صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)

{ وهذا صراط رَبّكَ مُسْتَقِيماً } يعني : هذا التوحيد دين ربك مستقيماً يعني : قائماً برضاه { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات } يعني : قد بيّنا العلامات وبيّنا الآيات في أمر القلوب والهدى والضلالة { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يعني : يتعظون ويتفكرون في توحيد الله تعالى . ويقال : معناه لا عذر لأحد في التخلّف عن الإيمان لأن الله تعالى قد بيّن طريق الهدى ، وقد بيّن العلامات في ذلك لمن كان له عقل وتمييز .
ثم ذكر ما أعدّ الله للمؤمنين في الآخرة فقال : { لَهُمْ دَارُ السلام عِندَ رَبّهِمْ } وهي الجنة وهي دار السلام من الأمراض والآفات والخوف و الهرم وغير ذلك . ويقال : { لَهُمْ دَارُ السلام } فالله السلام والجنة داره يعني : دار رب العزة التي أعد لأوليائه بالثواب { وَهُوَ وَلِيُّهُم } أي الله تعالى حافظهم وناصرهم في الدنيا . ويقال : هو وليهم في الآخرة بالثواب { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا .
قوله تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } يقول : واذكر يوم يجمعهم الله { جَمِيعاً } يعني : الجن والإنس . قرأ عاصم في رواية حفص { يَحْشُرُهُمْ } بالياء يعني : أن الله يحشرهم وقرأ الباقون { نَحْشُرُهُمْ } بالنون { كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } يقول لهم يا معشر الجن { قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس } يعني : قد أضللتم كثيراً من الإنس { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس } الذين أضلوهم { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } يعني : انتفع بعضنا ببعض وكان استمتاع الإنس بالجن في الدنيا أن أهل الجاهلية كانوا إذا سافر واحد منهم فأدركه المساء بأرض قفر وخاف بالليل فقال : أعوذ بسيد أهل هذا الوادي من سفهاء قومه ، فأمن ، ولبث في جوارهم حتى يصبح . وكان استمتاع الجن بالإنس أن قالوا : لقد سوّدنا الإنس والجن فيزيدون شرفاً في قومهم يعني : فيما بين الجن والإنس .
{ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا } يعني : الموت الذي جعلته أجلنا في هذه الدنيا وهذا قول الكلبي . وقال الضحاك : { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } يعني : خدع بعضنا بعضاً عن دينك يعني : أن الجن قد خدعنا وأضَلَّنَا { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا } يعني : ما كتبت علينا من الشقاوة { قَالَ النار مَثْوَاكُمْ } يعني : منزلكم وهم الجن والإنس { خالدين فِيهَا } مقيمين في النار { إِلاَّ مَا شَاء الله } قال الكلبي : مشيئة الله من كل شيء ، ويقال : إلا ما شاء الله البرزخ والقيامة قد شاء الله لهم الخلود فيها . ويقال { إِلاَّ مَا شَاء الله } يخرج منها من أهل التوحيد { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } ثم قال : { وكذلك نُوَلّى } يعني : نسلط { بَعْضَ الظالمين بَعْضاً } يعني : كفار الجن على كفار الإنس . ويقال : نسلط بعض الظالمين بعضاً فيهلكه ويذله .

(2/77)


وهذا كلام لتهديد الظالم لكي يمتنع عن ظلمه . لأنه لو لم يمتنع يسلط الله عليه ظالماً آخر . ويدخل في الآية جميع من يظلم ومن ظلم في رعيته أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم . وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجباً . وقال ابن عباس : إذا رضي الله عن قوم ولّى أمرهم خيارهم . وإذا سخط الله على قوم ولّى أمرهم شرارهم بما كانوا يكسبون ، ثم تلا قوله { وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً } .
وعن مالك بن دينار قال : قرأت في بعض الكتب المنزلة أن الله تعالى يقول : إني أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدي ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أجعلهم عليكم رحمة . ثم قال : { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يعني : يسلط بعضهم على بعض بأعمالهم الخبيثة .
ثم يقول لهم :

(2/78)


يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)

{ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس } يعني : يقول لهم { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } قال مقاتل : بعث الله تعالى رسولاً من الجن إلى الجن ومن الإنس إلى الإنس . ويقال رسل الجن السبعة الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى قومهم منذرين . وقالوا : يا قومنا أجيبوا داعي الله . ويقال : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } يعني : من الإنس خاصة . وقال ابن عباس : كانت الرسل تبعث إلى الإنس وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس .
ثم قال { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ } يقول : يقرؤون ويعرضون عليكم { ءاياتي } يعني : القرآن { وَيُنذِرُونَكُمْ } يعني : يخوّفونكم { لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } يعني يقولون بلى أقررنا أنهم قد بلغوا وكفرنا بهم . ثم قالت الرسل : وذلك بعدما شهد عليهم سمعهم وأبصارهم يقول الله تعالى : { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } يعني : ما في الحياة الدنيا من زهرتها وزينتها { وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين } في الدنيا . ويقول الله تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يامعشر الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإنس رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النار مَثْوَاكُمْ خالدين فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } [ الأنعام : 128 ] على وجه التقديم والتأخير .
قوله تعالى : { ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ } يعني : ذلك السؤال والشهادة ويقال { ذلك } يعني : إرسال الرسل إلى الجن والإنس ليعلم أن لم يكن الله مهلك القرى يعني : معذب أهل القرى بغير ذنب في الدنيا { وَأَهْلُهَا غافلون } عن الرسل . ويقال : غافلون عن العذاب لأنه قد بيّن لهم وأخذ عليهم الحجة .
ثم قال :

(2/79)


وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)

{ وَلِكُلّ درجات مّمَّا عَمِلُواْ } يعني : ولكل واحد من المؤمنين فضائل في الجنة بعضهم أرفع درجة من بعض ، وللكافرين درجات بعضهم أشد عذاباً من بعض .
{ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } يعني : لمن ينسى الطاعة من المطيعين ، ولا المعصية من العاصين ، ويجازي كل نفس بما عملت . قرأ ابن عامر { عَمَّا تَعْمَلُونَ } على معنى المخاطبة . وقرأ الباقون : { يَعْمَلُونَ } بالياء على معنى المغايبة .
قوله تعالى : { وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة } يعني : غني عن عبادة خلقه ، { ذُو الرحمة } بتأخير العذاب عنهم ويقال : { ذُو الرحمة } يعني : ذو التجاوز عمن تاب ورجع إليه بالتوبة { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يعني : يهلككم { وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء } خلقاً بعدكم من بعد إهلاككم { مَا يَشَاء } إن يشأ مثلكم ، وإن يشأ أطوع منكم . { كَمَا أَنشَأَكُمْ } يقول : كما خلقكم { مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء } قرناً من بعد قرن ولكنه لم يهلككم رحمة منه ، لترجعوا وتتوبوا .
ثم قال : { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لأَتٍ } يعني : الوعيد الذي أوعد في الآخرة من العذاب لآتٍ ، يقول : لكائن لا خلف فيه { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } يعني : بسابقين الله بأعمالكم الخبيثة التي يجازيكم بها . هذا قول مقاتل . وقال الكلبي : { بِمُعْجِزِينَ } أي : بفائتين أن يدرككم . ويقال في اللغة : أعجزني الشيء أي : فاتني وسبقني . ثم قال : { قُلْ يا قوماعملوا على مَكَانَتِكُمْ } أي : على موضعكم . يقال : مكان ومكانة مثل منزل ومنزلة . ومعناه اعملوا على ما أنتم عليه . ويقال : معناه اجتهدوا في إهلاكي ما استطعتم ويقال : اعملوا في منازلكم من الخير والشر فإنكم تجزون بهما لا محالة .
{ إِنّى عامل } بما أوحى الله إلي ويقال : اعملوا بمكاني وأنا عامل بمكانكم . { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } فهذا وعيد من الله تعالى . يقول : نبيّن لكم من تكون له عاقبة الأمر في الدنيا ، ومن تكون له الجنة في الآخرة .
ثم قال : { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } مخاطباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي : في الآخرة ، ولا يأمن المشركون . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } في جميع القرآن بلفظ الجماعة . وقرأ الباقون { مَكَانَتِكُمْ } . وقرأ حمزة والكسائي { مَّن يَكُونُ } بالياء لأنه انصرف إلى المعنى وهو الثواب والباقون قرؤوا بالتاء لأن لفظ العاقبة لفظ مؤنث .
قوله تعالى :

(2/80)


وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)

{ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والانعام } وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : كانوا يسمون لله جزءاً من الحرث ، ولأوثانهم جزءاً . فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه . وما ذهبت به الريح من الجزء الذي سموه لله إلى جزء الأصنام تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا . وقال السدي : ما خرج من نصيب الأصنام أنفقوه عليها ، وما خرج من نصيب الله تصدقوا به . فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي لله قالوا : ليس لآلهتنا بدّ من النفقة . فأخذوا الذي لله ، وأنفقوه على الأصنام . وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا : لو شاء الله لأزكى ماله فلا يزيدون عليه شيئاً . فذلك قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ } يعني : مما خلق من الحرث والأنعام { نَصِيباً } يعني : جعلوا لله نصيباً ، ولشركائهم نصيباً ، فاقتصر على المذكور لأن في الكلام دليلاً على المسكوت عنه { فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } يقول بقولهم ولم يأمرهم الله بذلك { وهذا لِشُرَكَائِنَا } يعني : للأصنام { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ } يعني : لأصنامهم { فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله } يقول : فلا يضعون شيئاً في نصيب الله { وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ } يقول : يوضع في نصيبهم { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } يعني : لو كان معه شريك كما يقولون ما عدلوا في القسمة . ويقال : { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } حيث وصفوا لله شريكاً . قرأ الكسائي ( بزعمهم ) بضم الزاي وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد .
ثم قال تعالى : { وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم شُرَكَاؤُهُمْ } يعني : زين لهم شركاؤهم وهم الشياطين قتل أولادهم ، لأنهم يقتلون أولادهم مخافة الفقر والحمية ، ويدفنون بناتهم أحياء فزين لهم الشيطان ذلك ، كما زيّن لهم تحريم الحرث والأنعام . ويقال : كان واحد منهم ينذر أنه إذا ولد كذا وكذا ولد يذبح واحداً منهم كما فعل عبد المطلب . فزين لهم الشيطان قتل أولادهم . فذلك قوله { وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم شُرَكَاؤُهُمْ } قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام { وكذلك زُيّنَ } بضم الزاي { قَتْلَ } بضم اللام { أولادهم } بفتح الدال { شُرَكَائِهِمْ } بالخفض . وإنما قرىء { زُيّنَ } بالضم على فعل ما لم يسم فاعله ومعناه : قتل شركائهم على معنى التقديم ، وهم أولادهم لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم ، فصار شركاؤهم نعتاً للأولاد ، وصار الأولاد نصباً على وجه التفسير . وقرأ الباقون { زُيّنَ } بالنصب لأنه فعل ماض { شُرَكَاؤُهُمْ } بالضم لأنه جعل الشركاء على وجه الفاعل .
ثم قال : { لِيُرْدُوهُمْ } يعني : ليهلكوهم بذلك { وَلِيَلْبِسُواْ } يعني : ليخلطوا وليشبهوا { عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } يعني : دين إبراهيم وإسماعيل .

