صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير القرآن العظيم |
{ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي: على رؤوس الخلائق { إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ } أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرتَ عنه رسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك. (2/187)
وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سُرَيْج (1) حدثنا المعتمر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر؛ أن جابر بن عبد الله حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العار والتخزية تبلغ (2) من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله، عز وجل، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار" حديث غريب (3) .
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري، رحمه الله:
حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نَمْر، عن كُرَيب عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثُلث الليل الآخر قَعد فنظر إلى السماء فقال: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ } ثم قام فتوضأ واستن. فصلى إحدى عَشْرَة (4) ركعة. ثم أذّن بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح.
وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن ابن أبي مريم، به (5) ثم رواه البخاري من طُرقٍ عن مالك، عن مَخْرَمَة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس (6) أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي خالته، قال: فاضطجعت في عَرْض الوسادة، واضطجع (7) رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طُولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل -أو قبله بقليل، أو بعده بقليل -استيقظَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من منامه، فجعل يمسحُ النومَ عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيمَ من سُورة آل عمران، ثُم قام إلى شَنّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وُضُوءه (8) ثم قام يصلّي -قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذَهَبتُ فقمت إلى جَنْبه -فوضع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَه اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يَفْتلُها (9) فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خَرَجَ فصلّى الصبح.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طُرُق عن مالك، به (10) ورواه مسلم أيضًا وأبو داود من وجوه أخرَ، عن مخرمة بن سليمان، به (11) .
__________
(1) في جـ، ر: "شريح".
(2) في جـ، ر: "يبلغ".
(3) مسند أبي يعلى (3/311) وقال الهيثمي في المجمع (10/350): "وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو مجمع على ضعفه".
(4) في ر: "عشر" والصحيح ما أثبتناه.
(5) صحيح البخاري برقم ( 4569) وصحيح مسلم برقم (763).
(6) في جـ، رأ، و: "ابن عباس أخبره".
(7) في جـ: "فاضطجع".
(8) في أ: "الوضوء".
(9) في جـ، ر، أ، و: "ففتلها".
(10) صحيح البخاري برقم (4570، 4571) وصحيح مسلم برقم (763) وسنن أبي داود برقم (1367) وسنن النسائي (3/210) وسنن ابن ماجة برقم (1363) وأما الترمذي فرواه في الشمائل برقم (252).
(11) صحيح مسلم برقم (763) وسنن أبي داود برقم (1364).
" طريق أخرى " لهذا الحديث عن ابن عباس [رضي الله عنهما] (1) . (2/188)
قال أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، أخبرنا أبو يحيى بن أبي مسرَّة (2) أنبأنا خَلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عَمْرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس (3) قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام (4) فمرّ بي، فقال: "من هذا؟ عبد الله؟" فقلت (5) نعم. قال: "فَمَه؟" قلت: أمرني العباسُ أن أبيت بكم الليلة. قال: "فالحق الحق" فلما (6) أن دخل قال: "افرشَنْ عبد الله؟" فأتى بوسادة من مسوح، قال فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سَمعتُ غَطِيطه، ثم استوى على فراشه قاعدا، قال: فَرَفَع رأسَه إلى السماء فقال: "سُبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها.
وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث علي بن عبد الله بن عباس (7) حديثا (8) في ذلك أيضا (9) .
طريق أخرى رواها ابن مَرْدُويَه، من حديث عاصم بن بَهْدَلَة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مَضى ليل، فنظر إلى السماء، وتلا هذه الآية: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ } إلى آخر السورة. ثم قال: "اللهم اجعل في قلبي نُورا، وفي سَمْعي نورا، وفي بَصَري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يَدَيّ نورا، ومن خَلْفي نورا، ومن فَوْقي نورا، ومن تحتي نورا، وأعْظِم لي نورا يوم القيامة " وهذا الدعاء (10) ثابت في بعض طرق الصحيح، من رواية كُريب، عن ابن عباس، رضي الله عنه. (11) .
ثم روى ابن مَرْدُويَه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بما جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء (12) للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك (13) يجعل لنا الصَّفَا ذَهَبًا. فدعا ربه، عز وجل، فنزلت: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ } قال: "فليتفكروا فيها" (14) لفظ ابن مَرْدُويَه.
__________
(1) زيادة من و.
(2) في أ: "ميسرة".
(3) في أ: "عن أبيه" وفي و: "عن ابن عباس".
(4) في و: "قال".
(5) في جـ، ر: "قلت".
(6) في ر، أ، و: "قال: فلما".
(7) في جـ، ر، أ، و: عباس عن أبيه".
(8) في ر: "حدثنا".
(9) صحيح مسلم برقم (763) وسنن أبي داود برقم (1353) وسنن النسائي (3/236).
(10) في إسناده عاصم وقد تكلم فيه وشيخه مجهول. ورواه البخاري في صحيحه برقم (4569) ومسلم في صحيحه برقم (763) من طريق كريب عن ابن عباس بنحوه.
(11) في و: "عنهما".
(12) في جـ، ر، أ، و: "بيضاء".
(13) في أ، ر: "ربك أن".
(14) ورواه ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن المنذر كما في الدر (2/407). قال الحافظ ابن حجر في الفتح (8/235): "رجاله ثقات إلا الحماني فإنه متكلم فيه، وقد خالفه الحسن بن موسى، فرواه عن يعقوب عن جعفر عن سعيد مرسلا وهو أشبه، وعلى تقدير كونه محفوظا وصله، ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنية وقريش من أهل مكة، ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولا سيما زمن الهدنة".
وقد تقدم سياق الطبراني لهذا الحديث في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون (1) هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر، قال ابن مَرْدويه : (2/189)
حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن على الحراني، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا حَشْرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي -هو أبو جَنَاب (2) [الكلبي] (3) -عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعُبَيد بن عُمَير إلى عائشة، رضي الله عنها، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد، ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر :
زُر غبّا تزدد حُبّا ...
فقال ابن عمر: ذرينا (4) أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَبَكَتْ وقالت : كُلُّ أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي، ثم قال: ذريني أتعبد لربي [عز وجل] (5) قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب (6) أن تَعبد لربك. فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بَل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يُؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله، ما يُبكيك؟ وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر، فقال: "ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل (7) عليّ في هذه الليلة: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ } " ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها".
وقد رواه عَبْد بن حُمَيد، عن (8) جعفر بن عَوْن، عن أبي (9) جَنَاب (10) الكلبي عن (11) عطاء، بأطول من هذا وأتم سياقا (12) .
وهكذا رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سُوَيد النَّخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: دخلت أنا [وعبد الله بن عمر] (13) وعُبَيد بن عُمَير على عائشة (14) فذكر (15) نحوه.
وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار" عن شجاع بن أشرص، به. ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز: سمعت سُنَيْدًا يذكر عن سفيان -هو الثوري-رفعه قال: من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيه ويْلَه. يعد بأصابعه عشرا. قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني
__________
(1) في ر: "يكون".
(2) في أ: "حبان".
(3) زيادة من ر.
(4) في جـ، ر: "ذرنا"
(5) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(6) في جـ، ر، أ: "لأحب".
(7) في أ: :أنزل الله".
(8) في و: "طريق أخرى: قال عبد بن حميد في تفسيره: أنبأنا".
(9) في و: "حدثنا أبو".
(10) في جـ، ر: "حباب".
(11) في و: "حدثنا".
(12) ومن طريق ابن مردويه رواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (666) فقال: أخبرنا أحمد الذكواني، أنبأنا أحمد بن موسى ابن مردويه، فذكره. وفي إسناده أبو جناب الكلبي تفرد به وهو ضعيف.
(13) زيادة من و.
(14) في و: "على أم المؤمنين".
(15) في جـ: "فذكره".
عُبَيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرأهن وهو يعقلهن. (2/190)
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عَيَّاش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يَتَعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هُنَيّة (1) ثم قال: يقرؤهن وهو يَعْقلُهُن.
[حديث آخر فيه غرابة: قال أبو بكر بن مردويه: أنبأنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم البستي ح وقال: أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو قالا أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف] (2) .
__________
(1) في جـ: "هنيهة".
(2) زيادة من أ، و.
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)
{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) } (2/190)
يقول تعالى: { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ } أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر : وداعٍ دعا: يَا مَن يجيب إلى النّدى ... فَلم يَسْتجبْه عنْد ذاك مجيب (1) ...
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سلمة، رجل من آل أم سلمة، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نَسْمَع اللهَ ذَكَر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله [عز وجل] (2) { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قَدمت علينا.
وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عُيَيْنة، ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه (3) .
وقد روى ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن أم سَلَمة قالت: آخر آية أنزلت هذه الآية: { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } إلى آخرها. رواه ابن مَرْدُويَه.
ومعنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا -مما تقدم ذكره-فاستجاب لهم ربهم -عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة:186] .
__________
(1) البيت في تفسير الطبري (7/488) وهو لكعب بن سعد الغنوي.
(2) زيادة من أ.
(3) سنن سعيد بن منصور برقم (552) والمستدرك (2/300) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (1/144) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (7/488) ولم يذكر قوله: "وقالت الأنصار إلى آخره" من طريق سفيان بنحوه.
وقوله: { أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مُجِيبًا (1) لهم: أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يُوَفّي كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى. (2/191)
وقوله: { بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } أي: جميعكم في ثوابي سَواء { فَالَّذِينَ هَاجَرُوا } أي: تركوا دار الشِّرك وأتَوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، { وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: { وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي } أي: إنما كان ذنْبُهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ } [الممتحنة:1] . وقال تعالى: { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [البروج:8] .
وقوله: { وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا } وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعْقَر جَواده، ويعفَّر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرا مُحْتَسبا مُقْبلا غير مُدبِر، أيُكَفِّر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم" ثم قال: "كيف قلت؟": فأعاد عليه (2) ما قال، فقال: "نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا".
ولهذا قال تعالى: { لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عَيْنَ رَأتْ، ولا أذن سَمِعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر.
وقوله: { ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أضافه إليه ونسبه إليه لِيدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جَزيلا كثيرًا، كما قال الشاعر : إن يُعَذب يَكُن غَرامًا وإن يُعْ ... طِ جَزيلا فإنَّه لا يُبَالي ...
وقوله: { وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } أي: عنده حُسْن الجزاء لمن عمل صالحا.
