صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير القرآن العظيم |
النبي (1) صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سَجَد، فسمعته وهو يقولُ مثلَ ما أخبره الرجل عن قول الشجرة. (5/404)
رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن حبّان في صحيحه (2) .
وقوله: { وَالدَّوَابُّ } أي: الحيوانات كلها.
وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ ظهور الدواب (3) منابر (4) فرب مركوبة خير (5) وأكثر ذكرًا لله من راكبها.
وقوله: { وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ } أي: يسجد لله طوعا مختارًا متعبدًا بذلك، { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } أي: ممن امتنع وأبى واستكبر، { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدثنا القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: قيل لعلي: إن هاهنا رجلا يتكلم في المشيئة. فقال له علي: يا عبد الله، خلقك الله كما يشاء أو كما شئت (6) ؟ قال: بل كما شاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربتُ الذي فيه عيناك بالسيف.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ ابنُ آدم السجدة اعتزل (7) الشيطان يبكي يقول: يا ويله. أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمِرتُ بالسجود فأبيتُ، فلي النار" رواه مسلم (8) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا مَشْرَح بن هاعان (9) أبو مُصعب المعافري قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: قلت يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: "نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما".
ورواه أبو داود والترمذي، من حديث عبد الله بن لهيعة، به (10) . وقال الترمذي: "ليس بقوي (11) " وفي هذا نظر؛ فإن ابن لَهِيعة قد صَرح فيه بالسماع، وأكثر ما نَقَموا عليه تدليسه.
__________
(1) في ت: "رسول الله".
(2) سنن الترمذي برقم (579) وسنن ابن ماجه برقم (1053) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
(3) في ف، أ: "الحيوانات".
(4) ورواه أبو داود في السنن برقم (2567) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) في ف: "خيرا".
(6) في ت، ف: "لما يشاء أو لما شئت".
(7) في ف: "فاعتزل".
(8) صحيح مسلم برقم (81).
(9) في أ: "عاهان".
(10) المسند (4/151) وسنن أبي داود برقم (1402) وسنن الترمذي برقم (578).
(11) في ف: "ليس هو بقوي".
هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)
وقد قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن عمرو بن السَّرح، أنبأنا ابن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، عن عامر بن جَشِب (1) ، عن خالد بن مَعْدان؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فُضِّلت سورة الحج على القرآن بسجدتين". (5/405)
ثم قال أبو داود: وقد أسندَ هذا، يعني: من غير هذا الوجه، ولا يصح (2) .
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا ابن أبي داود، حدثنا يزيد بن عبد الله، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو، حدثنا حفص بن عنان، حدثني نافع، حدثني أبو الجهم: أن عمر سجد سجدتين في الحج، وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين (3) .
وروى أبو داود وابن ماجه، من حديث الحارث بن سعيد العُتَقيّ، عن عبد الله بن مُنَين، عن عمرو بن العاص؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المُفَصّل، وفي سورة الحج سجدتان (4) . فهذه (5) شواهد يَشُدّ بعضها بعضا.
{ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) } .
ثبت في الصحيحين، من (6) حديث أبي مِجْلَز، عن قيس بن عُبَاد، عن أبي ذر؛ أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } نزلت في حمزة وصاحِبَيه، وعتبةَ وصاحبيه، يوم برزوا في بدر (7) .
لفظ البخاري عند تفسيرها، ثم قال البخاري:
حدثنا الحجاج بن مِنْهَال، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مِجْلز عن قيس بن عُبَاد، عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يَجثُو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } ، قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: عليّ وحمزة وعبيدة، وشيبة ابن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد به البخاري (8) .
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم. فنحن أولى بالله
__________
(1) في ف، أ: "جيب".
(2) المراسيل برقم (78).
(3) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (2/317) من طريق نافع عن رجل من أهل مصر أنه صلى مع عمر بن الخطاب فذكر مثله.
(4) سنن أبي داود برقم (1401) وسنن ابن ماجه برقم (1057).
(5) في ف: "فهو".
(6) في ت: "عن".
(7) صحيح البخاري برقم (4743) وصحيح مسلم برقم (3033).
(8) صحيح البخاري برقم (4744).
منكم. وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم. فأفلج الله الإسلامَ على من ناوأه، وأنزل: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } . وكذا روى العَوفي، عن ابن عباس. (5/406)
وقال شعبة، عن قتادة في قوله: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } قال: مُصدق ومكذب.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث. وقال -في رواية: هو وعطاء في هذه الآية-: هم المؤمنون والكافرون.
وقال عكرمة: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } قال: هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة.
وقولُ مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها؛ فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلانَ الحق وظهور الباطل. وهذا اختيار ابن جرير، وهو حَسَن؛ ولهذا قال: { فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } أي: فصلت لهم مقطعات من نار.
قال سعيد بن جبير: من نحاس وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي.
{ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ . يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ } أي: إذا صب على رءوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة.
وقال سعيد [بن جبير] (1) هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء. قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وكذلك تذوب (2) جلودهم، وقال ابن عباس وسعيد: تساقط.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالَقاني، حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن زيد (3) ، عن أبي السَّمْح، عن ابن (4) حُجَيرة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الحميم ليُصَب على رءوسهم، فينفُد الجمجمةَ حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت (5) ما في جوفه، حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان".
ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك (6) ، وقال: حسن صحيح. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن ابن المبارك، به ثم قال ابن أبي حاتم:
حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَاريّ، سمعت عبد الله ابن السُّرِّيّ قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بِكَلْبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرهه، قال: فيرفع مِقْمَعَة معه فيضرب
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف: "يذوب".
(3) في ت، ف: "زيد".
(4) في ت: "أبي" .
(5) في أ: "فيسلت".
(6) تفسير الطبري (17/100) وسنن الترمذي برقم (2582).
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)
بها رأسه، فَيُفرغ (1) دماغه، ثم يُفرغ (2) الإناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ } (5/407)
وقوله: { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } ، قال الإمام أحمد:
حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن مِقْمَعا مِن حَديد وُضِع في (3) الأرض، فاجتمع له الثقلان ما أقَلُّوه من الأرض" (4) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا (5) دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو ضُرب الجبلُ بمِقْمَع من حديد، لتفتت ثم عاد كما كان، ولو أن دلوا من غَسَّاق يُهَرَاق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" (6) .
وقال ابن عباس في قوله: { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله، فيدعون (7) بالثبور.
وقوله: { كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا } : قال الأعمش، عن أبي ظِبْيان، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: { كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا }
وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: { كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا } قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون.
وقال الفُضيل (8) بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم (9) مقامعها.
وقوله: { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } كقوله { وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } [ السجدة: 20 ] ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولا وفعلا.
{ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) } .
__________
(1) في ت، ف: "فيقرع".
(2) في ت: "يقرع".
(3) في ت: "على".
(4) المسند (3/29).
(5) في ت، ف: "عن".
(6) المسند (3/83) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(7) في ت، ف: "فيدعو".
(8) في ت: "الفضل" .
(9) في ف: "ويردهم".
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)
{ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24) } . (5/407)
لما أخبر تعالى عن حال أهل النار، عياذًا بالله من حالهم، وما هم فيه من العذاب والنَّكال
والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة -نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنة-فقال: { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي: تتخَرّق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، { يُحَلَّوْنَ فِيهَا } من الحلية، { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا } أي: في أيديهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "تبلغ الحِلْيَة من المؤمن حيث يبلغ الوُضُوء" (1) . (5/408)
وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكًا لو شئت أن أسميه لسميتُه، يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قُلْب منها -أي: سوار منها-لرد شعاع الشمس، كما ترد (2) الشمس نور القمر.
وقوله: { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } : في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير، إستبرقه وسُنْدُسه، كما قال: { عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا . إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا } [ الإنسان: 21 ، 22 ]، وفي الصحيح: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (3) .
قال عبد الله بن الزبير: ومن لم يلبس الحرير في الآخرة، لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }
وقوله: { وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } كقوله { وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ } [ إبراهيم: 23]، وقوله: { وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } [ الرعد: 23 ، 24 ] ، وقوله: { لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا } [ الواقعة: 25 ، 26 ]، فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا } [ الفرقان: 75 ]، لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يُرَوّعون به (4) ويقرعون به، يقال لهم: { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ }
وقوله: { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم، على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الصحيح: "إنهم يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النَّفَسَ".
وقد قال بعض المفسرين في قوله: { وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } أي: القرآن. وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الأذكار المشروعة، { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } أي: الطريق المستقيم في الدنيا. وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم.
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه برقم (246) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) في ف: "يرد".
(3) الحديث في صحيح البخاري برقم (5426) وصحيح مسلم برقم (2067) من حديث حذيفة رضي الله عنه.
(4) في ت: "يوبخون فيه" ، وفي ف، أ: "يوبخون به".
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) } . (5/409)
يقول تعالى منكرًا على الكفار في صَدّهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه: { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } [ الأنفال: 34 ].
