صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين رضي الله عنهم . وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ منه ما شاء ، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك . وعن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والإنبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصديق أكبر من الوالدين ، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمّهات ، فقالوا : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم . وقالوا : إذا دلّ ظاهر الحال على رضا المالك ، قام ذلك مقام الإذن الصريح ، وربما سمج الاستئذان وثقل ، كمن قدّم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه { جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } أي مجتمعين أو متفرّقين . نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل ، فإن لم يجد من يواكله أكل ضرورة . وقيل : في قوم من الأنصار : إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلاّ مع ضيفهم وقيل : تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لا ختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } من هذه البيوت لتأكلوا فبدّئوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة { تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله } أي ثابتة بأمره ، مشروعة من لدنه . أو لأنّ التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله [ مباركة طيبة ] ووصفها بالبركة والطيب : لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق . وعن أنس رضي الله عنه قال :
( 769 ) خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين - وروي : تسع سنين - فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا قال لي لشيء كسرته لم كسرته؟ وكنت واقفاً على رأسه أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال : « ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها » ؟ قلت : بلى بأبي وأمي يا رسول الله . قال : « متى لقيت من أمّتي أحداً فسلم عليه يطل عمرك ، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار والأوّابين » وقالوا : إن لم يكن في البيت أحد فليقل : السلام علينا من ربنا ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، السلام على أهل البيت ورحمة الله . وعن ابن عباس : إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين تحية من عند الله ، وانتصب تحية بسلموا ، لأنها في معنى تسليماً ، كقولك : قعدت جلوساً .

(4/428)


إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)

أراد عزّ وجلّ أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه { وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الأيمان بالله والإيمان برسوله ، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره ، وذلك مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين ، ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً ، حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله : { إِنَّ الذين يَسْتَئذنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } وضمنه شيئاً آخر ، وهو : أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين ، وعرّض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً . ومعنى قوله : { لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَئذِنُوهُ } لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم ، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن يأذن له . والأمر الجامع : الذي يجمع له الناس ، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز ، وذلك نحو مقاتلة عدوّ ، أو تشاور في خطب مهمّ ، أو تضام لإرهاب مخالف ، أو تماسح في حلف وغير ذلك . أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه . وقرىء : «أمر جميع» وفي قوله : { وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } أنه خطب جليل لا بدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من ذوي رأي وقوّة ، يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته ، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلبه ويشعث عليه رأيه ، فمن ثمة غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان ، ومع العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه ، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم ، وذلك قوله : { لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } . وذكر الاستغفار للمستأذنين : دليل على أنّ الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه . وقيل : نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن . وقالوا : كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من النوازل ولا يتفرقون عنهم . والأمر في الإذن مفوّض إلى الإمام : إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن ، على حسب ما اقتضاه رأيه .

(4/429)


لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)

إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلاّ بإذنه ، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي ، أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضاً ، ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه ، ولا تقولوا : يا محمد ، ولكن : يا نبي الله ، ويا رسول الله ، مع التوقير [ و ] التعظيم والصوت المخفوض والتواضع . ويحتمل : لا تجعلوا دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم وكبيركم وفقيركم وغنيكم ، يسأله حاجة فربما أجابه وربما ردّه ، فإن دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم مسموعة مستجابة { يَتَسَلَّلُونَ } ينسلون قليلاً قليلاً . ونظير «تسلل» : «تدرّج وتدخل» : واللواذ : الملاوذة ، وهو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا ، يعني : ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض . و { لِوَاذاً } حال ، أي : ملاوذين ، وقيل : كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيأذن له ، فينطلق الذي لم يؤذن له معه . وقرىء : «لواذاً» بالفتح [ فَلْيَحْذَرِ الذن يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ] . يقال : خالفه إلى الأمر ، إذا ذهب إليه دونه ، ومنه قوله تعالى : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ } [ هود : 88 ] وخالفه عن الأمر : إذا صد عنه دونه . ومعنى { الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } الذين يصدّون عن أمره دون المؤمنين وهم المنافقون ، فحذف المفعول لأنّ الغرض ذكر المخالف والمخالف عنه . الضمير في أمره لله سبحانه أو للرسول صلى الله عليه وسلم . والمعنى : عن طاعته ودينه { فِتْنَةً } محنة في الدنيا { أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : فتنة قتل . وعن عطاء : زلازل وأهوال . وعن جعفر بن محمد : يسلط عليهم سلطان جائر .

(4/430)


أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)

أدخل { قَدْ } ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد ، وذلك أن { قَدْ } إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى «ربما» فوافقت «ربما» في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله :
فَإنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الفِنَاءِ فَرُبَّمَا ... أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الْوُفُودِ وُفُودُ
ونحوه قول زهير :
أَخِي ثِقَةٍ لاَ تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَه ... وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهْ
والمعنى : أنّ جميع ما في السموات والأرض مختصّة به خلقاً وملكاً وعلماً ، فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها ، وسينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم وسيجازيهم حق جزائهم . والخطاب والغيبة في قوله : { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات . ويجوز أن يكون { مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } عاماً؛ و { يَرْجِعُونَ } للمنافقين ، والله أعلم .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 770 ) " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ النورِ أَعطِي من الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ فيما مضَى وفيما بقى " .

(4/431)


تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)

البركة : كثرة الخير وزيادته . ومنها : { تَبَارَكَ الله } [ الأعراف : 54 ] وفيه معنيان : تزايد خيره ، وتكاثر . أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله . والفرقان : مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل . أو لأنه لم ينزل جملة واحدة ، ولكن مفروقاً ، مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال . ألا ترى إلى قوله : { وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ونزلناه تَنْزِيلاً } [ الإسراء : 106 ] وقد جاء الفرق بمعناه . قال :
وَمُشْرِكَيّ كَافِرٌ بِالْفَرْقِ ... وعن ابن الزبير رضي الله عنه : على عباده ، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّته ، كما قال : { لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } [ الأنبياء : 10 ] ، { قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } [ البقرة : 136 ] . والضمير في { لِيَكُونَ } لعبده أو للفرقان . ويعضد رجوعه إلى الفرقان قراءة ابن الزبير { للعالمين } للجنّ والإنس { نَذِيراً } منذراً أي مخوّفاً أو إنذاراً ، كالنكير بمعنى الإنكار . ومنه قوله تعالى : { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } [ القمر : 16 ، 18 ، 21 ، 30 ] { الذى لَهُ } رفع على الإبدال من الذي نزل أو رفع على المدح ، أو نصب عليه . فإن قلت : كيف جاز الفصل بين البدل والمبدل منه؟ قلت : ما فصل بينهما بشيء؛ لأنّ المبدل منه صلته نزل . و «ليكون» تعليل له ، فكأنّ المبدل منه لم يتمّ إلاّ به . فإن قلت : في الخلق معنى التقدير ، فما معنى قوله : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } كأنه قال : وقدّر كل شيء فقدّره؟ قلت : المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعي فيه التقدير والتسوية ، فقدّره وهيأه لما يصلح له ، مثاله : أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدّر المسوّى الذي تراه ، فقدّره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدّرة بأمثلة الحكمة والتدبير ، فقدّره لأمر مّا ومصلحة مطابقاً لما قدر له غير متجاف عنه ، أو سمي إحداث الله خلقاً لأنه لا يحدث شيئاً لحكمته إلاّ على وجه التقدير من غير تفاوت ، فإذا قيل : خلق الله كذا فهو بمنزلة قولك : أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق ، فكأنه قيل : وأوجد كل شيء فقدّره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً . وقيل : فجعل له غاية ومنتهى . ومعناه : فقدّره للبقاء إلى أمد معلوم .

(4/432)


وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)

الخلق بمعنى الافتعال ، كما في قوله تعالى : { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } [ العنكبوت : 17 ] والمعنى : أنهم آثروا على عبادة الله سبحانه عبادة آلهة لا عجز أبين من عجزهم ، لا يقدرون على شيء من أفعال الله ولا من أفعال العباد ، حيث لا يفتعلون شيئاً وهم يفتعلون ، لأن عبدتهم يصنعونهم بالنحث والتصوير ، { وَلاَ يَمْلِكُونَ } أي : لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها أو جلب نفع إليها وهم يستطيعون ، وإذا عجزوا عن الافتعال ودفع الضرر وجلب النفع التي يقدر عليها العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور التي لا يقدر عليها إلاّ الله أعجز .

(4/433)


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4)

{ قَوْمٌ ءاخَرُونَ } قيل : هم اليهود . وقيل : عداس مولى حويطب بن عبد العزى ، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي ، وأبو فكيهة الرومي : قال ذلك النضر بن الحرث بن عبد الدار . «جاء» و «أتى» يستعملان في معنى فعل ، فيعديان تعديته ، وقد يكون على معنى : وردوا ظلماً ، كما تقول : جئت المكان . ويجوز أن يحذف الجار ويوصل الفعل . وظلمهم : أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب . والزور : أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه .

(4/434)


وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)

{ أساطير الاولين } ما سطَّره المتقدمون من نحو أحاديث رستم واسفنديار ، جمع : أسطار أو أسطورة كأحدوثة { اكتتبها } كتبها لنفسه وأخذها ، كما تقول : استكب الماء واصطبه : إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه . وقرىء : «اكتُتبها» على البناء للمفعول . والمعنى : اكتتبها كاتب له ، لأنه كان أمّياً لا يكتب بيده ، وذلك من تمام إعجازه ، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ، كقوله : { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان بارزاً منصوباً ، وبقي ضمير الأساطير على حاله ، فصار { اكتتبها } كما ترى . فإن قلت : كيف قيل : اكتتبها { فَهِىَ تملى عَلَيْهِ } وإنما يقال : أمليت عليه فهو يكتتبها؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : أراد اكتتابها أو طلبه فهي تملى عليه . أو كتبت له وهو أمّي فهي تملى عليه : أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها : لأنّ صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب . وعن الحسن : أنه قول الله سبحانه يكذبهم وإنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار . ووجهه أن يكون نحو قوله :
أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الْكِرَامَ وَأَن ... أُورَثَ ذَوْداً شَصَائِصَاً نَبَلاَ
وحق الحسن أن يقف على الأولين ، { بُكْرَةً وَأَصِيلاً } أي دائماً ، أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس ، وحين يأوون إلى مساكنهم .

(4/435)


قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)

أي يعلم كل سرّ خفيّ في السموات والأرض ، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله صلى الله عليه وسلم مع علمكم أنّ ما تقولونه باطل وزور ، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تبهتونه به ، وهو يجازيكم ويجازيه على ما علم منكم وعلم منه . فإن قلت : كيف طابق قوله : { إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } هذا المعنى؟ قلت : لما كان ما تقدّمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه ، لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلاّ القادر على العقوبة ، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبّاً ، ولكن صرف ذلك عنهم إنه غفور رحيم : يمهل ولا يعاجل .

(4/436)


وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)

وقعت اللام في المصحف مفصولة عن هذا خارجة عن أوضاع الخط العربي ، وخط المصحف سنة لا تغير . وفي هذا استهانة وتصغير لشأنه وتسميته بالرسول سخرية منهم وطنز ، كأنهم قالوا : ما لهذا الزاعم أنه رسول . ونحوه قول فرعون { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء : 27 ] أي : إن صحّ أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا { يَأْكُلُ الطعام } كما نأكل؛ ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد ، يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش . ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكاً إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملك ، حتى يتساندا في الإنذار والتخويف ، ثم نزلوا أيضاً فقالوا : وإن لم يكن مرفوداً بملك فليكن مرفوداً بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش . ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلاً له بستان يأكل منه ويرتزق كما الدهاقين والمياسير ، أو يأكلون هم من ذلك البستان فينتفعون به في دنياهم ومعاشهم . وأراد بالظالمين : إياهم بأعيانهم : وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا : وقرىء : «فيكون» بالرفع ، أو يكون له جنة ، بالياء ، ونأكل ، بالنون . فإن قلت : ما وجها الرفع والنصب في فيكون؟ قلت : النصب لأنه جواب «لولا» بمعنى «هلا» وحكمه حكم الاستفهام . والرفع على أنه معطوف على أنزل ، ومحله الرفع ، ألا تراك تقول : لولا ينزل بالرفع ، وقد عطف عليه : يلقى ، وتكون مرفوعين ، ولا يجوز النصب فيهما لأنهما في حكم الواقع بعد لولا ، ولا يكون إلاّ مرفوعاً . والقائلون هم كفار قريش النضر بن الحرث ، وعبد الله بن أبي أمية ، ونوفل بن خويلد ومن ضامهم { مَّسْحُورًا } سحر فغلب على عقله . أو ذا سحر ، وهو الرئة : عنوا أنه بشر لا ملك .

