد به أبو داود، وصححه النووي في الأذكار (10) . ثم قال (11) أبو داود:
حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبُرِي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قُبُورًا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم".
تفرد به أبو داود أيضا (12) . وقد رواه الإمام أحمد عن سُرَيْج، عن عبد الله بن نافع -وهو الصائغ -به (13) . وصححه النووي أيضا. وقد روي من وجه آخر عن علي، رضي الله عنه. قال القاضي إسماعيل (14) بن إسحاق في كتابه "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم":
حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب [عمن أخبره] (15) من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن علي: أن رجلا كان يأتي كل
__________
(1) في أ: "كلم".
(2) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (23).
(3) في أ: "صفوان بن أبي سليم".
(4) الأم (1/184).
(5) في ت: "لأنهما".
(6) في ت: "مشروط".
(7) في ت: "فروى".
(8) في أ: "بن".
(9) في أ: "ما منكم من".
(10) سنن أبي داود برقم (2041).
(11) في ت: "روى".
(12) سنن أبي داود برقم (2042).
(13) المسند (2/367).
(14) في أ: "القاضي ابن إسماعيل".
(15) زيادة من أ، وفي هـ: "عن أخيه" والمثبت من ت، ف، أ.

(6/474)


غداة فيزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟ قال: نعم. فقال له علي بن الحسين: أخبرني أبي، عن جدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فتبلغني (1) صلاتكم وسلامكم".
في إسناده رجل مبهم لم يُسَمَّ (2) وقد رُوي من وجه آخر مرسلا قال عبد الرزاق في مصنفه، عن الثوري، عن ابن عجلان، عن رجل -يقال له: سهيل -عن الحسن بن الحسن بن علي؛ أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني" (3) . فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم [فوق الحاجة] (4) ، فنهاهم.
وقد روي أنه رأى رجلا ينتاب القبر فقال: يا هذا، ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء، أي: الجميع يبلغه، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
وقال الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن رِشْدين المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (5) .
ثم قال الطبراني: حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون عن (6) شيبان، عن الحكم بن عبد الله بن خطاف (7) ، عن أم أنيس بنت الحسن بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت قول الله، عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي } ؟" فقال: "إن هذا هو المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه لما أخبرتكم، إن الله وكل بي ملكين لا أُذْكَرُ عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان: "غفر الله لك". وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: "آمين". ولا يصلي أحد إلا قال ذانك الملكان: "غفر الله لك". ويقول الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: "آمين".
غريب جدا، وإسناده فيه ضعف شديد (8)
__________
(1) في ف، أ: "فستبلغني".
(2) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (20).
(3) المصنف برقم (6726).
(4) زيادة من ف، أ.
(5) المعجم الكبير (3/82) وقال الهيثمي في المجمع (10/162) : "فيه حميد بن أبي زينب لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(6) في هـ، ت، أ، ف: "بن أبي" والصواب ما أثبتناه من المعجم الكبير للطبراني.
(7) في هـ، ت، أ، ف: "خطاب" والصواب ما أثبتناه من المعجم الكبير للطبراني وكتب الرجال.
(8) المعجم الكبير (3/89) وقال الهيثمي في المجمع (7/93) : "فيه الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو كذاب".

(6/475)


وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغوني من (1) أمتي السلام".
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مِهْرَان الأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب، به (2)
فأما الحديث الآخر: "مَنْ صلى عَلَيّ عند قبري سمعته، ومَنْ صلى علي من بعيد بُلغته" -ففي إسناده نظر، تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير، وهو متروك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا (3) .
قال أصحابنا: ويستحب للمحرم إذا لبى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم: لما روي (4) عن الشافعي والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: كان يُؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم على كل حال (5) .
وقال إسماعيل القاضي: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا، عن الشعبي، عن وهب بن الأجدع قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت، فكبروا سبع تكبيرات، تكبيرًا بين حمد لله وثناء عليه، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك (6) .
إسناد جيد حسن قوي.
وقالوا: ويستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع ذكر الله عند الذبح: واستأنسوا بقوله (7) تعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك } [الشرح: 4]، قال بعض المفسرين: يقول الله تعالى: "لا أذكر إلا ذكرت معي". وخالفهم في ذلك الجمهور، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الرب تعالى، كما عند الأكل، والدخول، والوقاع وغير ذلك، مما لم ترد فيه السنة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا على أنبياء الله ورسله؛ فإن الله بعثهم كما بعثني".
في إسناده ضعيفان، وهما عمر بن هارون وشيخه (8) ، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن موسى بن عبيدة الربذي، به (9) .
__________
(1) في ف، أ: "عن".
(2) المسند (1/441) وسنن النسائي (3/43).
(3) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (3/292) من طريق الأصمعي عن السدي به، ثم روى بإسناده عن ابن قتيبة قال: سألت ابن نمير عن حديث: "من صلى علي عند قبري" فقال: "دع ذا، محمد بن مروان ليس بشيء".
(4) في ت: "لما رواه".
(5) الأم (2/134).
(6) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (81).
(7) في ف: "بقول الله".
(8) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (45) وعمر بن هارون متروك، وموسى بن عبيدة ضعيف.
(9) المصنف لعبد الرزاق برقم (3118).

(6/476)


ومن ذلك: أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن، إن صح الخبر في ذلك، على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا مَعْمَر بن محمد بن عبيد الله، عن أبيه محمد (1) ، عن أبيه أبي رافع (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي، وَلْيَقُل: ذَكَر الله مَن ذكرني بخير". إسناده غريب، وفي ثبوته نظر (3) والله أعلم.
[وهاهنا مسألة] (4) :
وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتبه، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة، عن نَهْشَل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى عليّ في كتاب، لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" (5) .
وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة، وقد رُوي من حديث أبي هريرة، ولا يصح أيضا (6) ، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي شيخُنا: أحسبه موضوعا. وقد رُوي نَحوُه عن أبي بكر، وابن عباس. ولا يصح من ذلك شيء (7) ، والله أعلم. وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه: "الجامع لآداب الراوي والسامع (8) ، قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: كثيرا ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابة، قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظا (9) .
[فصل] (10)
وأما الصلاة على غير الأنبياء، فإن كانت (11) على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث: "اللهم، صل على محمد وآله وأزواجه وذريته"، فهذا جائز بالإجماع، وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم:
__________
(1) في هـ، ت، ف، أ: "عن علي بن أبي رافع" والصواب ما أثبتناه.
(2) في ت: "بإسناده عن أبي رافع".
(3) ورواه الطبراني في المعجم الصغير (2/120) وابن عدي في الكامل (6/451) من طريق معمر به، وقال ابن عدي: "معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه منكر الحديث، ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه".
(4) زيادة من ت.
(5) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (1699) من طريق أحمد بن جعفر الهاشمي عن سليمان بن الربيع عن كادح بن رحمة به.
(6) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (234) "مجمع البحرين" من طريق يزيد بن عياض عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه.
(7) أما حديث ابن عباس فسبق، وأما حديث أبي بكر فرواه ابن عدي في الكامل (3/249) من طريق أبي داود النخعي، عن أيوب بن موسى، عن القاسم، عن أبي بكر، رضي الله عنه، وداود النخعي وضاع.
(8) في ت: "والسائل".
(9) الجامع لأخلاق الراوي (1/271) ثم قال عقبه: "وقد خالفه غيره من الأئمة المتقدمين في ذلك".
(10) زيادة من ف، أ.
(11) في ت، ف، أ: "كان".