وفي هذه الآية دليل [على] (1) أنها مدنية، كما قال في سورة "البقرة": { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ } [ البقرة: 217 ]، وقال: هاهنا: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أي: ومن صفتهم مع كفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي: ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [ الرعد: 28 ] أي: ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله.
وقوله: { الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } [أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعا سواء، لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه، { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } ] (2) ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام.
وقال مجاهد [في قوله] (3) : { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } : أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل. وكذا قال أبو صالح، وعبد الرحمن بن سابط، وعبد الرحمن بن زيد [بن أسلم] (4) .
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله.
وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهَويه بمسجد الخِيف، وأحمد بن حنبل حاضر (5) أيضًا، فذهب الشافعي، رحمه الله (6) إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري، عن علي بن الحُسَين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك (7) بمكة؟ فقال: "وهل ترك لنا عَقيل من رباع" . ثم قال: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر" . وهذا الحديث مُخَرّج في الصحيحين (8) [وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارا بمكة، فجعلها سجنا بأربعة آلاف درهم. وبه قال طاوس، وعمرو بن دينار.
وذهب إسحاق بن راهَويه إلا أنها تورث ولا تؤجر. وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه
__________
(1) زيادة من ت.
(2) زيادة من ف.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) زيادة من أ.
(5) في ت: "حاضرا".
(6) في ف: "رضي الله عنه" ، وفي أ: "رضي الله تعالى عنه".
(7) في ف: "بدارك".
(8) صحيح البخاري برقم (6764) وصحيح مسلم برقم (1614) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.
مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهَويه بما رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عيسى ابن يونس، عن عُمَر بن سعيد بن أبي حُسَين (1) ، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نَضْلة قال: تُوُفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا] (2) السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن (3) . (5/410)
وقال عبد الرزاق ابن مجاهد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها.
وقال أيضًا عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهي عن تُبوّب دور مكة؛ لأن ينزل الحاج في عَرَصاتها، فكان أول من بَوّب داره سُهَيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين، إني كنت امرأ تاجرا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري قال: فذلك إذًا.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن منصور، عن مجاهد؛ أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء (4) .
قال: وأخبرنا مَعْمر، عمن سمع عطاء يقول [في قوله] (5) : { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } ، قال: ينزلون حيث شاءوا.
وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن عمرو موقوفا (6) من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا (7) .
"وتوسط الإمام أحمد [فيما نقله صالح ابنه] (8) فقال: تملك وتورث ولا تؤجر، جمعا بين الأدلة، والله أعلم.
وقوله: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء هاهنا زائدة، كقوله: { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } [ المؤمنون: 20 ] أي: تُنْبِتُ الدهن، وكذا قوله: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ (9) } تقديره إلحادًا، وكما قال الأعشى:
ضَمنَتْ برزق عيالنا أرْماحُنا ... بين المَرَاجِل، والصّريحَ الأجرد (10)
وقال الآخر:
بوَاد يَمانِ يُنْبتُ الشَّثّ صَدْرُهُ ... وَأسْفَله بالمَرْخ والشَّبَهَان ...
__________
(1) في ت: "جبير" ، وفي ف، أ: "حيوة".
(2) زيادة من ت، ف، أ.
(3) سنن ابن ماجه برقم (3107) وهو مرسل.
(4) في ت، ف: "شاء".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في ف، أ: "مرفوعا".
(7) سنن الدارقطني (2/300)
(8) زيادة من ف، أ.
(9) في ف، أ: "بإلحاد بظلم".
(10) البيت في تفسير الطبري (17/103) غير منسوب.
والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى "يَهُمّ"، ولهذا (1) عداه بالباء، فقال: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } أي: يَهُمّ فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار. (5/411)
وقوله: { بِظُلْمٍ } أي: عامدا قاصدا أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال ابن جريج (2) ، عن ابن عباس: هو [التعمد] (3) .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { بِظُلْمٍ } بشرك.
وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله. وكذا قال قتادة، وغير واحد.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس: { بِظُلْمٍ } هو أن تَستحلَ من الحرم ما حَرّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فَعَلَ ذلك فقد وجب [له] (4) العذاب الأليم.
وقال مجاهد: { بِظُلْمٍ } : يعمل فيه عملا سيئا.
وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقَب البادي فيه الشر، إذا كان عازما عليه، وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره:
حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن السُّدِّي: أنه سمع مُرَّة يحدث عن عبد الله -يعني ابن مسعود-في قوله: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } قال: لو أن رَجُلا أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بعَدَن أبينَ، أذاقه (5) الله من العذاب الأليم.
قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد، عن يزيد بن هارون، به (6) .
[قلت: هذا الإسناد] (7) صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه؛ ولهذا صَمم شعبة على وَقْفه من كلام ابن مسعود. وكذلك رواه أسباط، وسفيان الثوري، عن السدي، عن مُرة، عن ابن مسعود موقوفا، والله أعلم.
وقال الثوري، عن السدي، عن مُرَّة، عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعَدَن أبينَ هَمّ أن يقتل رجلا بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم. وكذا قال الضحاك بن مُزاحم.
وقال سفيان [الثوري] (8) ، عن منصور، عن مجاهد "إلحاد فيه" ، لا والله، وبلى والله. وروي عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، مثله.
__________
(1) في ف: "ولذا".
(2) في ت: "جرير".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) زيادة من أ.
(5) في ت، ف، أ: "لأذاقه".
(6) المسند (1/428)
(7) زيادة من ف، أ.
(8) زيادة من ف.
وقال سعيد بن جُبَير: شتم الخادم ظلم فما فوقَه. (5/412)
وقال سفيان الثوري، عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن مِهْرَان، عن ابن عباس في قوله: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } قال: تجارة الأمير فيه.
وعن ابن عمر: بيع الطعام [بمكة] (1) إلحاد.
وقال حبيب (2) بن أبي ثابت: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } قال: المحتكر بمكة. وكذا قال غير واحد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان، عن يعلى بن أمية؛ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "احتكار الطعام بمكة إلحاد" (3) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر (4) ، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قول الله: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } قال: نزلت في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاريّ، ثم ارتد عن الإسلام، وهَرَب إلى مكة، فنزلت فيه: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد يعني بميل عن الإسلام.
وهذه الآثار، وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكنْ هُو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل { تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ } [ الفيل: 4 ، 5 ]، أي: دمَّرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء؛ ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يغزو هذا البيت جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِف بأولهم وآخرهم" الحديث (5) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كُنَاسة، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: أتى عبدُ الله بن عمر عبدَ الله بن الزبير، فقال: يا ابن الزبير، إياك والإلحاد في حَرَم الله، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيلحدُ فيه رجل من قريش، لو تُوزَن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت" ، فانظر لا تكن هو (6) .
وقال أيضا [في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص] (7) : حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد،
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ.
(2) في ت: "جندب".
(3) ورواه أبو داود في السنن برقم (2020) ، والفاكهي في تاريخ مكة برقم (1771) من طريق أبي عاصم به.
(4) في ت، ف: "بكر".
(5) رواه البخاري في صحيحه برقم (2118) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6) المسند (2/136)
(7) زيادة من ف، أ.
وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)
حدثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبدُ الله بن عمرو ابنَ الزبير، وهو جالس في الحِجْر فقال: يا بن الزبير، إياك والإلحادَ في الحرم، فإني أشهد لسَمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحلها ويحل به رجل من قريش، ولو وُزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها" . قال: فانظر لا تكن (1) هو (2) . (5/413)
ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.
{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) } .
هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله، وأشرك به من قريش، في البقعة التي أسسّتْ من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بَوأ إبراهيم مكانَ البيت، أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه.
واستدل به كثير ممن قال: "إن إبراهيم، عليه السلام، هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله" ، كما ثبت في الصحيح (3) عن أبي ذر قلت: يا رسول الله، أي مسجد وُضعَ أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس" . قلت كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" (4) .
وقد قال الله تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيم } الآية [ آل عمران: 96 ، 97 ]، وقال تعالى: { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [ البقرة: 125 ].
وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار، بما أغنى عن إعادته هاهنا (5) .
وقال تعالى هاهنا: { أَنْ لا تُشْرِكْ بِي } أي: ابْنه على اسمي وحدي، { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ } قال مجاهد وقتادة: من الشرك، { لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } أي: اجعله خالصا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له.
فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، { وَالْقَائِمِينَ } أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم.
__________
(1) في ت: "لا يكون" وفي ف: "لا تكون".
(2) المسند (21912).
(3) في ف: "الصحيحين".
(4) صحيح البخاري برقم (3366) وصحيح مسلم برقم (520)
(5) انظر تفسير الآية: 125 من سورة البقرة.
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)
وقوله: { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } أي: ناد في الناس داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه. فَذُكر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقيل: ناد وعلينا البلاغ. (5/414)
فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قُبَيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمَعَ مَن في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حَجَر ومَدَر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: "لبيك اللهم لبيك".
هذا مضمون ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وغير واحد من السلف، والله أعلم.