(4/437)


انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9)

{ ضَرَبُواْ لَكَ الامثال } أي : قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة . من نبوّة مشتركة بين إنسان وملك . وإلقاء كنز عليك من السماء وغير ذلك ، فبقوا متحيرين ضلالاً ، لا يجدون قولاً يستقرّون عليه . أو فضلوا عن الحق فلا يجدون طريقاً إليه .

(4/438)


تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10)

تكاثر خير { الذى إِن شَاءَ } وهب لك في الدنيا { خَيْرًا } مما قالوا ، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور . وقرىء : «ويجعل» بالرفع عطفاً على جعل؛ لأن الشرط إذا وقع ماضياً ، جاز في جزائه الجزم ، والرفع ، كقوله :
وَإنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْئَلَةٍ ... يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ
ويجوز في { وَيَجْعَل لَّكَ } إذا أدغمت : أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع جميعاً . وقرىء بالنصب ، على أنه جواب الشرط بالواو .

(4/439)


بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)

{ بَلْ كَذَّبُواْ } عطف على ما حكي عنهم : يقول : بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة . ويجوز أن يتصل بما يليه ، كأنه قال : بل كذبوا بالساعة ، فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب ، وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بالآخرة . السعير : النار الشديدة الاستعار . وعن الحسن رضي الله عنه : أنه اسم من أسماء جهنم { رَأَتْهُمْ } من قولهم : دورهم تترا ، أي : وتتناظر . ومن قوله صلى الله عليه وسلم :
( 771 ) « لا تراءى ناراهُمَا » كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز . والمعنى : إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها . وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر . ويجوز أن يراد : إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم . الكرب مع الضيق ، كما أن الروح مع السعة ، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض . وجاء في الأحاديث : أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا . ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق والإرهاق ، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصاً ، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل ، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع . وقيل : يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد . والثبور : الهلاك ، ودعاؤه أن يقال : واثبوراه ، أي : تعال يا ثبور فهذا حينك وزمانك { لاَّ تَدْعُواْ } أي يقال لهم ذلك : أو هم أحقاء بأن يقال لهم ، وإن لم يكن ثمة قول ومعنى { وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً } أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً ، إنما هو ثبور كثير إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدّته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم .

(4/440)


قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)

الراجح إلى الموصولين محذوف ، يعني : وعدها المتقون وما يشاؤونه . وإنما قيل : كانت ، لأن ما وعده الله وحده فهو في تحققه كأنه قد كان . أو كان مكتوباً في اللوح قبل أن برأهم بأزمنة متطاولة : أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم . فإن قلت : ما معنى قوله : { كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً } ؟ قلت : هو كقوله : { نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً } [ الكهف : 31 ] فمدح الثواب ومكانه ، كما قال : { بِئْسَ الشراب وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا } [ الكهف : 29 ] قدّم العقاب ومكانه لأنّ النعيم لا يتمّ للمتنعم إلاّ بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة ، وأن لا تنغص ، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته وجمعه لأسباب الاجتواء والكراهة ، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء . والضمير في { كَانَ } لما يشاؤون . والوعد : الموعود ، أي : كان ذلك موعوداً واجباً على ربك إنجازه ، حقيقاً أن يسئل ويطلب ، لأنه جزاء وأجر مستحق . وقيل : قد سأله الناس والملائكة في دعواتهم : { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } [ آل عمران : 194 ] ، { رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة حَسَنَةً } [ البقرة : 201 ] ، { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ } [ غافر : 8 ] .

(4/441)


وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)

يحشرهم . فيقول : كلاهما بالنون والياء ، وقرىء : «يحشرهم» ، بكسر الشين ، { وَمَا يَعْبُدُونَ } يريد : المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير . وعن الكلبي : الأصنام ينطقها الله . ويجوز أن يكون عاماً لهم جميعاً . فإن قلت : كيف صحّ استعمال { مَاْ } في العقلاء؟ قلت : هو موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم ، بدليل قولك - إذا رأيت شبحاً من بعيد - : ما هو؟ فإذا قيل لك : إنسان ، قلت حينئذٍ : من هو؟ ويدلك قولهم «من» لما يعقل . أو أريد به الوصف ، كأنه قيل : ومعبوديهم ، ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد؟ ما زيد : تعني : أطويل أم قصير؟ أفقيه أم طبيب؟ فإن قلت : ما فائدة أنتم وهم؟ وهلا قيل أضللتم عبادي هؤلاء ، أم هم ضلّوا السبيل؟ قلت : ليس السؤال عن الفعل ووجوده ، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب ، وإنما هو عن متوليه ، فلا بدّ من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام ، حتى يعلم أنه المسؤول عنه ، فإن قلت : فالله سبحانه قد سبق علمه بالمسؤول عنه ، فما فائدة هذا السؤال؟ قلت : فائدته أن يجيبوا بما أجابوا به ، حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم ، فيبهتوا وينخذلوا وتزيد حسرتهم ، ويكون ذلك نوعاً مما يلحقهم من غضب الله وعذابه ، ويغتبط المؤمنون ويفرحوا بحالهم ونجاتهم من فضيحة أولئك ، وليكون حكاية ذلك في القرآن لطفاً للمكلفين . وفيه كسر بيّن لقول من يزعم أن الله يضلّ عباده على الحقيقة ، حيث يقول للمعبودين من دونه : أأنتم أضللتموهم ، أم هم ضلوا بإنفسهم؟ فيتبرؤون من إضلالهم ويستعيذون به أن يكونوا مضلين ، ويقولون : بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم ، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر ، سبب الكفر ونسيان الذكر ، وكان ذلك سبب هلاكهم ، فإذا برأت الملائكة والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذوا منه ، فهم لربهم الغنيّ العدل أشدّ تبرئة وتنزيهاً منه ، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضل بالنعمة والتمتيع بها . وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلى الكفرة ، فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده الله تعالى إلى ذاته في قوله : { يُضِلُّ مَن يَشَاء } [ الرعد : 27 ] ، [ النحل : 93 ] ، [ فاطر : 8 ] ولو كان هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أن يقولوا : بل أنت أضللتهم . والمعنى : أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق؟ أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟ وضل : مطاوع «أضله» وكان القياس : ضلّ عن السبيل ، إلاّ أنهم تركوا الجار كما تركوه في هذه الطريق . والأصل : إلى الطريق وللطريق . وقولهم : أضلَّ البعير ، في معنى : جعله ضالاً ، أي ضائعاً ، لما كان أكثر ذلك بتفريط من صاحبه وقلة احتياط في حفظه ، قيل : أضله ، سواء كان منه فعل أو لم يكن { سبحانك } تعجب منهم ، قد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون ، فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه .

(4/442)


أو نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون المتقدّسون الموسومون بذلك . فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟ أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد ، وأن يكون له نبيّ أو ملك أو غيرهما ندّاً ، ثم قالوا : ما كان يصحّ لنا ولا يستقيم ونحن معصومون أن نتولى أحداً دونك ، فكيف يصحّ لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك . أو ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار . قال الله تعالى : { فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان } [ النساء : 76 ] يريد الكفرة وقال : { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } [ البقرة : 257 ] وقرأ أبو جعفر المدني : نتخذ ، على البناء للمفعول . وهذا الفعل أعني «اتخذ» يتعدى إلى مفعول واحد ، كقولك : اتخذ ولياً وإلى مفعولين كقولك : اتخذ فلاناً ولياً . قال الله تعالى : { أَمِ اتخذوا الِهَةً مّنَ الأرض } [ الأنبياء : 1 ] وقال : { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } [ النساء : 125 ] فالقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو { مِنْ أَوْلِيَاءَ } والأصل : أن نتخذ أولياء ، فزيدت { مِن } لتأكيد معنى النفي ، والثانية : من المتعدي إلى مفعولين . فالأول ما بني له الفعل . والثاني : { مِنْ أَوْلِيَاءَ } . ومن للتبعيض ، أي : لا نتخذ بعض أولياء . وتنكير { أَوْلِيَاءَ } من حيث أنهم أولياء مخصوصون وهم الجنّ والأصنام . والذكر : ذكر الله والإيمان به ، أو القرآن والشرائع . والبور : الهلاك . يوصف به الواحد والجمع : ويجوز أن يكون جمع بائر ، كعائذ وعوذ .

(4/443)


فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)

هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة ، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ونحوها قوله تعالى : { يََأَهْلَ الكتاب قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جاءكم بشير ونذير } [ المائدة : 19 ] وقول القائل :
قَالُوا خُرَاسَانُ أَقْصَى مَا يُرَادُ بِنَا ... ثُمَّ الْقُفُولُ فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا
وقرىء : «يقولون» بالتاء والياء . فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم أنهم آلهة . ومعنى من قرأ بالياء : فقد كذبوكم بقولهم : { سبحانك مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } [ الفرقان : 18 ] . فإن قلت : هل يختلف حكم الباء مع التاء والياء؟ قلت : إي والله ، وهي مع التاء كقوله : { بَلْ كَذَّبُواْ بالحق } [ ق : 5 ] والجار والمجرور بدل من الضمير ، كأنه قيل : فقد كذبوا بما تقولون : وهي مع الياء كقولك : كتبت بالقلم . وقرىء : «يستطيعون» بالتاء والياء أيضاً . يعني : فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم . وقيل : الصرف : التوبة وقيل : الحيلة ، من قولهم : إنه ليتصرف ، أي : يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب ، أو أن يحتالوا لكم . [ { وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ ، نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً } ] الخطاب على العموم للمكلفين ، والعذاب الكبير لاحقٌ بكل من ظلم ، والكافر ظالم : لقوله : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] والفاسق ظالم . لقوله : { وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } [ الحجرات : 11 ] . وقرىء : «يذقه» بالياء . وفيه ضمير الله ، أو ضمير مصدر يظلم .

(4/444)


وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)

الجملة بعد «إلاّ» صفة لموصوف محذوف . والمعنى : وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلاّ آكلين وماشين . وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور . أعني من المرسلين ونحوه قوله عزّ من قائل : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] على معنى : وما منا أحد . وقرىء : «ويمشون» على البناء للمفعول ، أي : تمشيهم حوائجهم أو الناس . ولو قرىء : «يمشون» ، لكان أوجه لولا الرواية . وقيل : هو احتجاج على من قال : { مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الاسواق } [ الفرقان : 7 ] . { فِتْنَةً } أي محنة وابتلاء . وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه واستبدعوه ، من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد ما احتج عليهم بسائر الرسل ، يقول : وجرت عادتي وموجب حكمتي على ابتلاء بعضكم أيها الناس ببعض . والمعنى : أنه أبتلى المرسلين [ منهم ] بالمرسل إليهم ، وبمناصبتهم لهم العداوة ، وأقاويلهم الخارجة عن حدّ الإنصاف ، وأنواع أذاهم ، وطلب منهم الصبر الجميل ، ونحوه { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور } [ آل عمران : 186 ] وموقع { أَتَصْبِرُونَ } بعد ذكر الفتنة موقع { أَيُّكُمْ } بعد الابتلاء في قوله : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [ هود : 27 ] ، [ الملك : 2 ] { بَصِيراً } عالماً بالصواب فيما يبتلي به وغيره فلا يضيقنّ صدرك ، ولا يستخفنك أقاويلهم فإن في صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين . وقيل : هو تسلية له [ عليه الصلاة والسلام ] عما عيروه به من الفقر ، حين قالوا : أو يلقى إليه كنز ، أو تكون له جنة ، وأنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء؛ لينظر : هل يصبرون؟ وأنها حكمته ومشيئته : يغني من يشاء ويفقر من يشاء . وقيل : جعلناك فتنة لهم؛ لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنان لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا ، أو ممزوجة بالدنيا؛ فإنما بعثناك فقيراً ليكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي . وقيل : كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم يقولون : إن إسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار وصهيب ، وبلال وفلان وفلان ترفعوا علينا إدلالاً بالسابقة ، فهو افتتان بعضهم ببعض .