(6/477)


فقال قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقوله: { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ } ، وبقوله { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } [البقرة: 157]، وبقوله تعالى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (1) وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } [التوبة: 103]، وبحديث عبد الله بن أبي أوْفَى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل عليهم". وأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". أخرجاه في الصحيحين. وبحديث جابر: أن امرأته قالت: يا رسول الله، صل عَلَيَّ وعلى زوجي. فقال: "صلى الله عليكِ وعلى زوجك" (2) .
وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة؛ لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: "قال أبو بكر صلى الله عليه". أو: "قال علي صلى الله عليه". وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: "قال محمد، عز وجل"، وإن كان عزيزا جليلا؛ لأن هذا من شعار ذكر الله، عز وجل. وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم؛ ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى، ولا لجابر وامرأته. وهذا مسلك حسن.
وقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك، والله أعلم.
ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو الكراهة التنزيهية، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار. ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في اللسان (3) بالأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا: "عز وجل"، مخصوص بالله سبحانه وتعالى، فكما لا يقال: "محمد عز وجل"، وإن كان عزيزا جليلا لا يقال: "أبو بكر -أو: علي -صلى الله عليه". هذا لفظه بحروفه. قال: وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: "علي عليه السلام"، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليكم، أو سلام عليك، أو السلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه. انتهى ما ذكره (4) .
قلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علي، رضي الله عنه، بأن يقال: "عليه السلام"، من دون سائر الصحابة، أو: "كرم الله وجهه" وهذا وإن كان معناه
__________
(1) في ت، ف: "تطهرهم بها وتزكيهم" وهو خطأ.
(2) تقدم تخريج هذين الحديثين في هذه السورة.
(3) في ت، ف، أ: "في لسان السلف".
(4) الأذكار ص (159، 160).

(6/478)


صحيحا، لكن ينبغي أن يُسَاوى بين الصحابة في ذلك؛ فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان [بن عفان] (1) أولى بذلك منه، رضي الله عنهم أجمعين.
قال إسماعيل القاضي: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عَبَّاد بن حُنَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا تصح (2) الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة (3) (4) .
وقال أيضا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن بَرْقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز، رحمه الله: أما بعد، فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدْلَ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءك كتابي هذا فمُرْهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن (5) .
قال إسماعيل القاضي: حدثنا معاذ بن أسد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني خالد بن يَزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نُبَيه بن وهب؛ أن كعبا دخل على عائشة، رضي الله عنها، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، سبعون ألفا بالليل، وسبعون ألفا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه (6) .
[فرع] (7) :
قال النووي: إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول: "صلى الله عليه فقط"، ولا "عليه السلام" فقط، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة، وهي قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ، فالأولى أن يقال: صلى الله عليه وسلم تسليما.
__________
(1) زيادة من ف.
(2) في ت، ف، أ: "لا تصلح".
(3) في ت، ف، أ: "بالاستغفار".
(4) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (75) ولفظه عنده "لا تصلوا على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار".
(5) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (76).
(6) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (102).
(7) زيادة من: ت، أ.

(6/479)


إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)

{ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) }
يقول تعالى: متهددا ومتوعدا مَنْ آذاه، بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك، وأذَى رسوله بعيب أو تنقص، عياذا بالله من ذلك.
قال عِكْرِمة في قوله: { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } : نزلت في المصوّرين.
وفي الصحيحين، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله، عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يَسُبّ الدهر، وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره" (1) .
ومعنى هذا: أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر، فعل بنا كذا وكذا. فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر، ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله، عز وجل، فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من العلماء، رحمهم الله.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله: { يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } : نزلت في الذين طعنوا [على النبي صلى الله عليه وسلم] (2) في تزويجه صفية بنت حُيَي بن أخطب.
والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن (3) أطاعه فقد أطاع الله، كما قال (4) الإمام أحمد:
حدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عَبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي، عن عبد الرحمن [بن زياد] (5) ، عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه".
وقد رواه الترمذي من حديث عَبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل، به. ثم قال: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه
وقوله: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا } أي: ينسبون إليهم ما هم بُرَآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه، { فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } وهذا هو البهت البين أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقص (6) لهم، ومَنْ أكثر مَنْ يدخل في هذا الوعيد الكفرةُ بالله ورسوله (7) ، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد بَرَّأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله، عز وجل، قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4826) وصحيح مسلم برقم (2246).
(2) زيادة من ت، أ.
(3) في أ: "كما أن من".
(4) في ت: "كما روى".
(5) زيادة من ت، أ، والمسند.
(6) في ت: "والنقص".
(7) في أ: "ورسله".

(6/480)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)

والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم (1) ، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب (2) يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين.
وقال (3) أبو داود: حدثنا القَعْنَبِيّ، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد -عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: "ذكرُكَ أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه".
وهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي، به. قال: حسن صحيح (4) .
وقد قال (5) ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا معاوية بن هشام، عن عمار بن أنس، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أيُّ الربا أربى عند الله؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أربى الربا عند الله استحلالُ عرض امرئ مسلم"، ثم قرأ: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } (6) .
{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا (62) } .
يقول تعالى آمرا رسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما، أن يأمر النساء المؤمنات -خاصة أزواجه وبناته لشرفهن -بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء. والجلباب هو: الرداء فوق الخمار. قاله ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد. وهو بمنزلة الإزار اليوم.
قاله الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا لها:
تَمْشي النُّسور إليه وَهْيَ لاهيةٌ ... مَشْيَ العَذَارى عَلَيْهِنَّ الجَلابيبُ (7)
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين (8) إذا خرجن من بيوتهن في
__________
(1) في أ: "وينتقصونهم".
(2) في ت: "قلوبهم منكوسة".
(3) في ت: "وروى".
(4) سنن أبي داود برقم (4874) وسنن الترمذي برقم (1934).
(5) في ت: "وروى".
(6) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (6711) من طريق يحيى بن واضح عن عمار بن أنس، به
(7) الصحاح (1/101).
(8) في ت، ف، أ: "المؤمنات".

(6/481)


حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة.
وقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدةَ السّلماني عن قول الله تعالى: { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ } ، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى.
وقال عكرمة: تغطي ثُغْرَة نحرها بجلبابها تدنيه عليها.
وقال (1) ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو عبد الله الظَّهراني (2) فيما كتب إليّ، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ابن خُثَيْم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ } ، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها (3) .
وقال (4) ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يونس بن يزيد قال: وسألناه (5) يعني: الزهري -: هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهى عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر إلا محصنات (6) . وقد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ } .
وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة، إنما ينهى عن ذلك لخوف الفتنة؛ لا لحرمتهن، واستدل بقوله تعالى: { وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ } .
وقوله: { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } أي: إذا فعلن ذلك عُرِفْنَ أنَّهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر، قال السدي في قوله تعالى: { [ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ] قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } (7) قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة، يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضَيِّقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة، كفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة. فوثبوا إليها (8) .
وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة.
وقوله: { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } أي: لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك.
ثم قال تعالى متوعدًا للمنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: { وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال عكرمة وغيره: هم الزناة هاهنا { وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ } يعني: الذين يقولون: "جاء
__________
(1) في ت: "وروى".
(2) في أ: "الطبراني".
(3) تفسير عبد الرزاق (2/101) ورواه الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن عائشة مثله، وأخرجه البخاري في صحيحه برقم (4759).
(4) في ت: "وروى".
(5) في ت: "سئل".
(6) في أ: "بالحرائر المحصنات".
(7) زيادة من أ.
(8) في ت، ف: "عليها".

(6/482)


الأعداء" و"جاءت الحروب"، وهو كذب وافتراء، لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي: لنسلطنَّك عليهم. وقال قتادة، رحمه الله: لنحرّشَنَّك بهم. وقال السدي: لنعلمنك بهم.
{ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا } أي: في المدينة { إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ } حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين، { أَيْنَمَا ثُقِفُوا } أي: وجدوا، { أُخِذُوا } لذلتهم وقلتهم، { وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا } .
ثم قال: { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } أي: هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه، أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا } أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.

(6/483)


يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)

{ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) } .
يقول تعالى مخبرا لرسوله صلى الله عليه وسلم: أنه لا علم له بالساعة، وإن سأله الناس عن ذلك. وأرشده أن يرد علمها إلى الله، عز وجل، كما قال له في سورة "الأعراف" ، وهي مكية وهذه مدنية، فاستمر الحال في رَدّ علمها إلى الذي يقيمها، لكن (1) أخبره أنها قريبة بقوله: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا } ، كَمَا قَالَ: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَر } [القمر: 1]، وقال { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُون } [الأنبياء: 1]، وقال { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ } [النحل: 1].
ثم قال: { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ } أي: أبعدهم عن رحمته { وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا } أي: في الدار الآخرة.
{ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها، { لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه.
ثم قال: { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا } أي: يسحبون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم على جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا . يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا } [الفرقان: 27-29]،
__________
(1) في ت: "لكنه".