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن دُحَيم بن إبراهيم: حدثنا الوليد بن مسلم، أخبرني حَرِيز (3) بن عثمان: أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تَتهِموا الله في قضائه، فإنه (4) لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يُحِب فليحْمَد الله، وإذا أنزل (5) به شيء مما يكره فَليَصْبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب .
__________
(1) في جـ، ر، أ، و: "مخبرا".
(2) في أ، و: "قال: فأعاد عليه".
(3) في جـ، ر: "جرير".
(4) في أ: "فإن الله"، وفي و: "فالله".
(5) في جـ، ر، أ: "نزل".
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)
{ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نزلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ (198) } (2/192)
يقول تعالى: لا تنظروا (1) إلى ما هؤلاء الكفار مُتْرفون فيه، من النِّعْمَة والغِبْطَة والسرور، فعَمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مُرتَهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نَمُدّ لهم فيما هم فيه استدراجا، وجميع ما هم فيه { مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ }
وهذه الآية كقوله تعالى: { مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ } [غافر:4] ، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } [يونس:69، 70] ، وقال تعالى: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } [لقمان:24] ، وقال تعالى: { فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا } [الطارق:17] ، أي: قليلا وقال تعالى: { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } [القصص:61] .
وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر مآلهم إلى النار قال بعده: " { لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نزلا } أي: ضيافة من عند الله { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ }
وقال (2) ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن نصر (3) أخبرنا أبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا (4) هشام بن عَمَّار، أنبأنا سعيد بن يحيى، أنبأنا عُبَيد الله بن الوليد الوصافي (5) عن مُحَارب بن دِثَار، عن عَبْد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما سُمّوا الأبرار لأنهم بَرّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حق".
كذا رواه ابن مَرْدُويه عن عَبْد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا (6) وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جَنَاب، حدثنا عيسى بن يونس، عن عُبَيد الله بن الوليد الوصافي (7) عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بَرّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك (8) عليك حقا، كذلك لولدك عليك حق، وهذا أشبه والله أعلم (9) .
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدَّسْتَوائي، عن رجل، عن الحسن قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذَّرّ.
وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيْثَمَة، عن الأسود قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: ما من نَفْس بَرّة ولا فاجرة إلا الموت خيرٌ لها، لئن كان برا لقد قال الله: { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ }
__________
(1) في ر: "تنظر".
(2) في جـ، أ، و: "قال".
(3) في جـ، أ: "نصير".
(4) في جـ: "ابن".
(5) في جـ: "عبد الله بن الوليد الرصافي".
(6) وهو غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن ابن عمر، وقد تفرد به أبو طاهر سهل بن عبد الله.
(7) في جـ: "عبد الله بن الوليد الرصافي".
(8) في أ، و: "لوالدك".
(9) ورواه ابن عدي في الكامل (4/323) من طريق محمد بن خريم عن هشام بن عمار عن سعيد بن يحيى عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر بن الخطاب مرفوعا. ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (94) من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر بن الخطاب موقوفا. قال السيوطي في الدر (2/416): "ووقفه أصح". وفي إسناده عبيد الله بن الوليد الوصافي متفق على ضعفه. وقال ابن عدي: "ضعيف جدا يتبين ضعفه على حديثه".
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)
وكذا رواه عبد الرزاق، عن الأعمش، عن الثوري، به، وقرأ: { وَلا يَحْسَبَنَّ (1) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [آل عمران:178]. (2/193)
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ } ويقول: { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ }
{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) }
يخبرُ تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، وبما أنزل على محمد، مع ما هم يؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، { لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا } أي: لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى. وقد قال تعالى في سورة القصص: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى (2) عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } الآية [القصص:52-54]، وقال تعالى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الآية [البقرة:121]، وقال: { وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [الأعراف:159] ، وقال تعالى: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } [آل عمران:113] ، وقال تعالى: { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا . وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } [الإسراء:107-109] ، وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عَشْرَةَ أنفُس، وأما النصارى فكثير منهم مهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ . (3) ] فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } الآية [المائدة:82-85]، وهكذا قال هاهنا: { أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ] (4) } الآية.
__________
(1) في أ: "ولا تحسبن".
(2) في جـ أ: "تتلى".
(3) زيادة من جـ، ر، و. وفي هـ: "إلى قوله تعالى".
(4) زيادة من جـ، ر، أ.
وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، لَمّا قرأ سورة { كهيعص } بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساوسة (1) بَكَى وبَكَوْا معه، حتى أخْضَبُوا (2) لِحَاهُم. (2/194)
وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نَعَاه النبي (3) صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وقال: "إن أخًا (4) لكم بالحبشة قد مات فصَلُّوا عليه". فخرج [بهم] (5) إلى الصحراء، فَصفَّهم، وصلّى عليه (6) .
وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: لما تُوُفي النجاشي قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: استغفروا لأخيكم . فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لِعِلْج مات بأرض الحبشة. فنزلت: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ } الآية.
ورواه عبد بن حميد وابن (7) أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن (8) عن النبي صلى الله عليه وسلم (9) . ثم رواه ابن مَرْدويه [أيضا] (10) من طرق عن حُمَيْد، عن أنس بن مالك نحو ما تقدم (11) .
ورواه أيضًا ابن (12) جرير من حديث أبي بكر الهُذَلي، عن قَتَادة، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن جابر قال: قال [لنا] (13) رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي: "إن أخاكم أصْحَمة قد مات". فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى كما يُصَلِّي على الجنائز فكبر عليه أربعا، فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة: فأنزل الله [عز وجل] (14) { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ] (15) } (16) .
وقد روى الحافظُ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، أنبأنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: نزل بالنجاشي عَدُوّ من أرضهم، فجاءه المهاجرون فقالوا: نحب (17) أن نَخْرُجَ إليهم حتى نقاتل معك، وترى جرأتنا، ونجزيك بما صنعت بنا. فقال: لا دواء
__________
(1) في جـ، ر: "القساقسة".
(2) في جـ، ر: "أخضلوا".
(3) في جـ، ر، أ، و: "رسول الله".
(4) في جـ: "أخاكم".
(5) زيادة من جـ، أ، و.
(6) صحيح البخاري برقم (1320) وصحيح مسلم برقم (952) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(7) في ر: "عن".
(8) في جـ، ر: "أنس".
(9) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (2688) من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به. ثم قال: "لم يروه عن حماد إلا مؤمل".
(10) زيادة من أ، و.
(11) ورواه الطبراني في الأوسط برقم (3928) "مجمع البحرين" من طريق أبي بكر بن عياش عن حميد عن أنس به. قال الهيثمي في المجمع (3/38): "رجاله ثقات". ورواه الواحدي في الوسيط (1/536) من طريق معتمر بن سليمان عن حميد عن أنس به.
(12) في ر: "وابن".
(13) زيادة من جـ، ر.
(14) زيادة من جـ، أ.
(15) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(16) تفسير الطبري (7/496).
(17) في جـ، ر: "إنا نحب".
بنصرة الله عز وجل خَيْر من دواء بنصرة الناس. قال: وفيه نزلت: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ } الآية، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (1) . (2/195)
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عَمْرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: لما مات النجاشي كنا نُحَدِّث أنه لا يزال يرى على (2) قبره نور (3) .
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } يعني: مسلمة أهل الكتاب.
وقال عَباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ] } (4) الآية. قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فاتبعوه وعرفوا الإسلام، فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين (5) للذي (6) كانوا عليه من الإيمان (7) قبل محمد صلى الله عليه وسلم وبالذي اتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم. رواهما ابن أبي حاتم.
وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يُؤتَوْنَ أجرَهم مرتين" فذكر منهم: "ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي" (8) .
وقوله: { لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا } أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، كما فعله الطائفة المرذولة منهم (9) بل يبذلون ذلك مجانا؛ ولهذا قال: { أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }
قال مجاهد: { سَرِيعُ الْحِسَابِ } يعني: سريع الإحصاء. رواه ابن أبي حاتم وغيره.
وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا } قال الحسن البصري، رحمه الله: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، فلا يدعوه لسرّاء ولا لضرّاءَ ولا لشِدَّة ولا لرِخَاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون (10) دينهم. وكذلك قال غير واحد من علماء السلف.
وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات. وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله [مجاهد و] (11) ابن عباس وسهل بن حُنَيف، ومحمد بن كعب القُرَظي، وغيرهم.
وروى ابن أبي حاتم هاهنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي، من حديث مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحُرَقَة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا
__________
(1) المستدرك (2/300) وأقره الذهبي.
(2) في جـ، أ: "في".
(3) سنن أبي داود بررقم (2523).
(4) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(5) في جـ، ر: "إحدى اثنتين".
(6) في أ: "للذين".
(7) في جـ، ر، أ، و: "الإسلام".
(8) صحيح البخاري برقم (97) وصحيح مسلم برقم (154).
(9) في أ: "بينهم".
(10) في ر، أ، و، "يملون".
(11) زيادة من و.
أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّبَاط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (1) . (2/196)
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق حدثنا أبو جُحَيْفة (2) علي ابن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد (3) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل عليَّ أبو هريرة يوما فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت (4) هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا } ؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت: { اصْبِرُوا } أي: على الصلوات الخمس { وَصَابِرُوا } [على] (5) أنفسكم وهواكم { وَرَابِطُوا } في مساجدكم { وَاتَّقُوا اللَّهَ } فيما عليكم { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (6) .
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن منصور بن المبارك عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -بنحوه (7) .
وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل (8) عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يُكَفِّر الذنوب والخطايا؟ إسْباغُ الوُضُوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط" (9) .
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا موسى بن سَهْل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن مُهاجر، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن شُرَحْبيل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدُلُّكم على ما يَمْحُو الله به الخطايا ويُكفّر به الذنوب؟" قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوُضوء في أماكنها، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط" (10) .
وقال ابن مَرْدُويه: حدثني محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن (11) السلام البيروتي، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع، عن أبي سلمة
__________
(1) رواه مالك في الموطأ في قصر الصلاة برقم (55) ومن طريقه مسلم في صحيحه برقم (251) والنسائي في السنن الكبرى برقم (139).
(2) في جـ: "حجية"، وفي أ: "جحيفة".
(3) في أ: "سويد".
(4) في جـ، ر، أ، و: "أنزلت".
