صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير القرآن العظيم |
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)
عباس قال: سأل موسى ربه، عز وجل، فقال (1) : رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال أي رب، أي عبادك أعلم؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى. قال: أي رب هل في أرضك (2) أحد أعلم مني؟ قال: نعم. قال: فمن هو؟ قال الخضر. قال: فأين (3) أطلبه؟ قال على الساحل عند الصخرة، التي ينفلت (4) عندها الحوت. قال: فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم (5) كل واحد منهما على صاحبه. فقال له موسى: إني أريد أن تصحبني (6) قال إنك لن تطيق (7) صحبتي. قال: بلى. قال: فإن صحبتني { فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا } قال: فسار به في البحر (8) حتى انتهى إلى مجمع البحور (9) ، وليس في الأرض (10) مكان أكثر ماء منه. قال: وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل ما رزأ! قال: يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقَدْر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء. وكان موسى قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه، أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر. وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك. (5/182)
{ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) }
يقول تعالى مخبرًا عن موسى وصاحبه، وهو الخضر، أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه ألا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه (11) من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة. وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول -يعني بغير أجرة-تكرمة للخضر. فلما استقلت بهم السفينة في البحر، ولججت أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحًا من ألواحها (12) ثم رقعها. فلم يملك موسى، عليه السلام، نفسه أن قال منكرًا عليه: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } . وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل، كما قال الشاعر (13) لدُوا للْمَوت وابْنُوا للخَرَاب
{ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } قال مجاهد: منكرًا. وقال قتادة عجبًا. فعندها قال له الخضر مذكرا (14) بما تقدم من الشرط: { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } يعني وهذا الصنيع فعلته (15) قصدًا،
__________
(1) في ت، ف، أ: "فقال أي".
(2) في ت ف، أ: "في الأرض".
(3) في ف، أ: "وأين".
(4) في ت، ف: "يتفلت".
(5) في ت: "وسلم".
(6) في ت: "تستصحبنى".
(7) في ت: "تستطيع".
(8) في ت: "فصار في البحر"، وفي ف، أ: "فسار به إلى البحر".
(9) في ف، أ: "البحرين".
(10) في ت: "في البحر".
(11) في ف، أ: "يبتدئ به".
(12) في ت: "ألواح".
(13) هو أبو العتاهية، والبيت في ديوانه (ص46) أ. هـ. مستفادا من ط-الشعب.
(14) في ت: "مذكورا".
(15) في ت: "عملته".
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)
وهو (1) من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر عليّ فيها، لأنك لم تحط بها خبرًا، ولها داخل هو مصلحة ولم تعلمه (2) أنت. (5/183)
{ قَالَ } أي موسى: { لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } أي: لا تضيق عليّ وتُشدد (3) علىّ؛ ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كانت الأولى من موسى نسيانًا".
{ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) }
__________
(1) في ف: "وهي".
(2) في ت: "تعلم".
(3) في ت، ف: "ولا تشدد".
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)
{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) } (5/183)
يقول تعالى: { فَانْطَلَقَا } أي: بعد ذلك، { حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ } وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأوضأهم (1) فقتله، فروي أنه احتز رأسه، وقيل: رضخه بحجر. وفي رواية: اقتطفه بيده. والله أعلم.
فلما شاهد موسى، عليه السلام، هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } (2) أي صغيرة لم تعمل الحنث (3) ، ولا حملت إثمًا بعد، فقتلته؟! { بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي: بغير مستند لقتله { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا } أي: ظاهر النكارة.
{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } فأكد أيضًا في التذكار بالشرط الأول؛ فلهذا قال له موسى: { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا } أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة { فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } أي: قد أعذرت إليّ مرة بعد مرة.
قال ابن جرير: حدثنا عبد الله بن زياد، حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدًا فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث (4) مع صاحبه لأبصر العجب ولكنه قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا" [مثقلة] (5) (6) .
{ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) } .
يقول تعالى مخبرا عنهما: إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين (7) { حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } روى
__________
(1) في ف: "وأضوأهم".
(2) في ت: "زاكية بغير نفس".
(3) في أ: "الخبث".
(4) في ف، أ: "ثبت".
(5) زيادة من ف، أ، والطبري.
(6) تفسير الطبري (15/186) ورواه أبو داود في السنن برقم (3984) من طريق حمزة الزيات به.
(7) في أ: "الأولتين".
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)
ابن جرير (1) عن ابن سيرين أنها الأيلة (2) وفي الحديث: "حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما" (3) أي: بخلاء { فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } إسناد الإرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل. والانقضاض هو: السقوط. (5/184)
وقوله: { فَأَقَامَهُ } أي: فردّه إلى حالة الاستقامة وقد تقدم في الحديث أنه ردّه بيديه، ودعمه حتى رد ميله . وهذا خارق فعند ذلك قال موسى له { لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } (4) أي: لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألا تعمل لهم مجانًا (5)
{ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } [أي: لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك] (6) ، { ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ } أي: بتفسير { مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } .
{ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) } .
هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى، عليه السلام، وما كان أنكر ظاهره وقد أظهر الله الخضر، عليه السلام، على (7) باطنة فقال إن: السفينة (8) إنما خرقتها لأعيبها؛ [لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة { يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ } صالحة، أي: جيدة { غَصْبًا } فأردت أن أعيبها] (9) لأرده عنها لعيبها (10) ، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها. وقد قيل: إنهم أيتام.
و [قد] (11) روى ابن جريج (12) عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي؛ أن اسم ذلك الملك هُدَدَ (13) بن بُدَدَ، وقد تقدم أيضًا في رواية البخاري، وهو مذكور في التوراة في ذرية "العيص بن إسحاق" وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم (14)
{ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) }
قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جَيْسُور. وفي الحديث عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا". رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس، به؛ ولهذا قال: { فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا }
__________
(1) في أ: "جريج".
(2) في ت: "الأيكة".
(3) رواه أحمد في مسنده (5/119) من طريق أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، رضي الله عنهما.
(4) في ت: "اتخذت" وهو خطأ.
(5) في ت: "يعمل مجانا".
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في ت، ف، أ: "على حكمة".
(8) في ت: "فقال له السفينة"، وفي ف: "أما السفينة".
(9) زيادة من ف، أ.
(10) في ت: "لعينها".
(11) زيادة من ف، أ.
(12) في ت: "جرير".
(13) في أ: "هود".
(14) في ف: "فالله أعلم".
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)
أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر. (5/185)
قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد،وحزنا عليه حين قتل،ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض (1) امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه (2) فيما يحب.
وصح في الحديث: "لا يقضي الله للمؤمن قضاء (3) إلا كان خيرًا له". وقال تعالى: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } [البقرة:216] .
وقوله [تعالى] (4) { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا } أي: ولدًا أزكى من هذا، وهما أرحم به منه، قاله ابن جريج.
وقال قتادة: أبر بوالديه.
وقد تقدم أنهما بدلا جارية. وقيل لما قتله الخضر كانت أمه حاملا بغلام مسلم. قاله ابن جريح (5)
{ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) } .
في هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولا { حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } [الكهف:77] وقال هاهنا: { فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ } كما قال تعالى: { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ } [محمد:13]، { وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف:31] يعني: مكة والطائف.
ومعنى الآية: أن هذا الجدار (6) إنما أصلحه (7) لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما.
قال عكرمة، وقتادة، وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما. وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير، رحمه الله.
وقال العوفي عن ابن عباس: كان تحته كنز علم. وكذا قال سعيد بن جبير، وقال مجاهد: صحف فيها علم، وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك، قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله الْيَحْصَبيّ عن عياش (8) بن عباس القتباني (9) عن ابن حُجَيرة (10) ، عن
__________
(1) في ت، ف، أ: "فرضى".
(2) في ف: "من قضائه له".
(3) في أ: "للمؤمنين قضاء".
(4) زيادة من ت.
(5) في ت: "ابن جرير".
(6) في ت: "الجار".
(7) في ف: "أصلحته".
(8) في ت، ف، أ: "عباس".
(9) في أ: "الغسانى".
(10) في هـ: "أبي حجيرة" والصواب ما أثبتناه من مسند البزار.
أبي ذر رضي الله عنه، [رفعه] (1) قال: "إن الكنز الذي ذكر (2) الله في كتابه: لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب (3) ؟ وعجبت لمن ذكر النار لم ضَحِك (4) ؟ وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله" (5) . (5/186)
بشر بن المنذر هذا يقال له: قاضي المصيصة. قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم (6) .