(6/483)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)

وقال تعالى: { رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ } [الحجر: 2]، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم (1) هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله، وأطاعوا الرسول في الدنيا.
{ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا } . وقال طاوس: سادتنا: يعني الأشراف، وكبراءنا: يعني العلماء. رواه ابن أبي حاتم.
أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئا، وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء.
{ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ } أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، { وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } (2) . قرأ بعض القراء بالباء الموحدة. وقرأ آخرون بالثاء المثلثة، وهما قريبا المعنى، كما في حديث عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: "قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". أخرجاه في الصحيحين (3) ، يُروى "كبيرا" و"كثيرا"، وكلاهما بمعنى صحيح.
واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيتهما قرأ فَحَسَن، وليس له الجمع بينهما، والله أعلم.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضِرَار بن صُرَد، حدثنا علي بن هاشم، عن [محمد بن] (4) عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه (5) ، في تسمية مَنْ شهد مع علي، رضي الله عنه: الحجاج بن عمرو بن غَزيَّة، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر الأنصار، أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: { رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } ؟ (6) .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) } .
قال البخاري عند تفسير (7) هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف، عن الحسن [ومحمد] (8) وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حَيِيا، وذلك قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } (9) .
__________
(1) في ت، ف، أ: "حالهم".
(2) في ت: "كثيرا كبيرا أو كلاهما" وفي ف، أ: "كبيرا".
(3) صحيح البخاري رقم (834) وصحيح مسلم برقم (2705).
(4) زيادة من المعجم الكبير للطبراني.
(5) في ت: "وروى أبو القاسم الطبراني بإسناده عن أبي رافع".
(6) المعجم الكبير (3/223).
(7) في ت: "روى البخاري عند تفسيره".
(8) زيادة من ت، أ، والبخاري.
(9) صحيح البخاري برقم (4799).

(6/484)


هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرًا جدًا، وقد رواه في أحاديث "الأنبياء" بهذا السند بعينه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى، عليه السلام، كان رجلا حَيِيا سِتِّيرا، لا يُرَى من جلده شَيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدْرَة وإما آفة، وإن الله، عز وجل، أراد أن يُبرئَه مما قالوا لموسى عليه السلام، فخلا يوما وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتسل، فلمَّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَر، ثوبي حَجَر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانا أحسن ما خلق الله، عز وجل، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبَه فلبسه، وطَفقَ بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لَنَدبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا -قال: فذلك قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها } .
وهذا سياق حسن مطول، وهذا الحديث من أفراد البخاري دون مسلم (1)
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم -وخلاس، ومحمد، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا } قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن موسى كان رجلا حَيِيا ستِّيرا، لا يكاد يُرَى من جلده شَيء استحياء منه" (2) .
ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولا ورواه في تفسيره (3) . عن روح، عن عوف، به. ورواه ابن جرير من حديث الثوري، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا (4) . وهكذا رواه من حديث سليمان بن مِهْرَان الأعمش، عن المنْهَال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر، وعبد الله بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: { لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى } قال: قال قومه له: إنك آدر. فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، وخرج يتبعها عريانا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: { فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا } .
وهكذا رواه العوفي، عن ابن عباس سواء.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدميّ قالا حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان موسى، عليه السلام، رجلا حَيِيا، وإنه أتى -أحسبه قال: الماء -ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقال (5) بنو إسرائيل: إن موسى آدر -أو: به آفة، يعنون: أنه لا يضع ثيابه -
__________
(1) صحيح البخاري برقم (3404).
(2) المسند (3/514).
(3) في أ: "ورواه عنه في تفسيره".
(4) تفسير الطبري (22/36).
(5) في ف، أ: "فقالت".

(6/485)


فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال، أو كما قال، فذلك قوله: { فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } (1) .
وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، حدثنا الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (2) عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، في قوله: { فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا } قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، عليه السلام، فقال بنو إسرائيل لموسى، عليه السلام: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حياء. فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا (3) به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرَّخَم، وإن الله جعله أصم أبكم.
وهكذا رواه ابن جرير، عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام، به (4) .
ثم قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله، عز وجل.
قلت: يحتمل أن يكون الكل مرادا، وأن يكون معه غيره، والله أعلم.
قال (5) الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شَقيق، عن عبد الله قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قسما، فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة (6) ما أريد بها وجه الله. قال: فقلت: يا عدو الله، أما لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت. قال: فذكر (7) ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فاحمرَّ وجهه، ثم قال: "رحمة الله على موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
أخرجاه في الصحيحين (8) من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به (9) .
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم (10) -مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لا يبلِّغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا [سليم الصدر]" (11) . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالٌ فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة. قال: فَتَثَبَّتُ حتى سمعت (12) ما قالا ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنك قلت لنا: "لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا"، وإني مررت بفلان وفلان، وهما يقولان كذا وكذا. فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشَقَّ عليه، ثم قال: "دعنا منك، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر" (13) .
__________
(1) مسند البزار برقم (2252) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (7/92): "وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك".
(2) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".
(3) في أ: "فمرت".
(4) تفسير الطبري (22/37).
(5) في ت: "وروى".
(6) في أ: "لقسمة".
(7) في ت، أ: "فذكرت".
(8) في ت: "أخرجه البخاري ومسلم".
(9) المسند (1/380) وصحيح البخاري برقم (3405) وصحيح مسلم برقم (1062).
(10) في أ: "هشام".
(11) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.
(12) في أ: "فقلت حين سمعت".
(13) المسند (1/395).

(6/486)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)

وقد رواه أبو داود في الأدب، عن محمد [بن يحيى الذُّهْلي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل عن الوليد] (1) بن أبي هاشم (2) به مختصرًا: "لا يبلغني أحد [من أصحابي] (3) عن أحد شيئا؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" (4)
وكذا رواه الترمذي في "المناقب"، عن الذهلي سواء، إلا أنه قال: "زيد بن زائدة". ورواه أيضا عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم، به مختصرا أيضا، فزاد في إسناده السدي، ثم قال: غريب من هذا الوجه (5) .
وقوله: { وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } أي: له وجاهة وجاه عند ربه، عز وجل.
قال الحسن البصري: كان مستجابَ الدعوة عند الله. وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه. ولكن منع الرؤية لما يشاء الله، عز وجل.
وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة [عند الله] (6) : أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه، فأجاب الله سؤاله، وقال: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } [مريم: 53].
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة مَنْ كأنه يراه، وأن يقولوا { قَوْلا سَدِيدًا } أي: مستقيما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك، أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها.
ثم قال: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } : وذلك أنه يجار من النار، ويصير إلى النعيم المقيم.
قال (7) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عَوْن، حدثنا خالد، عن لَيْث، عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا، فقال: "إن الله أمرني أن آمركم، أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا". ثم أتى النساء فقال: "إن الله أمرني أن آمركن: أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا" (8) .
وقال (9) ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى": حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ، وأبي داود.
(2) في ف، أ: "هشام".
(3) زيادة من ت، ف، أ، وأبي داود.
(4) سنن أبي داود برقم (4860).
(5) سنن الترمذي برقم (3896).
(6) زيادة من ت.
(7) في ت: "وروى".
(8) ورواه أحمد في مسنده (4/391) من طريق شيبان عن ليث، به.
(9) في ت: "وروى" .

(6/487)


إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)

العزيز بن عمران الزهري، حدثنا عيسى بن سَمُرة، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه (1) ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر إلا سمعته يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا } الآية. غريب جدًا.
وروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس موقوفا (2) ، من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله.
قال عكرمة: القول السديد: لا إله إلا الله.
وقال غيره: السديد: الصدق. وقال مجاهد: هو السداد. وقال غيره: هو الصواب. والكل حق.
{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) }
قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة، وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم، فلم يطقنها (3) ، فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها (4) ، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحمَّلها، فذلك قوله: { وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا } .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم. وإن ضيعوها عذبهم (5) ، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو (6) قوله: { وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا } يعني: غرًا بأمر الله.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن أبي بشر (7) ، عن سعيد بن جبير، عن (8) ابن عباس أنه قال في هذه الآية: { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } قال: عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غَفَرت لك، وإن عَصَيت عذبتك. قال: قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم، حتى أصاب الخطيئة.
وقد روى الضحاك، عن ابن عباس، قريبا من هذا. وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وغير واحد:
__________
(1) في ت: "بسنده".
(2) في ت: "مرفوعا".
(3) في ت: "يطقها" وفي أ: "يطعنها".
(4) في أ: "يطعنها".
(5) في ت، أ: "عذبهم الله".
(6) في أ: "وهي".
(7) في أ : "حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر".
(8) في ت: "وروى ابن جرير بسنده إلى".

