صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


" برق البصر " تحير فزعا ؛ وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره
وقرئ : برق من البريق أي لمع من شدة شخوصه . وقرأ أبو السمال بلق إذا انفتح وانفرج . يقال : بلق الباب وأبلقته " وخسف القمر " وذهب ضوؤه أو ذهب بنفسه . وترئ : وخسف على البناء للمفعول " وجمع الشمس والقمر " حيث يطلعها الله من المغرب . وقيل : وجمعنا في ذهاب الضوءي وقيل : يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في النار . وقيل يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى " المفر " بالفتح المصدر ؛ وبالكسر : المكان . ويجوز أن يكون مصدرا كلالمرجع . وقرئ بهما " كلا " ردع عن طلب المفر " لا وزر " لا ملجأ وكل ما التجأت إليه من جبل أو غيره وتخلصت به فهو وزرك " إلى ربك " خاصة " يومئذ " مستقر العباد أي استقرارهم . يعني : أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره وينصبوا إليه أو إلى حكمه ترجع أمور العباد لا يحطكم فيها غيره كقوله : " لمن الملك اليوم " غافر : 16 ، أو إلى ربك مستقرهم أي : موضع قرارهم من جنة أو نار أي : مفوض ذلك إلى مشيئته من شار أدخله الجنة ومن شاء أدخله النار " بما قدم " من عمل عمله " و " بما " أخر " منه لم يعمله أو بما قدم من ماله فتصدق به وبما أخره فخلفه . أو بما قدم من عمل الخير والشر وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة فعمل بها بعده . وعن مجاهد : بأول عمله وآخره . ونحوه : فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه " بصيرة " حجة بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله : " فلما جاءتهم آياتنا مبصرة " النمل : 13 أو عين بصيرة . والمعنى أنه ينبأ بأعماله وإن لم ينبأ ففيه ما يجزئ عن الإنباء ؛ لأنه شاهد عليها بما عملت ؛ لأن جوارحه تنطق بذلك " يوم تشهد عليهم أسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " النور : 24 ، " ولو ألقى معاذيره " ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها . وعن الضحاك : ولو أرخى ستوره وقال : المعاذير الستور واحدها معذار فإن صح فلأنه يمنع رؤية المتحجب كما تمنه المعذرة عقوبة المذنب . فإن قلت : أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير ؟ قلت : المعاذير ليس بجمع معذرة إنما هو اسم جمع لها ونحوه : المناكير في المنكر
" لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءاته فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بينه كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الاخره وجوه يؤمئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقره "

(1/1320)


الضمير في " به " للقرآن . وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا لقن الوحي نازع جبريل القرءاة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن يتفلت منه فأمر بأن يستنصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضى إليه وحيه ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيهز والمعنى : لا تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل صلوات الله عليه يقرأ " لتعجل به " لتأخذه على عجلة ولئلا يتفلت منك . ثم علل النهي عن العجلة بقوله " إن علينا جمعة " في صدرك وإثبات قراءته في لسانك " فإذا قراناه " جعل قراءة جبريل قراءته : والقرآن القراءة " فاتبع قرءانه " فكن مقفيا له فيه ولا تراسله وطأمن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ فنحن في ضمان تحفيظه " ثم إن علينا بيانه " إذا أشكل عليك شيء من معانيه كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعا كما ترى بعض الحراص على العلم ؛ ونحوه " ولا تجعل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه " طه : 144 ، " كلا " ردع لرسول الله صلى الله عليه و سلم عن عادة العجلة وإنكار لها عليه وحث على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله : " بل تحبون العاجلة " كأنه قال : بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة " وتذرون الأخرة ط وقرئ بالياء وهو أبلغ فإن قلت : كيف اتصل قوله " لا تحرك به لسانك " إلى آخره بذكر القيامة ؟ قلت : اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه إلى التوبيخ بحب العاجلة وترك الأهتمام بالآخرة . اوجه : عبارة عن الجملة والناضرة من نضرة التعيم " إلى ربها ناظرة " تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره وهذا معنى تقديم المفعلول ألا ترى إلى قوله : " إلى ربك يومئذ المستقر " القيامة : 12 ، " إلى ربك يومئذ المساق " " إلى الله تصير الأمور " الشوري : 53 ، " وإلى الله المصير " آل عمران : 28 ، " وإليه ترجعون " البقرة : 245 ، " عليه تولكت وإليه أنيب " هود : 88 ، كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظرا إليه : محال فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص والذي يصح معه أن يكون من قول الناس : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي تريد معنى التوقع والرجاء . ومنه قول القائل :
وإذا نظرت إليك من ملك ... والبحر دونك زدتني نعما
وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق لناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم تقول : عيينتي نو يظرة إلى الله وإليكم والمعنى : أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه والباسر : الشديد العبوس والباسل : أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحه " تظن " تتوقع أن يفعل بها فعل هو في شدته وفظاعته " فاقرة " داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير
" كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق " " كلا " ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة كأنه قيل : ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين . والضمير في " بلغت " للنفس وإن لم يجر لها ذكر لأن الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها كما قال حاتم :
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

(1/1321)


وتقول العرب : أرسلت يريدون : جاء المطر ولا تكاد تسمعهم يذكرون السماء " التراقى " العظام المكتنفة لثغره النحر عن يمين وشمال . ذكرهم صعوبة الموت الذي هو أول مراحل الآخرة حين تبلغ الروح التراقي ودنا زهوقها : وقال حاضروأ صاحبها - وهو المحتضر - بعضهم لبعض " من راق " أيكم يرقيه مما به ؟ وقيل : هو كلام ملائكة الموت : أيكم يرقى بروحه ؟ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ " وظن " المحتضر " أنه الفراق " أن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة " والتفت " ساقه بساقه والتوت عليها عند علز الموت . وعن قتادة : ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا . وقيل : شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة على أن الساق مثل في الشدة . وعن سعيد بن المسيب : هما ساقاه حين تلفان في أكفانه " المساق " أي يساق إلى الله وإلى حكمه
" فلا صدق ولا صلى ولاكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " " فلا صدق ولا صلى " يعني الإنسان في قوله : " أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه " القيامة : 3 ألا ترى إلى قوله : " أيحسب الإنسان أن يترك سدى " القيامة : 36 ، وهو معطوف على " يسأل أيان يوم القيامة " القيامة : 6 أي : لا يؤمن بالبعث فلا صدق بالرسول والقرآن . ولا صلى ويجوز أن يراد : فلا صدق ماله بمعنى : فلا زكاة . وقيل : نزلت في أبي جهل " يمتطى " يتبخر . وأصله يتمطط أي : يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه . وقيل : هو من المطا وهو الظهر لأنه يلويه . وفي الحديث : إذا مشت أمتى المطيطاء وخدمتهم فارس والروم فقد جعل بأسهم بينهم يعني : كذب برسول الله صلى الله عليه و سلم وتولى عنه وأعرض ثم ذهب إلى قومه يتبختر افتخارا بذلك " أولى لك " بمعنى ويل لك وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره
" أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من منى يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحى الموتى " " فخلق " فقدر " فسوى " فعدل " منه " من الإنسان " الزوجين " الصنفين " أليس ذلك " الذي أنشأ هذا الإنشاء " بقادر " على الإعادة . وروي : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا قرأها قال سبحانك بلى
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أنه كان مؤمنا بيوم القيامة
سورة الإنسان
مدينة وآياتها إحدى وثلاثون
بسم اله الرحمن الرحيم
" هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " " هل " بمعنى قد في الاستفهام خاصة والأصل : أهل بدليل قوله :
أهل رأونا بسفع القاع ذي الأكم
فالمعنى : أقد أتى ؟ على التقرير والتقريب جميعا أي : أتى على الإنسان قبل زمان قريب " حين من الذهر لم يكن " فيه " شيئا مذكورا " أي كان شيئا منسيا غير مذكور نطفة في الأصلاب والمراد بالإنسان : جنس بني آدم بدليل قوله : " إنا خلقنا الإنسان من نطفة " الإنسان : 2 ؟ " حين من الدهر " طائفة من الزمن الطويل الممتد فإن قلت : ما محل " لم يكن شيئا مذكورا " ؟ قلت : محله النصب على الحال من الإنسان كأنه قيل : هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور . أو الرفع على الوصف لحين كقوله : " يوما لا يجزي والد عن ولده " لقمان : 33 ، وعن بعضهم : أنها تليت عنده فقال : ليتها تمت أراد : ليت تلك الحالة تمت وهي كونه شيئا غير مذكور ولم يخلق ولم يكلف
" إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا " " نطفة أمشاج " كبرمة أعشار وبرد أكياش : وهي ألفاظ مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات للأفراد . ويقال أيضا : نطفة مسج قال الشماخ :
طوت أحشاء مرتجة لوقت ... على مشج سلالته مهين

(1/1322)


ولا يصح أمشاج أن يكون تكسيرا له بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد بهما . ومشجه ومزجه : بمعنى . والمعنى من نطقة قد امتزج فيها الماءان . وعن ابن مسعو : هي عروق النطقة . وعن قتادة : أمشاج ألوان وأطوار يريد : انها تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة " نبتليه " في موضع الحال أي : خلقناه مبتلين له بمعنى : مريدينابتلاءه كقولك : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا تريد : قاصدا به الصيد غدا . ويجوز أن يراد : ناقلين له من حال إلى حال فسمي ذلك ابتلاء على طريق الاستعارة . وعن ابن عباس : نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة . وقيل : هو في تقدير التأخير يعني : فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه وهو من التعسف
" إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " شاكرا وكفورا : حالان من الهاء في هديناه أي : مكناه وأقدرناه في حالتيه جميعا . أو دعوناه إلى الإسلام بأدلة العقل السمع كان معلوما منه أنه يؤمن أو يكفر لإلزام الحجة . ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي : عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا كقوله : " وهديناه النجدين " البلد : 10 ووصف السبيل بالشكروالكفر مجاز . وقرأ أبو السمال بفتح الهمزة في أما وهي قراءة حسنة والمعنى : أما شاكرا فبتوفيقنا وأما كفورا فبسوء اختياره
" إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا " ولما ذكر الفريقين أتبعهما الوعيد والوعد . وقرئ سلاسل غير منون . ولاسلا بالتنوين . وفيه وجهان : أحدهما أن تكون هذه النون بدلا من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف . والثاني : أن يكون صاحب القراءة به ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف
" إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا بوفون بالنذر وخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطيرا "

(1/1323)


" الأبرار " جمع بر أو بار كرب وأرباب وشاهد وأشهاد . وعن الحسن : هم الذين لا يؤذن الذر والكأس : الزجاجة إذا كانت فيها خمر وتسمى الخمر نفسها : كأسا " مزاحها " ما تمزج به " كافورا " ماء كافور وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده . و " عينا " بدل منه . وعن قتادة : تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك . وقيل : تخلق فيها رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور . و " عينا " على هذين القولين : بدل من محل " من كاس " على تقدير حذف مضاف كأنه قيل : يشربون فيها خخمرا خمر عين . أو نصب على الاختصاص . فإن قلت : لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا وبحرف الإلصاق آخرا ؟ قلت : لأن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته ؛ وأما العين فبها يمزجون شرابهم فكان المعنى : يشرب عباد الله بها الخمر كما تقول : شربت الماء بلعسل " يفجرونها " يجرونها حيث شاؤا من منازلهم " تفجيرا " سهلا لا يمتنع عليهم " يوفون " جواب من عسى يقول : ما لهم يرزقون ذلك والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات ؛ لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوحه الله عليه أوفى " مستطيرا " فاشيا منشرا بالغا أقصى المبالغ من استطار الحريق واستطار الفجر . وهو من طار بمنزلة استنفر من نفر " على جه " الضمير للطعام أي : مع اشتهائه والحاجة إليه . ونحوه " وآتى المال على حبه " البقرة : 177 ، " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " آل عمران : 92 ، وعن الفضيل بن عياض : على حب الله " وأسيرا " عن الحسن : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول : أحسن إليه ؛ فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه . وعند عامة العلماء : يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات وعن قتادة : كان أسيرهم يومئذ المشرك وأخوك المسلم أحق أن تطعمه . وعن سعيد بن جبير وعطاء : هو الأسير من أهل القبلة وعن ابي سعيد الخدري : هو المملوك والمسجون . وسمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الغريم أسيرا فقال غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك " إنما نطعمكم " على إدارة القول . ويجوز أن يكون قولا باللسان منعا لهم عن المجازاة بمثله أو بالشكر ؛ لأن إحسانهم مفعول لوجه الله ؛ فلا معنى لمكافأة الخلق . وأن يكون قولهم لهم لطفا وتفقيها ونبيها على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله . وعلى عائشة رضي الله عنها أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا ؟ فإذا ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله . ويجوز أن يكون ذلك بيانا وكشفا عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئا . وعن مجاهد : اما إنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله منهم فأثنى عليهم . والشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر " إنا نخاف " يحتمل أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم ؛ وإنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة . ووصف اليوم بالعبوس . مجاز على طريقين : أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولهم : نهارك صائم . روي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران وان يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل : والقمطرير : الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه . قال الزجاج : يقال : اقمطرت الناقة : إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها فاشتقه من اقطر وجعل الميم مزيدة . قال أسد بن ناعصة
واصطليت الحروب في كل يوم ... باسل الشر قمطرير الصباح
" فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الأرايك لا يرون فيها سمشا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم بأنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدورها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مسكورا "

