صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير القرآن العظيم |
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)
وقوله: { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ } إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به، وإلا وَقَفْنَا حيث وقفنا. (5/148)
وقوله: { مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ } أي: من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله، عز وجل، كانوا سبعة. وكذا روى ابن جريج، عن (1) عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول: أنا ممن استثنى الله، ويقول: عدتهم سبعة.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار (2) حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس: { مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ } قال: أنا من القليل، كانوا سبعة.
فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس: أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.
وقال محمد بن إسحاق بن يَسَار عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد قال: لقد حُدّثتُ أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وَضَح الوَرِق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله، يبكون (3) ويستغيثون بالله، وكانوا ثمانية نفر: مكسلمينا (4) وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم، و مجسيميلنينا وتمليخا (5) ومرطونس، وكشطونس، وبيرونس، وديموس، ويطونس وقالوش.
هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل (6) هذا من كلام ابن إسحاق، ومن بينه وبينه، فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية. وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران (7) ، وفي تسميتهم بهذه (8) الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم؛ فإن غالب ذلك مُتَلَقَّى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: { فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا } أي: سهلا هينًا؛ فإن الأمر في معرفة (9) ذلك لا يترتب عليه كبير (10) فائدة { وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجما بالغيب، أي من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه (11) من الكتب والأقوال.
{ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) }
هذا إرشاد من الله لرسوله الله صلوات الله وسلامه عليه، إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل، أن يرد ذلك إلى مشيئة الله، عز وجل، علام الغيوب، الذي يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه [قال] (12) قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على
__________
(1) في ت: "ابن".
(2) في ت: "يسار".
(3) في ت، ، ف ، أ: "يتلون".
(4) في هـ: "مكيليممنينا"، والمثبت من ت، ف، أ.
(5) في ف: "شمليخا".
(6) في ف، أ: "ويحتمل أن يكون".
(7) في ت: "خمران".
(8) في ت: "بهذا".
(9) في ت: "معرفته".
(10) في ف: "كثير".
(11) في ف: "على من تقدمه".
(12) زيادة من ت، ف، أ.
سبعين امرأة -وفي رواية تسعين امرأة. وفي رواية: مائة امرأة-تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له -وفي رواية: فقال له الملك-قل: إن شاء الله. فلم يقل فطاف بهن فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لو قال: "إن شاء الله" لم يحنث، وكان دركا لحاجته"، وفي رواية: "ولقاتلوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون (1) (2) (5/149)
وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي صلى الله عليه وسلم، لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: "غدًا أجيبكم". فتأخر الوحي خمسة عشر يومًا، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة، فأغنى عن إعادته.
وقوله: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } قيل: معناه إذا نسيت الاستثناء، فاستثن عند ذكرك له. قاله أبو العالية، والحسن البصري.
وقال هشيم، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف؟ قال: له أن يستثني ولو إلى سنة، وكان يقول: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } في ذلك. قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟ قال (3) حدثني به ليث بن أبي سليم، يرى (4) ذهب كسائي هذا.
ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، به (5) .
ومعنى قول ابن عباس: "أنه يستثني ولو بعد سنة" أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو كلامه "إن شاء الله" وذكر ولو بعد سنة، فالسُّنة له أن يقول ذلك، ليكون آتيا بسُنَّة الاستثناء، حتى ولو كان بعد الحنث، قال ابن جرير، رحمه الله، ونص على ذلك، لا أن يكون [ذلك] (6) رافعًا لحنث اليمين ومسقطًا للكفارة. وهذا الذي قاله ابن جرير، رحمه الله، هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه، والله أعلم.
وقال عكرمة: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } أي: إذا غضبت. وهذا تفسير باللازم.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحُلْواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: { وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } أن تقول: إن شاء الله (7) [وهذا تفسير باللازم] (8) .
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحارث الجُبيلي (9) حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن
__________
(1) في ت، ف: "أجمعين".
(2) صحيح البخاري برقم (5242) رواية المائة، وبرقم (6720) رواية التسعين، وصحيح مسلم برقم (1654).
(3) في ف: "فقال".
(4) في ت: "ترى".
(5) تفسير الطبري (15/151) والمعجم الكبير للطبراني (11/68).
(6) زيادة من ف.
(7) المعجم الكبير (12/179).
(8) زيادة من ف.
(9) في ت، ف: "الحبلى".
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)
مسلم، عن عبد العزيز بن حُصَيْن، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: { وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } أن تقول: إن شاء الله. (5/150)
وروى الطبراني، أيضًا عن ابن عباس في قوله: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } الاستثناء، فاستثن إذا ذكرت. وقال: هي خاصة برسول (1) الله صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه ثم قال: تَفَرَّد به الوليد، عن عبد العزيز بن الحصين (2) (3) .
ويحتمل في الآية وجه آخر، وهو أن يكون الله، عز وجل، قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى؛ لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } [الكهف: 63] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذكر الله سبب للذكر (4) ؛ ولهذا قال: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } .
وقوله: { وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } أي: إذا سئُلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد [في ذلك] (5) وقيل في تفسيره غير ذلك في تفسيره، والله أعلم.
{ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) }
هذا خبَر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم الله إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة [سنة] (6) وتسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة [سنة] (7) بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين؛ فلهذا قال بعد الثلاثمائة: { وَازْدَادُوا تِسْعًا }
وقوله: { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } أي: إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك [علم] (8) في ذلك وتوقيف (9) من الله، عز وجل (10) فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: { اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: لا يعلم ذلك إلا هو أو من أطلعه الله عليه من خَلْقه، وهذا الذي قلناه، عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد، وغير واحد من السلف والخلف.
وقال قتادة في قوله: { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } هذا قول أهل الكتاب،
__________
(1) في ت: "يا رسول"؟، وفي ف: "لرسول".
(2) في ف: "حصين".
(3) المعجم الأوسط برقم (3357) "مجمع البحرين".
(4) في ت: "سبب الذكر".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) زيادة من أ.
(7) زيادة من ف.
(8) زيادة من ف.
(9) في ت: "توفيق".
(10) في ت، ف: "تعالى".
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)
وقد رده الله تعالى بقوله: { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } قال: وفي (1) قراءة عبد الله: "وقالوا: ولبثوا"، يعني أنه قاله الناس (2) (5/151)
وهكذا قال -كما قال قتادة-مُطرَف بن عبد الله.
وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: { وَازْدَادُوا تِسْعًا } وظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله، لا حكاية عنهم. وهذا اختيار ابن جرير، رحمه الله. ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم.
وقوله: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } أي: إنه لبصير بهم سميع لهم.
قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
ثم روي عن قتادة في قوله: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } فلا أحد أبصر (3) من الله ولا أسمع.
وقال ابن زيد: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا.
وقوله: { مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } أي: أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.
{ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) }
__________
(1) في ت: "ومن".
(2) في أ: "ابن عباس".
(3) في ت: "أنصر".
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)
{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } (5/151)
يقول تعالى آمرًا رسوله [عليه الصلاة والسلام] (1) بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه (2) إلى الناس: { لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } أي: لا مغير (3) لها ولا محرف ولا مؤوّل.
وقوله: { وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا } [عن مجاهد: { مُلْتَحَدًا } قال: ملجأ. وعن قتادة: وليًا ولا مولى] (4) قال ابن جرير: يقول (5) إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله". كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [المائدة:67] ، وقال تعالى { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } [القصص:85] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة.
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في ت "وابتلاغه".
(3) في ت، ف: "أي غير مغير".
(4) زيادة من أ.
(5) في ت: "ويقول".
