صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)

أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا (1) .
وهكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والحسن البصري في تفسير هذه الآية.
وقد قرأ آخرون هذه الآية: "والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة" أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ كذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جُوَيْرِية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثني أبو خلف مولى بني جُمَح: أنه دخل مع عُبَيد بن عُمَيْر على (2) عائشة، رضي الله عنها، فقالت: مرحبًا بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا -أو: تُلِمّ بنا؟ -فقال: أخشى أن أمُلَّك. فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسأل (3) عن آية في كتاب الله عز وجل، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها؟ قالت: أيَّة آية؟ فقال: { الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا } أو { الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } ؟ فقالت: أيتهما (4) أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده، لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعًا (5) -أو: الدنيا وما فيها-قالت: وما هي؟ فقلت: { الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا } فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف (6) .
إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.
والمعنى على القراءة الأولى -وهي قراءة الجمهور: السبعة وغيرهم-أظهر؛ لأنه قال: { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } ، فجعلهم من السابقين. ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك ألا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقصرين، والله تعالى أعلم.
{ وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) } .
يقول تعالى مخبرًا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء؛ ولهذا قال: { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ } يعني: كتاب الأعمال، { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } أي: لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين.
__________
(1) سنن الترمذي برقم (3175) .
(2) في أ: "إلى".
(3) في ف: "لأسألك".
(4) في أ: "أيتها".
(5) في ف: "جميعها".
(6) المسند (6/95).

(5/481)


ثم قال منكرًا على الكفار والمشركين من قريش: { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ } أي: غفلة وضلالة { مِنْ هَذَا } أي: القرآن الذي أنزله [الله تعالى] (1) على رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } : قال الحكم (2) بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ } أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك، { هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } قال: لا بد أن يعملوها. كذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد.
وقال آخرون: { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } أي: قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. ورُوِي نَحو هذا عن مقاتل بن حيَّان والسُّدِّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: "فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها".
وقوله: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا-عذابُ الله وبأسه ونقمته بهم { إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: { وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا . إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا . وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا } [المزمل: 11-13] ، وقال تعالى: { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } [ص: 3] .
وقوله: { لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ } أي: لا نجيركم (3) مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتُّم، لا محيد ولا مناص ولا وَزَرَ لزم الأمر ووجب العذاب.
ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: { قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ } أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن (4) طُلبتم امتنعتم؛ { ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [غافر: 12] .
وقوله: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ } : في تفسيره قولان، أحدهما: أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه، استكبارًا عليه واحتقارًا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في { بِهِ } فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما (5) : أنه الحرم بمكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون بالهُجْر (6) من الكلام.
والثاني: أنه (7) ضمير القرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: "إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة" إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة.
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في أ: "الحكيم".
(3) في أ: "يجيركم".
(4) في ف، أ: "وإذا".
(5) في أ: "أحدها".
(6) في أ: "الهجر".
(7) في أ: "هو".

(5/482)


أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)

والثالث: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو كذاب، أو مجنون. وكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله، الذي أظهره الله عليهم، وأخرجهم من (1) الحرم صاغرين أذلاء.
وقيل: المراد بقوله: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } أي: بالبيت، يفتخرون به ويعتقدون أنهم (2) أولياؤه، وليسوا (3) بهم، كما قال النسائي في التفسير (4) من سننه:
أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ } ، فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله، { سَامِرًا } قال: يتكبرون [ويسمرون فيه، ولا] (5) يعمرونه، ويهجرونه (6) .
وقد أطنب ابن أبي حاتم هاهنا بما ذا (7) حاصله.
{ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) }
__________
(1) في أ: "إلى".
(2) في أ: "وتعتقدون أنكم".
(3) في ف: "وليسم" وفي أ: "ولستم".
(4) في ف، أ: "تفسيره".
(5) زيادة من ف.
(6) سنن النسائي الكبرى برقم (11351).
(7) في أ: "هذا".

(5/483)


وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)

{ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) } .
يقول تعالى منكرًا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم، وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف، لا سيما وآباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية، حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله إليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي عنهم.
وقال قتادة: { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ } إذًا والله يجدون (1) في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه، فهلكوا عند ذلك.
__________
(1) في ف، أ: "تجدون".

(5/483)


ثم قال منكرا على الكافرين من قريش: { أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } أي: أَفَهُمْ (1) لا يعرفون محمدًا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم، أفيقدرون (2) على إنكار ذلك والمباهتة فيه؟ ولهذا قال جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك، إن الله بعث إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته. وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارًا لم يسلموا، ومع هذا ما أمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك.
وقوله: { أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } يحكي قول المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقوَّل (3) القرآن، أي: افتراه من عنده، أو أن به جنونا لا يدري ما يقول. وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به، وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن، فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يُطاق ولا يُدافع، وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين؛ ولهذا قال: { بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } يحتمل أن تكون هذه جملة حالية، أي: في حال كراهة (4) أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم.
وقال قتادة: ذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال له: "أسلم" فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "وإن كنت كارها". وذُكِر لنا أنه لقي رجلا فقال له: "أسلم" فَتَصَعَّده (5) ذلك وكبر عليه، فقال له نبي الله: "أرأيت لو كنتَ في طريق وَعْر وَعْث، فلقيت رجلا تعرف وجهه، وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت متبعه (6) ؟" قال: نعم. فقال: "فوالذي (7) نفس محمد بيده، إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك لو دعيت إليه". وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال له: "أسلم" فَتَصَعَّدَه ذلك، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت فتييك، أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا (8) ائتمنته أدى إليك أهو أحب إليك، أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك وإذا (9) ائتمنته خانك؟" . قال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنته أدى إلي. فقال النبي (10) صلى الله عليه وسلم: "كذاكم أنتم عند ربكم".
وقوله: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ (11) وَمَنْ فِيهِنَّ } قال مجاهد، وأبو صالح والسدي: الحق هو الله عز وجل، والمراد: لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك { لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ (12) وَمَنْ فِيهِنَّ } أي: لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم: { لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } ثم قال: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } [الزخرف: 31، 32] وقال تعالى: { قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا } [الإسراء:100] وقال: { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا } [النساء: 53] ،
__________
(1) في ف: "هم" وفي أ: "أهم".
(2) في ف، أ: "أفتقدرون".
(3) في أ: "يقول".
(4) في ف: "كراهته".
(5) في ف، أ: "فصعد".
(6) في ف: "تتبعه".
(7) في ف: "والذي".
(8) في ف: "وإن".
(9) في ف: "وإن".
(10) في ف: "نبي الله".
(11) في ف: "الأرض والسموات".
(12) في ف: "الأرض والسموات".

(5/484)


ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، وتدبيره لخلقه (1) تعالى وتقدس، فلا إله غيره، ولا رب سواه.
ثم قال: { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ } يعني: القرآن، { فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ } .
وقوله: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا } : قال الحسن: أجرا. وقال قتادة: جعلا { فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } أي أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلا ولا شيئا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال: { قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ } [سبأ: 47] ، وقال: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } [ص: 86] ، وقال: { قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } [الشورى: 23] ، وقال تعالى: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [يس: 20، 21] .
وقوله: { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ } قال الإمام أحمد:
حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه -فيما يرى النائم-ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مَثَل هذا ومثل أمته. فقال: إن مَثَلَه ومثل أمته، كمثل قوم سُفْر انتهوا إلى رأس مَفَازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينا (2) هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم . قال: فانطلق، فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا (3) : بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني. قال: فقالت طائفة: صدق والله، لنتبعه. وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه (4) .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني ممسك بحجزكم: هَلُمَّ عن النار، هلم عن النار، وتغلبوني وتقاحمون فيها تَقَاحُم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فَرَطكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيُذْهَب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي رب، قومي، أي رب أمتي.
__________
(1) في ف: "بخلقه".
(2) في أ: "فبينما".
(3) في أ: "فقالوا".
(4) المسند (1/267).