(6/488)


[ألا] (1) إن الأمانة هي الفرائض.
وقال آخرون: هي الطاعة.
وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق [قال] (2) : قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها.
وقال قتادة: الأمانة: الدين والفرائض والحدود.
وقال بعضهم: الغسل من الجنابة.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة.
وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي (3) متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عُوقِبَ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا مَنْ وفق اللَّهُ، وبالله المستعان.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة [البصري] (4) ، حدثنا حماد بن واقد -يعني: أبا عمر الصفار -سمعت أبا معمر (5) -يعني: عون بن معمر -يحدث عن الحسن -يعني: البصري (6) -أنه تلا هذه الآية: { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ } قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جُزِيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الجبال الشم (7) الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا.
وقال مقاتل بن حيان: إن الله حين خلق خلقه، جمع بين الإنس والجن، والسموات والأرض والجبال، فبدأ بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة ...؟ فقلن: يا رب، إنا لا نستطيع هذا الأمر، وليست بنا قوة، ولكنا لك مطيعين. ثم عرض الأمانة على الأرضين، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة (8) ؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق، ولكنا لك سامعين مطيعين، لا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة. وإن عصيت ولم ترْعَها حق رعايتها
__________
(1) زيادة من أ.
(2) زيادة من أ.
(3) في ت: "وهي".
(4) زيادة من أ.
(5) في أ: "أبا عمر".
(6) في ت: "وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري".
(7) في أ: "الصم".
(8) في أ: "والكرامة في الدنيا".

(6/489)


وأسأت، فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار. قال: رضيت [يا] (1) رب. وتَحمَّلها (2) ، فقال الله عز وجل: قد حَمَّلْتُكَهَا. فذلك قوله: { وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ } . رواه ابن أبي حاتم.
وعن (3) مجاهد أنه قال: عرضها على السموات فقالت: يا رب، حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر، وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب، غرست فيّ الأشجار، وأجريت فيّ الأنهار وسكان الأرض وما ذكر، وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة. وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: { وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا } في عاقبة أمره. وهكذا قال ابن جُرَيْج.
وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة، ضَجَجْنَ إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، وقلن: ربنا. لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب.
ثم قال (4) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ } [الآية] (5) ، فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى (6) : إني مُعينك عليها، أي: معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على فرجك بلباس، فلا تكشفه إلى ما أكره.
ثم روي عن أبي حازم نحو هذا.
وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله، عز وجل: { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابا وعقابا، ويستأمنهن على الدين. فقلن: لا نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابا ولا عقابا. قال (7) : وعرضها الله على آدم فقال: بين أذني وعاتقي. قال ابن زيد: فقال الله تعالى له: أما إذْ تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه، واجعل للسانك بابا وغلقا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.
وقال ابن جرير: حدثني سعيد (8) بن عمرو السَّكُوني، حدثنا بقِيَّة، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن (9) الحكم بن عمير -وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم. فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في أ: "وتحملتها".
(3) في ت: "وقال".
(4) في ت: "ثم روى".
(5) زيادة من ت، ف، أ.
(6) في ت، ف: "عز وجل".
(7) في أ: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(8) في أ: "سعد".
(9) في ت: "وروى ابن جرير بإسناده إلى".

(6/490)


أثرها في جذور (1) قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب (2) ، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك. فالحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا (3) .
هذا حديث غريب جدا، وله شواهد من وجوه أخرى.
ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي، أخبرنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش (4) ، عن خُليَد العَصَري (5) ، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها -وكان يقول، وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن -[وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا] (6) ، وأدى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره.
وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد (7) الحنفي، عن أبي العوام عمران بن دَاور (8) القطان، به (9) .
وقال ابن جرير (10) أيضا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله (11) بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها -أو قال: يكفر كل شيء -إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدِّ أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أدِّ أمانتك. فيقول: أنى يا رب، وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أدِّ أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية. فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلَّت فهوى في أثرها أبد الآبدين". وقال: والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق.
قال شريك: وحدثنا عياش (12) العامري، عن زاذان، عن (13) عبد الله بن مسعود، رضي
__________
(1) في أ: "صدور".
(2) في ت: "الكسب".
(3) تفسير الطبري (22/39) وله شاهد من حديث حذيفة أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6497) وسيأتي.
(4) في أ: "أبي عباس".
(5) في ت: "ثم روى ابن جرير بإسناده".
(6) زيادة من ت، ف، أ، وتفسير الطبري.
(7) في أ: "عبد الحميد".
(8) في أ: "داود".
(9) تفسير الطبري (22/39) وسنن أبي داود برقم (429).
(10) في ت: "وروى ابن أبي جرير".
(11) في أ: "عبيد الله".
(12) في أ: "عباس".
(13) في ت: "وعن".

(6/491)


الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. ولم يذكر: "الأمانة في الصلاة وفي كل شيء" (1) . إسناده جيد، ولم يخرجوه.
ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد (2) :
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا "أن الأمانة نزلت في جذر (3) قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة". ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر [الوكت، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر] (4) المجل كجمر دحرجته [على رجلك، تراه مُنتبرا وليس فيه شيء". قال: ثم أخذ حصى (5) فدحرجه] (6) على رجله، قال: "فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه وأعقله. وما في قلبه حبة من خردل من إيمان. ولقد أتى عَلَيَّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، إن كان مسلما ليردنه على دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه عليّ ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا".
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش، به (7) .
وقال (8) الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد (9) الحضرمي، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربع إذا كُنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حِفْظ أمانة، وصِدْق حديث، وحُسْن خليقة، وعِفَّة طُعمة".
هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص (10) .
وقد قال الطبراني في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب: حدثني يحيى بن أيوب العلاف المصري (11) ، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حُجَيرة، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة". فزاد في الإسناد: "ابن حُجَيرة"، وجعله من (12) مسند ابن عمر (13) .
__________
(1) تفسير الطبري (22/40).
(2) في ت: "الذي في الصحيحين".
(3) في أ: "صدر".
(4) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.
(5) في ت، أ: "حصاة".
(6) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.
(7) المسند (5/283) وصحيح البخاري برقم (6497) وصحيح مسلم برقم (143).
(8) في ت: "وروى".
(9) في أ: "زيد".
(10) المسند (2/177).
(11) في ف، أ: "المقري".
(12) في أ: "في".
(13) مجمع الزوائد (4/145) وقال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح".

(6/492)


وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد (1) : حدثنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خُنَاس بن سُحَيم -أو قال: جَبَلَة بن سُحَيم -قال: أقبلت مع زياد بن حُدَيْر من الجابية فقلتُ في كلامي: لا والأمانة. فجعل زياد يبكي ويبكي، فظننت أني أتيتُ أمرا عظيما، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم. كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي (2) .
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، قال (3) أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بالأمانة فليس منا"، تفرد به أبو داود، رحمه الله (4) .
وقوله تعالى: { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } أي: إنما حمل ابن آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله، { وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } ، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله، عز وجل، ومخالفة رسله، { وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } أي: وليرحم (5) المؤمنين من الخلق (6) الذين آمنوا بالله، وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } . [آخر تفسير سورة "الأحزاب"] (7)
__________
(1) في ت: "فروى ابن المبارك بإسناد".
(2) الزهد برقم (213).
(3) في ت: "رواه".
(4) سنن أبي داود برقم (3253) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (1318) "موارد" من طريق وكيع عن الوليد بن ثعلبة، به.
(5) في أ: "وليرحم الله".
(6) في أ: "الحلف".
(7) زيادة من ف.