(5) زيادة من أ.
(6) ذكره السيوطي في الدر (2/417) وعزاه لابن مردويه.
(7) المستدرك (2/301) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وأقره الذهبي. ورواه الطبري في تفسيره (7/504) من طريق ابن المبارك عن مصعب بن ثابت عن داود من كلام أبي سلمة كما سيأتي.
(8) في ر: "فضل".
(9) تفسير الطبري (7/505) وفي إسناده المقبري: عبد الله بن سعيد، ضعيف ورمى بالكذب.
(10) تفسير الطبري (7/505، 506) ورواه البزار (1/223) "كشف الأستار" وقال: "لا نعلم يروى هذا عن جابر بغير هذا الإسناد" ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (161) "موارد" كلاهما من طريق محمد بن سلمة عن خالد بن يزيد عن محمد بن سلمة به.
(11) في جـ، ر، أ، و: "عبد الله بن عبد السلام".
بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب، رضي الله عنه، قال: وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل لكم (1) إلى ما يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر؟" قلنا: نعم، يا رسول الله، وما هو؟ قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة". (2/197)
قال: "وهو قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فذلك هو الرباط في المساجد" وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا (2) .
وقال عبد الله بن المبارك، عن مُصْعَب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبَيْر، حدثني داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية { اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا } ؟ قال: قلت: لا. قال: إنه -يا ابن أخي-لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غَزْو يُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة. رواه ابن جرير، وقد تقدم سياقُ ابن مَرْدُويه، وأنه من كلام أبي هريرة، فالله أعلم.
وقيل: المراد بالمرابطة هاهنا مرابطة الغزو في نُحور العدو، وحفظ ثُغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حَوْزَة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذِكْر كثرة الثواب فيه، فرَوَى البخاري في صحيحه عن سَهْل بن سَعْد الساعدي، رضي الله عنه (3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" (4) .
حديث آخر: روى مسلم، عن سَلمان الفارسي، عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رباطُ يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وَإنْ مات جَرَى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجْرِيَ عليه رزْقُه، وأمِنَ الفَتَّان " (5) .
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، عن حَيْوة بن شُرَيح، أخبرني أبو هانئ الخولاني، أن عمرو بن مالك الجَنْبي (6) أخبره: أنه سمع فُضالة بن عُبيد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل ميّت يُخْتَمُ على عمله، إلا الذي مات مُرَابطًا في سبيل الله، فإنه يَنْمى (7) له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر".
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضًا (8) .
حديث آخر: وروى الإمام أحمد أيضًا عن يحيى بن إسحاق وحسن بن موسى وأبي (9) سعيد
__________
(1) في جـ، أ: "هل أدلكم".
(2) وفي إسناده الوازع بن نافع، قال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكر الحديث وتركه النسائي. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ. ميزان الاعتدال (4/327).
(3) في أ، و: "عنهما".
(4) صحيح البخاري برقم (2892).
(5) صحيح مسلم برقم (1913).
(6) في أ: "الختني".
(7) في جـ، ر: "ينمو".
(8) المسند (6/20) وسنن أبي داود برقم (2500) وسنن الترمذي برقم (1621) وصحيح ابن حبان (7/69) "الإحسان".
(9) في جـ، أ: "أبو".
[وعبد الله بن يزيد] (1) قالوا: حدثنا (2) ابن لَهِيعة حدثنا مَشْرَح بن هاعان، سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل ميّت يُخْتَم له على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، فإنه يجري عليه (3) عمله حتى يُبْعَثَ ويأمن من الفَتَّان" (4) . (2/198)
وروى الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده، عن المقبري وهو عبد الله بن يزيد، به إلى قوله: "حتى يبعث" دون ذكر "الفتان" (5) . وابن لَهِيعة إذا صرح بالتحديث فهو حَسَن، ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد.
حديث آخر: قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وَهْب، أخبرني اللَّيْث، عن زُهرة بن مَعْبَد (6) عن أبيه، عن أبي هُرَيرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات مُرَابطًا في سبيل الله، أجرى (7) عليه عمله الصالح الذي كان يعمل وأجْري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفَزَع" (8) .
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا موسى، أنبأنا ابن لَهِيعة، عن موسى بن وَرْدان، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات مُرَابطا وقي فِتنة القبر، وأمن (9) من الفَزَع الأكبر، وغَدَا عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة" (10) .
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلَة الدؤلي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أم الدَّرْداء ترفع الحديث قالت (11) من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام، أجزأت عنه رباط سنة" (12) .
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كَهْمَس، حدثنا مُصْعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان، رضي الله عنه -وهو يخطب على منبره-: إني مُحدِّثكم حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الضّن بكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حَرْسُ ليلة في سبيل الله أفضل (13) من ألف ليلة يقام ليلها ويُصَام نهارها" (14) .
وهكذا رواه أحمد أيضا عن رَوْح عن كهمس عن مصعب بن ثابت، عن عثمان (15) . وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمَّار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مُصْعب بن ثابت،
__________
(1) زيادة من جـ، ر، أ، و.
(2) في جـ، ر، أ، و: "كلهم عن عبد الله بن لهيعة".
(3) في أ: "له".
(4) المسند (3/157) وقال الهيثمي في المجمع (5/289): "فيه ابن لهيعة وحديثه حسن".
(5) مسند الحارث برقم (627) "بغية الباحث" ورواية عبد الله بن يزيد عن ابن لهيعة صحيحة، فهو ممن روى عنه قبل الاختلاط.
(6) في ر: "وابن سعيد".
(7) في أ، و: "أجر".
(8) سنن ابن ماجة برقم (2767) وقال البوصيري في الزوائد (2/391): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".
(9) في ر: "وأومن".
(10) المسند (2/404).
(11) في ر، أ، و: "قال".
(12) المسند (6/362) وقال الهيثمي في المجمع (5/289): "رواه أحمد والطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن طريق المدنيين وبقية رجاله ثقات".
(13) في أ: "خير".
(14) المسند (1/64).
(15) المسند (1/61).
عن عبد الله بن الزبير قال: خطب عثمان بن عفان الناس فقال: يأيها الناس، إني سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الضّنّ بكم وبصحابتكم، فَليخْتَرْ مُخْتَار لنفسه أو ليَدَعْ. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رَابطَ لَيْلة في سَبِيل الله كانت كألْفِ ليلة صِيامها وقِيامها" (1) . (2/199)
طريق أخرى عن عثمان [رضي الله عنه] (2) قال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو (3) عَقِيل زهْرَة بن مَعْبد، عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان قال: سمعت عثمان -وهو على المنبر-يقول: إني كَتَمْتُكُمْ حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كَرَاهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكُمُوه، ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رباطُ يوم في سَبِيل الله خَير من ألف يوم فيما سِوَاه من المنازل".
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال محمد -يعني البخاري-: أبو صالح مولى عثمان اسمه بُرْكان (4) وذكر غير الترمذي أن اسمه الحارث، فالله أعلم (5) وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن لَهِيعة وعنده زيادة في آخره فقال -يعني عثمان-: فليرابط امرؤ كيف شاء، هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد (6) .
حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المُنْكَدر قال: مر سَلْمان الفارسي بشُرَحْبِيل بن السِّمْط، وهو في مُرَابَط له، وقد شَق عليه وعلى أصحابه فقال : أفلا (7) أحدثك -يا ابن السمط-بحديث سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رِبَاط يوم في سبيل الله أفضل -أو قال: خير-من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وُقي فِتْنَة القبر، ونَمَا له عمله إلى يوم القيامة".
تفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن (8) . وفي بعض النسخ زيادة: وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان.
قلت: الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السِّمط وقد رواه مسلم والنسائي من حديث مكحول وأبي عُبيدة بنُ عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط -وله صحبة-عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رِباطُ يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرِي عليه رزقُه، وأمن الفَتَّان" وقد تقدم (9) سياق مسلم بمفرده (10) .
حديث آخر: قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرة، حدثنا (11) محمد بن يَعْلى
__________
(1) سنن ابن ماجة برقم (2766) وقال البوصيري في الزوائد (2/390): "إسناده ضعيف".
(2) زيادة من و.
(3) في جـ: "أبي".
(4) في جـ، أ: "تركان".
(5) سنن الترمذي برقم (1667) ورواه النسائي في السنن (6/39).
(6) المسند (1/62).
(7) في جـ: "ألا".
(8) سنن الترمذي برقم (1665).
(9) في جـ: "قدم".
(10) صحيح مسلم برقم (1913) وسنن النسائي (3916).
(11) في جـ: "قال: حدثنا".
السُّلَمي، حدثنا عُمَر بن صُبَيْح، عن عبد الرحمن بن عَمْرو، عن مكحول، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لربَاط يوم في سبيل الله، من وراء عَوْرَة المسلمين مُحْتَسبًا، من غير شهر رمضان، أعظمُ أجرًا من عبادة مائة سنة، صيامها وقيامها. ورباطُ يوم في سبيل الله، من وراء عورة المسلمين محتسبا، من شهر رمضان، أفضل عند الله وأعظم أجرا -أراه قال-: من عبادة ألف سنة صيامها، وقيامها فإن رده الله تعالى إلى أهله سالما، لم تكتب (1) عليه سيئة ألف سنة، وتكتب له الحسنات، ويُجْرَى له أجر الرباط إلى يوم القيامة". (2/200)
هذا حديث غريب، بل منكر من هذا الوجه، وعُمَر بن صُبَيْح مُتَّهم (2) .
حديث آخر: قال ابن ماجة: حَدثنا عيسى بن يونس الرمْلي، حدثنا محمد بن شُعيب بن شابور، عن سعيد بن خالد بن أبي طويل، سمعتُ أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حَرْسُ ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رَجُل وقيامه في أهله ألف سنة: السنة ثلاثمائة وستون (3) يوما، واليوم (4) كألف سنة".
وهذا حديث غريب أيضا (5) وسعيد بن خالد هذا ضَعَّفَه أبو زُرْعَة وغير واحد من الأئمة، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة.
حديث آخر: قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح، أنبأنا عبد العزيز بن محمد، عن صالح بن مُحَمَّد بن زائدَةَ، عن عُمَرَ بن عبد العزيز، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله حارس الحرس" (6) .
فيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر، فإنه لم يدركه، والله أعلم.