(1/1324)


" ولقاهم نضرة وسروا " أي : أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة في الوجوه وسروا في القلوب وهذا يدل على أن اليوم موصوف بعبوس أهله " بما صبروا " بصبرهم على الإيثار . وعن ابن عباس رضي الله عنه : أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى لله عليه وسلم في ناس معه ؛ فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن برآ مما بهما : ان يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوهم بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما ؛ فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه ؛ ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك ؛ فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال : ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها . فساءه ذلك فنزل جبريل وقال : خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة . فإن قلت : ما معنى ذكر الحرير مع الجنة ؟ قلت : المعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعرى بستانا فيه مأكل هني وحريرا فيه ملبس بهي . يعني : أن هواءها معتدل لا حر شمس يحمي ولا شدة برد تؤذي . وفي الحديث : هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر . وقيل : الزمهرير القمر . وعن ثعلب : انه في لغة طيئ . وأنشد :
وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر

(1/1325)


والمعنى : أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس وقمر . فإن قلت : ودانية عليهم ظلالها " علام عطفت ؟ قلت : على الجملة التي قبلها ؛ لأنها في موضع الحال من المجزيين ؛ وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في عليهم إلا أنها اسم مقرد وتلك جملة في حكم مفرد تقديره : غير رائين فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها ؛ ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم كأنه قيل : وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والقر ودنو الظلال عليهم وقرئ ودانية بالرفع على أن ظلالها مبتدأ ودانية خبر والجملة في موضع الحال ؛ والمعنى : لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا والحال أن ظلالها دانية عليهم ؛ ويجوز أن تجعل " متكئين " و " لايرون " و " ودانية " كلها صفات لجنة . ويجوز أن يكون " ودانية " معطوفة على جنة أي : وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها على أنها وعدوا جنتين كقوله " ولمن خاف مقام ربه جنتان " الرحمن : 46 ، لأنهم وصفوا بالخوف : " إنا نخاف من ربنا " الإنسان : 10 ، فإن قلت : فعلام عطف " وذللت " ؟ قلت : هي - إذا رفعت " ودانية " - جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية وإذا نصبتها على الحال فهي حال من دانية أي : تدنو ظلا لها هليم في حال تذليل قطوفها لهم . أو معطوفة عليها على : ودانية عليهم ظلالها ومذللة قطوفها ؛ وإذا نصبت " ودانية " على الوصف فهي صفة مثلها ؛ ألا ترى أنك لو قلت : جنة ذللت قطوفها : كان صحيحا ؛ وتذليل القطوف : أن تجعل ذللا لا تمنع على قطافها كيف شاؤا . أو تجعل ذليلة لهم خاضعة متقاصرة من قولهم : حائط ذليل إذا كان قصيرا " قوارير قوارير " قرئا غير منونين وبتنوين الأول وبتنوينهما . وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق لأنه فاصله ؛ وفي الثاني لإتباعه الأول ومعنى قوارير من " فضة " أنها مخلوقة من فضة وهي مع بياض الفضة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها . فإن قلت : ما معنى " كانت " ؟ قلت هو من - يكون - في قوله : " كن فيكون " البقرة117 أي : تكونت قوارير بتكون الله تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتين الجوهرين المتباينين . ومنه كان في قوله : " كان مزاجها كافورا " وقرئ قوارير من فضة بالفرع على : هي قوارير " قدروها " صفة لقوارير من فضة . ومعنى تقديرهم لها : أنهمقدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم فجاءت كما قدروا . وقيل : الضمير للطائفين بها دل عليهم قوله : " ويطاف عليهم " الإنسان : 15 ، على أنهم قدروا شرابها على قدر الري وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنها ولا يعجز . وعن مجاهد : لا تفيض ولا تغيض . وقرئ : قدروها على البناء للمفعول . ووجهه أن يكون من قدر منقولا من قدر . تقول : قدرت الشيء ودرنيه فلان : إذا جعلك قادرا له . ومعناه : جعلوا قادرين له كما شاؤا . وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا سميت العين زنجبيلا لطعم الزنجبيل فيها والعرب تستلذه وتستطيبه
قال الأعشى :
كأن القرنفل والزنجبيل ... باتا بفيها وأريا مشورا
وقال المسيب بن علس
وكأن طعم الزنجيل به ... إذ ذقته وسلافة الخمر
و " سلسبيلا " لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها يعني : أنها في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعه ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة . يقال : شراب سلسل وسلسل وسلسبيل وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية . ودلت على غاية السلاسة . قال الزجاج : السلسبيل في اللغة : صفة لما كان في غاية السلاسة . وقرئ سلسبيل على منع الصرف لاجتماع العلمية والتأنيث : وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أم معناه سل سبيلا إليها وهذا غي مستقيم على ظاهره . إلا أن يراد أن جملة قول القائل : سل سبيلا جعلت علما للعين كما قيل : تأبط شرا ؛ وذرى حبا ؛ وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح وهو مع استقامة في العربية تكلف وابتداع ؛ وعزوه إلى مثل علي رضي الله عنه أبدع وفي شعر بعض المحدثين :
سل سبيلا فيها إلى راحة النف ... س براح كأنها سلسبيل

(1/1326)


و " عينا " بدل من " زنجبيلا " وقيل : تمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه . أو يخلق الله طعمه فيها . " وعينا " على هذا القول : مبدلة من كأسا " كأنه قيل : ويسقون فيها كأسا كأس عين . أو منصوبة على الاختصاص . شبهوا في حسنهم وصفاء أوانهم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم بالؤلؤ المنثور وعن المأمون : انه ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ . فنظر إليه منثورا على ذلك البساط فاستحسن المنظر وقال : لله در أبي نواس وكأنه أبصر هذا حيث يقول :
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
وقيل : شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لنه أحسن وأكثر ماء " رأيت " ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر لسبع ويعم كأنه قيل : وإذا أوجدت الرؤية ثم ومعناه : أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثر وملك كبير و " ثم " في موضع النصب على الظرف يعني في الجنة ومن قال : معناه ما ثم فقد أخطأ لأن ثم صلة لما ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة " كبيرا " واسعا وهنيئا . يروى : أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه . وقيل لا زوال له . وقيل : إذا أرادوا شيأ كان . وقيل : يسلم عليهم الملائكة ويتأذنون عليهم قرئ عاليهم بالسكون على أنه مبتدأ خبره " ثياب سندس " أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سنس . وعليهم بالنصب على أنه حال من الضمير في " ويطوف عليهم " أو في " حسبتهم " أي يطوف عليهم ولدان عاليا للمطوف عليهم ثياب . أو حسبتهم لؤلؤا عاليا لهم ثياب . ويجوز أن يراد : رايت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب . وعاليتهم : بالرفع والنصب على ذلك . وعليهم . وخضر وإستبرق : بالرفع حملا على الثباب وبالجر على السندس . وقرئ وإستبرق نصبا في موضع الجر على منع الصرف لأنه أعجمي وهو غلط لأنه نكرة يدخله حرف التعريف ؛ تقول : الإستبرق إلا أن يزعم ابن محيصن أنه قد يجعل علما لهذا الضرب من الثياب . وقرئ واستبرق بوصل الهمزة والفتح : على أنه مسمى باستفعل من البريق وليس بصحيح أيضا : لأنه معرب مشهور تعريبه وان أصله استبره " وحلوا " عطف على " ويطوف عليهم " . فإن قلت : ذكر ههنا أن ههنا أن أساورهم من فضة وفي موضع آخر أنها من ذهب . قلت : هب أنه قيل وحلوا أساور من ذهب ومن فضة وهذا صحيح لا إشكال فيه على انهم يسورون بالجنسين : إما على المعاقبة وإما على الجمع كما تزاوج نساء الدينا بين أنواع الحلي وتجمع بينها وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران : سوار من ذهب وسوار من فضة " شرابا طهورا " ليس برجس كخمر الدنيا ؛ لأن كونها رجسا بالشرع لا بالعقل وليست الدار دار تكليف . أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها . أو لأنه لا يؤول إلى النجاسة لأنه يرشح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك . أي : يقال لأهل الجنة " إن هذا " وهذا إشارة إلى ما تقدم من عطاء الله لهم : ما جوزيتم به على أعمالكم وسكر به سعيكم والشكر مجاز
" إنا نحن نزلنا عليك القرءان تزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن اليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا "

(1/1327)


تكرير الضمير بعد إيقاعه إسما لان : تاكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الل بالتزيل ليتقرر في نفس رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تزيله على أي وجه نزل إلا حكمة وصوابا كأنه قيل : ما نزل عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجما إلا أنا لا غيري عرفتني حكيما فاعلا لكل ما أفعله بدواعي الحكمة ؛ ولقد دعني حكمة بالغة إلى أن أنزل عليك الأمر بالمكافة والمصابرة وسأنزل عليك الأمر بالقتال والانتقام بعد حين " فاصبر لحكم ربك " الصادر عن الحكمة وتعليقه الأمور بالمصالح وتأخيره نصرتك على أعدائك من اهل مكة ؛ ولا تطع منهم أحدا قلة صبر منك على أذاهم وضجرا من تأخر الظفر وكانوا مع إفراطهم في العداوة والإيذاء له ولمن معه يدعونه إلى أن يرجع عن أمره ويبذلون له أموالهم وتزويج أكرم بناتهم إن اجابهم . فإن قلت : كانوا كلهم كفرة فما معنى القسمة في قوله " أثما أو كفورا " ؟ قلت : معناه ولا تطع منهم راكبا لما هو إثم داعيا لك إليه أو فاعلا لما هو كفر داعيا لك إليه ؛ لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر أو غير إثم ولا كفر فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث . وقيل : الآثم عتبة ؛ والكفور : الوليد ؛ لأن عتبة كان ركابا للمآثم متعاطيا لأنواع الفسوق ؛ وكان الوليد غاليا في الكفر شديد الشكيمة في العتو . فإن قلت : معنى أو : ولا تطع احدهما فهلا جيء بالواو ليكون نهيا عن طاعتهما جميعا ؟ قلت : لو قيل : ولا تطعهما جاز أن يطيع أحدهما ؛ وإذا قيل : لا تطع أحدهما علم أن الناهي عن طاعة أحدهما : عن طاعتهما جميعا أنهى . كما إذا نهى أن يقول لأبويه : أف علم أنه منهي عن ضربهما على طريق الأولى " واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا " ودم على صلاة الفجر والعصر " ومن اليل فاسجد له " وبعض الليل فصل له . أو يعني صلاة المغرب والعشاء وأدخل من على الظرف للتبعيض كما دخل على المفعول في قوله : " يغفر لكم من ذنوبكم " نوح : 4 ، " وسبحه ليلا طويلا " وتهجد له هزيعا طويلا من الليل : ثلثيه أو نصفه أو ثلثه
" إن هؤلاء يحبون العاجلةويذرون وراءهم يوما ثقيلا نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا " " إن هؤلاء " الكفرة " يحبون العاجلة " يؤثرونها على الآخرة كقوله : " بل تؤثرون الحياة الدنيا " الأعلى : 16 ، " وراءهم " قدامهم أو خلف ظهورهم لا يعبأون به " يوما ثقيلا " استعير الثقيل لشدته وهوله من الشيء الثقيل الباهظ لحامله . ونحوه : " ثقلت في السموات والأرض " الأعراف : 187 ، الأسر : الربط والتوثيق . ومنه : أسر الرجل إذا وثق بالقد وهو الإسار . وفرس مأسور الخلق . وترس مأسور بالعقب . والمعنى : شدنا توصيل عظامهم بعضها ببعض وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب . ومثله قولهم : جارية معصوبة الخلق ومجدولته " وإذا شئنا " أهلكناهم و " بدلنا أمثالهم " في شدة الأسر يعني : النشأة الأخرى . وقيل : معناه : بدلنا غيرهم ممن يطيع . وحقه ان يجيء بإن لا بإذا كقوله " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم " محمد : 38 ، " إن يشأ يذهبكم " النساء : 133
" إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أيما " " هذه " إشارة إلى السورة أو إلى الآيات القريبة " فمن شاء " فمن اختار الخير لنفسه وحسن العاقبة واتخاذ السبيل إلى الله عبارة عن التقرب إليه والتوسل بالطاعة " ومايشاؤن " الطاعة " إلا أن يشاء الله " بقسرهم عليها " إن الله كان عليما " بأحوالهم وما يكون منهم " حكيما " حيث خلقهم مع علمه بهم . وقرئ تشاؤن بالتاء . فإن قلت : ما محل أن يشاء الله ؟ قلت النصب على الظرف وأصله : إلا وقت مشيئة الله وكذلك قراءة ابن مسعود : إلا ما يشاء الله ؛ لأن ما مع الفعل كأن معه " يدخل من يشاء " هم المؤمنون ونصب " والظالمين " بفعل يفسره . اعد لهم نحو : أو عد وكافأ وما أشبه ذلك وقرأ ابن مسعود : وللظالمين على : وأعد للظالمين وقرأ ابن الزبير : والظالمون على الابتداء وغيرها أولى لذهاب الطباق بين الجملة المعطوفة والمعطوف عليها فيها مع مخالفتها للمصحف
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا
سورة المرسلات