(6/493)


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)

تفسير سُورة سَبأ
وهي مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) } .
يخبر تعالى عن نفسه الكريمة: أن له الحمدَ المطلق في الدنيا والآخرة؛ لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال: { وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [القصص: 70] ؛ ولهذا قال هاهنا: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه، كما قال: { وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى } [الليل: 13].
ثم قال: { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ } ، فهو المعبود (1) أبدا، المحمود على طول المدى. وقال: { وَهُوَ الْحَكِيمُ } أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقَدَره، { الْخَبِيرُ } الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء.
وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره؛ ولهذا قال: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك: عدده وكيفيته وصفاته، { وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ } أي: من قطر ورزق، { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك، { وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ } أي: الرحيم بعباده فلا يعاجل عُصاتهم بالعقوبة، الغفور (2) عن ذنوب [عباده] (3) التائبين إليه المتوكلين عليه.
__________
(1) في أ: "المحمود".
(2) في ت: "العفو".
(3) زيادة من أ.

(6/494)


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6)

{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) } .
هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن، مما أمر الله رسولَه صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لَمَّا أنكره مَنْ أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس: { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } [يونس:53]، والثانية هذه: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } ، والثالثة في التغابن: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [التغابن:7]، فقوله: { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } (1) ، ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره: { عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } .
قال مجاهد وقتادة: { لا يَعْزُبُ عَنْهُ } لا يغيب عنه، أي: الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه منه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت وأين (2) تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم.
ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة بقوله: { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } أي: سعوا في الصد عن سبيل الله وتكذيب رسله، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ } أي: لينعم السعداء من المؤمنين، ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال: { لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ } [الحشر: 20]، وقال تعالى: { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } [ص:28].
وقوله: { وَيَرَى (3) الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ } . هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضًا: { لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } [الأعراف: 43]، ويقال أيضًا: { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } [يس:52]، { لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ } [الروم:56]، { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } . العزيز هو: المنيع الجناب (4) ، الذي لا يُغالب ولا يُمَانع، بل قد قهر كل شيء، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه، وقدره، وهو المحمود في ذلك كله.
__________
(1) في ت: "ليأتينكم".
(2) في أ: "وإن".
(3) في س: "وترى".
(4) في أ: "الجبار".

(6/495)


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7)

{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) }

(6/496)


أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)

{ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) } .
هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيامَ الساعة واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } أي: تفرقت (1) أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق: { إِنَّكُمْ } أي: بعد هذا الحال { لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحى إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد لكن لُبّس عليه كما يُلَبَّس على المعتوه والمجنون؛ ولهذا قالوا: { أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ } ؟ قال الله تعالى رادًا عليهم: { بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ } أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد صلى الله عليه وسلم هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء ، { فِي الْعَذَابِ } أي: [في] (2) الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله، { وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ } من (3) الحق في الدنيا.
ثم قال منبهًا لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال: { أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } أي: حيثما (4) توجهوا وذهبوا فالسماء مظلة مُظلَّلة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال: { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ } [الذاريات:47، 48].
قال (5) عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: { أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } ؟ قال: إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء والأرض.
وقوله: { إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ } أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك لظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا.
ثم قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } قال مَعْمَر، عن قتادة: { مُنِيبٍ } : تائب.
وقال سفيان (6) عن قتادة: المنيب: المقبل إلى (7) الله عز وجل.
أي: إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فَطِن لبيب رَجَّاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن مَنْ قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها (8) واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ (9) بَلَى } [يس: 81]، وقال: { لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } [غافر: 57].
__________
(1) في ت: "فرقت".
(2) زيادة من ت، أ.
(3) في أ: "عن".
(4) في ت، س: "حيث".
(5) في ت: "روى".
(6) في أ: "شيبان".
(7) في ت، أ: "على".
(8) في ت، س: "وارتفاعها".
(9) في ت، س، أ: "على أن يحيي الموتى" والصواب ما أثبتناه.

(6/496)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) } .
يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود، صلوات الله وسلامه عليه، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العَدَد والعُدَد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته (1) ، ثم قال " لقد أوتي هذا مِزْمَارًا من مزامير آل داود".
وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صَنج ولا بَرْبَط ولا وَتَر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه. (2)
ومعنى قوله: { أَوِّبِي } أي: سبحي. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد.
وزعم أبو (3) ميسرة أنه بمعنى سَبّحي بلسان الحبشة. وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه "الجُمل" في باب النداء منه: { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسآد (4) : سير الليل كله. وهذا لفظه، وهو غريب جدًا لم أجده (5) لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا. والصواب أن المعنى في قوله تعالى: { أَوِّبِي مَعَهُ } أي: رَجّعي معه مُسَبّحة معه، كما تقدم، والله أعلم.
وقوله: { وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } : قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يُدخلَه نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط؛ ولهذا قال: { أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ } وهي: الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سَمَاعة، حدثنا ابن ضَمْرَة (6) ، عن ابن شَوْذَب قال: كان داود، عليه السلام، يرفع في كل يوم درعًا فيبيعها بستة آلاف درهم: ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحُوّاري.
__________
(1) في ت: "فاستمع رسول الله لقراءته".
(2) سبق تخريج الحديث والأثر في فضائل القرآن.
(3) في أ: "ابن".
(4) في أ: "والآباد".
(5) في أ: "لم أر"، وفي ت: "لم أره".
(6) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".

(6/497)


وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)

{ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } : هذا إرشاد من الله لنبيه داود، عليه السلام، في تعليمه صنعة الدروع.
قال مجاهد في قوله: { وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } : لا تُدِقّ المسمار فَيقلَق في الحلقة، ولا تُغَلّظه فيفصمها، واجعله بقدر.
وقال الحكم بن عُتيبة (1) : لا تُغَلظه فيفصم، ولا تُدِقّه فيقلَق (2) . وهكذا روي عن قتادة، وغير واحد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد: حَلَق (3) الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة: إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر: (4)
وَعَليهما مَسْرُودَتَان قَضَاهُما ... دَاودُ أو صنعَ السَّوابغ تُبّعُ ...
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود، عليه والسلام، (5) من طريق إسحاق بن بشر -وفيه كلام-عن أبي إلياس، عن وهب بن مُنَبه ما مضمونه: أن داود، عليه السلام، كان يخرج متنكرًا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدًا إلا أثنى عليه خيرًا في عبادته وسيرته ومعدلته، صلوات الله وسلامه عليه. قال وهب: حتى بعث الله مَلَكًا في صورة رجل، فلقيه داود فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك نصب داود، عليه السلام، إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدرع (6) ، وهو أول مَنْ عملها، فقال الله: { أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } يعني: مسامير الحلق، قال: وكان يعمل الدرع (7) ، فإذا ارتفع من عمله درع باعها، فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها. وقال: إن الله أعطى داود شيئًا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش (8) حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته. وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكأن (9) قد أعطي سبعين مزمارًا في حلقه.
وقوله: { وَاعْمَلُوا صَالِحًا } أي: في الذي أعطاكم الله من النعم، { إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.
{ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) }
__________
(1) في س، أ: "عيينة".
(2) في ت، أ: "فيفلق".
(3) في ت، س: "هو".
(4) هو أبو ذؤيب الهذلي، والبيت في اللسان مادة (قضى).
(5) تاريخ دمشق (5/708 المخطوط).
(6) في ت، أ: "الدروع".
(7) في ت، أ: "الدروع".
(8) في ت، س، أ: "تجتمع الوحوش إليه".
(9) في ت، س: "وكان".

(6/498)


لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان (1) ، من تسخير الريح له تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر.
قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغذّى (2) بها، ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع.
وقوله: { وَأَسَلْنَا لَهُ (3) عَيْنَ الْقِطْرِ } قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، و (4) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد: القطر: النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان، عليه السلام.
قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام.
وقوله: { وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ } أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله، أي: بقدره (5) ، وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك. { وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } أي: ومَنْ يعدل ويخرج منهم عن الطاعة { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } وهو الحريق.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفَير (6) ، عن أبي ثعلبة الخُشَنيّ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون". رفعه غريب جدًا. (7)
وقال (8) أيضا: حدثنا أبي، حدثنا حَرْمَلة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر (9) بن مُضَر، عن محمد، عن ابن أنعم أنه قال: الجن ثلاثة: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب.
قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة (10) : صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة. وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلا. وصنف في صُوَر الناس على قلوب الشياطين.
__________
(1) في ت، أ: "ما أعطى ابنه سليمان بن داود" وفي س: "ما أعطى ابنه سليمان".
(2) في ت: "فيتغذى".
(3) في ت: "واسالنا"
(4) في ت: "بن".
(5) في ت، أ: "أي الإذن القدرى" وفي س: "أى القدرى".
(6) في ت: "وقد روى ابن حاتم هاهنا حديثًا غريبًا بإسناده".
(7) ورواه الحاكم في المستدرك (2/456) وصححه، ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (22/214) من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (2007) من طريق ابن وهب عن معاوية بن صالح، به.
(8) في ت: "وروى".
(9) في أ : "بكير".
(10) في أ: "ثلاثة أصناف".