وقوله: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي: اجلس (1) مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء. يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده (2) ولا يجالسهم (3) بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب [وخباب] (4) وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة. فنهاه الله عن ذلك، فقال: { وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } الآية [الأنعام:52] (5) الآية، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس (6) مع هؤلاء، فقال: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } (5/152)
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شُرَيْح، عن أبيه، عن سعد -هو ابن أبي وقاص-قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا!. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال ورجلان نسيت اسميهما (7) فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله عز وجل: { وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري (8)
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التَّيَّاح قال: سمعت أبا الجعد يحدّث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاص يقص، فأمسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قُص، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب" (9)
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا هاشم (10) حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة قال: سمعت كُرْدُوس بن قيس -وكان قاص العامة بالكوفة-يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب". قال شعبة: فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصا (11) (12)
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أجالس قومًا يذكرون الله من صلاة الغداة (13) إلى طلوع الشمس، أحَبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحبّ إلي من أن أعتق
__________
(1) في ت: "يجلس".
(2) في ت، ف: "وحدهم".
(3) في ت: "تجالسهم".
(4) زيادة من ف.
(5) في ت: "يطرد".
(6) في ت: "في المجلس".
(7) في ت: ، ف: "اسمهما".
(8) صحيح مسلم برقم (2413).
(9) المسند (5/261).
(10) في ت: "هشام".
(11) في ت: "وقاص".
(12) المسند (3/474) وكردوس بن قيس لم يوثقه إلا ابن حبان.
(13) في ت: "الغد".
ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا". فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين (1) ألفًا، وهاهنا من يقول: "أربعة من ولد إسماعيل" والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا (2) عشر ألفًا (3) (5/153)
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي (4) مسلم -وهو الكوفي-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم".
هكذا رواه أبو أحمد، عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلا. وحدثناه يحيى بن المعلى، عن (5) منصور، حدثنا محمد (6) بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم (7) عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجل يقرأ سورة الحِجْر أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم" (8) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر (9) حدثنا ميمون المَرئي، حدثنا ميمون بن سِيَاه، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتُكُم حسنات" (10) تفرد به أحمد، رحمه الله.
وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد (11) عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بعض أبياته: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس، وجافي الجلد (12) وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم" (13)
عبد الرحمن هذا، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة (14) وأما أبوه فمن سادات الصحابة،
__________
(1) في ت: "وسبعين".
(2) في ت: "اثنتا".
(3) مسند الطيالسى برقم (2104) ويزيد بن أبان ضعيف.
(4) في ت: "أي".
(5) في ت، ف: "بن".
(6) في ت: "أحمد".
(7) في ت: "الأغر بن أبي مسلم".
(8) مسند البززار برقم (5232، 2326) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (7/164): "وفيه عمرو بن ثابت أبو المقدام وهو متروك".
(9) في ف، أ: "بكير".
(10) المسند (3/142) وميمون المرئي ضعيف.
(11) في ت: "زيدى".
(12) في ف: "الجلود".
(13) ورواه ابن منده وأبو نعيم في الصحابة كما في أسد الغابة (3/353) من طريق أبي حازم به.
(14) وتعقبه ابن الأثير بقوله: "ولا يصح، وإنما الصحبة لأبيه ولأخيه أبي أمامة، وله رؤية".
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)
رضي الله عنهم. (5/154)
وقوله: { وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم: يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.
{ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا { [وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ] وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } (1) أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: { وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [طه:131]
{ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) }
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: { إِنَّا أَعْتَدْنَا } أي: أرصدنا { لِلظَّالِمِينَ } وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } أي: سورها.
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم (2) عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لسُرَادِق النار أربعة جُدُر، كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة".
وأخرجه الترمذي في "صفة النار" وابن جرير في تفسيره، من حديث دراج أبي السَّمح به (3)
[وقال ابن جريج: قال ابن عباس: { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } قال: حائط من نار] (4)
وقال ابن جرير: حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا حدثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البحر هو جهنم" قال: فقيل له: [كيف ذلك؟] (5) فتلا هذه الآية -أو: قرأ هذه الآية-: { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } ثم قال: "والله لا أدخلها أبدًا أو: ما دمت حيًا -ولا تصيبني منها قطرة" (6) .
وقوله: { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } قال ابن عباس: "المهل" : ماء غليظ مثل (7) دردي الزيت.
__________
(1) زيادة من ف.
(2) في ت: "هشيم".
(3) المسند (3/29) وسنن الترمذي برقم (2584) وتفسير الطبري (15/157). ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(4) زيادة من ف.
(5) زيادة من ف.
(6) تفسير الطبري (15/157).
(7) في ت: "قيل".
وقال مجاهد: هو كالدم والقيح. وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حَرّه: وقال آخرون: هو كل شيء أذيب. (5/155)
وقال قتادة: أذاب ابنُ مسعود شيئًا من الذهب في أخدود، فلما انماع وأزبد قال: هذا أشبه شيء بالمهل.
وقال الضحاك: ماء جهنم أسود، وهي سوداء وأهلها (1) سود.
وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار؛ ولهذا قال: { يَشْوِي الْوُجُوهَ } أي: من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقَرّبه من وجهه، شواه حتى يسقط جلد وجهه فيه، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سُرادِق النار عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ماء كالمهل". قال (2) كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه" (3) وهكذا رواه الترمذي في "صفة النار" من جامعه، من حديث رِشْدِين بن سعد (4) عن عمرو بن الحارث، عن دراج، به (5) ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث "رشدين"، وقد تكلم فيه من قبل حفظه،، هكذا قال، وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب، عن ابن لَهِيعة، عن دَرّاج، والله أعلم (6) .
وقال عبد الله بن المبارك، وبَقِيَّة بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بُسْر، عن أبي أمامة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ } [إبراهيم:16، 17] قال: "يقرب إليه فيَتَكرّهه، فإذا قرب منه شَوَى وجهَه ووقعت فروةُ رأسه، فإذا شربه (7) قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ } .
وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا (8) منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارًّا مرً بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون. فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم (9) وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود.
ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه (10) الصفات [الذميمة] (11) القبيحة: { بِئْسَ الشَّرَابُ } أي: بئس هذا الشراب (12) كما قال في الآية الأخرى: { وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } [محمد:15] وقال تعالى: { تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ } [الغاشية:5] (13) أي: حارة، كما قال: { وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } [الرحمن:44]
__________
(1) في ف، أ: "شجرها".
(2) في ت: "قال كالمهل".
(3) المسند (3/70).
(4) في ت: "بن الأسعد".
(5) سنن الترمذي برقم (2581).
(6) في ت: "فالله أعلم".
(7) في ت، ف: "شرب".
(8) في ت، ف: "فيأكلون".
(9) في ت: "جلود".
(10) في ت: "بهذا".
(11) زيادة من ف، أ.
(12) في ف، أ: "شرابا".
(13) في ف: "يسقى".
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)
{ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } [أي: وساءت النار] (1) منزلا ومَقِيلا ومجتمعًا وموضعًا للارتفاق (2) كما قال في الآية الأخرى: { إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } [الفرقان:66] (5/156)
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) }
لما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء، الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم { جَنَّاتُ عَدْنٍ } والعدن: الإقامة.
{ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ } أي: من تحت غرفهم ومنازلهم، قال [لهم] (3) فرعون: { وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } [الزخرف:51] .
{ يُحَلَّوْنَ } أي: من الحلية { فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } وقال في المكان الآخر: { وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } [الحج:23] وفصله هاهنا فقال: { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } فالسندس: لباس (4) رقاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها، وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق.
وقوله: { مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ } الاتكاء قيل: الاضطجاع وقيل التربع في الجلوس. وهو أشبه بالمراد هاهنا ومنه الحديث [في] (5) الصحيح: "أما أنا فلا آكل متكئًا " (6) فيه القولان.
والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير تحت الحَجَلة، والحجلة كما يعرفه (7) الناس في زماننا هذا بالباشخاناه، والله أعلم.
قال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَرُ، عن قتادة: { عَلَى الأرَائِكِ } قال: هي الحجال. قال معمر: وقال غيره: السّرُر في الحجال (8)
وقوله: { نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا } [أي: نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم { وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا } أي: حسنت منزلا ومقيلا ومقامًا، كما قال في النار: { بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } [الكهف:29] (9) ، وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: { إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } [الفرقان:66] ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: { أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } [الفرقان:76، 75].
