صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الكشاف
المؤلف : أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

الضمير في { قَصَصِهِمْ } للرسل ، وينصره قراءة من قرأ : «في قصصهم» بكسر القاف . وقيل : هو راجع إلى يوسف وإخوته . فإن قلت : فالإم يرجع الضمير في { مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى } فيمن قرأ بالكسر؟ قلت : إلى القرآن ، أي : ما كان القرآن حديثاً يفترى { ولكن } كان { تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } أي قبله من الكتب السماوية { وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } يحتاج إليه في الدين ، لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد أدلة العقل . وانتصاب ما نصب بعد { لَكِنِ } للعطف على خبر كان . وقرىء : ذلك بالرفع على «ولكن هو تصديق الذي بين يديه» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 560 ) " علموا أرقاءكم سورة يوسف ، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت ، وأعطاه القوّة أن لا يحسد مسلماً "

(3/228)


المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1)

{ تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة . والمراد بالكتاب السورة ، أي : تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها ، ثم قال : { والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ } من القرآن كله هو { الحق } الذي لا مزيد عليه ، لا هذه السور وحدها ، وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية : هم كالحلقة المفرعة ، لا يدرى أين طرفاها؟ تريد الكملة .

(3/229)


اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)

{ الله } مبتدأ ، و { الذى } خبره ، بدليل قوله : { وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض } ويجوز أن يكون صفة . وقوله : { يُدَبّرُ الأمر يُفَصّلُ الآيات } خبر بعد خبر . وينصره ما تقدّمه من ذكر الآيات { رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } كلام مستأنف استشهاد برؤيتهم لها كذلك . وقيل : هي صفة لعمد . ويعضده قراءة أبي «ترونه» . وقرىء : «عُمُد» ، بضمتين { يُدَبِّرُ الأمر } يدبر أمر ملكوته وربوبيته { يُفَصّلُ } آياته في كتبه المنزلة { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ } بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه . وقرأ الحسن : «ندبر» ، بالنون { جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين } خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدّها ، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت . وقيل : أراد بالزوجين : الأسود والأبيض ، والحلو والحامض ، والصغير والكبير ، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة { يغشى الليل النهار } يلبسه مكانه ، فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً . وقرىء : «يغشّى» بالتشديد .

(3/230)


وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)

{ قِطَعٌ متجاورات } بقاع مختلفة ، مع كونها متجاورة متلاصقة : طيبة إلى سبخة ، وكريمة إلى زهيدة ، وصلبة إلى رخوة ، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على عكسها ، مع انتظامها جميعاً في جنس الأرضية . وذلك دليل على قادر مريد ، موقع لأفعاله على وجه دون وجه . وكذلك الزروع والكروم والنخيل النابتة في هذه القطع ، مختلفة الأجناس والأنواع ، وهي تسقى بماء واحد ، وتراها متغايرة الثمر في الأشكال والألوان والطعوم والروائح ، متفاضلة فيها . وفي بعض المصاحف : قطعاً متجاورات على : وجعل وقرىء : «وجناتٍ» ، بالنصب للعطف على زوجين . أو بالجرّ على كل الثمرات . وقرىء : «وزرعٍ ونخيلٍ» ، بالجرّ عطفاً على أعناب أو جنات والصنوان : جمع صنو ، وهي النخلة لها رأسان ، وأصلها واحد . وقرىء بالضم . والكسر : لغة أهل الحجاز ، والضم : لغة بني تميم وقيس { تَسْقِى } بالتاء والياء { وَنُفَضّلُ } بالنون وبالياء على البناء للفاعل والمفعول جميعاً { في الأكل } بضم الكاف وسكونها .

(3/231)


وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5)

{ وَإِن تَعْجَبْ } يا محمد من قولهم في إنكار البعث ، فقولهم عجيب حقيق بأن يتعجب منه؛ لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة ولم يعي بخلقهنّ ، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره ، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب { أَءِذَا كُنَّا } إلى آخر قولهم : يجوز أن يكون في محل الرفع بدلا من قولهم ، وأن يكون منصوباً بالقول . وإذا نصب بما دل عليه قوله : { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } ، { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم { وَأُوْلَئِكَ الأغلال فِى أعناقهم } وصف بالإصرار ، كقوله : { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا } [ يس : 8 ] ونحوه :
لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلاَلٌ وَأَقْيَادُ ... أو هو من جملة الوعيد .

(3/232)


وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)

{ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } بالنقمة قبل العافية ، والإحسان إليهم بالإمهال . وذلك أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } أي عقوبات أمثالهم من المكذبين ، فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزءوا والمثلة : العقوبة ، بوزن السمرة . والمثلة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة ، { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] ويقال : أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته منه . والمثال : القصاص . وقرىء : «المُثُلات» بضمتين لإتباع الفاء العين . و «المَثْلات» ، بفتح الميم وسكون الثاء ، كما يقال : السمرة . و «المُثْلات» بضم الميم وسكون الثاء ، تخفيف «المُثُلات» بضمتين . والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات { لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب . ومحله الحال ، بمعنى ظالمين لأنفسهم وفيه أوجه . أن يريد السيئات المكفرة لمجتنب الكبائر . أو الكبائر بشرط التوبة . أو يريد بالمغفرة الستر والإمهال . وروي أنها لما نزلت قال النبي عليه الصلاة والسلام :
( 561 ) " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد " .

(3/233)


وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)

{ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عناداً ، فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى ، من انقلاب العصا حية ، وإحياء الموتى ، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنت رجل أرسلت منذراً ومخوّفاً لهم من سوء العاقبة . وناصحاً كغيرك من الرسل ، وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر ، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت ، والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوة بها لا تفاوت بينها ، والذي عنده كل شيء بمقدار يعطي كل نبي آية على حسب ما اقتضاه علمه بالمصالح وتقديره لها { وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } من الأنبياء يهديهم إلى الدين ، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية ، وبآية خص بها ، ولم يجعل الأنبياء شرعاً واحداً في آيات مخصوصة . ووجه آخر : وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آيات ويعاندون ، فلا يهمنك ذلك ، إنما أنت منذر ، فما عليك إلا أن تنذر لا أن تثبت الإيمان في صدورهم ، ولست بقادر عليه ، ولكل قوم هاد قادر على هدايتهم بالإلجاء ، وهو الله تعالى . ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضاء حكمته أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره : أمر مدبر بالعلم النافذ مقدّر بالحكمة الربانية ، ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيراً ومصلحة ، لأجابهم إليه . وأما على الوجه الثاني ، فقد دل به على أن من هذه قدرته وهذا علمه ، هو القادر وحده على هدايتهم ، العالم بأي طريق يهديهم ، ولا سبيل إلى ذلك لغيره .