(5/485)


فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك شيئا. قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رُغَاء، ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك (1) شيئا، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة، فينادي: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم، ينادي: يا محمد، يا محمد: فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت" (2) .
وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد، إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي.
قلت: بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح. ووثقه النسائي وابن حبان.
وقوله: { وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ } أي: لعادلون جائرون منحرفون. تقول العرب: نكب فلان عن الطريق: إذا زاغ عنها.
وقوله: { وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } : يخبر تعالى عن غلظهم (3) في كفرهم بأنه لو أراح عللهم وأفهمهم القرآن، لما انقادوا له ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى: { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } [الأنفال: 23] ، وقال: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } [الأنعام: 27-29]، فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، لو كان كيف يكون (4) .
[و] (5) قال الضحاك، عن ابن عباس: كل ما فيه "لو" ، فهو مما لا يكون أبدا.
__________
(1) في ف، أ: "لا أملك لك".
(2) ورواه البزار في مسنده برقم (900) وابن عبد البر في التمهيد (2/300) من طريق مالك بن إسماعيل عن يعقوب بن عبد الله الأشعري به نحوه. وقال الهيثمي في المجمع (3/85): "رواه أبو يعلى في الكبير والبزار إلا أنه قال: يحمل قشعا مكان سقاء. ورجال الجميع ثقات".
(3) في أ: "غلطهم".
(4) في ف، أ: "ولو كان كيف كان يكون".
(5) زيادة في ف، أ.

(5/486)


وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)

{ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (83) } .
يقول تعالى: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد، { فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } أي: فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على ضلالهم وغيهم. { فَمَا اسْتَكَانُوا } أي: ما خشعوا، { وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } أي: ما دعوا، كما قال تعالى: { فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الأنعام: 43] .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي ابن الحسين، حدثنا أبي، عن يزيد -يعني: النحوي-عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز -يعني: الوبر والدم-فأنزل الله: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }
وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه، به (1) . وأصل هذا الحديث في الصحيحين: أن (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (3) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شَبِيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كَيْسان، عن (4) وهب بن عمر بن كيسان قال: حُبِس وهب بن مُنَبِّه، فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله تعالى يقول: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } قال: وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال: أَحَدَث لنا فأحدثنا. يعني: أحدث لنا الحبس، فأحدثنا زيادة عبادة.
وقوله: { حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } أي: حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة وأخذهم من عقاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبْلَسُوا (5) من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم.
ثم ذكر تعالى نعمته على عباده في أن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم، التي يدركون (6) بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وأنه الفاعل المختار لما يشاء.
__________
(1) سنن النسائي الكبرى برقم (11352).
(2) في ف، أ: "عن".
(3) صحيح البخاري برقم (4693) وصحيح مسلم برقم (2798) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(4) في ف، أ: "حدثني".
(5) في أ: "أيسوا".
(6) في ف: "تدركون"

(5/487)


قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)

وقوله: { قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ } أي: وما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم، كقوله: { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف: 103] .
ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر، في بَرْئة الخليقة وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيرا ولا كبيرا، ولا ذكرا ولا أنثى، ولا جليلا ولا حقيرا، إلا أعاده كما بدأه؛ ولهذا قال: { وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي: يحيي الرمم ويميت الأمم، { وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } أي: وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان غيرهما، كقوله تعالى: { لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [يس: 40] .
وقوله: { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي: أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم، الذي قد قهر كل شيء، وعز كل شيء، وخضع له كل شيء.
ثم قال مخبرا عن منكري البعث، الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين: { بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ . قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى، { لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } يعنون: [أن] (1) الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلاقهم. وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله تعالى إخبارا عنهم: { أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً . قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ . فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ . فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ } [النازعات: 11-14] ، وقال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } [يس: 77-79] .
{ قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) }
__________
(1) زيادة من أ.

(5/488)


بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90)

{ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) } .
يقرر تعالى وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصرف والملك، ليرشد إلى أنه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له؛ ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره، المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في

(5/488)


الإلهية، فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا، ولا يملكون شيئًا، ولا يستبدّون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى: { مَا (1) نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر: 3] ، فقال: { قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا } أي: من مالكها الذي خلقها ومن (2) فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات، وسائر صنوف المخلوقات { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك (3) { قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } [أي: لا تذكرون] (4) أنه لا تنبغي (5) العبادة إلا للخالق الرازق (6) لا لغيره.
{ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } أي: من هو خالق العالم العُلْوي بما فيه من الكواكب النيّرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم، يعني: الذي هو سقف المخلوقات، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "شأن الله أعظم من ذلك، إن (7) عرشه على سمواته هكذا" وأشار بيده مثل القبة (8) .
وفي الحديث الآخر: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة" (9) .
ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، [وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة] (10) .
وقال الضحاك، عن ابن عباس: إنما سمي عرشًا لارتفاعه.
وقال الأعمش عن كعب الأحبار: إن السموات والأرض في العرش، كالقنديل المعلق بين السماء والأرض.
وقال مجاهد: ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فَلاة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا وَكِيع، حدثنا (11) سفيان الثوري، عن عمار الدُّهني (12) ، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر أحد قدره. وفي رواية: إلا الله عز وجل (13) .
وقال بعض السلف: العرش من ياقوتة حمراء.
ولهذا قال هاهنا: { وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } يعني: الكبير: وقال في آخر السورة: { رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ }
__________
(1) في أ: "إنما" وهو خطأ
(2) في ف، أ: "وما".
(3) في ف، أ: "كذلك".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في أ: "يليق".
(6) في ف: "الرزاق".
(7) في ف: "لأن".
(8) سنن أبي داود برقم (4726) عن حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.
(9) رواه الطبري في تفسيره (5/399) من طريق ابن وهب عن ابن زيد عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه، وقد سبق من رواية ابن مردوية عند تفسير الآية: 2 من سورة الرعد.
(10) زيادة من أ.
(11) في أ: "عن".
(12) في أ: "الذهبي".
(13) ورواه ابن أبي شيبة في صفة العرش (ق 114) والحاكم في المستدرك (2/282) من طريق الضحاك بن مخلد عن سفيان عن عمار الذهني به، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" وأقره الذهبي.

(5/489)


أي: الحسن البهي. فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع والعلو، والحسن الباهر؛ ولهذا قال من قال: إنه من ياقوتة حمراء.
وقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور (1) العرش من نور وجهه.
وقوله: { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ } أي: إذا كنتم تعترفون (2) بأنه رب السموات ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه، في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟
قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتاب "التفكر والاعتبار": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله (3) بن جعفر، أخبرني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل، معها ابن لها يرعى غنما، فقال لها ابنها: يا أماه، من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله. قال: فمن خلق السماء؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله. قال: فإني أسمع لله شأنا ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع.
قال ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يحدثنا هذا الحديث.
قال عبد الله بن دينار: كان (4) ابن عمر كثيرًا ما يحدثنا بهذا الحديث.
قلت: في إسناده عبد الله (5) بن جعفر المديني، والد الإمام علي بن المديني، وقد تكلموا فيه، فالله أعلم (6) .
{ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } أي: بيده الملك، { مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } [هود: 56] ، أي: متصرف فيها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا والذي نفسي بيده" ، وكان إذا اجتهد في اليمين قال (7) : " لا ومقلب القلوب" ، فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف، { وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدًا، لا يُخْفَر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه، لئلا يفتات عليه، ولهذا قال الله: { وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ } أي: وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء (8) كان، وما لم يشأ لم يكن، وقال الله: { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [الأنبياء: 23] ، أي: لا يسئل عما يفعل؛ لعظمته وكبريائه، وقهره وغلبته، وعزته وحكمته (9) ، والخلق كلهم يُسألون عن
__________
(1) في أ: "فوق".
(2) في أ: "تعرفون".
(3) في ف، أ: "عبيد الله".
(4) في ف: "وكان".
(5) في أ: "عبيد الله".
(6) ورواه ابن عدي في الكامل (4/178) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن عبد الله بن جعفر به، وقال: "غير محفوظ لا يحدث به عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر" وعبد الله بن جعفر المديني ضعيف عند الأئمة.
(7) في أ: "يقول".
(8) في ف، أ: "وما شاء الله".
(9) في ف، أ: "وحكمته وعدله".