(6/499)


وقال أيضا (1) : حدثنا أبي: حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل-عن إسماعيل، عن الحسن (2) قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومَنْ كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله، ومَنْ كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان.
وقوله: { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ } : أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره.
وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد. وقال قتادة: هي المساجد والقصور، وقال ابن زيد: هي المساكن. وأما التماثيل فقال عطية العوفي، والضحاك والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج.
وقوله: { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس:
تَرُوحُ عَلَى آل المَحَلَّق جَفْنَةٌ ... كَجَابِيَة الشَّيخ العِراقي تَفْهَق (3) (4)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { كَالْجَوَابِ } أي: كالجوبة من الأرض.
وقال العوفي، عنه: كالحياض. وكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم.
والقدور الراسيات: أي الثابتات، في أماكنها (5) لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها. كذا قال مجاهد، والضحاك، وغيرهما.
وقال عكرمة: أثافيها منها.
وقوله: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا } أي: وقلنا لهم اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين .
وشكرًا: مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية، كما قال:
أفَادَتْكُمُ النّعْمَاء منِّي (6) ثَلاثةً: ... يدِي، ولَسَاني، وَالضَّمير المُحَجَّبَا ...
قال أبو عبد الرحمن الحُبلي (7) : الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر. وأفضل الشكر الحمد. رواه ابن جرير.
وروى هو وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القُرَظي قال: الشكر تقوى الله والعمل الصالح.
__________
(1) في ت: "وروى ابن أبي حاتم أيضا".
(2) في ت: "الحسين".
(3) في ت: "بقهق".
(4) البيت في تفسير الطبرى (22/49).
(5) في ت، س، أ: "أماكنهم".
(6) في ت: "عندى".
(7) في هـ، ت، س، أ: "السلمى" والتصويت من الطبري 22/50، مستفادا من طبعة الشعب.

(6/500)


فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود، عليه السلام، كذلك قائمين بشكر الله قولا وعملا.
قال (1) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر -يعني: ابن سليمان-عن ثابت البُنَاني قال: كان داود، عليه السلام، قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم (2) ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } .
وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أحب الصلاة إلى الله صلاةُ داودَ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما. ولا يَفر إذا لاقى". (3)
وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سُنيْد بن داود، حدثنا يوسف بن محمد بن المُنْكَدِر، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قالت أمّ سليمان بن داود لسليمان: يا بني، لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرًا يوم القيامة". (4)
وروى ابن أبي حاتم عن داود، عليه السلام، هاهنا أثرا غريبا مطولا جدا، وقال أيضًا:
حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو يزيد (5) فيض بن إسحاق الرقي (6) قال: قال فضيل في قوله تعالى: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا } . فقال داود: يا رب، كيف أشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال: "الآن شكرتني حين علمت (7) أن النعمة (8) مني".
وقوله: { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } إخبار عن الواقع.
{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14) } .
يذكر تعالى كيفية موت سليمان، عليه السلام، وكيف عَمَّى الله موته على الجانّ المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه -وهي مِنْسَأته-كما قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغير واحد -مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها (9) دابةُ الأرض، وهي الأرضة، ضعفت (10) وسقط (11) إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة-تبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك.
__________
(1) في ت: "روى".
(2) في ت: "لا يأتي عليهن"، وفي أ: "لا يأتي عليهم".
(3) صحيح البخاري برقم (1131) وصحيح مسلم برقم (1159).
(4) سنن ابن ماجه برقم (1332) وقال البوصيري في الزوائد (1/433) : "هذا إسناد ضعيف".
(5) في هـ: "زيد" والمثبت من ت، س ، أ، والجرح والتعديل 3/2/88 مستفادا من طبعة الشعب.
(6) في أ: "المرى".
(7) في ت، س: "قلت".
(8) في أ: "النعم".
(9) في ت: "فلما أكلت العصا".
(10) في ت، س، أ: "فضعفت".
(11) في أ: "وسقطت".

(6/501)


قد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر، قال ابن جرير:
حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طَهْمَان، عن عطاء، عن السائب، عن سعيد بن جبير (1) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان سليمان نبي الله، عليه السلام، إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا. فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غُرِسَتْ، وإن كانت لدواء كُتِبَتْ. فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهم، عَمّ على الجن موتتي (2) حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. فنحتها عصًا، فتوكأ عليها حولا ميتا، والجن تعمل. فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا [حولا] (3) في العذاب المهين".
قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك قال: "فشكرت الجن الأرضة (4) ، فكانت تأتيها بالماء" (5) .
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث إبراهيم بن طَهْمان، به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفًا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة.
وقال السُّدِّي، في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان سليمان يتحرر في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها، فيقول: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا وكذا. فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت نبْتَ دواء قالت: نَبَتُّ دواء لكذا وكذا. فيجعلها (6) كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخرّوبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت: أنا الخروبة. قال: ولأي شيء نَبَتِّ؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد. قال سليمان: ما كان الله ليُخَرِّبه وأنا حي؟ أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه، فمات ولم تعلم (7) به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج فيعاقبهم. وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كُوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلدا (8) إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب؟ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق. فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق. ونظر إلى سليمان، عليه السلام، قد سقط ميتا. فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات. ففتحوا (9) عنه
__________
(1) في ت: "رواه ابن جرير بإسناده".
(2) في ت: "موتى".
(3) زيادة من ت، س، أ، والطبري.
(4) في ت، س، أ: "للأرضة".
(5) تفسير الطبري (22/51).
(6) في ت، س: "فيجعل الشجرة".
(7) في أ: "ولم يعلم".
(8) في ت: "جليدا".
(9) في هـ، س: :فتنحوا".

(6/502)


فأخرجوه. وَوَجدوا منسأته -وهي: العصا بلسان الحبشة-قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات؟ فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة. وهي في قراءة ابن مسعود: فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا (1) ، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب، لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب يعملون له سنة، وذلك قول الله (2) عز وجل: { مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } . يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين -قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت-قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين، شكرًا (3) لها. (4)
وهذا الأثر -والله أعلم-إنما هو مما تُلُقِّي من علماء أهل الكتاب، وهي وَقْفٌ، لا يصدق منها (5) إلا ما وافق الحق، ولا يُكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب (6) .
وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: { مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ } قال: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: إذا أُمِرْتَ بي فأعلمني. فأتاه فقال: يا سليمان، قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير، وليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت، فقبض روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارًا من ملك الموت. قال: والجن يعملون (7) بين يديه وينظرون إليه، يحسبون أنه حي. قال: فبعث الله، عز وجل، دابة الأرض. قال: والدابة تأكل العيدان -يقال لها: القادح-فدخلت فيها فأكلتْها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت، وثقل عليها فخر ميتًا، فلما رأت ذلك الجن انفضوا وذهبوا. قال: فذلك قوله: { مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهِ } . قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت (8) سنة تأكل منها قبل أن يخر (9) . وقد ذكر غير واحد من السلف نحوًا من هذا، والله أعلم.
__________
(1) في ت، س، أ: "حولا كاملا".
(2) في ت: "قوله".
(3) في ت، س، أ: "تشكرا".
(4) تفسير الطبري (22/51).
(5) في س، أ: "لا نصدق منه".
(6) في ت، أ: "لا تصدق ولا تكذب".
(7) في ت، س، أ: "تعمل".
(8) في ت: "أقامت".
(9) في أ:"تخر".

(6/503)


لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)

{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ (17) } .