(2/81)


ثم قال : { وَلَوْ شَاء الله مَا فَعَلُوهُ } يعني : لو شاء الله لمنعهم من ذلك منع اضطرار وقهر وأهلكهم { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } يعني : دعهم وما يكذبون بأن الله أمرهم بذلك ، ومعناه : أن الله مع قدرته عليهم قد تركهم إلى وقت قدرهم ، فاتركهم أنت أيضاً إلى الوقت الذي تؤمر بقتالهم . ويقال : معناه دعهم فإنّ لهم موعداً بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم بها .
قوله تعالى : { وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ } وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحرث وهو نوع من الزرع حرموها على النساء . { حِجْرٍ } يعني : حرام والحجر يكون عبارة عن العقل كقوله تعالى : { هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ } « [ الفجر : 5 ] أي : لذي لب وعقل ويكون عبارة عن الحرام كقوله : { يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } [ الفرقان : 22 ] يعني : حراماً محرماً وكقوله { وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا افترآء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [ الأنعام : 138 ] يعني : حراماً { لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ } من الرجال دون النساء ، وهو مالك بن عوف كان يفتيهم بالحل والحرمة . وكان يقول : هذا يجوز وهذا لا يجوز لأشياء كانوا حرموها برأيهم .
ثم قال { وأنعام حُرّمَتْ ظُهُورُهَا } وهي الحام من الإبل كانوا يتركونها ولا يركبونها { وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا } يعني : عند الذبيحة ويقال : عند الركوب وهي البحيرة { افتراء عَلَيْهِ } يعني : اختلاقاً وكذباً على الله بأنه أمرهم بذلك { سَيَجْزِيهِم } يعني : سيعاقبهم { بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } يعني : يكذبون على الله بأنه أمرهم { وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } قال الكلبي يعني : البحيرة والوصيلة حلال لذكورنا ما دامت في الأحياء ، وليس للنساء فيه شركة ولا نصيب . فذلك قوله : { وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } يعني : من هذه الأنعام { فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء } يعني : الرجال والنساء في أكلها . وقال الضحاك : كانت الناقة إذا ولدت فصيلاً ذكراً حرموا لحم الفصيل ولبن الناقة على النساء دون الرجال ، وإن وضعت فصيلاً ميتاً اشتركت الرجال والنساء في لحم الفصيل ولبن الناقة . ذكر في أول الكلام { خَالِصَةٌ } لفظ التأنيث ، لأنه انصرف إلى المعنى ، ومعناه : حمله ما في بطون هذه الأنعام .
ثم قال { وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } ذكر بلفظ التذكير ، لأنّه انصرف إلى قوله : { مَا فِى بُطُونِ } قرأ عاصم في رواية أبي بكر { وَأَنْ * تَكُنْ } بالتاء على معنى التأنيث { مَيْتَةً } بالنصب يعني : وإن تكن الجماعة ميتة صارت الميتة خبر كان . وقرأ ابن عامر { وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } بالضم يعني : وإن كانت ميتة جعلها اسم كان رفعاً وقرأ ابن كثير { وَإِن يَكُنْ } بالياء { مَيْتَةً } بالضم يعني وإن : كان ما فيه ميتة بلفظ التذكير وجعل الميتة اسم كان .

(2/82)


وقرأ الباقون { وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } جعلوا الميتة خبر كان بلفظ التذكير .
ثم قال : { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } صار نصباً لنزع الخافض يعني : سيعاقبهم بكذبهم { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } { حَكِيمٌ } عليهم بالعذاب { عَلِيمٌ } بهم . وفي الآية دليل أن العالم ينبغي أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعلم فساد قوله ، ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قول من خالفهم في زمانهم ، ليعرفوا فساد قولهم .
قوله تعالى : { قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُواْ أولادهم } يعنوا : دفنوا بناتهم أحياء وقتلوهن { سَفَهاً } صار نصباً لنزع الخافض يعني : جهلاً منهم { بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : بغير حجة منهم في قتلهن وهم ربيعة ومضر كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً من أصحابه كان لا يزال مغتماً بين يديه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « مَا لَكَ تَكن مَحْزُوناً » ؟ فقال : يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنباً ، فأخاف أن لا يغفر لي وإني أسلمت فقال له : « أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ » فقال : يا رسول الله : إني كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت ، فتشفعت إليَّ امرأتي بأن أتركها فتركتها حاتى كبرت ، وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها ، فدخلت عليَّ الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج . فقلت للمرأة : إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي ، وأخذت عليَّ المواثيق بأن لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر ، فنظرت إلى البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر ، فالتزمت بي وجعلت تبكي وتقول : يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي فرحمتها ، ثم نظرت في البئر فدخلت عليّ الحمية ، ثم التزمتني وجعلت تقول : يا أبت لا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر ، ومرة أنظر إليها ، وأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي في البئر يا أبت قتلتني . فمكثت هناك حتى انقطع صوتها . فرجعت فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال « لَوْ أُمِرْتُ أَنْ أعَاقِبَ أَحَداً بِمَا فَعَلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَعَاقَبْتُكَ بِمَا فَعَلْتَ »
ثم قال : { وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله } يعني : ما أعطاهم { افتراء } يعني : كذباً { عَلَى الله } بأنه قد حرم ذلك عليهم { قَدْ أَضَلُّواْ } عن الهدى { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } يعني : وما هم بمهتدين ويقال : { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } من قبل فخذلهم الله بذلك قرأ ابن كثير وابن عامر { قاتلوا } بالتشديد لتكثير الفعل والباقون بالتخفيف .
قوله تعالى :

(2/83)


وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)

{ وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات معروشات } يعني : خلق البساتين يعني : الكروم وما يعرش وهو الذي يبسط مثل القرع ونحو ذلك { وَغَيْرَ معروشات } يعني : كل شجرة قائمة على أصولها { والنخل والزرع } يعني : خلق النخل والزرع { مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } يعني : طعمه مثل الحامض والحلو والمر { والزيتون والرمان متشابها } يعني : المنظر { وَغَيْرَ متشابه } يعني : في الطعم { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } وإنما ذكر ثمره بلفظ التذكير ، لأنه انصرف إلى المعنى يعني : ثمره الذي ذكرها { وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات } يعني : أعطوا زكاته يوم كيله ورفعه . قرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر { حَصَادِهِ } بنصب الحاء . وروى الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : { وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات } قال : العُشْر ونصف العشر . وروى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : { وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات } قال : عند الزرع أي يعطي القبض وهو بأطراف الأصابع ، ويعطي عند الصرام القبض ، ويدعهم يتتبعون آثار الصرام . وعن الربيع بن أنس { وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات } قال : لقاط السنبل . وقال الحسن : نسختها آية الزكاة . وقال إبراهيم : نسختها العشر ونصف العشر : وقال الضحاك : نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن وهكذا قال عكرمة . وقال سفيان . سألت السدي عن قوله تعالى : { وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات } قال : هذه السورة مكية نسختها العشر ونصف العشر قلت عمن؟ قال عن العلماء . قال الفقيه الذي قال إنه صار منسوخاً يعني : أداؤه يوم الحصاد بغير تقدير صار منسوخاً ولكن أصل الوجوب لم يصر منسوخاً . وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم التقدير وهو العشر أو نصف العشر .
ثم قال : { وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } قال ابن عباس رضي الله عنهما : عمد ثابت بن قيس إلى خمسمائة نخلة فصرمها وقسمها في يوم واحد فأمسى ولم يكن لأهله شيء فنزل { وَلاَ تُسْرِفُواْ } يعني : ولا تتصدقوا بكله ، ودعوا لعيالكم شيئاً . وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : جد لمعاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء . فنزل { وَلاَ تُسْرِفُواْ } ويقال : { وَلاَ تُسْرِفُواْ } يعني : ولا تنفقوا في المعصية . قال مجاهد : لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى ما يكون إسرافاً ، ولو أنفقت درهماً في طاعة الشيطان كان إسرافاً . وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى : { وَلاَ تُسْرِفُواْ } قال : الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى . ويقال : { وَلاَ تُسْرِفُواْ } يقول : لا تشركوا الآلهة في الحرث والأنعام . وقد ذكر قوله : { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } بلفظ التذكير لأنه انصرف إلى المعنى يعني : من ثمر ما ذكرنا .

(2/84)


ثم قال : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } يعني : المشركين الذين يشركون الآلهة في الحرث والأنعام . ثم قال : { وَمِنَ الانعام حَمُولَةً وَفَرْشًا } يعني : أنشأ لكم وخلق لكم من الأنعام حمولة وفرشاً أي : مما يحمله عليه من الإبل والبقر وفرشاً مثل الغنم وصغار الإبل . وقال القتبي : الفرش ما لا يطيق الحمل عليه ، وهي ما دون الحفاف التي لا تصلح للركوب . { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي : من الحرث والأنعام حلالاً طيباً { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } يعني : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة غير ناصح لكم .
ثم قال : { ثمانية أزواج } يعني : ثمانية أفراد لكم : يقال لكل فرد معه آخر زوج يقول : خلقت لكم ثمانية أصناف . ويقال : كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج نزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا . ففي هذه الآية دليل إثبات المناظرة في العلم ، لأن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يناظرهم ويبيّن فساد قولهم . وفيها إثبات القول بالنظر والقياس ، وفيها دليل أن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به ، ويروى إذا ورد عليه النقض لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة ، وأمرهم بطرد علّتهم ، وأمرهم بأن يثبتوا وجه الحرمة إن كان سبب الحرمة الأنوثة والذكورة أو اشتمال الرحم . فإن كان سبب الحرمة الأنوثة ينبغي أن يكون كل أنثى حراماً لوجود العلة . وإن كان سبب الحرمة الذكورة ينبغي أن يكون كل ذكر حراماً لوجود العلة وإن كان محرماً لاشتمال الرحم وقد حرم الأولاد كلها ووجهت حرمتها لوجود العلة فيها فبّين انتقاض علتهم وفساد قولهم ، وذلك قوله : { ثمانية أزواج } يعني : ثمانية أصناف { مّنَ الضأن اثنين } يعني : قولهم وذلك قوله : { وَمِنَ المعز اثنين } يعني : الذكر والأنثى { قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الانثيين } يعني : قل لهم من أين جاء هذا التحريم من قبل الذكرين حُرِّمَ أم من قبل الأُنثيين؟ { أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الانثيين } يعني : أم من قبل اشتمال الرحم فإنها لا تشتمل إلا على الذكر والأنثى .
{ نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } يعني : أخبروني بسبب التحريم { إِن كُنتُمْ صادقين } أن الله حرم ما تقولون { وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين قُلْ *** ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الانثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الانثيين } يعني : من أين جاء هذا التحريم .
ثم قال : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } يعني : إذا لم تقدروا على إثبات تحريم ذلك بالعقل فهل لكم كتاب يشهد على تحريم هذا؟ فذلك قوله : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } { إِذْ وصاكم الله بهذا } يعني : أمركم الله بهذا التحريم فسكت مالك بن عوف وتحير فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « مَا لَكَ لاَ تتكلم » فقال : بل تكلم أنت فأسمع قال الله عز وجل : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } بغير حجة وبيان { لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني : ليصرف الناس عن حكم الله تعالى بالجهل { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } يعني : لا يرشدهم إلى الحجة ويقال لا يوفقّهم إلى الهدى مجازاةً لكفرهم . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر { وَمِنَ المعز } بنصب العين . وقرأ الباقون بالجزم . ومعناهما واحد . ثم بيّن لهم ما حرم عليهم فقال :

(2/85)


قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)

{ قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } يعني : لا أجد فيما أنزل علي من القرآن شيئاً محرماً { على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } . يعني : على آكل { إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } . قرأ ابن عامر { إِلا أَن تَكُون مَيْتَةً } بالتاء على لفظ التأنيث لأن الميتة مؤنث وقرأ { مَيْتَةً } بالضم لأنه اسم كان . وقرأ حمزة وابن كثير { إِلا أَن تَكُونَ } بالتاء بلفظ التأنيث { مَيْتَةً } بالنصب فجعل الميتة خبراً لكان ، والاسم فيه مضمر . وقرأ الباقون { إِلا أَن يَكُونَ } بلفظ التذكير { الميتة } بالنصب ، وإن جعلوه مذكراً لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه إلا أن يكون المأكول ميتة { أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } يعني : سائلاً جارياً { أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } أي : حرام { أَوْ فِسْقًا } يعني : معصية { أَهْلُ } يعني : ذبح { لِغَيْرِ الله بِهِ } يعني : لغير اسم الله وقال بعضهم : في الآية تقديم . ومعناه : إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير أو فسقاً أهل لغير الله به فإنه رجس أي حرام . يعني : جميع ما ذكر في الآية هو رجس . ويقال : الرجس هو نعت للحم الخنزير خاصة . وروى عمر بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء ، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه ، وأحلّ حلاله ، وحرّم حرامه فما أحل فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، وتلا هذه الآية { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ } الآية يعني : ما لم يبيّن تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية . وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن أنه قال : الله لولا حديث سلمة بن المحبق ما لبسنا خفافكم ، ولا نعالكم ، ولا فراكم ، حتى نعلم ما هي . قال أبو بكر : فذكرت ذلك للزهري ، فقال : صدق الحسن ذلك عندي أوسع من هذا . حدثني عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس أنه قرأ { قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } الآية . قال : إنما حرم من الميتة أكلها وما يؤكل منها ، وهو اللحم ، أما الجلد والعظم والشَّعر والصوف فحلال . قال : وقد احتج بعض الناس بهذه الآية ، على أن ما سوى هذه الأشياء التي ذكر في الآية مباح . ولكن نحن نقول قد حرم أشياء سوى ما ذكر في الآية . وقد بيّن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير . وقد قال تعالى : { مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاغنيآء مِنكُمْ وَمَآ ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب }

(2/86)


[ الحشر : 7 ] .
ثم قال : { فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وقد ذكرنا تأويل هذه الآية . ثم قال : { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا } يعني : أن هذه الأشياء التي ذكرنا في الآية كانت حراماً في الأصل وقد حرّم الله أشياء كانت حلالاً في الأصل على اليهود بمعصيتهم . { كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } يعني : الإبل والنعامة والبط والأوز . وكل شيء له خفّ وقال القتبي : { كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } يعني : كل ذي مخلب من الطيور ، وكل ذي حافر من الدواب ، وسمي ظفراً على الاستعارة . وقال الكلبي : { كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } يعني : ليس بمنشق ولا مجتر فهو حرام عليهم { وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } يعني : شحوم البطون .
ثم استثنى فقال : { إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } وقال الضحاك : إلا ما كان على اللحوم من الشحوم . وقال الكلبي : يعني : ما تعلق بالظهر من الشحم من الكليتين . ويقال : حرم عليهم الثروب وأحلّ ما سواها . وواحد الثروب ثرب وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش { أَوِ الحوايا } وهو المباعر واحدتها حاوية { أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ } مثل الإلية . وروى جويبر عن الضحاك قال : ما التزق بالعظم . ويقال : هو المخ { ذلك جزيناهم بِبَغْيِهِمْ } يعني : ذلك التحريم عاقبناهم بشركهم وظلمهم { وِإِنَّا لصادقون } أن هذه الأشياء كانت حلالاً في الأصل ، وحرمناها على اليهود بمعصيتهم ، لأن اليهود كانوا يقولون : إن هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل .
ثم قال : { فَإِن كَذَّبُوكَ } يعني : فيما تقول من التحريم والتحليل { فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة } يعني : رحمته وسعت كل شيء لا يعجل عليهم بالعقوبة { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ } يعني : عذابه { عَنِ القوم المجرمين } .
قوله تعالى :

(2/87)


سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)

{ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ } مع الله { لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ىَابَاؤُنَا } يعني : ولا أشرك آباؤنا ، ولكن شاء لنا ذلك وأمرنا به { وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء } أي : من هذه الأشياء . ويقال : مذهبهم مذهب الجبرية . قال الله تعالى : { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني : الأمم الخالية كذبوا رسلهم كما كذبك قومك . وإنما كذبهم الله لأنهم قالوا ذلك على وجه السخرية لا على وجه التحقيق كما قال المنافقون : نشهد أنك لرسول الله فكذبهم الله في مقالتهم ، لأنهم قالوا على وجه السخرية .
ثم قال : { حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } يعني : الأمم الخالية أتاهم عذابنا فهذا تهديد لهم ليعتبروا . ثم قال : { قُلْ } يا محمد لهم قل : { هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ } يعني : بيان من الله { فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } فبينوه لنا بتحريم هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها ، ثم بيّن الله أنهم قالوا ذلك بغير حجة وبيان فقال : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } يعني : ما تقولون إلا بالظن من غير يقين وعلم { وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } يعني : قل لهم ما أنتم إلا تكذبون على الله .
قوله تعالى : { قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة } يعني : الحجة الوثيقة وهو محمد عليه السلام والقرآن . فبيّن لهم ما أحلّ لهم وما حرم عليهم { فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } يعني : لو شاء لوفَّقكم لدينه ، وأكرمكم بالهدى لو كنتم أهلاً للإسلام ، ولكن لم يوفقهم لأنهم لم يجاهدوا في الله حق جهاده { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } عليكم { فَإِن شَهِدُواْ } على تحريمه { فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } فأخبر الله أنهم لو شهدوا ، كانت شهادتهم باطلة ، ولا يجوز قبول شهادتهم ، لأنهم يقولون بأهوائهم .
ثم قال : { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بآياتنا } يعني : بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } يعني : البعث { وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ } يعني يشركون بالله .
ثم قال تعالى :

(2/88)


قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)

{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } يعني : قل لمالك بن عوف وأصحابه الذين يحرمون الأشياء على أنفسهم ، وقالوا ما قالوا أبيّن لكم ما حرم الله عليكم وما أمركم به { أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } يقال : معناه أتل ما حرم ربكم عليكم ، فقد تمّ الكلام .
ثم قال : { عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } { وبالوالدين إحسانا } يقول : نهاكم عن عقوق الوالدين ، وأمركم ببرهم ، ويقال : معناه حرم عليكم ألا تشركوا به شيئاً . ويقال : معناه حرم عليكم الشرك . { وبالوالدين إحسانا } يعني : أمركم بالإحسان إلى الوالدين { وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق } يعني : من خشية الفقر { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } زنى السر والعلانية { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } يعني : إلا بالقصاص أو بالرجم أو بترك الإسلام ، فإنّ القتل بهذه الأشياء من الحقوق { ذلكم وصاكم بِهِ } يقول : أمركم به في القرآن { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أمر الله بما حرمه في هذه الآيات . وروي عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس قال : هذه الآيات المحكمات : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } إلى ثلاث آيات وقال الربيع بن خثيم لرجل : هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد صلى الله عليه وسلم ؟ ثم قرأ هذه الآيات { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } ويقال : هذه الآيات هن أم الكتاب ، وهن إمام في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ولا يجوز أن يرد عليها النسخ .
ثم قال : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } يقول : لا تأكلوا مال اليتيم ولا تباشروه { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } يعني : إلا بالقيام عليه لإصلاح ماله { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } يعني : احفظوا ماله حتى يبلغ رشده . قال مقاتل : يعني ثماني عشرة سنة . وقال الكلبي : الأشُدُّ ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة . ويقال : حتى يبلغ مبلغ الرجل . ويقال : بلوغ الأشد ما بين ثماني عشرة إلى أربعين سنة . ثم قال : { وَأَوْفُواْ الكيل والميزان } يعني : أتموا الكيل والميزان عند البيع والشراء { بالقسط } يعني : بالعدل { لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } يعني : إلا جهدها في العدل يعني : إذا اجتهد الإنسان في الكيل والوزن ، فلو وقعت فيه زيادة قليلة أو نقصان ، فإنه لا يؤاخذ به إذا اجتهد جهده { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا } يعني : اصدقوا وقولوا الحق { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } يعني وإن كان الحق على ذي قرابة ، فقولوا الحق ، ولا تمنعوا الحق { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } يقول : أتموا العهود التي بينكم وبين الله . والعهد الذي بينكم وبين الناس . { ذلكم وصاكم بِهِ } يقول : أمركم به في الكتاب { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } يعني : تتعظون فتمتنعون عما حرم الله عليكم .

(2/89)


قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { تَذَكَّرُونَ } بتخفيف الذال . وقرأ الباقون بالتشديد . لأن أصله تتذكرون . فأدغم إحدى التاءين في الذال .
قوله تعالى : { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا } قرأ حمزة والكسائي وإن هذا بكسر الألف على معنى الابتداء . وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء . وقرأ ابن عامر { وَأَنَّ هذا } بجزم النون . لأن أن إذا خففت منعت عملها . ومعنى الآية : إن هذا الإسلام ديني الذي ارتضيته طريقاً مستقيماً { فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } يعني : لا تتبعوا اليهودية والنصرانية . ويقال : هذا صراطي مستقيماً . يعني : طريق السنة والجماعة فاتبعوه ولا تتبعوا السبل يعني : الأهواء المختلفة . وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن النبي عليه السلام خطَّ بالأرض خطاً مستقيماً ، ثم خطّ بجنبيه خطوطاً ، ثم قال : هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل يعني : الطريق الذي بجنبي الخط ، يعني به : الأهواء المختلفة .
ثم قال : { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } يعني : فيضلكم عن دينه { ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يعني يجتنبون الأهواء المختلفة .
قوله تعالى :

(2/90)


ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)

{ ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب } يعني : التوراة ، ويقال : الألواح التي كتبت عليها حين انطلق إلى الجبل . ويقال : معناه ثم أتل عليكم كما قال الله تعالى : { ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب } . ويقال : ثم بمعنى الواو يعني وآتينا موسى الكتاب { تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ } قال القتبي : أي تماماً على المحسنين . كما يقول ثلث مالي لمن غزا أي للغزاة . والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون . وعلى بمعنى اللام كما نقول في الكلام أتم الله عليه النعمة بمعنى : أتم له . قال : ومعنى الآية والله أعلم وآتينا موسى الكتاب تماماً على أحسن من العلم والحكمة ، أي مع ما كان له من العلم ، وكتب المتقدمين أعطيناه زيادة على ذلك . ويكون الذي بمعنى : ما . قال : ومعنى آخر آتينا موسى الكتاب تتميماً منا للمحسنين يعني : الأنبياء والمؤمنين . { وَتَفْصِيلاً } منا { لّكُلّ شَىْء } يعني : بياناً لكل شيء . قال : ويجوز معنى آخر وآتينا موسى الكتاب إتماماً منا للإحسان على من أحسن ، تفصيلاً لكل شيء يعني ، بياناً لكل شيء { وهدى } من الضلالة { وَرَحْمَةً } يعني : ونعمة ورحمة من العذاب { لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ } يعني : لكي يصدقوا بالبعث .
ثم قال { وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ } يعني : القرآن فيه بركة لمن آمن به ، وفيه مغفرة للذنوب . { فاتبعوه } يعني : اقتدوا به . ويقال : اعملوا بما فيه من الأمر والنهي . { واتقوا } يعني : واجتنبوا ولا تتخذوا إماماً غير القرآن { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } يعني : لكي تُرْحَموا ولا تُعَذَّبوا .
قوله تعالى : { أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } يعني : أنزلنا هذا القرآن لكي لا تقولوا : إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا يعني : اليهود والنصارى . ويقال : أن تقولوا يعني لكراهة أن تقولوا : إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ، وذلك أن كفار مكة قالوا : قاتل الله اليهود كيف كذبوا أنبياءهم ، والله لو جاءنا نذير وكتاب لكنا أهدى منهم . فأنزل الله القرآن حجة عليهم .
ثم قال { وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لغافلين } يعني : عن قراءتهم الكتاب لغافلين عما فيه . { أَوْ تَقُولُواْ } يعني : لكي لا تقولوا { لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } يعني : أصوب ديناً منهم { فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } يعني : حجة من ربكم وهو محمد عليه السلام والقرآن . وإنما قال : { جَاءكُمْ } ولم يقل : جاءتكم لأنه انصرف إلى المعنى يعني : البيان ، ولأن الفعل مقدم . { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } بمعنى : هدى من الضلالة ورحمة من العذاب . ويقال : قد جاءكم ما فيه من البيان وقطع الشبهات عنكم .
ثم قال : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله } يعني : لا أحد أظلم وأشد في كفره ممن كذب بآيات الله تعالى { وَصَدَفَ عَنْهَا } يعني : أعرض عن الإيمان بها . { سَنَجْزِى الذين يَصْدِفُونَ } يعني : يعرضون { عَنْ آياتنا سُوء العذاب بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } أي : شدة العذاب بما كانوا يعرضون عن الآيات .
قوله تعالى :

(2/91)


هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)