__________
(1) زيادة من ف.
(2) في ت: "للارتفاع".
(3) زيادة من ت.
(4) في ت، ف، أ: "ثياب".
(5) زيادة من ت، ف.
(6) صحيح البخاري برقم (5398).
(7) في ت، ف: "تعرفه".
(8) تفسير عبد الرزاق (1/339).
(9) زيادة من ف.
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)
{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) } (5/157)
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)
{ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } (5/157)
يقول الله تعالى بعد ذكر (1) المشركين المستكبرين عن مجالسة (2) الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم (3) مثلا برجلين، جعل الله { لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ } أي: بستانين من أعناب، محفوفتين بالنخل (4) المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مُقبلٌ في غاية الجود؛ ولهذا قال: { كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا } أي: خرجت ثمرها { وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا } أي: ولم تنقص منه شيئًا { وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا } أي: والأنهار تتخرق فيهما هاهنا وهاهنا.
{ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } قيل: المراد به: المال. رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقيل: الثمار وهو أظهر هاهنا، ويؤيده القراءة الأخرى: "وكان له ثُمْر" بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون (5) جمع ثَمَرَة، كَخَشَبَة وخُشب، وقرأ آخرون: { ثَمَرٌ } بفتح الثاء والميم.
فقال -أي صاحب هاتين [الجنتين] (6) -{ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } أي: يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس: { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا } أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا.
قال قتادة: تلك -والله-أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر.
وقوله: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد { قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا } وذلك اغترار منه، لما رأى فيها (7) من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف (8) وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة (9) ؛ ولهذا قال: { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً } أي: كائنة { وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } أي: ولئن كان معاد ورجعة وَمَرَدٌّ إلى الله، ليكونَنّ لي هناك أحسن من هذا لأني مُحظى (10) عند ربي، ولولا كرامتي (11) عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: { وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى } [فصلت:50]، وقال { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا } [مريم:77] أي: في الدار الآخرة، تألى على الله، عز
__________
(1) في ت، ف: "ذكره".
(2) في ت: "مجالسهم".
(3) في ت، ف، أ: "لهم ولهم".
(4) في ف، أ: "بالنخيل".
(5) في ت: "فيك".
(6) زيادة من ف.
(7) في ف: "فيهما".
(8) في ت: "و لايسلم".
(9) في ت: "بالأخرى".
(10) في ت، ف: "محض".
(11) في ت: "إكرامى".
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)
وجل، وكان سبب نزولها في العاص بن وائل، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. (5/158)
{ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) }
يقول تعالى مخبرًا عما أجابه صاحبه المؤمن، واعظًا له وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا } ؟ وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه، الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [البقرة:280] أي: كيف تجحَدُون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته فعلم إسناد (1) إيجاده إلى خالقه، وهو الله، لا إله إلا هو، خالق كل شيء؛ ولذا (2) قال: { لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي } أي: أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالربوبية والوحدانية { وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.
ثم قال: { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا } هذا تحضيض وحث على ذلك، أي: هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال و الولد ما لم يعطه غيرك، وقلت: { مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ } ؛ ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده أو ماله، فليقل: { مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ } وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده:
حدثنا جَرَّاح بن مَخْلَد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عَوْن، حدثنا عبد الملك بن زُرَارَة، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد، فيقول: { مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ } فيرى فيه آفة دون الموت". وكان يتأول هذه الآية: { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ } (3) .
__________
(1) في ف: "استناد".
(2) في ف: "ولهذا".
(3) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (4525) من طريق الحسن بن صباح، عن عمر بن يونس به.
قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس: لا يصح حديثه. (5/159)
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رُهْم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا قوة إلا بالله". تفرد به أحمد (1)
وقد ثبت في الصحيح (2) عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" (3)
وقال الإمام أحمد: حدثنا بكر (4) بن عيسى، حدثنا أبو عَوَانة، عن أبي بَلَج، عن عَمْرو بن ميمون قال: قال أبو هريرة: قال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة، أدلك (5) على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟". قال: قلت: نعم، فداك أبي وأمي. قال: "أن تقول لا قوة إلا بالله" قال أبو بَلْج: وأحسب أنه قال: "فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم". قال: فقلت لعمرو -قال أبو بَلْج: قال عَمْرو: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ فقال: لا إنها في سورة الكهف: { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ } (6)
وقوله: { فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ } أي: في الدار الآخرة { وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا } أي: على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى { حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ } قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، ومالك عن الزهري: أي عذابًا من السماء.
والظاهر أنه مطر عظيم مزعج، يقلع زرعها وأشجارها؛ ولهذا قال: { فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } أي: بلقعًا ترابًا أملس، لا يثبت فيه قَدم.
وقال ابن عباس: كالجُرز الذي لا ينبت شيئًا.
وقوله: { أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا } أي: غائرًا في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها (7) كما قال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ } [الملك:30] أي: جار وسائج. وقال هاهنا: { أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } والغور: مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر (8)
تَظَلّ جيّادُهُ نَوْحًا عَلَيه ... تُقَلّدُهُ أعنَّتَها صُفُوفا ...
بمعنى نائحات عليه.
__________
(1) المسند (2/469).
(2) في ف: "الصحيحين".
(3) صحيح البخاري برقم (6610) وصحيح مسلم برقم (2704).
(4) في ف، أ: "بكير".
(5) في ت، ف: "ألا أدلك".
(6) المسند (2/335).
(7) في ت، ف: "أسفل".
(8) البيت في تفسير الطبري (15/163) غير منسوب.
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)
{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) } (5/160)
يقول تعالى: { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } بأمواله، أو بثماره على القول الآخر. والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر، مما خَوَّفه به المؤمن من إرسال الحسبان (1) على جنته، التي اغتر بها (2) وألهته عن الله، عز وجل { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } وقال قتادة: يُصفّق كفيه متأسفًا متلهفًا على الأموال التي أذهبها عليه { وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ } أي: عشيرة أو ولد، كما افتخر بهم واستعز { يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } اختلف القراء هاهنا، فمنهم من يقف على قوله: { وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ } أي: في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله، فلا منقذ منه. ويبتدئ [بقوله] (3) { الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } ومنهم من يقف على: { وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } ويبتدئ بقوله: { هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } .
ثم اختلفوا في قراءة { الْوَلايَةُ } فمنهم من فتح الواو، فيكون المعنى: هنالك الموالاة (4) لله، أي: هنالك (5) كل أحد (6) من مؤمن أو كافر (7) يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } [غافر:84] وكقوله إخبارًا عن فرعون: { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } [يونس:91، 90]
ومنهم من كسر الواو من { الْوَلايَةُ } أي: هنالك الحكم لله الحق.
ثم منهم من رفع { الْحَقِّ } على أنه نعت للولاية، كقوله تعالى: { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } [الفرقان:26]
ومنهم من خفض القاف، على أنه نعت لله عز وجل، كقوله: { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } [الأنعام:62] ؛ ولهذا قال تعالى: { هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا } أي: جزاء { وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي: الأعمال التي تكون لله، عز وجل، ثوابها خير، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير.
{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) }
__________
(1) في ت: "الحسنات".
(2) في ت: "اعتز".
(3) زيادة من أ.
(4) في ت: "الولاية".
(5) في ت: "هناك".
(6) في ف: "واحد".
(7) في ف: "وكافر".