حديث آخر: قال أبو داود: حدثنا أبو تَوْبَةَ، حدثنا معاوية -يعني ابن سلام عن زيد-يعني ابن سلام-أنه سمع أبا سلام قال: حدثني السلولي: أنه حدثه سهل ابن الحنظلية (7) أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين، فأطنبوا السير حتى كانت عَشِيّة، فحضرت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهُوازن على بَكْرَة أبيهم بظُعنهم ونَعَمِهم وشَائِهم (8) اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "تلك غَنِيمَة المسلمين غدًا إن شاء الله [تعالى (9) ] " . ثم قال: "من يحرسنا الليلة؟" قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله. فقال (10) فاركب" فركب فرسًا له، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له
__________
(1) في جـ: "يكتب".
(2) سنن ابن ماجة برقم (2768).
(3) في جـ، ر، أ: "وستين".
(4) في جـ، ر: "يوم اليوم".
(5) سنن ابن ماجة برقم (2770).
(6) سنن ابن ماجة برقم (2769) وقال البوصيري في الزوائد (2/394): "هذا إسناد ضعيف. صالح بن محمد ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود والنسائي وابن عدي وغيرهم".
(7) في ر: "الحنطلية".
(8) في ر، أ: "وشياههم".
(9) زيادة من جـ، أ.
(10) في جـ، أ، و: "قال".
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَقْبِل هذا الشِّعْب حتى تكون في أعلاه ولا يَغَرَّن (1) من قِبَلِك الليلة" فلما أصبحنا خرَج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مُصَلاه فركع ركعتين ثم قال: "هل أحسستم فارسكم؟" قال رجل: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثُوِّب بالصلاة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته قال: "أبْشِرُوا فقد جاءكم فارسكم" فجعلنا ننظر إلى خِلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث رسول الله (2) صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل نزلت الليلة؟" قال: لا إلا مصليًا أو قاضيًا حاجة، فقال له: "أوْجَبْتَ، فلا عليك ألا تعمل بعدها". (2/201)
ورواه النسائي عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني، عن أبي توبة وهو الربيع بن نافع به (3) .
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحُبَاب: حدثنا عبد الرحمن بن شُرَيح، سمعت محمد بن شُمَير (4) الرُّعَيْني يقول: سمعت أبا عامر التَّجِيبي. قال الإمام أحمد: وقال غير زيد: أبا علي الجَنْبِي (5) يقول: سمعت أبا ريحانة يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شَرَف فَبتْنَا عليه، فأصابنا برد شديد، حتى رأيتُ مَنْ يحفر في الأرض حفرة، يدخل فيها ويلقى عليه الجَحْفَة -يَعني التِّرس-فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن الناس نادى: "من يَحْرُسُنا في هذه الليلة فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل؟" فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. فقال: "ادْنُ" فدنا، فقال: "من أنت؟" فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء، فأكثر منه. فقال (6) أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت (7) أنا رجل آخر. فقال: "ادن". فدنوت. فقال: من أنت؟ قال: فقلت: أنا أبو ريحانة. فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال: "حُرِّمَت النار على عَيْنٍ دَمِعَت -أو بَكَتْ-من خَشْيَةِ الله، وحرمت النار على عين سَهِرَتْ في سَبِيل الله".
وروى النسائي منه: "حرمت النار..." إلى آخره عن عِصْمَة بن الفضل، عن زيد بن الحباب به، وعن الحارث بن مسكين، عن ابن وَهْب، عن عبد الرحمن بن شُرَيح، به، وأتم، وقال في الروايتين: عن أبي علي الجنبي (8) (9) .
حديث آخر: قال الترمذي: حدثنا نصر بن علي الجَهْضَمِيّ، حدثنا بِشْر بن عُمَر، حدثنا شعيب بن رزَيق أبو شَيْبة، حدثنا عطَاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عَيْنان لا تَمَسُّهما النار: عَيْنٌ بَكَتْ من خَشْيَةِ الله، وعين باتت تَحْرُسُ في سبيل الله".
__________
(1) في جـ، أ، و: "تغرن".
(2) في جـ، ر، أ: "حيث أمرني رسول الله".
(3) سنن أبي داود برقم (2501) والنسائي في السنن الكبرى برقم (8870).
(4) في جـ، ر: "سمير".
(5) في جـ، ر، و: "الحنفي".
(6) في جـ، ر، أ، و: "قال".
(7) في جـ، ر: "فقلت".
(8) في أ، و: "التجيبي".
(9) المسند (4/134) وسنن النسائي (5/15).
ثم قال : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شُعَيب بن رُزَيق (1) قال : وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة (2) قلت: وقد تقدما، ولله الحمد. (2/202)
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غَيْلان، حدثنا رِشْدين، عن زَبّان (3) عن سهل بن معاذ عن أبيه معاذ بن أنس، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من حَرَس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تَحِلَّة القَسَم، فإن الله يقول : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا } [مريم:71].
تفرد به أحمد (4) رحمه الله [تعالى] (5) .
حديث آخر: روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تَعِسَ عبد الدينار وعبد الدِّرْهَم وعبد الخَميصة، إن أُعْطِيَ رضي، وإن لم يُعْطَ سَخِط، تَعس وانتكَسَ، وإذا شيك فلا انْتَقَش (6) طُوبَى لعَبدٍ آخذٍ بعنان فَرَسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُهُ، مُغَبَّرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السَّاقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَع لم يُشفَّعْ" (7) .
فهذا ما تَيَسَّر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمدُ على جزيل الإنعام، على تعاقب الأعوام والأيام.
وقال ابن جرير : حدثني المُثَنَّى، حدثنا مُطَرِّف بن عبد الله المدني (8) حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة، رضي الله عنه، إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد فإنه مهما يَنزلْ بعبد مؤمن من مَنزلة شدة يجعل الله بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عُسْر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (9) .
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك (10) من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال : أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها
__________
(1) في أ: "زريق".
(2) سنن الترمذي برقم (1639).
(3) في ر: "رثان".
(4) المسند (3/437).
(5) زيادة من ر.
(6) في ر: "انتفش".
(7) صحيح البخاري برقم (2886).
(8) في ر: "المديني".
(9) تفسير الطبري (7/503) ورواه الحاكم في المستدرك (2/300) من طريق زيد بن أسلم به وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(10) انظر: مخنصر تاريخ دمشق لابن منظور (14/22).
معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية: سنة سبع وسبعين ومائة: يا عابدَ الحرمين لَوْ أبْصَرْتَنا ... لَعَلمْتَ أنكَ في العبادِة تلعبُ ... (2/203)
من كان يخضب خدَّه بدموعِه ... فَنُحورنا بدمائنا تَتَخضَّب ...
أو كان يُتْعِبُ خَيْلَه في باطلٍ ... فخُيولنا يومَ الصبِيحة تَتْعبُ ...
ريحُ العبيرِ لكم ونحنُ عبيرُنا ... وَهجُ السنابِك والغبارُ الأطيبُ ...
ولَقَد أتانا من مَقَالِ نبينا ... قول صَحيح صادق لا يَكْذبُ ...
لا يستوي وَغُبَارَ خيل الله في ... أنف امرئ ودخانَ نار تَلْهَبُ ...
هذا كتاب الله يَنْطق بيننا ... ليس الشهيدُ بمَيِّت لا يَكْذبُ ...
قال: فلقيت الفُضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ وقال : صَدَق أبو عبد الرحمن، ونصحني، ثم قال : أنت ممن يكتب الحديث ؟ قال: قلت : نعم قال : فاكتب هذا الحديث كرَاءَ حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملى عَلَيّ الفُضيل بن عياض : حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رجلا قال : يا رسول الله عَلمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال: " هل تستطيع أن تُصَلِّي فلا تَفْتُر وتصومَ فلا تُفْطِر ؟ " فقال: يا رسول الله، أنا أضْعَفُ من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فَوالَّذي نَفْسِي بِيَدِه لو طُوقْتَ ذلك ما بلغتَ المجاهدين في سبيل الله أوما عَلمتَ أن الفرس المجاهد ليَسْتَنُّ في طِوَله فيكتب له بذلك الحسنات" (1) .
وقوله: { وَاتَّقُوا اللَّهَ } أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ [بن جبل] (2) [رضي الله عنه] (3) حين بعثه إلى اليمن: " اتَّق الله حَيْثُما كُنْتَ وأتْبع السيئَة الحسنة تَمْحُها وخالق الناس بخُلق حَسَنٍ ".
{ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: في الدنيا والآخرة.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب أنبأنا أبو (4) صخر، عن محمد بن كعب القُرَظي: أنه كان يقول في قول الله عز وجل: { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني.
آخر تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة، نسأله الموت على الكتاب والسنة .
__________
(1) رواه أحمد في المسند (5/236).
(2) زيادة من أ.
(3) زيادة من و.
(4) في أ: "ابن".
تفسير سورة النسَاء (2/204)
[وهي مدنية] (1) قال العَوْفِي عن ابن عباس: نزلت سورةُ النساء بالمدينة. وكذا رَوَى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت، ورَوَى من طريق عبد الله بن لَهِيعة، عن أخيه عيسى، عن عِكْرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا حَبْس " (2) .
وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو البَخْتَرِي (3) عبد الله بن محمد شاكر، حدثنا محمد بن بِشْر العَبْدي، حدثنا مِسْعَر بن كِدَام، عن مَعْن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: إن في سورة النساء لخمسُ آيات ما يَسُرّني أن لي بها الدنيا وما فيها: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } الآية، و { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } الآية، و { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } و { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ } الآية، و { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } ثم قال: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك (4) .
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن رجل، عن ابن مسعود قال في خمس آيات من (5) النساء: لهن (6) أحب إلَيّ من الدنيا جَميعًا: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } وقوله: { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } وقوله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وقوله: { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } وقوله: { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ (7) أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } رواه ابن جرير: ثم روى من طريق صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير (8) لهذه الأمة مما طَلَعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } والثانية: { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا } والثالثة: { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا } .
ثم ذكر قول (9) ابن مسعود سواء، يعني في الخمسة. (10) الباقية.
وروى الحاكم من طريق أبي نُعَيم، عن سفيان بن عُيَيْنَة، عن عبيد الله (11) بن أبي يزيد، عن ابن أبي مُلَيْكَة؛ سمعت ابن عباس يقول: سلوني عن سورة النساء، فإني قرأت القرآن وأنا صغير. ثم قال: هذا حديث (12) صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
__________
(1) زيادة من أ.