(1/1328)


مكية وآياتها خمسون
بسم اله الرحمن الرحيم
" والمرسلات عرفا فاعاصفات عصف والناشرات نشرا قالارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا " أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح تخففا في امتثال أمره وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عن انحطاطن بالوحي . أو نشرن الشرائع في الأرض . أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا إلى الأنبياء " عذرا " للمحقين " أو نذرا ط للمبكلين . أو أقسم برياح عذاب أرسلهن . فعصفن وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله : " ويجعله كسفا " الروم : 48 ، أو بسحائب نشرن الموات ففرقن بين من يشكر لله تعالى وبين من يكفر كقوله : " لأسقيناهم ماء غدا لنفتنهم فيه " الجن : 16 فألقين ذكرا إما للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها وإما إنذارا للذين يغفلون الشكر لله وينسبون ذلك إلى الأنواء وجعلن ملقيات للذكر لكونهن سببا في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن أو كفرت . فإن قلت : ما معنى عرفا ؟ قلت : متتابعة كشعر العرف يقال : جاؤا عرفا واحدا ؛ وهم عليه كعرف الضبع : إذا تألبوا عليه ويكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر ؛ وانتصابه على أنه مفعول له أي : أرسلن للإحسان والمعروف ؛ والأول على الحال . وقرئ عرفا على التثقيل نحو نكر في نكر . فإن قلت : قد فسرت المرسلات بملائكة العذاب فكيف إرسالهم معروفا ؟ قلت : إن لم يكن معروفا للكفار فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم . فإن قلت : ما العذر والنذر وبما انتصبا ؟ قلت : هما مصدران من أعذار إذا محا الإساءة ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والشكر يجوز أن يكون جمع عذير بمعنى المعذرة ؛ وجمع نذير بمعنى الإنذار . أو بمعنى العاذر والمنذر . وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا على الوجهين الأولين أو على المفعول له . وأما على الوجه الثالث فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين . وقرئا : مخففين ومثقلين
" إنما توعدون لواقع فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين " إن الذي توعدونه من مجيء يوم القامة لكائن نازل لا ريب فيه وهو جواب القسم وعن بعضهم : أن المعنى : ورب المرسلات " طمست " محيت ومحقت . وقيل ذهب بنورها ومحق ذواتها موافق لقوله " انتثرت " و " انكدرت " ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور " فرجت " فتحت فكانت أبوابا . قال الفارجي : باب الأمير المبهم " نسفت " كالحب إذا نسف بالمنسف . ونحوه " وبست الجبال بسا " الواقعة : 5 ، " وكانت الجبال كثيبا مهيلا " المزمل : 14 ، وقيل : أخذت بسرعة من أماكنها من انتسفت الشيء إذا اختطفته وقرئت كمست وفرجت ونسفت مشددة . قرئ أقتت وقتت بالتشديد والتخفيف فيهما . والأصل : الواو ومعنى توقيت الرسل : تبين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم . والتأجيل : من الأجل كالتوقيت : من الوقت " لأي يوم أجلت " تعظيم لليوم وتعجيب من هوله " ليوم الفصل " بيان ليوم التأجيل وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق . والوجه أن يكون معنى وقتت : بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره : وهو يوم القيامة . وأجلت : أخرت . فإن قلت : كيف وقع النكرة مبتدأ في قوله : " ويل يومئذ للمكذبين " ؟ قلت : هو أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه . ونحوه " سلام عليكم " النعام : 54 ، ويجوز : ويلا بالنصب ؛ ولكنه لم يقرأ يه . يقال : ويلا له ويلا كيلا
" ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الأخرين كذالك نفعل بالمجرمين ويل يومئذ للمكذبين " قرأ قتادة نهلك بفتح النون من هلكه بمعنى أهلكه قال العجاج : ومهمة هالك من تعرجا

(1/1329)


" ثم نتبعهم " بالرفع على الاستئناف وهو وهعيد لأهل مكة يريد : ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين ونسلك بهم سبيلهم لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم ويقويها قراءة ابن مسعود ثم سنتبعهم وقرئ بالجزم للعطف على نهلك . ومعناه : أنه أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود ثم أتبعهم الآخرين من قوم شعيب ولوط وموسى " كذالك " مثل ذلك الفعل الشنيع " نفعل " بكل من أجرم إنذارا وتحذيرا من عاقبة الجرم وسوء أثره
" ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين " " إلى قدر معلوم " إلى مقدار من الوقت معلوم قد علمه الله وحكم به : وهو تسعة الأشهر وأما دونها او ما فوقها " فقدرنا " فقدرنا ذلك تقديرا " فنعم القادرون " فنعم المقدرون له نحن . او فقدرنا على ذلك فنعم القدرون عليه نحن ؛ والأول أولى لقراءة من قرأ فقدرنا بالتشديد ولقوله " من نطفة خلقه فقدره " عبس : 19
" ألم تجعل الأرض كفاتا أحياء وأموانا وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين " الكفات : من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه : وهو اسم ما يكفت كقولهم : الضمام والجماع لما يضم ويجمع يقال : هذا الباب جماع الأبواب وبه انصب " أحياء وأمواتا " كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا . وبفعل مضمر يدل عليه وهو تكفت . والمعنى : تكفت أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها . وقد استدل بعض أصحاب الشافعي رحمه الله على قطع النباس بأن الله تعلى جعل الأرض كفاتا للأموات فكان بطنها حرزا لهم ؛ فالنباش سارق من الحرز . فإن قلت : لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير وهي كفات الأحياء والأموات جميعا ؟ قلت : هو من تنكير التفخيم كانه قيل : تكفت أحياء لا يعدون وأمواتا لا يحصرون على أن أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات . ويجوز أن يكون المعنى : تكفتكم أحياء وأموتا فينتصبا على الحال من الضمير ؛ لأنه قد علم أنها كفات الإنس . فإن قلت : فالتكير في " رواسي شمخات " و " ماء فراتا " ؟ قلت : يحتمل إفادة التبعيض ؛ لأن في السماء جبالا قال الله تعالى : " وننزل من السماء من جبال فيها من برد " النور : 43 ، وفيها ماء فرات أيضا بل هي معدنه ومصبه وان يكون للتفخيم
" انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب لا ظليل ولا يغنى من اللهب إنها ترمى بشرر كالقصر كأنه جمالت صفر ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين " أي يقال لهم : انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب وانطلقوا الثاني تكرير . وقرئ : انطلقوا على لفظ الماضي إخبارا بعد الأمر عن عملهم بموجبه لأنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعا منه " إلى ظل ط يعني دخان جهنم كقوله : " وظل من يحموم " الواقعة : 43 " ذي ثلاث شعب " بتشعب لعظمه ثلاث شعب وهكذا الدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب . وقيل : يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق ويتشعب من دخانها ثلاث شعب فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم ؛ والمؤمنون في ظل العرش " لا ظليل " تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين " ولا يغنى " في محل الجر أي : وغير مغن عنهم من حر اللهب شيئا " بشرر " وقرئ : بشرار " كالقصر " أي كل شررة كالقصر من القصور في عظمها . وقيل : هو الغليظ من الشجر الواحدة قصرة نحو : جمرة وجمر . وقرئ كالقصر بفتحتين : وهي أعناق الإبل أو أعناق النخل نحو شجرة وشجر . وقرأ ابن مسعود : كالقصر بمعنى القصور كرهن ورهن . وقرأ سعيد ابن جبير كالقصر في جمع قصرة كحاجة وحوج " جمالت " جمع جمال . أو جمالة جمع جمل ؛ شبهت بالقصور ثم بالجمال لبيان التشبيه . ألا تراهم يشبهون الإبل بالأفدان والمجادل . وقرئ جمالات بالضم : وهي قلوس الجسور . وقيل : قلوس سفن البحر الواحدة جمالة وقرئ جمالة بالكسر بمعنى : جمال وجمالة بالضم : وهي القلس . وقيل " صفر " لإرادة الجنس . وقيل " صفر " سود تضرب إلى الصفرة . وفي شعر عمران بن حطان الخارجي :
دعنهم بأعلى صوتها ورمتهم ... بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى
وقال أبو العلاء :
حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ... ترمى بكل شرارة كطراف

(1/1330)


فشبهها بالطراف وهوبيت الأدم في العظم والحمرة وكأنه قصد بخبثه : أن يزيد على تشبيه القرآن ولتبجحه بما سول له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته بقوله حمراء توطئة لها ومناداة عليها وتنبيها لسامعين على مكانها ولقد عمي : جمع الله له عمى الدارين عن قوله عز وعلا " كأنه جمالات صفر " فإنه بمنزلة قوله : كبيت أحمر ؛ وعلى أن في التشبيه بالقصر وهو الحصن تشبيها من جهتين : من جهة العظم ومن جهة الطول في الهواء وفي التشبيه بالجمالاتوهي القوس : تشبيه من ثلاث جهات : من جهة العظم والطول والصفرة فأبعد الله إغرابه في طرافه وما نفخ شدقيه من استطرافه
قرئ بنصب اليوم ونصبه الأعمش أي : هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ ويوم القيامة طويل ذو مواطن ومواقيت : ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت ؛ ولذلك ورد الأمران في القرآن . أو جعل نطقهم كلا نطق ؛ لأنه لا ينفع ولا يسمع " فيعتذرون " عطف على " يؤذن " منخرط في سلك النفي . والمعنى : ولا يكون لهم إذن واعتذار متعقب له من غير أن يجعل الاعتذار مسببا عن الإذن ولو نصب لكان مسببا عنه لا محالة
" هاذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ للمكذبين إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون إذا كذالك نجزي المحسنين ويل يومئذ للمكذبين " " جمعناكم والأولين " كلام موضح لقوله : " هاذا يوم الفصل " لأنه إذا كان يوم الفصل بين السعداء والأشقياء وبين النبياء وأممهم . فلا بد من جمع الولين والآخرين حتى يقع ذلك الفصل بينهم " فإن كان لكم كيد فكيدون " تقريع لهم على كيدهم لدين الله وذويه وتسجيل عليهم بالعجز والاستكانة " كلوا واشربوا " في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف الذي هو في ظلال أي : هم مستقرون في ظلال مقولا لهم ذلك
" كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون " كلوا وتمتعوا فإن قلت : كيف يصح أن يقال لهم ذلك في الآخرة ؟ قلت : يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بانهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم وكانوا من اهله تذكيرا بحالهم السمجة وبما جنوا على انفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك الخالد . وفي طرقته قوله :
إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا
يريد : كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بذلك وعلل ذلك بكطونهم مجريمين دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياما قلائل ثم البقاء في الهلاك أبدا ويجوز أن يكون " كلوا وتمتعوا " المراسلات : 46 ، كلاما مستأنفا خكابا للمكذبين في الدنيا " اركعوا " اخشعوا لله وتواضعوا له بقبول وحيه واتباع دينه . واطرحوا هذا الاستكبار والنخوة لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على إستكبارهم . وقيل : ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود : وقيل : نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصلاة فقالوا : لا نجبى فإنها مسبة علينا . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " بعدم " بعد القرآن يعني أن القرآن من بين الكتب المنزلة آية مبصرة ومعجزة باهرة فحين لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده " يؤمنون " وقرئ تؤمنون بالتاء
عن رسول الله صل الله عليه وسلم : من قرأ سورة والمرسلات كتب أنه ليس من المشركين
سورة عم يتساءلون
مكية وتسمى سورة النبأ
وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية بسمالله الرحمن الرحيم " عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون " " عم " أصله عما على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية وهو في قراءة عكرمة وعيسى بن عمر . قال حسان رضي الله عنه
على ما قام يشتمنى لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد

(1/1331)