(3/234)


اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)

{ الله يَعْلَمُ } يحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً ، وأن يكون المعنى : هو الله ، تفسيراً لهاد على الوجه الأخير ، ثم ابتدىء فقيل : { يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } «وما» في { مَا تَحْمِلُ } ، { وَمَا تَغِيضُ } ، { وَمَا تَزْدَادُ } إما موصولة ، وإما مصدرية . فإن كانت موصولة ، فالمعنى : أنه يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو . من ذكورة وأنوثة ، وتمام وخداج ، وحسن وقبح ، وطول وقصر ، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة ، ويعلم ما تغيضه الأرحام : أي تنقصه . يقال : غاض الماء وغضته أنا . ومنه قوله تعالى : { وَغِيضَ الماء } [ هود : 44 ] وما تزداده : أي تأخذه زائداً ، تقول : أخذت منه حقي ، وازددت منه كذا ومنه قوله تعالى : { وازدادوا تِسْعًا } [ الكهف : 25 ] ويقال : زدته فزاد بنفسه وازداد ، ومما تنقصه الرحم وتزداده عدد الولد ، فإنها تشتمل على واحد ، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة . ويروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه . ومنه جسد الولد ، فإنه يكون تاما ومخدجاً . ومنه مدة ولادته ، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة ، وإلى أربع عند الشافعي ، وإلى خمس عند مالك ، وقيل : إنّ الضحاك ولد لسنتين ، وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين ، ولذلك سمي هرماً . ومنه الدم ، فإنه يقل ويكثر . وإن كانت مصدرية ، فالمعنى أنه يعلم حمل كل أنثى ، ويعلم غيض الأرحام وازديادها ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، ومن أوقاته وأحواله . ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته ، فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها ، على أنّ الفعلين غير متعدّيين ، ويعضده قول الحسن : الغيضوضة أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك ، والازدياد أن تزيد على تسعة أشهر . وعنه الغيض الذي يكون سقطاً لغير تمام ، والازدياد ما ولد لتمام { بِمِقْدَارٍ } بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كقوله { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر : 49 ] { الكبير } العظيم الشأن الذي كل شيء دونه { المتعال } المستعلي على كل شيء بقدرته ، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها .

(3/235)


سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)

{ سارب } ذاهب في سربه - بالفتح - أي في طريقه ووجهه . يقال : سرب في الأرض سروباً . والمعنى : سواء عنده من استخفى : أي طلب الخفاء في مختبأ بالليل في ظلمته ، ومن يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد . فإن قلت : كان حق العبارة أن يقال : ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار ، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب؛ وإلا فقد تناول واحداً هو مستخف وسارب قلت : فيه وجهان : أحدهما أنّ قوله { وَسَارِبٌ } عطف على من هو مستخف ، لا على مستخف ، والثاني أنه عطف على مستخف؛ إلا أن { مِنْ } في معنى الاثنين ، كقوله :
نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَاذِئْبُ يصْطَحِبَانِ ... كأنه قيل : سواء منكم اثنان : مستخف بالليل ، وسارب بالنهار . والضمير في { لَهُ } مردود على { مِنْ } كأنه قيل : لمن أسرّ ومن جهر ، ومن استخفى ومن سرب { معقبات } جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته ، والأصل : معتقبات ، فأدغمت التاء في القاف ، كقوله { وَجَاء المعذرون } [ التوبة : 90 ] بمعنى المعتذرون . ويجوز معقبات ، بكسر العين ولم يقرأ به . أو هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه ، كما يقال : قفاه ، لأنّ بعضهم يعقب بعضاً أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } هما صفتان جميعاً وليس { مِنْ أَمْرِ الله } بصلة للحفظ ، كأنه قيل : له معقبات من أمر الله . أو يحفظونه من أجل أمر الله أي من أجل أنّ الله أمرهم بحفظه . والدليل عليه قراءة علي رضي الله عنه وابن عباس وزيد بن علي وجعفر بن محمد وعكرمة : «يحفظونه بأمر الله» . أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب ، بدعائهم له ومسئلتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب ، كقوله : { قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار مِنَ الرحمن } [ الأنبياء : 42 ] وقيل : المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان ، يحفظونه في توهمه وتقديره من أمر الله أي من قضاياه ونوازله ، أو على التهكم به ، وقرىء : «له معاقيب» جمع معقب أو معقبة . والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ } من العافية والنعمة { حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } من الحال الجميلة بكثرة المعاصي { مِن وَالٍ } ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم .

(3/236)


هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)