(5/490)


مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)

أعمالهم، كما قال تعالى: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الحجر: 92، 93] .
وقوله: { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه، هو الله تعالى، وحده لا شريك له { قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } أي: فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك.
ثم قال تعالى: { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ } ، وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك، { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } أي: في عبادتهم مع الله غيره، ولا دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة: { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } ، فالمشركون لا يفعلون ذلك [عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك] (1) اتباعا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال، كما قالوا: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } [الزخرف: 23] .
{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) } .
ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك، فقال: { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } أي: لو قُدِّر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما يخلق، فما كان ينتظم الوجود. والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض، في غاية الكمال، { مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ } [الملك: 3] ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض. والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدا، فأراد واحد تحريك جسم وأراد الآخر سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد. وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالا فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب، والآخر المغلوب ممكنًا؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهورا؛ ولهذا قال: { وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي: عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوا كبيرا.
{ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } أي: يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه، { فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: تقدس وتنزه وتعالى وعز وجل [عما يقول الظالمون والجاحدون] (2) .
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ف، أ.

(5/491)


قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)

{ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) } .
يقول تعالى آمرًا [نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم] (1) أن يدعو هذا الدعاء عند حلول النقم: { رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ } أي: إن عاقبتهم -وإني شاهدُ ذلك-فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي -وصححه-: "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون" (2) .
وقوله: { وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ } أي: لو شئنا لأريناك ما نحل (3) بهم من النقم والبلاء والمحن.
ثم قال مرشدًا له إلى التِّرْياق النافع في مخالطة الناس، وهو الإحسان إلى من يسيء، ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } ، وهذا كما قال في الآية الأخرى: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [فصلت: 34، 35] : أي ما يلهم هذه الوصية أو الخصلة (4) أو الصفة { إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا } أي: على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم إليهم القبيح، { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } أي: في الدنيا والآخرة.
وقوله: { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ } : أمره أن يستعيذ من الشياطين، لأنهم لا تنفع (5) معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف.
وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هَمْزه ونَفْخه ونَفْثه" (6) .
وقوله: { وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } أي: في شيء من أمري؛ ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور -وذلك مطردة للشياطين (7) -عند الأكل والجماع والذبح، وغير ذلك من الأمور؛ ولهذا روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهَرَم، وأعوذ بك من الهَدْم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت" (8) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) المسند (5/243) وسنن الترمذي برقم (3235) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وقال: "هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح"
(3) في ف، أ: "ما يحل".
(4) في ف: "الخصلة أو الوصية".
(5) في ف، أ: "لا ينفع".
(6) انظر الاستعاذة عند تفسير سورة الفاتحة.
(7) في ف: "للشيطان".
(8) سنن أبي داود برقم (1552).

(5/492)


حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)

عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم، من الفزع: "بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها، كتبها له، فعلقها في عنقه.
ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث محمد بن إسحاق (1) ، وقال الترمذي: حسن غريب.
{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) } .
يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت، من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى، وقيلهم عند ذلك، وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا، ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته؛ ولهذا قال: { رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا } كما قال تعالى: { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [المنافقون: 10، 11] ، وقال تعالى: { وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ } [إبراهيم:44]، وقال تعالى: { يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } [الأعراف: 53] ، وقال تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } [السجدة: 12] ، وقال تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [الأنعام: 27، 28] ، وقال تعالى: { وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ } [الشورى:44] ، وقال تعالى: { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [غافر:11، 12] ، وقال تعالى: { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } [فاطر: 37] ، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة، فلا يجابون، عند الاحتضار، ويوم النشور ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار، وهم في غمرات عذاب الجحيم.
وقوله: هاهنا: { كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } : كلا حرف ردع وزجر، أي: لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه.
__________
(1) المسند (2/181) وسنن أبي داود برقم (3893) وسنن الترمذي برقم (3528) والنسائي في السنن الكبرى برقم (10601).

(5/493)


وقوله: { كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم.
ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله: "كلا" ، أي: لأنها كلمة، أي: سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه، وقول لا عمل معه، ولو رد لما عمل صالحا، ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }
وقال محمد بن كعب القرظي: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } قال: فيقول الجبار: { كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } .
وقال عمر بن عبد الله مولى غُفْرَة: إذا سمعت الله يقول: { كَلا } فإنما يقول: كذب .
(1)
وقال قتادة في قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ } : قال: كان العلاء بن زياد يقول: لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله عز وجل.
وقال قتادة: والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة إلا بالله. وعن محمد بن كعب القرظي نحوه.
وقال محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا فضيل -يعني: ابن عياض-عن لَيْث، عن طلحة بن مُصَرِّف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: إذا وضع -يعني: الكافر-في قبره، فيرى مقعده من النار. قال: فيقول: رب، ارجعون أتوب وأعمل صالحا. قال: فيقال: قد عُمِّرت ما كنت مُعَمَّرا. قال: فيضيق عليه قبره، قال: فهو كالمنهوش، ينام ويفزع، تهوي (2) إليه هَوَامّ الأرض وحياتها وعقاربها.
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثني سلمة بن تمام، حدثنا علي بن زيد (3) . عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور!! تدخل (4) عليهم في قبورهم حيات سود -أو: دُهُم-حية عند رأسه، وحية عند رجليه، يقرصانه حتى يلتقيا (5) في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى: { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }
وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: { وَمِنْ وَرَائِهِمْ } يعني: أمامهم.
وقال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة.
وقال محمد بن كعب: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة. ليسوا (6) مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم.
وقال أبو صخر: البرزخ: المقابر، لا هم في الدنيا، ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم
__________
(1) في ف: "كذبت".
(2) في ف، أ: "ويهوي".
(3) في أ: "يزيد".
(4) في ف، أ: "يدخل".
(5) في ف: "تقرصانه حتى تلتقيا".
(6) في ف، أ: "ليس".

(5/494)


فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)

يبعثون.
وفي قوله: { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } : تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال: { مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ } [الجاثية: 10] وقال { وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } [إبراهيم: 17] .
وقوله: { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي: يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث: "فلا يزال معذبا فيها" (1) ، أي: في الأرض.
{ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) } .
يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور، { فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ } أي: لا تنفع الأنساب يومئذ، ولا يرثي والد لولده، ولا يلوي عليه، قال الله تعالى: { وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا . يُبَصَّرُونَهُمْ } [المعارج: 10، 11] أي: لا يسأل القريب قريبه وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعز الناس عليه -كان-في الدنيا، ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى: { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [عبس: 34-37] .
وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه: قال: فيفرح (2) المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا; ومصداق ذلك في كتاب الله: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } رواه ابن أبي حاتم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم-حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثتنا أم بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَة، عن عُبَيْد الله بن أبي رافع، عن المِسْوَر -هو ابن مَخْرَمَة-رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاطمة بَضْعَةٌ مني، يَقْبِضُني ما يقبضها، ويَبْسُطني ما يبسطها (3) وإن الأنساب تنقطع (4) يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري". (5)
هذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور أن (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فاطمة بضعة مني،
__________
(1) رواه الترمذي في السنن برقم (1071) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: "حديث حسن غريب".
(2) في أ: "فيفرح والله".
(3) في أ: "يفيضني ما يفيضها وينشطني ما ينشطها".
(4) في أ: "منقطع".
(5) المسند (4/323).
(6) في ف، أ: "عن".