وقد روي في هذا آثار عن السلف، فقال ابن جرير في تفسيره: حدثني يعقوب، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة (7) حدثنا سلمة (8) ، عن نعيم العنبري -وكان من جلساء الحسن-قال: سمعت الحسن -يعني البصري-يقول في قوله: { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا } قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يوقن (9) بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش (10) عن عُمَر (11) مولى غُفْرَة (12) قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا } قال: كان لوحًا من ذهب مُصْمَت مكتوبا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبٌ لمن عرف النار (13) ثم ضحك! عجبٌ (14) لمن أيقن بالقدر ثم نصب! عجب لمن أيقن بالموت ثم أمن! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، حدثنا هَنَّادَة بنت مالك الشيبانية قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى (15) { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا } قال: سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب وعجبت للموقن (16) بالحساب كيف يغفل؟ وعجبت للموقن (17) بالموت كيف يفرح؟ وقد قال تعالى: { وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [الأنبياء:47] قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا.
وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحديث المتقدم وإن صح، لا ينافي قول عكرمة: أنه كان مالا لأنهم ذكروا أنه كان لوحًا من ذهب، وفيه مال جزيل، أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم (18) ، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم.
وقوله: { وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا } فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ.
(2) في ف، أ: "ذكره".
(3) في ف، أ: "ينصب".
(4) في ت، ف: "يضحك"، وفي أ: "ضحك".
(5) مسند البزار برقم (2229) "كشف الأستار" وقد روى موقوفا من طرق عن ابن عباس وعلى، رضي الله عنهما، لكن أسانيدها ضعيفة.
(6) ميزان الاعتدال (2/325).
(7) في ف، أ: :بدنة".
(8) في ت: "مسلم".
(9) في ت، ف: "يؤمن".
(10) في أ، ف: "بن عباس".
(11) في ف: "عن عمرو".
(12) في ف: "عفرة".
(13) في ت: "عجبت لمن عرف الموت".
(14) في ت: "عجبت".
(15) في ف: "عز وجل".
(16) في ت: "للموقف".
(17) في ت: "للموتى".
(18) في ف: "علما".
عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به (1) . قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح، وتقدم أنه كان الأب السابع. [فالله أعلم] (2) (5/187)
وقوله: { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا } : هاهنا أسند الإرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم (3) لا يقدر عليه إلا الله؛ وقال في الغلام: { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ } وقال في السفينة: { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } ، فالله أعلم.
وقوله: { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } أي: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة، إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة، ووالدي الغلام، وولدي الرجل الصالح، { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } لكني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر، عليه السلام، مع ما تقدم من (4) قوله: { فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } .
وقال آخرون: كان رسولا. وقيل بل كان ملكًا. نقله الماوردي في تفسيره.
وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيًا. بل كان وليًا. فالله أعلم.
وذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر بَلْيَا بن مَلْكان بن فالغ بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، عليه السلام (5)
قالوا: وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء الملوك، ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقيًا إلى الآن ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارًا عن السلف وغيرهم وجاء ذكره في بعض الأحاديث. ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها أحاديث (6) التعزية وإسناده ضعيف.
ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ } [الأنبياء:34] وبقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" (7) ، وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ولا حضر عنده، ولا قاتل معه. ولو كان حيا لكان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم] (8) وأصحابه؛ لأنه عليه السلام (9) كان مبعوثًا إلى جميع الثقلين: الجنّ والإنس، وقد قال: "لو كان موسى وعيسى حَيَّيْن ما (10) وسعهما إلا اتباعي" (11) وأخبر قبل موته بقليل: أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تَطْرفُ، إلى غير ذلك من الدلائل.
__________
(1) في ف: "به السنة".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ت: "الحكم".
(4) في ف: "في".
(5) المعارف (ص42).
(6) في ت: "حديث".
(7) رواه مسلم في صحيحه برقم (1763) من حديث عمر، رضي الله عنه.
(8) زيادة من ف، أ.
(9) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(10) في ت، ف: "لما".
(11) ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية في سياقه وعلق عليه الشيخ ناصر الألباني في تخريج الطحاوية بقوله: "كذا الأصل، وكأنه يشير إلى الحديث الذي ذكره شيخه ابن كثير في تفسير سورة الكهف بلفظ: "لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعى". وهو حديث محفوظ، دون ذكر "عيسى" فيه، فإنه منكر عندى لم أره في شيء من طرقه، وهي مخرجة في إراواء الغليل برقم (1589)".
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم [في الخَضر قال] (1) إنما سمي "خضرًا"؛ لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته [تهتز] (2) خضراء" (3) . (5/188)
ورواه أيضًا عن عبد الرزاق. وقد ثبت أيضًا في صحيح البخاري، عن همام، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما سمي الخضِر؛ لأنه جلس على فَرْوَة، فإذا هي تهتز [من خلفه] (4) خضراء" (5)
والمراد بالفروة هاهنا (6) الحشيش اليابس، وهو الهشيم من النبات، قاله عبد الرزاق. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض.
وقوله: { ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعًا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال: { [ مَا لَمْ] تَسْطِعْ } (7) وقبل ذلك كان الإشكال قويًا ثقيلا فقال: { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال تعالى: { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } وهو الصعود إلى أعلاه، { وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } [الكهف:97]، وهو أشق من ذلك، فقابل كلا بما يناسبه لفظًا ومعنى والله أعلم.
فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟
فالجواب: أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى، عليهما السلام. وهذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة (8) ، حدثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه؟ فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال: شرب الفتى من الماء [فخلد، فأخذه] (9) العالم، فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها تموج به إلى يوم القيامة؛ وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب (10)
إسناد ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف.
__________
(1) زيادة من ف، أ، والمسند.
(2) زيادة من ف، أ، والمسند.
(3) المسند (2/312).
(4) زيادة من ف، أ، والبخاري.
(5) صحيح البخاري برقم (3402).
(6) في ت: "ههنا بالفروة".
(7) زيادة من ف.
(8) في ف: "مسلم".
(9) زيادة من ف، أ، والطبري، وفي هـ: "فحار".
(10) تفسير الطبري (15/182).
وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83)
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) } (5/189)
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)
{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) } . (5/189)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَيَسْأَلُونَكَ } يا محمد { عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ } أي: عن خبره. وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون (1) منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف.
وقد أورد ابن جرير هاهنا، والأموي في مغازيه، حديثا أسنده وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر، أن نفرًا من اليهود جاؤوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاؤوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به: "أنه كان شابا (2) من الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك في السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقوامًا وجوههم مثل وجوه الكلاب". وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل. والعجب أن أبا زُرْعَة الرازي، مع جلالة قدره، ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة، وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني ابن فيليبس المقدوني، الذي تؤرخ به الروم، فأما الأول فقد ذكره الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل، عليه السلام، أول ما بناه وآمن به واتبعه، وكان معه (3) الخضر، عليه السلام، وأما الثاني فهو، إسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم. وهو الذي تؤرخ به من مملكته ملة الروم. وقد كان قبل المسيح، عليه السلام، بنحو من ثلثمائة سنة، فأما الأول المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل، كما ذكره الأزرقي وغيره، وأنه طاف مع الخليل بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم، عليه السلام، وقرب إلى الله قربانًا، وقد ذكرنا طرفًا (4) من أخباره في كتاب "البداية والنهاية" (5) ، بما فيه كفاية ولله الحمد.
وقال وهب بن منبه: كان ملكًا، وإنما سمي ذا القرنين لأن؛ صفحتي رأسه كانتا من نحاس، قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين، وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل قال: سئل علي، رضي الله عنه، عن ذي القرنين، فقال: كان عبدًا ناصحَ الله فناصَحَه، دعا قومه إلى الله فضربوه (6) على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين.
وكذا رواه شعبة، عن القاسم بن أبي بَزَّة عن أبي الطفيل، سمع عليًا يقول ذلك.
ويقال: إنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ المشارق والمغارب، من حيث يطلع (7) قرن الشمس ويغرب.
وقوله { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ } أي: أعطيناه ملكًا عظيمًا متمكنًا، فيه له من جميع ما يؤتى (8) الملوك، من التمكين والجنود (9) ، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم، من العرب والعجم؛ ولهذا ذكر
__________
(1) في ت: "يسألونك".
(2) في ت: "ماشيا".
(3) في أ: "وكان وزيره".
(4) في ف، أ: "طرفا صالحا".
(5) البداية والنهاية (2/95).
(6) في ت، ف، أ: "فضرب".
(7) في ت، ف: "تطلع".
(8) في ف: "تؤتى".
(9) في ف: "من الجنود والتمكن".
بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها. (5/190)
وقوله: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا } : قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علمًا.