أوردها ابن جَرير، وابن أبي حاتم مُطَوّلة (1) (2) .
وقوله: { يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } قد يَستدلّ بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيا، لمن قدر عليه، أفضلُ من الحج راكبا؛ لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم، والذي عليه الأكثرون أن الحج راكبا أفضل؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حج راكبا مع كمال قوته، عليه السلام.
وقوله: { يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ } يعني: طريق، كما قال: { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا } [ الأنبياء: 31 ].
وقوله: { عَمِيقٍ } أي: بعيد. قاله مجاهد، وعطاء، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والثوري، وغير واحد.
وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم، حيث قال في دعائه: { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } [ إبراهيم: 37 ] فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.
{ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) } .
قال ابن عباس: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } قال: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البُدْن والربح (3) والتجارات. وكذا قال مجاهد، وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ } [ البقرة: 198 ].
__________
(1) في ف: "بطوله".
(2) تفسير الطبري (17/106) .
(3) في ت، ف، أ: "والذبائح".
وقوله: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ] (1) عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ } قال شعبة [وهُشَيْم] (2) عن [أبي بشر عن سعيد] (3) عن ابن عباس: الأيام المعلومات: أيام العشر، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به (4) . ويروى مثله عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وإبراهيم النَّخعي. وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل. (5/415)
وقال البخاري: حدثنا محمد بن عَرْعَرَة، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل، يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء".
ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (5) . وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر.
قلت: وقد تقصيت هذه الطرق، وأفردت لها جزءًا على حدته (6) ، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا عَفَّان، أنبأنا أبو عَوَانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العملُ فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهم من التهليل والتكبير والتحميد" (7) وروي من وجه آخر، عن مجاهد، عن ابن عمر، بنحوه (8) . وقال البخاري: وكان ابن عمر، وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (9) .
وقد روى أحمد عن جابر مرفوعا: أن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله: { وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [ الفجر: 1 ، 2 ] (10) .
وقال بعض السلف: إنه المراد بقوله: { وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } [ الأعراف: 142 ].
وفي سنن أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذا العشر (11) .
وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة، فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية" (12) .
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) صحيح البخاري (2/457) "فتح".
(5) صحيح البخاري برقم (969) وسنن أبي داود برقم (2438) وسنن الترمذي برقم (757) وسنن ابن ماجه برقم (1727).
(6) سماه: "الأحاديث الواردة في فضل الأيام العشرة من ذي الحجة".
(7) المسند (2/75) .
(8) رواه أبو عوانة -كما في إرواء الغليل (39813) عن الحافظ ابن حجر- من طريق موسى بن أبي عائشة عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(9) صحيح البخاري (2/457) "فتح".
(10) المسند (3/327).
(11) سنن أبي داود برقم (2437).
(12) صحيح مسلم برقم (1162) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله (1) . (5/416)
وبالجملة، فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، ففضله كثير على عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك، من صيام وصلاة وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.
وقيل: ذاك أفضل لاشتماله على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر.
وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل. وبهذا يجتمع شمل الأدلة، والله أعلم.
قول ثان في الأيام المعلومات: قال الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده. ويروى هذا عن ابن عمر، وإبراهيم النَّخَعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه.
قول ثالث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن عَجْلان، حدثني نافع؛ أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات ثلاثة أيام يوم النحر.
هذا إسناد صحيح إليه، وقاله (2) السدي: وهو مذهب الإمام مالك بن أنس، ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى: { عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ } يعني به: ذكر الله عند ذبحها.
قول رابع: إنها يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم آخر بعده. وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال ابن وهب: حدثني (3) ابن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: المعلومات يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
وقوله: { عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ } يعني: الإبل والبقر والغنم، كما فصلها تعالى في سورة الأنعام وأنها { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } الآية [ الأنعام: 143 ].
وقوله { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها (4) .
وقال عبد الله بن وهب: [قال لي مالك: أحب أن يأكل من أضحيته؛ لأن الله يقول: { فَكُلُوا مِنْهَا } : قال ابن وهب] (5) وسألت الليث، فقال لي مثل ذلك.
__________
(1) رواه أحمد في المسند (4/350) وأبو داود في السنن برقم (1765) من حديث عبد الله بن قرط رضي الله عنه.
(2) في ت: "وقال".
(3) في ت، ف: "وقال ابن وهب وحدثني".
(4) رواه مسلم في صحيحه برقم (1218) من حديث جابر رضي الله عنه.
(5) زيادة من ف، أ.
وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: { فَكُلُوا مِنْهَا } قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل، ومن شاء لم يأكل. وروي عن مجاهد، وعطاء نحو ذلك. (5/417)
قال هُشَيْم، عن حُصَين، عن مجاهد في قوله { فَكُلُوا مِنْهَا } : هي كقوله: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } [ المائدة: 2 ]، { فَإِذَا قُضِيَتِ (1) الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ } [ الجمعة: 10 ] .
وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره، واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق منها بالنصف بقوله في هذه الآية: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } ، فجزأها نصفين: نصف للمضحي، ونصف للفقراء.
والقول الآخر: أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به؛ لقوله في الآية الأخرى: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } [ الحج: 36 ] وسيأتي الكلام عليها عندها، إن شاء الله، وبه الثقة.
وقوله: { الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } ، قال عكرمة: هو المضطر الذي عليه البؤس، [والفقير] (2) المتعفف.
وقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده. وقال قتادة: هو الزّمِن. وقال مقاتل بن حيان: هو الضرير.
وقوله: { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو وضع [الإحرام] (3) من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظفار، ونحو ذلك. وهكذا روى عطاء ومجاهد، عنه. وكذا قال عكرمة، ومحمد بن كعب القُرَظي.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } قال: التفث: المناسك.
وقوله: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } ، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: نحر ما نذر من أمر البُدن.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } : (4) نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج.
وقال إبراهيم بن مَيْسَرَة، عن مجاهد: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } قال: الذبائح.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } كل نذر إلى أجل.
وقال عكرمة: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } ، قال: [ حجهم.
وكذا روى الإمام ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان في قوله: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } قال:] (5) نذر الحج، فكل من دخل الحج فعليه من العمل فيه: الطواف بالبيت
__________
(1) في ت: "قضيتم".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) زيادة من ت ، ف ، أ.
(5) زيادة من ت،ف،أ".
وبين الصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، على ما أمروا به. وروي عن مالك نحو هذا. (5/418)
وقوله: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } : قال مجاهد: يعني: الطواف الواجب يوم النحر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟ يقول (1) الله: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } ، فإن آخر المناسك الطواف بالبيت.
قلت: وهكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ يرمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت. وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (2) .
وقوله: { بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } : فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل (3) البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت، حين قصرت بهم النفقة؛ ولهذا طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحِجْر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة؛ ولهذا قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العَدَني، حدثنا سفيان، عن هشام بن حُجْر، عن رجل، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } ، طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه (4) .
وقال قتادة، عن الحسن البصري في قوله: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } [قال] (5) : لأنه أول بيت وضع للناس. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح.
وقال خَصِيف: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط.
وقال ابن أبي نَجِيح وليث عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يسلطوا عليه. وكذا قال قتادة.
وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: لأنه لم يُرِده أحد بسوء إلا هلك.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن الزبير قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة (6) .
وقال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني
__________
(1) في ت: "فيقول".
(2) صحيح البخاري برقم (329) وصحيح مسلم برقم (1328) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) في أ: "داخل".
(4) ورواه ابن مردوية في تفسيره كما في الدر المنثور (6/41).
(5) زيادة من ف، أ.
(6) تفسير عبد الرزاق (2/32).
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)
الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار". (5/419)
وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن سهل النجاري (1) ، عن عبد الله بن صالح، به (2) . وقال: إن كان صحيحًا وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ثم رواه من وجه آخر عن الزهري، مرسلا (3) .
{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) }
__________
(1) في ف: "المحاربي".
(2) سنن الترمذي برقم (3170) وفيه "هذا حديث حسن صحيح" وأظنه خطأ.
(3) صحيح البخاري برقم (2654) وصحيح مسلم برقم (87).
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)
{ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) } . (5/419)
يقول تعالى: هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك، وما لفاعلها من الثواب الجزيل.
{ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ } أي: ومن يجتنب معاصيه ومحارمه ويكون ارتكابها عظيما في نفسه، { فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } أي: فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب جزيل وأجر كبير، وكذلك على ترك المحرمات و[اجتناب] (1) المحظورات.
قال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ } قال: الحرمة: مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وكذا قال ابن زيد.
وقوله: { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } أي: أحللنا (2) لكم جميع الأنعام، وما جعل الله من بحيرة، ولا سائبة، ولا وصيلة، ولا حام.
وقوله: { إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } أي: من تحريم { الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ] (3) } الآية [ المائدة: 3 ]، قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة.
وقوله: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } : "من" هاهنا لبيان الجنس، أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. وقرن الشرك بالله (4) بقول الزور، كقوله: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } [ الأعراف: 33 ]، ومنه شهادة الزور. وفي الصحيحين عن أبي بَكْرَة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟" قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين -وكان متكئا فجلس، فقال:-ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور". فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت (5) .