(6/503)


كانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس -صاحبة سليمان-منهم (1) ، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه (2) بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مَذرَ، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبًا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لَهِيعة، عن عبد الله بن هُبَيْرة، عن عبد الرحمن بن وَعْلة قال: سمعت ابن عباس يقول (3) : إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ: ما هو؟ رجل (4) أم امرأة أم أرض؟ قال: "بل هو رجل، ولد عَشَرة (5) ، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فَمَذْحِجُ، وكِنْدَةُ، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير. وأما الشامية فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان.
ورواه عَبد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لَهِيعة، به (6) . وهذا إسناد (7) حسن، ولم يخرجوه، [وقد روي من طرق متعددة] (8) . وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "القصد والأمَمْ، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم"، من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة، عن ابن عباس فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر.
وقال [الإمام] أحمد (9) أيضا وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جَنَاب يحيى بن أبي حيَّة الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عُرْوَة، عن فروة بن مُسيَك قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال: "نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم". فلما وليت دعاني فقال: "لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام". فقلت: يا رسول الله، أرأيت سبأ؛ أواد هو، أو رجل (10) ، أو ما هو؟ قال: " [لا] (11) ، بل رجل من العرب، ولد له عشرة فَتَيَامَنَ ستة وتشاءم أربعة، تيامن الأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار الذين يقال لهم: بجيلة وخثعم. وتشاءم لخم، وجذام، وعاملة، وغسَّان".
وهذا أيضًا إسناد جيد (12) وإن كان فيه أبو جَنَاب الكلبي، وقد تكلموا فيه (13) . لكن رواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن العَنْقَزِي (14) ، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه -يشك أسباط-قال: قدم فروة بن مُسَيك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره. (15)
طريق أخرى لهذا الحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، عن توبة بن نَمر (16) ، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة (17)
__________
(1) في ت، س، أ: "من جملتهم".
(2) في أ: "ويشكروا له".
(3) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس قال".
(4) في ت، س: "أرجل".
(5) في أ: "ولد له عشرة".
(6) المسند (1/316).
(7) في ت: "وإسناده".
(8) زيادة من ت.
(9) زيادة من ت، س، أ.
(10) في أ: "أم جبل".
(11) زيادة من أ.
(12) في أ: "حسن".
(13) ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (5/178) وليس في المطبوع من المسند.
(14) في أ: "العبقري".
(15) تفسير الطبري (22/53).
(16) في س، أ: "نمير".
(17) في أ: "عبدة".

(6/504)


بن عبد الرحمن بأفريقية فقال يومًا: ما أظن قوما بأرض إلا وهم من أهلها. فقال علي بن رباح: كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مُسَيك الغُطَيفي (1) قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول (2) الله، إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدّوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال: "ما أمرت فيهم بشيء بعد". فأنزلت هذه الآية: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ } الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله، ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن سبأ: ما هو؟ أبلد، أم رجل، أم امرأة؟ قال: "بل رجل، وَلَد له عَشَرَة فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير غير ما حلها. وأما الشام: فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة".
فيه غرابة من حيث ذكر [نزول] (3) الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله (4) أعلم.
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو أسامة، حدثني الحسن بن الحكم، حدثنا أبو (5) سَبْرَة النَّخَعِي، عن فَرْوَة بن مُسَيْك الغُطَيْفي (6) قال: قال رجل: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ: ما هو؟ أرض، أم امرأة؟ قال: "ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا: فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وحمير، وأنمار". فقال رجل: ما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة".
ورواه الترمذي في جامعه، عن أبي كُرَيْب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة، فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب. (7)
وقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير -هو عثمان بن كثير-عن الليث بن سعد، عن موسى بن على، عن يزيد بن حصين، عن تميم الداري؛ أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سبأ، فذكر مثله، فقوي هذا الحديث وحَسّن. (8)
قال علماء النسب، منهم محمد بن إسحاق: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال: ريشا ورياشا. وذكروا أنه بشَّر برسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه (9) المتقدم، وقال في ذلك شعرًا:
__________
(1) في أ: "القطيعي".
(2) في س، أ: "يا نبي".
(3) زيادة من أ.
(4) في س: "فالله".
(5) في أ: "ابن".
(6) في أ: "القطيعي".
(7) تفسير الطبري (22/53) وسنن الترمذي برقم (3222).
(8) القصد والأمم ص (20).
(9) في ت، أ: "الزمان".

(6/505)


سَيَمْلِكُ بَعْدَنَا مُلْكًا عَظيمًا ... نَبيّ لا يُرَخِّصُ في الحَرَام ...
وَيَْملك بَعْدَه منْهُم مُلُوك ... يدينوه العبادَ بغَير ذام ...
ويَملك بَعدهم منا مُلُوك ... يَصير المُلك فينَا باقْتسَام ...
وَيَمْلك بَعَْد قَحْطَان نَبي ... تَقي خَبْتَة خير الأنام ...
وسُميَ أحْمَدًا يَا لَيْتَ أني ... أُعَمَّرُ بَعْد مَبْعَثه بعام ...
فأعضُده وأَحْبوه بنَصْري ... بكُل مُدَجّج وبكُل رام ...
متى يَظْهَرْ فَكُونُوا نَاصريه ... وَمَنْ يَلْقَاهُ يُبْلغه سَلامي ...
ذكر ذلك الهمداني في كتاب "الإكليل".
واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث (1) طرائق.
والثاني: أنه من سلالة عَابَر، وهو هود، عليه الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضًا.
والثالث: أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النَّمري، رحمه الله، في كتابه [المسمى] (2) : "الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة" (3) .
ومعنى قوله عليه السلام: "كان رجلا من العرب" يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل، عليه السلام، من سلالة سام بن نوح. وعلى القول الثالث: كان من سلالة الخليل، عليه السلام، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بنفر من "أسلَمَ" ينتضلون، فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا" (4) . فأسلم قبيلة من الأنصار، والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ، نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد، حين بعث الله عليهم سيل العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما (5) قيل لهم: غَسَّان بماء نزلوا عليه قيلَ: باليمن. وقيل: إنه قريب من المُشَلَّل (6) ، كما قال حسان بن ثابت:
إمَّا سَألت فَإنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌ ... الأزْدُ نِسْبَتُنَا، والماء غَسَّانُ (7)
ومعنى قوله: "ولد له عشرة من العرب" أي: كان (8) من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع
__________
(1) في أ: "ثلاثة".
(2) زيادة من أ.
(3) في ت: "بالرواة".
(4) صحيح البخاري برقم (3507) من حديث سلمة، رضي الله عنه.
(5) في ت: "وإن".
(6) في ت: "المسلك" وفي أ: "المسكن".
(7) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (1/10).
(8) في ت: "كانوا".

(6/506)


إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من (1) كتب النسب.
ومعنى قوله: "فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة" أي: بعد ما أرسل الله عليهم سيل العرم، منهم مَنْ أقام ببلادهم، ومنهم مَنْ نزح عنها إلى غيرها، وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعَمَدَ ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سدًا عظيما محكما حتى ارتفع الماء، وحُكمَ على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف، منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف (2) فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قُطَّاف، لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب.
وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم، ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ } ، ثم فسرها بقوله: { جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } أي: من ناحيتي الجبلين والبلدة بين (3) ذلك، { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } أي: غفور لكم إن استمررتم على التوحيد.
وقوله: { فَأَعْرَضُوا } أي: عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس، كما قال هدهد سليمان: { وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ } [النمل: 22، 24].
وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن مُنَبّه: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا.
وقال السُّدِّي: أرسل الله إليهم اثني عشر ألف نبي، والله (4) أعلم.
وقوله: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ } : قيل: المراد بالعرم المياه. وقيل: الوادي. وقيل: الجُرَذ. وقيل: الماء الغزير. فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل: "مسجد الجامع". و"سعيد كُرْز" حكى ذلك السهيلي. (5)
وذكر غير واحد منهم ابن عباس، ووهب بن منبه، وقتادة، والضحاك؛ أن الله، عز وجل، لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض، يقال لها: "الجُرَذ" نقبته -قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجُرَذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان، فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السَّدّ فنقبته، فانهار عليهم.
__________
(1) في ت: "في".
(2) في ت: "يحترق".
(3) في أ: "من".
(4) في ت، س: "فالله".
(5) الروض الأنف (1/15).