وقال قتادة أيضًا في قوله: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا } قال: منازل الأرض وأعلامها.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا } قال: تعليم الألسنة، كان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم.
وقال ابن لَهيعة: حدثني سالم بن غَيْلان، عن سعيد بن أبي هلال؛ أن معاوية بن أبي سفيان قال (1) لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك، فإن الله تعالى قال: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا } .
وهذا الذي أنكره معاوية، رضي الله عنه، على كعب الأحبار هو الصواب (2) ، والحق مع معاوية في الإنكار؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب: "إن كنا لنبلو (3) عليه الكذب" يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحيفته (4) ، ولكن الشأن في صحيفته (5) ، أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق (6) ولا حاجة لنا مع خبر الله ورسول الله [صلى الله عليه وسلم] (7) إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير (8) وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا } واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحيفته من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي (9) في أسباب السموات. وقد قال الله في حق بلقيس: { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } [النمل: 23] أي: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب، أي: الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرَّسَاتيق والبلاد والأراضي وكسر الأعداء، وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك. قد أوتي من كل شيء مما (10) يحتاج إليه مثله سببًا، والله أعلم.
وفي "المختارة" للحافظ الضياء المقدسي، من طريق قتيبة، عن أبي عوانة عن سماك بن حرب، عن حبيب بن حماز (11) قال: كنت عند علي، رضي الله عنه، وسأله رجل عن ذي القرنين: كيف بلغ المشارق والمغارب؟ فقال سبحان الله سخر له السحاب، وقَدَّر له الأسباب، وبسط له اليد (12) .
__________
(1) في ت: "يقول".
(2) في أ: "الطنوب".
(3) في أ: "لنتلو".
(4) في ف، أ: "صحفه".
(5) في ف، أ: "صحفه".
(6) في أ: "مخلق".
(7) زيادة من ف، أ.
(8) في ت: "كبير".
(9) في ف: "الرقى".
(10) في أ: "ما".
(11) في ت، ف، أ: "حماد".
(12) المختارة برقم (409).
فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)
{ فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) } . (5/191)
قال ابن عباس: { فَأَتْبَعَ سَبَبًا } يعني: بالسبب المنزل] (1) . وقال مجاهد: { فَأَتْبَعَ سَبَبًا } : منزلا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب.
وفي رواية عن مجاهد: { سَبَبًا } قال: طريقا في (2) الأرض.
وقال قتادة: أي أتبع منازل الأرض ومعالمها (3) .
وقال الضحاك: { فَأَتْبَعَ سَبَبًا } أي: المنازل (4) .
وقال سعيد بن جبير في قوله: { فَأَتْبَعَ سَبَبًا } قال: علمًا. وهكذا قال عكرمة وعبيد بن يعلى، والسدي.
وقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك.
وقوله: { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ } أي: فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له. وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق (5) زنادقتهم وكذبهم (6)
وقوله: { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه (7) .
والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين (8) من "الحمأة" وهو الطين، كما قال تعالى: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } [الحجر: 28] أي: طين أملس (9) . وقد تقدم بيانه.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب (10) حدثنى نافع بن أبي نعيم، سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول: كان ابن عباس يقول (11) { فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ثم فسرها: ذات حمأة. قال نافع: وسئل عنها كعب الأحبار فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء (12) .
وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وغير واحد.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن دينار، عن سعد (13) بن أوس، عن مِصْدَع، عن ابن
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في هـ، ت، ف: "طرفي"، والمثبت من الطبري،أ.
(3) في ت: "ومغاربها".
(4) في ت: "المنزل".
(5) في ت: "واختلاف".
(6) في ف: "وكذبتهم".
(7) في ت: "يفارقه".
(8) في ت: "على أحد الروايتين".
(9) في ت: "إبليس".
(10) في ت: "حدثنا وهب".
(11) في ف، أ: "يقرأ".
(12) تفسير الطبري (16/10).
(13) في ت: "سعيد".
عباس، عن أبيّ بن كعب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه { حَمِئَةٍ } (1) (5/192)
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "وجدها تغرب في عين حامية" يعني: حارة. وكذا قال الحسن البصري.
وقال ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان وأيهما قرأ القارئ فهو مصيب (2) .
قلت: ولا منافاة بين معنييهما، إذ قد تكون حارة لمجاورتها وَهْج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل و { حَمِئَةٍ } في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا (3) العوام، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت، فقال: "في نار الله الحامية [في نار الله الحامية] (4) ، لولا ما يزعها من أمر الله، لأحرقت ما على الأرض".
قلت: ورواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون (5) . وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو، من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا محمد -يعني ابن بشر-حدثنا عمرو بن ميمون، أنبأنا ابن حاضر، أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف "تغرب في عين حامية" قال ابن عباس لمعاوية ما نقرؤها (6) إلا { حَمِئَةٍ } فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها: فقال عبد الله: كما قرأتها. قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن؟ فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ [فقال له كعب: سل أهل العربية، فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة] (7) في ماء وطين. وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن حاضر: لو أني عندكما أفدتك (8) بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة. قال ابن عباس: وإذًا ما هو؟ قلت: فيما يؤثر من قول تُبَّع، فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه:
بَلَغَ المشَارقَ والمغَارِبَ يَبْتَغِي أسْبَابَ أمْرٍ مِنْ (9) حَكِيمٍ مُرْشِد
فَرَأى مَغِيبَ (10) الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبها ... فِي عَيْنِ ذِي خُلب وَثأط (11) حَرْمَدِ (12) (13)
قال (14) ابن عباس: ما الخُلَب؟ قلت: الطين بكلامهم. [يعنى بكلام حمير] (15) . قال: ما الثاط؟
__________
(1) مسند الطيالسى برقم (536).
(2) في ت: "المصيب".
(3) في ت: "حدثنا".
(4) زيادة من ف، أ، والطبري.
(5) المسند (2/207).
(6) في ت: "تقرأها".
(7) زيادة من ف، أ، والطبري.
(8) في أ: "لأفدتك".
(9) في ت: "من أمر".
(10) في ت أ: "فوجد مغاب". وفي ف: "فرأى مغاب".
(11) في أ: "وأناط".
(12) في ت: "وقاص"، وفي ف: "وناط".
(13) البيتان في لسان العرب، مادة (ثأط) وهما لأمية بن أبي الصلت.
(14) في ف: "فقال".
(15) زيادة من ت، ف.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)
قلت: الحمأة. قال: فما الحرْمَد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا ابن عباس رجلا أو غلامًا فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل. (5/193)
وقال سعيد بن جبير: بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ: { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } فقال كعب: والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحدًا يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة: تغرب في مدرة سوداء.
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف قال: في تفسير ابن جريج { وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا } قال: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا أصوات أهلها لسمع الناس وُجُوب الشمس حين تجب.
وقوله: { وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا } أي: أمة من الأمم، ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم.
وقوله: { قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا } معنى هذا: أن الله تعالى مكنه منهم (1) وحكمه فيهم، وأظفره بهم (2) وخيره: إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى (3) . فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه (4)
في قوله: { أَمَّا مَنْ ظَلَمَ } أي: من استمر على كفره وشركه بربه { فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } قال قتادة: بالقتل: وقال السدي: كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها (5) حتى يذوبوا. وقال وهب بن منبه: كان يسلط الظلمة، فتدخل أفوافهم وبيوتهم، وتغشاهم من جميع جهاتهم والله أعلم.
وقوله: (6) { ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا } أي: شديدًا بليغًا وجيعًا أليمًا. وفيه (7) إثبات المعاد والجزاء.
وقوله: { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ } أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له { فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى } أي: في الدار الآخرة عند الله، عز وجل، { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا } قال مجاهد: معروفًا.
{ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) } .
يقول: ثم سلك طريقًا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها (8) ، وكان كلما مرّ بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله عز وجل، فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم، واستباح أموالهم، وأمتعتهم واستخدم من كل أمة ما يستعين به مع جيوشه على أهل (9) الإقليم المتاخم لهم. وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفا وستمائة سنة يجوب (10) الأرض طولها والعرض (11) حتى بلغ المشارق والمغارب. ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله تعالى: { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ }
__________
(1) في ت: "فيهم".
(2) في ت: "وأظفره عليهم"، وفي ف، أ: "وأظهره عليهم".
(3) في ف، أ: "وافتدى".
(4) في ت: "وثباته".
(5) في ف: "فيه".
(6) في ت: "فقوله".
(7) في أ: "زفي هذا".
(8) في ت: "من مطلع الشمس إلى مغربها".
(9) في أ: "قتال".