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)
{ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا (46) }. (5/160)
يقول تعالى: { وَاضْرِبْ } يا محمد للناس { مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } في زوالها وفنائها وانقضائها { كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ } أي: ما فيها من الحَبّ، فشب وحسن، وعلاه (1) الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله { فَأَصْبَحَ هَشِيمًا } يابسا { تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ } أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال (2) { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا } أي: هو قادر على هذه الحال، وهذه الحال (3) وكثيرًا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما في سورة يونس: { إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ } الآية [يونس:24] ، وقال في سورة الزمر: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ } [الزمر:21] ، وقال في سورة الحديد: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [الحديد:20]. (5/161)
وفي الحديث الصحيح: "الدنيا حلوة خضرة" (4)
وقوله: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } كقوله { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } [آل عمران:14] ، وقال تعالى: { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [التغابن:15] أي: الإقبال عليه والتفرغ لعبادته، خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم، والشفقة المفرطة عليهم؛ ولهذا قال: { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا } قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" الصلوات الخمس.
وقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وهكذا سُئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، عن: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" ما هي؟ فقال: هي (5) لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
رواه الإمام أحمد:
حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حَيْوَة، أنبأنا أبو عقيل، أنه سمع الحارث مولى عثمان، رضي الله عنه، يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء، أظنه أنه سيكون فيه مُد، فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى (6) صلاة الظهر، غُفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غُفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غُفر له ما
__________
(1) في ت: "وعلا".
(2) في ت: "ذات يمين وذات شمال".
(3) في ت: "هذه الحالة وهذه الحالة".
(4) سبق تخريجه عند تفسير الآية الثامنة من هذه السورة.
(5) في ت: "هن".
(6) في ت، ف: "يصلى".
بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ (1) ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح، غُفر له ما بينها (2) وبين صلاة العشاء وهي الحسنات يذهبن السيئات" قالوا: هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (3) تفرد به (4) . (5/162)
وروى مالك، عن عمارة بن عبد الله بن صياد (5) عن سعيد بن المسيب قال: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال محمد بن عَجْلان، عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" فقلت: الصلاة والصيام. قال (6) لم تصب. فقلت: الزكاة والحج. فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن نافع عن سَرْجس، أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن: { الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، [وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك.
وقال مجاهد: { الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر] (7) .
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمر، عن الحسن وقتادة في قوله: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، هُنّ الباقيات الصالحات.
قال ابن جرير: وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار، عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المَقْبُرِي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، منَ الباقيات الصالحات" (8) .
قال: وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث أن درّاجًا أبا السمح حَدّثه، عن ابن الهيثم، عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات". قيل: وما هي (9) يا رسول الله؟ قال: "الملة". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
وهكذا رواه أحمد، من حديث دراج، به (10) .
وبه قال ابن وهب: أخبرني أبو صَخْر أن عبد الله بن عبد الرحمن، مولى سالم بن عبد الله
__________
(1) في ف، أ: "لعله يتمرغ".
(2) في ت: "بينهما".
(3) في أ: "بالله العلى العظيم".
(4) المسند (1/71).
(5) في ف: "جياد".
(6) في ف: "فقال".
(7) زيادة من ف.
(8) تفسير الطبري (15/167).
(9) في أ: "وما هن".
(10) تفسير الطبري (15/167) والمسند (3/75).
حَدّثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي، فقال: قل له: القني عند زاوية القبر فإن لي إليك حاجة. قال: فالتقيا، فسلم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها "لا حول ولا قوة إلا بالله؟" فقال: ما زلت أجعلها. قال: فراجعه (1) مرتين أو ثلاثًا، فلم ينزع، قال فأثبت (2) قال سالم: أجل فأثبت (3) فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يقول: "عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم عليه السلام، فقال: يا جبريل من هذا معك؟ فقال: محمد فرحب بي وسَهَّل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيّبة وأرضها واسعة. فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله" (4) (5/163)
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام، حدثني رجل من الأنصار، من آل النعمان بن بشير، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض، حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: "أما إنه سيكون بعدي أمراء، يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم، فليس مني ولا أنا منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم (5) فهو مني وأنا منه. ألا وإن "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هُنّ الباقيات الصالحات" (6)
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن كثير، عن زيد، عن أبي سلام [عن] (7) مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم] (8) قال: "بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه (9) والده". وقال: "بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقنًا بهن، دخل الجنة: يؤمن بالله، واليوم الآخر، وبالجنة وبالنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب (10) (11)
وقال الإمام أحمد: حدثنا رَوْح، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس رضي الله عنه، [في سفر] (12) فنزل منزلا فقال لغلامه: "ائتنا بالشَّفرة نعبث بها". فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه. فلا تحفظوها علي (13) واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا (14) هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك (15) شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير
__________
(1) في ف، أ: "فراجعته".
(2) في ف، أ: "فأبيت".
(3) في أ: "فأبيت".
(4) تفسير الطبري (15/166).
(5) في أ: "ولم يمالئهم على ظلمهم".
(6) المسند (4/267).
(7) زيادة من ف، والمسند.
(8) زيادة من ف، والمسند.
(9) في ت: "فيحتسبنه".
(10) في ت، ف: "والحساب".
(11) المسند (4/237)، وقال الهيثمي في المجمع (10/88): "رجاله رجال الصحيح".
(12) زيادة من ف ، والمسند
(13) في ت: "على ذلك".
(14) في أ: "فأكثروا".
(15) في ت: "وأشكرك".
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)
ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب" (1) (5/164)
ثم رواه أيضا النسائي (2) من وجه آخر عن شداد، بنحوه (3)
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمر بن الحسين، عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة، رضي الله عنه، قال: كنت في أول من أتى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف، فخرجت من أهلى (4) من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر، فتصاعدت في الجبل ثم هبطت، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت، وعلمني: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } و { إِذَا زُلْزِلَتِ } وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: "هن الباقيات الصالحات". وبهذا الإسناد: "من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، غفرت ذنوبه إلا الدماء فإنها لا تبطل" (5)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } قال: هي ذكر الله، قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات. وهن الباقيات الصالحات، التي تبقى لأهلها في الجنة، ما دامت السموات والأرض.
وقال العوفي، عن ابن عباس: هُنّ الكلام الطيب.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها. واختاره ابن جرير، رحمه الله.
{ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) }.
يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: { يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا } [الطور:9، 10] أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال
__________
(1) المسند (4/123).
(2) في ت: "فالنسائي".
(3) سنن النسائي الكبري برقم (1227).
(4) في ت، ف، أ: "من أهلي الطائفة".
(5) المعجم الكبير (6/51) وفيه الحسين العوفي ضعيف.
تعالى: { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } [النمل:88] ، وقال تعالى: { وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ } [القارعة:5] وقال: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا } [طه:105-107] يقول تعالى: إنه تذهب الجبال، وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض { قَاعًا صَفْصَفًا } أي: سطحًا مستويًا لا عوج فيه { وَلا أَمْتًا } أي: لا وادي ولا جَبَل؛ ولهذا قال تعالى: { وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً } [أي: بادية ظاهرة، ليس فيها مَعْلَم لأحد ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. (5/165)
قال مجاهد، وقتادة: { وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً } ] (1) لا خَمَرَ فيها ولا غَيَابة. قال قتادة: لا بناءَ ولا شَجَر.
وقوله: { وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا } أي: وجمعناهم، الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال: { قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } [الواقعة:50، 49] ، وقال: { ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ } [هود:103] ،
وقوله: { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا } يحتمل أن يكون المراد: أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفًا واحدًا، كما قال تعالى: { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [النبأ:38] ويحتمل أنهم يقومون (2) صفوفًا صفوفا، كما قال: { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } [الفجر:22]
وقوله: { لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد؛ ولهذا قال مخاطبا لهم: { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا } أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.
وقوله: { وَوُضِعَ الْكِتَابُ } أي: كتاب الأعمال، الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير { فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، { وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا } أي: يا حسرتنا وويلنا (3) على ما فرطنا في أعمارنا { مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا } أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا ولا عملا وإن صغر { إِلا أَحْصَاهَا } أي: ضبطها، وحفظها.