(6/507)


وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)

وقال قتادة وغيره: الجُرَذ: هو الخَلْد، نقبت أسافله حتى إذا ضَعف ووَهَى، وجاءت أيام السيول، صَدمَ الماءُ البناءَ فسقط، فانساب الماء في أسفل (1) الوادي، وخرّبَ ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله وتعالى: { وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ } .
قال ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وعطاء الخُرَاساني، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي: وهو الأراك، وأكلة البَرير.
{ وَأَثْل } : قال العوفي، عن ابن عباس: هو الطَّرْفاء.
وقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء. وقيل: هو السّمُر. فالله أعلم.
وقوله : { وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } : لما كان أجودَ هذه الأشجار المبدل بها هو السّدْر قال: { وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } ، فهذا الذي صار أمر تَيْنك (2) الجنتين إليه، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة، والظلال العميقة والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسّدْر ذي الشوك الكثير والثمر القليل. وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل؛ ولهذا قال: { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا (3) وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ } أي: عاقبناهم بكفرهم.
قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور.
وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم. لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور. وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء، عن هشام بن صالح التغلبي (4) ، عن ابن خيرة -وكان من أصحاب علي، رضي الله عنه-قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة. قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلالا (5) إلا جاءه مَنْ يُنَغِّصه إياها.
{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) } .
يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغِبْطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث
__________
(1) في ت: "أصل".
(2) في ت، أ: "تللك".
(3) في ت: "بكفرهم" وهو خطأ.
(4) في ت: "وقال ابن أبي حاتم بإسنادة".
(5) في ت: "حلالاً".

(6/508)


إن مسافرهم لا يحتاج إلى حَمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويَقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم؛ ولهذا قال تعالى: { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } ، قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء. وكذا قال أبو مالك.
وقال مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، ومالك عن زيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، والسُّدِّي، وابن زيد وغيرهم (1) : يعني: قرى الشام. يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها (2) : بيت المقدس.
وقال العوفي، عنه أيضا: هي قرى عربية بين المدينة والشام.
{ قُرًى ظَاهِرَةً } أي: بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يَقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى؛ ولهذا قال: { وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ } أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، { سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ } أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا.
{ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ، وقرأ آخرون: "بعد بين أسفارنا "، وذلك أنهم بَطروا هذه النعمة -كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد-وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحَرُور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في مَنّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة؛ ولهذا قال لهم: { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } [البقرة: 61]، وقال تعالى: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } [القصص: 58]، وقال تعالى: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [النحل: 112]. وقال في حق هؤلاء: { وَظَلَمُوا (3) أَنْفُسَهُمْ } أي: بكفرهم، { فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } أي: جعلناهم حديثا للناس، وَسمَرًا يتحدثون به من (4) خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا؛ ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: "تفرقوا أيدي سبأ" "وأيادي سبأ" و "تفرقوا شَذَرَ مَذَرَ". (5)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، سمعت أبي يقول: سمعت (6) عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ، قال: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ [عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ] } (7) إلى قوله: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ } وكانت فيهم
__________
(1) في ت: "وخلق غيرهما".
(2) في ت: "هي".
(3) في ت، س، أ: "فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا".
(4) في ت: "في".
(5) في ت: "ومدر".
(6) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى عكرمة".
(7) زيادة من ت، س، أ.

(6/509)


كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة (1) بشيء من أخبار (2) السماء، فكان (3) فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، وإنه خُبّر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم (4) . فلم يدر كيف يصنع؛ لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه -وهو أعزهم أخوالا-: إذا كان غدا وأمرتك بأمر فلا تفعل، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني. فقال: يا أبت، لا تفعل، إن هذا أمر عظيم، وأمر شديد، قال: يا بني، قد حدث أمر لا بد منه. فلم يزل به حتى وافاه على ذلك. فلما أصبحوا واجتمع الناس، قال: يا بني، افعل كذا وكذا. فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني؟ عَلَيّ بالشفرة. قالوا: وما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه. قالوا: تذبح ابنك. الطمه أو اصنع ما بدا لك. قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك. فأبى إلا أن يذبحه. قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه. قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ولدي (5) فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضيه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه، قال: أي قوم، إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارا جديدا، وجملا شديدا، وسفرا بعيدا، فليلحق بعمان. ومن أراد منكم الخَمْر والخَمير والعَصير -وكلمة، قال (6) إبراهيم: لم أحفظها-فليلحق (7) ببصْرَى، ومن أراد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق (8) بيثرب ذات نخل. فأطاعه قومه (9) فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى. وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل. قال: فأتوا على بطن مر فقال بنو عثمان: هذا مكان صالح، لا نبغي به بدلا. فأقاموا به، فسموا لذلك خزاعة، لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان، وتوجهت غسان إلى بصرى.
هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم. (10)
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن، بسبب استشعاره بإرسال العَرم فقال: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن -فيما حدثني أبو زيد الأنصاري-: أنه رأى جرذًا يَحفر (11) في سد مأرب، الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم. فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النَّقُلة عن اليمن فكاد (12) قومه، فأمر أصغر أولاده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لَطَم وجهي فيها أصغر ولدي (13) . وعرض أمواله، فقال
__________
(1) في س: "فأخبروا به الكهنة".
(2) في أ: "خبر".
(3) في س: "وكان".
(4) في أ: "أضلهم".
(5) في ت، س: "ابنى".
(6) في ت: "قالها".
(7) في ت: "فيحق".
(8) في ت: "فليحق".
(9) في س: "قومنا".
(10) في ت: "كهناتهم".
(11) في س: "تحفر".
(12) في ت، س: "وكاد".
(13) في ت: "أولادى".

(6/510)


أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غَضْبَةَ عمرو. فاشتروا منه أمواله، وانتقل هو في ولده وولد ولده. وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر. فباعوا أموالهم، وخرجوا معه فساروا (1) حتى نزلوا بلاد "عك" مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، وكانت حربهم سجَالا. ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي:
وَعَكَ بنُ عَدنَانَ الذين تَغَلَّبُوا ... بِغَسَّانَ، حتى طُرّدُوا كُلّ مَطْرَد ...
وهذا البيت من (2) قصيدة له.
قال: ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد، فنزل آل جَفْنَة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مَرّا. ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عُمَان عُمان، ثم أرسل الله على السد السيل فهدمَه، وفي ذلك أنزل الله عز وجل هذه الآيات. (3)
وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: "فأمر ابن أخيه"، مكان "ابنه"، إلى قوله: "فباع ماله وارتحل بأهله، فتفرقوا". رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، أخبرنا [سلمة] (4) ، عن ابن إسحاق قال: يزعمون أن عمرو بن عامر -وهو عم القوم-كان كاهنًا، فرأى في كهانته أن قومه سَيمَزّقون ويباعَدُ بين أسفارهم. فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هَمٍّ بعيد وجمل شديد، ومَزَاد جَديد -فليلحق بكاس أو كرود. قال: فكانت وادعة بن عمرو. ومَنْ كان منكم ذا هَمّ مُدْن، وأمر دَعْن، فليلحق بأرض شَنْ. فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم: بارق. ومَنْ كان منكم يريد عيشا آنيا، وحرما آمنا، فليلحق بالأرزين. فكانت خزاعة. ومَنْ كان منكم يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار. ومَنْ كان منكم يريد خمرا وخَميرا، وذهبا وحريرا، وملكا وتأميرا، فليلحق بكُوثي وبُصرى، فكانت غسانَ بنو جَفنة (5) ملوكُ الشام. ومَنْ كان منهم بالعراق. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما قالت هذه المقالة طريفةُ امرأة عمرو بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك، فالله أعلم أيّ ذلك كان. (6)
وقال سعيد، عن قتادة، عن الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان، فمزقهم الله كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى -أعشى بني قيس بن ثعلبة-واسمه: ميمون بن قيس:
__________
(1) في ت: "فسار".
(2) في ت، س: "في".
(3) السيرة النبوية لابن هشام (1/10).
(4) زيادة من ت، والطبري.
(5) في ت: "بنو حنيفة".
(6) تفسير الطبري (22/59).

(6/511)