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في ت: "أحلت" .
(3) زيادة من ت، ف، أ.
(4) في أ : "به".
(5) صحيح البخاري برقم (2654) وصحيح مسلم برقم (87).
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)
وقال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خريم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا فقال: "يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور إشراكا بالله" ثلاثا، ثم قرأ: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } (5/420)
وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، به (1) ثم قال: "غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد. وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم".
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العُصْفُرِيّ، عن أبيه، عن حبيب ابن النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك (2) الأسدي قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فلما انصرف قام قائما فقال: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عز وجل" ، ثم تلا هذه الآية: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } (3) .
وقال سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن وائل بن ربيعة، عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية (4) .
وقوله: { حُنَفَاءَ لِلَّهِ } أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدا إلى الحق؛ ولهذا قال { غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ }
ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى فقال: { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ } أي: سقط منها، { فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ } ، أي: تقطعه الطيور في الهواء، { أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه؛ ولهذا جاء في حديث البراء: "إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك". ثم قرأ هذه الآية، وقد تقدم الحديث في سورة "إبراهيم" (5) بحروفه وألفاظه وطرقه.
وقد ضرب [الله] (6) تعالى للمشرك مثلا آخر في سورة "الأنعام" ، وهو قوله: { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ] (7) } [ الأنعام: 71 ] .
{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) } .
__________
(1) المسند (4/178) وسنن الترمذي برقم (2299).
(2) في ت: "مقاتل".
(3) المسند (4/321).
(4) تفسير الطبري (17/112).
(5) انظر تفسير الآية: 27
(6) زيادة من أ.
(7) زيادة من ف، أ، وفي الأصل: "الآية".
يقول تعالى: هذا { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ } أي: أوامره، { فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم، عن مقْسَم، عن ابن عباس: تعظيمها: استسمانها واستحسانها. (5/421)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشجّ، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ } قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.
وقال أبو أمامة بن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمّنون. رواه البخاري (1) .
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دم عفراءَ أحبّ إلى الله من دم سَوداوين" . رواه أحمد، وابن ماجه (2) .
قالوا: والعفراء هي البيضاء بياضًا ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضا؛ لما ثبت في صحيح البخاري، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين (3) .
وعن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن فَحيل (4) يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد.
رواه أهل السنن، وصححه الترمذي (5) ، أي: بكبش أسود (6) في هذه الأماكن.
وفي سنن ابن ماجه، عن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين (7) . قيل: هما الخَصِيَان. وقيل: اللذان رُضَّ خُصْياهما، ولم يقطعهما (8) ، والله أعلم.
وكذا روى أبو داود وابن ماجه عن جابر: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين موجوءين [والموجوءين قيل: هما الخصيين] (9) (10) .
وعن علي رضي الله عنه، قال: أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابَلَة، ولا مدابَرَة، ولا شَرْقاء، ولا خَرْقاء.
رواه أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي (11) .
ولهم عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُضحي (12) بأعضب القرن والأذن (13) .
__________
(1) صحيح البخاري (10/9) "فتح" معلقا.
(2) المسند (2/417) ولم يقع لي في سنن ابن ماجه.
(3) صحيح البخاري برقم (5558).
(4) في ف: "فحل".
(5) سنن أبي داود برقم (2796) وسنن الترمذي برقم (1496) وسنن النسائي (7/221) وسنن ابن ماجه برقم (3128) .
(6) في أ: "فيه نكتة سوداء".
(7) لم يقع في سنن ابن ماجه من حديث أبي رافع وإنما من حديث عائشة وأبي هريرة برقم (3122) وحديث أبي رافع رواه أحمد في المسند (6/8).
(8) في ت: "ولم يقطعها"
(9) زيادة من من ت، ف، أ.
(10) سنن أبي داود برقم (2795).
(11) المسند (1/80) ، وسنن أبي داود برقم (2804) وسنن الترمذي برقم (1498) وسنن النسائي (7/217) وسنن ابن ماجه برقم (3142).
(12) في ت: "يضحي".
(13) المسند (1/83) وسنن أبي داود برقم (2805) وسنن الترمذي برقم (1504) وسنن النسائي (7/217) وسنن ابن ماجه برقم (3145).
وقال سعيد بن المسيب: العضب: النصْف فأكثر. (5/422)
وقال بعض أهل اللغة: إن كُسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فأما العَضْب فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن قطع بعضها.
وعند الشافعي أن التضحية بذلك مجزئة، لكن تكره.
وقال [الإمام] (1) أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن؛ لهذا الحديث.
وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ، وإلا أجزأ، والله أعلم.
وأما المقابلة: فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: من مؤخر أذنها. والشرقاء: هي التي قطعت أذنها طولا قاله الشافعي. والخرقاء: هي التي خَرَقت السّمَةُ أذنها خرقا مُدَوّرًا، والله أعلم.
وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عَوَرها، والمريضة البين مَرَضها، والعرجاء البين ظَلَعها (2) ، والكسيرة التي لا تُنقِي".
رواه أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي (3) .
وهذه العيوب تنقص اللحم، لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي؛ لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ التضحية (4) بها عند الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو ظاهر الحديث.
واختلف قول الشافعي في المريضة مرضًا يسيرًا، على قولين.
وروى أبو داود، عن عُتبة بن عبد السّلَمي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المُصْفَرَةِ، والمستأصَلَة، والبَخْقاء، والمشيَّعة، والكسراء (5) (6) .
فالمصفرة قيل: الهزيلة. وقيل: المستأصلة الأذنُ. والمستأصلة: المكسورة القرن. والبخقاء: هي العوراء. والمشيعة: هي التي لا تزال تُشَيَّع خَلفَ الغنم، ولا تَتْبَع لضعفها. والكسراء: العرجاء.
فهذه العيوب كلها مانعة [من الإجزاء، فإن طرأ العيب] (7) بعد تعيين الأضحية فإنه لا يضر عيبه عند الشافعي خلافا لأبي حنيفة.
وقد روى الإمامُ أحمد، عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشا أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية. فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ضَحِّ به" (8) ولهذا [جاء] (9) في الحديث: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن. أي: أن تكون
__________
(1) زيادة من ت.
(2) في ت، أ: "عرجها".
(3) المسند (4/284) وسنن أبي داود برقم (2802) وسنن الترمذي برقم (1497) وسنن النسائي (7/215) وسنن ابن ماجه برقم (3144).
(4) في أ: "الأضحية".
(5) في أ: "الكسرة".
(6) سنن أبي داود برقم (2803).
(7) زيادة من ف، أ.
(8) المسند (3/32).
(9) زيادة من أ.
الهدية أو الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود، عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نَجيبًا، فأعطى بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبًا، فأعطِيتُ بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدْنًا؟ قال: "لا انحرها إياها" (1) . (5/423)
وقال الضحاك، عن ابن عباس: البدن من شعائر الله.
وقال محمد بن أبي موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والبدن والحلق: من شعائر الله.
وقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت.
قوله: { لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ } أي: لكم في البدن منافع، من لبنها، وصوفها وأوبارها وأشعارها، وركوبها.
{ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } : قال مِقْسَم، عن ابن عباس [في قوله] (2) : { لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } قال: ما لم يسم بدنا.
وقال مجاهد في قوله: { لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ، قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سُمّيت بَدنَةً أو هَديًا، ذهب ذلك كله. وكذا قال عطاء، والضحاك، وقتادة، [ومقاتل] (3) وعطاء الخراساني، وغيرهم.
وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كانت هديا، إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدَنَةً، قال: "اركبها". قال: إنها بَدنَة. قال: "اركبها، ويحك"، في الثانية أو الثالثة (4) .
وفي رواية لمسلم، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اركبها بالمعروف إذا ألجئتَ إليها" (5) .
وقال شعبة، عن زهير بن أبي ثابت الأعمى، عن المغيرة بن حَذْف، عن علي؛ أنه رأى رجلا يسوق بدنة ومعها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدَها.
وقوله: { ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أي: مَحِل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق، وهو الكعبة، كما قال تعالى: { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } [ المائدة: 95 ]، وقال { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } [ الفتح: 25].
وقد تقدم الكلام على معنى "البيت العتيق" قريبا، ولله الحمد (6) .
وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء: كان ابن عباس يقول: كل من طاف بالبيت، فقد حل، قال الله تعالى: { ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ }
__________
(1) المسند (2/145) وسنن أبي داود برقم (1756).
(2) زيادة من ت، ف، أ.
(3) زيادة من ت، ف، أ.
(4) صحيح البخاري برقم (1690) وصحيح مسلم برقم (1323) .
(5) صحيح مسلم برقم (1323) .
(6) في ت: "والله أعلم".
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) } . (5/424)
يخبر تعالى أنه لم يَزَل ذبحُ المناسك وإراقةُ الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا } قال: عيدًا.