وروى الطبراني، بإسناده المتقدم في الآية قبلها، إلى سعد ابن جنادة قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حُنَيْن، نزلنا قفرًا من الأرض، ليس فيه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجمعوا، من وجد عُودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به. قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه رُكامًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أترون هذا؟ فكذلك تُجْمَع الذنوب على الرجل منكم كما جَمَعْتُم هذا. فليتق الله رجل ولا
__________
(1) زيادة من ف.
(2) في ف، أ: "أن يقوموا".
(3) في ت، ف، أ: "وويلتنا".
يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها مُحْصَاة عليه " (1) (5/166)
وقوله: { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا } أي: من خير أوشر كما قال تعالى: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا } [آل عمران:30] ، وقال تعالى: { يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [القيامة:13] وقال تعالى: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } [الطارق:9] أي: تظهر المخبآت والضمائر.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل غادر لواء يومَ القيامة [يعرف به" (2) .
أخرجاه في الصحيحين، وفي لفظ: "يُرْفَع لكل غادر لواء يومَ القيامة] (3) عند استه بقدر غَدْرته، يقال: هذه غَدْرَة فلان بن فلان" (4)
وقوله: { وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعًا، ولا يظلم أحدا من خلقه، بل يعفر (5) ويصفح ويرحم ويعذب من يشاء، بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، [ثم ينجي أصحاب المعاصي] (6) ويُخلَّد فيها الكافرون (7) وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } [النساء:40] وقال: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [الأنبياء:47] والآيات في هذا (8) كثيرة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رَحْلى، فسرت عليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس (9) فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسَمَعه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشُر الله، عز وجل الناس يوم القيامة -أو قال: العبادَ-عُرَاةَ غُرْلا بُهْمًا" قلت: وما بهمًا؟ قال: "ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قَربَ: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق، حتى أقصه (10) منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند رجل من أهل النار حق، حتى أقصه (11) منه حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف، وإنما نأتي الله، عز وجل، حفاة عُراة غُرْلا بُهْمًا؟ قال:
__________
(1) المعجم الكبير (6/52).
(2) المسند (3/142).
(3) زيادة من ف.
(4) صحيح البخاري برقم (3186) وصحيح مسلم برقم (1737).
(5) في ت، ف: "يعفو".
(6) زيادة من ف.
(7) في ف: "الكافرين".
(8) في ت: "في هذه"، وفي ف: "فيهما".
(9) في ت: "أنس".
(10) في ت، ف، أ: "أقضيه".
(11) في ت، ف، أ: "أقضيه".
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)
بالحسنات والسيئات" (1) . (5/167)
وعن شعبة، عن العوام بن مُزَاحم، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الجَمَّاء لتقتص من القرناء يوم القيامة" (2) رواه عبد الله بن الإمام أحمد وله شواهد من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله: { وَنَضَعُ (3) الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا } [الأنبياء:47] وعند قوله تعالى: { إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [الأنعام:38]
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا (50) }
يقول تعالى منبهًا بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعًا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه، الذي أنشأه وابتداه، وبألطاف رزقه وغذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله، فقال تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ } أي: لجميع الملائكة، كما تقدم تقريره في أول سورة "البقرة" (4) .
{ اسْجُدُوا لآدَمَ } أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [الحجر:29، 28]
وقوله { فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ } أي: خانه أصله؛ فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "خُلِقت الملائكة من نور، وخُلق إبليس من مارج من نار، خُلق (5) آدم مما وصف لكم" (6) . فعند الحاجة نضح (7) كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان قد تَوَسَّم بأفعال الملائكة وتشبه بهم، وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة .
ونبه تعالى هاهنا على أنه { مِنَ الْجِنِّ } أي: إنه خُلِق من نار، كما قال: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } [الأعراف:12، ص:76]
قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قَط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم، عليه السلام، أصل البشر. رواه ابن جرير بإسناد صحيح [عنه] (8) (9) .
__________
(1) المسند (3/495).
(2) روائد المسند (1/12).
(3) في ت : "ويضع".
(4) عند تفسير الآية: 34.
(5) في ت ، ف ، ومسلم : "وخلق".
(6) صحيح مسلم برقم (2996).
(7) في أ: "نضح لكم".
(8) زيادة من ف، أ.
(9) تفسير الطبري (15/170).
وقال الضحاك، عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة -قال: وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، وخُلقت الملائكة من نور غير هذا الحي-قال: وخلقت الجن الذين ذُكروا في القرآن من مارج من نار. وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. (5/168)
وقال الضحاك أيضًا، عن ابن عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان [السماء] (1) الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه، من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفًا على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر (2) لا يعلمه إلا الله. فاستخرج الله ذلك الكبر منه حين (3) أمره بالسجود لآدم "فاستكبر، وكان من الكافرين. قال ابن عباس: وقوله: { كَانَ مِنَ الْجِنِّ } أي: من خزان [الجنان، كما يقال للرجل: مكي، ومدني، وبصري، وكوفي. وقال ابن جريج، عن ابن عباس، نحو ذلك.
وقال سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: هو من خزان] (4) الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا، رواه ابن جرير من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، به.
وقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة سماء (5) الدنيا.
وقال ابن إسحاق، عن خَلاد بن (6) عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس -قبل أن يركب المعصية-من الملائكة، اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض. وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا. فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جنا.
وقال ابن جُرَيْج، عن صالح مولى التَّوْأمة وشريك بن أبي نَمِر، أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض. فعصى، فسخط الله عليه، فمسخه شيطانًا رجيمًا -لعنه الله-ممسوخًا، قال: وإذا كانت خطيئة الرجل في كِبْر فلا تَرْجُه، وإذا كانت في معصية فارجه.
وعن سعيد بن جُبَيْر أنه قال: كان من الجنانين، الذين يعملون في الجنة.
وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها. ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غُنْيَةٌ عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين يَنْفُون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه [الأمة من] (7) الأئمة والعلماء، والسادة الأتقياء والأبرار والنجباء (8) من الجهابذة النقاد، والحفاظ
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ.
(2) في ف: "كبر في قلبه".
(3) في ت: "حتى".
(4) زيادة من ف.
(5) في ت، ف: "السماء".
(6) في ف: "عن".
(7) زيادة من ف.
(8) في أ: "البررة والنجباء".
مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53)
الجياد، الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه، من ضعيفه، من منكره وموضوعه، ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي، خاتم الرسل، وسيد البشر [عليه أفضل التحيات والصلوات والتسليمات] (1) ، أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس [منه] (2) ، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل. (5/169)
وقوله: { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } أي: فخرج عن طاعة الله؛ فإن الفسق هو الخروج، يقال (3) فَسَقت الرُّطَبة: إذا خرجت من أكمامها (4) وفسقت الفأرة من جُحْرها: إذا خرجت منه للعيث (5) والفساد.
ثم قال تعالى مقرعًا وموبخًا لمن اتبعه وأطاعه: { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي } أي: بدلا عني؛ ولهذا قال: { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا }
وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس: { وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ } [يس: 59 -62] .
{ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) }
يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم، لا يملكون شيئًا، ولا أشهدتهم خلقي للسموات (6) والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها وَحْدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } الآية [سبا: 23، 22] ؛ ولهذا قال: { وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } قال مالك: أعوانًا.
{ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) }
يقول تعالى مخبرًا عما يُخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعًا لهم وتوبيخًا:
__________
(1) زيادة من أ.
(2) زيادة من ف.
(3) في أ: "تقول".
(4) في أ: "كمامها".
(5) في أ: "للعنت".
(6) في ف، أ: "خلق السموات".
{ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أي: في دار الدنيا، ادعوهم اليوم، ينقذونكم مما (1) أنتم فيه، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [الأنعام:94]. (5/170)
وقوله: { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } ]كما قال: { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ (2) [ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } [القصص:64] ، وقال { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } [الأحقاف:5، 6]، قال تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } [مريم:82، 81]
وقوله: { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا } قال ابن عباس، وقتادة وغير واحد: مَهْلكًا (3) .