(4/445)


وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)

أي لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة . أو لا يخافون لقاءنا بالشر . والرجاء في لغة تهامة : الخوف ، وبه فسر قوله تعالى : { لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } [ نوح : 13 ] جعلت الصيرورة إلى دار جزائه بمنزلة لقائه لو كان ملقياً . . اقترحوا من الآيات أن ينزل الله عليهم الملائكة فتخبرهم بأن محمداً صادقاً حتى يصدقوه . أو يروا الله جهرة فيأمرهم بتصديقه واتباعه . ولا يخلو : إما أن يكونوا عالمين بأن الله لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء ، وأن الله لا يصحّ أن يرى . وإنما علقوا إيمانهم عالمين بأن الله لا يكون . وإما أن لا يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم ، كما فعل قوم موسى حين قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . فإن قلت : ما معنى { فِى أَنفُسِهِمْ } ؟ قلت : معناه أنهم أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه . كما قال : { إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم ببالغيه } [ غافر : 56 ] . { وَعَتَوْا } وتجاوزوا الحدّ في الظلم . يقال : عتا علينا فلان . وقد وصف العتوّ بالكبير ، فبالغ في إفراطه يعني أنهم لم يَجْسروا على هذا القول العظيم ، إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتوّ ، واللام جواب قسم محذوف . وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية . وفي أسلوبها قول القائل :
وَجَارَةُ جَسَّاسٍ أَبَأَنَا بِنَابِهَا ... كُلَيْباً غَلَتْ نَابٌ كُلَيْبٌ بَوَاؤُهَا
وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب . ألا ترى أن المعنى : ما أشدّ استكبارهم ، وما أكبر عتوّهم ، وما أغلى ناباً بواؤها كليب .

(4/446)


يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)

{ يَوْمَ يَرَوْنَ } منصوب بأحد شيئين : إما بما دلّ عليه { لاَ بشرى } أي : يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها . ويومئذ للتكرير وإما بإضمار «اذكر» أي : اذكر يوم يرون الملائكة ثم قال : { لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } . وقوله ( للمجرمين ) : إما ظاهر في موضع ضمير وإما لأنه عام فقدتنا ولهم بعمومه وقوله : { حِجْراً مَّحْجُوراً } ذكره سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو : معاذ الله ، وقعدك الله ، وعمرك الله . وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ موتور أو هجوم نازلة ، أو نحو ذلك . يضعونها موضع الاستعاذة . قال سيبويه : ويقول الرجل للرجل : أتفعل كذا وكذا ، فيقول : حجراً ، وهي من حجره إذا منعه؛ لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه فكان المعنى : أسأل الله أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً . ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن ، تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد ، كما كان قعدك وعمرك كذلك ، وأنشدت لبعض الرّجاز :
قالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وَذُعْرٌ ... عُوذٌ بِرَبِّي مِنْكُمُ وَحِجْرُ
فإن قلت : فإذ قد ثبت أنه من باب المصادر ، فما معنى وصفه بمحجور؟ قلت : جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر ، كما قالوا . ذيل ذائل ، والذيل : الهوان . وموت مائت . والمعنى في الآية : أنهم يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه ، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم ، لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون ، قالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدوّ الموتور وشدّة النازلة . وقيل : هو من قول الملائكة ومعناه : حراماً محرماً عليكم الغفران والجنة والبشرى ، أي : جعل الله ذلك حراماً عليكم .

(4/447)


وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)

ليس ههنا قدوم ولا ما يشبه القدوم ، ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم ، وإغاثة ملهوف ، وقرى ضيف ، ومنّ على أسير ، وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه ، فقدم إلى أشيائهم ، وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها ومزقها كل ممزق ، ولم يترك لها أثراً ولا عثيراً ، والهباء : ما يخرج من الكوّة مع ضوء الشمس شبيه الغبار . وفي أمثالهم : أقل من الهباء { مَّنثُوراً } صفة للهباء ، شبهه بالهباء في قلته وحقارته عنده ، وأنه لا ينتفع به ، ثم بالمنثور منه ، لأنك تراه منتظماً مع الضوء ، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب كل مذهب . ونحوه قوله : { كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } [ الفيل : 5 ] لم يكف أن شبههم بالعصف حتى جعله مؤوفاً بالأكال ولا أن شبه عملهم بالهباء حتى جعله متناثراً ، أو مفعول ثالث لجعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر ، كقوله : { كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } [ البقرة : 65 ] ، [ الأعراف : 166 ] أي جامعين للمسخ والخسء . ولام الهباء واو ، بدليل الهبوة .

(4/448)


أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)

المستقرّ : المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرّين يتجالسون ويتحادثون . والمقيل : المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهنّ وملامستهنّ ، كما أنّ المترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب . وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم ، فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار . وفي معناه قوله تعالى : { إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِى شُغُلٍ فاكهون هُمْ وأزواجهم فِى ظلال عَلَى الارائك مُتَّكِئُونَ } [ يس : 55 - 56 ] قيل في تفسير الشغل : افتضاض الأبكار ، ولا نوم في الجنة . وإنما سمي مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه . وفي لفظ الأحسن : رمز إلى ما يتزين له مقيلهم . من حسن الوجوه وملاحة الصور ، إلى غير ذلك من التحاسين والزين .

(4/449)


وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25)

وقرىء : { تَشَقَّقُ } والأصل : تتشقق ، فحذف بعضهم التاء ، وغيره أدغمها . ولما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها ، جعل الغمام كأنه الذي تشقّق به السماء ، كما تقول : شقّ السنام بالشفرة وانشق بها . ونظيره قوله تعالى : { السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } [ المزمل : 18 ] . فإن قلت : أي فرق بين قولك : انشقت الأرض بالنبات ، وانشقت عن النبات؟ قلت : معنى انشقت به : أن الله شقها بطلوعه فانشقت به . ومعنى : انشقت عنه : أن التربة ارتفعت عنه عند طلوعه . والمعنى : أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها ، وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد ، وروي : تنشق سماء سماء ، وتنزل الملائكة إلى الأرض . وقيل : هو غمام أبيض رقيق ، مثل الضبابة ، ولم يكن إلاّ لبني إسرائيل في تيههم . وفي معناه قوله تعالى : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة } [ البقرة : 210 ] . وقرىء : وننزل الملائكة ، وتنزل الملائكة ، ونزل الملائكة ، ونزلت الملائكة ، وأنزل الملائكة ، وَنُزِلَ الملائكة ، ونزّلَ الملائكة ، على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل : قراءة أهل مكة .

(4/450)


الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)

الحق : الثابت؛ لأن كل ملك يزول يومئذ ويبطل ، ولا يبقى إلاّ ملكه .

(4/451)


وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)

عضّ اليدين والأنامل ، والسقوط في اليد ، وأكل البنان ، وحرق الأسنان والأرم ، وقرعها : كنايات عن الغيظ والحسرة ، لأنها من روادفها ، فيذكر الرادفة ويدلّ بها على المردوف ، فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة ، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ، ما لا يجده عند لفظ المكنى عنه . وقيل :
( 772 ) نزلت في عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس ، وكان يكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين . ففعل وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال : صبأت يا عقبة؟ قال : لا ، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي ، فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست في نفسي ، فقال : وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه ، فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا ألقاك خارجاً مِنْ مكة إلاّ علوتُ رأَسَك بالسيفِ» ، فقتلَ يومَ بدرٍ : أمرَ علياً رضي الله عنه بقتله . وقيل : قتله عاصم بن ثابت بن أفلح الأنصاري وقال : يا محمد ، إلى من السبية قال : إلى النار . وطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبياً بأحد ، فرجع إلى مكة فمات . واللام في { الظالم } يجوز أن تكون للعهد ، يراد به عقبة خاصة . ويجوز أن تكون للجنس فيتناول عقبة وغيره . تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم يتشعب به طرق الضلالة والهوى . أو أراد أني كنت ضالاً لم يكن لي سبيل قط ، فليتني حصلت بنفسي في صحبة الرسول سبيلاً ، وقرىء : «يا ويلتي» بالياء ، وهو الأصل؛ لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته ، ويقول لها : تعالي فهذا أوانك . وإنما قلبت الياء ألفاً كما في صحارى ، ومدارى . فلان : كناية عن الأعلام ، كما أن الهن كناية عن الأجناس فإن أريد بالظالم عقبة ، فالمعنى : ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً ، فكنى عن اسمه . وإن أريد به الجنس ، فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم لا محالة ، فجعله كناية عنه { عَنِ الذكر } عن ذكر الله ، أو القرآن ، أو موعظة الرسول . ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق ، وعزمه على الإسلام . والشيطان : إشارة إلى خليله ، سماه شيطاناً لأنه أضله كما يضلّ الشيطان ، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة ، أو أراد إبليس ، وأنه هو الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول ، ثم خذله . أو أراد الجنس . وكل من تشيطن من الجنّ والإنس . ويحتمل أن يكون { وَكَانَ الشيطان } حكاية كلام الظالم ، وأن يكون كلام الله . اتخذت : يقرأ على الإدغام والإظهار والإدغام أكثر .

(4/452)


وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30)

الرسول : محمد صلى الله عليه وسلم وقومه قريش ، حكى الله عنه شكواه قومه إليه . وفي هذه الحكاية تعظيم للشكاية وتخويف لقومه؛ لأن الأنبياء كانوا إذا التجئوا إليه وشكوا إليه قومهم : حلّ بهم العذاب ولم ينظروا .

(4/453)


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)

ثم أقبل عليه مسلياً ومواسياً وواعداً النصرة عليهم ، فقال : { وكذلك } كان كل نبيّ قبلك مبتلى بعداوة قومه . وكفاك بي هادياً إلى طريق قهرهم والانتصار منهم . وناصراً لك عليهم مهجوراً : تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 773 ) « من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه ، جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول : يا رب العالمين ، عبدك هذا اتخذني مهجوراً ، اقضي بيني وبينه » ، وقيل : هو من هجر ، إذا هذي ، أي : جعلوه مهجوراً فيه . فحذف الجار وهو على وجهين ، أحدهما : زعمهم أنه هذيان وباطل وأساطير الأوّلين . والثاني : أنهم كانوا إذا سمعوه هجروا فيه ، كقوله تعالى : { اَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ } [ فصلت : 26 ] ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر ، كالمجلود والمعقول . والمعنى : اتخذوه هجراً والعدوّ : يجوز أن يكون واحداً وجمعاً . كقوله : { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى } [ الشعراء : 77 ] وقيل المعنى : وقال الرسول يوم القيامة .