(10) في ف، أ: "يخرب".
(11) في ف، أ: "طولها وعرضها".
أي: أمة { لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا } أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس. (5/194)
قال سعيد بن جبير: كانوا حُمرًا قصارًا، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل (1) بن أبي الصلت، سمعت الحسن وسئل عن قوله تعالى: { لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا } قال: إن أرضهم (2) لا تحمل البناء فإذا طلعت الشمس تغوروا (3) في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم. قال (4) الحسن: هذا حديث سمرة (5) .
وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئًا، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت (6) الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم.
وعن سلمة بن كُهَيْل أنه قال: ليس لهم أكنان، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان يفترش إحداهما (7) ويلبس الأخرى.
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا } قال: هم الزنج (8) .
وقال ابن جريج في قوله: { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا } قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابًا لهم (9) حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها (10) جبل، جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها. قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيفُ جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض.
وقوله: { كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا } قال مجاهد، والسدي: علمًا، أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض، فإنه تعالى: { لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ } [آل عمران: 5]
__________
(1) في أ: "سهيل".
(2) في ت: "أرضيكم".
(3) في ت: "فقعدوا"، وفي أ: "يغوروا".
(4) في ت، ف: "فقال".
(5) ورواه الطبري في تفسيره (16/12) من طريق إبراهيم بن المستمر، عن أبي داود به.
(6) في ت: "غربت".
(7) في ف، أ: "واحدة".
(8) تفسير عبد الرزاق (1/346).
(9) في ت: "أسرابا بهم".
(10) في أ: "بها".
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)
{ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) } (5/195)
يقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين: { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } أي: ثم سلك طريقًا من مشارق الأرض. { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } وهما جبلان متناوحان بينهما ثُغْرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم، عليه السلام، كما ثبت في الصحيحين: "إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بَعْثَ النار. فيقول: وما بَعْثُ النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة؟ فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فيقال: إن فيكم أمّتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج" (1) .
وقد حكى النووي (2) ، رحمه الله، في شرح "مسلم" عن بعض الناس: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك (3) فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء. وهذا قول غريب جدًا، [ثم] (4) لا دليل عليه لا من عقل ولا [من] (5) نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث (6) المفتعلة، والله أعلم.
وفي مسند (7) الإمام أحمد، عن سَمُرَة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَلَدُ نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك" (8) . قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، قال: [إنما (9) سموا هؤلاء تركًا؛ لأنهم تركوا من وراء السد من (10) هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة (11) . وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلا عجيبًا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، [وطولهم] (12) وقصر بعضهم، وآذانهم (13) . وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح (14) أسانيدها، والله أعلم.
وقوله: { وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا } [أي] (15) : لاستعجام كلامهم وبعدهم
__________
(1) صحيح البخاري برقم (6530) وصحيح مسلم برقم (222) من حديث أبي سعيد، رضي الله عنه.
(2) في أ: "النواوي".
(3) شرح النووي (3/97).
(4) زيادة من ف، أ.
(5) زيادة من ت، ف.
(6) في ت: "من الأكاذيب".
(7) في ف، أ: "المسند".
(8) المسند (5/9).
(9) في أ: "وإنما".
(10) في أ: "فمن".
(11) في أ: "وجرأة".
(12) زيادة من ف، أ.
(13) تفسير الطبري (16/14).
(14) في ف، أ: "لا يصح".
(15) زيادة من ف، أ.
عن الناس. (5/196)
{ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا } قال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: أجرًا عظيمًا، يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سدًا. فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: { مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ } أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين (1) خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان عليه السلام: { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } [النمل: 36] وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني { بِقُوَّةٍ } أي: بعملكم وآلات البناء، { أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ } والزبر: جمع زُبْرَة، وهي القطعة منه، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وهي كاللبنة (2) ، يقال: كل لبنة [زنة] (3) قنطار بالدمشقي، أو تزيد عليه.
{ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ } أي: وضع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولا وعرضًا. واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال. { قَالَ انْفُخُوا } أي: أجج (4) عليه النار حتى صار كله نارًا، { قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا } قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسُّدي: هو النحاس. وزاد بعضهم: المذاب. ويستشهد بقوله تعالى: { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ } [سبأ: 12] ولهذا يشبه (5) بالبرد المحبر.
قال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا رسول الله، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: "انعته لي" قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء. وطريقة حمراء. قال: "قد رأيته". هذا حديث مرسل. (6)
وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه، ووجه (7) معه جيشًا سرية، لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا. فتوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن مُلْك إلى مُلْك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه (8) أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك. وأن عنده حرسًا (9) من الملوك المتاخمة له، وأنه منيف عال (10) ، شاهق، لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال. ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين،
__________
(1) في أ: "والتمكن".
(2) في أ: "اللبنة".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ف: "أججوا".
(5) في أ: "شبه".
(6) وقد روي موصولا من طرق: فرواه ابن مردويه في تفسيره كما في تخريج الكشاف (2/312) من طريق أبي الجماهر -سعيد بن بشير- عن قتادة، عن رجل، عن أبي بكرة الثقفى: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى قد رأيته، فذكر نحوه. ورواه البزار في مسنده كما في تخريج الكشاف (2/313) من طريق عبد الملك بن أبي نعامة عن يوسف بن أبي مريم، عن أبي بكرة بنحوه مطولا. ورواه ابن مردويه أيضا من طريق سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.
(7) في ف، أ: "وجهز".
(8) في ت: "وعلى".
(9) في ف، أ: "سرحا".
(10) في ت، ف، أ: "عال منيف".
فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)
وشاهدوا أهوالا وعجائب. (5/197)
ثم قال الله تعالى:
{ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) }
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)
{ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) } . (5/197)
يقول تعالى مخبرًا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا (1) فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله. ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلا بما يناسبه فقال: { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } وهذا دليل على أنهم لم (2) يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد:
حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس (3) [حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس] (4) قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله. ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته (5) حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون (6) على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، [فترجع وعليها هيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء] (7) . فيبعث الله عليهم نغفا (8) في أقفائهم، فيقتلهم بها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن، وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم" (9) .
ورواه أحمد أيضًا عن حسن -هو ابن موسى الأشيب-عن سفيان، عن قتادة، به (10) . وكذا رواه (11) ابن ماجه، عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة قال: حدث رافع. وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عوانة، عن قتادة (12) . ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
__________
(1) في ف، أ: "يصعدوا من".
(2) في ت: "لا".
(3) في أ: "على النار".
(4) زيادة من ف، أ، والمسند.
(5) في أ: "كهيئة".
(6) في ت: "ويخرجونهم".
(7) زيادة من ف، أ، والمسند.
(8) في أ: "نغيفا".
(9) المسند (2/510).
(10) المسند (2/511).
(11) في أ: "رواه الإمام".
(12) سنن ابن ماجة برقم (4080) وسنن الترمذي برقم (3153).
وهذا إسناده قوي، ولكن في (1) رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته. ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه (2) إلا القليل، فيقولون: غدًا نفتحه. فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه (3) إلا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه. ويلهمون أن يقولوا: "إن شاء الله"، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه. وهذا مُتَّجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب. فإنه كثيرًا ما كان يجالسه (4) ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم (5) بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم. (5/198)
ويؤكد ما قلناه (6) -من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع-قول الإمام أحمد:
حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن [زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة، عن] (7) زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم -قال سفيان: أربع نسوة-قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه. وهو محمر وجهه، وهو يقول: "لا إله إلا الله! ويل للعرب (8) من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا". وحَلَّق. قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث".
هذا حديث صحيح، اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، من حديث الزهري (9) ، ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة، وأثبتها مسلم. وفيه أشياء (10) عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة (11) الإسناد، منها رواية الزهري عن عروة، وهما تابعيان ومنها (12) اجتماع أربع نسوة في سنده، كلهن يروي بعضهن عن بعض. ثم كل منهن صحابية (13) ، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان، رضي الله عنهن.
وقد روي نحو هذا عن أبي هريرة أيضًا، فقال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا مُؤمَّل بن إسماعيل، حدثنا وهيب (14) ، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا" وعقد التسعين. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب (15) ، به (16) .
__________
(1) في ف ، أ : "ولكن متنه في" .
(2) في ف: "فيه".
(3) في ف، أ: "فيه".
(4) في ت: "كان كثيرا ما يجالسه".
(5) في ت: "فيقرهم".
(6) في أ: "قلنا".
(7) زيادة من ف، أ، والمسند.
(8) في ت: "للغريب".