وقال قتادة: ذكر لنا أن عمرا البكالي (4) حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو واد عميق، فُرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة.
وقال قتادة: { مَوْبِقًا } واديًا في جهنم.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سِنان القزاز، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى: { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا } قال: واد في جهنم، من قيح ودم.
وقال الحسن البصري: { مَوْبِقًا } : عداوة.
والظاهر من السياق هاهنا: أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديًا في جهنم أو غيره، إلا أن الله تعالى أخبر (5) أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير.
وأما إن جعل الضمير في قوله: { بَيْنَهُمْ } (6) عائدًا إلى المؤمنين والكافرين، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به، فهو كقوله تعالى: { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } [الروم:14] ، وقال { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } [الروم:43] ، وقال تعالى: { وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ } [يس:59] ، وقال تعالى: { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } [يونس:28 -30] .
__________
(1) في ت: "بما".
(2) زيادة من ف.
(3) في ت: "هلكا".
(4) في أ: "البكائي".
(5) في أ: "خير".
(6) في ت: "بينهما".
وقوله: { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } أي: إنهم لما عاينوا جهنم حين (1) جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار، تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه، عذاب ناجز. (5/171)
{ وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } أي: ليس (2) لهم طريق يعدل بهم عنها ولا بد لهم منها.
قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرّاج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الكافر يرى (4) جهنم، فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين (5) سنة" (6)
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن (7) لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة، كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم، ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة" (8) .
__________
(1) في ت: "حتى".
(2) في ت، ف، أ: "وليس".
(3) في ف، أ: "عن النبي".
(4) في ف، أ: "ليرى".
(5) في ف: "أربعمائة".
(6) تفسير الطبري (15/173) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(7) في ت: "أبي" و هو خطأ.
(8) المسند (3/75).
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)
{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا (54) }. (5/171)
يقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم الأمور، وفصلناها، كيلا (1) يضلوا عن الحق، ويخرجوا عن طريق الهدى. ومع هذا البيان وهذا الفرقان، الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني علي بن الحسين، أن حسين بن علي أخبره، أن علي بن أبي طالب أخبره، أن رسول الله (2) صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال: "ألا تصليان؟" فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بَعَثنا. فانصرف حين قلت ذلك، ولم يَرْجع إلي شيئًا، ثم سمعته وهو مولّ (3) يضرب فخذه [ويقول] (4) { وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا } أخرجاه في الصحيحين (5) .
__________
(1) في ف، : "لئلا".
(2) في ف، أ: "النبي".
(3) في ت، ف، أ: "يقول".
(4) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.
(5) المسند (1/112) وصحيح البخاري برقم (1227) وصحيح مسلم برقم (755).
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)
{ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) }. (5/172)
يخبر تعالى عن تمرد (1) الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات [والآثار] (2) والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانًا، كما قال أولئك لنبيهم: { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } [الشعراء:187] ، وآخرون قالوا: { ائْتِنَا (3) بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } [العنكبوت:29] ، وقالت قريش: { اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأنفال:32] ، { وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } [الحجر:7، 6] إلى غير ذلك [من الآيات الدالة على ذلك] (4) .
ثم قال: { إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ } من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم، { أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا } أي: يرونه عيانًا مواجهة [ومقابلة] (5) ، ثم قال: { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا } أي: قبل العذاب مبشرين (6) من صدقهم وآمن بهم، ومنذرين (7) مَنْ كذبهم وخالفهم.
ثم أخبر عن الكفار بأنهم يجادلون بالباطل { لِيُدْحِضُوا بِهِ } أي: ليضعفوا به { الْحَقَّ } الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم. { وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا } أي: اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث (8) بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب { هُزُوًا } أي: سخروا منهم في ذلك، وهو أشد التكذيب.
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) }.
يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم (9) ممن ذكر بآيات الله (10) فأعرض عنها، أي: تناساها وأعرض
__________
(1) في ت: "ثمود".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف.
(4) زيادة من ف، أ.
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في ت، ف، أ: "مبشرون".
(7) في ت، ف، أ: "ومنذرون".
(8) في ت، أ: "أبعث".
(9) في أ: "وأي عبادى أظلم".
(10) في ف: "ربه".
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61)
عنها، ولم يصغ (1) لها، ولا ألقى إليها بالا { وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة. { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي: قلوب هؤلاء { أَكِنَّةً } أي: أغطية وغشاوة، { أَنْ يَفْقَهُوهُ } أي: لئلا يفهموا (2) هذا القرآن والبيان، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } أي: صمم معنوي عن الرشاد، { وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } . (5/173)
وقوله: { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ } أي: ربك (3) -يا محمد-غفور ذو رحمة واسعة، { لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ }، كَمَا قَالَ: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } [فاطر:45] ، وقال: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ } [الرعد:6]. والآيات في هذا كثيرة.
ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها؛ ولهذا قال: { بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا } أي: ليس لهم عنه محيد ولا محيص ولا معدل.
وقوله: { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت [معلوم] (4) معين، لا يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون، احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول (5) وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر.
{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) }
__________
(1) في ت: "يضع".
(2) في ت: "يفهم"، وفي ف، أ: "يفهموه".
(3) في ف، أ: "وربك".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ت: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)
{ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) }. (5/173)
سبب قول موسى [عليه السلام] (1) لفتاه -وهو يُشوع بن نُون-هذا الكلام: أنه ذكر له أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين، عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الذهاب إليه، وقال لفتاه ذلك: { لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } أي لا أزال سائرًا حتى أبلغ هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق:
__________
(1) زيادة من ف، أ.
فَمَا بَرحُوا حَتَّى تَهَادَتْ نسَاؤهُم ... بِبَطْحَاء ذي قار عيابَ اللطَائم (1) (5/174)
قال قتادة وغير واحد: وهما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب.
وقال محمد بن كعب القُرظي: مجمع البحرين عند طنجة، يعني في أقصى بلاد المغرب، فالله أعلم.
وقوله: { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } أي: ولو أني أسير حقبًا من الزمان.
قال ابن جرير، رحمه الله: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحُقُب في لغة قيس (2) : سنة. ثم قد روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: الحُقُب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون خريفًا. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } قال: دهرًا. وقال قتادة، وابن زيد، مثل ذلك.
وقوله: { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا } ، وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدتَ الحوت فهو ثَمّة. فسارا حتى بلغا مجمع البحرين؛ وهناك عين يقال لها: "عين الحياة"، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء فاضطرب (3) ، وكان في مكتل مع يوشع [عليه السلام] (4) ، وطَفَر من المَكْتل إلى البحر، فاستيقظ يُوشع، عليه السلام، وسقط الحوت في البحر وجعل يسير فيه، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده؛ ولهذا قال: { فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } أي: مثل السَرَب في الأرض.
قال ابن جريح (5) : قال ابن عباس: صار أثره كأنه حَجَر.
وقال العوفي، عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة (6) .
وقال محمد -[هو] (7) بن إسحاق-عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر حديث ذلك: "ما انجاب ماء منذ كان الناس غيره ثبت (8) مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكُوّة حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه"، فقال: { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } .
وقال قتادة: سَرب من البر (9) ، حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فيه فجعل لا يسلك فيه طريقًا إلا جعل (10) ماء جامدًا.
وقوله: { فَلَمَّا جَاوَزَا } أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه، ونُسب النسيان إليهما وإن كان يُوشَع
__________
(1) البيت في تفسير الطبري (15/176).
(2) في ف، أ: "العرب".
(3) في ف، أ: "فاضطربت".
(4) زيادة من ت، ف، أ.
(5) في ت: "جرير".
(6) في ت، ف، أ: "كصخرة".
(7) زيادة من أ.
(8) في أ: "غير مثبت".
(9) في ت، أ: "الحر".
(10) في ت، أ: "صار".