(5/495)


يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها" (1) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير، عن عبد الله بن محمد، عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر: "ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع قومه؟ بلى، والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني -أيها الناس-فرط لكم، إذا (2) جئتم" قال رجل: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان، [ وقال أخوه: أنا فلان ابن فلان] (3) فأقول لهم: "أما النسب فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقري" . (4)
وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (5) من طرق متعددة عنه، رضي الله عنه: أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، قال: أما -والله-ما بي إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل سبَبٍ ونَسب فإنه منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي".
رواه (6) الطبراني، والبزار والهيثم بن كليب، والبيهقي، والحافظ الضياء في "المختارة" (7) وذكرنا أنه أصدقها أربعين ألفا؛ إعظاما وإكراما، رضي الله عنه؛ فقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع -زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم-من طريق أبي القاسم البغوي: حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد ابن عباد بن جعفر، سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري" (8) . وروي فيها من طريق عمار بن سيف، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "سألت ربي عز وجل ألا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إلي أحد منهم، إلا كان معي في الجنة، فأعطاني ذلك" (9) . ومن حديث عمار بن سيف، عن إسماعيل، عن عبد الله بن عمرو.
وقوله: { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي: من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس.
{ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي: الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة.
وقال ابن عباس: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (3714) وصحيح مسلم برقم (2449).
(2) في ف، أ: "فإذا" .
(3) زيادة من ف، أ، والمسند.
(4) المسند (3/18).
(5) مسند عمر بن الخطاب لابن كثير (1/389).
(6) في أ: "ورواه الحافظ".
(7) المعجم الكبير (3/45) ومسند البزار برقم (2445) "كشف الأستار" وسنن البيهقي الكبرى (7/64) والمختارة للمقدسي برقم (281).
(8) تاريخ دمشق (19/119 "المخطوط") ورواه علي بن سعيد عن سليمان بن عمر الرقي عن إبراهيم بن عبد السلام عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن الزبير مرفوعا، وأخرجه الطبراني في الأوسط برقم (3963).
(9) تاريخ دمشق (19/119 "المخطوط") ورواه الطبراني في الأوسط برقم (3961) "مجمع البحرين" من طريق يزيد بن الكميت عن عمار بن سيف به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (7/85): "إسناده واه" وفي الباب عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه.

(5/496)


{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } أي: ثقلت سيئاته على حسناته، { فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } أي: خابوا وهلكوا، وباؤوا بالصفقة (1) الخاسرة.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المُحَبَّر، حدثنا صالح المُرِّيّ، عن ثابت البُناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان، عن أنس بن مالك يرفعه قال: "إن لله ملكا موكلا بالميزان، فيؤتى بابن آدم، فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا (2) يسعد بعدها أبدًا" (3) .
إسناده ضعيف، فإن داود بن المُحَبَّر متروك.
ولهذا قال: "في جهنم خالدون" أي: ماكثون، دائمون مقيمون لا يظعنون.
{ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ } ، كما قال تعالى: { وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ } [إبراهيم: 50] ، وقال { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } [الأنبياء: 39] .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فَرْوَة بن أبي المغراء (4) ، حدثنا محمد بن سلمان الأصبهاني، عن أبي سِنَان ضِرَار بن مُرَّة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن جهنم لما سيق [إليها] (5) أهلها يلقاهم (6) لهبها، ثم تلفحهم لفحة، فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب" . (7)
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى الفَزَّاز، حدثنا الخضر بن علي بن يونس القطان، حدثنا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القَطَّان، حدثنا سعد بن سعيد (8) المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ } قال: "تلفحهم لفحة، فتسيل لحومهم على أعقابهم" (9) .
وقوله: { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني عابسون.
وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود: { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } قال: ألم تر إلى الرأس المُشَيَّط الذي قد بدا أسنانه وقَلَصت شفتاه.
وقال الإمام أحمد، رحمه الله: أخبرنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله -هو ابن المبارك، رحمه
__________
(1) في أ: "وفازوا بالصفة".
(2) في ف: "فلا".
(3) ورواه أبو نعيم في الحلية كما في تخريج الإحياء (4098) وقال: "تفرد به داود بن المحبر".
(4) في أ: "أبي الفراء".
(5) زيادة من ف.
(6) في ف: "تلقيهم".
(7) ورواه أبو نعيم في الحلية (4/363) وقال: "لم يروه مرفوعا متصلا عن أبي سنان عن عبد الله إلا محمد بن سليمان الأصبهاني، ورواه ابن عيينة وابن فضيل وجرير عن أبي سنان فأوقفه ابن فضيل على أبي هريرة".
(8) في ف، أ: "سعيد بن أبي سعيد".
(9) ورواه الضياء المقدسي في صفة النار كما في الدر المنثور (6/117) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.

(5/497)


الله-أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السَّمْح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } ، قال: "تَشْويه النار فَتَقَلَّصُ شفته العليا حتى تبلغ وَسَطَ رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تَضْرب سُرَّته".
ورواه الترمذي، عن سُوَيْد بن نصر (1) عن عبد الله بن المبارك، به (2) وقال: حسن غريب.
__________
(1) في أ: "نصير".
(2) المسند (3/88) وسنن الترمذي برقم (3176).

(5/498)


أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)

{ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) } .
هذا تقريع من الله تعالى لأهل النار، وتوبيخ لهم على ما ارتكبوا من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم، التي أوبقتهم في ذلك، فقال: { أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت الكتب، وأزلت (1) شُبَهكم، ولم يبق لكم حجة تدلون بها كما قال: { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [النساء: 165] ، وقال: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } [الإسراء: 15] ، وقال: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ . وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ . فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ } [الملك: 8-11] ، ولهذا قالوا: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ } أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فَضَلَلْنَا عنها ولم نُرْزَقْهَا.
ثم قالوا: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } أي: رُدَّنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا، فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قالوا: { فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ . ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } [غافر: 11، 12] أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون.
{ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) } .
هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار (2) ، يقول: { اخْسَئُوا فِيهَا } أي: امكثوا فيها صاغرين مُهانين أذلاء. { وَلا تُكَلِّمُونِ } أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي.
__________
(1) في أ: "وأرخت".
(2) في أ: "الدنيا".

(5/498)


قال العَوْفِي، عن ابن عباس: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عَبْدَة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يردّ عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت دعوتهم -والله (1) -على مالك ورب مالك. ثم يدعون ربهم فيقولون: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ . رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } قال: والله ما نَبَس (2) القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم. قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق.
وقال أيضا: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيْل، حدثنا أبو الزَّعْرَاء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله ألا يخرج منهم أحدًا -يعني: من جهنم-غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع فيقول: يا رب (3) . فيقول: من عرف أحدًا فليخرجه. فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدًا فيقول: أنا فلان. فيقول: ما أعرفك.
، قال: فعند ذلك يقول: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } ، فعند ذلك يقول: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } . وإذا (4) قال ذلك، أطبقت عليهم فلا (5) يخرج منهم بَشَر.
ثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا، وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال: { إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا } أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إليّ، { حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي } أي: حملكم بغضهم على أن نَسِيتم معاملتي { وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ } أي: من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } [المطففين: 29، 30] أي: يلمزونهم استهزاء.
ثم أخبر عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال: { إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا } أي: على أذاكم لهم واستهزائكم منهم، { أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ } أي: جعلتهم هم الفائزين (6) بالسعادة والسلامة والجنة، الناجين (7) من النار.
__________
(1) في ف، أ: "والله دعوتهم".
(2) في ف: "فوالله ما يبس".
(3) في ف، أ: "يا رب يا رب".
(4) في ف، أ: "فإذا".
(5) في ف، أ: "فلم".
(6) في ف: "الفائزون".
(7) في ف: "الناجون".

(5/499)


قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)

{ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) } .
يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده، ولو صَبَروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون، { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ } أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ } أي: الحاسبين
{ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا } أي: مدة يسيرة على كل تقدير { لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تَصَرَّفتم لأنفسكم هذا التصرف السّيئ، ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته (1) -كما فعل المؤمنون-لفزتم كما فازوا.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوَزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان، عن أيفع بن عبد الكَلاعي؛ أنه سمعه يخطب الناس فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم: رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين؟ ثم يقول: يا أهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم. فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم: ناري وسخطي، امكثوا فيها خالدين مخلدين" (2) .
وقوله: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا، { وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } أي: لا تعودون في الدار الآخرة، كما قال: { أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } [القيامة: 36] ، يعني هملا (3) .
وقوله: { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ } أي: تقدَّس أن يخلق شيئا عبثا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، { لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } ، فذكر العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم، أي: حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى: { فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } [لقمان: 10] .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسيّ، حدثنا إسحاق بن سليمان -شيخ من أهل العراق-أنبأنا شعيب بن صفوان، عن رجل من آل سعيد بن العاص قال:
__________
(1) في ف: "على عبادته وطاعته".
(2) ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (1/187) بإسناده إلى الحكم بن موسى عن الوليد عن صفوان به.
(3) في أ: "مهملا".