والاستعمال الكثيرعلى الحذف والأصل : قليل ومعنى هذا الاستفهام : تفخيم الشأن كأنه قال عن أي شأن يتاءلون ونحوه ما في قولك : زيد ما زيد ؟ جعلته لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنه شيء خفي هليك جنسه فأنت تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره كما تقول : ما الغول وما العنقاء ؟ تريد : أي شيء هو من الأشياء هذا أصله ؛ ثم جرد العبارة عن التفخيم حتى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية " يتساءلون " يسأل بعضهم بعضا . أو يتساءلون غيرهم من رسول الله صلى الله عليه و سلم والمؤمنين نحو : يتداعونهم ويتراءونهم . والضمير لأهل مكة : كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث ويتساءلون غيرهم عنه على طريق الاستهزاء " عن النبإ العظيم " بيان للشأن المفخم . وعن ابن كثير أنه قأ عمه بهاء السكت ولا يخلو : إما ان يجري الوصل مجرى الوقوف وإما أن يقف ويبتدئ " يتساءلون عن النبإ العظيم " على أن يضمر " يتساءلون " لأن ما بعده يفسره كشيء يبهم ثم يفسر . فإن قلت : قد زعمت أن الضمير في يتساءلونللكفار . فما تصنع بقوله " هم فيه مختلفون " ؟ قلت : كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث ومنهم من يشك . وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين جميعا وكانوا جميعا يسألون عنه . أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا وأما الكافر فليزداد استهزاء . وقيل : المتساءل عنه القرآن . وقيل : نبوة محمد صلى الله عليه و سلم . وقرئ يساءلون بالإدغام وستعلمون بالتاء
" كلا سيعلمون ثم كلا سعلمون " " كلا " ردع للمتسائلين هزؤا . و " سيعلمون " وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون أن ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق لأنه واقع لا ريب فيه . وتكرير الردع مع الوعيد تشديد في ذلك ومعنى " ثم " الإشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الأول وأشد
" ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا اليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرت ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا " فإن قلت : كيف اتصل به قوله : " ألم نجعل الأرض مهادا " قلت : لما أنكروا البعث قيل لهم : ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة فما وجه إنكار قدرته على البعث وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات أو قيل لهم : ألم يفعل هذه الأفعال المتكاثرة . والحكيم لا يفعل فعلا عبثا وما تنكرونه من البعث والجزاءء مؤد إلى انه عابث في كل ما فعل " مهادا " فراشا . وقرئ مهدا ومعناه : أنها لهم كالمهد للصبي : وهو ما يمهد له فينوم عليه تسمية للممهود بالمصدر كضرب الأمير . أو وصف بالمصدر . أو بمعنى : ذات مهد أي أرسناها بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد " سباتا " موتا . والمسبوت . الميت من السبت وهو القطع ؛ لأنه مقطوع عن الحركة . والنوم : احد التوفيين وهو على بناء الأدواء . ولما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا أي : حياة في قوله : " وجعلنا النهار معاشا " النبأ : 11 ، أي : وقت معاش تستقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم وكاسبكم . وقيل : السبات الراحة " لباسا " يستركم عن العيون إذا أردتم هربا من عو أو بيتا له . أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كيثر من الأمور
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب

(1/1332)


" سبعا سبع سموات " شدادا " جمع شديدة يعني : محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان " وهاجا " متلألئا وقادا يعني : الشمس : وتوهجت النار : إذا تلمظت فتوهجت بضوئها وحرها المعصرات : السحائب إذا أعصرت أي : شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك : اجز الزرع إذا حان له أن يجز . ومنه : أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض . وقرأ عكرمة : بالمعصرات وفيه وجهان : أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب وأن تراد السحائب ؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها كما تقول : أعطى من يده درهما واعطى بيده وعن مجاهد : المعصرات الرياح ذوات الأعاصير . وعن الحسن وقتادة : هي السموات . وتأويله : أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب فكأن السموات يعصرن أي : يحملن على العصر ويمكن منه . فإن قلت : فما وجه من قرأ . " من المعصرات " وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير والمطر لا ينزل من الريا ؟ قلت : الرياح هي التي تنشئ اللسحاب وتدر أخلافه فصح أن تجعل مبدأ للإنزال ؛ وقد جاء : أن الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب فإن صح ذلك فالإنزال منها ظاهر فغن قلت : ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات والعاصر هو المغيث لا المعصر . يقال : عصره فاعتصر . قلت : وجهه أن يريد اللاتي أعصرن أي حان لها أن تعصر أي : تغيث " ثجاجا " منصبا بكثرة يقال : ثجه وثج بنفسه وفي الحديث : أفضل الحج : العج والثج أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي . وكان ابن عباس مثجا يسيل غربا يعني أن يثج الكلام ثجا في خطبته . وقرأ الأعرج ثجاجا ومثجج الماء : مصابه والماء ينثجج في الوادي " حبا ونباتا " يرد ما يتقوت من نحو الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش كما قال : " كلوا وارعوا أنعامكم " طه : 54 ، و " والحب ذو العصف والريحان " الرحمن : 12 . " ألفافا " ملتفة ولا واحد له كالأوزاع والأخياف . وقيل : الواحد لف . وقال صاحب الإقليد : أنشدني الحسن بن علي الطوسي :
جنة لف وعيش مغدق ... وندامى كلهم بيض زهر
وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف ثم ألفاف : وما أظنه واجدا له نظيرا من نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار ولو قيل : هو جمع ملتفة بتقدير حذف الوائد لكان قولا وجيها
" إن يوم الفصل كان ميقاتا يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا " " كان مياتا " كا في تقدير الله وحكمه حدا توقت به الدنيا وتنتهي عنده ؛ أو حدا للخلائق ينتهون إليه " يوم ينفخ " بدل من يوم الفصل أو عطف بيان " فتأتون أفواجا " من القبور إلى الموقف أمما كل أمة مع إمامهم . وقيل : جماعات مختلفة . وعن معاذ رضي الله عنه أن سأل عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال :

(1/1333)


يا معاذ سألت عن أمر عظيم من المور ثم أسل عينيه وقال : تحشر عشرة أصناف من أمتي : بعضهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون : أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها وبعضهم عميا وبعضهم صما بكما وبعضهم يمضغون أسنتهم فهي مدلاة على صدورهم : يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع من نار وبعضهم أشد نتنا من الجيف ويعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم ؛ فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس . وأما الذين على صورة الخنازير : فأهل السحت . وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا وأما العمي فالذين يجورون في الحكم وأما الصم البكم فالمعجبون بأعمالهم وظاما الذين يمضغون أسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السطان وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء وقرئ وفتحت بالتشديد والتخفيف . والمعنى : كثرة أبوابها المفتحة لنزول الملائكة كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة كقوله : " وفجرنا الأرض عيونا " القمر : 12 ، كأن كلها عيون تتفجر وقيل : الأبواب الطرق والمالك أي : تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شيء " فكانت سرابا " كقوله : " فكانت هباء منبثا " الواقعة : 6 . يعني أنها تصير شيئا كلا شيء لتفرق أجزائها وانبثات جواهرها
" إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مأبا لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزآء وفاقا إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بأياتنا كذابا وكل شيء أحصيناه كتابا فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا " المرصاد : الحد الذي يكون فيه الرصد . والمعنى : أن جهنم هي حد الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم . أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم عليها وهي مآب للطاغين . وعن الحسن وقتادة نحوه قالا : طريقا وممرا لأهل الجنة وقرأ ابن يعمر أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأن جهنم كانت مرصادا للطاغين كأنه قيل : كان ذلك لإقامة الجزاء . قرئ لابثين ولبثين واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث ولا يقال لبث إلا لمن شأنه اللبث كالذي يجثم بالمكان لا يكادد ينفك منه " أحقابا " حقبا بعد حقب كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية ولا يكاد يتسعمل الحقب والحقيبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها والاشتقاق يشهد لذلك . ألا ترى إلى حقيبة الراكب والحقب الذي وراء التصدير وقيل : الحقب ثمانون سنة ويجوز أن يراد : لابثين فيها أحقابا غير ذائقين فيها بردا ولا شربا إلا حميما وغساقا ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب . وفيه وجه آخر : وهو أن يكون من : حقب عامنا
إذا قل مطره وخيره وحقب فلان : إذا أخطأة الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب فينتصب حالا عنهم يعني لا بثين فيها حقبين جحدين . وقوله : " لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا " تفسير له والاستثناء منقطع يعني : لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفس عنهم حر النار ولا شرابا يسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا وقيل الربد النوم وانشد :
فلو شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وعن بعض العرب : منع البرد البرد . وقرئ غساقا بالتخفيف والتشديد : وهو ما يغسق أي : يسيل من صديدهم " وفاقا " وصف بالمصدر . او ذا وفاق . وقرأ أبو حيوة : وفاقا فعال من وفقه كذا كذابا ؛ وفعال في باب فعلكله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره ؛ وسمعنى بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله . وقرئ بالتخفيف وهو مصدر كذب بدليل قوله :
فصدقتهاوكبتها ... والمرء ينفعه كذابه

(1/1334)


وهو مثل قوله : " أنبتكم من الأرض نباتا " نوح : 17 يعني : وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا . أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه : وكذبوا بأياتنا فكاذبوا مكاذبة . أو كذبوا بها مكاذبين لأنهم إذا كانوا عن المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر فيبلغ فيه أقصى جهده . وقرئ كذابا وهو جمع كاذب أي : كذبوا بأياتنا كاذبين ؛ وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب يقال : رجل كذاب كقولك : حسان وبخال ؛ فيجعل صفة لمصدر كذبوا أي : تكذيبا كذابا مفرطا كذبه وقرأ أبو السمال : وكل شيء أحصيناه بالفع على الاتبداء " كتابا " مصدر في موضع إحصاء وأحصينا : في معنى كتبنا لانتقاء الإحصاء والكتبة في معنى الضبط والتحصيل . او يكون حالا في معنى : مكتوبا في اللوح وفي صحف الحفظة . والمعنى : إحصاء معاصيهم كقوله : " أحصاه الله ونسوه " المجادلة : 6 وهو اعتراض . وقوله : " فذوقوا " مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات وهي آية في غاية الشدة وناهيك بلن نزيدكم وبدلا لته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة . وبمجيئها على طيرقة الالتفات شاهدا على أن الغضب قد تلالغ وعن النبي صلى الله عليه و سلم : هذه الآية أشد ما في القآن على أهل النار
" إن للمتقين مفازا حدآئق وأعتابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزآء من ربك عطاء حسابا " " مفازا " فوزا وظفرا بالبغية . أو موضع فوز . وقيل : نجاة مما فيه أولئك . أو موضع نجاة . وفسر المفاز بما بعده . والحدائق : البساتين فيها أنواع الشجر المثمر . والأعناب : الكوم . والكواعب : اللاتي فلكت ثديهن وهن النواهد . والأتراب
اللدات : والدهاق : المترعة . وأدهق الحوض : ملأه حتى قال قطنى . قرئ ولا كذابا بالتشديد والتخفيف أي : لا يكذب بعضه بعضا ولا يكذبه . أو لا يكاذبه . وعن علي رصي الله عنه أنه قرأ بتخفيف الاثنين " جزاء " مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله : " إن للمتقين مفازا " كأنه قال : جازى المتقين بمفاز . و " عطاء " نصب بجزاء نصب المفعول به . أي : جزاهم عطاء . " و " حسابا " صفة بمعنى : كافيا . من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي . وقيل : على حسب أعمالهم . وقرأ ابن قطيب حسابا بالتشديد على أن الحساب بمعنى المحسب كالدراك بمعنى المدرك
" رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمان لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملآئكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا ذالك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مأبا " قرئ رب السموات و الرحمن بالرفع على : هو رب السموات الرحمان . أو رب السموات مبتدأ والرحمان صفة ولا يملكون : خبر أو هما خبران وبالجر على البدل من ربك ويجر الول ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره " لا يملكون " أو هو الرحمن لا يملكون والضمير في " لا يملكون " لأهل السموات والأرض أي : ليس في أيديهم مما يخاطب به الله ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك فيزيدون فيه أو ينقصون منه . أو لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه . " يوم يقوم " متعلق بلا يملكون أو بلا يتكلمون . والمعنى : إن الذين هم أفضل الخلائق وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه وهم اروح والملائكة لا يملكون التكلم بين يديه فما ظنك بمن عداهم من أهل السموات والأرض ؟ والروح : أعظم خلقا من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين . وقيل : هو ملك عظيم ما خلق الله بعد العرش خلقا أعظم منه . وقيل : ليسوا بالملائكة وهم يأكلون . وقيل : جبريل . هما شريطتان : أن يكون المتكلم منهم مأذونا له في الكلام . وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى لقوله تعالى : " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " الأنبياء " 28
" إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا "

(1/1335)