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى (6/162) والطبراني في المعجم الكبير (11/365) والدارقطني في السنن (4/68)، وقال: "لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه وهما ضعيفان".
(3) في جـ، أ: "البحتري".
(4) المستدرك (2/305).
(5) في جـ، أ: "في".
(6) في جـ، أ: "هن".
(7) في هـ: "من رسله".
(8) في جـ، أ: "لهن".
(9) في جـ، ر، أ: "ذكر مثل قول".
(10) في ر، أ: "الخمس".
(11) في أ: "عبد الله".
(12) المستدرك (2/301).
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)
بسم الله الرحمن الرحيم (2/206)
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) }
يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومُنَبّهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم، عليه السلام { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وهي حواء، عليها السلام، خلقت من ضِلعه الأيسر (1) من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس قال: خُلقَت المرأة من الرجل، فجعل نَهْمَتَها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم.
وفي الحديث الصحيح: "إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عِوَج" (2) .
وقوله: { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً } أي: وذَرَأ منهما، أي: من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء، ونَشَرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر.
ثم قال تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ } أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه، قال إبراهيم ومجاهد والحسن: { الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ } أي: كما يقال: أسألك بالله وبالرَّحِم. وقال الضحاك: واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصِلُوها، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والربيع وغير واحد.
وقرأ (3) بعضهم: { والأرحام } بالخفض على العطف على الضمير في به، أي: تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره.
وقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } أي: هو مراقب لجميع أعمالكم وأحوالكم كما قال: { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [البروج: 9] .
وفي الحديث الصحيح: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (4) وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب؛ ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب [واحد] (5) وأم واحدة؛ ليعطفَ بعضهم على
__________
(1) في جـ، ر، أ: "الأقصر".
(2) رواه مسلم في صحيحه برقم (1468) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) في أ: "وقال".
(4) رواه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في التهذيب (3/106) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، ولعل الحافظ ابن كثير يقصد بهذا الحديث حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (28)، وفيه "أخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
(5) زيادة من جـ، ر، أ.
وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)
بعض، ويحننهم (1) على ضعفائهم، وقد ثبت في صحيح مسلم، من حديث جَرِير بن عبد الله البَجَلي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مُضَر -وهم مُجْتابو النِّمار -أي من عُريِّهم وفَقْرهم -قام فَخَطَب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } حتى ختم الآية (2) وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [وَاتَّقُوا اللَّهَ] (3) } [الحشر:18 ] ثم حَضَّهم (4) على الصدقة فقال: "تَصَدَّقَ رجُلٌ من دِينَاره، من دِرْهَمِه، من صَاعِ بُرِّه، صَاعِ تَمْره ..." وذكر تمام الحديث (5) . (2/207)
وهكذا رواه (6) الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خُطْبَة الحاجة (7) وفيها ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ] (8) } الآية.
{ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا (3) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) }
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحُلُم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضَمِّها إلى أموالهم؛ ولهذا قال: { وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } قال سفيان الثوري، عن أبي صالح: لا تعْجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك.
وقال سعيد بن جبير: لا تبَدَّلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام.
وقال سعيد بن المسيّب والزهري: لا تُعْط مهزولا وتأخذ سمينا.
وقال إبراهيم النَّخَعِي والضحاك: لا تعط زائفًا وتأخذ جيدًا.
وقال السُّدِّي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غَنم اليتيم، ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، ويقول (9) شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجَيِّد ويطرح مكانه الزّيْف، ويقول: درهم بدرهم.
وقوله: { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } قال مجاهد، وسعيد بن جبَيْر، ومقاتل بن حَيَّان، والسّدي، وسفيان بن حُسَين: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.
__________
(1) في ر: "وتحننهم".
(2) في جـ، ر، أ: جاءت الآية كاملة.
(3) زيادة من جـ، أ.
(4) في جـ، أ: "حثهم".
(5) صحيح مسلم برقم (1017).
(6) في جـ، ر، أ: "روى".
(7) المسند (4/358).
(8) زيادة من جـ، ر، أ.
(9) في أ: "فيقول".
وقوله: { إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } قال ابن عباس: أي إثمًا كبيرًا عظيما. (2/208)
وقد رواه ابن مَرْدُويه، عن أبي هريرة قال: سئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: { حُوبًا كَبِيرًا } قال: "إثما كبيرًا". ولكن في إسناده محمد بن يونس الكُدَيْمي وهو ضعيف (1) وهكذا رُوي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وأبي مالك، وزيد بن أسلم، وأبي سِنَان مثل قول ابن عباس.
وفي الحديث المروي في سنن أبي داود: "اغفر لنا حوبنا وخطايانا".
وروى ابن مَرْدويه بإسناده إلى واصل، مولى أبي عيينة، عن محمد بن سِيرِين، عن ابن عباس: أن أبا أيوب طَلَّق امرأته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا أيوب، إن طلاق أم أيوب كان حوبا" قال (2) ابن سيرين: الحوب الإثم (3) .
ثم قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا بشر بن موسى، أخبرنا هَوْذَة بن خليفة، أخبرنا عَوْف، عن أنس: أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن طلاق أم أيوب لحوب فأمسكها" (4) ثم رواه (5) ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم، عن حُمَيد الطويل، سمعت أنس بن مالك يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سُليم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن طلاق أم سليم لحوب" فكف (6) .
والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه.
وقوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى } أي: إذا كان (7) تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه.
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جُرَيج، أخبرني هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة؛ أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عَذْق. وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا [فِي الْيَتَامَى] (8) } أحسبه قال: كانت
__________
(1) وقال ابن عدي: قد اتهم بالوضع، وقال ابن حبان: لعله وضع أكثر من ألف حديث وقال أبو عبيد الآجري: رأيت أبا داود يطلق في الكديمي الكذب.
(2) في أ: "وقال".
(3) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (12/196) من طريق يحيى الحماني عن حماد بن زيد عن واصل مولى أبي عيينة عن محمد بن سيرين عن ابن عباس أن أبا أيوب أراد أن يطلق أم أيوب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن طلاق أم أيوب لحوب" قال ابن سيرين: الحوب الإثم، قال الهيثمي في المجمع (9/262): "فيه يحيى الحماني وهو ضعيف".
(4) هذا مرسل، وأخرجه أبو داود في المراسيل برقم (233) عن وهب بن بقية عن خالد عن عوف عن أنس بن سيرين به. وأخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث كما في تخريج الكشاف للزيلعي (1/279) من طريق جرير عن واصل عن أنس بن سيرين به.
(5) في أ: "ورواه"
(6) المستدرك (2/302) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (7/323) وقال الحاكم: صحيح وتعقبه الذهبي: "لا والله فيه على بن عاصم وهو واه".
(7) في جـ، ر، أ: "كانت".
(8) زيادة من جـ.
شريكَتَه في ذلك العَذْق وفي ماله. (2/209)
ثم قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى (1) { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } قالت: يا ابن أختي (2) هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تَشْرَكه (3) في ماله ويعجبُه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يَقْسِط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن (4) ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغُوا بهنَّ أعلى سُنتهنَّ في الصداق، وأمِروا أن ينكحُوا ما طاب لهم من النساء سواهُنَّ. قال عروة: قالت عائشة : وإن الناس استفْتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله [تعالى] (5) { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ } قالت عائشة: وقولُ الله في الآية الأخرى: { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } [النساء: 127]رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا (6) أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى (7) النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كُن قليلات المال والجمال (8) .
وقوله: { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } [فاطر:1]أي: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن (9) شاء أحدكم ثنتين، [وإن شاء ثلاثا] (10) وإن شاء أربعا، كما قال تعالى: { جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } [ فاطر: 1 ] أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي (11) ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع، فمن (12) هذه الآية كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء؛ لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره.
قال الشافعي: وقد دَلَّت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة.
وهذا الذي قاله الشافعي، رحمه الله، مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حُكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي (13) صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيحين، وإما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري. وقد علقه (14) البخاري، وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة ومات عن تسع . وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأمة، لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع.
__________
(1) في جـ، أ: "عز وجل".
(2) في ر: "أخي".
(3) في أ: "تشتركه".
(4) في جـ، أ: "فنهوا عن أن".
(5) زيادة من ر.
(6) في جـ، ر، أ: "قلت: فنهوا".
(7) في ر: "باقي".
(8) صحيح البخاري برقم (4573 ، 4574).
(9) في جـ، أ: "إذا".
(10) زيادة من أ.
(11) في أ: "ولا ينبغي".
(12) في جـ، ر، أ: "من".
(13) في جـ، ر، أ: "رسول الله".
(14) في جـ، ر، أ: "علله".
ذكر الأحاديث في ذلك: (2/210)
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا حدثنا معمر، عن الزهري. قال ابن جعفر في حديثه: أنبأنا ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: أن غيلان بن سَلَمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر منهن أربعا. فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك (1) ولعلك لا تمكث إلا قليلا. وايم الله لتراجعنَّ نساءك ولترجعن في مالك أو لأورثُهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم، كما رجم قبرُ أبي رِغَال (2) .
وهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وغيرهم عن إسماعيل بن عُلَيَّة وغُنْدَر ويزيد بن زُرَيع وسعيد بن أبي عَرُوبة، وسفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ، عن مَعْمَر -بإسناده -مثله إلى قوله: اختر (3) منهن أربعا. وباقي (4) الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد (5) وهي زيادة حسنة وهي مضعفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي، حيث قال بعد روايته له: سمعتُ البخاري يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شُعَيْب وغيره، عن الزهري، حُدّثتُ عن محمد بن سُوَيد الثقفي أنّ غيلان بن سلمة، فذكره. قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه: أن رجلا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: لتراجعَنَّ نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغَال.
وهذا التعليل فيه نظر، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق، عن مَعمر، عن الزهري مرسلا (6) وهكذا (7) رواه مالك، عن الزهري مرسلا. قال أبو زرعة: وهو أصح (8) .
قال البيهقي: ورواه عقيل، عن الزهري: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد.
قال أبو حاتم: وهذا وَهْم، إنما هو الزهري عن عثمان بن أبي سويد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
__________
(1) في ر: "نيتك".