وقال عكرمة: ذبحا. وقال زيد بن أسلم في قوله: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا } ، إنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكا غيرها.
[وقوله] (1) : { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ } ، كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، فسمَّى وكبر، ووضع رجله على صِفَاحهما (2) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سَلام بن مسكين، عن عائذ الله المجاشعي، عن أبي داود -وهو نُفَيْع بن الحارث-عن زيد بن أرقم قال: قلت -أو: قالوا-: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: "سنة أبيكم إبراهيم". قالوا: ما لنا منها؟ قال: "بكل شعرة حسنة" قالوا: فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة".
وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه في سننه، من حديث سلام بن مسكين، به (3) .
وقوله: { فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا } أي: معبودكم واحد، وإن تَنوّعَت شرائع الأنبياء ونَسخَ بعضها بعضًا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي (4) إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } (5) [ الأنبياء: 25]. ولهذا قال: { فَلَهُ أَسْلِمُوا } أي: أخلصوا واستسلموا لحُكْمه وطاعته.
{ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } : قال مجاهد: المطمئنين، وقال الضحاك، وقتادة: المتواضعين. وقال السدي: الوجلين. وقال عمرو بن أوس (6) : المخبتون (7) : الذين لا يَظلمون، وإذا ظُلموا لم ينتصروا.
وقال الثوري: { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله، المستسلمين له.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) صحيح البخاري برقم (5558) وصحيح مسلم برقم (1966).
(3) المسند (4/368).
(4) في ت، أ: "يوحى".
(5) في ت: "فاعبدوني".
(6) في ت، ف، أ: "إدريس".
(7) في ت: "المختبتين".
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)
وأحسن ما يفسّر بما بعده وهو قوله: { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: خافت منه قلوبُهم، { وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ } أي: من المصائب. (5/425)
قال الحسن البصري: والله لتصبرنّ أو لتهلكنّ.
{ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ } : قرأ الجمهور بالإضافة. السبعةَ، وبقيةَ العشرة أيضا. وقرأ ابن (1) السَّمَيْقَع: "والمقيمينَ الصلاة" بالنصب.
وقال الحسن البصري: { وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ } ، وإنما حذفت النون هاهنا تخفيفا، ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة، ولكن على سبيل التخفيف فنصبت.
أي: المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } أي: وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأرقائهم وقراباتهم، وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى خلق الله مع محافظتهم على حدود الله. وهذه بخلاف صفات المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله، كما تقدم تفسيره في سورة "براءة" [فلله الحمد والمنة] (2) (3) .
{ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) } .
يقول تعالى ممتنا على عباده فيما خلق لهم من البدن، وجعلها من شعائره، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى [إلى بيته الحرام] (4) ، كما قال تعالى: { لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ [وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا] (5) } الآية: [ المائدة: 2 ] .
قال ابن جُرَيج: قال عطاء في قوله: { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } ، قال: البقرة، والبعير. وكذا رُوي عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري. وقال مجاهد: إنما البدن من الإبل.
قلت: أما إطلاق البَدَنة على البعير فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة، على قولين، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح في الحديث.
ثم جمهور العلماء على أنه تُجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، كما ثبت به الحديث عند مسلم، من رواية جابر بن عبد الله [وغيره] (6) ، قال: أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نشتركَ في الأضاحي،
__________
(1) في ت: "أبو".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) انظر تفسير الآية: 67.
(4) زيادة من أ.
(5) زيادة من أ.
(6) زيادة من أ.
البدنةُ عن سبعة، والبقرة عن سبعة (1) . (5/426)
[وقال إسحاق بنُ رَاهَويه وغيره: بل تُجزئ البقرة عن سبعة، والبعير عن عشرة] (2) . وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد، وسنن النسائي، وغيرهما (3) ، فالله أعلم.
وقوله: { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } ، أي: ثواب في الدار الآخرة.
وعن سليمان بن يزيد الكعبي، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما عَمِل ابن آدم يوم النحر عملا أحبّ إلى الله من هِرَاقه دم، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان، قبل أن يقع على الأرض، فطِيبُوا بها نفسا". رواه ابن ماجه، والترمذي وحَسنه (4) .
وقال سفيان الثوري: كان أبو حاتم (5) يستدين ويسوق البُدْن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟ فقال: إني سمعت الله يقول: { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ }
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنفقت الوَرقَ في شيء أفضلَ من نحيرة في يوم عيد" . رواه الدارقطني في سننه (6) .
وقال مجاهد: { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } قال: أجر ومنافع.
وقال إبراهيم النَّخَعِيّ: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها.
وقوله: { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } وعن [المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن] (7) جابر ابن عبد الله قال: صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدَ الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يُضَحِّ من أمتي".
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (8) .
وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عباس، عن جابر قال: ضحّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته" . ثم سمى الله وكبر
__________
(1) صحيح مسلم برقم (1318).
(2) زيادة من ف، أ.
(3) المسند (1/275) وسنن النسائي (7/222) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر النحر فاشتركنا في البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة".
(4) سنن الترمذي برقم (1493) وسنن ابن ماجه برقم (3126).
(5) في أ: "أبو حازم" .
(6) سنن الدارقطني (4/282) من طريق إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس.
(7) زيادة من ف، أ.
(8) المسند (3/356) وسنن أبي داود برقم (2810) وسنن الترمذي برقم (1521) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه".
وذبح (1) . (5/427)
وعن علي بن الحسين، عن أبي رافع؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى (2) بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية (3) ، ثم يقول: "اللهم هذا عن أمتي جميعها، مَنْ شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ". ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: "هذا عن محمد وآل محمد" فيُطعمها جميعًا المساكين، [ويأكل] (4) هو وأهله منهما.
رواه أحمد، وابن ماجه (5) .
وقال الأعمش، عن أبي ظِبْيَان، عن ابن عباس في قوله: { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } ، قال: قيام على ثلاث قوائم، معقولة يدُها اليسرى، يقول: "بسم الله والله أكبر (6) ، اللهم منك ولك". وكذلك روى مجاهد، وعلي بن أبي طلحة، والعَوْفي، عن ابن عباس، نحو هذا.
وقال ليث. عن مجاهد: إذا عُقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث. ورَوَى ابن أبي نَجِيح، عنه، نحوه (7) .
وقال الضحاك: تُعقل رجل (8) واحدة فتكون على ثلاث.
وفي الصحيحين عن ابن عمر: أنه أتى على رجل قد أناخ بَدَنته وهو ينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (9) .
وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه كانوا ينحَرون البُدْن معقولةَ اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها. رواه أبو داود (10) .
وقال ابن لَهِيعة: حدثني عطاء بن دينار، أن سالم بن عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك: قفْ من شقها الأيمن، وانْحَر من شقها الأيسر.
وفي صحيح مسلم، عن جابر، في صفة حجة الوَدَاع، قال فيه: فنحر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثًا وستين بَدَنة، جعل (11) يَطعَنُها بحَربة في يده (12) .
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود: "صوافن" ، أي: مُعقَّلة (13) قياما (14) .
__________
(1) تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: 162 من سورة "الأنعام".
(2) في ت: "أمر".
(3) في ت، أ: "بالمدينة".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) المسند (6/8) وتقدم الحديث في هذه السورة.
(6) في ف، أ: "والله أكبر، لا إله إلا الله".
(7) في أ: "نحو هذا".
(8) في ت، ف: "يعقل يدا".
(9) صحيح البخاري برقم (1713) وصحيح مسلم برقم (1320).
(10) سنن أبي داود برقم (1767).
(11) في ت: "وجعل".
(12) صحيح مسلم برقم (1218).
(13) في ت، أ: "معلقة".
(14) تفسير عبد الرزاق (2/33).
وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد: مَن قرأها "صوافن" قال: معقولة. ومن قرأها { صَوَافَّ } قال: تصف بين يديها. (5/428)
وقال طاوس، والحسن، وغيرهما: "فاذكروا اسم الله عليها صوافي" يعني: خالصة لله عز وجل. وكذا رواه مالك، عن الزهري.
وقال عبد الرحمن بن زيد: "صوافيَ": ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامهم.
وقوله: { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } قال: ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: يعني: سقطت إلى الأرض.
وهو رواية عن ابن عباس، وكذا قال مقاتل بن حيان.
وقال العوفي، عن ابن عباس: { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } يعني: نحرت.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } يعني: ماتت.
وهذا القول هو مُرَادُ ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البَدَنة (1) إذا نُحرت حتى تموت وتَبْرد حركتها. وقد جاء في حديث مرفوع: "ولا تُعجِلُوا النفوسَ أن تَزْهَق" (2) . وقد رواه الثوري في جامعه، عن أيوب، عن يحيى ابن أبي كثير، عن فَرافصَة الحنفي، عن عمر بن الخطاب؛ أنه قال ذلك (3) ويؤيده حديث شَدّاد بن أوس في صحيح مسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح (4) ولْيُحدَّ أحدكم شَفْرَته، ولْيُرِحْ ذَبِيحته" (5) .
وعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قُطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة".
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه (6) .