(5/500)


كان آخر خطبة خطب عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن (1) تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر مَن خرج من رحمة الله، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين، حتى تردون (2) إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تُشَيّعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صَدْع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مُرْتَهَن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه، ونزول الموت بكم ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن نصر (3) الخَوْلاني، حدثنا ابن وَهْب، أخبرني ابن لَهِيعَة، عن أبي هُبَيْرَةَ عن حَنَش (4) بن عبد الله؛ أن رجلا مصابًا مرَّ به عبد الله بن مسعود، فقرأ في أذنه هذه الآية: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ } ، حتى ختم السورة فَبَرَأ، [فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم] (5) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بماذا قرأت في أذنه؟" فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لو أن رجلا مُوقنا قرأها على جَبَل لزال".
وروى أبو (6) نُعَيم من طريق خالد بن نزار، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المُنْكَدر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرَِّية، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } ، قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا (7) .
وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حدثنا أبو المُسَيَّب سلمة بن سلام، حدثنا بكر بن خُنَيْس (8) ، عن نَهْشَل بن سعيد، عن الضحّاك بن مُزَاحِم، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن: بسم الله الملك الحق، { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الزمر: 67] ، { بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [هود: 41] . (9)
__________
(1) في ف: "ولم".
(2) في ف: "حين تردوا".
(3) في أ: "نصير".
(4) في ف: "حسن".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في ف: "ابن".
(7) معرفة الصحابة لأبي نعيم برقم (726).
(8) في ف: "حبيش".
(9) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (12/124) وفي كتاب الدعاء برقم (804) من طرق عن عبد الحميد الهلالي، عن نهشل به، وقال الهيثمي في المجمع (10/132) : "نهشل بن سعيد متروك".

(5/501)


وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)

{ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) } .
يقول تعالى متوعدا من أشرك به غيره، وعَبَدَ معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك بالله { لا بُرْهَانَ لَهُ } أي: لا دليل له على قوله -فقال: { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } ، وهذه جملة معترضة، وجواب الشرط في قوله: { فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ } أي: الله يحاسبه على ذلك.
ثم أخبر: { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } أي: لديه يوم القيامة، لا فلاح لهم ولا نجاة.
قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "ما تعبد؟" قال: أعبد الله، وكذا وكذا-حتى عدّ أصناما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأيّهم إذا أصابك ضُرٌّ فدعوتَه، كشفه عنك؟". قال: الله عز وجل. قال: ["فأيّهم إذا كانت لك حاجة فدعوتَه أعطاكها؟" قال: الله عز وجل. قال] (1) : "فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه؟" قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه أم حسبت أن يغلب عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلمون ولا يعلمون" قال (2) الرجل بعد ما أسلم: لقيت رجلا خصمني.
هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندًا عن عمران بن الحُصَيْن، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك (3) .
وقوله: { وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } هذا إرشاد من الله إلى هذا الدعاء، فالغَفْرُ -إذا أطلِق-معناه محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناها: أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال.
آخر تفسير سورة المؤمنون.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في أ: "فقال".
(3) سنن الترمذي برقم (3483) وقال: "هذا حديث غريب".

(5/502)


سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)

سورة النور
وهي مدنية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) }
يقول تعالى: هذه { سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا } فيه تنبيه على (1) الاعتناء بها ولا ينفى ما عداها.
{ وفرضناها } قال مجاهد وقتادة: أيْ بيّنا الحلال والحرام والأمر والنهي، والحدود.
وقال البخاري: ومن قرأ "فَرَضْناها" يقول: فَرَضْنا عليكم وعلى من بعدكم .
{ وَأَنزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } أي: مفسَّرات واضحَات، { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
ثم قال تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع؛ فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرًا، وهو الذي لم يتزوج، أو محصنا، وهو الذي قد وَطِئَ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل. فأما إذا كان بكرًا لم يتزوج، فإن حدَّه مائة جلدة (2) كما في الآية ويزاد على ذلك أن يُغرّب عاما [عن بلده] (3) عند جمهور العلماء،خلافا لأبي حنيفة، رحمه الله؛ فإن عنده أن التغريبَ إلى رأي الإمام، إن شاء غَرَّب وإن شاء لم يغرِّب .
وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين، من رواية الزهري، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهَنيّ، في الأعرابيين اللذين أتيا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-فقال أحدهما: يا رسول الله، إن ابني كان عَسِيفا -يعني أجيرا -على هذا فزنى بامرأته، فافتديت [ابني[ (4) منه بمائة شاة وَوَليدَة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن (5) على ابني جلد مائة وتغريبَ عام، وأن على امرأة هذا الرجم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جَلْدُ مائة وتغريبُ عام. واغد يا أنيس -لرجل من أسلم -إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". فغدا عليها فاعترفت، فرجمها (6) .
ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرا لم يتزوج، فأما إن كان محصنا فإنه يرجم، كما قال الإمام مالك:
__________
(1) في أ: "إلى".
(2) في ف، أ: "جلد مائة".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) زيادة من ف، أ، وصحيحي البخاري ومسلم.
(5) في أ: "إنما".
(6) صحيح البخاري برقم (2314، 6633) وصحيح مسلم برقم (1697).

(6/5)


حدثني ابن شهاب، أخبرنا (1) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن ابن عباس أخبره أن عمر، رضي الله عنه، قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإن (2) الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وَوَعَيْناها، وَرَجمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَرَجمْنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو الحبل، أو الاعتراف.
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولا (3) وهذا (4) قطعة منه، فيها مقصودنا هاهنا.
وروى الإمام أحمد، عن هُشَيْم، عن الزهري، عن عُبَيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: حدثني عبد الرحمن بن عوف؛ أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وَإنّ أناسا (5) يقولون: ما بالُ الرجم؟ في كتاب الله الجلدُ. وقد رَجَم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورَجمَنا بعده. ولولا أن يقول قائلون -أو يتكلم (6) متكلمون -أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه (7) لأثبتها كما نزلت .
وأخرجه النسائي، من حديث عُبَيْد الله بن عبد الله، به (8) .
وقد روى أحمد (9) أيضًا، عن هُشَيْم، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب فذكر الرجم فقال: لا تُخْدَعُن (10) عنه؛ فإنه حَدٌّ من حدود الله ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورَجمَنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب الله ما ليس فيه، لكتبت في ناحية من المصحف: وشهد عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وفلان وفلان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده. ألا وإنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم وبالدجال (11) وبالشفاعة وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتُحِشُوا (12) .
وروى أحمد (13) أيضا، عن يحيى القَطَّان، عن يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيَّب، عن عمر بن الخطاب (14) : إياكم أن تهَلكوا عن آية الرجم.
الحديث رواه الترمذي، من حديث سعيد، عن عُمَر، وقال: صحيح (15) .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عُبَيْد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا ابن (16) عَوْن، عن محمد -هو ابن سِيرِين -قال: نُبِّئتُ عن كَثِير بن الصلت قال: كنا عند
__________
(1) في ف: "عن".
(2) في ف: "إن".
(3) الموطأ (2/822) وصحيح البخاري برقم (6829،6830) وصحيح مسلم برقم (1691) وهو عندهما بهذا السياق من حديث ابن شهاب الزهري.
(4) في ف، أ: "وهذه".
(5) في ف: "ناسا".
(6) في ف: "ويتكلم".
(7) في أ: "فيه".
(8) المسند (1/29) والنسائي في السنن الكبرى (7154).
(9) في ف، أ: "الإمام أحمد".
(10) في أ: "لا تحيد عنه".
(11) في ف: "والدجال".
(12) المسند (1/23).
(13) في ف، أ: "الإمام أحمد".
(14) في ف، أ: "عمر رضي الله عنه".
(15) المسند (1/36) وسنن الترمذي برقم (1431).
(16) في ف: "أبو".