(2) قبر أبي رغال في الطائف، وقد روى ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الطائف مر بقبر أبي رغال فقال: إن هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وقيل: إن أبا رغال كان دليل أبرهة في طريقه لهدم الكعبة.
قال الحافظ ابن كثير: والجمع بينهما أن أبا رغال المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا. وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم بقبر أبي رغال
ثم قال: والظاهر أنه الثاني. البداية والنهاية (2/159).
(3) في جـ: "واختر".
(4) في أ: "ويأتي".
(5) المسند (2/14) والشافعي في الأم (5/49) وسنن الترمذي برقم (1128) وسنن ابن ماجة برقم (1953) وسنن الدارقطني (3/271) وسنن البيهقي الكبرى (7/182)، وقد توسع الحافظ ابن حجر في التلخيص (3/168) والشيخ ناصر الألباني (6/292) وحكم عليه بالصحة.
(6) المصنف لعبد الرزاق (12621).
(7) في أ: "وقد".
(8) رواه ابن أبي حاتم في العلل (1/400) حدثني أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي عن مالك عن الزهري به مرسلا.
فذكره (1) . (2/211)
قال البيهقي: ورواه يونس وابن عُيَيْنَةَ، عن الزهري، عن محمد بن أبي سويد.
وهذا كما علله البخاري. وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد رجاله ثقاتٌ على شرط الصحيحين (2) ثم قد رُوي من غير طريق مَعْمَر، بل والزهري قال (3) الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو علي (4) الحافظ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا أبو بُرَيد عَمْرو بن يزيد الجرمي (5) أخبرنا سيف بن عُبَيد (6) حدثنا سَرَّار بن مُجَشَّر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلَمْنَ معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا. هكذا أخرجه النسائي في سننه. قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بنُ مُجَشر وهو ثقة، وكذا وثقه ابن معين. قال أبو علي: وكذلك رواه السَّمَيْدع بن واهب (7) عن سرار.
قال البيهقي: وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس، وعروة بن مسعود الثقفي، وصفوان بن أمية -يعني حديث غيلان بن سلمة (8) .
فوجهُ الدلالة أنَّه لو كان يجوز الجمعُ بين أكثر من أربع لسوغَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة (9) وقد أسلمن معه، فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمعُ بين أكثر من أربع بحال، وإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
حديث آخر في ذلك: روى أبو داود وابن ماجة في سننهما (10) من طريق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن حُمَيضة (11) بن الشَّمَرْدَل -وعند ابن ماجة: بنت الشمردل، وحكى أبو داود أن منهم من يقول: الشمرذل بالذال المعجمة -عن قيس بن الحارث. وعند أبي داود في رواية: الحارث بن قيس بن (12) عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اختر منهن أربعا".
وهذا الإسناد حسن، ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثلُه، لما للحديث من الشواهد (13) .
حديث آخر في ذلك: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، في
__________
(1) العلل لابن أبي حاتم (1/401).
(2) في جـ، ر، أ: "على شرط الشيخين".
(3) في جـ، ر، أ: "فقال".
(4) في أ: "أبو يعلى".
(5) في جـ، أ: "أبو يزيد عمرو بن يزيد الحربي"، وفي ر: "أبو يزيد عمر بن يزيد الجرمي".
(6) في جـ: "عبد الله".
(7) في جـ، ر، أ: "وهب".
(8) السنن الكبرى (7/183) وهذه الرواية دليل على أن معمر لم ينفرد بوصله، وهي شاهد جيد على وصل الحديث.
(9) في جـ: "العشر".
(10) في ر: "سننيهما".
(11) في أ: "حميصة".
(12) في جـ، ر، أ: "أن".
(13) سنن أبي داود برقم (2242 ، 2241) وسنن ابن ماجة برقم (1952) ورجح المزي أن اسمه "قيس بن الحارث".
مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزِّناد يقول: أخبرني عبد المجيد بن سُهَيل بن (1) عبد الرحمن عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي، رضي الله عنه، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختر (2) أربعا أيتهن شئت، وفارق الأخرى"، فَعَمَدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة، فطلقتها (3) . (2/212)
فهذه كلها شواهد بصحة ما تقدم من حديث غَيْلان كما قاله الحافظ أبو بكر البيهقي، رحمه الله (4) .
وقوله: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } أي: فإن خشيتم (5) من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } [النساء: 129]فمن خاف من ذلك فيقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قسم (6) بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج.
وقوله: { ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا } قال بعضهم: [أي] (7) أدنى ألا تكثر عائلتكم. قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي، رحمهم الله، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } أي (8) فقرًا { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } [التوبة: 28] وقال الشاعر (9)
فما يَدري الفقير متى غناه ... ومَا يَدرِي الغَنيُّ متى يعيل ...
وتقول العرب: عال الرجل يعيل عَيْلة، إذا افتقر ولكن في هذا التفسير هاهنا نظر؛ فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضا. والصحيح قول الجمهور: { ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا } أي: لا تجوروا. يقال: عال في الحكم: إذا قَسَط وظلم وجار، وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
بميزان قسطٍ لا يَخيس (10) شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل (11)
وقال هُشَيم: عن أبي إسحاق قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير.
وقد روى ابن أبي حاتم، وابن مَرْدويه، وأبو حاتم ابن حِبَّان في صحيحه، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيْم، حدثنا محمد بن شعيب، عن عمر بن محمد بن زيد، عن (12) عبد الله بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم { ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا } قال: "لا تجوروا".
__________
(1) في أ: "عن".
(2) في جـ، ر، أ: "أمسك".
(3) مسند الشافعي برقم (1606) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (7/184).
(4) في أ: "رحمة الله عليه".
(5) في أ: "خفتم".
(6) في ر: "القسم".
(7) زيادة من جـ.
(8) في جـ، ر: "أو".
(9) هو أحيحة بن الجلاح الأوسي، والبيت في تفسير الطبري (7/549) وفي اللسان مادة (عيل).
(10) في أ: "تخس".
(11) البيت في تفسير الطبري (7/550).
(12) في أ: "بن".
قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح: عن عائشة. موقوف (1) . (2/213)
وقال ابن أبي حاتم: وروى عن ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وأبي مالك وأبي رَزِين والنَّخعي، والشَّعْبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حَيَّان: أنهم قالوا: لا تميلوا (2) وقد استشهد عِكْرمة، رحمه الله، ببيت أبي طالب الذي قدمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة، وقد رواه ابن جرير، ثم أنشده جيدا، واختار ذلك.
وقوله: { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النحلة: المهر.
وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: نحلة: فريضة. وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة: أي فريضة. زاد ابن جريج: مسماه. وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون (3) تسمية الصداق كذبا بغير حق.
ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حَتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبًا؛ ولهذا قال [تعالى] (4) { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا }
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، عن سفيان، عن السدي، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا، فَلْيسأل امرأته ثلاثة (5) دراهم أو نحو ذلك، فليبتع بها عسلا ثم ليأخذ ماء السماء فيجتمع هنيئًا مريئًا شفاء مباركا.
وقال هُشَيم، عن سيار، عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزل: { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان عن عمير (6) الخثعمي، عن عبد الملك (7) بن المغيرة الطائفي، عن عبد الرحمن بن البَيْلَمَاني (8) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } قالوا: يا رسول الله، فما العلائق بينهم؟ قال: "ما تراضى عليه أهْلوهُم" (9) .
وقد روى ابن مَرْدُويه من طريق حَجَّاج بن أرْطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البَيْلمَاني (10) عن عمر بن الخطاب قال: خَطَبَ (11) رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنكحوا الأيامى" ثلاثا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، ما العلائق بينهم؟ قال: "ما تراضى عليه أهلوهم".
__________
(1) صحيح ابن حبان برقم (1730) "موارد".
(2) في أ: "أن لا تميلوا".
(3) في ر: "تكون".
(4) زيادة من ر، أ.
(5) في أ: "بثلاثة".
(6) في أ: "عمر".
(7) في ر: "عبد الله".
(8) في جـ، ر، أ: "عبد الرحمن السلماني".
(9) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (7/239) وابن أبي شيبة في المصنف (14/184) وأبو داود في المراسيل برقم (215).
(10) في جـ، ر، أ: "السلماني".
(11) في جـ، ر، أ: "خطبنا".
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)
ابن البَيْلمَاني (1) ضعيف، ثم فيه انقطاع أيضًا (2) . (2/214)
{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) }
ينهى تعالى عن تَمْكين السفهاء من التصرّف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي: تقوم (3) بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هاهنا يُؤْخَذُ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحَجْرُ للصغر؛ فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجرُ للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفَلَس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاقَ ماله عن وفائها، فإذا سأل (4) الغُرَماء الحاكم الحَجْرَ عليه حَجَرَ عليه.
وقد قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ } قال: هم بَنُوك والنساء، وكذا قال ابن مسعود، والحكم بن عُتَيبة (5) والحسن، والضحاك: هم النساء والصبيان.
وقال سعيد بن جُبَير: هم اليتامى. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عَمّار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العائكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وإن النساء السُّفَهاء إلا التي أطاعت قَيِّمَها".
ورواه ابن مَرْدُويه مطولا (6) .
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا حَرْب بن سُرَيج (7) عن معاوية بن قرة (8) عن أبي هريرة { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ } قال: الخدم، وهم شياطين الإنس وهم الخدم.
وقوله: { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول [تعالى] (9) لا تَعْمَد إلى مالك وما خَوَّلك الله، وجعله معيشة، فتعطيَه امرأتك أو بَنيكَ، ثم تنظر (10) إلى ما في أيديهم، ولكن أمْسكْ مالك وأصلحْه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من
__________
(1) في جـ، ر، أ: "السلماني".
(2) ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (4/186) وسعيد بن منصور في السنن برقم (619) "الأعظمي" والبيهقي في السنن الكبرى (7/239) كلهم من طريق حجاج بن أرطأة عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن البيلماني مولى عمر بن الخطاب قال: فذكره مرسلا، وأظن أن "مولى" تصحفت في النسخ إلى "عن" وأكاد أجزم بذلك لقول الحافظ ابن كثير "فيه انقطاع"، فإن الانقطاع بإرساله، ولو كان عن عمر لكان موصولا.
(3) في أ: "يقوم".
(4) في ر: "سألوا".
(5) في جـ، ر، أ: "عيينة".