" المرء " هو الكافر لقوله تعال : " إنا أنذرناكم عذابا قريبا " والكافر : ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم ويعني " ما قدمت يداه " من الشر كقوله : " وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم " الأنفال : 50 - 51 ، " ونذيقه يوم القايمة عذاب الحريق ذلك بما قدمت يداك " الحج : 9 - 10 ، " بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين " البقرة : 95 ، وما يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدمت أي ينظر أي شيء قدمت يداه وموصلة منصوبة بينظر ياقل : نظرته بمعنى نظرت إليه والراجع من الصلة محذوف وقيل : المرء عام وخصص من الكافر . وعن قتادة : هو المؤمن " يا ليتني منت ترابا " في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف . أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم فلم أبعث
وقيل : يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يرده ترابا فيود الكافر حاله وقيل : الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال " خلقتني من نار وخلقته من طين " الأعراف : 12
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قرأ سورة عم يتساءلون سقاه الله برد الشراب يوم القيامة
سورة النازعات
مكية وهي هخمس أو ست وأربعون آية
بسم اله الرحمن الرحيم
" والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة يقولون أءنا لمردودون في الحافرة أءذا كنا عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة " أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد وبالطوائف التي تنشطها أي تخرجها . من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وبالطوائف لتي تسبح في مضيها أي : تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر أمرا من أمور العياد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم " غرقا " إغراقا في النزع أي : تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها أو أقسمبخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها ؛ لأنها عراب . والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك : ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد إلى بلد والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وإسناد التدبير إليها لنها من أسبابه . أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب . وإغراقها في النزع : ان تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب والتي تخرج من برج إلى برج والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمرا من علم الحساب . وقيل النازعات أيدي الغزاة او أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام والتي تنشط الأوهاق والمقسم عليه محذوف وهو لتبعثن لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة . و " يوم ترجف " منصوب بهذا المضمر . و " الراجفة " الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى : وصفت بما يحدث بحدوثها " تتبعها الرادفة " أي الواقعة التي تردف الأولى وهي النفخة الثانية . ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى : " قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون " النمل : 72 ، أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادا لها وهي رادفة لهم لاقترابهم . وقيل الراجفة الأرض والجبال من قوله : " يوم ترجف الأرض والجبال " المزمل : 14 والرادفة : السماء والكواكب ؛ لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك . غفإن قلت : ما محل تتبعها ؟ قلت : الحال أي : ترجف تابعتها الرادفة . فإن قلت : كيف جعلت " يوم ترجف " ظرفا للمضمر الذي هو لتبعثن ولا يبعثون عند النفخة الأولى ؟ قلت : المعنى لتبعثن في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع وهو وقت النفخة الأخرى . ودل على ذلك أن قوله : " تتبعها الرادفة " جعل حالا عن الراجفة

(1/1336)


ويجوز أن ينتصب " يوم ترجف " بما دل عليه " قلوب يومئذ واجفة " أي يوم ترجف وجفت القلوب " واجفة " شديدة الاضطراب والوجيب والوجيف : أخوان " خاشعة " ذليلة . فإن قلت : كيف جاز الابتداء بالنكرة ؟ قلت : " قلوب " مرفوعة بالابتداء و " واجفة " صفتها " أبصارها خاشعة " خبرها فهو كقوله : " ولعبد مؤمن خير من مشرك " البقرة : 221 ، فإن قلت : كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب ؟ قلت : معناه أبصار أصحابها بدليل قوله : " يقولون " " في الحافرة " في الحالة الأولى يعنون : الحياة بعد الموت . فإن قلت : ما حقيقة هذه الكلمة ؟ قلت : يقال : رجع فلان في حافرته أي : في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي : أثر فيها بمشيه فيها : جعل أثر قدميه حفرا كما قيل : حفرت أسنانه حفرا : إذا أثر الأكال في أسناخا . والخط المحفور في الصخر . وقيل : حافرة كما قيل : عيشة راضية أي : منسوبة إلى الحفر والرضا أو كقولهم : نهارك صائم ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه : رجع إلى حافرته أي إلى طريقته وحالته الأولى . قال :
أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار
يريد : أرجوعا إلى حافرة ؟ وقيل : النقد عند الحافرة يريدون عند الحالة الأولى : وهي الصفقة وقرأ أبو حيوة في الحفرة والحفرة بمعنى : المحفورة . يقال : حفرت أسنانه فحفرت حفرا وهي حفرة ؛ وهذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة . ياقل : نخر العظم فه نخر وناخر كقولك طمع فهو طمع وطامع ؛ وفعل أبلغ من فاعل ؛ وقد قرئ بهما : وهو البالي الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له بخير . " وإذا " منصوب بمحذوف تقديره : أتذاكنا عظاما نرد ونبعث " كرة خاسرة " منسوبة إلى الخسران أو خاسر أصحابها . والمعنى : أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها وهذا استعزاء منهم فإن قلت بم تعلق قوله " فإنما هي زجرة واحدة " قلت : بمحذوف معناه : لا تستصعبوها فغنما هي زجرة واحدة ؛ يعني : لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز و جل فغنها سهلة هينة في قدرته ما هي إلا صيحة واحدة يريد النفخة الثانية " فإذا هم " أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في جوفها من قولهم : زجر البعير إذا صاح عليه . والساهرة : الأرض البيضاء المتوية سميت بذلك لأن السراب يجري فيها من قولهم : عين ساهرة جارية الماء وفي ضدها : نائمة . قال الأشعث بن قيس :
وساهرة يضحى السراب مجللا ... لأفطارها قد جبتها ملثما
أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة . وعن قتادة : فإذا هم في جهنم
" هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الأية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر تسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم العلى فاخذه الله نكال الأخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى " " اذهب " على إرادة القول . وفي قراءة عبد الله أن أذهب لأن في النداء معنىالقول . هل لك في كذا وهل لك إلى كذا ؛ كما تقول : هل ترغب فيه وهل ترغب إليه " إلى أن تزكى " إلى أن تتطهر من الشرك وقرأ أهل المدينة تزكى بالإدغام " وأهديك إلى ربك " وأرشدك إلى معرفة الله أنبهك عليه فتعرفه " فتخشى " لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة . قال الله تعالى : " إنما يخشى الله من عبادة العلماء " قاطر : 28 أي العلماءبه ؛ وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر من خشي الله : أنى منه كل خير . ومن امن : اجترأ على كل شر . ومنه قوله عليه الصلاة و السلام :

(1/1337)


من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول وستزله بالمداراة من عتوه كما أمر بذلك في قوله : " فقولا له قولا لينا " طه : 44 ، " الأية الكبرى " قلب العصا حية لأنها كانت المقدمة والأصل والأخرى كالتبع لها ؛ لأنه كان يتقيها بيده فقيل له : أدخل يدك في جيبك أو أرادهما جميعا إلا أنه جعلهما واحة ؛ لأن الثانية كأنها من جملة الولى لكونها تابعة لها " فكذب " بموسى والآية الكبرى وسماهما ساحرا وسحرا " وعصى " الله تعالى بعد ما علم صحة الأمر وان الطاعة قد وجبت عليه " ثم أدبر يسعى " أي لما رأى الثعبان أدبر مرعوبا يسعى : يسرع في مشيته . قال الحسن كان رجلا طياشا خفيفا . أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته وأريد : ثم أقبل يسعى كما تقول : أقبل فلان يفعل كذا بمعنى : أنشأ يفعل فوضع " أدبر " موضع : أقبل ؛ لئلا يوصف بالإقبال " فحشر " فجمع السحرة كقوله : " فأرسل فرعون في المدائن حاشرين " الشعراء : 53 . " فنادى " في المقام الذي اجتمعوا فيه معه . أو أمر مناديا فنادى في الناس بذلك . وقيل قام فيهم خطيبا فقال تلك العظيمة . وعن ابن عباس : كلمته الأولى : " ما علمت لكم من إله غيري " القصص : 38 والآخرة : " أنا ربكم العلى " النازعات : 34 . " نكال " هو مصدر مؤكد كوعد الله وصبغة الله ؛ كأنه قيل : نكل الله به نكال الآخرة والأولى والنكال بمعنى التكيل كالسلام بمعنى التسليم . يعني الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة . وعن ابن عباس : نكال كلمتيه الآخرة وهي قوله : " أنا ربكم الأعلى " والأولى وهي قوله : " ما علمت لكم من إله غيري " القصص : 28 ، وقيل : كان بين الكلمتين أربعون سنة . وقيل عشرون
" أنتم أشد خلقا أم السماء بذاتها رفع سمكها فسواها واغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم " الخطاب لمنكري البعث يعني " ءأنتم " أصعب " خلقا " وإنشاء " أم السماء " ثم بين كيف خلقها فقال " بناها " ثم بين البناء فقال " رفع سمكها " أي جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسائة عام " فسواها " فعدلها مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور . أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها من قولك : سوى فلان أمر فلان . غطش الليل وأغطشه الله كقولك : ظلم واظلمه . ويقال أيضا : أغطش الليل كما يقال أظلم " وأخرج ضحاها " وأبرز ضوء شمسها يدل عليه قوله تعالى : " والشمس وضحاها " الشمس : 1 ، يريد وضوئها . وقولهم : وقت الضحى للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها ؛ وأضيف الليل والشمس إلى المساء لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها " ماءها " عيونها المتفجرة بالماء " ومرعاها " ورعيها وهو في الأصل موضع الرعى . ونصب الأرض والجبال بإضمار دحا وأرسى وهو الإضمار على شريطة التفسير . وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء . فإن قلت : هلا أدخل حرف العطف على أخرج ؟ قلت : فيه وجهان أحدهما : ان يكون معنى " دحاها " بسطها ومهدها للسكنى ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكانها من تسوية أمر المأكل والمشرب ؛ وإمكان القرار عليها والسكون بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجلال وإثباتها أو تادا لها حتى تستقر ويستقر عليها . والثاني : أن يكون " وأخرج " حالا بإضمار قد كقوله : " أو جاؤكم حصرت صدورهم " النساء : 90 وأراد بمرعاها : ما يأكل الناس والأنعام . واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله : " نرتع ونلعب " يوسف : 12 وقرئ : نرتع من الرعى ؛ ولهذا قيل : دل الله سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح لأنه من الماء " متاعا لكم " فعل ذلك تمتيعا لكم " ولا نعامكم " لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم و إلى أنعامهم
" فإذا جاءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى "

(1/1338)


" الطامة " الداهية التي تطم على الدواهي أي : تعلو وتغلب . وفي أمثالهم : جرى الوادي فطم على القرى وهي القيامة لطمومها على كل هائلة . وقيل : هي النفخة الثانية . وقيل : الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار " يوم يتذكر " بدل من إذا جاءت يعني : إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها كقوله : " أحصاه الله ونسوه " المجادلة : 6 ، و " ما " في " ما سعى " موصولة أو مصدرية " وبرزت " أظهرت وقرأ أبو نهيك وبرزت " لمن يرى " للرائين جميعا أي : لكل واحد يعني : انها تظهر إظهارا بينا مكشوفا يراها أهل الساهرة كلهم كقوله : قد بين الصبح لذي عينين يريد : لكل من له بصر ؛ وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد وقرأ ابن مسعود لمن رأى وقرأ عكرمة لمن ترى والضمير للجحيم كقوله : " إذا رأتهم من مكان بعيد " الفرقان : 12 وقيل : لمن ترى يا محمد
" فأما من طغى وأثر الحياة الدنيا فغن الجحيم هي المأوى " " فأما " جواب " فإذا " أي : فإذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك والمعنى : فغن الجحيم مأواه كما تقول للرجل : غض الطرف تريد : طرفك وليس الألف واللام بدلا من الإضافة ولكن لما علم أن الطاغى هو صاحب المأوى وانه لا يغض الرجل طرف غيره : تركت الإضافة ؛ ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف للتعريف لأنهما معروفان " وهي " فصل أو مبتدأ
" وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " " ونهى النفس " الأمارة بالسوء " عن الهوى " المردي وهو اتباع الشهوات وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير . وقيل : الآتيان نزلتا في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أحد ووقى رسول الله صلى الله عليه و سلم بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه
" يسئلونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لن يلبثوا إلا عشية أو ضحاها " " أيان مرساها " متى إرساؤها أي إقامتها أرادوا : متى يقيمها الله ويثبتها ويكونها ؟ وقيل أيان منهاها ومستقرها كما أن مرسى الفينة مستقرها حيث تنتهي إليه " فيم أنت " في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به يعني : ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شيء . وعن عائشة رضي الله عنها : لم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل : في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها . والمعنى : انهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها ثم قال : " إلى ربك منتهاها أي منتهى علمها لم يؤت علمها أحدا من خلقه . وقيل : " فيم " إنكار لسؤالهم أي فيم هذا السؤال ثم قيل : أنت من ذكراها أي : إرسالك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في نسم الساعة ذكر من ذكرها وعلامة من علاماتها فكفاهم بذلك دليلا على دنوها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها ولا معنى لسؤالهم عنها " إنما أنت من يخشاها " أي : لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة الذي لا فائدة لهم في علمه وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون من إنذارك لطفا له في الخشية منها . وقرئ منذر بالتنوين وهو الأصل ؛ والإضافة تخفيف وكلاهما يصلح للحال والاستقبال ؛ فإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة ؛ كقولك : هو منذر زيد أمس أي : كأنهم لم يلبثوا في الدنيا وقيل : في القبور " إلا عشية أو ضحاها " فإن قلت : كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية ؟ قلت : لما بينهما من الملابسة لاجنماعهما في نهار واحد . فإن قلت : فهلا قيل : إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة ؟ قلت : الدلالة على أن مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوما كاملا ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه ؛ فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته فهو كقوله : " لم يلبثوا إلا ساعة من نهار " الأحقاف : 35
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قرأ سورة والنازعات كان ممن حبسه الله في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة
سورة عبس
مكية وآياتها42 وقيل41
بسم اله الرحمن الرحيم