(6/6)


مروان وفينا زيد، فقال زيد: كنا نقرأ: "والشيخ والشيخة فارجموهما (1) البتة". قال مروان: ألا كتبتَها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب، فقال: أنا أشفيكم من ذلك.قال: قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فذكر كذا وكذا، وذكر الرجم، فقال: يا رسول الله، أكْتِبْني آية الرجم: قال: "لا أستطيع الآن". هذا أو نحو (2) ذلك.
وقد رواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جُبَير، عن كَثِير بن الصَّلْت، عن زيد بن ثابت، به (3) .
وهذه طرق كلها متعددة (4) ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها، وبقي حكمها معمولا به، ولله الحمد (5) .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم هذه المرأة، وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زَنَت مع الأجير. ورجم النبي (6) صلى الله عليه وسلم ماعزًا والغامِدِيَّة. وكل هؤلاء لم يُنقَل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جَلدهم قبل الرجم. وإنما وردت الأحاديث الصِّحَاح المتعددة الطرق والألفاظ، بالاقتصار على رجمهم، وليس فيها ذكر الجلد؛ ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، رحمهم الله. وذهب الإمام أحمد، رحمه الله، إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصَن بين (7) الجلد للآية والرجم للسنة، كما روي، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه لما أتي بشُرَاحة (8) وكانت قد زنت وهي مُحْصَنَةٌ، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، ثم قال: جلدتهُا بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم، وأهل السنن الأربعة، من حديث قتادة، عن الحسن، عن حِطَّان (9) بن عبد الله الرَّقَاشِيّ، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا البِكْر بالبِكْر، جَلْد مائة وتغريب سنة (10) والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم" (11) .
وقوله: { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } أي: في حكم الله. لا ترجموهما وترأفوا بهما في شرع الله، وليس المنهي عنه (12) الرأفة الطبيعية [ألا تكون حاصلة] (13) على ترك الحد، [وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد] (14) فلا (15) يجوز ذلك.
قال مجاهد: { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } قال: إقامة الحدود إذا رُفعت إلى السلطان، فتقام ولا تعطل. وكذا رُوي عن سعيد بن جُبَيْر، وعَطَاء بن أبي رَبَاح. وقد جاء في الحديث:
__________
(1) في ف، أ: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما".
(2) في ف: "أو نحوه".
(3) النسائي في السنن الكبرى برقم (7148).
(4) في ف، أ: "متعاضدة".
(5) في ف، أ: "والله أعلم".
(6) في ف، أ: "رسول الله"
(7) في أ: "من".
(8) في أ: "بسراجة".
(9) في أ: "عطاء".
(10) في أ: "عام"
(11) المسند (5/317) وصحيح مسلم برقم (1690) وسنن أبي داود برقم (4416) وسنن الترمذي برقم (1434) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11092) وسنن ابن ماجه برقم (2550).
(12) في ف: "النهي عن"
(13) زيادة من ف،أ
(14) زيادة من ف،أ
(15) في ف: "فإنه لا".

(6/7)


"تعافَوُا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حَدٍّ فقد وَجَب" (1) . وفي الحديث الآخر: "لَحَدٌّ يقام في الأرض، خير لأهلها من أن يُمطَروا أربعين صباحا" (2) .
وقيل: المراد: { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } فلا تقيموا الحد كما ينبغي، من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرِّح.
قال عامر الشعبي: { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } قال: رحمة (3) في شدة الضرب. وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرِّح. وقال سعيد بن أبي عَرُوُبة، عن حماد بن أبي سليمان: يجلد (4) القاذف وعليه ثيابه، والزاني تخلع ثيابه، ثم تلا { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم والجلد -يعني في إقامة الحد، وفي شدة الضرب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأوْدِيّ (5) حدثنا وَكيع، عن نافع، [عن] (6) ابن عمرو، عن (7) ابن أبي مُلَيْكَة، عن عبيد الله (8) بن عبد الله بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت، فضرب رجليها -قال نافع: أراه قال: وظهرها -قال: قلت: { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } قال: يا بني، ورأيتَني أخَذَتْني بها رأفة؟ إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جَلدها في رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت (9) .
وقوله: { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } أي: فافعلوا ذلك: أقيموا الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرِّحا؛ ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك. وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول الله، إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: "ولك في ذلك أجر" (10) .
وقوله: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } : هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جُلِدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورا .
قال الحسن البصري في قوله: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } يعني: علانية.
ثم قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الطائفة: الرجل فما فوقه.
وقال مجاهد: الطائفة: رجل إلى الألف. وكذا قال عكرمة؛ ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدُق على واحد.
وقال عطاء بن أبي رباح: اثنان. وبه قال إسحاق بن رَاهَويه. وكذا قال سعيد بن جبير: { طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال: يعني: رجلين فصاعدا .
__________
(1) رواه أبو داود في السنن برقم (4376) والنسائي في السنن (8/70) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
(2) المسند (2/362) والنسائي في السنن (8/75) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.
(3) في ف، أ: "رحمة الله".
(4) في أ: "نجلد".
(5) في ف: "الأزدي" وفي أ: "الأرزمي".
(6) زيادة من جـ، أ.
(7) في ف، أ: "وعن".
(8) في ف، أ: "عبد الله".
(9) ورواه الطبري في تفسيره (18/52) من طريق نافع، عن ابن عمر فذكره.
(10) المسند (3/436) من حديث قرة المزني، رضي الله عنه.

(6/8)


الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)

وقال الزهري: ثلاث نفر فصاعدا .
وقال عبد الرزاق: حدثني ابن وَهْب، عن الإمام مالك في قوله: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال: الطائفة: أربعة نفر فصاعدا؛ لأنه لا يكون شهادة في الزنى دون أربعة شهداء فصاعدًا. وبه قال الشافعي .
وقال ربيعة: خمسة. وقال الحسن البصري: عشرة. وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي: نفر من المسلمين؛ ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا بَقِيَّةُ قال: سمعت نصر بن علقمة في قوله: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذلك ليدعى اللهُ تعالى لهما بالتوبة والرحمة.
{ الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) }
هذا خَبَر من الله تعالى بأن الزاني لا يَطأ إلا زانية أو مشركة. أي: لا يطاوعه على مراده من الزنى إلا زانية عاصية أو مشركة، لا ترى حرمة ذلك، وكذلك: { الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ } أي: عاص بزناه، { أَوْ مُشْرِكٌ } لا يعتقد تحريمه .
قال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عَمَرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك .
وهذا إسناد صحيح عنه، وقد رُوي عنه من غير وجه أيضا. وقد رُوي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعُرْوَة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومُقَاتِل بن حَيَّان، وغير واحد، نحوُ ذلك .
وقوله تعالى: { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } أي: تعاطيه والتزويج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالفجار من الرجال.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا قَيْس، عن أبي حُصَين، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباس: { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } قال: حَّرم الله الزنى على المؤمنين.
وقال قتادة، ومقاتل بن حَيّان: حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتَقَدّم في ذلك فقال: { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }
وهذه الآية كقوله تعالى: { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } [النساء : 25] وقوله { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } الآية [المائدة : 5] ومن هاهنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت

(6/9)


كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة؛ لقوله تعالى: { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }
وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم (1) ، حدثنا مُعْتَمِر بن سليمان قال: قال أبي: حدثنا الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عَمْرو، رضي الله عنهما، أن رجلا من المسلمين استأذنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها: "أم مهزول" كانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه -قال: فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو: ذكر له أمرها -قال: فقرأ عليه رسول (2) الله صلى الله عليه وسلم: { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } (3) .
وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: "أم مهزول" وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول (4) الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، فأنزل الله عز وجل: { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } (5) .
[و] (6) قال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا روح بن عُبَادة بن عُبَيد الله بن الأخنس، أخبرني عمرو بن شُعَيب عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له "مَرْثَد بن أبي مرثد" وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة. قال: وكانت امرأةٌ بَغي (7) بمكة يقال لها "عَنَاق"، وكانت صديقة له، وأنه واعد (8) رجلا من أسارى مكة يحمله. قال: فجئت حتى انتهيتُ إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت "عناق" فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني (9) ، فقالت: مَرْثَد؟ فقلت: مرثد فقالت: مرحبًا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة. قال: فقلت (10) يا عناق، حرم الله الزنى. فقالت (11) يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية ودخلت الحَندمة (12) فانتهيت إلى غار -أو كهف فدخلت فيه (13) فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسي، فأعماهم الله عني -قال: ثم رجعوا، فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخَر، ففككت عنه أكبُله، (14) فجعلت أحمله ويعِينني، حتى أتيت به (15) المدينة، فأتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقا؟ أنكح عناقا؟ -مرتين-فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد علي شيئا، حتى نزلت { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مرثد، { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ] } (16)
__________
(1) في ف، أ: "عارم بن الفضل".
(2) في ف، أ: "نبي".
(3) المسند (2/159).
(4) في ف: "النبي".
(5) النسائي في السنن الكبرى برقم (11359).
(6) زيادة في ف، أ.
(7) في أ: "تغني".
(8) في ف: "وعد"
(9) في ف، أ: "عرفت".
(10) في ف: "قلت".
(11) في ف: "قالت".
(12) في ف، أ: "الحديقة".
(13) في أ: "به".
(14) في أ: "أكليلة" .
(15) في ف: "قدمت".
(16) زيادة من ف، أ.