(6) ذكره السيوطي في الدر (2/433) وفي إسناده عثمان بن أبي العاتكة وقد ضعف في روايته عن علي بن يزيد الألهاني.
(7) في جـ، ر، أ: "شريح".
(8) في أ: "مرة".
(9) زيادة من أ.
(10) في ر: "تنتظر".
كسْوتهم ومؤنتهم ورزقهم. (2/215)
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فرَاس، عن الشعبي، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سَيّئة الخُلُق فلم يُطَلقها، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد قال: { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ } ورجل كان له على رجل دين فلم يُشْهِد عليه.
وقال مجاهد: { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا } يعني في البر والصلة.
وهذه الآية الكريمة انتظمت الإحسان إلى العائلة، ومَنْ تحت الحَجْر بالفعل، من الإنفاق في الكساوي والإنفاق (1) والكلام الطيب، وتحسين الأخلاق.
وقوله تعالى: { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى } قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والسدي، ومقاتل بن حيان: أي اختبروهم { حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } قال مجاهد: يعني: الحُلُم. قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحُلُم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد. وقد روى أبو داود في سننه (2) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُتْم بعد احتلام ولا صُمَات يوم إلى الليل" (3) .
وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة، رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة: عن الصَّبِيِّ حتى يَحْتلمَ، وعن النائم حتى يَسْتيقظ، وعن المجنون حتى يُفِيق" أو يستكمل (4) خمس عشرة سنة، وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: عُرِضْت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخَنْدَق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -لما بلغه هذا الحديث -إن هذا الفرق بين الصغير والكبير (5) .
واختلفوا في إنبات (6) الشعر الخشن حول الفرج، وهو الشِّعْرة، هل تَدُل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين، فلا يدل (7) على ذلك لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم؛ لأنه لا يتعجل بها إلا ضرب الجزية عليه، فلا يعالجها. والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع لأن هذا أمر جِبِلِّيٌّ يستوي فيه الناس، واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن عَطيَّةَ القُرَظيّ، رضي الله عنه قال: عُرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قُرَيْظة فكان من أنْبَتَ قُتل، ومن لم يُنْبت خَلّي سبيله، فكنت فيمن لم يُنْبِت، فخلي سبيلي.
__________
(1) في جـ، ر، أ: "الأرزاق".
(2) في جـ، أ: "بإسناده".
(3) سنن أبي داود برقم (2873).
(4) في جـ، أ: "ويستكمل".
(5) صحيح البخاري برقم (2664) وصحيح مسلم برقم (1868).
(6) في ر: "إثبات".
(7) في جـ، أ: "فلا يدل بلوغ".
وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه (1) وقال الترمذي: حسن صحيح. وإنما كان كذلك؛ لأن سعد بن معاذ، رضي الله عنه، كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسَبْي الذرية. (2/216)
وقال الإمام أبو عبيد (2) القاسم بن سلام في كتاب "الغريب": حدثنا ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حيان، عن عمر: أن غلاما ابتهر جارية في شعره، فقال عمر، رضي الله عنه: انظروا إليه. فلم يوجد أنبت، فَدَرَأَ عنه الحَد. قال أبو عُبَيد: ابتهرها: أي قذفها، والابتهار (3) أن يقول: فعلت بها وهو كاذب (4) فإن كان صادقا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره.
قبيح بمثلي نعتُ الفَتَاة ... إمَّا ابتهارًا وإمَّا ابتيارا (5)
وقوله: { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } قال سعيد بن جبير: يعني: صَلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس، والحسن البصري، وغير واحد من الأئمة. وهكذا قال الفقهاء متَى بلغَ الغلام مُصْلحًا لدينه وماله، انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه.
وقوله: { وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا } ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافا ومبادرةً قبل بلوغهم.
ثم قال تعالى: { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } [أي] (6) من كان في غُنْية عن مال اليتيم فَلْيستعففْ عنه، ولا يأكل منه شيئا. قال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم.
{ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } قال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة: { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } نزلت في مال (7) اليتيم.
وحدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قالا حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن، قالت: نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا أن يأكل منه.
وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا علي (8) بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } بقدر قيامه عليه.
ورواه البخاري عن إسحاق عَنْ عبد الله بن نُمَير، عن هشام، به.
قال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجْرَةَ مثله أو قدر حاجته. واختلفوا: هل يرد إذا أيسر، على قولين: أحدهما: لا؛ لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي؛ لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. وقد قال الإمام أحمد:
__________
(1) المسند (4/310) وسنن أبي داود برقم (4404) (4405) وسنن الترمذي برقم (1584) وسنن النسائي (6/155) وسنن ابن ماجة برقم (2541،2542).
(2) في جـ، أ: "أبو عبد الله".
(3) في جـ، ر: "قال: والابتهار".
(4) في ر: "كذب".
(5) غريب الحديث لأبي عبيد (3/289) والبيت في اللسان أيضا مادة (بهر).
(6) زيادة من جـ، أ.
(7) في جـ، ر، أ: "والى".
(8) في جـ، أ: "الأصبهاني وعلي".
حدثنا عبد الوهاب، حدثنا حسين، عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: "كُلْ من مال يتيمك غير مُسْرِف ولا مُبذر ولا متأثِّل مالا ومن غير أن تقي مالك -أو قال: تفدي مالك -بماله" شك حسين (1) . (2/217)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا حسين المكتب، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي يتيما عنده مال -وليس عنده شيء ما -آكل من ماله؟ قال: "بالمعروف غير مُسرف".
ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة من حديث حسين المعلم (2) به.
وروى أبو حاتم ابن حبّان في صحيحه، وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخَزّاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر: أن رجلا قال: يا رسول الله، فيم أضرب يتيمي؟ قال: ما كنتَ ضاربا منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالا (3) .
وقال ابن جرير: حدثنا الحسن (4) بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما، وإن لهم إبلا ولي إبل، وأنا أمنح (5) في إبلي وأفْقر فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهْنَأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقى (6) عليها، فاشرب غير مُضر بنسل، ولا ناهك في الحلب.
ورواه مالك في موطئه، عن يحيى بن سعيد (7) به.
وبهذا القول -وهو عدمُ أداء البدل (8) -يقول عطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وإبراهيم النخعيّ، وعطية العوْفي، والحسن البصري.
والثاني: نعم؛ لأن مال اليتيم على الحظْر، وإنما أبيح للحاجة، فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. وقد قال أبو بكر ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن خيثمة، حدثنا وَكِيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرَب قال: قال عمر [بن الخطاب] (9) رضي الله عنه: إنى أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت،
__________
(1) المسند (3/186).
(2) سنن أبي داود برقم (2872)، وسنن النسائي (6/256) وسنن ابن ماجة برقم (2718).
(3) رواه ابن حبان في صحيحه برقم (4244) "الإحسان" ورواه البيهقي في السنن الكبرى (6/4) والطبراني في المعجم الصغير (1/89) كلاهما من طريق أبي عامر الخزاز عن عمرو بن دينار به.
(4) في جـ، أ: "الحسين".
(5) في أ: "أشبع".
(6) في أ: "وتسعى".
(7) تفسير الطبري (7/588) وموطأ مالك (2/934) ومن طريق مالك رواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص 298) ثم قال: "هذا إسناد صحيح".
(8) في جـ: "وهو رد عدم البدل".
(9) زيادة من جـ.
فإذا أيسرتُ قضيت (1) . (2/218)
طريق أخرى: قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: قال لي عمر، رضي الله عنه: إني أنزلْتُ نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احْتَجْتُ أخذت منه، فإذا أيسَرت رَدَدْتُه، وإن اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ.
إسناد صحيح (2) وروَى البيهقي عن ابن عباس نحوَ ذلك. وهكذا رواه ابنُ أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } يعني: القرض. قال: ورُوي عن عُبَيدة، وأبي العالية، وأبي وائل، وسعيد بن جُبَير -في إحدى الروايات -ومجاهد، والضحاك، والسّدي نحو ذلك. وروي من طريق السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: { فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } قال: يأكل بثلاث أصابع.
ثم قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا ابن مَهْديّ، حدثنا سفيانُ، عن الحكم، عن مقْسم، عن ابن عباس: { وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } قال: يأكل من ماله، يقوت على يتيمه (3) حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم. قال: ورُوي عن مجاهد وميمون بن مِهْران في إحدى الروايات والحكم نحو ذلك.
وقال عامر الشَّعْبِيّ: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه، كما يضطر إلى [أكل] (4) الميتة، فإن أكل منه قضاه. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن وهب: حدثني نافع بن أبي نُعَيْم القَارئ قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله: { فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } فقالا (5) ذلك في اليتيم، إن كان فقيرا أنفق (6) عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء.
وهذا بعيد من السياق؛ لأنه قال: { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } يعني: من الأولياء { وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } أي: منهم { فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } أي: بالتي هي أحسن، كما قال في الآية الأخرى: { وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } [الإسراء: 34]أي: لا تقربوه إلا مصلحين له، وإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف.
وقوله: { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد [منهم] (7) فحينئذ سلموهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم { فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } وهذا أمر الله تعالى للأولياء (8) أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا (9) إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جُحُود وإنكار لما قبضه وتسلمه.
__________
(1) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (6/5) والطبري في تفسيره (7/582) من طريق سفيان وإسرائيل به.
(2) ورواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص 296) من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به.
(3) في جـ، أ: "على نفسه".
(4) زيادة من جـ.
(5) في جـ: "قال"، وفي أ: "قالا".
(6) في جـ: "تنفق" وفي أ: "انتفق".
(7) زيادة من جـ، أ.
(8) في جـ: "هذا أمر الله للأولياء".
(9) في جـ، ر: "تسلموا"، وفي أ: "ويسلموا".
ثم قال: { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } أي: وكفى بالله محاسبا وشهيدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم (1) للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَن على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم" (2) . (2/219)
__________
(1) في و: "تسلمهم الأموال".
(2) صحيح مسلم برقم (1826).
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
{ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } (2/219)
قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا، فأنزل الله: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ [وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا] (1) } أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله [تعالى] (2) لكل منهم، بما يدلي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء. فإنه لُحْمَة كَلُحمة النسب. وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هَرَاسة (3) عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: جاءت أم كُجَّة (4) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنتين، وقد مات أبوهما، وليس لهما شيء، فأنزل الله تعالى: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ } الآية، وسيأتي هذا الحديثُ عند آيتي الميراث بسياق آخر، والله أعلم.