(1/1339)


" عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يركى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى " أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم ابن أم مكتوم - و أم مكتوم أم أبيه واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بين عامر بن لؤي - وعنده صناديد قريش : عتبة وسبية ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام . والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم - فقال : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم فكره رسول الله صلى الله عليه و سلم قطعة لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم بكرمه ويقول إذا رآه : مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ويقول له : هل لك من حاجة ؟ واستخلفه على المدينة مرتين ؛ وقال أنس : رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء . وقرئ عبس بالتشديد للمبالغة ؛ ونحوه : كلح " أن جاءه " منصوب بتولى أو بعبس على اختلاف المذهبين . ومعناه : عبس لأن جاءه الأعمى . أو أعرض لذلك . وقرئ ءاأن جاءه بهمزنتين وبألف بينهما ووقف على " عبس وتولى " ثم ابتديء على معنى : ألأن جاءه الأعمى فعل ذلك إنكارا عليه . وروى أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدى لغني . وفي الإخبار عما فرط منه ثم الإقبال عليه بالخطاب : دليل على زيادة الإنكار كمن يشكو إلى الناس جانيا جبنى عليه تم يقبل على لجاني إذا حمى في الشكاية مواجها له بالتوبيخ وإلزام الحجة . وفي ذكر الأعمى نحو من ذلك كأنه يقول : قد استحق عنده العبوس والإعراض لأنه أعمى وكان يجب أن يزيده لعماه تعطفا وترؤفا وتقريبا وترحيبا ولقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا ؛ فقد روي عن سفيان الثوري رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء " وما يدريك " وأي شيء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى ؟ " لعله يزكى " أي يتطهر بما يتلقن من الشرائع من بعض أوضار الإثم " أو يذكر " أو يتعظ " فتنفعه " ذكراك أي : موعظتك ؛ وتكون له لطفا في بعض الطاعات . والمعنى : أنك لا تدري ما هو مترقب منه من تزك أو تذكر ولو دريت لما فرط ذلك منك . وقيل : الضمير في " لعله " للكافر . يعني أنك طعمت في أن يتزكى بالإسلام أو يتذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق ؛ وما يدريك أن ما طعمت فيه كائن . وقرئ فتنفعه بالرفع عطفا على يذكر . وبالنصب جوابا للعل كقوله : " فأطلع إلى إله موسى " غافر : 37 ، " تصدى " تتعرض بالإقبال عليه والمصاداة المعارضة ؛ وقرئ تصدى بالتشديد بإدغام التاء في الصاد . وقرأ أبو جعفر : تصدى بضم التاء أي : تعرض . ومعناه : يدعةك داع إلى التصدي له : من الحرص والتهالك على إسلامه وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام " إن عليك إلا البلاغ " الشورى : 48 ، " يسعى " يسرع في طلب الخير " وهو يخشى " الله أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك . وقيل : جاء وليس معه قائد فهو يخشى الكبوة " تلهى " تتشاغل من لهى عنه . والتهى . وتلهى . وقرأ طلحة بن مصرف : تتلهى وقرأ أبو جعفر تلهى أي : يلهيك شأن الصناديد فإن قلت : قوله : " فأنت له تصدى " " فأنت عنه تلهى " كأن فيه اختصاصا قلت : نعم ومعناه : إنكار التصدي والتلهي عليه أي : مثلك خصوصا لا ينبغي له أن يتصدى للغني ويتلهى عن الفقير
" كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام برره " " كلا " ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله " إنها تذكرة " أي موعظة يجب الاتعاظ والعلمل بموجبها " فمن شاء ذكره " أي كان حافظا له غير ناس وذكر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ " في صحف " صفة لتذكرة يعني : انها مثبتة في صحف منسخة من اللوح " مكرمة " عند الله " مرفوعة " في السماء . أو مرفوعة المقدار " مطهرة " منزهة عن أيدي السياطين لا يمسها إلا أيدي ملائكة مطهرين " سفرة " كتبة ينتسخون الكتب من اللوح " بررة " أتقياء . وقيل : هي صحف النبياء كقوله : " إن هذا لفي الصحف الأولى " الأعلى : 18 وقيل السفرة : القراء وقيل : أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/1340)


" قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفه فقدوم ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا ساء أنشره كلا لما يقضى ما أمره " " قتل الإنسان " دعاء عليه وهي من أشنع دعواتهم لأن القتل قاصارى شدائد الدنيا وفظائعها . و " ما أكفره " تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله ولا ترى أسلوبا أغلظ منه ولا أخشن مسا ولا أدل على سخط ولا أبعد شوطا في المذمة مع تقارب طرفيه ولا أجمع للأئمة على قصر متنه ثم أخذ في وصف حاله من ابتداء حدوثه إلى أن انتهى وما هو مغمور فيه من أصول النعم وفروعها . وما هو غارز فيه رأسه من الكفران والغمط وقلة الالتفات إلى ما يتقلب فيه إلى ما يجب عليه من القيام بالشكر " من أي شيء خلقه " من أي شيء حقير مهين خلقه ثم بين ذلك الشيء بقوله : " من نطفة خلقه فقدره " فهيأه لما يصلح له ويختص به . ونحو " وخلق كل شيء فقدره تقديرا " الفرقان : 2 ، نصب السبيل بإضمار يسر وفسره بيسر والمعنى : ثم سهل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه . أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر بإقداره وتمكينه كقوله : " إنا هديناه السبيل " الإنسان : 3 وعن ابن عباس رضي الله عنهما : بين له سبيل الخير والشر " فأقبره " فجعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له ولم يجعله مطروحا على وجه الأرض جزرا للسباع والطير كسائر الحيوان . يقال : قبر الميت إذا دفنه . وأقبره الميت . إذا أمره أن يقبره وكنه منه . ومنه قول من قال للحجاج : أقبرنا صالحا " أنشره " أنشأه النشأة الأخرى . وقرئ نشره " كل " ردع للإنسان عما هو عليه " لما يقض " لم يقض بعد مع تطاول الزمان وامتداده من لدن آدم إلى هذه الغاية " ما أمره " الله حتى يخرج عن جميع أوامره يعني : أن إنسانا لم يخل من تقصير قط
" فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولا نعامكم " ولما عدد النعم في نفسه : اتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه فقال : " فليظر الإنسان إلى طعامه " إلى مطعمه الذي يعيش به كيف دبرنا أمره أنا صببنا الماء يعني الغيث . قرئ بالكسر على الاستئناف وبالفتح على البدل من الطعام وقرأ الحسين بن علي رضي الله عنهما أنى صببنا بالإمالة على معنى : فلينظر الإنسان كيف صببنا الماء
وشققنا : من شق الأرض بالنبات ويجوز أن يكون من شقها بالكراب على البقر ؛ وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب . والحب : كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما . والقضب : الرطبة والمقضاب : أرضه سمي بمصدر قضبه إذا قطعه ؛ لأنه يقضب مرة بعد مرة " وحدائق غلبا ط يحتمل أن يجعل كل حديقة غلباء فيريد تكاثفها وكثرة أشجارها وعظمها كما تقول : حديقة ضخمة وأن يجعل شجرها غلبا أي : عظاما غلاظا . والأصل في الوصف بالغلب : الرقاب ؛ فاستعير . قال عمرو بن معد يكرب :
يمشي بها غلب الرقاب كأنهم ... يزيل كسين من الكحيل جلالا
والأب : المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع . والأب والأم أخوان قال :
جذمنا قيس ونجد دارنا ... ولنا الأب به والمكرع

(1/1341)


وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأب فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به . وعن عمر رضي الله عنه : أنه قرأ هذه الآية فقال : كل هذا قد عرفنا فما الأب ؟ ثم رفض عصا كانت بيده وقال : هذا لعمر اله التكلف وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب ثم قال : أتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه فإن قلت : فهذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته . قلت : لم يذهب إلى ذلك ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم ؛ فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره وقد علم من فحوى الآية أن الأب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعا له أو لإنعامه ؛ فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكرلله - على ما تبين لك ولم يشكل - مما عدد من نعمه ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له واكتف بالمعرفة الجميلة إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت ثم وصى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن
" فإذا جاءنت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل أمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غيرة ترهقها قترة أولآئك هم الكفرة الفجرة " يقال : صخ لحديثه مثل : أصاخ له فوصفت النفخة بالصاخة مجازا ؛ لأن الناس يصخون لها " يفر " منهم لاشغاله بما هو مدفوع إليه ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئا ؛ وبدأ بالأخ ثم بالأبوين أنهما أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أقرب وأحي ؛ كأنه قال : يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه . وقيل : يفر منهم حذرا من مطالبتهم بالتبعات . يقول الأخ : لم تواسني بمالك . والأبوان : قصرت في برنا . والصاحبة : أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت . والبنون : لم تعلمنا ولم ترشدنا وقيل : أول من يفر من أخيه : هابيل ؛ ومن أبويه : إبراهيم ومن صاحبته : نوح ولوط ؛ ومن ابنه نوح " يغنيه " يكفيه في الاهتمام به . وقرئ يعينيه أي يهمه " مسفرة " مضيئة متهللة من أسفر الصبح : إذا أضاء وعن ابن عابس رضي الله عنهما : من قيام الليل ؛ لما روي في الحديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وعن الضحاك : من آثار الوضوء . وقيل : من طول ما اغبرت في سبيل الله " غيرة " غبار يعلوها " فترة " سواد كالدخان ؛ ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه كما ترى من وجوه الزنوج إذا اغبرت ؛ وكأن الله عز و جل يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قرأ سورة عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر
سورة التكوير
مكية وآياتها29
بسم اله الرحمن الرحيم
" إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا المؤدةسئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت " في التكوير وجهان : ان يكون من كورت العمامة إذا لففتها أي : يلف ضوءها لفا فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق وهو عبارة عن إزالتها والذهاببها ؛ لأنها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف . أو يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها ؛ لأن الثوب إذا أريد رفعه لف وطوي ؛ ونحوه قوله : " يوم نطوي السماء " الأنبياء : 104 أن يكون من طعنه فجوره وكورة : إذا ألقاه أي : تلقى وتطرح عن فلكها كما وصفت النجوم بالانكدار فإن قلت : ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية ؟ قلت : بل على الفاعلية رافعها فعل مضمر يفسره كورت ؛ لأن إذا يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط " انكدرت " انقضت قال : أبصر خربان فضاء فانكدر

(1/1342)


ويروى في الشمس والنجوم : انها تطرح في جهنم ليراها من عبدها كما قال : " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " الأنبياء : 98 ، " سيرت " أي على وجه الأرض وأبعدت . أو سيرت في الجو تسيير السحاب كقوله " وهي تمر مر السحاب " النمل : 88 والعشار في جمع عشراء كالنفاس في جمع نفساء : وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزها عليهم " عطلت " تركت مسيبة مهملة . وقيل : عطلها أهلها عن الحلب والصر لاشتغالها بأنفسهم وقرئ عطلت بالتخفيف " حشرت " جمعت من كل ناحية . قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص . وقيل : إذا قضى بينها ردت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته . كالطاووس ونحوه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : حشرها موتها . يقال : إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة . وقرئ حشرت بالتشديد " سجرت " قرئ بالتخفيف والتشديد من سجر التنور : إذا ملأه بالحطب أي : ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا . وقيل : ملئت نيرانا تضطرم لتعذيب أهل النار . وعن الحسن : يذهب ماؤها فلا تبقى فيها قطرة " زوجت " قرنت كل نفس بشكلها وقيل : قرنت الأرواح بالأجساد . وقيل بكتبها وأعمالها . وعن الحسن هو كقوله : " وكنتم أزواجا ثلاثة " الواقعة : 7 وقيل : نفوس المؤمنين بالحور ونفوس الكافرين بالشياطين وأد يئد مقلوب من آد يؤد : إذا أثقل . قال الله تعالى : " ولا يؤده حفظهما " البقرة : 255 ، لأنه إثقال بالتراب : كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها : ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية ؛ وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها : طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها : أنظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليهاالتراب حتى تستوي البئر بالأرض . وقيل : كانت الحامل إذا أقربت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة ؛ فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة وإن ولدت ابنا حبسته فإن قلت : ما حملهم على وأد البنات ؟ قلت : الخوف من لحوق العار بهم من أجلهن . أو الخوف من الإملاق كما قال اله تعالى : " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " الإسراء : 31 ، وكانوا يقولون : إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهن . وصعصعة بن ناجية ممن منعالوأد ؛ فبه افتخر الفرزدق في قوله :
ومنا الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم توأد
فإن قلت : فما معنى سؤال المؤودة عن ذنبها الذي قتلت به ؛ ولا سئل الوائد عن موجب قتله لها ؟ قلت : سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى : " أأنت قلت للناس... " إلى قوله : " ... سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " المائدة : 116 ، وقرئ سألت أي : خاصمت عن نفسها وسألت الله أوقاتلها ؛ وإنما قيل " قتلت " بناء على أن الكلام إخبار عنها ؛ ولو حكى ما خوطبت به حين شئلت . فقيل : قتلت أو كلاهما حين سئلت لقيل : قتلت . وقرأ ابن عباس رضي عنهما : قتلت على الحكاية وقرئ قتلت بالتشديد وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموؤدة من الذنب : فما أقبح به وهو الذي لا يظلم مثقال ذرة أن يكر عليها بعد هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فعل المبكت من العذاب الشديد السرمد وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذلك فاحتج بهذه الآية نشرت قرئ بالتخفيف والتشديد يريد : صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته ثم تنشر إذا حوسب . عن قتادة : صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك ثم تنشر يوم القيامة فلينظر رجل ما يملي في صحيفته وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال : إليك يساق الأمر يا ابن آدم . وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :

(1/1343)


يحشر الناس عراة حفاة فقالت أم سلمة : كيف بالنساء ؟ فقال : شغل الناس يا أم سلمة قالت : وما شغلهم ؟ قال : نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل ويجوز أن يراد : نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم . وعن مرثد بن وداعة : إذا كان يوم القايمة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة المافر في يده في سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال " كشطت " كشفت وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة والغطاء عن الشيء وقرأ ابن مسعود قشطت واعتقاب الكاف والقاف كثير . يقال : لبكت الثريد ولبقته والكافور والقافور " سعرت " وقدت إيقادا شديدا وقرئ سعرت بالتشديد للمبالغة . قيل : سعرها غضب الله تعلى وخطايا بني آدم " أزلفت " أدنيت من المتقين كقوله تعالى : " وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد " ق : 31 ، قيل : هذه اثنتا عشرة خصلة . ست منها في الدنيا وست في الآخرة . و " علمت " هو عامل النصب في " إذا الشمس كورت " وفيما عطف عليه . فإن قلت : كل نفس تعلم ما أحضرت كقوله : " يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضرا " آل عمرا : 30 لا نفس واحدة فما معنى قوله : " علمت نفس " ؟ قلت : هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه . ومنه قوله عز و جل : " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " الحجز : 2 وعناه : معنى كم وأبلغ منه . وقول القائل :
قد أترك القرن مصفرا أنامله
وتقول لبعض قواد العسكر : كم عندك من الفرسان ؟ فيقول : رب فارس عندي . أو لا تعدم عندي فاراسا وعنده المقانب : وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه . ولكنه أراد إظهار براءته من الزيد وأنه ممن يقلل كثير ما عنده فضلا أن يتزيد فجاء بلفظ التقليل ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن قارئا قرأها عنده فلما بلغ " علمت نفس ما أحضرت " قال : وانقطاع ظهرياه
" فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس واليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس " " الخنس " الرواجع بينا ترى النجم في آخر البرج إذكر راجعا إلى أوله و " الجوار " السيارة . و " الكنس " الغيب من كنس الوحش : إذا دخل كناسه . قيل : هي الدراري الخمسة : بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشتري تجري مع الشمس والقمر وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها : وكنوسها : اختفاؤها تحت ضوء الشمس . وقيل : هيجميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون وكنس بالليل : أي تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها عسعس الليل وسعسع : إذا أدبر . قال العجاج :
حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
وقيل عسعس : إذا أقبل ظلامه . فإن قلت : ما معنى تنفس الصبح ؟ قلت : إذا أقبل الصبح : أقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك نفسا له على المجاز وقيل : تنفس الصبح
" إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين " " إنه " الضمير للقرآن " لقول رسول كريم " هو جبريل صلوات الله عليه " ذي قوة " كقوله تعالى : " شديد القوى ذو مرة " النجم : 5 - 6 لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن قال : " عند ذي العرش " ليدل على عظم منزلته ومكانته " ثم " إشارة إلى الظرف المذكور أعني : عند ذي العرش على أنه عند الله مطاع في ملائكته المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه . وقرئ ثم تعظيما للأمانة . وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة
" وما صاحبكم بمجنون " " وما صاحبكم " يعني : محمدا صلى الله عليه و سلم " بمجنون " كما تبهته الكفرة وناهيك بهذا دليلا على دلالة مكان جبريل عليه السلام وفضله على الملائكة ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس محمد صلى الله عليه و سلم إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما وقاسيت بين قوله : " إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين " وبين قوله : " وما صاحبكم بمجنون " " ولقد رءاه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو يقول شيطان رجيم "

(1/1344)


" ولقد رءاه " ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم جبريل " بالأفق المبين " بمطلع الشمس الأعلى " وما هو " وما محمد على ما يخبر به من الغيب من رؤية جبريل والوحي إليه وغير ذلك " بضنين " بمتهم من الظنة وهي التهمة وقرئ بضنين من الضن وهو البخل أي : لا يبخل بالوحي فيزوي بعضه غير مبلغه ؛ أو يسأل تعليمه فلا يعلمه ؛ وهو في مصحف عبد الله بالظاء وفي مصحف أبي بالضاد وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ بهما
وإتقان الفصل بين الضاد والظاء : واجب . ومعرفة مخرجيهما مما لا بد منه للقارئ فإن أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين وإن فرقوا ففرقا غير صواب وبينهما بون بعيد ؛ فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أضبط يعمل بكلتا يديه وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصوةل الثنايا العليا وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء . ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب فإن قلت : فإن وضع المصلي أحد الحرفين مكان صاحبه . قلت : هو كواضع الذال مكان الجيم والثاء مكان الشين لأن التفاوت بني الضاد والظاء كالتفاوت بين أخواتهما " وما هو " وما القرآن " يقول شيطان رجيم " أي بقول بعض المسترقة للسمع وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة
" فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " " فأين تذهبون " استضلال لهم كما ياقل لتارك الجادة اعتسافا أو ذهابا في بنيات الطريق : أين تذهب ؛ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل " لمن شاء منكم " بدل من العالمين وإنما أبدلوا منهم لأن الذين شاؤا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفون بالذكر فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعظين جميعا " وما تشاءون " الاستقامة يامن يشاؤها إلا بتوفيق الله ولطفه . أو : وما تشاؤنها أنتم يا من لا يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قرأ سورة إذا الشمس كورت أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته
سورة الانفطار
مكية وآيانها19
بسم اله الرحمن الرحيم
" إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت " " انفطرت " انشقت " فجرت " فتح بعضها إلى بعض فاختلط العذب بالمالحوزال البرزخ الذي بينهما وصارت البحار بحرا واحدا وروي أن الأرض تنشف الماء بعدامتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عند الحسن وقرئ فجرت بالتخفيف . وقرأ مجاهد : فجرت على النباء للفاعل والتخفيف . بمعنى : بغت لزوال الرزخ نظرا إلى قوله تعالى : " لا يبغيان " الرحمن : 20 لأن البغي والفجور أخوان . بعثر وبحثر بمعنى وهما مركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما . والمعنى : بحثت وأخرج موتاها . وقيل : لبراءة المبعثرة لأنها بعثرت أسرار المنافقين
" ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك " فإن قلت : ما معنى قوله : " ما غرك بربك الكريم " وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به وإنما يغتر بالكريم كما يروي عن علي رضي الله عنه أنه صاح بغلام له كرات فلم يلبه فنظر فإذا هو بالباب فقال له : ما لك لم تجبني ؟ قال : لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك فاستحسن جوابه وأعتقه وقالوا : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه . قلت معناه أن حق الإنسان أن لا يغتر بتكرم الله عليه حيث خلقه حيا لينفعه وبتفضله عليه بذلك حتى يطمع بعدها مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها أن يتفضل عليه بالثواب وطرح العقاب غترارا بالتفضل الول فإنه منكر خارج من حد الحكمة ولهذا :

(1/1345)


قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لما تلاها . غره جهله وقال عمر رضي الله عنه : غره حمقه وجهله . وقال الحسن : غرة والله شيطانه الخبيث أي : زين له المعاصي وقال له : أفعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولا وهو متفضل عليك آخرا حتى ورطه وقيل للفضيل ابن عياض : إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك : " ما غرك بربك الكريم " ماذا تقول ؟ قال أقول : غرتني ستورك المرخاة . وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع ويطن به قصاصالحشوية ويروون عن أئمتهم : إنما قال " بربك الكريم " دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب حتى يقول : غرني كرم الكريم . وقرأ سعيد بن جبير : ما أغرك إما على التعجب وإما على الاستفهام ؛ من قولك : غر الرجل فو غار : إذا غفل من قولك : بيتهم العدو وهم غارون . وأغره غيره : جعله غارا " فسواك " فجعلك سويا سالم الأعضاء " فعدلك " فصيرك معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود ولا بعض الشعر فاحما وبعضه أشقر . أو جعلك معتدل الخلق تمشي قائما لا كالبهائم . وقرئ فعدلك بالتخفيف وفيه وجهان أحدهما : أن يكون بمعنى المشدد أي : عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت والثاني " فعدلك " فصرفك . يقال : عدله عن الطريق يعني : فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق . أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيآت . " نا " في " ما شاء " مزيدة أي : ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه فإن قلت : هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها ؟ قلت : لأنها بيان لعدلك . فإن قلت : بم يتعلق الجار ؟ قلت : يجوز أن يتعلق بركبك . على معنى : وضعك في بعض الصور وكنك فيه وبمحذوف أي ركبك حاصلا في بعض الصور ؛ ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف ويجوز أن يتعلق بعدلك ويكون في أي معنى التعجب أي فعدلك في صورة عجيبة ثم قال : ما شاء ركبك . أي ركبك ما شاء من التراكيب يعني تركيبا حسنا " كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون " " كلا " ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به . وهو موجب الشكر والطاعة إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية . ثم قال : " بل تكذبون بالدين " أصلا وهو الجزاء . أو دين الإسلام . فلا تصدقون ثوابا ولا عقابا وهو شر من الطمع المنكر " وإن عليكم لحافظين " تحقيق لما يكذبون به من الجزاء يعني أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجاوزوا بها . وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم : تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند الله من جلائل الأمور ؛ ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه ويجازي به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة . وفيه إنذار وتهويل وتشوير للعصاة ولطف للمؤمنين وعن الفضيل أن كان إذا قرأها قال : ما أشدها من آية على الغافلين
" إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنهابغآئبين " " وما هم عنها بغائبين " كقوله : " وما هم بخارجين منها " المائدة : 37 ، ويجوز أن يراد : يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك يعني : في قبورهم وقيل : أخبر الله في هذه السورة أن لابن أدم ثلاث حالات : حال الحياة التي يحفظ فيها عمله وحال الآخرة التي يجازى فيها وحال البرزخ وهو قوله : " وما هم عنها بغائبين "
" وما أراك ما يوم الذين ثم أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله " يعني أن أمر يوم الدين بحيث لا تدرك دراية دار كنهة في الهلول والشدة وكيفما تصورته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه والتكرير لزيادة التهويل ثم أجمل القول في وصفه فقال " يوم لا تملك نفس لنفس شيئا " أي لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه ولا أمر إلا لله وحده . من رفع فعلى البدل من يوم الدين أو على : هو يوم لا تملك . ومن نصب فبإضمار يدانون ؛ لأن الدين يدل عليه . أو بإضمار اذكر . ويجوز أن يفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو في محل الرفع
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قرأ إذا السماء انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة

(1/1346)


سورة المطففين
مكية وآياتها36
بسم اله الرحمن الرحيم
" ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولآئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم توم يقوم الناس لرب العالمين " التطفيف : البخس في الكيل والوزن : لأن ما يبخس شيئ ظفيف حقيرز وروي : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا فنزلت فأحسنوا الكيل . وقيل : قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان : بكيل بأحدهما ويكتال بالآخر . وقيل : كان أهل المدينة تجارا يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة فنزلت فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأها عليهم . وقال : خمس بخمس قيل : يا رسول اله وما خمس بخمس ؟ قال : ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشافيهم الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشافيهم الموت ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر وعن علي رضي الله عنه : أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له : أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت . كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل . وعن ابن عباس : إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين : بهما هلك من كان قلبكم : المكيال والميزان ؛ وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جيمعا وكانا مفرقين في الحرمين : كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكليلون وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له : اتق الله وأوف الكيل فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمان حتى إن العرق ليلجمهم . وعن عنكرمة : أشهد أن كل كيال ووزان في النار . فقيلله : إن ابنك كيال أو وزان ؛ فقال : أشهد أنه في النار . وعن أبي رضي الله عنه : لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم ويتحامل فيه عليهم : أبدل على مكان من للدلالة على ذلك
ويحوز أن يتعلق على بيستةفةن ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصة أي : يستوفون على الناس خاصة ؛ فأما أنفسهم فيستوفون لها ؛ وقال الفراء من وعلى يعتقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه ؛ فإذا قال اكتلت عليك فكأنه قال : أخذت ما عليك ؛ وإذا قال : اكتلت منك فكقوله : استوفيت منك . والضمير في " كالوهم أو وزنوهم " ضمير منصوب راجع إلى الناس . وفيه وجهان : أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم ؛ فحذف الجار وأوصل الفعل كما قال :
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن نبات الأوبر