(9) المسند (6/428) وصحيح البخاري برقم (7135) وصحيح مسلم برقم (2880).
(10) في أ: "منهم صاحبيه".
(11) في ت: "صياغة".
(12) في أ: "وفيما".
(13) في أ: "منهم صاحبية".
(14) في ت: "وهب".
(15) في ت: "وهب".
(16) صحيح البخاري برقم (7136) وصحيح مسلم برقم (2881).
وقوله: { قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي } أي: لما بناه ذو القرنين { قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي } أي: بالناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من العيث (1) في الأرض والفساد. { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي } أي: إذا اقترب الوعد الحق { جَعَلَهُ دَكَّاءَ } أي: ساواه (2) بالأرض. تقول العرب: ناقة دكاء: إذا كان ظهرها مستويًا لا سنام لها. وقال تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } [الأعراف: 143] أي: مساويًا للأرض (3) . (5/199)
وقال عكرمة في قوله: { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ } قال: طريقًا كما كان.
{ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا } أي: كائنًا لا محالة.
وقوله: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ [ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ] } (4) أي: الناس يومئذ أي: يوم يدك (5) هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } قال: ذاك حين يخرجون على الناس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه [إن شاء الله تعالى] (6) عند قوله: { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ } [الأنبياْ: 96 ، 97] وهكذا قال هاهنا: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } قال ابن زيد في قوله: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } قال: هذا أول يوم القيامة، { وَنُفِخَ (7) فِي الصُّورِ } على أثر ذلك { فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } .
وقال آخرون: بل المراد بقوله: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } أي: يوم القيامة يختلط الإنس والجن.
وروى ابن جرير، عن محمد بن حميد، عن يعقوب القمي (8) عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة (9) في قوله: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } قال: إذا ماج الإنس والجن قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر. فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد بطنوا (10) الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة بطنوا (11) الأرض فيقول: "ما من محيص". ثم يظعن يمينًا وشمالا إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة بطنوا (12) الأرض فيقول: "ما من محيص" فبينما هو كذلك، إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازنًا من خزان النار، فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟! ألم تكن في الجنان؟! فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض عليّ فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من
__________
(1) في أ: "العبث".
(2) في ت، أ: "واساه".
(3) في ت: "الأرض".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ت: "بذكر".
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في ت: "ينفخ".
(8) في أ: "العمى".
(9) في أ: "قرارة".
(10) في أ: "قد تطبقوا".
(11) في أ: "قد تطبقوا".
(12) في أ: "قد تطبقوا".
خلقه. فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة. فيقول: ما هي؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النار. فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه فيقذفهم في النار. فتزفر النار (1) زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مُرسل إلا جثا لركبتيه (2) (5/200)
وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. رواه من وجه آخر عن يعقوب، عن هارون عن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } قال: الجن الإنس، يموج بعضهم في بعض.
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني (3) ، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتايس (4) ومنسك". (5) هذا حديث غريب بل منكر ضعيف.
وروى النسائي من حديث شعبة عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعًا: "إن يأجوج ومأجوج لهم نساء، يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا" (6)
وقوله: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } : والصور كما جاء في الحديث: "قرن ينفخ" فيه والذي ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام، كما قد تقدم في الحديث بطوله، والأحاديث فيه كثيرة.
وفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعًا: "كيف أنعم، وصاحب القَرْن قد التقم القَرْن، وحنى جبهته واستمع متى يؤمر". قالوا: كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا" (7)
وقوله { فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } أي: أحضرنا الجميع للحساب { قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } [الواقعة: 49 ، 50]، { وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا } [الكهف: 47]
__________
(1) في أ: "جهنم".
(2) تفسير الطبري (16/23).
(3) في ف، أ: "الأصبهاني".
(4) في ت، ف: "تاريس".
(5) الحديث في مسند الطيالسى برقم (2282) وقال الهيثمي في المجمع (8 / 6): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات".
تنبيه: وقع في مجمع الزوائد "تاول وتاريس ومنسك" وعند الطسالسى "تاويل وتاريس وتارليس ومنسك" وفي المطالب العالية "تاويل وتاريس وناسك".
(6) سنن النسائي الكبرى برقم (11334).
(7) رواه الترمذي في السنن برقم (2431) وقال: "هذا حديث حسن".
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)
{ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نزلا (102) } (5/201)
يقول تعالى مخبرًا عما يفعله بالكفار يوم القيامة: أنه يعرض عليهم جهنم، أي: يبرزها لهم ويظهرها، ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم.
وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زِمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك [يجرونها] (1) (2)
ثم قال مخبرًا عنهم: { الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي } أي: تعاموا وتغافلوا وتصاموا (3) عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال تعالى: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف: 36] وقال هاهنا: { وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا } أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه.
ثم قال { أَفَحَسِبَ (4) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ } أي: اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك، وينتفعون بذلك؟ { كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } [مريم: 82] ؛ ولهذا أخبر أنه قد أعدّ لهم جهنم يوم القيامة منزلا.
{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } .
قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عَمْرو، عن مُصْعَب قال: سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص-: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا } أهم الحَرُورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى كفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد رضي الله عنه، يسميهم الفاسقين (5) .
__________
(1) زيادة من ف، أ، ومسلم.
(2) صحيح مسلم برقم (2842).
(3) في أ: "تصامموا".
(4) في ت: "أفحسبتم" وهو خطأ.
(5) صحيح البخاري برقم (4728).
وقال علي بن أبي طالب (1) والضحاك، وغير واحد: هم الحرورية. (5/202)
ومعنى هذا عن علي، رضي الله عنه: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء (2) بل هي أعم من هذا؛ فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل (3) وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود، كما قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً } [الغاشية: 2-4] وقوله (4) تعالى: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } [الفرقان: 23] وقال تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } [النور: 39] .
وقال في هذه الآية الكريمة: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ } أي: نخبركم { بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا } ؟ ثم فسرهم فقال: { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } أي" يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون.
وقوله: { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ } أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته، وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، { فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } أي: لا نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير (5) .
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني أبو الزَّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين (6) يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة" وقال: "اقرؤوا إن شئتم: { فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } .
وعن يحيى بن بُكَيْر، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، مثله (7) .
هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقا (8) . وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بكير، به (9) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التَّوْأمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها". قال: وقرأ: { فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا }
وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي الصلت، عن أبي الزناد، عن صالح مولى
__________
(1) في ت: "طلحة".
(2) في أ: "هو".
(3) في ت: "وقيل".
(4) في ت، ف، أ: "وقال".
(5) في ت: "من الخير".
(6) في ت: "السمين العظيم".
(7) صحيح البخاري برقم (4729).
(8) في ت: "مغلقا".
(9) صحيح مسلم برقم (2785).
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)
التوأمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، مرفوعًا (1) فذكره بلفظ البخاري سواء. (5/203)
وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عُمَارة (2) حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له. فلما قام على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا بريدة، هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنًا" (3) .
ثم قال: تفرّد به واصل مولى أبي عنبسة (4) وعون (5) بن عُمَارة (6) وليس بالحافظ، ولم يتابع عليه. وقد قال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر (7) عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا: { فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } (8) .
وقوله: { ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا } أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم، بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوًا، استهزءوا بهم، وكذبوهم أشد التكذيب.
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نزلا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا (108) }
يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فيما جاؤوا به بأن لهم جنات الفردوس.
قال مجاهد: الفردوس هو: البستان بالرومية.
وقال كعب، والسدي، والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب.
وقال أبو أمامة (9) الفردوس: سرة (10) الجنة.
وقال قتادة: الفردوس: ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها.
وقد روي هذا مرفوعًا من حديث سعيد بن بشير (11) ، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الفردوس (12) ربوة الجنة، أوسطها وأحسنها" (13)
__________
(1) تفسير الطبري (16/29).
(2) في ت: "عامر".
(3) مسند البزار برقم (2956) "كشف الأستار".
(4) في ت: "مولى عن عبيد"، وفي ف، أ: "مولى أبي عيينة".
(5) في ف، أ: "وعنه عون".
(6) في ت: "عامر".
(7) في ت: "سمرة".
(8) تفسير الطبري (16/29)" .
(9) في ت: "أسامة".
(10) في ت: "شجرة".
(11) في ف، أ: "بشر".
(12) في ت: "والفردوس".
(13) رواه الطبراني في المعجم الكبير (7/213) من طريق أبى الجماهر، عن سعيد بن بشير به.
قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)
وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا. وروي عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه. وقد نقله (1) ابن جرير، رحمه الله (2) (5/204)
وفي الصحيحين: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط (3) الجنة، ومنه تُفَجَّرُ أنهار الجنة" (4)
وقوله: { نزلا } أي ضيافة، فإن النزل هو الضيافة.
وقوله: { خَالِدِينَ فِيهَا } أي: مقيمين ساكنين (5) فيها، لا يظعنون عنها أبدًا، { لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا } أي: لا يختارون (6) غيرها، ولا يحبون سواها، كما قال الشاعر (7)
فَحَّلْت سُوَيدا القَلْب لا أنَا بَاغيًا ... سواها ولا عَنْ حُبّها أتَحوّلُ ...
وفي قوله: { لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا } تنبيه على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم (8) فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا انتقالا ولا ظعنًا (9) ولا رحلة (10) ولا بدلا (11)
{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) } .
يقول تعالى: قل يا محمد: لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي تكتب (12) به كلمات ربى وحكمه وآياته الدالة (13) عليه، { لَنَفِدَ الْبَحْرُ } أي: [لفرغ البحر] (14) قبل أن يفرغ من كتابة ذلك { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ } أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جرا، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [لقمان: 27].
قال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور (15) كلها، وقد أنزل الله ذلك: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } .
__________
(1) في أ: "ذكر ذلك كله".
(2) تفسير الطبري (16/30) ورواه الترمذي في السنن برقم (3174) من طريق روح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، رضي الله عنه، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(3) في ت: "وأوسطه".
(4) صحيح البخاري برقم (7423).
(5) في ف، أ: "ماكثين".
(6) في ت: "لا تختارون".
(7) هو النابغة الجعدي، والبيت في مغني اللبيب (ص265) أ. هـ مستفادا من حاشية ط - الشعب.
(8) في أ: "أنه قد توهم".
(9) في ت: "ضعفا".
(10) في أ: "رحيله".
(11) في ت، ف، أ: "بديلا".
(12) في ف: "يكتب".
(13) في ت، ف، أ: "والدلالات".
(14) زيادة من ت، ف، أ.
(15) في ت: "البحر".
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)
يقول: لو كان البحر مدادا [لكلمات الله] (1) ، والشجر كله أقلام (2) ، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول (3) ، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة (4) ، كحبة من خردل في خلال الأرض [كلها] (5) . (5/205)
{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) } .
روى الطبراني من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان أنه قال: هذه آخر آية أنزلت (6) .
يقول لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (7) : { قُلْ } لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } فمن زعم (8) أني كاذب، فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما (9) أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق (10) في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه، وأنا أخبركم { أَنَّمَا إِلَهُكُمْ } الذي أدعوكم إلى عبادته، { إِلَهٌ وَاحِدٌ } لا شريك له، { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ } أي: ثوابه وجزاءه الصالح، { فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا } ، ما كان موافقًا لشرع الله { وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل. لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابُا (11) على شريعة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] (12) . وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن طاوس قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني. فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا. حتى نزلت هذه الآية: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } .
وهكذا أرسل هذا مجاهد، وغير واحد.
وقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم، عن شَهْر بن حَوْشَب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلا يصلي، يبتغي وجه الله، ويحب أن يُحْمَد، ويصوم ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: "أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك (13) فهو له كله، لا حاجة لي فيه". (14)
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في أ: "والشجر أقلام كلها".
(3) في ت، أ: "يقول".
(4) في أ: "الجنة".
(5) زيادة من ت، ف، أ.
(6) المعجم الكبير (19/392) وقال الهيثمي في المجمع (7/14): "رجاله ثقات".
(7) في ت، ف، أ: "صلوات الله وسلامة عليه".
(8) في ف، أ: "يزعم".
(9) في أ: "مما".
(10) في ت، أ: "المطابق".
(11) في ت :"صوابا حالصا له".
(12) زيادة من ف، أ.
(13) في أ: "شرك".
(14) تفسير الطبري (16/32).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبيت عنده، تكون (1) له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا. فكثر المحتسبون (2) وأهل النُّوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذه النجوى؟ [ألم أنهكم عن النجوى] (3) . قال: فقلنا: تبنا إلى الله، أي نبيّ الله، إنما كنا في ذكر المسيح، وفرقنا منه، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟" قال: قلنا: بلى. قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل" . (4) (5/206)
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابن بَهْرَام-قال: قال شَهْر بن حَوْشَب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى، والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان (5) أن تريا الرجل من ثبج المسلمين -يعني من وسط-قرأ القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبدأه، وأحل حلاله وحرم (6) حرامه، ونزل عند منازله، لا يَحُورُ فيكم إلا كما يَحُور (7) رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس، رضي الله عنه، وعوف بن مالك، فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من الشهوة الخفية والشرك". فقال عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء: اللهم غفرًا. أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. وأما الشهوة الخفية (8) فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، [أو تصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم، والله إنه من صلى لرجل أو صام له] (9) أو تصدق له، لقد أشرك. فقال شداد: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقول] (10) : من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك؟" فقال (11) عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عن ذلك: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن [حَشْده] (12) عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني" (13) .
طريق [أخرى] (14) لبعضه: قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نُسيّ، عن شداد بن أوس، رضي الله عنه، أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله [فذكرته] (15) فأبكاني، سمعت رسول الله يقول: "أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية". قلت: يا رسول الله، أتشرك أمتك [من بعدك؟] (16) قال: "نعم،
__________
(1) في ت، ف: "تأذن"، وفي أ: "نأذن".
(2) في أ: "المجسسون".
(3) زيادة من ف، أ، والمسند.
(4) المسند (3/30) وفي إسناده ربيح بن عبد الرحمن قال أحمد: ليس بمعروف، وقال البخاري: منكر الحديث.
(5) في أ: "ليوشكان".
(6) في ت: "فحرم".
(7) في ت، ف، أ: "لايجوز منكم إلا كما يجوز".
(8) في أ: "حفية".
(9) زيادة من ف، أ، والمسند.
(10) زيادة من ف، أ، والمسند.
(11) في ف، أ: "قال".
(12) زيادة من ف، أ.
(13) المسند (4/125).
(14) زيادة من ف، أ.
(15) زيادة من ف، أ.
(16) زيادة من ف، أ.
أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائمًا فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه (1) . (5/207)
ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذَكْوَان، عن عبادة بن نُسيّ، به (2) . وعبادة فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر.
حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين (3) بن عليّ بن جعفر الأحمر، حدثنا عليّ بن ثابت، حدثنا قيس بن (4) أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك، من (5) أشرك بي أحدًا فهو له كله".
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يرويه عن ربه، عز وجل، أنه قال: "أنا خير الشركاء، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك". تفرّد به من هذا الوجه (6) .
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا لَيْث، عن يزيد -يعني ابن الهاد-عن عمرو، عن محمود بن لبيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" (7)
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر (8) أخبرنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر-أخبرني أبي، عن زياد بن ميناء، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري -وكان من الصحابة-أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك".
وأخرجه الترمذي وابن ماجه، [من حديث محمد بن] (9) بكر (10) وهو البُرساني، به (11)
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي -يعني عبد العزيز بن أبي بكرة (12) -عن أبي بكرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به" (13) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد
__________
(1) في أ: "صيامه".
(2) المسند (4/123) وسنن ابن ماجة برقم (4305).
(3) في ف، أ: "الحسن".
(4) في أ: "عن".
(5) في أ: "فمن".
(6) المسند (2/301) ورواه ابن خزيمة في صحيحة برقم (938) من طريق محمد بن جعفر به.
(7) المسند (5/428) وقال الهيثمي في المجمع (1/102): "رجاله رجال الصحيح".
(8) في ف، أ: "بكير".
(9) زيادة من ف، أ.
(10) في ف، أ: بكير".
(11) المسند (4/215) وسنن الترمذي برقم (3154) وسنن ابن ماجة برقم (4203).
(12) في ف، أ: "بكر".
(13) المسند (5/45).
الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به" (1) . (5/208)
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت رجلا في بيت أبي عبيدة؛ أنه سمع (2) عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر (3) ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سَمَّع الناس بعمله سَمَّع الله به، سامع خلقه وصغره وحقره" [قال] (4) : فذرفت عينا عبد الله (5) .
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله، عز وجل، يوم القيامة في صحف مختومة (6) ، فيقول الله: ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب، والله ما رأينا منه إلا خيرًا. فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي".