(4/454)


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)

{ نَزَّلَ } ههنا بمعنى أنزل لا غير ، كخبر بمعنى أخبر ، وإلاّ كان متدفعاً . وهذا أيضاً من اعتراضاتهم واقتراحاتهم الدالة على شرادهم عن الحق وتجافيهم عن اتباعه . قالوا : هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة ، وما له أنزل على التفاريق . والقائلون : قريش . وقيل : اليهود . وهذا فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته؛ لأنّ أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو مفرّقاً . وقوله : { كذلك } جواب لهم ، أي : كذلك أنزل مفرّقاً . والحكمة فيه : أن نقوّي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه؛ لأنّ المتلقن إنما يقوى قبله على حفظ العلم شيئاً بعد شيء ، وجزأ عقيب جزء . ولو ألقى عليه جملة واحدة لبعل به وتعيا بحفظه ، والرسول صلى الله عليه وسلم فارقت حاله حال موسى وداود وعيسى عليهم السلام ، حيث كان أمّياً لا يقرأ ولا يكتب وهم كانوا قارئين كاتبين ، فلم يكن له بدّ من التلقن والتحفظ ، فأنزل عليه منجماً في عشرين سنة . وقيل : في ثلاث وعشرين . وأيضاً : فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين ، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ، ولا يتأتى ذلك إلاّ فيما أنزل مفرّقاً . فإن قلت : ذلك في« كذلك» يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدّمه ، والذي تقدّم هو إنزاله جملة واحدة ، فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرّقاً؟ قلت : لأنّ قولهم : لولا أنزل عليه جملة : معناه : لم أنزل مفرّقاً؟ والدليل على فساد هذا الاعتراض : أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه ، وتحدّوا بسورة واحدة من أصغر السور ، فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة ، ثم قالوا : هلا نزل [ عليه ] جملة واحدة ، كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته { وَرَتَّلْنَاهُ } معطوف على الفعل الذي تعلق به كذلك ، كأنه قال : كذلك فرّقناه ورتلناه . ومعنى ترتيله : أن قدره آية بعد آية ، ووقفه عقيب وقفه ، ويجوز أن يكون المعنى : وأمرنا بترتيل قراءته ، وذلك قوله : { وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً } [ المزمل : 4 ] أي اقرأه بترسل وتثبت . ومنه حديث عائشة رضي الله عنها في صفة قراءته صلى الله عليه وسلم :
( 774 ) " لا كسردكم هذا ، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه لعدّها " وأصله : الترتيل في الأسنان : وهو تفليجها . يقال : ثغر رتل ومرتل ، ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه . وقيل : هو أن نزله مع كونه متفرقاً على تمكث وتمهل في مدة متباعدة وهي عشرون سنة . ولم يفرقه في مدة متقاربة { وَلاَ يَأْتُونَكَ } بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان إلاّ أتيناك نحن بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ، ومأدّى من سؤالهم .

(4/455)


ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدلّ عليه الكلام ، وضع موضع معناه فقالوا : تفسير هذا الكلام كيت وكيت ، كما قيل : معناه كذا وكذا . أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون : هلا كانت هذه صفتك وحالك ، نحو : أن يقرن بك ملك ينذر معك ، أو يلقى إليك كنز ، أو تكون لك جنة ، أو ينزل عليك القرآن جملة ، إلاّ أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه ، وما هو أحسن تكشيفاً لما بعثت عليه ودلالة على صحته ، يعني : أن تنزيله مفرقاً وتحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كما نزل شيء منها : أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة ويقال لهم جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه ، كأنه قيل لهم : إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته ، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم ، لعلمتم أن مكانكم شرّ من مكانه وسبيلكم أضلّ من سبيله . وفي طريقته قوله : { قل هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } الآية [ المائدة : 60 ] . ويجوز أن يراد بالمكان : الشرف والمنزلة ، وأن يراد الدار والمسكن ، كقوله : { أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } [ مريم : 73 ] ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 775 ) « يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على ثلاثِ أثلاثٍ : ثلثٌ على الدوابِ وثلثٌ على وجوههِم ، وثلثٌ على أقدامِهِم ينسلونَ نسلاً » .

(4/456)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36)

الوزارة : لا تنافي النبوّة ، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء يؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً . والمعنى : فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم ، كقوله : { اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق } [ الشعراء : 63 ] أي فضرب فانفلق . أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أوّلها وآخرها ، لأنهما المقصود بطولها أعني : إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم . وعن عليّ رضي الله عنه فدمّرتهم . وعنه فدمّراهم . وقرىء : «فدمّرانهم» ، على التأكيد بالنون الثقيلة .

(4/457)


وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37)

كأنهم كذبوا نوحاً ومن قبله من الرسل صريحاً . أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيب للجميع أو لم يروا بعثة الرسل أصلاً كالبراهمة { وجعلناهم } وجعلنا إغراقهم أو قصتهم { للظالمين } إمّا أن يعني بهم قوم نوح ، وأصله : وأعتدنا لهم ، إلاّ أنه قصد تظليمهم فأظهر . وإمّا إن يتناولهم بعمومه .

(4/458)


وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39)

عطف عاداً على { هُمْ } في جعلناهم أو على الظالمين ، لأن المعنى : ووعدنا الظالمين . وقرىء : «وثمود» على تأويله القبلة . وأما المنصرف فعلى تأويل الحيّ أو لأنه اسم الأب الأكبر . قيل : في أصحاب الرس : كانوا قوماً من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش ، فبعث الله إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام . فتمادوا في طغيانهم وفي إيذانه ، فبيناهم حول الرس وهو البئر غير المطوية . عن أبي عبيدة : انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم . وقيل : الرس قرية بفلج اليمامة ، قتلوا نبيهم فهلكوا ، وهم بقية ثمود قوم صالح . وقيل : هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان ، كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير ، سميت لطول عنقها ، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح ، وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم ، إن أعوزها الصيد ، فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا ، وقيل : هم أصحاب الأخدود ، والرس : هو الأخدود ، وقيل : الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار . وقيل : كذبوا نبيهم ورسوه في بئر ، أي : دسوه فيها { بَيْنَ ذلك } أي بين ذلك المذكور ، وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها ب ( ذلك ) ، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة ثم يقول : فذلك كيت وكيت على معنى : فذلك المحسوب أو المعدود { ضَرَبْنَا لَهُ الامثال } بينا له القصص العجيبة من قصص الأوّلين ، ووصفنا لهم ما أجروا إليه من تكذيب الأنبياء وجرى عليهم من عذاب الله وتدميره . والتتبير : التفتيت والتكسير . ومنه : التبر ، وهو كسار الذهب والفضة والزجاج . و { وَكُلاًّ } الأوّل منصوب بما دلّ عليه { ضَرَبْنَا لَهُ الامثال } وهو : أنذرنا . أو : حذرنا . والثاني : بتبرنا ، لأنه فارغ له .

(4/459)


وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)

أراد بالقرية «سدوم» من قرى قوم لوط ، وكانت خمساً : أهلك الله تعالى أربعاً بأهلها وبقيت واحدة . ومطر السوء : الحجارة ، يعني أن قريشاً مرّوا مراراً كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء { أَفَلَمْ يَكُونُواْ } في مرار مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله ونكاله ويذكرون { بَلْ كَانُواْ } قوماً كفرة بالبعث لا يتوقعون { نُشُوراً } وعاقبة ، فوضع الرجاء موضع التوقع ، لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن فمن ثم لم ينظروا ولم يذكروا ، ومرّوا بها كما مرّت ركابهم . أو لا يأملون نشوراً كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم ، أو لا يخافون ، على اللغة التهامية .

(4/460)


وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)

{ إِن } الأولى نافية ، والثانية مخففة من الثقيلة . واللام هي الفارقة بينهما . واتخذه هزواً : في معنى استهزأ به ، والأصل : اتخذه موضع هزؤ ، أو مهزوءاً به { أهذا } محكى بعد القول المضمر . وهذا استصغار ، و { بَعَثَ الله رَسُولاً } وإخراجه في معرض التسليم والإقرار ، وهم على غاية الجحود والإنكار سخرية واستهزاء ، ولو لم يستهزؤا لقالوا : أهذا الذي زعم أو ادّعى أنه مبعوث من عند الله رسولاً ، . وقولهم : { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا } دليل على فرط مجاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوتهم ، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم ، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام ، لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم ، و { لَوْلاَ } في مثل هذالكلام جار من حيث المعنى - لا من حيث الصنعة - مجرى التقييد للحكم المطلق { وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدّة الإمهال ، ولا بدّ للوعيد أن يلحقهم فلا يغرّنهم التأخير . وقوله : { مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } كالجواب عن قولهم { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا } لأنه نسبة لرسول الله إلى الضلال من حيث لا يضلّ غيره إلاّ من هو ضال في نفسه . ويروي أنه من قول أبي جهل لعنه الله .

(4/461)


أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)

من كان في طاعة الهوى في دينه يتبعه في كل ما يأتي ويذر لا يتبصر دليلاً ولا يصغي إلى برهان . فهو عابد هواه وجاعله آلهة ، فيقول لرسوله هذا الذي لا يرى معبوداً إلاّ هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام وتقول لا بدّ أن تسلم شئت أو أبيت - ولا إكراه في الدين؟ وهذا كقوله : { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } [ ق : 45 ] ، { لَّسْتَ عَلَيْهِم بمسيطر } [ الغاشية : 22 ] ويروى أنّ الرجل منهم كن يعبد الحجر ، فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر . ومنهم الحارث بن قيس السهمي .

(4/462)


أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)

أم هذه منقطعة ، معناه : بل أتحسب كأن هذه المذمة أشدّ من التي تقدّمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذناً ولا إلى تدبره عقلاً ، ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلال ، ثم أرجح ضلالة منها . فإن قلت : لم أخر هواه والأصل قولك : اتخذ الهوى إلها؟ قلت : ما هو إلاّ تقديم المفعول الثاني على الأوّل للعناية ، كما تقول : علمت منطلقاً زيداً؛ لفضل عنايتك بالمنطلق . فإن قلت : ما معنى ذكر الأكثر؟ قلت : كان فيهم من لم يصدّه عن الإسلام إلاّ داء واحد : وهو حب الرياسة ، وكفى به داء عضالاً . فإن قلت : كيف جُعلوا أضلّ من الإنعام؟ قلت : لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها ، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرّها «وتهتدي لمراعيها ومشاربها» . وهؤلاء لا ينقادون لربهم ، ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوّهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العقاب الذي هو أشدّ المضارّ والمهالك ، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهنيّ والعذب الروي .

(4/463)


أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)

{ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ } ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته ، ومعنى مدّ الظل : أن جعله يمتدّ وينبسط فينتفع به الناس { وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } أي لاصقاً بأصل كل مظلّ من جبل وبناء وشجرة . غير منبسط فلم ينتفع به أحد : سمي انبساط الظل وامتداده تحركاً منه وعدم ذلك سكوناً ، ومعنى كون الشمس دليلاً : أنّ الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل ، من كونه ثابتاً في مكان [ و ] زائلاً ، ومتسعاً ومتقلصاً ، فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك . وقبضه إليه : أنه ينسخه بضح الشمس { يَسِيراً } أي على مهل . وفي هذا القبض اليسير شيئاً بعد شيء من المنافع ما لا يعدّ ولا يحصر ، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعاً . فإن قلت : ثم في هذين الموضعين كيف موقعها؟ قلت : موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاثة : كان الثاني أعظم من الأوّل ، والثالث أعظم منهما ، تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت . ووجه آخر : وهو أنه مدّ الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة ، ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها على الأرض فيناناً ما في أديمه جوب لعدم النير ، ولو شاء لجعله ساكناً مستقرّاً على تلك الحالة ، ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل ، أي : سلطها عليه ونصبها دليلاً متبوعاً له كما يتبع الدليل في الطريق ، فهو يزيد بها وينقص ، ويمتدّ ويتقلص ، ثم نسخه بها فقبضه قبضاً سهلاً يسيراً غير عسير . ويحتمل أن يريد : قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تبقى الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه ، كما ذكر إنشاءه بإنشاء إسبابه ، وقوله : قبضناه إلينا : يدلّ عليه ، وكذلك قوله يسيراً ، كما قال : { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } [ ق : 44 ] .

(4/464)


وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)

شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر . والسبات : الموت . والمسبوت : الميت؛ لأنه مقطوع الحياة ، وهذا كقوله : { وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل } [ الأنعام : 60 ] . فإن قلت : هلا فسرته بالراحة؟ قلت : النشور في مقابلته يأباه إباء العيوف الوِرْد وهو مرنق . وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأنّ الاحتجاب بستر الليل ، كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية ، والنوم واليقظة وشبههما بالموت والحياة ، أي عبرة فيها لمن اعتبر ، وعن لقمان أنه قال لابنه : يا بني ، كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر .

(4/465)


وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)

قرىء : «الريح» و «الرياح نشرا» : إحياء . ونشرا : جمع نشور ، وهي المحيية . ونشرا : تخفيف نشر ، وبشرا تخفيف بشر : جمع بشور وبشرى . و { بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } استعارة مليحة ، أي : قدام المطر { طَهُوراً } بليغاً في طهارته . وعن أحمد بن يحيى هو ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره ، فإن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً . ويعضده قوله تعالى : { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } [ الأنفال : 11 ] وإلاّ فليس «فعول» من التفعيل في شيء . والطهور على وجهين في العربية : صفة ، واسم غير صفة؛ فالصفة قولك : ماء طهور ، كقولك : طاهر ، والاسم قولك لما يتطهر به : طهور ، كالوضوء والوقود ، لما يتوضأ به وتوقد به النار . وقولهم : تطهرت طهوراً حسناً ، كقولك : وضوأً حسناً ، ذكره سيبويه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :
( 776 ) " لا صلاة إلاّ بطهور " أي : طهارة . فإن قلت : ما الذي يزيل عن الماء اسم الطهور؟ قلت : تيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظنّ ، تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير . أو استعماله في البدن لأداء عبادة عند أبي حنيفة وعند مالك بن أنس رضي الله عنهما : ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور . فإن قلت : فما تقول في قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن بئر بضاعة فقال :
( 777 ) " الماء طهور لا ينجسه شيء إلاّ ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " ؟ قلت : قال الواقدي : كان بئر بضاعة طريقاً للماء إلى البساتين .

(4/466)


لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)

وإنما قال : { مَيْتًا } لأنّ البلدة في معنى البلد في قوله : { فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ } [ فاطر : 9 ] ، وأنه غير جار على الفعل كفعول ومفعال ومفعيل . وقرىء : «نسقيه» بالفتح . وسقى ، وأسقى : لغتان . وقيل : أسقاه : جعل له سقياً . الأناسي : جمع إنسي أو إنسان . ونحوه ظرابي في ظربان ، على قلب النون ياء ، والأصل : أناسين وظرابين . وقرىء بالتخفيف بحذف ياء أفاعيل ، كقولك : أناعم ، في : أناعيم . فإن قلت : إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك ، كما تقول : حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش . قلت : لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء ، وصفه بالطهور إكراماً لهم ، وتتميماً للمنة عليهم ، وبياناً أن من حقهم حين أراد الله لهم الطهارة وأرادهم عليها أن يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم ، وأن يربئوا بأنفسهم عن مخالطة القاذورات كلها كما ربأ بهم ربهم . فإن قلت : لم خصّ الأنعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب؟ قلت : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام ولأنها قنية الأناسي ، وعامة منافعهم متعلقة بها ، فكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم . فإن قلت : فما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة؟ قلت : معنى ذلك أن علية الناس وجلهم منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء ، ففيهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلاّ ما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه ، وكذلك قوله : { لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } يريد بعض بلاد هؤلاء المتبعدين من مظان الماء . فإن قلت : لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي؟ قلت : لأنّ حياة الأناسيّ بحياة أرضهم وحياة أنعامهم ، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم ، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم ومواشيهم ، لم يعدموا سقياهم .

(4/467)


وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)

يريد : ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل عليهم السلام وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليفكروا ويعتبروا ، ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا { فأبى } أكثرهم إلاّ كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها . وقيل : صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة ، وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطلّ . وجود ورذاذ وديمة ورهام ، فأبوا إلاّ الكفور وأن يقولوا : مطرنا بنوء كذا ، ولا يذكروا صنع الله ورحمته . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما من عام أقلّ مطراً من عام ، ولكنّ الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء ، وتلا هذه الآية . وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام ، لأنه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد . وينتزع من ههنا جواب في تنكير البلدة والأنعام والأناسي ، كأنه قال : لنحيي به بعض البلاد الميتة ، ونسقيه بعض الأنعام والأناسي ، وذلك البعض كثير . فإن قلت : هل يكفر من ينسب الأمطار إلى الأنواء؟ قلت : إن كان لا يراها إلاّ من الأنواء ويجحد أن تكون هي والأنواء من خلق الله : فهو كافر . وإن كان يرى أن الله خالقها وقد نصب الأنواء دلائل وأمارات عليها : لم يكفر .

(4/468)


وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)

يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم { وَلَوْ شِئْنَا } لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى . و { لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ } نبياً ينذرها . وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمناك به ، وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل ، فقابل ذلك بالتشدد والتصبر { فَلاَ تُطِعِ الكافرين } فيما يريدونك عليه ، وإنما أراد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم { بِهِ } والضمير للقرآن أو لترك الطاعة الذي يدلّ عليه : { فَلاَ تُطِعِ } والمراد : أن الكفار يجدون ويجتهدون في توهين أمرك ، فقابلهم من جدّك واجتهادك وعضك على نواجذك بما تغلبهم به وتعلوهم ، وجعله جهاداً كبيراً لما يحتمل فيه من المشاق العظام . ويجوز أن يرجع الضمير في { بِهِ } إلى ما دلّ عليه : { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } من كونه نذير كافة القرى ، لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لوجبت على كل نذير مجاهدة قريته ، فاجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المجاهدات كلها ، فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم ، فقال له : { وجاهدهم } بسبب كونك نذير كافة القرى { جِهَاداً كَبيراً } جامعاً لكل مجاهدة .

(4/469)


وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)

سمى الماءين الكثيرين الواسعين : بحرين ، والفرات : البليغ العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة . والأجاج : نقيضه . ومرجهما : خلاهما متجاورين متلاصقين ، وهو بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج . وهذا من عظيم اقتداره . وفي كلام بعضهم : وبحران : أحدهما مع الآخر ممروج ، وماء العذب منهما بالأجاج ممزوج { بَرْزَخاً } حائلاً من قدرته ، كقوله تعالى : { بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } [ الرعد : 2 ] ، [ لقمان : 10 ] يريد بغير عمد مرئية ، وهو قدرته . وقرىء : «ملح» على فعل . وقيل : كأنه حذف من مالح تخفيفاً ، كما قال : وصلياناً برداً ، يريد : بارداً . فإن قلت : { وَحِجْراً مَّحْجُوراً } ما معناه؟ قلت : هي الكلمة التي يقولها المتعوذ؛ وقد فسرناها ، وهي ههنا واقعة على سبيل المجاز ، كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له : حجراً محجوراً ، كما قال { لاَّ يَبْغِيَانِ } [ الرحمن : 20 ] أي لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة ، فانتفاء البغي ثمة كالتعوذ هاهنا : جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه ، فهو يتعوّذ منه . وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة .

(4/470)


وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)

أراد : فقسم البشر قسمين ذوي نسب ، أي : ذكوراً ينسب إليهم ، فيقال : فلان بن فلان وفلانة بنت فلانة ، وذوات صهر : أي إناثاً يصاهر بهنّ ، ونحوه قوله تعالى : { فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والانثى } [ القيامة : 39 ] . { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } حيث خلق من النطفة الواحدة بشراً نوعين : ذكراً وأنثى .

(4/471)


وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)

الظهير والمظاهر ، كالعوين والمعاون . و «فعيل» بمعنى مفاعل غير عزيز . والمعنى : أنّ الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة والشرك . روي أنها أنزلت في أبي جهل ، ويجوز أن يريد بالظهير : الجماعة ، كقوله : { وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ } [ التحريم : 4 ] كما جاء : الصديق والخليط ، يريد بالكافر : الجنس ، وأنّ بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله . وقيل : معناه : وكان الذي يفعل هذا الفعل - وهو عبادة ما لا ينفع ولا يضرّ - على ربه هيناً مهيناً ، من قولهم : ظهرت به ، إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه ، وهذا نحو قوله : { أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ } [ آل عمران : 77 ] .

(4/472)


وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)

مثال { إِلاَّ مَن شَاء } المراد : إلاّ فعل من شاء واستثنائه عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال : ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلاّ أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه . فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب ، ولكن صوّره هو بصورة الثواب وسماه باسمه ، فأفاد فائدتين ، إحداهما : قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله ، كأنه يقول لك : إن كان حفظك لمالك ثواباً فإني أطلب الثواب ، والثانية : إظهار الشفقة البالغة وأنك إن حفظت مالك : اعتدّ بحفظك ثواباً ورضي به كما يرضى المثاب بالثواب . ولعمري إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع المبعوث إليهم بهذا الصدد وفوقه . ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلاً : تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة . وقيل : المراد التقرّب بالصدقة والنفقة في سبيل الله .

(4/473)


وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)

أمره بأن يثق به ويسند أمره إليه في استكفاء شرورهم ، مع التمسك بقاعدة التوكل وأساس الالتجاء وهو طاعته وعبادته وتنزيهه وتحميده ، وعرّفه أن الحي الذي لا يموت ، حقيق بأن يتوكل عليه وحده ولا يتكل على غيره من الأحياء الذين يموتون . وعن بعض السلف أنه قرأها فقال : لا يصحّ لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق ، ثم أراه أن ليس إليه من أمر عباده شيء . آمنوا أم كفروا ، وأنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم .

(4/474)


الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)

{ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } يعني في مدّة : مقدارها هذه المدّة ، لأنه لم يكن حينئذ نهار ولا ليل ، وقيل : ستة أيام من أيام الآخرة ، وكل يوم ألف سنة . والظاهر أنها من أيام الدنيا . وعن مجاهد : أوّلها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة . ووجهه أن يسمي الله لملائكته تلك الأيام المقدرة بهذه الأسماء فلما خلق الشمس وأدارها وترتب أمر العالم على ما هو عليه ، جرت التسمية على هذه الأيام . وأما الداعي إلى هذا العدد أعني الستة دون سائر الأعداد فلا نشك أنه داعي حكمة؛ لعلمنا أنه لا يقدّر تقديراً إلاّ بداعي حكمة ، وإن كنا لا نطلع عليه ولا نهتدي إلى معرفته . ومن ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار تسعة عشر ، وحملة العرش ثمانية ، والشهور أثني عشر ، والسموات سبعاً والأرض كذلك ، والصلوات خمساً ، وأعداد النصب والحدود والكفارات وغير ذلك . والإقرار بدواعي الحكمة في جميع أفعاله ، وبأن ما قدّره حق وصواب هو الإيمان . وقد نصّ عليه في قوله : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أُتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً } [ المدثر : 31 ] ثم قال : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } [ المدثر : 31 ] وهو الجواب أيضاً في أن لم يخلقها في لحظة ، وهو قادر على ذلك . وعن سعيد بن جبير رضي الله عنهما . إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة ، تعليماً لخلقه الرفق والتثبت . وقيل : اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيداً للمسلمين . الذي خلق مبتدأ . و { الرحمن } خبره . أو صفة للحيّ ، والرحمن : خبر مبتدأ محذوف . أو بدل عن المستتر في استوى . وقرىء : «الرحمن» بالجر صفة للحيّ . وقرىء : «فسل» والباء في به صلة سل ، كقوله تعالى : { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } [ المعارج : 1 ] كما تكون عن صلته في نحو قوله : { ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم } [ التكاثر : 8 ] فسأل به؛ كقوله : اهتمّ به ، واعتني به ، واشتغل به . وسأل عنه كقولك بحث عنه؛ فتش عنه ، ونقر عنه . أو صلة خبيراً : وتجعل خبيراً مفعول سل ، يريد : فسل عنه رجلاً عارفاً يخبرك برحمته ، أو فسل رجلاً خبيراً به وبرحمته . أو : فسل بسؤاله خبيراً؛ كقولك : رأيت به أسداً ، أي برؤيته ، والمعنى : إن سألته وجدته خبيراً . أو تجعله حالاً عن الهاء ، تريد : فسل عنه عالماً بكلّ شيء . وقيل : الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدّمة ، ولم يكونوا يعرفونه : فقيل : فسل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب ، حتى يعرف من ينكره . ومن ثمة كانوا يقولون : ما نعرف الرحمن إلاّ الذي باليمامة ، يعنون مسيلمة . وكان يقال له : رحمن اليمامة .