{ هَلْ يَنظُرُونَ } معناه ، أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا فماذا ينتظرون؟ فهل ينتظرون { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } لقبض أرواحهم { أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } يعني : يأتي أمر ربك بما وعد لهم كقوله : { هُوَ الذى أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم لاًّوَّلِ الحشر مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله فأتاهم الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين فاعتبروا ياأولى الابصار } [ الحشر : ] ويقال : أن تأتي عقوبة ربك وعذابه . وقد ذكر المضاف إليه ويراد به المضاف . كقوله تعالى : { واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون } [ يوسف : 82 ] يعني : أهل القرية . وكقوله : { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ واسمعوا قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ البقرة : 93 ] يعني : حب العجل . كذلك هاهنا يأتي أمر ربك يعني : عقوبة ربك وعذاب ربك . ويقال : هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله { هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ } يعني : طلوع الشمس من مغربها { يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايات رَبّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } حين طلعت الشمس من مغربها { لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ } يعني : أن الكافر إذا آمن في ذلك الوقت لا يقبل إيمانه ، لأنها قد ارتفعت المحنة حين عاينوها . وإنما الإيمان بالغيب .
ثم قال : { أَوْ كَسَبَتْ فِى إيمانها خَيْرًا } يعني : المسلم الذي يعمل في إيمانه خيراً كأن لم يقبل عمله قبل ذلك ، فإنه لا يقبل منه بعد ذلك . ومن كان قبل من قبل ذلك فإنه يقبل منه بعد ذلك أيضاً أو كانت النفس مؤمنة ولم تكن كسبت خيراً قبل ذلك الوقت لا ينفعها الخير بعد . قال الفقيه : حدثنا الخليل بن أحمد بإسناده عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال المرادي قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ جاء أعرابي فسأله عن أشياء حتى ذكر التوبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لِلتَّوْبَةِ بَابٌ فِي المَغْرِبِ مَسِيرَة سَبْعِينَ عَاماً أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً فلا يَزَالُ حَتَّى يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ »
قال الفقيه : حدثنا الخليل بن أحمد قال : حدثنا السراج . قال : حدثنا زياد بن أيوب عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار وعليه بردعة أو قطيفة فنظر إلى الشمس حين غابت فقال : « يا أبَا ذَرَ هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَغِيبُ هذه »

(2/92)


؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : « فإنَّهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنِ حَمِئَةٍ فَتَنْطَلِقُ حَتَّى تَخُرَّ لِرَبِّها سَاجِدَةً تَحْتَ العَرْشِ ، فإذَا دَنَا خُرُوجُهَا أُذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ . فَإِنْ أَرَادَ الله أنْ يُطْلِعَها مِنْ مَغْرِبِهَا حَبَسَها . فَتَقُولُ : يا رَبِّ إنّ مَسِيري بَعِيدٌ . فَيَقُولُ الله تعالى اطْلَعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : { يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايات رَبّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } » وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال : لا يقبل الله من كافر عملاً ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيراً يومئذ . فإنّه لو أسلم بعد ذلك قُبِلَ ذلك منه ، ومتى كان مؤمناً مذنباً فتاب من الذنب قبلت منه . وروي عن عمران بن حصين أنه قال : إنما لم يقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة فيهلك كثير من الناس . فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم يقبل منه ومن تاب بعد ذلك قبلت منه .
ثم قال : { قُلِ انتظروا إِنَّا } يعني : انتظروا العذاب فإنا منتظرون بكم حتى ننظر أينا أسعد حالاً . قرأ حمزة والكسائي { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الملائكة } بالياء بلفظ التذكير ، والباقون { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ } بلفظ التأنيث لأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث .
قوله تعالى :

(2/93)


إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)

{ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } قرأ حمزة والكسائي فارقوا دينهم بالألف يعني : تركوا دينهم الإسلام ودخلوا في اليهودية والنصرانية . وقرأ الباقون { فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } يعني : آمنوا ببعض الرسل ولم يؤمنوا ببعض { وَكَانُواْ شِيَعاً } يعني : صاروا فرقاً مختلفة . وروي عن أسباط عن السدي أنه قال : هؤلاء اليهود والنصارى تركوا دينهم وصاروا فرقاً { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } أي : لم تؤمر بقتالهم ثم نسخ وأمر بقتالهم في سورة براءة .
وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « { إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا } إنَّهُمْ الخَوَارِجُ » وفي هذه الآية حثّ للمؤمنين على أن كلمة المؤمنين ينبغي أن تكون واحدة ، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع ما استطاعوا .
ثم قال : { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } يقول : إنما عليك الرسالة وليس عليك القتال . ثم قال تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله } يعني : الحكم إلى الله { ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أي في الدنيا ويقال ليس بيدك توبتهم ولا عذابهم إنما أمرهم إلى الله تعالى ، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون .
قوله تعالى :

(2/94)


مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)

{ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } يعني : من جاء بالإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب . { وَمَن جَاء بالسيئة } يعني : بالشرك { فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا } وهو الخلود في النار ، لأن الشرك أعظم الذنوب والنار أعظم العقوبة . فذلك قوله : { جَزَآءً وفاقا } [ النبإ : 26 ] يعني : جزاءً وافق العمل . ويقرأ فله عشر بالتنوين أمثالُها بضم اللام فتكون الأمثال صفة للعشر ، وهي قراءة شاذة قرأها الحسن البصري ويعقوب الحضرمي والقراءة المعروفة عشر أمثالها على معنى الإضافة ، وتكلموا في المثل . قال بعضهم إذا عمل عملاً يعطى في الآخرة ثواب عشرة . ويقال : وإنه يكتب للواحدة عشرة . وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّ صَاحِبَ اليَمِينِ أمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمالِ . وَإذا عَمِلَ العَبْدُ حَسَنَةً كُتِبَ لَهُ عَشَرَة أمْثَالِهَا . وإذَا عَمِلَ سَيِّئَةً فَأرَادَ صَاحِبُ الشِّمَالِ أنْ يَكْتُبَهَا قَالَ لَهُ صَاحِبُ اليَمِينِ : أَمْسِكْهَا فَيُمْسِكُ سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ سَاعَاتٍ . فإنِ اسْتَغْفَرَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كُتِبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ » ويقال : إن الله تعالى قد وعدّ للواحدة عشراً فهو أعرف بكيفيته . فإن قيل : ذكر هاهنا للواحدة عشر وذكر في آية أُخرى سبعمائة وفي آية أُخرى أضعافاً مضاعفة ، قيل له : قد تكلم أهل العلم في ذلك . قال بعضهم : يكون للعوام عشرة والخواص سبعمائة وأكثر إلى ما لا يحصى . وقال بعضهم : العشرة اشترط لسائر الحسنات ، والسبعمائة للتفقه في سبيل الله فالخاص والعام فيه سواء .
وقد جاء في الأثر ما يؤكد القولين فقد روى عطية عن ابن عمر قال : نزلت هذه الآية في الأعراب { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } قال رجل ما للمهاجرين يا أَبا عبد الرحمن؟ قال : هو أفضل من ذلك { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 40 ] وإذا قال الله لشيء عظيماً فهو عظيم .
وروى همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إسْلاَمَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا يُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها إِلى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ . وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُها يُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِها حَتَّى يَلْقَى الله بِلا ذَنْبٍ »
وروى ابن فاتك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الأَعْمَالُ سِتَّةٌ فَمُوجِبَتَانِ ، وَمِثْلٌ بِمِثْلٍ ، وَحَسَنَةٌ بِحَسَنَةٍ ، وَحَسَنَةٌ بِعَشْرٍ ، وَحَسَنَةٌ بِسَبْعِمائَةٍ . فَأَمَّا المُوجِبَتَانِ فَمَنْ مَات وَلَمْ يُشْرِكْ بالله شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةِ وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بالله دَخَلَ النَّارَ . وَأَمَّا مِثْلٌ بِمِثْلٍ فَمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٍ فَجَزَاءٌ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا . وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ حَتَّى تَشْتَهِيَ بِهَا نَفْسُهُ وَيَعْلَمَهَا الله مِنْ قَلْبِهِ كُتِبَ لَهُ حَسَنَة . وَأَمَّا حَسَنَةٌ بِعَشْرٍ فَمَنْ عَمِلَ حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِها . وَأَمَّا حَسَنَةٌ بِسَبْعِمائَةٍ فَالنَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ الله » ثم قال : « { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } » يعني : لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً ولا يزادون على سيئاتهم شيئاً .
قوله تعالى :

(2/95)


قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

{ قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى } وذلك أن أهل مكة قالوا له : من أين لك هذه الفضيلة وأنت بشر مثلنا؟ فإن فعلت لطلب المال فاترك هذا القول حتى نعطيك من المال ما شئت . فنزلت { قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى } { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } يعني : وفقني الله وهداني إلى دين الإسلام وهو دين لا عوج فيه { دِينًا قِيَمًا } . قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { دِينًا قِيَمًا } بنصب القاف وكسر الياء مشدودة . وقرأ الباقون { قَيِّماً } بكسر القاف ونصب الياء على معنى المصدر . ومن قرأ بالنصب على معنى النعت { دِينًا قِيَمًا } يعني : ديناً عدلاً مستقيماً { مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً } يعني : مستقيماً مخلصاً { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } على دينهم { قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } وأصل النسك ما يتقرب به يعني : قل إن صلاتي المفروضة وقرباني وديني { وَمَحْيَاىَ } في الدنيا { وَمَمَاتِى } بعد الحياة . ويقال : { وَنُسُكِى } يعني : أضحيتي وحجتي { للَّهِ رَبّ العالمين } . { لاَ شَرِيكَ لَهُ وبذلك أُمِرْتُ } في الكتاب { وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } من أهل مكة . ويقال : أول المسلمين يوم الميثاق . ويقال : { صَلاَتِى } يعني : صلاة العيد ونسكي يعني : الأضحية .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنه : « قُومِي إلى أُضْحِيَتِكِ وَاذْبَحِي وَقُولِي : إنَّ صَلاَتِي وَنُسْكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ العَالَمِينَ » ويقال : إن أول المخلصين بالثبات على الإسلام .
قوله تعالى :

(2/96)


قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)

{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } يعني : يقول أعبد وأطلب رباً غيره { وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء } من خلقه في السموات والأرض ، لأنهم كانوا يقولون له : نحن كفلاء لك بما يصيبك ومن تابعك . فنزلت { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } يعني : إلا لها أو عليها إن كان خيراً فلها وإن كان شراً فعليها { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } يعني : لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } أي مصيركم في الآخرة { فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من الدين ، ويبيّن لكم الحق من الباطل بالمعاينة .
ثم قال : { وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الارض } يعني : سكان الأرض من بعد إهلاك الأمم الخالية ، لأن النبي عليه السلام خاتم النبيين ، وأمته قد خلفوا جميع الأمم . ويقال : خلائف يعني : يخلف بعضكم بعضاً { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } أي فضل بعضكم على بعض في المال والرزق { لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم } يعني : ليبتلي الموسر بالغِنَى ويطلب منه الشكر ، ويبتلي المُعْسِر بالفاقة ويطلب منه الصبر . ويقال : { لِيَبْلُوَكُمْ } يعني : بعضكم ببعض كما قال الله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الاسواق وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } [ الفرقان : 20 ] .
ثم خوّفه فقال : { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } كأنه جاء لأن ما هو آتٍ فهو قريب ، كما قال : { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ واحدة كَلَمْحٍ بالبصر } [ القمر : 50 ] { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعني : لمن أطاعه في فاقة أو غِنى . ويقال : { سَرِيعُ العقاب } لمن لم يشكر نعمته وكان مصراً على ذلك .
{ أَنَّهُ * لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن رجع وتاب { رَّحِيمٌ } بعد التوبة . ويقال : { سَرِيعُ العقاب } لمن لم يحفظ نفسه فيما أعطاه من فضل الله وترك حق الله في ذلك { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ } لمن تاب { رَّحِيمٌ } بعد التوبة . قال الفقيه قال : حدثنا أبو الحسن بن حمدان بإسناده عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلَف مَلَكٍ لَهُمْ زَجَلٌ بالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ » قال . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَنْ قَرَأ سُورَةَ الأنْعَامِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ أُولئكَ السَّبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ في سُورَةِ الأنْعَامِ يَوْماً وَلَيْلَةً » .