ثم قال الحارث بن غسان: روى عنه جماعة وهو بصري ليس به بأس (7)
وقال ابن وهب: حدثني يزيد بن عياض، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله (8) بن قيس الخزاعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قام رياء وسمعة، لم يزل (9) في مقت الله حتى يجلس". (10)
وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عوف (11) بن مالك، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك (12) استهانة استهان بها ربه، عز وجل". (13)
وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش (14) ، حدثنا عمرو بن قيس الكندي؛ أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. (15)
وهذا
__________
(1) المسند (3/40).
(2) في أ: "ليسمع".
(3) في أ: "عمرو".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) المسند (2/162).
(6) في أ: "مختمة".
(7) مسند البزار برقم (3435) "كشف الأستار".
(8) في أ: "غبد الرحمن".
(9) في ت، أ: "يزد".
(10) قال الهيثمي في المجمع (10/223): "رواه الطبراني وفيه يزيد بن عياض وهو متروك". وله شاهد من حديث أبي هند الدارى رواه أحمد في مسنده (5/270).
(11) في ت، ف، أ: "عروة".
(12) في أ: "فذلك".
(13) مسند أبي يعلى (9/54) وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (3/183) وقال الهيثمي في المجمع (10/221): "فيه إبراهيم ابن مسلم الهجرى وهو ضعيف".
(14) في ت، أ: "ابن عباس".
(15) تفسير الطبري (16/32).
أثر مشكل، فإن هذه الآية [هي] (1) آخر سورة الكهف. والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها ما تنسخها (2) ولا يغير حكمها (3) بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى على ما فهمه، والله أعلم. (5/209)
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قُرَّرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ في ليلة: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } ، كان له من نور، من عدن أبين إلى [مكة] (4) حشوه الملائكة (5) غريب جدا.
آخر [تفسير] (6) سورة الكهف ولله الحمد
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في أ: "آية تنسخها".
(3) في ت، ف: "بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) مسند البزار برقم (3108) "كشف الأستار"، وأبو قرة الأسدى جهله الذهبي وابن حجر، وقال الذهبي: "نفرد عنه النضر بن شميل". وقال ابن حجر: "أخرج ابن خزيمة حديثه في صحيحه وقال: لا أعرفه بعدالة ولا جرح".
(6) زيادة من ت.
كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
تفسير سورة مريم [عليها السلام] (1) (5/211)
وهي مكية.
وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة: أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه (2) .
بسم الله الرحمن الرحيم
{ كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) } .
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.
وقوله: { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ } أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا.
وقرأ يحيى بن يعمر "ذَكَّرَ رحمة ربك عَبْدَهُ زَكَريَّا".
[و] (3) { زَكَرِيَّا } : يمد ويقصر قراءتان مشهورتان. وكان نبيًّا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل. وفي صحيح البخاري: أنه كان نجارًا، أي: كان يأكل من عمل يديه في النجارة.
وقوله: { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا } : قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه، لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره. حكاه الماوردي.
وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله. كما قال قتادة في هذه الآية { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا } : إن الله يعلم القلب التقي (4) ، ويسمع الصوت الخفي.
وقال بعض السلف: قام من الليل، عليه السلام، وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب فقال الله: لبيك، لبيك، لبيك.
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي } أي: ضعفت (5) وخارت القوى، { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } أي
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ.
(2) رواه الإمام أحمد من حديث أم سلمة (5/290) ومن حديث ابن مسعود (1/461).
(3) زيادة من ت، ف.
(4) في ت: "النقي".
(5) في ت ، ف : "ضعف" .
اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دُرَيد في مقصورته (1) : (5/212)
إمَّا (2) تَرَى رأسِي حَاكى لونُهُ ... طُرَّةَ صُْبحٍ تَحتَ أذْيَال الدُّجى ...
واشْتَعَل المُبْيَض في مُسْوَدّه ... مِثْلَ اشتِعَال النَّارِ في جمر (3) الغَضَا ...
والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة.
وقوله: { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا } أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة (4) في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك.
وقوله: { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي } : قرأ الأكثرون بنصب "الياء" من { الْمَوَالِيَ } على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر:
كَأنَّ أيْديهنّ في القَاع الفَرقْ ... أيدي جَوَارٍ يَتَعَاطَينَ الوَرقْ (5)
وقال الآخر:
فَتَى لو يُبَاري الشَّمسَ ألْقَتْ قِنَاعَها ... أو القَمَرَ السَّاري لألْقَى المقَالدَا ...
ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:
تَغَاير الشَّعرُ فيه (6) إذ سَهرت لَهُ ... حَتَّى ظَنَنْتُ قوافيه ستَقتتلُ (7)
وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة.
وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أنه كان يقرؤها: "وإني خَفَّت الموالي من ورائي" بتشديد الفاء بمعنى: قلت عصباتي (8) من بعدي.
وعلى القراءة الأولى، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا [من] (9) بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدا، يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه. فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلي ما هذا حده (10) أن يأنف (11) من وراثة عصباته (12) له، ويسأل أن يكون له ولد، فيحوز (13) ميراثه دونه دونهم. هذا وجه.
الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب (14) يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، عليهم السلام، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نُورَث، ما
__________
(1) انظر: شرح مقصورة ابن دريد (ص2) أ.هـ. مستفادا من حاشية ط-الشعب.
(2) في أ: "ما".
(3) في ت، ف، أ: "جزل".
(4) في أ: "إجابة".
(5) الرجز في اللسان مادة (قرق) غير منسوب.
(6) في ت: "منه".
(7) البيت في ديوان أبي تمام (227) أ.هـ. مستفادا من حاشية ط- الشعب.
(8) في أ: "عصابتي".
(9) زيادة من ت، ف.
(10) في أ: "حسده".
(11) في أ: "يأتنف".
(12) في أ: "عصابته".
(13) في ف، أ: "ليجوز".
(14) في أ: "من عمل".
تركنا فهو صدقة" (1) وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء لا نورث" (2) وعلى (3) هذا فتعين حمل قوله: { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي } على ميراث النبوة؛ ولهذا قال: { وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } ، كما قال تعالى: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } [ النمل : 16 ] أي: في النبوة؛ إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته (4) ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة". (5/213)
قال مجاهد في قوله: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } [قال] (5) : كان وراثته علمًا وكان زكريا من ذرية يعقوب.
وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } قال: [قد] (6) يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: يرث نبوته وعلمه.
وقال السُّدِّي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.
وعن مالك، عن زيد بن أسلم: { وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } قال: نبوتهم.
وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.
وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا (7) معمر، عن قتادة: أن رسول الله (8) صلى الله عليه وسلم قال: "يرحم الله زكريا، وما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد" (9)
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو (10) ابن فضالة -عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول: { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } (11)
__________
(1) جاء من حديث عائشة، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وطلحة، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام أما حديث عائشة فرواه البخاري: (6730) ومسلم برقم (1758). وأما حديث أبو بكر فرواه البخاري برقم (1/37) ومسلم برقم (1759). وأما حديث عمر بن الخطاب وعثمان وطلحة والزبير، فرواه البخاري برقم (3094، 6728، 7305) ومسلم برقم (1757).
(2) لم أجده في سنن الترمذي المطبوع بهذا اللفظ، وانظر كلام الحافظ ابن حجر عن هذه الرواية والوجوه التي تحمل عليها في الفتح (12/8).
(3) في ف: "فعلى".
(4) في أ: "ونبينه".
(5) زيادة من ف.
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في ت: "حدثنا".
(8) في ف، أ: "أن النبي".
(9) تفسير عبد الرزاق (2/5) وقد وصل طرفه الثاني: "يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد".
الإمام أحمد في مسنده (2/350) من طريق الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(10) في ف: "وهو".
(11) تفسير الطبري (16/37).
يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)
وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم. (5/214)
وقوله: { وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا } أي مرضيا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.
{ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) } .
هذا الكلام يتضمن محذوفًا، وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل [له] (1) : { يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى } ، كما قال تعالى: { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [ آل عمران : 38 ، 39 ]
وقوله: { لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } قال قتادة، وابن جريج، وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير، رحمه الله.
وقال مجاهد: { لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } أي: شبيهًا.
أخذه من معنى قوله: { فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } [ مريم : 65 ] أي: شبيهًا.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله.
وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام، كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة، عليهما السلام، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق على كبرهما (2) لا لعقرهما (3) ؛ ولهذا قال: { أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ } [ الحجر : 54 ] مع أنه كان قد ولد له قبله (4) إسماعيل بثلاث عشرة سنة. وقالت امرأته: { يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } [ هود : 72 ، 73 ] .
{ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) } .
هذا تعجب من زكريا، عليه السلام، حين أجيب إلى ما سأل، وبُشِّر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته [كانت] (5) عاقرًا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي عسا عظمه ونحل (6) ولم يبق فيه لقاح ولا جماع.