(4/475)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)

{ وَمَا الرحمن } يجوز أن يكون سؤالاً عن المسمى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم والسؤال عن المجهول ب «ما» . ويجوز أن يكون سؤالاً عن معناه ، لأنه لم يكن مستعملاً في كلامهم كما استعمل الرحيم والرحوم والراحم . أو لأنهم أنكروا إطلاقه على الله تعالى { لِمَا تَأْمُرُنَا } أي للذي تأمرناه ، بمعنى تأمرنا سجوده؛ على قوله : أمرتك الخير . أو لأمرك لنا . وقرىء بالياء ، كأن بعضهم قال لبعض : أنسجد لما يأمرنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو . وفي { زَادَهُمْ } ضمير { اسجدوا للرحمن } لأنه هو المقول .

(4/476)


تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)

البروج : منازل الكواكب السبعة السيارة : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت : وسميت بالبروج التي هي القصور العالية؛ لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها . واشتقاق البرج من التبرج؛ لظهوره . والسراج : الشمس كقوله تعالى : { وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً } [ نوح : 16 ] وقرىء : «سرجا» وهي الشمس والكواكب الكبار معها . وقرأ الحسن والأعمش : «وقمراً منيراً» وهي جمع ليلة قمراء ، كأنه قال : وذا قمر منيراً؛ لأنّ الليالي تكون قمراً بالقمر ، فأضافه إليها . ونظيره في بقاء حكم المضاف بعد سقوطه وقيام المضاف إليه مقامه قول حسان :
بَرْدَى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ... يريد : ماء بردى ، ولا يبعد أن يكون القمر بمعنى القمر؛ كالرشد والرشد ، والعرب والعرب .

(4/477)


وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)

الخلفة من خلف ، كالركبة من ركب . وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كلّ واحد منهما الآخر . والمعنى : جعلهما ذوي خلفة ، أي : ذوي عقبة ، أي : يعقب هذا ذاك وذاك هذا . ويقال : الليل والنهار يختلفان ، كما يقال : يعتقبان . ومنه قوله : { واختلاف اليل والنهار } [ البقرة : 164 ] ، [ آل عمران : 190 ] ، [ الجاثية : 5 ] ويقال : بفلان خلفة واختلاف . إذا اختلف كثيراً إلى متبرّزه . وقرىء : «يذكر» و «يذّكر» . وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه : يتذكر . والمعنى لينظر في اختلافهما الناظر ، فيعلم أن لا بدّ لانتقالهما من حال إلى حال ، وتغيرهما من ناقل و مغير . ويستدلّ بذلك على عظم قدرته ، ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار ، كما قال عزّ وعلا : { وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [ القصص : 73 ] أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين ، من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر . وعن الحسن رضي الله عنه : من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب . ومن فاته بالليل : كان له في النهار مستعتب .

(4/478)


وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)

{ وَعِبَادُ الرحمن } مبتدأ خبره في آخر السورة ، كأنه قيل : وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة . ويجوز أن يكون خبره { الذين يَمْشُونَ } وأضافهم إلى الرحمن تخصيصاً وتفضيلاً . وقرىء : «وعباد الرحمن» وقرىء : «يمشون» { هَوْناً } حال ، أو صفة للمشي ، بمعنى : هينين . أو : مشياً هيناً؛ إلا أنّ في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة . والهون : الرفق واللين . ومنه الحديث :
( 778 ) " أحبب حبيبك هوناً مّا " وقوله :
( 879 ) " المؤمنون هينون لينون " والمثل : إذا عزّ أخوك فهن . ومعناه : إذا عاسر فياسر . والمعنى : أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع ، لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً ، ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ، ولقوله : { وَيَمْشُونَ فِى الاسواق } [ الفرقان : 20 ] . { سَلاَماً } تسلماً منكم لانجاهلكم ، ومتاركة لا خير بيننا ولا شرّ ، أي : نتسلم منكم تسلماً ، فأقيم السلام مقام التسلم . وقيل : قالوا : سداداً من القول يسلمون فيه من الإيذاء ، والإثم . والمراد بالجهل : السفه وقلة الأدب وسوء الرعة ، من قوله :
أَلاَ يَجْهَلنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
وعن أبي العالية : نسختها آية القتال ، ولا حاجة إلى ذلك ، لأنّ الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة ، وأسلم للعرض والورع .

(4/479)


وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)

البيتوتة : خلاف الظلول ، وهو أن يدركك الليل ، نمت أو لم تنم ، وقالوا : من قرأ شيئاً من القرآن في صلاته وإن قلّ فقد بات ساجداً وقائماً . وقيل : هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء ، والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو بأكثره . يقال : فلان يظل صائماً ويبيت قائماً .

(4/480)


وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)

{ غَرَاماً } هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً قال :
وَيَوْمُ النِّسَارِ وَيَوْمُ الْجِفَا ... رِكَانَا عَذَاباً وَكَانَا غَرَامَا
وقال :
إنْ يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وَإنْ يُعْ ... طِ جَزِيلاً فَإنَّهُ لا يُبَالِي
ومنه : الغريم : لإلحاحه ولزامه . وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين ، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه ، إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله [ تعالى ] في صرف العذاب عنهم ، كقوله تعالى : { والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } [ المؤمنون : 60 ] . { سَاءتْ } في حكم «بئست» ، وفيها ضمير مبهم يفسره مستقرّاً ، والمخصوص بالذم محذوف ، معناه : ساءت مستقرّاً ومقاماً هي . وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إنّ وجعلها خبراً لها . ويجوز أن يكون { سَاءتْ } بمعنى : أحزنت . وفيها ضمير اسم إنّ . و { مُسْتَقَرّاً } حال أو تمييز ، والتعليلان يصحّ أن يكونا متداخلين ومترادفين ، وأن يكونا من كلام الله وحكاية لقولهم .

(4/481)


وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)

قرىء : «يقتروا» بكسر التاء وضمها . و «يقتروا» ، بتخفيف التاء وتشديدها . والقتر والإقتار والتقتير : التضييق الذي هو نقيض الإسراف . والإسراف : مجاوزة الحدّ في النفقة . ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير . وبمثله أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء : 29 ] وقيل : الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي ، فأما في القرب فلا إسراف . وسمع رجل رجلاً يقول : لا خير في الإسراف . فقال : لا إسراف في الخير ، وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوّجه ابنته وأحسن إليه ، فقال : وصلت الرحم وفعلت وصنعت ، وجاء بكلام حسن ، فقال ابن لعبد الملك : إنما هو كلام أعدّه لهذا المقام ، [ فسكت عبدالملك ] فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر ، فسأله عن نفقته وأحواله فقال : الحسنة بين السيئتين ، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه : يا بنيّ ، أهذا مما أعدّه؟ وقيل : أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، كانوا لايأكلون طعاماً للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة ، ولكن كانوا يأكلون ما يسدّ جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحرّ والقرّ ، وقال عمر رضي الله عنه : كفى سرفاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلاّ اشتراه فأكله . والقوام : العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما . ونظير القوام من الاستقامة : السواء من الاستواء . وقرىء : «قواماً» بالكسر ، وهو ما يقام به الشيء . يقال : أنت قوامنا ، بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص ، والمنصوبان أعني { بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } : جائز أن يكونا خبرين معاً ، وأن يحتمل بين ذلك لغواً ، وقواماً مستقراً . وأن يكون الظرف خبراً ، وقواماً حالاً مؤكدة . وأجاز الفراء أن يكون { بَيْنَ ذلك } اسم كان ، على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن ، كقوله :
لَمْ يَمْنَعِ الشّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... وهو من جهة الإعراب لا بأس به ، ولكن المعنى ليس بقوي : لأنّ ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة ، فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة .

(4/482)


وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)

{ حَرَّمَ الله } أي حرّمها . والمعنى : حرّم قتلها . و { إِلاَّ بالحق } متعلق بهذا القتل المحذوف . أوب «لا يقتلون» ، ونفي هذه المقبحات العظام على الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين ، للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم ، كأنه قيل : والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه . والقتل بغير الحق : يدخل فيه الوأد وغيره . وعن ابن مسعود رضي الله عنه :
( 780 ) قلت : يا رسول الله ، أيّ الذنب أعظم؟ قال : " أن تجعل لله ندّاً هو خلقك " قلت : ثم أيّ؟ قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك " قلت : ثم أي؟ وقال : " أن تزاني حليلة جارك " فأنزل الله تصديقه . وقرىء : «يلق فيه أثاماً» . وقرىء : «يلقى» بإثبات الألف ، وقد مرّ مثله . والآثام : جزاء الإثم ، بوزن الوبال والنكال ومعناهما ، قال :
جَزَي اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى ... عَقُوقاً وَالْعُقُوقُ لهُ أثَامُ
وقيل هو الإثم . ومعناه : يلق جزاء أثام . وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه : «أياماً» ، أي شدائد . يقال : يوم ذو أيام : لليوم العصيب . { يضاعف } بدل من يلق؛ لأنهما في معنى واحد . كقوله :
مَتَى تَأْتِنَا تُلَمِم بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا
وقرىء : «يضعف» ، و «نضعف له العذاب» ، بالنون ونصب العذاب . وقرىء بالرفع على الاستئناف أو على الحال ، وكذلك { وَيَخْلُدْ } وقرىء : «ويخلد» ، على البناء للمفعول مخففاً ومثقلاً ، من الإخلاد والتخليد . وقرىء : «وتخلد» ، بالتاء على الالتفات { يُبَدِّلُ } مخفف ومثقل ، وكذلك سيئاتهم . فإن قلت : ما معنى مضاعفة العذاب وإبدال السيئات حسنات؟ قلت : إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً ، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه . وإبدال السيئات حسنات : أنه يمحوها بالتوبة ، ويثبت مكانها الحسنات : الإيمان ، والطاعة ، والتقوى . وقيل : يبدّلهم بالشرك إيماناً . وبقتل المسلمين : قتل المشركين ، وبالزنا : عفة وإحصاناً .

(4/483)


وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)

يريد : ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح فإنه بذلك تائب إلى الله { مَتاباً } مرضياً عنده مكفراً للخطايا محصلاً للثواب . أو فإنه تائب متاباً إلى الله الذي يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يستوجبون ، والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين . وفي كلام بعض العرب : لله أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد ، والظمآن الوارد ، والعقيم الوالد . أو : فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعاً حسناً وأيّ مرجع .

(4/484)


وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)

يحتمل أنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يحضرونها ولا يقربونها ، تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله ، وصيانة لدينهم عما يثلمه : لأنّ مشاهدة الباطل شركة فيه ، ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوّغه الشريعة : هم شركاء فاعليه في الإثم؛ لأنّ حضورهم ونظرهم دليل الرضا به ، وسبب وجوده ، والزيادة فيه؛ لأن الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه ، وفي مواعظ عيسى بن مريم عليه السلام : إياكم ومجالسه الخطائين . ويحتمل أنهم لا يشهدون شهادة الزور ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وعن قتادة : مجالس الباطل . وعن ابن الحنفية : اللهو والغناء . وعن مجاهد : أعياد المشركين . { وَإذَامَرُّواْ بِالَّلغْوِ مَرُّوا كِراماً } اللغو : كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح . والمعنى : وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به . مرّوا معرضين عنهم ، مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم ، كقوله تعالى : { وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين } [ القصص : 55 ] وعن الحسن رضي الله عنه : لم تسفههم المعاصي . وقيل : إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا . وقيل : إذا ذكروا النكاح كنوا عنه .

(4/485)


وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)

{ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا } ليس بنفي للخرور . وإنما هو إثبات له ، ونفي للصمم والعمى ، كما تقول : لا يلقاني زيد مسلماً ، هو نفي للسلام لا للقاء . والمعنى : أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصاً على استماعها . وأقبلوا على المذكر بها وهم في إكبابهم عليها ، سامعون بآذان واعية ، مبصرون بعيون راعية ، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها ، مظهرين الحرص الشديد على استماعها ، وهم كالصم العميان حيث لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها كالمنافقين وأشباههم .