(2/97)


المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)

قوله تعالى :
{ المص } قال ابن عباس يعني : أنا الله أعلم وأفصل معناه : أعلم بأمور الخلق وأفصل الأحكام والأمور والمقادير ، وليس لي شريك في تدبير الخلق : ويقال : معناه أنا الله المصور . ويقال : أنا الله الناصر . ويقال : أنا الله الصادق .
وروى معمر بن قتادة قال : إنه اسم من أسماء القرآن ويقال هو قسم { كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ } يعني : أن هذا الكتاب أُنزل إليك يا محمد { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي : فلا يقعن في قلبك شك منه من القرآن أنه من الله عز وجل . فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره . كقوله : { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } [ يونس : 94 ] . ويقال : { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي فلا يضيقنّ صدرك بتكذيبهم إياك . كقوله عز وجل : { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىءٍ مُّبِينٍ } [ الشعراء : 30 ] والحرج في اللغة هو الضيق .
ثم قال : { لِتُنذِرَ بِهِ } على معنى التقديم يعني : كتاب أنزلناه إليك لتنذر به أي لتخوف بالقرآن أهل مكة { وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } أي . وعظة للمؤمنين الذين يتبعونك .
ثم قال : { اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } أي صدقوا ، واعملُوا بما أنزل على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ويقرؤوه عليكم { وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } أي : ولا تتّخذوا من دون الله أرباباً ، ولا تعبدوا غيره .
ثم أخبر عنهم فقال : { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } ما : صلة في الكلام ومعناه : قليلاً تتعظون . يعني : إنهم لا يتعظون به شيئاً . قرأ ابن عامر { يَتَذَكَّرُونَ } على لفظ المغايبة بالياء . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر { تَذَكَّرُونَ } بالتاء على معنى المخاطبة بتشديد الذال والكاف لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تَذَكَّرون بتخفيف الذال ، فأسقط التشديد للتخفيف .
ثم خوفهم فقال : { وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها } معناه : وكم من أهل قرية وعظناهم فلم يتعظوا فأهلكناهم { فَجَاءهَا بَأْسُنَا } أي جاءها عذابنا بعد التكذيب { بَيَاتًا } أي ليلاً . سمي الليل بياتاً لأنه يبات فيه { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } عند القيلولة . فإن لم تتّعظوا أنتم يأتيكم العذاب ليلاً أو نهاراً كما أتاهم .
ثم أخبر عن حال من أتاهم العذاب فقال : { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا إِلا أَن قَالُواْ } أي لم يكن قولهم حين جاءهم العذاب ولم تكن لهم حيلة إلا أنهم تضرعوا قالوا : { إِنَّا كُنَّا ظالمين } أي ظلمنا أنفسنا بترك طاعة ربنا من التوحيد يعني : إن قولهم بعدما جاءهم العذاب يعني : الهلاك لم ينفعهم فاعتبروا بهم . فإنكم إذا جاءكم العذاب لا ينفعكم التضرع .
ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال : { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } يعني : الأمم لنسألنهم هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم وماذا أجبتم الرسل؟ { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين } عن تبليغ الرسالة . وهذا كقوله عز وجل : { لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ للكافرين عَذَاباً أَلِيماً } [ الأحزاب : 8 ] ثم قال تعالى : { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ } أي : فلنخبرنّهم بما عملوا في الدنيا ببيان وعلم منا { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عَمّا بلغت الرسل وعما ردَّ عليهم قومهم . ومعناه : وما كنا نسألهم لنعلم ذلك ولكن نسألهم حجةً عليهم .
قوله :

(2/98)


وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)

{ والوزن يَوْمَئِذٍ الحق } أَيّ وزن الأعمال يومئذ بالعدل { فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } أي : رجحت حسناته على سيئاته { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } أي الناجون . وتكلموا في وزن الأعمال . قال بعضهم : توزن الصحائف التي كتبها الحفظة في الدنيا . وقال بعضهم : يجعل للأعمال صورة وتوضع في الميزان . وقال بعضهم : هذا على وجه المثل وهو كناية عن التعديل ، وهو قول المعتزلة . وقال بعضهم : قد ذكر الله تعالى الوزن فنؤمن به ولا نعرف كيفيته .
وروى بلال الحبشي عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّ جِبْرِيلَ صَاحِبُ المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ لَهُ رَبُّهُ زِنْ بَيْنَهُمْ فَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَلا دِرْهَمَ يَوْمَئذٍ ، وَلا فِضَّةَ ، وَلا دِينَارَ ، فَيَرُدُّ الظَّالِمُ عَلَى المَظْلُومِ مَا وَجَدَ لَهُ مِنْ حَسَنَةٍ . فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَهُ حَسَنَةٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ المَظْلُومِ فَتُرَدُّ عَلَى الظَّالِمِ فَيَرْجِعُ الظَّالِمُ وَعَلَيْهِ سَيِّئاتٌ مِثْلُ الجَبَلِ »
وروي عن ابن عباس أنه قال : توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان . فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة ، وتثقل حسناته على سيئاته . وأما الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورة ، وتثقل سيئاته على حسناته . وقال بعضهم : لا يوزن عمل الكافر ، وإنما توزن الأعمال التي بإزائها الحسنات .
ثم قال تعالى : { وَمَنْ خَفَّتْ موازينه } أي رجحت سيئاته على حسناته { فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } أي غبنوا حظ أنفسهم { بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ } بما كانوا بآياتنا يجحدون ، بأنه ليس من الله تعالى . وقد ذكر الموازين بلفظ الجمع . قال بعضهم : لأن المراد بها جميع الموزون . وقال بعضهم : أراد به الميزان لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهين والخيوط . وقد ذكر باسم الجماعة .
قال تعالى : { وَلَقَدْ مكناكم فِى الارض } أي مكناكم في الأرض وعمرناكم ، فذكر لهم التهديد ، ثم ذكر لهم النعم ليستحيوا من ربهم ولا يعصوه { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } يعني : الرزق وهو ما يخرج من الأرض من الكروم والثمار والحبوب .
وروى خارجة عن نافع أنه قرأ معائش بالهمز لأنه على ميزان فعائل مثل الكبائر والصغائر . وقرأ الباقون بغير همز ، لأنّ الياء أصلية وكان على ميزان مفاعل . ثم قال : { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } يعني : إنكم لا تشكرون هذه النعمة .
قوله تعالى :

(2/99)


وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)

{ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } أي : خلقنا آدم وأنتم من ذريته ، ثم صورناكم يعني : ذريته . ويقال : { خلقناكم } يعني : آدم خلقه من تراب { ثُمَّ صورناكم } يعني : آدم صوره بعد ما خلقه من طين . ويقال : { خلقناكم } نطفاً في أصلاب الآباء { ثُمَّ صورناكم } في أرحام الأمهات .
{ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة } على وجه التقديم أي : وقلنا للملائكة : { اسجدوا لاِدَمَ } ثُمَّ بمعنى الواو . ويقال : معناه خلقناكم وصورناكم وقلنا للملائكة : اسجدوا لآدم وهي سجدة التحية لا سجدة الطاعة فالعبادة لله تعالى ، والتحية لآدم عليه السلام { فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } أي لم يسجد مع الملائكة لآدم عليه السلام { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } يعني : أن تسجد ولا زيادة . ومعناه : ما منعك عن السجود إذ أمرتك بالسجود لآدم { قَالَ } إبليس عليه اللعنة : إنما لم أسجد لأنّي { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } أي هذا الذي منعني عن السجود . فاشتغل اللعين بالقياس والقياس في موضع النص باطل ، لأنه لما أقرّ بأنه هو الذي خلقه . فقد أقرّ بأن عليه واجب وعليه أن يأتمر بأمره . ومع ذلك لو كان القياس جائزاً في موضع النص ، فإن قياسه فاسداً ، لأنّ الطين أفضل من النار ، لأنّ عامة الثمار والفواكه والحبوب تخرج من الطين ، ولأن العمارة من الطين والنار للخراب .
ثم قال له عز وجل : { فاهبط مِنْهَا } قال مقاتل : أي اهبط من الجنة { فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } أي في الجنة . وقال الكلبي : فاهبط منها أي اخرج من الأرض والحق بجزائر البحور ، ولا تدخل الأرض إلا كهيئة السارق وعليه ذل الخوف وهو يروغ فيها ، فما يكون لك أن تتكبر فيها ، لا ينبغي لك أن تتكبر في هذه الأرض على بني آدم { فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } يعني : من المهانين المذلين { قَالَ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يعني : أجلني إلى يوم البعث ، اليوم الذي يخرج الناس من قبورهم . قال ابن عباس : أراد الخبيث ألا يذوق الموت ، فأبى الله تعالى أن يعطيه ذلك . ف { قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين } إلى النفخة الأولى ، فحينئذٍ يذوق الموت وتصيبه المرارة بعدد الأولين والآخرين . قوله تعالى : { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } قال الكلبي : أي فكما أضللتني . وقال مقاتل : يعني أما إذا أضللتني . وقال بعضهم : فبما أغويتني يعني : فبما دعوتني إلى شيء غويت به . { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } يعني : لأقعدن لهم على طريقك المستقيم ، وهو دين الإسلام فأصدّ الناس عن ذلك . { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } روى أسباط عن السدي قال : من بين أيديهم الدنيا أدعوهم إليها { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } الآخرة أشككهم فيها { وَعَنْ أيمانهم } قال الحق : أشككهم فيه { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } قال : الباطل أخففه عليهم وأرغبهم فيه .

(2/100)


وقال في رواية الكلبي : ثم لآتينّهم من بين أيديهم من أمر الآخرة ، فأزيّن لهم التكذيب بالبعث بأنه لا جنة ولا نار ، ومن خلفهم من أمر الدنيا فأزينها في أعينهم وأرغبهم فيها ، فلا يعطون حقاً عن أيمانهم أي : من قبل دينهم فإن كانوا على الضلالة زيّنتها لهم ، وإن كانوا على الهدى شبّهته عليهم حتى يشكوا فيه { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من قبل اللذات والشهوات . ويقال : معناه لآتينهم بالإضلال من جميع جهاتهم ويقال : { عَنْ * أيمانهم } فيما أمروا به { وَعَن شَمَائِلِهِمْ } فيما نهوا عنه . ويقال : { وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي : فيما يعملون لأنه يقال عملت بذلك { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } يعني ذرية آدم لا يكونون شاكرين لنعمتك ، ويقال شاكرين مؤمنين وقال في آية أُخرى : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن محاريب وتماثيل وَجِفَانٍ كالجواب وَقُدُورٍ راسيات اعملوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشكور } [ سبأ : 13 ] { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين } [ سبأ : 20 ] قوله : { قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } قال الكلبي ومقاتل : يعني اخرج من الجنة مذؤوماً أي معيباً مدحوراً أي : مطروداً . وقال الزجاج : مذؤوماً أي مذموماً . يقال : دأمت الرجل وذممته إذا عبته مدحوراً أي : مبعداً من رحمة الله تعالى . { لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } أي : مَنْ أطاعك فيما دعوته إليه . واللام زيادة للتأكيد { لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } أي : ممن أطاعك منهم من الجن والإنس ، ويكون هذا اللفظ بمعنى القسم والتأكيد وأنه يفعل ذلك لا محالة .
قوله تعالى :

(2/101)


وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)

{ وَيَئَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } يعني : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة { فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } أي : من حيث أحببتما موسعاً عليكما { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة } يعني : لا تأكلا من هذه الشجرة { فَتَكُونَا مِنَ الظالمين } فتصيرا من الضارين بأنفسكما .
قوله تعالى : { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان } أي : زيّن لهما الشيطان { لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءتِهِمَا } يعني : أراد إبليس لعنه الله بالوسوسة ليظهر ما سترا من عوراتهما ، والسوأة كناية عن العورة . وذلك أن إبليس لما رأى محسوده في الجنة ورأى نفسه طريداً لم يصبر ، واحتال لإخراجهما فأتاهما { وَقَالَ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } يعني : أنكما لو أكلتما تصيران كالملكين تموتان أبداً أو تكونا كالملائكة وتعلمان الخير والشر . { أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } يعني : إن لم تكونا مَلَكَيْنِ فتكونا من الخالدين لا تموتان . وقرأ بعضهم مَلِكَيْنِ بالكسر كما قال : في آية أُخرى { فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان قَالَ ياأادم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } [ طه : 120 ] وهي قراءة يحيى بن كثير وهي قراءة شاذة .
قوله : { وَقَاسَمَهُمَا } أي حلف لهما { إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين } بأنها شجرة الخلد من أكل منها لم يمت . وكان آدم لم يعلم أن أحداً يحلف بالله كاذباً { فدلاهما بِغُرُورٍ } أي : غرّهما بباطل ويقال : زَيَّنَ لهما . وأصله في اللغة من التقريب يعني : قربهما إلى الشجرة { فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة } يقول : فلما أكلا من الشجرة ووصل إلى بطونهما تهافت لباسهما عنهما { بَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا } أي ظهرت عوراتهما ، وإنما سميت العورة سوأة لأن كشف العورة قبيح .
قال الفقيه : حدّثنا أبو جعفر . قال : حدّثنا أبو القاسم أحمد بن حم قد ذكر بإسناده عن أبَيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : « إنَّ آدَمَ كَانَ رَجُلاً طَوِيلاً كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ ، فَلَمَّا وَقَعَ في الخَطِيئَةِ بَدَتْ لَهُ سَوْأَتهُ ، وَكَانَ لاَ يَرَاها قَبْلَ ذلك ، فَانْطَلَقَ هَارِباً فِي الجَنَّةِ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الجَنَّةِ ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ : يَا آدَمُ أَتَفِرُّ مِنِّي؟ قَالَ : يَا رَبّ إِنِّي أَسْتَحِي » وفيه دليل أن ستر العورة كان واجباً من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله : { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } أي أقبلا وعمدا يلصقان عليهما من ورق الجنة يعني : من ورق التين يطبقان على أبدانهما ورقة ورقة منه . يقال : خصف نعله وهو إطباق طاق على طاق وأصل الخصف الضم والجمع . والخصف إنما هو إلصاق الشيء بالشيء ولهذا قيل : خصاف . وقرأ بعضهم وطفَقَا بالنصب وهما لغتان طَفِقَ يَطْفَقُ وطَفَق يَطْفِقُ { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } أي قال : لهما ربهما : { أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة } أي عن أكل تلك الشجرة { وَأَقُل لَّكُمَا } يعني : ألم أقل لكما { إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة .

(2/102)


قوله عز وجل : { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } بأكلنا الشجرة فاغفر لنا وتجاوز عن معصيتنا { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا } يعني : إن لم تتجاوز عن ذنوبنا { لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } بالعقوبة فهذه لام القسم كأنهما قالا : والله لنكونن من الخاسرين إن لم تغفر لنا وترحمنا . وقد ذكر الله تعالى قبول توبتهما في سورة البقرة . وهو قوله تعالى : { فتلقى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } [ البقرة : 37 ] أي قبل توبته . وفي الآية دليل أنّ الله تعالى يعذب عباده إذا أصروا على الذنوب ويتجاوز عنهم إذا تابوا ، لأن إبليس لم يتب ، وسأل النظرة ، فجعل مأواه جهنم . وتاب آدم ورجع عن ذنبه فقبل توبته .
قوله : { قَالَ اهبطوا } يعني : آدم وحواء عليهما السلام وإبليس لعنه الله { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } يعني : إبليس عدوّ لآدم وحواء { وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ } أي : منزل وموضع القرار { ومتاع إلى حِينٍ } أي : معاش إلى وقت الموت .
قوله تعالى : { قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ } أي : في الأرض تعيشون { وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } من الأرض من قبوركم يوم القيامة . قرأ الكسائي وابن عامر يَخْرُجُونَ بنصب الياء وضم الراء وقرأ الباقون بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله .
قوله تعالى :

(2/103)


يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)

{ يابنى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } يقول خلقنا لكم الثياب { يوارى سَوْءتِكُمْ } يعني يستر عوراتكم ، ويقال معناه أنزلنا عليكم المطر ينبت لكم القطن والكتَّان لباساً لكم { وَرِيشًا } قرأ الحسن البصري ورياشاً بالألف . وقرأ غيره وريشاً بغير ألف وقال القتبي : الريش والرياش ما ظهر من اللباس ، وريش الطائر ما ستره الله به . ويقال : الرياش : المال والمعاش . قال الفقيه : حدّثنا محمد بن الفضل . قال : حدّثنا محمد بن جعفر حدّثنا إبراهيم بن يوسف عن أبي أمامة عن عوف بن أبي جميلة عن معبد الجهني في قوله : { قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } قال : هو ما تلبسون ورياشاً قال المعاش { وَلِبَاسُ التقوى } هو الحياء { ذلك خَيْرٌ } أي لباس التقوى وهو الحياء خير من الثياب ، لأن الفاجر إنْ كان حسن الثياب فإنه بادي العورة ألا ترى إلى قول الشاعر حيث يقول :
إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عريانا
وقال القتبي : { لِبَاسَ التقوى } أي ما ظهر عليه من السكينة والوقار والعمل الصالح كما قال : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [ النحل : 112 ] أي ما ظهر عليهم من سوء آثارهم وتغيُّر حالهم . ويقال : { لِبَاسَ التقوى } الإيمان . ويقال : العفة . قرأ نافع والكسائي وابن عامر { لِبَاسَ التقوى } بالنصب يعني : أنزل لباس التقوى ومعناه : ستر العورة . وقرأ الباقون بالضم لِبَاسُ على معنى الابتداء . ويقال : فيه مضموم يعني : هو { لِبَاسَ التقوى } ومعناه : ستر العورة أي لباسُ المتقين . وقرأ عبد الله بن مسعود { وَلِبَاسُ التقوى } خير . وقال مجاهد : كان أناس من العرب يطوفون حول البيت عراة فنزل قوله تعالى : { قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يوارى سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا } يعني : من المال . ويقال : معنى قوله : { ذلك خَيْرٌ } يعني : اللباس خير من تركه لأنهم كانوا يطوفون عراة .
قوله : { ذلك مِنْ آيات الله } أي من نعم الله على الناس ، ويقال : من عجائب الله ودلائله . { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي : يتّعظون .
قوله عز وجل : { يَذَّكَّرُونَ يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان } يقول : لا يضلّنّكم الشيطان عن طاعتي فيمنعكم من الجنة { كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة } حين تركا طاعتي وعصيا أمري { يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءتِهِمَا } يعني : لا يفتنّنكم الشيطان عن دينكم في أمر الثياب فينزعها عنكم ، فتبدو عوراتكم ، كما فعل بأبويكم ، نزع عنهما لباسهما وأظهر عورتهما . وقال بعض الحكماء : إنّ المعصية شؤم تضر بصاحبها فتجعله عرياناً كما فعلت بآدم { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } يعني : كونوا بالحذار منه ، فإنه يراكم هو أي إبليس وجنوده من الشياطين من حيث لا ترونهم .

(2/104)


يعني : كونوا على حذر لأنه يجري من بني آدم مجرى الدم وذكر أن إبليس لما لعن قال رب : إنّك باعث إلى بني آدم رسلاً وكتباً ، فما رسلي؟ قال : الكهنة . قال : فما كتابي؟ قال : الوشم . قال : فما قراءتي قال : الشعر قال : فما مسجدي؟ قال : السوق . قال : فما مؤذني؟ قال : المزامير . قال : فما بيتي؟ قال : الحمام . قال : فما مصائدي؟ قال النساء . قال : فما طعامي؟ قال : كل ما لم يذكر اسم الله عليه . قال : فما شرابي؟ قال : كل سكر .
قوله عز وجل : { إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء } يعني : قرناء { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } أي لا يصدقون بالآخرة { وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة } يعني : المشركين حرموا على أنفسهم أشياء قد أحل الله لهم ، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ، قالوا : لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها وكان رجالهم يطوفون بالنهار ونساؤهم بالليل وإذا طافت المرأة بالنهار اتخذت إزاراً من سير وكانت تبدو عورتها إذا مشت وكانت تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
وإذا قيل لهم لم فعلتم هكذا { قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } يعني : بتحريم هذه الأشياء وبالطواف عراة قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } أي المعاصي { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أتكذبون على الله وتقولون بغير علم؟
ثم بيّن لهم ما أمرهم الله تعالى به . فقال عز وجل : { قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط } أي بالعدل والصواب . وكلمة التوحيد وهي شهادة ألاّ إله إلاّ الله { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ } أي : { قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط } وقل : أقيموا وجوهكم { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } أي حوّلوا وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلاة . وقال الكلبي : يعني إذا حضرت الصلاة وأنتم في مسجد فصلوا فيه ، فلا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي . وإذا لم يكن في مسجد فليأت أي مسجد شاء . قال مقاتل : يعني : حوّلوا وجوهكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم { وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } يقول : وحدوه واعبْدُوه بالإخلاص . ويقال : إنّ أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم ، ويقولون : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ، فأمرهم الله أن يوحّدوه في التلبية مخلصين له الدين .
ثم قال : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } أي ليس كما تشركون . فاحتج عليهم بالبعث متصلاً بقوله : { فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } أي ليس بعثكم بأشد من ابتدائكم . وقال الحسن : كما خلقكم ولم تكونوا شيئاً فأحياكم كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة . ويقال : { كَمَا بَدَأَكُمْ } يوم الميثاق من التصديق والتكذيب { تَعُودُونَ } إلى ذلك .

(2/105)


حيث قال : «هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي» . ويقال : { كَمَا بَدَأَكُمْ } فخلقكم من التراب { تَعُودُونَ } تراباً بعد الموت . وقال ابن عباس : { كَمَا بَدَأَكُمْ } مؤمناً وكافراً وشقياً وسعيداً كذلك تموتون عليه وتبعثون عليه .
ثم قال : { فَرِيقًا هدى } وهم المؤمنون فعلم الله تعالى منهم الطاعة ويكرمهم بالمعرفة { وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة } أي وجب عليهم الضلالة ، فخذلهم ولم يكرمهم بالتوحيد حيث علم منهم المعصية والكفر { إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين } يعني : لأنهم اتخذوا الشياطين { أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله } يعني : اتخذوهم أولياء وأطاعوهم بالمعصية { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } أي يظنون أنهم على الهدى . قال الزجاج : فيه دليل أن من لا يعلم أنه كافر وهو كافر يكون كافراً لأن بعضهم قال : لا يكون كافراً وهو لا يعلم . وذلك القول باطل لأن الله تعالى قال : { وَمَا خَلَقْنَا السمآء والارض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار } [ ص : 27 ] وقال : { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } .
قوله تعالى :

(2/106)


يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)

{ يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ } أي البسوا ثيابكم واستروا عوراتكم عند كل صلاة . قال السدي : كان هؤلاء والذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون الودك . فقال الله تعالى : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ } في التحريم . ويقال : الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله أو يأكل مما يحل له أكله فوق القصد ومقدار الحاجة . وقيل لبعض الأطباء : هل وجدت الطب في كتاب الله تعالى؟ قال : نعم قد جمع الله الطب كله في هذه الآية { وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ } ثم قال : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } أي لا تحرموا ما أحل الله لكم ، فإنَّ المحرم ما أحل الله كالمحل ما حرم الله تعالى .
قوله تعالى : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } وهو أنه لما نزل قوله : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ } لبسوا الثياب وطافوا بالبيت مع الثياب فعيرهم المشركون ، فنزل { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله } يعني : لبس الثياب { التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } أي خلقها لهم لعباده أي أوجد . وقيل : أظهر وقيل على حقيقته كان في السماء أو في الأرض فأخرجه . { والطيبات مِنَ الرزق } يعني : الحلال وهو اللحم والشحم والدسم { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ } قال مقاتل : في الآية تقديم . ومعناه : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا { قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى } قرأ نافع : { خَالِصَةٌ } بضم التاء وقرأ الباقون بالنصب خَالِصَةً فمن قرأ بالضم فهو خبر بعد خبر يعني : هي ثابتة لهم خالصة أي ثابتة . معناه : قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشترك فيها المؤمن والكافر وهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة وقال القتبي : هذا من الاختصار ومعناه : قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة ، وفي الآخرة خالصة ثم قال : { كذلك نُفَصّلُ الآيات } يعني : العلامات ويقال : نبيّن الآيات من أمره ونهيه وما يكون في الدنيا والآخرة { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي يفهمون أمر الله تعالى .
ثم أخبرهم بما حرّم عليهم فقال : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم } يعني : المعاصي . ويقال الإثم يعني : الخمر كما قال القائل :
شربت الإثم حتى ضلّ عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول
{ والبغى } يعني : حرم الاستطالة وظلم الناس { بِغَيْرِ الحق وَأَن تُشْرِكُواْ بالله } يقول : وحرّم أن تشركوا بالله { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } يقول : ما لم ينزل به كتاباً فيه عذركم وحجة لكم { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله } أي وحرم عليكم أن تقولوا على الله { مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أنه حرم عليكم .
ثم خوفهم فقال : { وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } يعني : لكل أهل دين مُهلة للعذاب { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } بالعذاب { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً } بعد الأجل { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } ساعة قبل الأجل .
ثم قال :