تقول العرب للعود إذا يبس: "عَتا يَعْتو عِتيا وعُتُوا، وعَسا يَعْسو عُسوا وعِسيا".
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في أ: "لكبرهما".
(3) في أ: "لا لعقرها".
(4) في ت، أ: "أنه قد كان ولد له قبل"، وفي ف: "أنه كان ولد له قبل".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في أ: "وقحل".
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)
وقال مجاهد: { عِتِيًّا } بمعنى: نحول (1) العظم. (5/215)
وقال ابن عباس وغيره: { عِتِيًّا } يعني: الكبر.
والظاهر أنه أخص من الكبر.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا حُصَيْن، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا ؟ ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: { وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا } أو "عسيا".
ورواه الإمام أحمد عن سُرَيْج (2) بن النعمان، وأبو داود، عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم، به.
{ قَالَ } أي الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه: { كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها { هَيِّنٌ } أي: يسير سهل على الله.
ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } كما قال تعالى: { هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } [ الإنسان : 1]
{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) } .
يقول تعالى مخبرًا عن زكريا، عليه السلام، أنه { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً } أي: علامة ودليلا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني كما قال إبراهيم، عليه السلام: { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } الآية [ البقرة : 260 ]. { قَالَ آيَتُكَ } أي: علامتك { أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } أي: أن تحبس (3) لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة (4)
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ووهب [بن منبه] (5) ، والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: { ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } أي: متتابعات.
والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح (6) كما قال تعالى في [أول] (7) آل عمران: { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ } [ آل عمران : 41 ]
__________
(1) في أ: "يعني قحول".
(2) في ف، أ: "شريح" .
(3) في ف: "تحتبس".
(4) في أ: "وعلامة".
(5) زيادة من ت، ف، أ.
(6) في ف، أ: "واضح".
(7) زيادة من أ.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: { ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } من غير خرس. (5/216)
وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها { إِلا رَمْزًا } أي: إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ } أي: الذي بشر فيه بالولد، { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ } أي: أشار إشارة خفية سريعة: { أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله، وشكرًا لله على ما أولاه.
قال مجاهد: { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ } أي: أشار. وبه قال وهب، وقتادة.
وقال مجاهد في رواية عنه: { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ } أي: كتب لهم في الأرض، كذا قال السدي.
يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)
{ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) } . (5/216)
وهذا أيضا تضمن (1) محذوفًا، تقديره: أنه وجد هذا الغلام المبشر به، وهو يحيى، عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار. وقد كان سنه إذ ذاك صغيرًا، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال: { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } أي: تعلم الكتاب { بِقُوَّةٍ } أي: بجد وحرص واجتهاد { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } أي : الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث [السن] (2) .
قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. قال: ما للعب خلقت (3) ، قال: فلهذا أنزل الله: { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } .
وقوله: { وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا. وزاد قتادة: رُحِم بها زكريا.
وقال مجاهد: { وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } وتعطفًا من ربه عليه.
وقال عكرمة: { وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } [قال: محبة عليه. وقال ابن زيد: أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح: { وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } ] (4) ، قال: تعظيمًا من لدنا (5) .
__________
(1) في أ: "يضمن".
(2) زيادة من أ.
(3) في ف، أ: "خلقنا".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في أ: "الدنيا".
وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال: لا والله ما أدري (1) ما حنانًا. (5/217)
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور: سألت سعيد بن جبير عن قوله: { وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } ، فقال: سألت عنها عباس، فلم يحر (2) فيها شيئًا.
والظاهر من هذا السياق أن: { وَحَنَانًا [مِنْ لَدُنَّا] } (3) معطوف على قوله: { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } أي: وآتيناه الحكم وحنانا، { وَزَكَاةً } أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب: حنّت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها. ومنه سميت المرأة "حَنَّة" من الحَنَّة، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر (4)
تَحنَّنْ (5) عَلَي هَدَاكَ المليكُ ... فإنَّ لكُل مَقامٍ مَقَالا ...
وفي المسند للإمام أحمد، عن أنس، رضي الله عنه، أن (6) رسول الله صلى الله عليه قال: "يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان" (7)
وقد يُثنَّي (8) ومنهم من يجعل ما ورد من (9) ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة:
أَنَا مُنْذر أفنيتَ فاسْتبق بَعْضَنَا ... حَنَانَيْك بَعْض الشَّر أهْونُ مِنْ بَعْض (10)
وقوله: { وَزَكَاةً } معطوف على { وَحَنَانًا } فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب.
وقال قتادة: الزكاة (11) العمل الصالح.
وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي.
وقال العوفي عن ابن عباس: { وَزَكَاةً } [قال: بركة] (12) { وَكَانَ تَقِيًّا } طهر، فلم يعمل بذنب.
وقوله: { وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا } لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته (13) عقوقهما، قولا وفعلا [وأمرًا] (14) ونهيًا؛ ولهذا قال: { وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا } ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: { وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا } أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.
وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه، { وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا }
__________
(1) في ت، أ: "لا أدري".
(2) في ف، أ: "يخبر".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) هو الحطيئة، والبيت في اللسان، مادة "حنن".
(5) في ف: "تعطف"
(6) في ت، ف، أ: "عن".
(7) المسند (3/230).
(8) في أ: "يعني".
(9) في أ: "في".
(10) البيت في ديوانه (ص208) أ. هـ مستفادا من حاشية ط - الشعب.
(11) في ت: "والزكاة".
(12) زيادة من ف، أ.
(13) في ف: ""ومجانبة".
(14) زيادة من أ.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)
رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه. (5/218)
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { جَبَّارًا عَصِيًّا } ، قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا". قال قتادة: ما أذنب ولا همّ بامرأة، مرسل (1)
وقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (2) : "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا" (3) ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو همَّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (4)
وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة: أن حسن قال: إن يحيى وعيسى، عليهما السلام، التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي فأنت (5) خير مني. فقال له عيسى: أنت خير مني، سَلَّمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فَعرُف والله فضلهما.
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) } .
لما ذكر تعالى قصة زكريا، عليه السلام، وأنه أوجد منه، في حال كبره وعقم زوجته، ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا -عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى، عليهما (6) السلام، منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة (7) ؛ ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء، يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء
__________
(1) تفسير عبد الرزاق (2/7).
(2) في ت: "أنه قال".
(3) رواه الطبري في تفسيره (16/44) والحاكم في المستدرك (2/373) من طريق محمد بن إسحاق به، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووفقه الذهبي، ورجح أبو حاتم وقفه، وقال لابنه: "لا يرفعون هذا الحديث".
(4) المسند (1/254).
(5) في أ: "أنت".
(6) في ف، أ: "عليه".
(7) في أ: "ومتشابهة".
قادر (1) ، فقال: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ } وهي مريم بنت عمران، من سلالة داود، عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمّها لها في "آل عمران"، وأنها نذرتها محررة، أي: تخدم (2) مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك، { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } [آل عمران: 37] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت (3) إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة (4) والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل: خالتها-زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ آل عمران : 37 ] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر (5) الشتاء في الصيف وثمر (6) الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في "آل عمران". فلما أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة-أن يُوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، { انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا } أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. (5/219)
قال السدي: لحيض أصابها. وقيل لغير ذلك. قال أبو كُدَيْنَة، عن قابوس بن أبي ظِبْيان، عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: { انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا } قال: خرجت مريم مكانًا شرقيًّا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى (7) { انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا } واتخذوا (8) ميلاد عيسى قبلة (9)
وقال قتادة: { مَكَانًا شَرْقِيًّا } شاسعًا متنحيًّا.
وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها تستقي [من] (10) الماء.
وقال نَوْف البِكَالي: اتخذت لها منزلا تتعبد فيه. فالله (11) أعلم.
وقوله: { فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا } أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } أي: على صورة إنسان تام كامل.
قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن جُرَيْج (12) ووهب بن مُنَبِّه، والسُّدِّي، في قوله: { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } يعني: جبريل، عليه السلام.
__________
(1) في ت، أ: "قدير".
(2) في أ: "لخدمة".
(3) في ت: "وكانت".
(4) في ت: "والعظمة".
(5) في أ: "ثمرة".
(6) في أ: "ثمرة".
(7) في ت: "لقول الله عز وجل"، وفي ف: "لقوله".
(8) في أ: "فاتخذوا".
(9) تفسير الطبري (16/45).
(10) زيادة من ت، ف، أ.
(11) في ت: "والله".
(12) في ت: "وابن جرير".