هو الذي نسيه، كقوله تعالى: { يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } [الرحمن:22] ، وإنما يخرج من (1) المالح في أحد القولين. (5/175)
فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه مَرْحَلَةً { قَالَ } موسى { لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [ نَصَبًا ] (2) } أي: الذي جاوزا فيه المكان { نَصَبًا } يعني: تعبًا. قال: { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: ["وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان] (3) ، ولهذا قال: { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ } أي: طريقه { فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } أي: هذا الذي نطلب { فَارْتَدَّا } أي: رجعا { عَلَى آثَارِهِمَا } أي: طريقهما { قَصَصًا } أي: يقصان أثر مشيهما، ويقفوان أثرهما.
{ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } وهذا هو الخضر، عليه السلام، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. بذلك قال البخاري:
حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البِكَالِيّ يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عَدُوّ الله، حدثنا أبي بن كعب، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فَسُئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يَرُدّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا رب، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا، تجعله (4) بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو (5) ثم. فأخذ حوتا، فجعله بمكتل (6) ثم انطلق وانطلق معه بفتاه (7) يُوشع بن نون عليهما (8) السلام، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه، فسقط في البحر واتخذ (9) سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جِريةَ الماء، فصار عليه مثل الطاق. فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: { آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } ولم يجد موسى النَّصَب حتى جاوَزَا المكان الذي أمره الله به. قال له فتاه (10) : { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } قال: "فكان للحوت سربًا ولموسى وفتاه عجبًا، فقال: { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا } . قال: "فرجعا (11) يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مُسجّى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخَضِر: وَأنّى بأرضك السلام!. قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما عُلِّمت رشدا. { قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } ، يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله عَلَّمَكَه الله لا
__________
(1) في ف، أ: "على".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف، أ، وفي هـ: "أن أذكره".
(4) في أ: "فتجعله".
(5) في أ: "منهم".
(6) في ف: "في مكتل".
(7) في ف: "فتاه".
(8) في ت، ف: "عليه".
(9) في ف: "فاتخذ".
(10) في ت: "قتادة" وهو خطأ.
(11) في ف: "فرجعان".
أعلمه. فقال موسى: { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا } قال له الخضر: { فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا } . (5/176)
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوه (1) ، فعرفوا الخضر، فحملوهم (2) بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول، فعمدت (3) إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئًا إمرًا. { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } (4) قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كانت الأولى من موسى نسيانًا". قال: وجاء عصفور فنزل (5) على حرف السفينة فنقر في البحر نَقْرة، [أو نقرتين] (6) فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه [بيده] (7) فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } ؟! (8) قال: "وهذه أشد من الأولى"، { قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * (9) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ (10) } قال: مائل. فقال الخضر بيده: { فَأَقَامَهُ } ، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، { لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما".
قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" وكان يقرأ: "وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين" (11) .
ثم رواه (12) البخاري عن قتيبة، عن سفيان بن عُيينة... فذكر نحوه (13) ، وفيه: "فخرج موسى ومعه فتاه يُوشع بن نون، ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عندها -قال: فوضع موسى رأسه فنام-قال سفيان: وفي حديث غير (14) عمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي: فأصاب (15) الحوت من ماء تلك العين، قال، فتحرك وانسل من المكتل، فدخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: { آتِنَا غَدَاءَنَا } كذا قال: وساق (16) الحديث. ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي
__________
(1) في ف، أ: "يحملوهم".
(2) في ت: "فحملوه"، وفي ف، أ: "فحملوا".
(3) في ف، أ: "عمدت".
(4) في ف، أ: "أقل لك" وهو خطأ.
(5) في ف، أ: "فوقع".
(6) زيادة من أ.
(7) زيادة من ف، أ.
(8) في ف، أ: "زاكية".
(9) في ف : "قد بلغت مني" وهو خطأ.
(10) في ت: "ينقض فأقامه".
(11) صحيح البخاري برقم (4725).
(12) في أ: "ورواه".
(13) في ت، ف، أ: "فذكره بنحوه".
(14) في ت، ف، أ: "عن".
(15) في ت: "قال: فأصاب".
(16) في أ: "وسباق".
وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدارُ ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمامه بنحوه (1) . (5/177)
وقال البخاري أيضًا: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جُرَيج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير -يزيد أحدهما على صاحبه-وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته، إذ قال: سلوني. فقلت: أي أبا عباس، جعلني الله فداك، بالكوفة رجل قاص، يقال له: "نوف" يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل -أما عمرو فقال لي: قال (2) : كذب عدو الله! وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "موسى رسول الله، ذكَّر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب، ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض (3) أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى قال: أي رب، وأين؟ قال: بمجمع البحرين. قال: أي رب، اجعل لي علمًا أعلم ذلك به". قال لي عمرو: قال: حيث يفارقك الحوت، وقال لي يعلى: خذ حوتًا ميتًا حيث ينفخ فيه الروح. فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني حيث يفارقك الحوت، قال ما كلفت كبيرًا. فذلك قوله: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ } يوشع بن نون، ليست عند سعيد بن جبير، قال: "فبينا (4) هو في ظل صخرة في مكان ثريان (5) إذ تَضَرَّب (6) الحوت وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جَرْيَة الماء حتى كأن أثره في حجر". [قال: فقال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر] (7) ، وحلق بين إبهاميه والتي تليهما: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } قال: "وقد قطع الله عنك النصب" ليست هذه عند سعيد -أخبره، فرجعا فوجدا خَضرًا. قال: قال (8) عثمان بن أبي سليمان: على طِنْفِسَة خضراء على كبِد (9) البحر. قال سعيد بن جبير: مُسَجى بثوب، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض من سلام؟ من أنت؟ قال أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: يكفيك (10) التوراة (11) بيدك، وأن الوحي يأتيك!. يا موسى، إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه. فأخذ طائر بمنقاره من البحر [فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر] (12) ، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارًا تحمل (13) أهل هذا الساحل إلى (14) هذا الساحل الآخر عرفوه، فقالوا: عبد الله الصالح؟. قال فقلنا لسعيد: خضر؟ قال: نعم. لا نحمله بأجر. فخرقها، وَوَتَدَ فيها وتدًا. قال موسى: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } .
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4727).
(2) في أ: "فقال وقال".
(3) في ت: "هل على الأرض"، وفي ف: "هل في الناس".
(4) في ت: "فبينما".
(5) في ف، أ: "يريان".
(6) ف أ: "يضرب".
(7) زيادة من ف، أ، والبخاري.
(8) في ف، أ: "قال لى".
(9) في ت: "كبده".
(10) في أ: "أما يكفيك"، وفي ت: "ألا تكفيك.
(11) في ف: "أما يكفيك أن التوراة".
(12) زيادة من ف، أ، والبخاري.
(13) في ت: "فحمد".
(14) في ت، أ: "إلى أهل".
قال مجاهد: منكرًا. قال: { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا { قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا. فَانْطَلَقَا }. حتى لقيا غلامًا فقتله. قال يعلى: قال سعيد، وجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، فقال: { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } لم تعمل بالحنث (1) . وابن عباس قرأها { زَكِيَّةً } -" زَاكِيَة " مُسْلمَة، كقولك (2) : غلامًا زكيا فانطلقا، فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه، قال [سعيد] (3) بيده هكذا، ورفع يده فاستقام -قال يعلى: حسبت أن سعيدًا قال: فمسحه بيده فاستقام -قال: { لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } قال سعيد: أجرًا نأكله { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ } وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: "أمامهم ملك" يزعمون عن غير سعيد أنه هُدَدُ بن بُدَدَ، والغلام المقتول (4) اسمه -يزعمون-جَيسُور (5) { مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزه (6) أصلحوها فانتفعوا بها. ومنهم من يقول: سدوها بقارورة. ومنهم من يقول: بالقار. { فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ } وكان كافرًا، { فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا }. أن يحملهما حُبّه على أن يتابعاه (7) على دينه { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً } كقوله: { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } ، { وَأَقْرَبَ رُحْمًا } : هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل (8) خضر. وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية. وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية (9) . (5/178)
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: خطب موسى، عليه السلام، بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني. فَأمرَ أن يلقى هذا الرجل. فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان (10) ، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة (11) ، عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب فقال بعضهم: يا أبا العباس، إن نوفًا ابن امرأة كعب، يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا؟ قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوفٌ يقول هذا؟ قال سعيد: فقلت له: نعم، أنا سمعت نوفًا يقول (12) ذلك. قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت: نعم. قال: كذب نوف. ثم قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد (13) هو أعلم مني، فدلني عليه. فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك. ثم نعت له مكانه (14) وأذن له في لقيه. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا (15) حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من
__________
(1) في ت: "لم تعلم بالحنث"، وفي ف، أ: "لم تعمل الحنث".