(6/10)


فلا تنكحها" ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وقد رواه أبو داود والنسائي، في كتاب النكاح من سننهما (1) من حديث عبيد الله بن الأخنس، به (2) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مُسَدَّد أبو الحسن، حدثنا عبد الوارث، عن حبيب المعلم، حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" .
وهكذا أخرجه أبو داود في سننه، عن مسدد وأبي معمر -عبد الله بن عمرو -كلاهما، عن عبد الوارث، به (3) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أخيه عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار -مولى ابن عمر -قال: أشهد لسمعت سالما يقول: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة -المتشبهة بالرجال -والديوث. وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومُدْمِن الخمر، والمنَّان بما أعطى" .
ورواه النسائي، عن عمرو بن علي الفلاس، عن يزيد بن زُرَيع، عن عُمَر بن محمد العُمَري، عن عبد الله بن يسار، به (4) .
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا الوليد بن كثير، عن قَطَن بن وهب، عن عُوَيْمر بن الأجدع، عمن حدثه، عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والدَّيُّوث الذي يقر في أهله الخبث" (5) .
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة، حدثني رجل -من آل سهل بن حُنَيْف -، عن محمد بن عَمَّار، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة دَيُّوث" (6) .
يستشهد به لما قبله من الأحاديث .
وقال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سَلام بن سَوَّار، حدثنا كَثِير بن سُلَيم، عن الضحاك بن مُزَاحِم: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقول] (7) " من أراد أن يلقى الله طاهرًا مُطَهَّرًا، فليتزوج الحرائر" .
__________
(1) في ف: "سننيهما"
(2) سنن الترمذي برقم (3177) وسنن أبي داود برقم (2051) وسنن النسائي (6/66).
(3) سنن أبي داود برقم (2052).
(4) المسند (2/134) وسنن النسائي (8/80).
(5) المسند (2/69) وقال الهيثمي في المجمع (8/147): "فيه راوٍ لم يسم".
(6) مسند الطيالسي برقم (642).
(7) زيادة من ف، أ.

(6/11)


في إسناده ضعف (1) .
قال الإمام أبو نصر إسماعيل بن حَمَّاد الجوهري في كتاب "الصحاح في اللغة:" الدَّيُّوث القُنذُع وهو الذي لا غَيرَةَ له (2) .
فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب "النكاح" من (3) سننه: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون ابن رئاب، عن عبد الله بن عُبَيد بن عمير -وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس -عبدُ الكريم رفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه -قالا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي امرأة [هي] (4) من أحبِّ الناس إلي (5) وهي لا تمنع يد لامِس قال: "طلقها". قال: لا صبر لي عنها قال: "استمتع بها" ، ثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون أثبت منه، وقد أرسل الحديث وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم. (6) .
قلت: وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب، وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي. لكن قد رواه النسائي في كتاب "الطلاق"، عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شمَُيل (7) عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عُبَيد بن عمير، عن ابن عباس مسندا، فذكره بهذا الإسناد، رجاله على شرط مسلم، إلا أن النسائي بعد روايته له قال: "وهذا خطأ، والصواب مرسل" (8) ورواه غير النضر على الصواب.
وقد رواه النسائي أيضا وأبو داود، عن الحسين بن حُرَيث، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عُمَارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وهذا إسناد جيد (9) .
وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مُضَعِّف له، كما تقدَّم، عن النسائي، وكما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر.
وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلا . وحكاه النسائي في سننه، عن بعضهم فقال: وقيل: "سخية تعطي"، ورُدّ هذا بأنه لو كان المراد لقال: لا تَرُدّ يد ملتمس.
__________
(1) سنن ابن ماجه برقم (1862) ووجه ضعف إسناده؛ لأن فيه كثير بن سليم، وهو ضعيف، وسلام هو ابن سليمان بن سوار المدائني، قال ابن عدي: "عنده مناكير" وقال العقيلي: "في حديثه مناكير" قال ذلك البوصيري في مصباح الزجاجة (2/73).
(2) الصحاح (1/282).
(3) في ف، أ: "في.
(4) زيادة من ف، أ، والنسائي.
(5) في ف: "لي".
(6) سنن النسائي (6/67)
(7) في ف، أ: "إسماعيل".
(8) سنن النسائي (6/170).
(9) سنن النسائي (6/169).

(6/12)


وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)

وقيل: المراد أن سجيتها لا تَرُدّ يد لامس، لا أن المراد أن هذا واقع منها، وأنها تفعل الفاحشة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها. فإن زوجها -والحالة هذه -يكون دَيّوثا، وقد تقدم الوعيد على ذلك. ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمره رسولُ صلى الله عليه وسلم بفراقها. فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها؛ لأن محبته لها محققة، ووقوع الفاحشة منها متوهم (1) فلا يُصَار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل، والله سبحانه وتعالى أعلم .
قالوا: فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج، كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله:
حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو خالد، عن ابن أبي ذئب، قال: سمعت [شعبة] (2) -مولى ابن عباس، رضي الله عنه -قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل قال (3) :إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حَرّم الله عز وجل عليّ، فرزق الله عز وجل من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية. فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها فما كان من إثم فعلي .
وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة، قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب. قال: ذُكر عنده { الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } قال: كان يقال: نسختها [الآية] (4) التي بعدها: { وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ } [النور : 32] قال: كان يقال الأيامى من المسلمين.
وهكذا رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الناسخ والمنسوخ" له، عن سعيد بن المسيب. ونص على ذلك أيضا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله .
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }
هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، ليس في هذا نزاع بين العلماء. فأما إن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله، رُدّ عنه الحد؛ ولهذا قال تعالى: { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، فأوجب على القاذف إذا لم يقم بينة على
__________
(1) في أ: "يتوهم".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في أ: "فقال".
(4) زيادة من ف، أ.

(6/13)


وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)

صحة ما قاله ثلاثة أحكام:
أحدها: أن يجلد ثمانين جلدة.
الثاني: أنه (1) ترد شهادته دائما.
الثالث: أن يكون فاسقًا ليس بعدل، لا عند الله ولا عند الناس .
ثم قال تعالى: { إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، اختلف العلماء في هذا الاستثناء: هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة دائما وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة ؟ وأما الجلد فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصر، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف -فذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق. ونص عليه سعيد بن المسيب -سيد التابعين -وجماعة من السلف أيضًا.
وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدًا. وممن ذهب إليه من السلف القاضي -شُرَيح، وإبراهيم النَّخَعِيّ، وسعيد بن جُبَيْر، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (2) .
وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته، والله أعلم .
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) }
هذه الآية الكريمة فيها فَرَج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها، كما أمر الله عز وجل (3) وهو أن يحضرها إلى الإمام، فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، { إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } أي: فيما رماها به من الزنى، { وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها، ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن، فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به، { وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } ولهذا قال: { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ }
__________
(1) في ف: "أن".
(2) في ف: "جابر".
(3) في أ: "الله تعالى".