(4/486)


وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)

قرىء : ذريتنا و«ذرياتنا» و«قرة أعين» ، و «قرّات أعين» . سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجاً وأعقاباً عمالاً لله ، يسرون بمكانهم ، وتقرّ بهم عيونهم . وعن محمد بن كعب : ليس شيء أقرّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هو الولد إذا رآه يكتب الفقه . وقيل : سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم [ واجعلنا للمتقين إماماً ] . أراد : أئمة ، فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس ، كقوله تعالى : { ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } [ غافر : 67 ] أو أرادوا اجعل كل واحد منا إماماً . أو أراد جمع آمّ ، كصائم وصيام . أو أرادوا اجعلنا إماماً واحداً لاتحادنا واتفاق كلمتنا . وعن بعضهم : في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها . وقيل : نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة . فإن قلت : { مِنْ } في قوله : { مِنْ أزواجنا } ما هي؟ قلت : يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل : هب لنا قرّة أعين ، ثم بينت القرّة وفسرت بقوله : من أزواجنا وذرياتنا . ومعناه : أن يجعلهم الله لهم قرّة أعين ، وهو من قولهم : رأيت منك أسداً ، أي : أنت أسد وأن تكون ابتدائية على معنى : هب لنا من جهتهم ما تقرّ به عيوننا من طاعة وصلاح . فإن قلت : لم قال { قُرَّةِ أَعْيُنٍ } فنكر وقلل؟ قلت : أما التنكير فلأجل تنكير القرّة؛ لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه ، كأنه قيل : هب لنا منهم سروراً وفرحاً . وإنما قيل : { أَعْيُنٍ } دون عيون؛ لأنه أراد أعين المتقين . وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم . قال الله تعالى : { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } [ سبأ : 13 ] ، ويجوز أن يقال في تنكير { أَعْيُنٍ } أنها أعين خاصة وهي أعين المتقين .

(4/487)


أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)

المراد يجزون الغرفات وهي العلالي في الجنة ، فوحد اقتصاراً على الواحد الدال على الجنس ، والدليل على ذلك قوله : { وَهُمْ فِى الغرفات ءامِنُونَ } [ سبأ : 37 ] وقراءة من قرأ : في الغرفة { بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على الطاعات ، وعن الشهوات ، وعن أذى الكفار ومجاهدتهم ، وعلى الفقر وغير ذلك . وإطلاقه لأجل الشياع في كل مصبور عليه . [ ويلقون ] وقرىء : «يلقون» كقوله تعالى : { ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً } [ الإنسان : 11 ] ويلقون ، كقوله تعالى : { يَلْقَ أَثَاماً } [ الفرقان : 68 ] . والتحية : دعاء بالتعمير . والسلام : دعاء بالسلامة ، يعني أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم . أو يحيي بعضهم بعضاً ويسلم عليه أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة عن كل آفة . اللَّهم وفقنا لطاعتك ، واجعلنا مع أهل رحمتك ، وارزقنا مما ترزقهم في دار رضوانك .

(4/488)


قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)

لما وصف عبادة العباد ، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم ، وأثنى عليهم من أجلها ، ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة : أتبع ذلك بيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم ، لأجل عبادتهم ، فأمر رسوله أن يصرّح للناس ، ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم ، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر ، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة ولم يعتدّ بهم ولم يكونوا عنده شيء يبالي به . والدعاء : العبادة . و { مَا } متضمنة لمعنى الاستفهام ، وهي في محل النصب ، وهي عبارة عن المصدر ، كأنه قيل : وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم . يعني أنكم لا تستأهلون شيئاً من العبء بكم لولا عبادتكم . وحقيقة قولهم ما عبأت به : ما اعتددت به من فوادح همومي ومما يكون عبئاً عليّ ، كما تقول : ما اكترثت له ، أي : ما اعتددت به من كوارثي ومما يهمني . وقال الزجاج في تأويل { مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى } أي : وزن يكون لكم عنده؟ ويجوز أن تكون { مَا } نافيه ، ويجوز أن تكون { مَا } نافية ، { فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } يقول : إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتدّ بعبادي إلا عبادتهم ، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي ، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار . ونظيره في الكلام أن يقول الملك لمن استعصى عليه : إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني ويتبع أمري ، فقد عصيت فسوف ترى ما أحلّ بك بسبب عصيانك . وقيل : معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام . وقيل : ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة ، فإن قلت : إلى من يتوجه هذا الخطاب؟ قلت : إلى الناس على الإطلاق ، ومنهم مؤمنون عابدون ومكذبون عاصون ، فخوطبوا بما وجدوا في جنسهم من العبادة والتكذيب . وقرىء : «فقد كذب الكافرون» وقيل : يكون العذاب لزاماً . وعن مجاهد رضي الله عنه : هو القتل يوم بدر ، أنه لوزم بين القتلى لزاماً . وقرىء : «لزاماً» بالفتح بمعنى اللزوم ، كالثبات والثبوت . والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعدما علم أنه مما توعد به ، لأجل الابهام وتناول ما لا يكتنهه الوصف ، والله أعلم بالصواب .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 781 ) " من قرأ سورة الفرقان لقي الله يوم القيامة وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأدخل الجنة بغير نصب " .

(4/489)


طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)

{ طسم } بتفخيم الألف وإمالتها ، وإظهار النون ، وإدغامها { الكتاب المبين } الظاهر إعجازه ، وصحة أنه من عند الله ، والمراد به السورة أو القرآن ، والمعنى : آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين .

(4/490)


لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)

البخع : أي يبلغ بالذبح البخاع بالباء ، وهو عرق مستبطن الفقار ، وذلك أقصى حدّ الذبح ولعل للإشفاق ، يعني : أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك { أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } لئلا يؤمنوا ، أو لامتناع إيمانهم ، أو خفية أن لا يؤمنوا . وعن قتادة رضي الله عنه : باخع نفسك على الإضافة .

(4/491)


إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)

أراد : آية ملجئة إلى الإيمان قاصرة عليه . { فَظَلَّتْ } معطوف على الجزاء الذي هو ننزل ، لأنه لو قيل : أنزلنا ، لكان صحيحاً . ونظيره : فأصدق وأكن ، كأنه قيل : أصدق . وقد قرىء : «لو شئنا لأنزلنا» . وقرىء : «فتظل أعناقهم» فإن قلت : كيف صحّ مجيء خاضعين خبراً عن الأعناق قلت : أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين ، فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع ، وترك الكلام على أصله ، كقوله : ذهبت أهل اليمامة ، كأنّ الأهل غير مذكور . أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء ، قيل : خاضعين ، كقوله تعالى : { لِى سَاجِدِينَ } [ يوسف : 4 ] . وقيل : أعناق الناس : رؤسائهم ومقدّموهم ، شبهوا بالأعناق كما قيل لهم هم الرؤوس والنواصي والصدور . قال :
فِي مَحْفِلٍ مِنْ نَوَاصِي النَّاسِ مَشْهُودِ ... وقيل : جماعات الناس . يقال : جاءنا عنق من الناس لفوج منهم . وقرىء : «فظلت أعناقهم لها خاضعة» . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية . قال : ستكون لنا عليهم الدولة ، فتذلّ لنا أعناقهم بعد صعوبة ، ويلحقهم هوان بعد عزّة .

(4/492)


وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6)

أي : وما يجدد لهم الله بوحيه موعظة وتذكيراً ، إلاّ جددوا إعراضاً عنه وكفرا به . فإن قلت : كيف خولف بين الألفاظ والغرض واحد ، وهي الأعراض والتكذيب والاستهزاء؟ قلت : إنما خولف بينها لاختلاف الإعراض ، كأنه قيل : حين أعرضوا عن الذكر فقد كذبوا به ، وحين كذبوا به فقد خفّ عندهم قدره وصار عرضة للاستهزاء والسخرية؛ لأنّ من كان قابلاً للحق مقبلاً عليه ، كان مصدقاً به لا محالة ولم يظنّ به التكذيب . ومن كان مصدقاً به ، كان موقراً له { فَسَيَأْتِيهِمْ } وعيد لهم وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة { مَا } الشيء الذي كانوا يستهزءون به وهو القرآن ، وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم .

(4/493)


أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)

وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم ، والكريم : صفة لكل ما يرضي ويحمد في بابه ، يقال : وجه كريم ، إذا رضي في حسنه وجماله ، وكتاب كريم : مرضيّ في معانيه وفوائده ، وقال :
حَتَّى يَشُقَّ الصُّفُوفَ مِنْ كَرَمِهْ ... أي : من كونه مرضياً في شجاعته وبأسه . والنبات الكريم : المرضي فيما يتعلق به من المنافع { إِنَّ فِى } إنبات تلك الأصناف { لآيَةً } على أن منبتها قادر على إحياء الموتى ، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم ، غير مرجو إيمانهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } في انتقامه من الكفرة { الرحيم } لمن تاب وآمن وعمل صالحاً . فإن قلت : ما معنى الجمع بين كم وكل ، ولو قيل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟ قلت : قد دلّ { كُلٌّ } على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل ، و { كَمْ } على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، فهذا معنى الجمع بينهما ، وبه نبه على كمال قدرته . فإن قلت : فما معنى وصف الزوج بالكريم؟ قلت : يحتمل معنيين ، أحدهما : أن النبات على نوعين : نافع وضارّ ، فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع ، وخلى ذكر الضارّ . والثاني : أن يعم جميع النبات نافعه وضارّه . ويصفهما جميعاً بالكرم وينبه على أنه ما أنبت شيئاً إلا وفيه فائدة ، لأنّ الحكيم لا يفعل فعلاً إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة ، وإن غفل عنها الغافلون ، ولم يتوصل إلى معرفتها العاقلون . فإن قلت : فحين ذكر الأزواج ودلَّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة ، وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب ، كيف قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } وهلا قال : آيات؟ قلت : فيه وجهان : أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر أنبتنا ، فكأنه قال : إن في الإنبات لآية أيّ آية . وأن يراد : أن في كل واحدة من تلك الأزواج لآية . وقد سبقت لهذا الوجه نظائر .

(4/494)


وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)

سجل عليهم بالظلم بأن قدّم القوم الظالمين ، ثم عطفهم عليهم عطف البيان ، كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد : إن شاء ذاكرهم عبر عنهم بالقوم الظالمين ، وإن شاء عبر بقوم فرعون . وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين : من جهة ظلمهم أنفسهم بالكفر وشرارتهم ، ومن جهة ظلمهم لبني إسرائيل باستعبادهم لهم . قرىء : «ألا يتقون» بكسر النون ، بمعنى : ألا يتقونني : فحذفت النون لاجتماع النونين ، والياء للاكتفاء بالكسرة . فإن قلت : بما تعلق قوله : ألا يتقون؟ قلت : هو كلام مستأنف أتبعه عز وجل إرساله إليهم للإنذار ، والتسجيل عليهم بالظلم . تعجيباً لموسى من حالهم التي شنعت في الظلم والعسف ، ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم وحذرهم من أيام الله . ويحتمل أن يكون { أَلاَ يَتَّقُونَ } حالاً من الضمير في الظالمين ، أي : يظلمون غير متقين الله وعقابه ، فأدخلت همزة الإنكار على الحال . وأمّا من قرأ : ألا تتقون . على الخطاب . فعلى طريقة الالتفات إليهم ، وجبههم ، وضرب وجوههم بالإنكار ، والغضب عليهم ، كما ترى من يشكو من ركب جناية إلى بعض أخصائه والجاني حاضر ، فإذا اندفع في الشكاية وحرّ مزاجه وحمى غضبه قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنف به ويقول له : ألم تتق الله ، ألم تستح من الناس . فإن قلت : فما فائدة هذا الإلتفات ، والخطاب مع موسى عليه الصلاة والسلام في وقت المناجاة ، والملتفت إليهم غيب لا يشعرون؟ قلت : إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم ، لأنه مبلغه ومنهيه وناشره بين الناس ، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى ، وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين ، تدبراً لها واعتباراً بموردها . وفي { أَلا يَتَّقُونَ } بالياء وكسر النون وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى : ألا يا ناس اتقون ، كقوله : { ألا يسجدوا } [ النمل : 25 ]

(4/495)


قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13)