وقوله: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ َ } قال بعض السلف (7) : قوله: { فَكُلُوا مِنْهَا } أمر إباحة.
وقال مالك: يستحب ذلك. وقال غيره: يَجِبُ. وهو وَجْه لبعض الشافعية. واختلف في المراد بالقانع والمعتر، فقال العوفي، عن ابن عباس: القانع: المستغني بما أعطيته، وهو في بيته. والمعترّ: الذي يتعرض لك، ويُلمّ بك أن تعطيه من اللحم، ولا يسأل. وكذا قال مجاهد، ومحمد بن كعب القُرَظِيّ.
__________
(1) في ت: "البدن".
(2) رواه الدارقطني في السنن (4/283) من طريق سعيد بن سلام العطار عن عبد الله بن بديل عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وسعيد بن سلام العطار كذبه أحمد وابن نمير، وضعف البيهقي هذا الحديث في السنن الكبرى (9/278) .
(3) ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/278).
(4) في ت: "الذبحة".
(5) صحيح مسلم برقم (1955).
(6) المسند (5/218) وسنن أبي داود برقم (2858) وسنن الترمذي برقم (1480).
(7) في أ: "الناس".
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: القانع: المتعفف. والمعتر: السائل. وهذا قولُ قتادة، وإبراهيم النَّخَعي، ومجاهد في رواية عنه. (5/429)
وقال ابن عباس، وزيد بن أسلم وعِكْرِمَة (1) ، والحسن البصري، وابن الكلبي، ومُقَاتِل بن حَيَّان، ومالك بن أنس: القانع: هو الذي يَقْنع إليك ويسألك. والمعتر: الذي يعتريك، يتضرع ولا يسألك. وهذا لفظ الحسن.
وقال سعيد بن جبير: القانع: هو السائل، ثم قال: أما سمعت قول الشَّمَّاخ. لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُه فَيُغْني ... مَفَاقِرَه (2) ، أَعَفُّ مِنَ القُنُوع (3)
قال: يعني من السؤال، وبه قال ابن زيد.
وقال زيد بن أسلم: القانع: المسكين الذي يطوف. والمعتر: الصديق والضعيف (4) الذي يزور. وهو رواية عن عبد الله (5) بن زيد أيضا.
وعن مجاهد أيضا: القانع: جارك الغني [الذي يبصر ما يدخل بيتك] (6) والمعتر: الذي يعتريك (7) من الناس.
وعنه: أن القانع: هو الطامع. والمعتر: هو الذي يَعْتَر بالبُدْن من غني أو فقير.
وعن عكرمة نحوه، وعنه القانع: أهل مكة.
واختار ابنُ جرير أنّ القانع: هو السائل؛ لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، والمعتر من الاعترار، وهو: الذي يتعرض لأكل اللحم.
وقد احتج بهذه الآية الكريمة مَن ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تُجزَّأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله [منها] (8) ، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } . وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم" (9) وفي رواية: "فكلوا وادخروا وتصدقوا" . وفي رواية: "فكلوا وأطعموا وتصدقوا" (10) .
والقول الثاني: إن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف، لقوله في الآية المتقدمة: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } [الحج: 28]، ولقوله في الحديث: "فكلوا وادخروا وتصدقوا".
فإن أكل الكل فقيل (11) : لا يضمن شيئا. وبه قال ابن سُرَيج من الشافعية.
__________
(1) في ف، أ: "وعكرمة وزيد بن أسلم".
(2) في ت: "مفاقه".
(3) البيت في ديوانه (ص221) أ.هـ مستفادا من حاشية الشعب.
(4) في ت: "والضيف".
(5) في أ: "عن أبيه عبد الرحمن".
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في أ: "يعتزل".
(8) زيادة من ت، ف، أ.
(9) صحيح مسلم برقم (977) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه
(10) رواه مالك في الموطأ (2/484) من حديث جابر رضي الله عنه.
(11) في ت، ف، أ. "فقد فقيل".
وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها. وقيل: يضمن نصفها. وقيل: ثلثها. وقيل: أدنى جزء منها. وهو المشهور من مذهب الشافعي. (5/430)
وأما الجلود، ففي مسند أحمد عن قتادة ابن النعمان في حديث الأضاحي: "فكلوا وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها، ولا تبيعوها" (1) .
ومن العلماء من رخص [في ذلك] (2) ، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم.
[مسألة] (3) .
عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما نبدأ (4) به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر. فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم [عجله] (5) لأهله، ليس من النسك في شيء" أخرجاه (6) .
فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت الأضحى إذا طلعت الشمس يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين. زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك، لما جاء في صحيح مسلم: وألا تذبحوا حتى يذبح الإمام" (7) .
وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم (8) ، فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر، إذ لا صلاة عيد (9) عنده لهم. وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام، والله أعلم.
ثم قيل: لا يشرع الذبح إلا يوم النحر وحده. وقيل: يوم النحر لأهل الأمصار، لتيسر (10) الأضاحي عندهم، وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه قال سعيد بن جبير. وقيل: يوم النحر، ويوم بعده للجميع. وقيل: ويومان بعده، وبه قال أحمد. وقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده، وبه قال الشافعي؛ لحديث جبير بن مطعم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وأيام التشريق كلها ذبح". رواه أحمد وابن حبان (11) .
وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة، وبه قال إبراهيم النَّخَعِيّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وهو قول غريب.
وقوله: { كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } : يقول تعالى: من أجل هذا { سَخَّرْنَاهَا لَكُم } أي: ذللناها لكم، أي: جعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ . وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ . وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ } [ يس: 71 -73 ]،
__________
(1) المسند (4/15).
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ت: "يبدأ
(5) زيادة من ت، ف، أ، والبخاري، وفي هـ: "يبديه".
(6) صحيح البخاري برقم (5545) وصحيح مسلم برقم (1961).
(7) لم يقع لي في مسلم هذا اللفظ وينظر صحيح مسلم (3/1551) .
(8) في ف: "وغيرها".
(9) في أ: "عيد تشرع".
(10) في ف: "لتيسر".
(11) المسند (4/82).
لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)
وقال في هذه الآية الكريمة: { كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (5/431)
{ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) } .
يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا، لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرازق (1) لا أنه يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه.
وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابتنهم، ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا }
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله: { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } أي: يتقبل ذلك ويجزي عليه.
كما جاء في الصحيح: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم (2) ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (3) وما جاء في الحديث: "إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض" كما تقدم الحديث. رواه (4) ابن ماجه، والترمذي وحَسّنه عن عائشة مرفوعا. فمعناه: أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم.
وقال وَكِيع، عن [يحيى] (5) بن مسلم أبي الضحاك: سألت عامرًا الشعبي عن جلود الأضاحي، فقال: { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا } ، إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق.
وقوله: { كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } أي: من أجل ذلك سخر (6) لكم البُدن، { لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } أي: لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه، وما يرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه.
وقوله: { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } أي: وبشر يا محمد المحسنين، أي: في عملهم، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شَرَع لهم، المصدقين الرسولَ فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه عز وجل.
[مسألة] (7) .
وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول (8) بوجوب الأضحية على من ملك نصابا، وزاد
__________
(1) في ت، ف: "الرزاق".
(2) في ت، ف: "ألوانكم".
(3) صحيح مسلم برقم (2564).
(4) في ت: "ورواه".
(5) زيادة من ت.
(6) في ت، ف: "سخرناها".
(7) زيادة من ف.
(8) في ت: "بالقول".
أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضًا. واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعا: "من وجد سَعَة فلم يُضَحِّ، فلا يقربن مُصَلانا" (1) على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل (2) . (5/432)
وقال ابن عمر: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين يضحي. رواه الترمذي (3) .
وقال الشافعي، وأحمد: لا تجب الأضحية، بل هي مستحبة؛ لما جاء في الحديث: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (4) . وقد تقدم أنه، عليه السلام (5) ضحى عن أمته فأسقط ذلك وجوبها عنهم.
وقال أبو سَريحةَ: كنت جارًا لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما.
وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة، سقطت عن الباقين؛ لأن المقصود إظهار الشعار.
وقد روى الإمام أحمد، وأهل السنن -وحسنه الترمذي-عن مِخْنَف بن سليم؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعرفات: "على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعَتِيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي (6) التي تدعونها الرَّجبية" . وقد تكلم في إسناده (7) .
وقال أبو أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، يأكلون ويطعمون [حتى تباهي] (8) الناس فصار كما ترى.
رواه الترمذي وصححه، وابن ماجه (9) .
وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. رواه البخاري.
وأما مقدار سِنّ الأضحية، فقد روى مسلم عن جابر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن" (10) .
__________
(1) المسند (2/321) وسنن ابن ماجه برقم (3123).
(2) في إسناده عبد الله بن عياش، قال البوصيري في الزوائد (3/50): "وإن روى له مسلم فإنما روى له في المتابعات والشواهد فقد ضعفه أبو داود والنسائي، وقال أبو حاتم، وابن يونس: منكر الحديث وذكره ابن حبان في الثقات". ثم نقل عن البيهقي أنه بلغه عن الترمذي: أن الصحيح عن أبي هريرة موقوف أ. هـ.