(6/14)


يعني: الحد، { أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا ا فضيحة أهله ورميها بالزنى إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها. والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه.
ثم ذكر تعالى لطفه بخلقه، ورأفته بهم، وشرعه (1) لهم الفرج والمخرج من شدة ما يكون فيه من الضيق، فقال: { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } أي: لحرجتم (2) ولشق عليكم كثير من أموركم، { وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ } [أي] (3) : على عباده -وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة-{ حَكِيمٌ } فيما يشرعه (4) ويأمر به وفيما ينهى عنه.
وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها، وفيمن نزلت فيه من الصحابة، فقال الإمام أحمد:
حدثنا يزيد، أخبرنا عَبَّاد بن منصور، عن عكْرمَة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } ، قال سعد بن عبادة -وهو سيد الأنصار -: هكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟" قالوا: يا رسول الله، لا تَلُمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قَطّ [إلا بكرًا، وما طلق امرأة له قط] (5) فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، من شدة غيرته. فقال سعد: والله -يا رسول الله -إني لأعلم أنها حق وأنها من الله، ولكني قد تعجَبت أني لو وجدت لَكاعًا قد تَفَخَّذها رجل، لم يكن لي أن أهيّجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية -وهو أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم -فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يُهَيّجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدتُ عندها رجلا فرأيت بعيني، وسمعت بأذني. فَكَرِهَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، واشتدّ عليه، واجتمعت الأنصار فقالوا (6) : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلالَ بن أمية، ويبْطل شهادته في المسلمين (7) . فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. وقال هلال: يا رسول الله، إني قد أرى ما اشتد عليك مما (8) جئت به، والله يعلم إني لصادق . فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه، إذ أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي -وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك، في تَرَبُّد وجهه (9) . يعني: فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي -فنزلت: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ } (10) الآية، فَسُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أبشر يا هلال، قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا". فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي، عز وجل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسلوا إليها".
__________
(1) في ف، أ: "في شرعه".
(2) في ف: "خرجتم".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في أ: "فيما شرعه".
(5) زيادة من ف، أ، والمسند.
(6) في ف: "فقالت".
(7) في هـ: "ويبطل شهادته في الناس" والمثبت من ف، أ، والمسند.
(8) في ف: "فيما".
(9) في أ: "جلده".
(10) في ف، أ: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله).

(6/15)


فأرسلوا إليها، فجاءت، فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، وذكرهما وأخبرهما أن عذابَ الآخرة أشدّ من عذاب الدنيا. فقال هلال: والله -يا رسول الله -لقد صَدَقتُ عليها . فقالت: كذب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاعنوا بينهما" . فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل له: يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب. فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها. فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل [لها: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل] (1) لها: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب. فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى ألا [بيت لها عليه ولا] (2) قوت لها، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا مُتَوَفى عنها. وقال: "إن جاءت به أصَيْهِب أرَيسح حَمْش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جَعدًا جَمَاليًّا خَدلَّج الساقين سابغ الأليتين، فهو الذي رميت به" فجاءت به أورق جعدا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن".
قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب.
ورواه أبو داود عن الحسن بن عليّ، عن يزيد (3) بن هارون، به نحوه مختصرًا (4) .
ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة. فمنها ما قال البخاري: حدثني محمد بن بَشَّار، حدثنا ابن أبي عَدِيّ، عن هشام بن حسان، حدثني عِكْرِمَة، عن ابن عباس؛ أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشَرِيك بن سَحْماء، فقال رسول الله (5) صلى الله عليه وسلم: " البينة أو حَدُّ في ظهرك" فقال: يا رسول الله، إذا أري (6) أحدنا على امرأته رجلا ينطلقُ يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "البينة وإلا حدّ في ظهرك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن (7) الله ما يُبرئ ظهري (8) من الحد. فنزل جبريل، وأنزل (9) عليه: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } ، فقرأ حتى بلغ: { إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الله يشهد أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب"؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وَقَّفُوها وقالوا: إنها مُوجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبْصِرُوها، فإن جاءت به أكحلَ العينين، سابغ الأليتين، خَدَلَّج الساقين، فهو لشَرِيك بن سَحْمَاءَ". فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن" .
__________
(1) زيادة من ف، أ، والمسند.
(2) زيادة من ف،أ، والمسند.
(3) في ف: "زيد".
(4) المسند (1/238) وسنن أبي داود برقم (2256).
(5) [في ف، أ: "النبي".
(6) في ف، أ: "رأى".
(7) في ف: "ولينزل".
(8) في ف: "ما يطهرني".
(9) في ف: "فأنزل".

(6/16)


انفرد به البخاري من هذا الوجه (1) وقد رواه من غير وجه، عن ابن عباس وغيره.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الزيادي (2) حدثنا يونس بن محمد، حدثنا صالح -وهو ابن عمر -حدثنا عاصم -يعني: ابن كُلَيْب -، عن أبيه، حدثني ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله، فرمى امرأته برجل، فكره ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يُرَدّده حتى أنزل الله: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ [إِلا أَنْفُسُهُمْ ] } (3) [فقرأ] (4) حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما فدعاهما، فقال: "إن الله، عَزّ وجل، قد أنزل فيكما". فدعا الرجل فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، فقال له:"كل شيء أهون عليه من لعنة الله". ثم أرسله فقال: { لَعْنتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ثم دعاها بها، فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها فوعظها، وقال: "ويحك. كل شيء أهون من غضب الله". ثم أرسلها، فقالت: { غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما والله لأقضينّ بينكما قضاء فصلا". قال: فولدت، فما رأيت مولودًا بالمدينة أكثر غاشية منه، فقال: "إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو لكذا". فجاءت به يشبه الذي قُذفت به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جُبَير قال: سُئلْتُ عن المتلاعنين أيفرّق بينهما -في إمارة ابن الزبير؟ فما دَرَيتُ ما أقول، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلتُ: أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ فقال: سبحان الله، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تَكَلَّم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. فسكت فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: الذي سألتك عنه قد ابتُليت به. فأنزل الله عز وجل هذه الآيات (5) في سورة النور: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } حتى بلغ: { أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } . فبدأ بالرجل فوعظه وذكَّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحق ما كَذَبْتُك. ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذَكَّرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحق (6) إنه لكاذب. قال: فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فَرَّقَ بينهما.
رواه النسائي في التفسير، من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، به (7) وأخرجاه في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس (8) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4747)
(2) في أ: "الرمادي".
(3) زيادة من أ.
(4) زيادة من أ.
(5) في أ: "الآية".
(6) زيادة من ف، أ. في ف، أ: "والذي بعثك بالحق ما كذبتك".
(7) المسند (2/19) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11357).
(8) صحيح البخاري برقم (5312) وصحيح مسلم برقم (1493).

(6/17)


علقمة، عن عبد الله قال: كنَّا جلوسًا عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت عن غيظ؟ والله لَئن أصبحت صالحًا لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فسأله. فقال: يا رسول الله، إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟ اللهم احكم. قال: فأنزل آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به.
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طُرُق، عن سليمان بن مِهْران الأعمش، به (1) .
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو كامل: حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سهل بن سعد، قال: جاء عُوَيْمر إلى عاصم بن عَدِيّ فقال: سَلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلا وجد رجلا مع امرأته فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعابَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم المسائل. قال: فلقيه عُوَيمر فقال: ما صنعْتَ؟ قال: ما صنعت! إنك لم تأتني بخير؛ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل فقال عُوَيمر: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلأسألنه. فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما. قال: فدعا بهما فَلاعَن بينهما. قال عُوَيمر: لئن انطلقتُ بها يا رسول الله لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة المتلاعنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبصروها، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وَحَرَة فلا أراه إلا كاذبًا" . فجاءت به على النعت المكروه.
أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي، من طرق، عن الزهري، به (2) .
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا النضر بن شُمَيْل، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد (3) بن يُثَيْع، عن حذيفة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به؟ قال: كنت والله فاعلا به شرًا. قال:"فأنتَ يا عمر؟". قال: كنتُ والله فاعلا كنت أقول: لعن الله الأعجز، وإنه خبيث. قال: فنزلت: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ }
ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا النَّضر بن شُميْل، عن يونس بن أبي إسحاق، ثم رواه من حديث الثوري عن [أبي] (4) أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْع مرسلا فالله أعلم (5) .
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجَرْمي، حدثنا مُخَلَّدُ بن الحسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: لأول لعان كان في الإسلام أن شَرِيكَ بن سَحْمَاء قذَفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أربعة شهود وإلا فَحَدٌّ في ظهرك" ، فقال: يا رسول الله، إن الله يعلم إني لصادق، ولينزلن الله عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد. فأنزل الله آية اللعان: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ } إلى آخر الآية. قال: فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنى" فشهد بذلك أربع
__________
(1) المسند (1/421) وصحيح مسلم برقم (1495).
(2) المسند (5/334) وصحيح البخاري برقم (4745) وصحيح مسلم برقم (1492) وسنن أبي داود برقم (2245) وسنن النسائي (6/143) وسنن ابن ماجه برقم (2066).
(3) في أ: "يزيد".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) مسند البزار برقم (2237) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (7/74): "رجاله ثقات".

(6/18)