(2/107)


يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)

{ يابنى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } وأصله إنْ ما ومعناه متى ما يأتيكم { رُسُلٌ مّنكُمْ } أي : من جنسكم { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى } أي يقرؤون عليكم ، ويعرضون عليكم كتابي { فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ } أي : اتقى الشرك وأطاع الرسول وأصلح العمل ، يعني : فمن اتقى عما نهى الله عنه وأصلح أي : عمل بما أمر الله تعالى به { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يعني : لا خوف عليهم من العذاب ولا هم يحزنون من فوات الثواب . ويقال : { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبلهم { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا من الدنيا ويقال معناه إمَّا يأتينَّكم رسل منكم وأيقنتم فَلاَ خَوْف عَلَيْكُمْ فيما يستقبلكم ، فذكر الله ثواب من اتقى وأصلح .
ثم بيّن عقوبة من لم يتقِ فقال عز وجلّ : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا } أي تعظموا عن الإيمان ، فلم يؤمنوا بالرسل وتكبروا عن الإيمان { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } أي : دائمون .
قوله تعالى : { فَمَنْ أَظْلَمُ } قال الكلبي : فمن أكفر . وقال بعضهم : هذا التفسير خطأ لأنه لا يصح أن يقال هذا أكفر من هذا . ولكن معناه : ومن أشد في كفره . ويقال : فلا أحد أظلم . ويقال : أي ظلم أشنع وأقبح { مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } يعني : من اختلق على الله كذباً أي : شركاً { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ } جحد بالقرآن { أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب } أي : حظهم من العذاب . ويقال { نَصِيبَهُمْ } حظهم مما أوعدهم اللَّه في الكتاب الإهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة . وقال ابن عباس : هو ما ذكر في موضع آخر { وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } . ويقال : { نَصِيبَهُمْ } أي ما قضي وقدر عليهم في اللوح المحفوظ من السعادة والشقاوة . ويقال : { نَصِيبَهُمْ } رزقهم وأجلهم في الدنيا { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } يعني : أمهلهم حتى يأتيهم ملك الموت وأعوانه عند قبض أرواحهم . ويقال : يقول لهم خزنة جهنم قبل دخولها { قَالُوا أَيْنَمَا كُنتُمْ تَدْعُونَ } يعني : أن الملائكة يقولون ذلك عند قبض أرواحهم { مِن دُونِ الله } يمنعونكم من النار { قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا } أي اشتغلوا عنا بأنفسهم { وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين } في الدنيا ، وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم .
ثم قال : { قَالَ ادخلوا فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم } أي : قالت لهم خزنة النار : ادخلوا النار مع أمم قد مضت على مذهبكم { مّن الجن والإنس فِى النار كُلَّمَا دَخَلَتْ } يعني : النار { أُمَّةٍ } جماعة { لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } أي : على الأمة التي دخلت قبلها في النار . قال مقاتل : يعني لعنوا أهل ملتهم يلعن المشركون المشركين والنصارى النصارى .

(2/108)


وقال الكلبي : تدعو على الأمم التي قبلهم في النار يبدأ بالأمم الأولى فالأولى ، ويبدأ أولاً بقابيل وولده . ويقال : يبدأ بالأكابر فالأكابر مثل فرعون كما قال في آية آخرى { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً } [ مريم : 69 ] .
{ حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا } يعني : اجتمعوا في النار وأصله تداركوا فيها يعني : اجتمع القادة والأتباع في النار وقرأ بعضهم حَتَّى إذَا أَدْرَكُوا فيه أي دخلوا في إدراكها ، كما يقال أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء وهي قراءة شاذة { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لاولاهم } أي : قال أواخر الأمم لأولّهم . ويقال : قالت الأتباع للقادة والرؤساء { رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا } عن الهدى { قَالَ ادخلوا فِى أُمَمٍ قَدْ } أي : أعظم زيادة من العذاب { قَالَ } الله تعالى : { لِكُلّ ضِعْفٌ ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ } أي : على القادة زيادة من العذاب ولكن لا تعلمون ما عليهم . قرأ عاصم في رواية أبي بكر { ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ } بالياء أي : لا يعلم فريق منهم عذاب فريق آخر { وَقَالَتْ أولاهم لاِخْرَاهُمْ } أي : أولهم دخولاً لآخرهم دخولاً . ويقال : القادة للأتباع { فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } في شيء كفرتم كما كفرنا ، فنحن وأنتم سواء في الكفر ضللتم كما ضللنا .
قال الله تعالى : { فَذُوقُواْ العذاب } ويقال : يقول الخزنة فذوقوا العذاب . ويقال : هذا قول بعضهم لبعض فذوقوا العذاب { بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } أي : تكفرون في الدنيا بترككم الإيمان .

(2/109)


إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)

قوله عز وجل : { إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { واستكبروا عَنْهَا } يعني : استكبروا عن قبولها . ويقال : عن النظر فيها { لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء } لأعمال الكفار أي : ليس لهم عمل صالح يفتح لهم أبواب السماء ويقال : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا ماتوا . وقال بعضهم : أبواب السماء أي أبواب الجنة { وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } أي لا يدخلون الجنة أبداً كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الجمل . فقال : زوج الناقة . وقال الضحاك : الجمل الذي له أربع قوائم . وقال بعض الناس : الجمل هو أشتر بالفارسية وقال الحسن : هو ولد الناقة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ { حتى يَلِجَ الجمل } بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة الغليظ . وسئل عكرمة عن قوله : { حتى يَلِجَ الجمل } قيل : وما الجمل؟ قال : الحبل الذي يصعد به النخل . قال سعيد بن جبير هو حبل السفينة الغليظ . قرأ أبو عمرو لا تُفْتَحْ بالياء بلفظ التذكير بالتخفيف . وقرأ الباقون بالتاء المشددة . فمن قرأ بالتأنيث فلأنها من جماعة الأبواب . ومن قرأ بالتذكير فلأن الفعل مقدم . ومن قرأ بالتشديد أراد به تكثير الفتح . ومن قرأ بالتخفيف فتفتح مرة واحدة وقرأ بعضهم في سُمِّ بضم السين وهي قراءة شاذة وهما لغتان قال أبو عبيدة : كل ثقب فهو سم .
ثم قال عز وجل : { وكذلك نَجْزِى المجرمين } أي هكذا نعاقب المشركين . ثم ذكر ما أوعدهم في النار فقال عز وجل : { لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } أي : فراش من النار { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أي مُغشاهم النار من فوق رؤوسهم ومعناه : أن من تحتهم ناراً ومن فوقهم ناراً . كقوله : { لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلك يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ياعباد فاتقون } [ الزمر : 16 ] ويقال : لهم من جهنم مهاد أي حظهم من جهنم كالمهاد ، فأخبر عن ضيق مكانهم في النار { وكذلك نَجْزِى الظالمين } نعاقب الكافرين .
قوله عز وجل : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } وذلك أن الله تعالى لما أخبر عن حال الذين كذبوا بآياته واستكبروا عن قبولها أخبر عن حال الذين آمنوا بآياته . فقال : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي : صدقوا وعملوا الصالحات أي الطاعات والأعمال الصالحة { لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } أي : لا نكلف نفساً بعد الإيمان من العمل إلا بقدر طاقتها { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } يعني : دائمون .
ثم قال عزّ وجل : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } قال بعضهم : أي في الدنيا أخرج الله تعالى الغل والحسد من قلوبهم ، وألف بين قلوبهم كما قال الله تعالى :

(2/110)


{ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الارض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ الأنفال : 63 ] ويقال : هذا في الجنة يخرج الغل والحسد من قلوبهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعليّ ونحوهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تابعهم على سنتهم ومنهاجهم إلى يوم القيامة . وقال عليّ بن أبي طالب لعمران بن طلحة بن عبيد الله : أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى فيهم : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين } فأنكر عليه بعضهم . فقال عليّ : إن لم نكن نحن فمن هم؟ يعني : إن الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في قلوبهم من الغل حتى ينزع عنهم { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار } أي من تحت غرفهم وقصورهم وأشجارهم الأنهار { وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } أي أكرمنا بهذه الكرامة . ويقال : إن الذي وفقنا للأمر الذي أوجب لنا هذا الثواب وهو الإسلام . ويقال : هدانا لهاتين العينين . وذلك أن أهل الجنة لما انتهوا إلى باب الجنة ، فإذا هم بشجرة تنبع من ساقها عينان ، فيعمدون إلى إحداهما ، فيشربون منها ، فيخرج الله تعالى ما كان في أجوافهم من غل وقذر فذلك قوله تعالى : { عاليهم ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } [ الإنسان : 21 ] ثم يعمدون إلى الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب الله تعالى أجسادهم من كل درن وحسد وجرت عليهم نضرة ولا تشعث رؤوسهم ، ولا تغبر وجوههم ، ولا تشحب أجسادهم أبداً ، تتلقاهم خزنة الجنة فينادون في التقديم أي : قبل أن يدخلوها { أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فقالوا بعد ما اغتسلوا من العينين { الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } أي : وفقنا حتى اغتسلنا من هاتين العينين . ويقال : لما دخلوا الجنة ونظروا إلى كراماتها قَالُوا : { الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا } يعني : لهذا الثواب { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله } أي : ما كنا لولا أن وفقنا الله . ذلك أنهم علموا أن الله تعالى له عليهم المن والفضل فيما أعطاهم . قرأ ابن عامر { مَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ } بغير واو على الاستئناف . وقرأ الباقون والواو وعلى معنى العطف .
{ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } يعني : جاءت رسل ربنا بالحق فصدقناهم { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة } قال بعضهم : قبل أن يدخلوها قال لهم خزنة الجنة تلكم الجنة التي وعدتم . ويقال بعد ما دخلوا بها يقال لهم : تلك الجنة أي : هذه الجنة التي { أُورِثْتُمُوهَا } يعني : أنزلتموها بإيمانكم واقتبستموها { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في دار الدنيا . وهذا كما روي في الخبر أنه يقال لهم يوم القيامة : « جُوزُوا الصِّراطَ بِعَفْوِي وَادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوها بِأَعْمَالِكُمْ »
قوله تعالى :

(2/111)


وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

{ وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا } أي : ما وعدنا يعني : في الدنيا من الثواب وجدناه صدقاً { فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ } من العذاب { حَقّاً } أي صدقاً { قَالُواْ نَعَمْ } فاعترفوا على أنفسهم في وقت لا ينفعهم الاعتراف . قرأ الكسائي قالوا : نَعِمْ بكسر العين في جميع القرآن . وقرأ الباقون بالنصب . وروي عن عمر أنه سمع رجلاً يقول : نَعَمْ بالنصب فقال له عمر : النَّعَم المال ، وقل : نَعِمْ يعني : بكسر العين وروى الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال : ما كانت أشياخ قريش إلا يقولون : نَعِمْ فماتت يعني : اللغة { فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } وذلك أنه ينادي منادٍ بين الجنة والنار تسمعه الخلائق كلهم إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المحسنين ولعنة الله على الظالمين أي : كرامة الله وفضله وإحسانه على المؤمنين وعذاب الله مع عقابه على الكافرين .
ثم قال : { الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } أي الناس عن دين الله ، وهو الإسلام وهم الرؤساء منهم منعوا أتباعهم عن الإيمان { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } يقول يريدون بملة الإسلام غيراً وزيفاً { وَهُم بالاخرة كافرون } يعني : أنهم كانوا جاحدون بالبعث . قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي أنَّ لَعْنَةَ الله بالتشديد ونصب الهاء . وقرأ الباقون أنَّ لَعْنَةُ بتخفيف أَنْ وضم الهاء .
قوله : { وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } أي بين أهل الجنة وأهل النار سور { وَعَلَى الاعراف رِجَالٌ } . وروى مجاهد عن ابن عباس قال : الأعراف سور كعرف الديك . وقال القتبي : الأعراف سور بين الجنة والنار ، وسمي بذلك لارتفاعه ، وكل مرتفع عند العرب أعراف . وقال السدي : إنما سمّي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس . روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال : « هُمْ قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله فِي مَعْصِيةِ آبائِهِمْ فَمَنَعَهُمْ مِنَ النَّارِ قَتْلُهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَنَعَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ مَعْصِيَتُهُمْ آبَاءَهُمْ » وعن حذيفة بن اليمان أنه قال : قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم يكن لهم حسنات فاضلة يدخلون بها الجنة ولا سيئات فاضلة يدخلون بها النار . وهذا القول أيضاً روي عن ابن عباس مثل هذا . وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال : هم أولاد الزنى . وروي عن أبي مجلز أنه قال : هم الملائكة . فبلغ ذلك مجاهداً فقال : كذب أبو مجلز يقول الله تعالى : { وَعَلَى الاعراف رِجَالٌ } فقال أبو مجلز : لأن الملائكة ليسوا بإناث ولكنهم عباد الرحمن . قال الله : { وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شهادتهم وَيُسْألُونَ } [ الزخرف : 19 ] .
{ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم } يعني : أن أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة إذا مروا بهم ببياض وجوههم ، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم والسيما هي العلامة { وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ } يعني : فإذا مرّ بهم زمرة من أهل الجنة قالوا : { أَن سلام عَلَيْكُمْ } يعني : إنّ أهل الأعراف يسلّمون على أهل الجنة { لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } يعني : إنّ أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون أنْ يَدخلوها .

(2/112)


وقال الحسن : والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدهم بها . ويقال : لم يدخلوها يعني : أهل الجنة لم يدخلوها حتى يسلم عليهم أهل الأعراف وهم يطمعون في دخولها . ويقال : أهل النار لم يدخلوها أبداً وهم يطمعون وطمعهم أن أفيضوا علينا من الماء .
قوله تعالى :

(2/113)


وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)

{ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار } قال : من سرعة ما انصرفوا كأنهم صرفوا ، { تِلْقَاء أصحاب النار } يعني : أنهم إذا نظروا قِبَلَ أصحاب النار أي تلقاء أصحاب النار { قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين } أي : مع الكافرين في النار { ونادى أصحاب الاعراف رِجَالاً } يعني : في النار { يَعْرِفُونَهُمْ بسيماهم قَالُواْ مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ } في الدنيا { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } أي ما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الإيمان . وقرأ بعضهم وما كنتم تستكثرون . يعني تجمعون المال الكثير . وهي قراءة شاذة .
{ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ } يعني : أنّ أهل الأعراف يقولون : يا وليد ويا أبا جهل : أهؤلاء؟ يعني : صهيباً وبلالاً والضعفة من المسلمين الذين كنتم تحلفون لا ينالهم الله برحمة . يعني : إنَّهم لا يدخلون الجنة .
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف : { ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } . وعن أبي مجلز أنه قال : وعلى الأعراف رجال من الملائكة ، نادوا أصحاب الجنة قبل أن يدخلوها سلام عليكم لم يدخلوها . وهم يطمعون دخولها يعني : في الجنة . وإذا نظروا إلى أصحاب النار حين مروا بهم { قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين * ونادى أصحاب الاعراف رِجَالاً } من المشركين { يَعْرِفُونَهُمْ بسيماهم قَالُواْ مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة } يعني : لأهل الجنة . قال مقاتل : فأقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم . فقالت الملائكة لأهل النار : أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟ . ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف : ادخلوا الجنة . ويقال : إن أهل النار يقولون لأهل الأعراف : ما أغنى عنكم جمعكم وعملكم وأنتم والله تكونون معنا في النار ولا تدخلون الجنة؟ . فيقول الملائكة لأهل النار : أهؤلاء الذين أقسمتم يعني ، أصحاب الأعراف لا ينالهم الله برحمته . ثم يقال : لأصحاب الأعراف : { ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } .
قوله عز وجل : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي اسقونا من الماء أو شيئاً من الفواكه وثمار الجنة فإنّ فينا من معارفكم . فعلم الله تعالى أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب . فأجابهم أهل الجنة : { قَالُواْ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين } يعني : الماء والثمار . وروي في الخبر أنَّ أبا جهل بن هشام بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستهزىء به : أطعمني من عنب جنتك أو شيئاً من الفواكه . فقال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه :

(2/114)


« قُلْ لَهُ : إنَّ الله حَرَّمَهُما عَلَى الكَافِرِينَ »
ثم وصفهم عز وجل فقال : { الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا } أي : اتخذوا الإسلام باطلاً ودخلوا في غير دين الإسلام . ويقال : اتخذوا عبداً لهواً وفرحاً . { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } أي : غرّهم ما أصابهم من زينة الدنيا { فاليوم ننساهم } أي نتركهم في النار { كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا } أي : كما تركوا العمل ليومهم هذا . ويقال : كما تركوا الإيمان ليومهم هذا يعني : أنكروا البعث { وَمَا كَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ } يعني : بجحدهم بآياتنا بأنها ليست من عند الله تعالى قوله تعالى : { وَلَقَدْ جئناهم بكتاب } أي : أكرمناهم بالقرآن { فصلناه على عِلْمٍ } يعني : بيّنا فيه الآيات ، الحلال والحرام { على عِلْمٍ } أي : بعلم منا { هُدًى } يعني : بياناً من الضلالة . ويقال : جعلناه هادياً . { وَرَحْمَةً } أي : نعمة ونجاة من العذاب { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني : لمن آمن وصدق به . يعني : أكرمناهم بهذا الكتاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا . وإنما أضاف إلى المؤمنين لأنهم هم الذين يهتدون به ويستوجبون به الرحمة . ثم قال : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } عاقبة ما وعدهم الله . وهو يوم القيامة .
{ يَقُولُ الذين نَسُوهُ } يقول : الذين تركوا العمل والإيمان { مِن قَبْلُ } يعني : في الدنيا { قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } وذلك أنهم حين عاينوا العذاب ، وذكروا قول الرسل ، وندموا على تكذيبهم إياهم . يقولون : { قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } . أي بأمر البعث فكذبناهم { فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا } لأنهم يرون الشفعاء يشفعون للمؤمنين ، فيقال لهم : ليس لكم شفيع . فيقولون : { أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ } أي : هل نرد إلى الدنيا فنصدق الرسل ونعمل غير الشرك { فَنَعْمَلَ } صار نصباً لأنه جواب الاستفهام ، وجواب الاستفهام إذا كان بالفاء فهو نصب . وكذلك جواب الأمر والنهي . يقول الله تعالى : { قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } أي : قد غبنوا حظ أنفسهم { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي يكذبون بأن الآلهة شفعاؤهم عند الله . قوله :

(2/115)


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)

{ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السموات والارض } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عيّر المشركين بعبادة آلهتهم ، ونزل قوله : { ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب } [ الحج : 73 ] وقوله : { مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 41 ] سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : من ربك الذي تدعونا إليه؟ وأرادوا أن يجحدوا في اسمه طعناً أو في شيء من أفعاله فنزلت هذه الآية . فتحيروا وعجزوا عن الجواب . فقال : { إِنَّ رَبَّكُمُ الله } أي خالقكم ورزاقكم { الذى خَلَقَ * السموات والارض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } . قال ابن عباس أي من أيام الآخرة . طول كل يوم ألف سنة . وقال الحسن البصري : من أيام الدنيا . ويقال : يعني في ست ساعات من ستة أيام من أطول أيام الدنيا ، ولو شاء أن يخلقها في ساعة واحدة لخلقها ، ولكن علَّم عباده التأني والرفق والتدبير في الأمور .
{ ثُمَّ استوى عَلَى العرش } قال بعضهم : هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله . وذكر عن يزيد بن هارون أنه سئل عن تأويله فقال تأويله : الإيمان به . وذكر أن رجلاً دخل على مالك بن أنس فسأله عن قوله { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] فقال : الاستواء غير مجهول والكيفية غير معقولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالاً . فأخرجوه . وذكر عن محمد بن جعفر نحو هذا . وقد تأوله بعضهم وقال { ثُمَّ } بمعنى الواو فيكون على معنى الجمع والعطف ، لا على معنى التراخي والترتيب . ومعنى قوله : { استوى } أي استولى ، كما يقال فلان استوى على بلد كذا يعني : استولى عليه فكذلك هذا . معناه : خالق السموات والأرض ، ومالك العرش . ويقال : ثم صعد أمره إلى العرش . وهذا معنى قول ابن عباس . قال صعد على العرش . يعني : أمره ، ويقال قال له : كن فكان ، ويقال : { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } أي كان فوق العرش قبل أن يخلق السموات والأرض ، ويكون { على } بمعنى العلو والارتفاع ، ويقال استوى يعني استولى . وذكر أن أول شيء خلقه الله تعالى القلم ثم اللوح . فأمر القلم بأن يكتب في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة . ثم خلق ما شاء . ثم خلق العرش ثم حملة العرش ثم خلق السموات والأرض . وإنما خلق العرش لا لحاجة نفسه ولكن لأجل عباده ليعلموا أين يتوجهون في دعائهم لكي لا يتحيّروا في دعائهم ، كما خلق الكعبة علماً لعبادتهم ، ليعلموا إلى أين يتوجهون في العبادة .

(2/116)


فكذلك خلق العرش علماً لدعائهم ليعلموا إلى أين يتوجهوا بدعائهم .
ثم قال تعالى : { وَهُوَ الذى مَدَّ } يعني : إن الليل يأتي على النهار فيغطيه ولم يقل يغشي النهار الليل لأن في الكلام دليلاً عليه . وقد بيّن في آية أخرى { خَلَقَ السماوات والارض بالحق يُكَوِّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لاًّجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ العزيز الغفار } [ الزمر : 5 ] فكذلك هاهنا معناه يغشي النهار الليل ويغشي الليل النهار . يعني : إذا جاء النهار يذهب بظلمة الليل وإذا جاء الليل يذهب بنور النهار .
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر { يُغْشِى } بتشديد الشين ونصب الغين . وقرأ الباقون بجزم الغين مع التخفيف ، وهما لغتان غَشَّى ويُغَشِّي وأَغْشَى يُغْشِي بقوله { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } أي : سريعاً في طلبه أبداً ما دامت الدنيا باقية . ثم قال : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ } أي جاريات مذللات لبني آدم بأمره .
قرأ ابن عامر { والشمس والقمر والنجوم } كلها بالضم على معنى الابتداء . وقرأ الباقون بالنصب . ومعناه خلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . ثم قال : { أَلاَ لَهُ الخلق والامر } ألا كلمة التنبيه ، يعني : اعلموا أن الخلق لله تعالى ، وهو الذي خلق الأشياء كلها وأمره نافذ في خلقه . قال سفيان بن عيينة : الخلق هو الخلق والأمر هو القرآن وهو كلام الله ، وليس بمخلوق ، ولا هو بائن منه ، وتصديقه قوله : { ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سيئاته وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } [ الطلاق : 5 ] ويقال : الأمر هو القضاء ، ثم قال { تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني : تعالى الله عما يقول الظالمون ، ويقال تبارك الله تفاعل من البركة أي : ذو البركة يعني : أن البركة كلها من الله تعالى . والبركة فيما يذكر عليه اسم الله رب العالمين . أي : سيد الخلق أجمعين فلما وصف وبالغ في ذلك وأعجزهم فأمرهم بأن يدعوه فقال :

(2/117)