ويضيق وينطلق ، بالرفع؛ لأنهما معطوفان على خبر إنّ ، وبالنصب لعطفهما على صلة أن . والفرق بينهما في المعنى : أنّ الرفع يفيد أنّ فيه ثلاث علل : خوف التكذيب ، وضيق الصدر ، وامتناع انطلاق اللسان ، والنصب على أنّ خوفه متعلق بهذه الثلاثة . فإن قلت : في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة ، وفي جملتها نفي انطلاق اللسان . وحقيقة الخوف إنما هي غم يلحق الإنسان لأمر سيقع ، وذلك كان واقعاً ، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت : قد علق الخوف بتكذيبهم وبما يحصل له بسببه من ضيق الصدر ، والحبسة في اللسان زائدة على ما كان به ، على أنّ تلك الحبسة التي كانت به قد زالت بدعوته . وقيل : بقيت منها بقية يسيرة . فإن قلت : أعتذارك هذا يردّه الرفع ، لأنّ المعنى : إني خائف ضيق الصدر غير منطلق اللسان . قلت : يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ، ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي به ، ويجوز أن لا يكون مع حل العقدة من لسانه من الفصحاء المصاقع الذين أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة المقال ، وهارون كان بتلك الصفة ، فأراد أن يقرن به . ويدل عليه قوله تعالى : { وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً } [ القصص : 34 ] ومعنى : { فَأَرْسِلْ إلى هارون } : أرسل إليه جبريل ، واجعله نبياً ، وآزرني به ، واشدد به عضدي ، وهذا كلام مختصر . وقد بسطه في غير هذا الموضع ، وقد أحسن في الاختصار حيث قال : { فَأَرْسِلْ إلى هارون } فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء ، ومثله في تقصير الطويلة والحسن قوله تعالى : { فَقُلْنَا اذهبا إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا فدمرناهم تَدْمِيراً } [ الفرقان : 36 ] حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أوّلها وآخرها ، وهما الإنذار والتدمير ، ودلّ بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها ، وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله ، فأراد الله إلزام الحجة عليهم ، فبعث إليهم رسولين فكذبوهما ، فأهلكهم . فإن قلت : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يأمره الله بأمر فلا يتقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل ، وقد علم أن الله من ورائه؟ قلت : قد امتثل وتقبل ، ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته ، فمهد قبل التماسه عذره فيما التمسه ، ثم التمس بعد ذلك ، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر : ليس بتوقف في امتثال الأمر ، ولا بتعلل فيه؛ وكفى بطلب العون دليلاً على التقبل لا على التعلل .

(4/496)


وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)

أراد بالذنب : قتله القبطي . وقيل : كان خباز فرعون واسمه فاتون . يعني : ولهم عليّ تبعة ذنب ، وهي قود ذلك القتل ، فأخاف أن يقتلوني به ، فحذف المضاف . أو سمي تبعة الذنب ذنباً ، كما سمى جزاءُ السيئة سيئة . فإن قلت : قد أبيت أن تكون تلك الثلاث عللاً ، وجعلتها تمهيداً للعذر فيما التمسه ، فما قولك في هذه الرابعة؟ قلت : هذه استدفاع للبلية المتوقعة . وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة ، فكيف يكون تعللا . والدليل عليه : ما جاء بعده من كلمة الردع ، والموعد بالكلاءة والدفع .

(4/497)


قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)

جمع الله له الاستجابتين معاً في قوله : { كَلاَّ فاذهبا } لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف ، والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله : { فاذهبا } أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون . فإن قلت : علام عطف قوله : { فاذهبا } ؟ قلت : على الفعل الذي يدل عليه { كَلاَّ } كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظنّ ، فاذهب أنت وهارون . وقوله : { مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ } من مجاز الكلام ، يريد : أنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه . فأظهركما وأُغلبكما وأكسر شوكته عنكما وأنكسه . ويجوز أن يكونا خبرين لأنّ ، أو يكون { مُّسْتَمِعُونَ } مستقراً ، و { مَّعَكُمْ } لغواً . فإن قلت : لم جعلت { مُّسْتَمِعُونَ } قرينة { مَّعَكُمْ } في كونه من باب المجاز ، والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع؟ قلت : ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة؛ لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء ، والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية . ومنه قوله تعالى : { قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانَاً عَجَباً } [ الجن : 1 ] ويقال : استمع إلى حديثه وسمع حديثه ، أي : أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :
( 782 ) « منِ استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم لَه كَارهونَ صُبَّ في أذنيه البرمُ » فإن قلت : هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله : { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } [ طه : 47 ] ؟ قلت : الرسول يكون بمعنى المرسل ، وبمعنى الرسالة ، فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته ، وجعل ههنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع ، كما يفعل بالصفة بالمصادر ، نحو : صوم ، وزور . قال :
أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَبْرٌ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ
فجعله للجماعة . والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله :
لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُم ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
ويجوز أن يوحد ، لأنّ حكمهما لتساندهما ، واتفاقهما على شريعة واحدة ، واتحادهما لذلك وللإخوة كان حكماً واحداً ، فكأنهما رسول واحد . أو أريد أنّ كل واحد منا { أَنْ أَرْسِلْ } بمعنى : أي أرسل؛ لتضمن الرسول معنى الإرسال . وتقول : أرسلت إليك أن أفعل كذا ، لما في الإرسال من معنى القول ، كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك . ومعنى هذا الإرسال : التخلية والإطلاق كقولك : أرسل البازي ، يريد : خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين ، وكانت مسكنهما . ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة ، حتى قال البواب : إنّ ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال : ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأدّيا إليه الرسالة ، فعرف موسى فقال له : { أَلَمْ نُرَبّكَ } حذف : فأتيا فرعون فقالا له ذلك ، لأنه معلوم لا يشتبه .

(4/498)


وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل . الوليد : الصبي لقرب عهده من الولادة . [ «ولبثت فينا من عمرك» ] وفي رواية عن أبي عمرو : من عمرك ، بسكون الميم { سِنِينَ } قيل : مكث عندهم ثلاثين سنة . وقيل : وكز القطبي وهو ابن ثنتي عشرة سنة ، وفرّ منهم على أثرها ، والله أعلم بصحيح ذلك . وعن الشعبي : فعلتك بالكسر ، وهي قتلة القبطي ، لأنه قتله بالوكزة وهو ضرب من القتل . وأما الفعلة؛ فلأنها كانت وكزة واحدة . عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ، ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه ، وعظم ذلك وفظعه بقوله : { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكافرين } يجوز أن يكون حالاً ، أي : قتلته وأنت لذاك من الكافرين بنعمتي . أو أنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة ، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعايشهم بالتقية ، فإنّ الله تعالى عاصم من يريد أن يستنبئه من كل كبيرة ومن بعض الصغائر ، فما بال الكفر . ويجوز أن يكون قوله : { وَأَنتَ مِنَ الكافرين } حكماً عليه بأنه من الكافرين بالنعم ، ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعا منه . أو بأنه من الكافرين لفرعون وإلهيته . أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم ، فقد كانت لهم آلهة يعبدونهم ، يشهد لذلك قوله تعالى : { وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ } [ الأعراف : 127 ] وقرىء : «إلهتك» ، فأجابه موسى بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو { مِنَ الضالين } أي الجاهلين . وقراءة ابن مسعود : «من الجاهلين» ، مفسرة . والمعنى : من الفاعلين فعل أولى الجهل والسفه . كما قال يوسف لإخوته : { هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون } [ يوسف : 89 ] أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل . أو الذاهبين عن الصواب . أو الناسين ، من قوله : { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى } [ البقرة : 282 ] وكذب فرعون ودفع الوصف بالكفر عن نفسه ، وبرّأ ساحته ، بأن وضع الضالين موضع الكافرين رَبئاً بمحل من رشح للنبوّة عن تلك الصفة ، ثم كرّ على امتنانه عليه بالتربية ، فأبطله من أصله واستأصله من سنخه ، وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمة . حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأنّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت ، وتعبيدهم : تذليلهم واتخاذهم عبيداً . يقال : عبدت الرجل وأعبدته ، إذا اتخذته عبداً . قال :
عَلاَمَ يُعْبُدُنِي قَوْمِي وَقَدْ كَثُرَتْ ... فِيهِمْ أَبَاعِرُ مَا شَاءُوا وَعُبْدَانُ
فإن قلت : ( إذاً ) جواب وجزاء معاً ، والكلام وقع جواباً لفرعون ، فكيف وقع جزاء؟ قلت : قول فرعون : { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ } فيه معنى : إنك جازيت نعمتي بما فعلت ، فقال له موسى : نعم فعلتها مجازياً لك ، تسليماً لقوله ، لأنّ نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء . فإن قلت : لم جمع الضمير في منكم وخفتكم؟ مع إفراده في تمنها وعبدت؟ قلت : الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله ، بدليل قوله :

(4/499)


قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)

لما قال له بوّابه إن ههنا من يزعم أنه رسول رب العالمين قال له عند دخوله : { وَمَا رَبُّ العالمين } يريد : أي شيء رب العالمين . وهذا السؤال لا يخلو : إما أن يريد به أي شيء هو من الأشياء التي شوهدت وعرفت أجناسها ، فأجاب بما يستدل به عليه من أفعاله الخاصة ، ليعرّفه أنه ليس بشيء مما شوهد وعرف من الأجرام والأعراض ، وأنه شيء مخالف لجميع الأشياء ، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] وإما أن يريد به : أي شيء هو على الإطلاق ، تفتيشاً عن حقيقته الخاصة ما هي ، فأجابه بأنّ الذي إليه سبيل وهو الكافي في معرفته معرفة ثباته بصفاته ، استدلالاً بأفعاله الخاصة على ذلك . وأمّا التفتيش عن حقيقته الخاصة التي هي فوق فطر العقول ، فتفتيش عما لا سبيل إليه ، والسائل عنه متعنت غير طالب للحق . والذي يليق بحال فرعون ويدل عليه الكلام : أن يكون سؤاله هذا إنكاراً لأن يكون للعالمين رب سواه لادعائه الإلهية ، فلما أجاب موسى بما أجاب ، عجب قومه من جوابه حيث نسب الربوبية إلى غيره ، فلما ثنى بتقرير قوله ، جننه إلى قومه وطنز به ، حيث سماه رسولهم . فلما ثلث بتقرير آخر : احتدّ واحتدم وقال : لئن اتخذت إلها غيري . وهذا يدل على صحة هذا الوجه الأخير .

(4/500)


قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)

فإن قلت : كيف قيل : { وَمَا بَيْنَهُمَا } على التثنية ، والمرجوع إليه مجموع؟ قلت : أريد وما بين الجنسين ، فعل بالمضمر ما فعل بالظاهر من قال :
. . . فِي الْهَيْجَا جِمَالَيْنِ ... فإن قلت : ما معنى قوله : { إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } وأين عن فرعون وملئه الإيقان؟ قلت : معناه إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب ، وإلا لم ينفع . أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به ، لظهوره وإنارة دليله .

(5/1)


قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)

فإن قلت : ومن كان حوله؟ قلت : أشراف قومه قيل : كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة . فإن قلت : ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب به الخلائق كلها ، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب؟ قلت : قد عمم أوّلاً ، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم . لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه ، وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع ، والناقل من هيئة إلى هيئة وحال إلى حال من وقت ميلاده إلى وقت وفاته ، ثم خصص المشرق والمغرب ، لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به؛ ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله ، عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمروذ بن كنعان ، فبهت الذي كفر . وقرىء : «رب المشارق والمغارب» . الذي أرسل إليكم بفتح الهمزة . فإن قلت : كيف قال أوّلاً : { إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } وآخراً { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ؟ قلت : لاين أوّلاً ، فلما رأى منهم شدّة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج خاشن وعارض : إنّ رسولكم لمجنون ، بقوله : { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } .

(5/2)


قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)

فإن قلت : ألم يكن : لأسجننك ، أخصر من { لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين } ومؤدياً مؤداه؟ قلت : أما أخصر فنعم . وأما مؤدّ مؤدّاه فلا؛ لأن معناه : لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني . وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع ، فكأن ذلك أشدّ من القتل وأشدّ .

(5/3)