(1/1347)


والحريص يصيدك إلا الجواد بمعنى : جنيت لك ويصيد لك وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والمضاف هو المكيل أو الموزون ولا يصح أن يكون ضميرا مرفوعا للمطففين لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد ؛ وذلك أن المعنى : إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا ؛ وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك : إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا وهو كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر والتعلق في إبطاله بخط المصحف وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه : ركيك ؛ لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقين هذه الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جيمعا ؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع وإنما كتبت هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك : هم لم يدعوا وهو يدعو ؛ فمن لم يثبتها قال : المعنى كاف في التفرقة بينهما . وعن عيسى بن عمر وحمزة : أنهما كانا ثيرتكبان ذلك أي يجعلان الضميرين للمطففين ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا فإن قلت : هلا قيل : أو اتزنوا كما قيل " أو وزنوهم " ؟ قلت : كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إللا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعا " يخسرون " ينقصون يقال : خسر الميزان وأخسره " ألا يظن " إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجزاء على التطفيف كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينا " أنهم مبعثون " ومحاسبون على مقدار الذرة والخردلة . وعن قتادة : أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك واعدل كما تحب أن يعدل لك . وع الفضيل : بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة . وعن عبد الملك بن مروان : أن أعرابيا قال له : قد سمعت ما قال الله في المطففين : أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيمالذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لله خاضعين ووصفه ذاته برب العالمين : بيان بليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء بل في كل قول وعمل وقيل : الظن بمعنى اليقين والوجه ما ذكر ؛ ونصب " يوم يقوم " بمبعوثون . وقرئ بالجر بدلا من يوم عظيم وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السوة فلما بلغ قوله : " يوم يقوم الناس لرب العالمين " بكى نحيباص وامتنع من قراءة ما بعده
" كلا إن كتاب الفجار لفى سجين وما أدراك ما سبين كتاب مرقوم " " كلا " ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ذكر البعث والحساب ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه ثم أتبعه وعيد الفجارعلى العموم . وكتاب الفجار : ما يكتب من أعمالهم . فإن قلت : قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه في سجين وفسر سجينا بكتاب مرقوم ؛ فكأنه قيل : إن كتابهم في كتاب مرقوم . فما معناه : قلت " سجين " كتاب جامع هو ديوان الشر : دون الله فيه أعمال الشياكطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس وهو كتاب مرقوم مسطور بين الكتابة . أو معلم من رآه أنه لا خير فيه فالمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان وسمي سجينا : فعيلا من السجن وهو الحبس والتضييق . لنه سبب الحبس والتضييق في جهنم أو لأنه مطروح كما روي تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم وهو مسكن إبليس وذريته استهانة به وإذالة وليشهده الشياطين المدحورون كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقربون . فإن قلت : فما سجين أصفة هو أم اسم ؟ قلت : بل هو اسم علم منقول من وصف كحاتك . وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف
" ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما تكذب به إلا كل معتد أسم إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الأولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عنربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هاذا الذي كنتم به تكذبون "

(1/1348)


" الذين يكذبون " مما وصف به للذم لا للبيان كقولك فعل ذلك فلان الفاسق الخبيث " كلا " ردع للمعتدي الأثيم عن قوله : " ران على قلوبهم " كركبها كما يركب الصأ وغلب عليها : وهو أن يصر على الكبائر ويسوف التوبة حتى يطبع على قلبه فلا يقبل الخير ولا يميل إليه . وعن الحسن : الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب . يال : ران عليه الذنب وغان عليه رينا وغينا والغين : الغيم ويقال : ران فيه النوم رسخ فيه ورانت به الخمر : ذهبت به . وقرئ بإدغام اللام في الراء وبالإظهار والإدغام أجود . وامليت الألف وفخمت " كلا " ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم . وكونهم محجوبين عنه : تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهار المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم . قال :
إذا اعتروا باب ذي عبية رجبوا ... والناس من بين مرجوب ومحجوب
وعن ابن عباس وقتادة وابن أبي ملكية : محجوبين عن رحمته . وعن ابن كيسان : عن كرامته
" كلا إن كتاب الأبرار لفى علين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون " " كلا " ردع عن التكذيب . وكتاب الأبرار : ما كتب من أعمالهم . وعليون : علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقيلين منقول من جمع علي فعيل من العلو كسجين من السجن سمى بذلك إما لأنه سبب الاتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له وتعظيما . وروي " إن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانة اوحى إليهم إنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه وأنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين فقد غفرت له ؛ وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحي إليهم : أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين
" إن الأبرار لفى نعيم على الأرابك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مخسوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون " " الأرائك " الأسرة في الحجال " ينظرون " إلى ما شاؤا مد أعينهم إليه من مناظر الجنة وإلى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة وإلى أعدائهم يعذبون في النار وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك " نضرة النعيم " بهجة التنعم وماءه ورونقه كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفة وقرئ تعرف على البناء للمفعول ونضرة النعيم - بالرفع . الرحيق الشراب الخالص الذي لا غش فيه " مختوم " تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة . وقيل " ختامه مسك " مقطعة رائحة مسك إذا شرب وقيل : يمزج بالكافور ويختم مزاجه بالمسك . وقرئ خاتمة بفتح التاء وكسرها أي : ما يختمبه ويقطع " فليتنافس المتنافسون " فليرتغب المرتغبون " تسنيم " علم لعين بعينها : سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه : إما لأنها أرفع شراب في الجنة وإما لأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم . " عينا " نصب على المدح . وقال الزجاج : نصب على الحال . وقيل : هي للمقربين يشربونها صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة
" إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون وإذا مروأ بهم يتغامرون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين " هم مشركو مكة : أو جبهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم : كانوا يضحكون من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزؤن بهم

(1/1349)


وقيل : جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت قبل أن يصل علي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم " يتغامزون " يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم " فكهين " ملتذين بذكرهم والسخرية منهم أي : ينسبون المسلمين إلى الضلال " وما أرسلوا " على المسلمين " حافظين " موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ويهيمنون على أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم ؛ وهذا تهكم بهم . او هو من جملة قول الكفار وإنهم إذا رأوا المسلين قالزا : إن هؤلاء لضالون ؛ وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكارا لصدهم أياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام وجدهم في ذلك
" فليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون " " على الأرائك ينظرون " حال من " يضحكون " أي : يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفة : وهم على الأرائك آمنون : وقيل : يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم : اخرجوا إليها ؛ فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم يفعل ذلك بهم مرارا فيضحك المؤمنون منهم ثوبه وأثابه : بمعنى إذا جازاه قال اوس :
سأجزيك أو يجزيك عنى مئوب ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدى
وقرئ بإدغام اللام في الثاء
عن رسول اله صلى الله عليه و سلم : من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة
سورة الانشقاق
مكية وآياتها25
بسم الله الرحمان الرحيم " إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت والقت ما فيها وتخلت وأذنت لرها وحقت " حذف جواب إذا ليذهب المقدر كل مذهب أو اكتفاء بماعلم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار . وقيل : جوابها ما دل عليه فملاقيه أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه . ومعناه : إذا انشقت بالغمام كقوله تعالى : " ويموم تشقق السماء بالغمام " الفرقان : 25 ، وعن علي رضي الله عنه : تنشق من المجرة أذن له : استمع له . ومنه قوله عليه الصلاة و السلام : ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن . وقول حجاف بن حكيم : " اذنت لكم لما سمعت هريركم والمعنى : أنها فعلت في انقادها لله حين أراد انشقاقها فعل المطواع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع كقوله : " أتينا طائعين " فصلت : 11 ، " وحقت " من قولك هو محقوق بكذا وحقيق به يعني : وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمنتنع . ومعناه الإيذان بأن القادر بالذات يجب أن يتأتى له كل مقدور ويحق ذلك " مدت " من مد الشيء فامتد : وهو ان تزال جبالها وآكامها وكل أمت فيها حتى تمتد وتنبسط ويتوي ظهرها كما قال تعالى : " قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " طه : 106 - 107 ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : مدت مد الأديم العكاظي ؛ لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه وأمت واستوى أو من مده بمعنى أمده أي : زيدت سعة وبسطة " وألقت ما فيها " ورمت بما في جوفها مما دفن فيها من الموتى والكنوز " وتخلت " غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو كما ياقل : تكرم الكريم وترحم الرحيم : إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة وتكلفا فوق ما في طبعهما " وأذنت لربها " في إلقاء ما في بطنها وتخليها
" يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من اوتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يجور بلآ إن ربه كان به بصيرا " الكدح : جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها من كدح جله : إذا خدشه ومعنى " كادح إلى ربك " جاهد إلى لقاء ربك وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء " فملاقيه " فملاق له لا محالة لا مفر لك منه وقيل : الضمير في ملاقيه للكدح " يسيرا " سهلا هينا لا يناقش فيه ولا يعترض بما سوءه ويشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال . وعن عائشة رضي الله عنها : هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه . وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :

(1/1350)


من يحاسب يعذب فقيل يا رسول الله : فسوف يحاسب حسابا يسيرا . قال : ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب " إلى أهله " إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين . أو إلى فريق المؤمنين . أو إلى أهله في الجنة من الحور العين " ورآء ظهره " قيل : تغل يمناه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره
وقيل تخلع يده اليسرى من وراء ظهره " يدعوا ثبورا " يقول : يا ثبوراه . والثبور : الهلاك . وقرئ ويصلى سعيرا كقوله : " وتصليه جحيم " الواقعة : 94 ، ويصلى : بضم الياء والتخفيف كقوله : " ونصله جهنم " النساء : 115 ، " في أهله " فيما بين ظهرانيهم أو معهم على أنهم كانوا جميعا مسرورين يعني أنه كان في الدنيا مترفا بطرا مستبشرا كعادة الفجار الذين لا يهمهم أمر الآخرة ولا يفكرون في العواقب . ولم يكن كئيبا حزينا متفكرا كعادة الصلحاء والمتقين وحطاية الله عنهم " إنا كنا قبل في أهلنا مسفقين " الطور : 26 " ظن أن لن يحور " لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبا بالمعاد . يقال : لا يحور ولا يحول أي : لا يرجع ولا يتغير . قال لبيد : يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وعن ابن عباس : ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها : حوري أي : ارجعي " بلى " إيجاب لما بعد النفي في " لن يحور " أي : بلى ليحورن " إن ربه كان به بصيرا " وبأعماله لا ينساها ولا تخفي عليه فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها . وقيل : نزلت الآيتان في أبي سلمة بن عبد الأشد وأخيه الأسود بن عبد الأشد
" فلا أسم بالشفق واليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق " الفق : الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس بسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء إلا ما يروى عن أبي حنيفة رضي الله عنه في إحدى الورايتني : أنه البياض . وروى أسد بن عمرو : أنه رجع عنه سمي لرقته . ومنه الشفقة على الإنسان : رقة القلب عليه " وما وسق " وما جمع وضم قال : وسقه فاتسق واستوسق . قال :
مستوسقات لو يجدن سائقا
ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين : استع واستوسع . ومعناه : وما جمعه وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها " إذا اتسق " إذا اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة قرئ : التركبن على خطاب الإنسان في " يا أيها الإنسان " ولنركبن بالضم على خطاب الجنس لن النداء للجنس ؛ ولتركبن بالكسر على خطاب النفس وليركبن بالياء على : ليركبن الإنسان . والطبق : ما طابق غيره . ياقل : ما هذا بطبق لذا أي : لا يطابقه . ومنه قيل للغطاء الطبق . وإطباق الثرى : ما تطابق منه ثم قيل للحال المطابقة لغيرها : طبق ومنه قوله عز وعلا " طبقا عن طبق " أي حالا بعد حال : كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول : ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم : هو على طبقات . ومنه : طبق الظهر لفاره الواحدة : طبقة على معنى : لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقاتفي الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها . فإن قلت : ما محل عن طبق ؟ قلت : النصب على أنه سفة لطبقا أي : طبقا مجاوزا لطبق . أو حال من الضمير في لتركين أي : لتركين طبقا مجاوزين لطبق . أو مجاوزا أو مجاوزة على حسب القراءة : وعن مكحول : كل عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه
" فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون بل الذين كفروا تكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون " " لا يسجدون " لا يستكينون ولا يخضعون . وقيل : قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم " واسجد واقترب " العلق : 19 فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر فنزلت . وبه احتج أبو حنيفة رضي اله عنه على وجوب السجدة وعن ابن عباس ليس في المفصل سجدة . وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه سجد فيها وقال : والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يسجد فيها . وعن انس : صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان فسجدوا وعن الحسن : هي غير واجبه " الذين كفروا " إشارة إلى المذكورين " بما يوعون " بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والبغي والبغضاء . أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب " إلا الذين أمنوا " استثناء منقطع

(1/1351)