{ خَوْفًا وَطَمَعًا } لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف ، أي : إرادة خوف وطمع . أو على معنى إخافة وإطماعاً ، ويجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق ، كأنه في نفسه خوف وطمع . أو على : ذا خوف وذا طمع . أو من المخاطبين ، أي : خائفين وطامعين . ومعنى الخوف والطمع : أنّ وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق ، ويطمع في الغيث . قال أبو الطيب :
فَتَى كالسَّحَابِ الْجُونِ تُخْشَى وَتُرْتَجَى ... يُرْجَى الْحَيَاء مِنْهَا وَيُخْشَى الصَّوَاعِقُ
وقيل : يخاف المطر من له فيه ضرر ، كالمسافر ، ومن له في جرينه التمر والزبيب ، ومن له بيت يكف ، ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ، ويطمع فيه من له فيه نفع ، ويحيا به { السحاب } اسم الجنس ، والواحدة سحابة . و { الثقال } جمع ثقيلة؛ لأنك تقول سحابة ثقيلة ، وسحاب ثقال ، كما تقول : امرأة كريمة ونساء كرام ، وهي الثقال بالماء { وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ } ويسبح سامع الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له . أي يضجون بسبحان الله والحمد لله . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول :
( 562 ) « سبحان من يسبح الرعد بحمده » وعن علي رضي الله عنه : سبحان من سبحت له .
وإذا اشتدّ الرعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 563 ) « اللهمّ لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك » وعن ابن عباس .
( 564 ) أنّ اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ فقال : « ملك من الملائكة موكل بالسحاب ، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب » وعن الحسن : خلق من خلق الله ليس بملك . ومن بدع المتصوّفة . الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم ، والمطر بكاؤهم { والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده ، وما دلّ على قدرته الباهرة ووحدانيته ثم قال { وَهُمْ } يعني الذين كفروا وكذّبوا رسول الله وأنكروا آياته { يجادلون فِى الله } حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعاد ، الخلائق بقولهم { مِنْ يحيى العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ يس : 78 ] ويردّون الوحدانية باتخاذ الشركاء والأنداد ، ويجعلونه بعض الأجسام المتوالدة بقولهم { الملائكة * بَنَات الله } فهذا جدالهم بالباطل ، كقولهم { وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق } [ غافر : 5 ] وقيل : الواو للحال . أي : فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم . وذلك .
( 565 ) أنّ أربد أخا لبيد ابن ربيعة العامري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم - حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل قاصدين لقتله فرمى الله عامراً بغدّة كغدّة البعير وموت في بيت سلولية ، وأرسل على أربد صاعقة فقتلته - أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد؟ { المحال } المماحلة ، وهي شدّة المماكرة والمكايدة .

(3/237)


ومنه : تمحل لكذا ، إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه ، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان . ومنه الحديث :
( 566 ) « ولا تجعله علينا ما حلا مصدّقاً » وقال الأعشى :
فَرْعُ نَبْعٍ يَهَشُّ في غُصُنِ الْمَجْ ... دِ غَزِيرُ النّدَى شَدِيدُ الْمِحَالِ
والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه ، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون . وقرأ الأعرج بفتح الميم ، على أنه مفعل ، من حال يحول محالا إذا احتال . ومنه : أحول من ذئب ، أي أشدّ حيلة . ويجوز أن يكون المعنى : شديد الفقار ، ويكون مثلا في القوة والقدرة كما جاء : فساعد الله أشدّ ، وموساه أحدّ؛ لأن الحيوان إذا اشتدّ محاله ، كان منعوتاً بشدّة القوّة والاضطلاع بما يعجز عنه غيره . ألا ترى إلى قولهم : فقرته الفواقر؟ وذلك أن الفقار عمود الظهر وقوامه .

(3/238)


لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)

{ دَعْوَةُ الحق } فيه وجهان أحدهما : أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل ، كما تضاف الكلمة إليه في قولك : كلمة الحق ، للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به ، وأنها بمعزل من الباطل . والمعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة ، ويعطي الداعي سؤاله إن كان مصلحة له ، فكانت دعوة ملابسة للحق ، لكونه حقيقاً بأن يوجه إليه الدعاء ، لما في دعوته من الجدوى والنفع ، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه . والثاني : أن تضاف إلى الحق الذي هو الله عز وعلا ، على معنى : دعوة المدعوّ الحق الذي يسمع فيجيب . وعن الحسن : الحق هو الله ، وكلّ دعاء إليه دعوة الحق . فإن قلت : ما وجه اتصال هذين الوصفين بما قبله؟ قلت أما على قصة أربد فظاهر؛ لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكرٌ به من حيث لم يشعر . وقد
( 567 ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى صاحبه بقوله : ( اللهمّ اخسفهما بما شئت ) ، فأجيب فيهما ، فكانت الدعوة دعوة حق . وأما على الأوّل فوعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله بحلول محاله بهم ، وإجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعا عليهم فيهم { والذين يَدْعُونَ } والآلهة الذين يدعوهم الكفار { مِنْ } دون الله { لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء } من طلباتهم { إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ } إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه ، أي كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه ، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه ، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم . وقيل : شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه ، فبسطهما ناشراً أصابعه ، فلم تلق كفاه منه شيئاً ولم يبلغ طلبته من شربه . وقرىء : «تدعون» بالتاء . كباسط كفيه ، بالتنوين { إِلاَّ فِى ضلال } إلا في ضياع لا منفعة فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم ، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم .

(3/239)


وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (15)

{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } أي ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله ، شاؤا أو أبوا . لا يقدرون أن يمتنعوا عليه ، وتنقاد له { ظلالهم } أيضاً حيث تتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص ، والفيء والزوال . وقرىء : «بالغدو والإيصال» ، من آصلوا : إذا دخلوا في الأصيل .

(3/240)


قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)

{ قُلِ الله } حكاية لاعترافهم وتأكيد له عليهم؛ لأنه إذا قال لهم : من رب السموات والأرض ، لم يكن لهم بدّ من أن يقولوا الله . كقوله : { قُلْ مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } [ المؤمنون : 86 ] وهذا كما يقول المناظر لصاحبه : أهذا قولك فإذا قال : هذا قولي قال : هذا قولك ، فيحكي إقراره تقريراً له عليه واستيثاقاً منه ، ثم يقول له : فيلزمك على هذا القول كيت وكيت . ويجوز أن يكون تلقيناً ، أي : إن كعوا عن الجواب فلقنهم ، فإنهم يتلقنونه ولا يقدرون أن ينكروه { أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء } أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء ، فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم سبب الإشراك { لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّا } لا يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو يدفعوا عنها ضرراً ، فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب ، فما أبين ضلالتكما { أَمْ جَعَلُواْ } بل أجعلوا . ومعنى الهمزة الإنكار و { خَلَقُواْ } صفة لشركاء ، يعني أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلق الله { فَتَشَابَهَ } عليهم خلق الله وخلقهم ، حتى يقولوا : قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه ، فاستحقوا العبادة ، فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما يعبد ، إذ لا فرق بين خالق وخالق؛ ولكنهم اتخذوا له شركاه عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق ، فضلاً أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق { قُلِ الله خالق كُلّ شَىْء } لا خالق غير الله ، ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق ، فلا يكون له شريك في العبادة { وَهُوَ الواحد } المتوحد بالربوبية { القهار } لا يغالب ، وما عداه مربوب ومقهور .