ويمكن أن يجاب بأن هذا الحديث لا يدل على الوجوب، كما في حديث: "من أكل الثوم فلا يقربن مصلانا" ذكر ذلك ابن الجوزي وهناك لا يلزم استنكاره.
(3) سنن الترمذي برقم (1507) وحسنه.
(4) رواه ابن ماجه في السنن برقم (1789) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.
(5) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(6) في ف، أ: "قال: هي".
(7) المسند (4/125) وسنن أبي داود برقم (2788) وسنن الترمذي برقم (1518) وسنن النسائي (7/167) وسنن ابن ماجه برقم (3125).
(8) زيادة من ت، ف.
(9) سنن الترمذي برقم (1505) وسنن ابن ماجه برقم (3147).
(10) صحيح مسلم برقم (1963).
إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)
ومن هاهنا ذهب الزهري إلى أن الجذَعَ لا يجزئ. وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجَذَع يجزئ من كل جنس، وهما غريبان. وقال الجمهور: إنما يجزئ الثَّني من الإبل والبقر والمعز، والجذع من الضأن، فأما الثني من الإبل: فهو الذي له خمس سنين، ودخل في السادسة. ومن البقر: ما له [سنتان] (1) ودخل في [الثالثة] (2) ، وقيل: [ما له] (3) ثلاث [ودخل في] (4) الرابعة. ومن المعز: ما له سنتان. وأما الجذع من الضأن فقيل: ما له سنة، وقيل: عشرة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سِنِّه، وما دونه فهو حَمَل، والفرق بينهما: أن الحمل شعر ظهره قائم، والجذَع شعر ظهره نائم، قد انعدل صدْعين، والله أعلم. (5/433)
{ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) } .
يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [ الزمر: 36 ] وقال: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [ الطلاق: 3 ].
وقوله: { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال. والكفر (5) : الجحد للنعم، فلا يعترف بها.
__________
(1) زيادة من ف.
(2) زيادة من ف.
(3) زيادة من ف.
(4) زيادة من ف.
(5) في ت: "والكفور".
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)
{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) } . (5/433)
قال العَوفي، عن ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة.
وقال غير واحد من السلف (1) هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية، وقاله مجاهد، والضحاك، وقتادة، وغير واحد.
وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم -هو البَطِين-عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: لما أخرج (2) النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم. إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكُن. قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } ، قال أبو بكر، رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال.
__________
(1) في ف، أ: "وقال مجاهد والضحاك وقتادة".
(2) في ت، ف: "خرج".
ورواه الإمام أحمد، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، به (1) وزاد: قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال. (5/434)
ورواه الترمذي، والنسائي في التفسير من سننيهما، وابن أبي حاتم (2) من حديث إسحاق بن يوسف -زاد الترمذي: ووَكِيع، كلاهما عن سفيان الثوري، به. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه غير واحد، عن الثوري، وليس فيه ابن عباس (3) .
وقوله: { وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوا (4) جهدهم في طاعته، كما قال: { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } [ محمد: 4 -6 ]، وقال تعالى: { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (5) وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ . وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ التوبة : 14 ، 15 ]، وقال: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ التوبة: 16 ]، { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ [ اللَّهُ ] (6) الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [ آل عمران: 142 ]، وقال: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } [ محمد: 31 ].
والآيات في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عباس في قوله: { وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } وقد فعل.
وإنما شرع [الله] (7) تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أمرَ المسلمين، وهم أقل من العشر، بقتال الباقين (8) لشَقَّ عليهم؛ ولهذا لما بايع أهلُ يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا نيفا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي -يعنون أهل مِنَى-ليالي مِنى فنقتلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لم أومر بهذا". فلما بَغَى المشركون، وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شَذرَ مَذَر، فذهب (9) منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة. فلما استقروا بالمدينة، ووافاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومَعْقلا يلجؤون إليه -شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ }
__________
(1) زيادة من ف.
(2) في ت: "ماجه".
(3) سنن الترمذي برقم (3171) وسنن النسائي الكبرى برقم (11345).
(4) في ت، أ: "يبذلوا".
(5) في ت: "بأيديهم".
(6) زيادة من ت، ف، أ.
(7) تفسير الطبري (17/123) والمسند (1/216).
(8) في ت: "المنافقين".
(9) في ف: "فذهبت".
قال العَوْفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمدًا وأصحابه. (5/435)
{ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم عبدوا الله (1) وحده لا شريك له. وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين فهو أكبر الذنوب، كما قال تعالى: { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ } [ الممتحنة: 1 ]، وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [ البروج: 8 ]. ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق، ويقولون: لا هُمّ (2) لَولا أنتَ ما اهتَدَينا ... وَلا تَصَدّقَْنا وَلا صَلَّينَا ...
فَأنزلَنْ سَكينَةً عَلَينَا ... وَثَبّت الأقْدَامَ إنْ لاقَينَا ...
إنّ الألَى قد بَغَوا عَلَينَا ... إذَا أرَادوا فتْنَةً أبَيْنَا (3)
فيوافقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: "إذا أرادوا فتنة أبينا" ، يقول: "أبينا" ، يمد بها صوته.
ثم قال تعالى: { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشفُ شَرّ أناس عن غيرهم، بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف.
{ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ } وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم.
وقال قتادة: هي معابد الصابئين. وفي رواية عنه: صوامع المجوس.
وقال مقاتل بن حَيَّان: هي البيوت التي على الطرق.
{ وَبِيَعٌ } : وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها. وهي للنصارى أيضًا. قاله أبو العالية، وقتادة، والضحاك، وابن (4) صخر، ومقاتل بن حيان، وخُصَيف، وغيرهم.
وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود. وحكى السدي، عمن حَدّثه، عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس، والله أعلم.
وقوله: { وَصَلَوَاتٌ } : قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس. وكذا قال عكرمة، والضحاك، وقتادة: إنها كنائس اليهود. وهم يسمونها صَلُوتا.
وحكى السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى.
__________
(1) في ف، أ: "وحد الله".
(2) في أ: "والله".
(3) الأبيات لعامر بن الأكوع كما في صحيح مسلم برقم (1803).
(4) في أ: "أبو".
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)
وقال أبو العالية، وغيره: الصلوات: معابد الصابئين. (5/436)
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: الصلوات: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق. وأما المساجد فهي للمسلمين.
وقوله: { يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } فقد قيل: الضمير في قوله: { يُذْكَرَ فِيهَا } عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات.
وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرا.
وقال ابن جرير: الصوابُ: لهدمت صوامع الرهبان وبِيعُ النصارى وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب.
وقال بعض العلماء: هذا تَرَقٍّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن ينتهي إلى المساجد، وهي أكثر عُمَّارا وأكثر عبادا، وهم ذوو القصد الصحيح.
وقوله: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ } كقوله (1) تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } [ محمد: 7 ، 8 ].
وقوله: { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } وَصَف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديرا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه، فقير إليه. ومن كان القويّ العزيز ناصرَه فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [ الصافات: 171 -173 ] وقال [الله] (2) تعالى: { كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ المجادلة: 21 ].
{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ (41) } .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزَّهْرَاني، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } ، فأخرجنا من ديارنا بغير حق، إلا أن قلنا: "ربنا الله" ، ثم مُكنّا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي.
__________
(1) في ت: "لقوله".
(2) زيادة من ت.
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. (5/437)
وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ } الآية، ثم قال: إلا أنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذَلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكرهة، ولا المخالف سرها علانيتها.
وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ [ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ] (1) } [ النور: 55 ].
وقوله: { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ } ، كقوله تعالى { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [ القصص: 83 ].
وقال زيد بن أسلم: { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ } : وعند الله ثواب ما صنعوا.
{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } .
يقول تعالى مسليا نبيَّه محمدا صلى الله عليه وسلم في تكذيب من خالفه من قومه: { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } إلى أن قال (2) : { وَكُذِّبَ مُوسَى } أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
{ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ } أي: أنظرتهم وأخرتهم، { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي: فكيف كان إنكاري عليهم، ومعاقبتي لهم؟!
ذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه: { أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى } [ النازعات: 24 ]، وبين إهلاك الله له أربعون سنة.
وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، ثم قرأ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود: 102 ] (3) .
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في ف، أ: "وعاد وثمود. وقوم إبراهيم وقوم لوط. وأصحاب مدين".
(3) صحيح البخاري برقم (4686) وصحيح مسلم برقم (2583).
ثم قال تعالى: { فَكَأَيِّنْ (1) مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا } أي: كم من قرية أهلكتها { وَهِيَ ظَالِمَةٌ } ] (2) أي: مكذبة لرسولها، { فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } قال الضحاك: سقوفها، أي: قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها. (5/438)
{ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ } أي: لا يستقى منها، ولا يَرِدُها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.
{ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } قال عكرمة: يعني المُبَيّض بالجص.