وقوله: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا] (5) } قيل: المراد: وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث واليتامى والمساكين فَلْيَرْضَخْ لهم من التركة نصيب، وأن ذلك كان واجبا في ابتداء الإسلام. وقيل: يستحب (6) واختلفوا: هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين، فقال البخاري: حدثنا أحمد بن حُمَيد أخبرنا عُبَيدُ الله (7) الأشجعي، عن سُفْيان، عن الشَّيْباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ } قال: هي مُحْكَمَة، وليست بمنسوخة. تابعه سَعيد عن ابن عباس.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن الحجاج، عن الحَكَم، عن مِقْسم، عن ابن عباس قال: هي قائمة يعمل بها.
__________
(1) زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(2) زيادة من أ.
(3) في جـ: "من طريق ابن راهويه" وفي أ: "من طريق هواسة".
(4) في ر: "لجه".
(5) زيادة من جـ، ر، أ، وفي الأصل: "الآية".
(6) في أ: "مستحب".
(7) في أ: "عبد الله".
وقال الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث، ما طابت به أنفسهم. وهكذا روي عن ابن مسعود، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي العالية، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جُبَير، ومكحول، وإبراهيم النَّخَعي، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ويحيى بن يَعْمَرَ: إنها واجبة. (2/220)
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ، عن يونس بن عُبَيد، عن محمد بن سيرين قال: ولي عبيدة وصية، فأمر بشاة فذبحت، فأطعم أصحاب هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.
وقال مالك، فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع، عن الزهري: أن عروة أعْطى من مال مصعب حين قسم ماله. وقال الزهري: وهي محكمة.
وقال مالك، عن عبد الكريم، عن مجاهد قال: هو حق واجب ما طابت به الأنفس.
ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم:
قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جُرَيج (1) أخبرني ابن أبي مُلَيكة: أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، والقاسم بن محمد أخبراه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حَية قالا فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه. قالا وتلا { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى } قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية، وإنما هذه الآية في الوصية يزيد الميت [أن] (2) يوصي لهم. رواه ابن أبي حاتم (3) .
ذكر من قال: إن هذه الآية منسوخة بالكلية:
قال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ } قال: منسوخة.
وقال إسماعيل بن مسلم المكي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في هذه الآية: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى } نسختها الآية التي بعدها: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ }
وقال العَوْفي، عن ابن عَبَّاس في هذه الآية: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى } كان ذلك قبل أن تَنزل (4) الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض، فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سَمى المتوفى. رواهن ابن مَرْدُويه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن (5) بن محمد بن الصبَّاح، حدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيج وعثمان بن عطاء عن عَطاء، عن ابن عباس قوله: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ }
__________
(1) في أ: "ابن جرير".
(2) زيادة من أ.
(3) ورواه الطبري في تفسيره (8/10 ، 11) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة به.
(4) في جـ، أ: "ينزل".
(5) في جـ، أ: "الحسين".
نسختها آية الميراث، فجعل لكل إنسان نصيبه مما تَرك الوالدان والأقربون -مما قل منه أو كثر -[نصيبا مفروضا] (1) (2/221)
وحدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا سعيد بن عامر، عن همام، حدثنا (2) قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض، كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حَضروا القسمة، ثم نسخ بعد ذلك، نسختها المواريث، فألحق الله بكل ذي حَق حقه، وصارت الوصية من ماله، يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء.
وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية.
وهكذا روي عن عكرمة، وأبي الشعثاء، والقاسم بن محمد، وأبي صالح، وأبي مالك، وزيد ابن أسلم، والضحاك، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حَيَّان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنهم قالوا: إنها (3) منسوخة. وهذا مذهب جُمْهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم.
وقد اختار ابن جرير هاهنا قولا غريبا جدًا، وحاصله: أن معنى الآية عنده { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ } أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت { فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ } لليتامى والمساكين إذا حضروا { قَوْلا مَعْرُوفًا } هذا مضمون ما حاوله بعد طُول العبارة والتكرار، وفيه نظر، والله أعلم.
وقد قال العَوْفي عن ابن عباس: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ } وهي قسمة الميراث. وهكذا قال غير واحد، والمعنى على هذا لا على ما سلكه أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، بل المعنى: أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يَرثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق (4) إلى شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطون، فأمر الله تعالى -وهو الرءوف الرحيم -أن يُرضَخ لهم شيء من الوسَط يكون برا بهم (5) وصدقة عليهم، وإحسانا إليهم، وجبرا لكسرهم. كما قال الله تعالى: { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } [الأنعام:141]وذم الذين ينقلون المال (6) خفية؛ خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر عن أصحاب الجنة { إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } [القلم:17]أي: بليل. وقال: { فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ } [القلم:23، 24]{ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا } [محمد:10]فمن جَحَد حق الله عليه عاقبه (7) في أعز ما يملكه؛ ولهذا جاء في الحديث: "ما خالطت الصَّدَقَةُ مالا إلا أفسدته" (8) أي: منعها يكون سبب محاق ذلك المال بالكلية.
__________
(1) زيادة من جـ، أ.
(2) في جـ، أ: "عن".
(3) في أ: "هي".
(4) في جـ، ر، أ: "تتشوق".
(5) في أ: "لهم".
(6) في جـ: "يشتغلون بالمال"، وفي ر، أ: "يستغلون المال".
(7) في أ: "عاقبه الله".
(8) رواه البزار في مسنده برقم (881) "كشف الأستار" من حديث عائشة، وقال الهيثمي في المجمع (3/64): "فيه عثمان الجمحي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به".
وقوله: { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ [ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ] (1) } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يَحْضُره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تَضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضَّيْعَةَ. (2/222)
وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سَعْد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشَّطْر؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك إن تَذر وَرَثَتَك أغنياء خَيْر من أن تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون الناس" (2) .
وفي الصحيح أن ابن عباس قال: لو أن الناس غَضّوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الثلث، والثلث كثير" (3) .
قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء استُحب للميت أن يَسْتَوفي الثلث في وصيته (4) وإن كانوا فقراء استُحب أن يَنْقُص الثلث.
وقيل: المراد بقوله: { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ } [أي] (5) في مباشرة أموال اليتامى { وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا }
حكاه ابن جرير من طريق العَوْفي، عن ابن عباس: وهو قول حسن، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل مال اليتامى ظلما، أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذرياتهم (6) إذا وليتهم.
ثم أعلمهم أن من أكل مال يتيم ظلما فإنما يأكل في بطنه نارًا؛ ولهذا قال: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارًا تَأجَّج (7) في بطونهم يوم القيامة. وثبت في الصحيحين من حديث سليمان ابن بلال، عن ثَوْر بن زيد (8) عن سالم أبي الغَيْث، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجْتَنبوا السَّبْعَ الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْفِ، وقَذْفُ المحصنات المؤمنات الغافلات".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيدة (9) أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّى، حدثنا أبو هاروي (10) العَبْدي عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، ما رأيت
__________
(1) زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(2) صحيح البخاري برقم (2742) وصحيح مسلم برقم (1628).
(3) صحيح البخاري برقم (2743) وصحيح مسلم برقم (1629).
(4) في أ: "أن يستوفى في وصيته ثلث ماله".
(5) زيادة من جـ، ر.
(6) في أ: "ذراريهم".
(7) في جـ، أ: "تتأجج".
(8) في جـ، أ: "يزيد".
(9) في أ: "عبد الله".
(10) في جـ، ر، أ: "هارون".
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)
ليلة أسري بك؟ قال: "انطَلَق بي إلى خَلْقٍ من خَلْقِ الله كثير، رِجَال، كل رجل له مِشْفَران كمشفري البعير، وهو موَكَّل بهم رجال يفكون (1) لحاء (2) أحدهم، ثم يُجَاءُ بِصَخْرَةٍ من نار فَتُقْذَف في فِي أحدهم حتى يخرج من أسفله ولهم (3) خُوار وصُرَاخ. قلت (4) يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلْمًا إنما يأكلون في بطونهم نارا وسَيَصْلَوْن سَعِيرًا" (5) . (2/223)
وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج (6) من فِيهِ ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم.
وقال أبو بكر ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بُكَير، حدثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث عن أبي برزة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يبعث يوم القيامة القوم (7) من قبورهم تَأَجَّج أفواههم نارا" قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: "ألم تر أن الله قال: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] (8) } الآية.
رواه (9) ابن أبي حاتم، عن أبي زُرْعة، عن عُقْبة بن مكرم وأخرجه أبو حاتم بن حبّان في صحيحه، عن أحمد بن علي بن المثنى، عن عقبة بن مكرم (10) .
وقال ابن مَردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، أحمد بن عصام (11) حدثنا أبو عامر العبدي، حدثنا عبد الله (12) بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبرِيّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُحَرِّجُ مال الضَّعِيفيْن: المرأة واليتيم" (13) أي (14) أوصيكم باجتناب مالهما.
وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] (15) } انطلق من كان عنده يتيم، فَعَزَل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فَيُحْبَس له حتى يأكله أو يفسد (16) فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ] (17) } [البقرة: 220] .
{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) }
__________
(1) في أ: "يكفون".
(2) في ر: "لحيي".
(3) في ر، أ: "وله".
(4) في أ: "فقلت".
(5) ورواه الطبري في تفسيره (8/27) من طريق معمر عن أبي هارون العبدي به.
قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله: "أبو هارون العبدي هو عمارة بن جوين روى عن أبي سعيد وابن عمر وهو ضعيف، وقالوا: كذاب" قال الدارقطني: "يتلون، خارجي وشيعي" وقال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب".
(6) في ر: "تخرج".
(7) في جـ: "ناس".
(8) زيادة من جـ، ر، أ.
(9) في جـ، أ: "أخرجه".
(10) صحيح ابن حبان برقم (2580) "موارد" من طريق أبي يعلى وهو في مسنده (13/434) وفي إسناده زياد بن المنذر وشيخه نفيع بن الحارث متروكان عند الأئمة.
(11) في أ: "عاصم".
(12) في ر: "عبيد الله".
(13) وفي إسناده أحمد بن عصام الموصلي ضعفه الدارقطني.
(14) في أ: "إني".
(15) زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".
(16) في ر: "أو يفسده".
(17) زيادة من جـ، ر، أ.