(3/241)


أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)

هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه ، كما ضرب الأعمى والبصير والظلمات والنور مثلاً لهما ، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع ، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحليّ منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفة ، ولو لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفي به ، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهراً ، يثبت الماء في منافعه . وتبقى آثاره في العيون والبئار والجبوب ، والثمار التي تنبت به مما يدّخر ويكنز ، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة . وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن المنفعة ، بزبد السيل الذي يرمي به ، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب . فإن قلت : لم نكرت الأودية؟ قلت : لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع ، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض . فإن قلت : فما معنى قوله : { بِقَدَرِهَا } ؟ قلت : بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضارّ . ألا ترى إلى قوله : { وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس } لأنه ضرب المطر مثلا للحق ، فوجب أن يكون مطراً خالصاً للنفع خالياً من المضرة ، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف . فإن قلت : فما فائدة قوله : { ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع } ؟ قلت : الفائدة فيه كالفائدة في قوله : { بِقَدَرِهَا } لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله : { وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس } لأنّ المعنى : وأما ما ينفعهم من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع مما يوقد عليه منه ويذاب ، وهو الحلية والمتاع . وقوله : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النار ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع } عبارة جامعة لأنواع الفلز ، مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به كما هو هجيرى الملوك ، نحو ما جاء في ذكر الآجر { أوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين } [ القصص : 38 ] و «من» لابتداء الغاية . أي : ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء . أو للتبعيض بمعنى وبعضه زبداً رابياً منفخاً مرتفعاً على وجه السيل [ { جُفَآءً } يجفؤه السيل : ] ، أي يرمي به . وجفأت القدر بزبدها ، وأجفأ السيل وأجفل . وفي قراءة رؤبة ابن العجاج : جفالا وعن أبي حاتم : لا يقرأ بقراءة رؤبة ، لأنه كان يأكل الفأر . وقرىء : «يوقدون» ، بالياء : أي يوقد الناس .

(3/242)


لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)

{ لِلَّذِينَ استجابوا } اللام متعلقة بيضرب ، أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا ، وللكافرين الذين لم يستجيبوا ، أي : هما مثلا الفريقين . و { الحسنى } صفة لمصدر استجابوا ، أي : استجابوا الاستجابة الحسنى . وقوله { لَوْ أَنَّ لَهُمْ } كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين . وقيل : قد تم الكلام عند قوله : { كذلك يَضْرِبُ الله الامثال } [ الرعد : 17 ] وما بعده كلام مستأنف . والحسنى : مبتدأ ، خبره { لِلَّذِينَ استجابوا } والمعنى : لهم المثوبة الحسنى ، وهي الجنة { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ } مبتدأ خبره ، «لو» مع ما في حيزه و { سُوء الحِسَابِ } المناقشة فيه . وعن النخعي : أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء .

(3/243)


أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)

دخلت همزة الإنكار على الفاء في قوله { أَفَمَن يَعْلَمُ } لإنكار أن تقع شبهة بعد ما ضرب من المثل في أنّ حال من علم { أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق } فاستجاب ، بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب : كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الألباب } أي الذين عملوا على قضيات عقولهم ، فنظروا واستبصروا .

(3/244)


الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)

{ والذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله } مبتدأ . و { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عقبى الدار } خبره كقوله : والذين ينقضون عهد الله أولئك لهم اللعنة . ويجوز أن يكون صفة لأولي الألباب ، والأوّل أوجه . وعهد الله : ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] { وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق } ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه : من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد ، تعميم بعد تخصيص { مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } من الأرحام والقرابات ، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ، ونصرتهم ، والذب عنهم ، والشفقة عليهم ، والنصيحة لهم ، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم ، وإفشاء السلام عليهم ، وعيادة مرضاهم ، وشهود جنائزهم . ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر ، وكل ما تعلق منهم بسبب ، حتى الهرة والدجاجة . وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال : من أين أنتم؟ قالوا : من أهل خراسان . قال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم ، واعلموا أنّ العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } أي يخشون وعيده كله { وَيَخَافُونَ } خصوصاً { سُوء الحِسَابِ } فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا { صَبَرُواْ } مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف { ابتغاء وَجْهِ } الله ، لا ليقال : ما أصبره وأحمله للنوازل ، وأوقره عند الزلازل ، ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا يشمت به الأعداء كقوله :
وَتَجَلُّدِي لِلشّامِتِينَ أُرِيِهمُ ... ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا مردّ فيه للفائت ، كقوله :
مَا أنْ جَزعْتُ وَلاَ هَلَعْ ... تُ وَلاَ يَرُدُّ بُكاي زَنْدَا
وكل عمل له وجوه يعمل عليها ، فعلى المؤمن أن ينوي منها ما به كان حسناً عند الله ، وإلا لم يستحق به ثواباً ، وكان فعلا كلا فعل { مّمّا رزقناهم } من الحلال؛ لأنّ الحرام لا يكون رزقاً ولا يسند إلى الله { سِرّا وَعَلاَنِيَةً } يتناول النوافل ، لأنها في السر أفضل والفرائض ، لوجوب المجاهرة بها نفياً للتهمة { وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة } ويدفعونها عن ابن عباس : يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيء غيرهم . وعن الحسن : إذا حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قطعوا وصلوا . وعن ابن كيسان : إذا أذنبوا تابوا . وقيل : إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره { عقبى الدار } عاقبة الدنيا وهي الجنة ، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها و { جنات عَدْنٍ } بدل من عقبى الدار . وقرىء «فنعم» بفتح النون . والأصل : نعم فمن كسر النون فلنقل كسرة العين إليها ، ومن فتح فقد سكن العين ولم ينقل وقرىء : «يدخلونها» على البناء للمفعول .

(3/245)


وقرأ ابن أبي عبلة «صلُح» بضم اللام ، والفتح أفصح ، أعلم أنّ الأنساب لا تنفع إذا تجردت من الأعمال الصالحة . وآباؤهم جمع أبوي كل واحد منهم ، فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم { سلام عَلَيْكُمُ } في موضع الحال ، لأنّ المعنى : قائلين سلام عليكم أو مسلمين ، فإن قلت : بم تعلق قوله { بِمَا صَبَرْتُمْ } ؟ قلت : بمحذوف تقديره : هذا بما صبرتم ، يعنون هذا الثواب بسبب صبركم ، أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه هذه الملاذ والنعم والمعنى : لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعة ، كقوله :
بِمَا قَدْ أرَى فِيهَا أوَانِسَ بُدَّنَا ... وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 568 ) أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ويجوز أن يتعلق بسلام ، أي نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم .

(3/246)


وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)

{ مِن بَعْدِ ميثاقه } من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول { سُوء الدار } يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا ، لأنه في مقابلة عقبى الدار ، ويجوز أن يراد بالدار جهنم ، وبسوئها عذابها .

(3/247)


اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)

{ الله يَبْسُطُ الرزق } أي الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره ، وهو الذي بسط رزق أهل مكة ووسعه عليهم { وَفَرِحُواْ } بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لافرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم ، ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة ، وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئاً نزرا يتمتع به كعجالة الراكب ، وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك .

(3/248)


وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (29)

فإن قلت : كيف طابق قولهم { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } قوله : { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } ؟ قلت : هو كلام يجري مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبيّ قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية ، فإذا جحدوها ولم يعتدّوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعاً للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم : إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدّة الشكيمة في الكفر ، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية { وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ } كان على خلاف صفتكم { أَنَابَ } أقبل إلى الحق ، وحقيقته دخل في نوبة الخير ، و { الذين ءَامَنُواْ } بدل من { مَنْ أَنَابَ } { وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله } بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته ، كقوله : { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } [ الزمر : 23 ] أو تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته ، أو تطمئن بالقرآن لأنه معجزة بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها { الذين ءَامَنُواْ } مبتدأ ، و { طوبى لَهُمْ } خبره . ويجوز أن يكون بدلاً من القلوب ، على تقدير حذف المضاف ، أي : تطمئن القلوب قلوب الذين آمنوا ، وطوبى مصدر من طاب ، كبشرى وزلفى ، ومعنى «طوبى لك» أصبت خيراً وطيباً ، ومحلها النصب أو الرفع ، كقولك : طيباً لك ، وطيب لك ، وسلاماً لك ، وسلام لك ، والقراءة في قوله «وحسن مآب» بالرفع والنصب ، تدلك على محليها . واللام في { لَهُمْ } للبيان مثلها في سقيا لك ، والواو في طوبى منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها ، كموقن وموسر وقرأ مكوزة الأعرابي : «طيبى لهم» ، فكسر الطاء لتسلم الياء ، كما قيل : بيض ومعيشة .

(3/249)


كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)

{ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ } مثل ذلك الإرسال أرسلناك ، يعني : أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات ، ثم فسر كيف أرسله فقال : { فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء { لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك { وَهُمْ يَكْفُرُونَ } وحال هؤلاء أنهم يكفرون { بالرحمن } بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء ، وما بهم من نعمة فمنه ، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم { قُلْ هُوَ رَبّى } الواحد المتعالي عن الشركاء { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في نصرتي عليكم { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم .

(3/250)


وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)

{ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا } جوابه محذوف ، كما تقول لغلامك : لو أني قمت إليك ، وتترك الجواب والمعنى : ولو أن قرآنا { سُيّرَتْ بِهِ الجبال } عن مقارّها ، وزعزعت عن مضاجعها { أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرض } حتى تتصدع وتتزايل قطعاً { أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى } فتسمع وتجيب ، لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف ، كما قال : { لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله } [ الحشر : 21 ] هذا يعضد ما فسرت به قوله : { لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ الرعد : 30 ] من إرادة تعظيم ما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن . وقيل : معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى وتنبيههم ، لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة } [ الأنعام : 111 ] الآية . وقيل : إن أبا جهل بن هشام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : سيِّر بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها البساتين والقطائع ، كما سخرت لداود عليه السلام إن كنت نبياً كما تزعم ، فلست بأهون على الله من داود . وسخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام ثم نرجع في يومنا ، فقد شق علينا قطع المسافة البعيدة كما سخرت لسليمان عليه السلام . أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا : منهم قصي بن كلاب فنزلت ومعنى تقطيع الأرض على هذا : قطعها بالسير ومجاوزتها . وعن الفراء : هو متعلق بما قبله . والمعنى : وهم يكفرون بالرحمن { وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال } وما بينهما اعتراض ، وليس ببعيد من السداد . وقيل { قُطّعَتْ بِهِ الارض } شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً { بَل للَّهِ الأمر جَمِيعًا } على معنيين ، أحدهما : بل لله القدرة على كل شيء ، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها؛ إلا أنّ علمه بأنّ إظهارها مفسدة يصرفه . والثاني : بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان ، وهو قادر على الالجاء لولا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار . ويعضده قوله : { أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ الذين ءامَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء الله } يعني مشيئة الإلجاء والقسر { لَهَدَى الناس جَمِيعًا } ومعنى { أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ } أفلم يعلم . قيل : هي لغة قوم من النخع . وقيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه؛ لأنّ اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون ، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف ، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك . قال سحيم بن وثيل الرياحي :
أَقُولُ لَهُمْ بالشِّعْبِ إذْ يَيْسُرُونَنِي ... أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ
ويدل عليه أن علياً وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرؤا : «أفلم يتبين» وهو تفسير ( أفلم ييئس ) وقيل : إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوى السينات ، وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتاً بين دفتي الإمام .

(3/251)


وكان متقلباً في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه ، خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع ، والقاعدة التي عليها البناء ، وهذه والله فرية ما فيها مرية . ويجوز أن يتعلق { أَن لَّوْ يَشَاء } بآمنوا ، على أو لم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولهداهم { تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ } من كفرهم وسوء أعمالهم { قَارِعَةٌ } داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم { أَوْ تَحُلُّ } القارعة { قَرِيبًا } منهم فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها ، ويتعدى إليهم شرورها { حتى يَأْتِىَ وَعْدُ الله } وهو موتهم ، أو القيامة . وقيل : ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم ، وتصيب من مواشيهم . أو تحل أنت يا محمد قريباً من دارهم بجيشك ، كما حل بالحديبية ، حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة ، وكان الله قد وعده ذلك .