وروي عن علي بن أبي طالب، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي المَلِيح، والضحاك، نحو ذلك.
وقال آخرون: هو المُنيف المرتفع.
وقال آخرون: الشديد المنيع الحصين.
وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يَحْمِ أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال تعالى: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } [ النساء: 78 ].
وقوله: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ } أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضا، وذلك كاف، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار" :
حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سَيَّار، حدثنا (3) جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى، عليه السلام، أن يا موسى، اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سِحْ في الأرض، واطلب الآثار والعبر، حتى تتخرق النعلان (4) وتكسر العصا.
وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحْيِ قلبك بالمواعظ، ونَوِّره بالفِكْر، ومَوِّته بالزهد، وقَوِّه باليقين، وذَلِّلْهُ بالموت (5) ، وقرِّره بالفناء (6) ، وبَصِّره فجائع (7) الدنيا، وحَذِّره صولةَ (8) الدهر وفحش تَقَلُّب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب (9) من كان قبله، وسِرْ في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حَلُّوا، وعَمَّ انقلبوا.
أي: فانظروا (10) ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال (11) { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أي: فيعتبرون بها، { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر. وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى -وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة (12) الأندلسي الشَّنْتَريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة:
__________
(1) في ت، ف: "وكأين".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ت، ف: "ابن".
(4) في ت، ف: "تخرق النعال".
(5) في ت، ف: "بالقرب".
(6) في ت، ف: "وتدبره بالثناء".
(7) في ت، ف، أ: "بمجامع".
(8) في ف: "بصولة".
(9) في ت، أ: "وذكره بأم كتاب" .
(10) في ت، ف: "فينظروا".
(11) زيادة من ت ، ف ، أ .
(12) في ت ، ف ، أ : "ابن حبان".
يا مَن يُصيخُ إلى دَاعي الشَقَاء، وقَد ... نَادَى به الناعيَان: الشيبُ والكبَرُ ... (5/439)
إن كُنتَ لا تَسْمَع الذكْرَى، ففيم تُرَى ... في رَأسك الوَاعيان: السمعُ والبَصَرُ? ...
ليسَ الأصَمّ ولا الأعمَى سوَى رَجُل ... لم يَهْده الهَاديان: العَينُ والأثَرُ ...
لا الدّهر يَبْقَى وَلا الدنيا، وَلا الفَلَك الـ ... أعلى ولا النَّيّران: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ ...
لَيَرْحَلَنّ عَن الدنيا، وَإن كَرِها (1) فرَاقها، الثاويان: البَدْو والحَضَرُ ...
__________
(1) في ت، ف، أ: "كرهن".
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)
{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) } . (5/439)
يقول تعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه (1) : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } أي: هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون (2) بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال [الله] (3) تعالى: { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال: 32 ]، { وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ } [ ص: 16 ].
وقوله: { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } أي: الذي قد وَعَد، من إقامة الساعة والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه.
قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاء عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا عمرو، وهل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا. فذكر آية وعيد، فقال له: أمن (4) العجم أنت؟ إن العرب تَعدُ الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، أومَا سمعتَ قول الشاعر (5) :
لا يُرْهِبُ ابنَ العم منى (6) سَطْوَتي ... ولا أخْتَتِي (7) من سَطْوة المُتَهَدّد ...
فإنّي وَإن أوْعَدْتُه أوْ وَعَدْتُه ... لَمُخْلِفُ إيعَادي ومُنْجزُ مَوْعدي ...
وقوله: { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } أي: هو تعالى لا يَعجَل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجَّلَ وأنظَر وأملى؛ ولهذا قال بعد هذا: { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ }
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عَرَفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن
__________
(1) في ف، أ: "عليه وسلامه".
(2) في ت، ف: "الملحدين المكذبين".
(3) زيادة من ف.
(4) في ت، ف، أ: "من".
(5) هو عامر بن الطفيل والبيت في اللسان مادة (ختأ) ، (وعد).
(6) في ت، ف، أ: "والجار".
(7) في ت، ف، أ: "ينثني".
أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمسمائة عام". (5/440)
ورواه الترمذي والنسائي، من حديث الثوري، عن محمد بن عمرو، به (1) . وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير، عن أبي هريرة موقوفا (2) ، فقال:
حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، حدثنا سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن سُمَيْر بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم. قلت: وما نصف يوم؟ قال: أوَما تقرأ القرآن؟ . قلت: بلى. قال: { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } (3) .
وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شُرَيح بن (4) عُبَيد، عن سعد بن أبي وَقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني لأرجو ألا تَعْجِزَ أمتي عند ربها، أن يؤخرهم نصف يوم". قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة (5) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنَان (6) ، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس: { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض.
رواه ابن جرير، عن ابن بَشّار (7) ، عن ابن مهدي (8) . وبه قال مجاهد، وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب "الردّ على الجهمية".
وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: { يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } [ السجدة: 5 ].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم -محمد بن الفضل-حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عَتِيق، عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلمَ قال: إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } ، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع. فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها، في أية لحظة ولدت كان تماما.
__________
(1) سنن الترمذي برقم (2354) وسنن النسائي الكبرى برقم (11348) أي أن النصف يوم خمسمائه عام.
(2) في ت: "مرفوعا".
(3) تفسير الطبري (17/129).
(4) في ت: "عن".
(5) سنن أبي داود برقم (4350).
(6) في ف، أ: "شيبان".
(7) في ت: "يسار".
(8) تفسير الطبري (17/129) .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)
{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51) } . (5/441)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين طلب منه الكفار وُقُوعَ العذاب، واستعجلوه به: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: إنما أرسلني الله إليكم نذيرًا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله، إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، [و] (1) { لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [ الرعد: 41 ] و { إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم، { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حَسَنةٌ على القليل من حسناتهم.
[و] (2) قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: إذا سمعتَ الله تعالى يقول: { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } فهو الجنة.
وقوله: { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } : قال مجاهد: يُثَبّطون الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم. وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين.
وقال ابن عباس: { مُعَاجِزِينَ } : مراغمين.
{ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } : وهي النار الحارة الموجعة الشديد عذابها ونكالها، أجارنا الله منها.
قال الله تعالى: { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ } [ النحل: 88 ].
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) } .
قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغَرَانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظَنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.
__________
(1) زيادة من ف.
(2) زيادة من ت.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبَيْر، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة "النجم" فلما بلغ هذا الموضع: { أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى } قال: فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغَرَانيق العلى. وإن شفاعتهن (1) ترتجى". قالوا: ما ذكر آلهَتنا بخير قبل اليوم. فسجَدَ وسجدوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ] (2) } (5/442)
رواه ابن جرير، عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، به نحوه (3) ، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده، عن يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، الشك في الحديث-أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة "النجم" ، حتى انتهى إلى: { أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى } ، وذكر بقيته. ثم قال البزار: لا (4) يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وإنما يُروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (5) .
ثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي، مرسلا. وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، مرسلا أيضا (6) .
وقال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم [يصلي] (7) عند المقام إذ نَعَس، فألقى الشيطان على لسانه "وإن شفاعتها لترتجى. وإنها لمع الغرانيق العلى"، فحفظها المشركون. وأجرى الشيطان أن نبي الله قد قرأها، فزَلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ [ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى ] (8) } الآية، فدَحَرَ الله الشيطان.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المُسَيَّبِي، حدثنا محمد بن فُلَيْح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان (9) يتمنى هُداهم، فلما أنزل الله سورة
__________
(1) في ت، ف: "شفاعتهم".
(2) زيادة من ف، أ وفي ت: "الآية".
(3) تفسير الطبري (17/133).
(4) في ف، أ: "لا نعلمه".
(5) مسند البزار برقم (2263) "كشف الأستار".
(6) تفسير الطبري (17/131).
(7) زيادة من أ.
(8) زيادة من ف، أ.
(9) في ف: "وكان".
"النجم" قال: { أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى } ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: "وإنهن لهن الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى (1) " . وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا، قد رجع إلى دينه الأول، ودين قومه. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم [آخر النجم] (2) ، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا، فرفع على (3) كفه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما (4) من جماعتهم في السجود، لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين -ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي (5) ألقى الشيطان في مسامع المشركين-فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطانُ في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحُدِّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه (6) من الفرية، وقال [تعالى] (7) : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } ، فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالهم (8) وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم. وهذا أيضًا مرسل. (5/443)
وفي تفسير ابن جرير عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، نحوه (9) . وقد رواه الإمام (10) أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة" فلم يَجُزْ به موسى بن عقبة، ساقه في مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة.
قلت: وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، فالله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القُرَظِيّ، وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما
__________
(1) في أ: "ترجى".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ت، أ: "ملء".
(4) في ت: "الفريقان منهما كلاهما".
(5) في أ: "الذي".
(6) في ت، أ: "وحفظه الله".
(7) زيادة من ف، أ.
(8) في ف: "بضلالتهم".
(9) تفسير الطبري (17/133).
(10) في أ: "الحافظ".