(2) في ت: "كقوله".
(3) زيادة من ف، أ، والبخاري.
(4) في ت: "المقصود".
(5) في أ: "حيسون".
(6) في أ: "جاوزوا".
(7) في ت: "تبايعاه".
(8) في أ: "قتله".
(9) صحيح البخاري برقم (4726).
(10) تفسير عبد الرزاق (1/341، 342).
(11) في ف، أ: "عيينة".
(12) في ت: "فيقول".
(13) في ت: "واحد".
(14) في ف، أ: "بمكان".
(15) في أ: "إنه إذا".
شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي. فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي { فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } فانطلقا فلما جاوز مُنْقَلَبَه قال: موسى لفتاه: { آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } قال الفتى -وذكر-: { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } . قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حتى إذا انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى،فردّ عليه العالم ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لَشُغل؟. قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا { قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } وكان رجلا يعلم علم الغيب قد عُلِّم ذلك -فقال موسى: بلى. قال: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } ؟ أي: إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم. { قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا } وإن رأيتُ ما يخالفني، قال: { فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ } [وإن أنكرته] (1) { حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا } : فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرّضان الناس، يلتمسان (2) من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما من السفن أحسن ولا أكمل ولا أوثق منها. فسألا أهلها أن يحملوهما، فحملوهما (3) ، فلما اطمأنا فيها وَلجّجَت بهما مع أهلها، أخرج منقارًا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها. ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، فقال: له موسى -ورأى أمرًا أفظع به-: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ } أي: بما تركت من عهدك، { وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } . ثم خرجا (4) من السفينة فانطلقا، حتى أتيا (5) أهل قرية، فإذا غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أثرى (6) ولا أوضأ (7) منه، فأخذه بيده، وأخذ (8) حجرًا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، قال: فرأى موسى أمرًا فظيعًا لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له (9) قال: { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } (10) أي: صغيرة { بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي (11) عُذْرًا } أي: قد أعْذرتَ (12) في شأني. { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } ، فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه (13) يصنع من التكليف، وما ليس عليه صبر، قال: { لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يُضَيّفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في عمله؟. قال: { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } -وفي قراءة أبيّ بن كعب: "كل سفينة صالحة" -وإنما عبتها (14) لأرده عنها، فسلمت (15) حين رأى العيب الذي صنعت بها. { وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } أي: ما فعلته عن نفسي، { ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } وكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علمًا (16) . (5/179)
وقال العوفي، عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه (17) ، فلما استقرت بهم الدار، أنزل الله: أن ذكرهم بأيام الله فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم، وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلم الله نبيكم تكليمًا، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله من كل ما سألتموه؛ فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة، فلم يترك نعمة أنعمها عليهم إلا وعرفهم إياها. فقال له رجل من بني إسرائيل: هم (18) كذلك يا نبي الله، قد عرفنا الذي تقول، فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا. فبعث الله جبرائيل إلى موسى، عليهما السلام (19) ، فقال: إن الله [عز وجل] (20) يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى (21) . إن على شط البحر رجلا هو أعلم منك -قال ابن عباس: هو الخضر-فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه: أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتًا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك، فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب. فلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه: { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربًا فأعجب ذلك موسى، فرجع حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع (22) الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس، حتى يكون صخرة (23) ، فجعل نبي الله يعجب من ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون السلام بهذه (24) الأرض؟ ومن أنت؟ قال: أنا موسى. فقال (25) الخضر: أصاحب بني إسرائيل؟ [قال: نعم] (26) فرحب به وقال: ما جاء (27) بك؟ قال جئتك { عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } يقول: لا تطيق ذلك. قال موسى { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا } قال: فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه، فذلك قوله: { حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا }
وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن ابن عباس: أنه تمارى هو
__________
(1) زيادة من ف، أ، والطبري.
(2) في ف، أ: "يلتمسان".
(3) في ت: "فحملوها".
(4) في ت: "خرجاه".
(5) في ف، أ: "حتى إذا أتيا".
(6) في ف، أ: "ولا أبرأ".
(7) في أ :"ولا أضوأ".
(8) في ف: "فأخذ".
(9) في ف: "عليه".
(10) في أ: "زاكية".
(11) في ف: "قد بلغت منى". وهو خطأ.
(12) في ت: "عددت"، وفي أ: "عذرت".
(13) في أ: "رآه".
(14) في أ: "عيبتها".
(15) في ف: "فسلمت منه".
(16) رواه الطبري في تفسيره (15/180).
(17) في ت، ف، أ: "قومه مصر".
(18) في أ: "هن".
(19) في ف: "جبريل عليه السلام إلى موسى عليه السلام"، وفي أ: "جبريل إلى موسى عليه السلام".
(20) زيادة من أ.
(21) في أ: "بل".
(22) في أ: "حتى يتتبع".
(23) في ت: "حتى يكون مثل الحجر".
(24) في أ: "وأني يكون هذا السلام بهذا".
(25) في ف، أ: "فقال له".
(26) زيادة من ف، أ، والطبري.
(27) في أ: "ما حاجتك".
قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)
والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر. فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقيه، فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا؛ فأوحى الله إلى موسى بلى عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إلى لُقيّه فجعل الله له الحوت آية وقيل له: إذا فَقَدت (1) الحوت [فهو ثمة] (2) فارجع، فإنك ستلقاه. فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر. فقال فتى موسى لموسى: { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ } قَالَ مُوسَى { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا } فوجدا عبدنا (3) خضرًا فكان من شأنهما ما قص في الله كتابه (4) (5) (5/181)
{ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) }.
يخبر تعالى عن قيل موسى، عليه السلام لذلك [الرجل] (6) العالم، وهو الخضر، الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر، { قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ } سؤال بتلطف (7) ، لا على وجه الإلزام والإجبار. وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم. وقوله: { أَتَّبِعُكَ } أي: أصحبك وأرافقك، { عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } أي: مما علمك الله شيئًا، أسترشد به في أمري، من علم نافع وعمل صالح.
فعندها { قَالَ } الخضر لموسى: { إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } أي: أنت لا تقدرأن تصاحبني لما ترى [منِّي] (8) من الأفعال التي تخالف شريعتك؛ لأني على علم من علم الله، ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله، ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور (9) . من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي.
{ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } فأنا أعرف أنك ستنكر علي ما أنت معذور فيه، ولكنْ ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك.
{ قَالَ } له (10) موسى: { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا } أي: على ما أرى من أمورك، { وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا } أي: ولا أخالفك في شيء. فعند ذلك شارطه الخضر { قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ } أي: ابتداءً { حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا } أي: حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن هارون بن عنترة (11) ، عن أبيه، عن ابن
__________
(1) في ت: "بعدت".
(2) زيادة من أ.
(3) في أ: "عبدا".
(4) في ت: "كتابه العزيز".
(5) رواه الطبري في تفسيره (15/183).
(6) زيادة من أ.
(7) في ت، ف، أ: "تلطف".
(8) زيادة من أ.
(9) في أ: "مأمور".
(10) في أ: "أي".
(11) في ف: "عرة".