(3/252)


وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32)

الإملاء : الإمهال ، وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن ، كالبهيمة يملي لها في المرعى وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء به وتسلية له .

(3/253)


أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)

{ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } احتجاج عليهم في إشراكهم بالله ، يعني أفا الله الذي هو قائم رقيب { على كُلّ نَفْسٍ } صالحة أو طالحة { بِمَا كَسَبَتْ } يعلم خيره وشره ، ويعدّ لكل جزاءه ، كمن ليس كذلك . ويجوز أن يقدّر ما يقع خبراً للمبتدأ ويعطف عليه وجعلوا ، وتمثيله : أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه { وَجَعَلُواْ } له وهو الله الذي يستحق العبادة وحده { شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ } أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم ، ثم قال : { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ } على أم المنقطعة ، كقولك للرجل : قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف ، ومعناه : بل أتنبؤونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض ، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم ، والمراد نفي أن يكون له شركاء . ونحو : { قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السموات وَلاَ فِى الأرض } [ يونس : 18 ] ، { أَم بظاهر مّنَ القول } بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة ، { ذلك قَوْلُهُم بأفواههم } [ التوبة : 30 ] ، { مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } [ يوسف : 40 ] وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق : أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه ، فتبارك الله أحسن الخالقين . وقرىء : «أتنبئونه» بالتخفيف { مَكْرِهِمْ } كيدهم للإسلام بشركهم { وَصُدُّواْ } قرىء بالحركات الثلاث . وقرأ ابن أبي إسحاق : «وصدّ» بالتنوين { وَمَن يُضْلِلِ الله } ومن يخذله لعلمه أنه لا يهتدي { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } فما له من أحد يقدر على هدايته { لَّهُمْ عَذَابٌ فِى الحياة الدنيا } وهو ما ينالهم من القتل والأسر وسائر المحن ، ولا يلحقهم إلا عقوبة لهم على الكفر ، ولذلك سماه عذاباً { وَمَا لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ } وما لهم من حافظ من عذابه . أو ما لهم من جهته واق من رحمته .

(3/254)


مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35)

{ مَّثَلُ الجنة } صفتها التي هي في غرابة المثل ، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف على مذهب سيبويه ، أي فيما قصصناه عليكم مثل الجنة . وقال غيره : الخبر { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } كما تقول : صفة زيد أسمر ، وقال الزجاج : معناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار ، على حذف الموصوف تمثيلاً لما غاب عنا بما نشاهد . وقرأ علي رضي الله عنه «أمثال الجنة» على الجمع أي صفاتها { أُكُلُهَا دَائِمٌ } كقوله { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة : 33 ] { وِظِلُّهَا } دائم لا ينسخ ، كما ينسخ في الدنيا بالشمس .

(3/255)


وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ (36)

{ والذين ءاتيناهم الكتاب } يريد من أسلم من اليهود ، كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما ، ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً : أربعون بنجران ، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة ، وثمانية من أهل اليمن ، هؤلاء { يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحزاب } يعني ومن أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الأشرف وأصحابه ، والسيد والعاقب أسقفي نجران وأشياعهما { مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني [ مما ] هو ثابت في كتبهم غير محرف ، وكانوا ينكرون ما هو نعت الإسلام ونعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما حرّفوه وبدّلوه من الشرائع . فإن قلت : كيف اتصل قوله : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله } بما قبله؟ قلت : هو جواب للمنكرين معناه : قل إنما أمرت فيما أنزل إليّ بأن أعبد الله ولا أشرك به . فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به { قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } [ آل عمران : 64 ] وقرأ نافع في رواية أبي خليد : «ولا أشرك» بالرفع على الاستئناف كأنه قال : وأنا [ لا ] أشرك به ويجوز أن يكون في موضع الحال على معنى : أمرت أن أعبد الله غير مشرك به { إِلَيْهِ أَدْعُو } خصوصاً لا أدعو إلى غيره { وَإِلَيْهِ } لا إلى غيره مرجعي ، وأنتم تقولون مثل ذلك ، فلا معنى لإنكاركم .

(3/256)


وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)

{ وكذلك أنزلناه } ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه ، والإنذار بدار الجزاء { حُكْمًا عَرَبِيّا } حكمة عربية مترجمة بلسان العرب ، وانتصابه على الحال . كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يوافقهم عليها منها أن يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله عنها ، فقيل له : لئن تابعتهم على دين ما هو إلا أهواء وشبه بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج القاطعة ، خذلك الله فلا ينصرك ناصر ، وأهلكك فلا يقيك منه واق ، وهذا من باب الإلهاب والتهييج ، والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب فيه ، وأن لا يزلّ زالّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة ، وإلا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدّة الشكيمة بمكان .

(3/257)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39)

كانوا يعيبونه بالزواج والولاد ، كما كانوا يقولون : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ، وكانوا يقترحون عليه الآيات ، وينكرون النسخ فقيل : كان الرسل قبله بشراً مثله ذوي أزواج وذرية . وما كان لهم أن يأتوا بآيات برأيهم ولا يأتون بما يقترح عليهم ، والشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات؛ فلكل وقت حكم يكتب على العباد ، أي : يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم { يَمْحُواْ الله مَا يَشَاء } ينسخ ما يستصوب نسخه ، ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته ، أو يتركه غير منسوخ ، وقيل : يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة؛ لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل { وَيُثَبّتْ } غيره . وقيل يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة ، ويثبت إيمانهم وطاعتهم . وقيل : يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضاً من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها ، والكلام في نحو هذا واسع المجال { وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب } أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه . وقرىء : «ويثبت» .

(3/258)


وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)

{ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ } وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم . أو توفيناك قبل ذلك ، فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب ، وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم ، فلا يهمنك إعراضهم ، ولا تستعجل بعذابهم .

(3/259)


أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)

{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض } أرض الكفر { نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بما نفتح على المسلمين من بلادهم ، فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام ، وذلك من آيات النصرة والغلبة ونحوه { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الارض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } [ الأنبياء : 44 ] ، { أَفَهُمُ الغالبون } [ الأنبياء : 44 ] ، { سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الافاق } [ فصلت : 53 ] والمعنى : عليك بالبلاغ الذي حملته؛ ولا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من الظفر ، ولا يضجرك تأخره؛ فإن ذلك لما نعلم من المصالح التي لا تعلمها ثم طيب نفسه ونفس عنها بما ذكر من طلوع تباشير الظفر . وقرىء «ننقصها» بالتشديد { لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } لا رادّ لحكمه . والمعقب : الذي يكرّ على الشيء فيبطله ، وحقيقته : الذي يعقبه أي يقفيه بالردّ والإبطال . ومنه قيل لصاحب الحق : معقب؛ لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب . قال لبيد :
طَلَبُ الْمُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظْلُومُ ... والمعنى : أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال ، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس { وَهُوَ سَرِيعُ الحساب } فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا . فإن قلت : ما محل قوله لا معقب لحكمه؟ قلت : هو جملة محلها النصب على الحال ، كأنه قيل : والله يحكم نافذاً حكمه ، كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة ، تريد حاسراً .

(3/260)


وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42)

{ وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } وصفهم بالمكر ، ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره فقال { فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا } ثم فسر ذلك بقوله : { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكافر لِمَنْ عُقْبَى الدار } لأنّ من علم ما تكسب كل نفس ، وأعدّ لها جزاءها فهو المكر كله؛ لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون . وهم في غفلة مما يراد بهم . وقرىء : «الكفار» ، و «الكافرون» . و «الذين كفروا» . والكفر : أي أهله . والمراد بالكافر الجنس : وقرأ جناح بن حبيش ، و «سَيُعلم الكافر» ، من أعلمه أي سيخبر .

(3/261)


وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)

{ كفى بالله شَهِيدًا } لما أظهر من الأدلة على رسالتي { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز الفائت لقوى البشر . وقيل : ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا . لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم : وقيل : هو الله عز وعلا والكتاب : اللوح المحفوظ وعن الحسن : لا والله ما يعني إلا الله . والمعنى : كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو ، شهيداً بيني وبينكم . وتعضده قراءة من قرأ : «ومن عنده علم الكتاب» على من الجارّة ، أي ومن لدنه علم الكتاب ، لأن علم من علمه من فضله ولطفه . وقرىء : «ومن عنده علم الكتاب» على من الجارّة ، وعلم ، على البناء للمفعول وقرىء : «وبمن عنده علم الكتاب» . فإن قلت : بم ارتفع علم الكتاب؟ قلت : في القراءة التي وقع فيها عنده صلة يرتفع العلم بالمقدّر في الظرف ، فيكون فاعلاً؛ لأنّ الظرف إذا وقع صلة أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول ، فعمل عمل الفعل ، كقولك ، مررت بالذي في الدار أخوه ، فأخوه فاعل ، كما تقول : بالذي استقرّ في الدار أخوه . وفي القراءة التي لم يقع فيها عنده صلة يرتفع العلم بالإبتداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 569 ) " من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة ، وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله "

(3/262)


الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)

{ كتاب } هو كتاب ، يعني السورة . وقرىء : «ليخرج الناس» . والظلمات والنور : استعارتان للضلال والهدى { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } بتسهيله وتيسيره ، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب ، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق { إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } بدل من قوله إلى النور بتكرير العامل ، كقوله : { لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 75 ] ويجوز أن يكون على وجه الاستئناف ، كأنه قيل : إلى أي نور؟ فقيل : إلى صراط العزيز الحميد . وقوله : { الله } عطف بيان للعزيز الحميد؛ لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة كما غلب النجم في الثريا . وقرىء بالرفع على : «هو الله» . الويل : نقيض الوأل ، وهو النجاة اسم معنى ، كالهلاك؛ إلا أنه لا يشتق منه فعل ، إنما يقال : ويلاً له ، فينصب نصب المصادر ، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات ، فيقال : ويل له ، كقوله سلام عليك . ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل . فإن قلت : ما وجه اتصال قوله : { مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } بالويل؟ قلت : لأنّ المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد ، ويضجون منه ، ويقولون : يا ويلاه ، كقوله : { دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } [ الفرقان : 13 ] { الذين يَسْتَحِبُّونَ } مبتدأ خبره : أولئك في ضلال بعيد ويجوز أن يكون مجروراً صفة للكافرين ، ومنصوباً على الذمّ . أو مرفوعاً على أعني الذين يستحبون أو هم الذين يستحبون ، والاستحباب : الإيثار والاختيار ، وهو استفعال من المحبة؛ لأنّ المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إِليه وأفضل عندها من الآخر . وقرأ الحسن «ويصِدّون» ، بضم الياء وكسر الصاد . يقال : صدّه عن كذا ، وأصدّه ، قال :
أُنَاسٌ اصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ ... والهمزة فيه داخلة على صدّ صدوداً ، لتنقله من غير التعدّي إلى التعدّي . وأما صدّه ، فموضوع على التعدية كمنعه ، وليست بفصيحة كأوقفه؛ لأنّ الفصحاء استغنوا بصدّه ووقفه عن تكلف التعدية بالهمزة { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } ويطلبون لسبيل الله زيغاً واعوجاجاً ، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية ، والأصل : ويبغون لها ، فحذف الجار وأوصل الفعل { فِى ضلال بَعِيدٍ } أي ضلوا عن طريق الحق ، ووقفوا دونه بمراحل . فإن قلت : فما معنى وصف الضلال بالبعد . قلت : هو من الإسناد المجازي ، والبعد في الحقيقة للضالّ؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق ، فوصف به فعله ، كما تقول : جدّ جدّه ، ويجوز أن يراد : في ضلال ذي بعد . أو فيه بعد : لأنّ الضالّ قد يضلّ عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً .

(3/263)


وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)

{ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } أي ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه ، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا : لم نفهم ما خوطبنا به ، كما قال : { وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته } [ فصلت : 44 ] فإن قلت : لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم ، وإنما بعث إلى الناس جميعاً { قل يا أَيُّهَا النَّاس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } [ الأعراف : 158 ] بل إلى الثقلين ، وهم على ألسنة مختلفة ، فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية ، لم تكن للعرب حجة أيضاً . قلت : لا يخلو إمّا أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها ، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة ، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فبقي أن ينزل بلسان واحد ، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول؛ لأنهم أقرب إليه ، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر . قامت التراجم ببيانه وتفهيمه ، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمّة من أمم العجم ، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة ، والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة ، على كتاب واحد ، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه ، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد ، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكدّ القرائح فيه ، من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب ، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ، وأسلم من التنازع والاختلاف ، ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها - مع اختلافها وكثرتها ، وكان مستقلاً بصفة الإعجاز في كل واحد منها ، وكلم الرسول العربي كل أمّة بلسانها كما كلم أمّته التي هو منها يتلوه عليهم معجزاً - لكان ذلك أمراً قريباً من الإلجاء . ومعنى { بِلِسَانِ قَوْمِهِ } بلغة قومه . وقرىء : «بلسن قومه» . واللسن واللسان : كالريش والرياش ، بمعنى اللغة . وقرىء : «بلُسن قومه» بضم اللام والسين مضمومة أو ساكنة ، وهو جمع لسان ، كعماد وعمد وعمد على التخفيف . وقيل : الضمير في قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ورووه عن الضحاك . وأن الكتب كلها نزلت بالعربية ، ثم أدّاها كل نبيّ بلغة قومه ، وليس بصحيح؛ لأنّ قوله ليبين لهم ضمير القوم وهم العرب ، فيؤدّي إلى أن الله أنزل التوراة من السماء بالعربية ليبين للعرب ، وهذا معنى فاسد { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآء } كقوله { فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } [ التغابن : 2 ] لأنّ الله لا يضلّ إلا من يعلم أنه لن يؤمن . ولا يهدي إلا من يعلم أنه يؤمن . والمراد بالإضلال التخلية ومنع الألطاف ، وبالهداية : التوفيق واللطف ، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان { وَهُوَ العزيز } فلا يغلب على مشيئته { الحكيم } فلا يخذل إلا أهل الخذلان ، ولا يلطف إلا بأهل اللطف .

(3/264)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)

{ أَنْ أَخْرِجْ } بمعنى أي أخرج؛ لأنّ الإرسال فيه معنى القول ، كأنه قيل : أرسلناه وقلنا له أخرج . ويجوز أن تكون أن الناصبة للفعل ، وإنما صلح أن توصل بفعل الأمر ، لأنّ الغرض وصلها بما تكون معه في تأويل المصدر وهو الفعل والأمر ، وغيره سواء في الفعلية . والدليل على جواز أن تكون الناصبة للفعل : قولهم أوعز إليه بأن أفعل ، فأدخلوا عليها حرف الجر . وكذلك التقدير بأن أخرج قومك { وَذَكِّرْهُمْ بأيام الله } وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم : قوم نوح وعاد وثمود . ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها ، كيوم ذي قار ، ويوم الفجار ، ويوم قضة وغيرها ، وهو الظاهر ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : نعماؤه وبلاؤه . فأمّا نعماؤه ، فإنه ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى . وفلق لهم البحر . وأمّا بلاؤه فإهلاك القرون { لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } يصبر على بلاء الله ويشكر نعماءه ، فإذا سمع بما أنزل الله من البلاء على الأمم ، أو أفاض عليهم من النعم ، تنبه على ما يجب عليه من الصبر والشكر واعتبر وقيل : أراد لكل مؤمن ، لأنّ الشكر والصبر من سجاياهم ، تنبيهاً عليهم .

(3/265)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)

{ إِذْ أَنجَاكُمْ } ظرف للنعمة بمعنى الإنعام ، أي إنعامه عليكم ذلك الوقت . فإن قلت : هل يجوز أن ينتصب بعليكم؟ قلت : لا يخلو من أن يكون صلة للنعمة بمعنى الإنعام ، أو غير صلة إذا أردت بالنعمة العطية ، فإذا كان صلة لم يعمل فيه ، وإذا كان غير صلة بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرّة عليكم عمل فيه ، ويتبين الفرق بين الوجهين أنك إذا قلت : نعمة الله عليكم ، فإن جعلته صلة لم يكن كلاماً حتى تقول فائضة أو نحوها ، وإلا كان كلاماً ، ويجوز أن يكون «إذ» بدلا من نعمة الله ، أي : اذكروا وقت إنجائكم ، وهو من بدل الاشتمال . فإن قلت : في سورة البقرة { يُذَبّحُونَ } وفي الأعراف { يَقْتُلُونَ } وههنا { وَيُذَبِّحُونَ } مع الواو ، فما الفرق؟ قلت : الفرق أنّ التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيراً للعذاب وبياناً له ، وحيث أثبت جعل التذبيح لأنه أوفى على جنس العذاب ، وزاد عليه زيادة ظاهرة كأنه جنس آخر . فإن قلت : كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ قلت : تمكينهم وإمهالهم ، حتى فعلوا ما فعلوا ابتلاء من الله . ووجه آخر وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء وهو بلاء عظيم ، والبلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعاً ، قال تعالى { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء : 35 ] وقال زهير :
فَأَبْلاَهُمَا خَيرَ البَلاَءِ الذي يَبْلُوا ...

(3/266)


وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)

{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } من جملة ما قال موسى لقومه ، وانتصابه للعطف على قوله : { نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 231 ] كأنه قيل : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم ، واذكروا حين تأذن ربكم . ومعنى تأذن ربكم : أذن ربكم . ونظير تأذن وأذن : توعد وأوعد ، تفضل وأفضل . ولا بدّ في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل ، كأنه قيل : وإذ أذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه . والمعنى : وإذ تأذن ربكم فقال : { لَئِن شَكَرْتُمْ } أو أجرى { تَأَذَّنَ } مجرى ، قال : لأنه ضرب من القول . وفي قراءة ابن مسعود : «وإذ قال ربكم لئن شكرتم» ، أي لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح { لأَزِيدَنَّكُمْ } نعمة إلى نعمة ، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم { وَلَئِن كَفَرْتُمْ } وغمطتم ما أنعمت به عليكم { إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ } لمن كفر نعمتي .

(3/267)


وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)

{ وَقَالَ موسى } إن كفرتم أنتم يا بني إسرائيل والناس كلهم ، فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لا بدّ لكم منه وأنتم إليه محاويج ، والله غني عن شكركم { حَمِيدٌ } مستوجب للحمد بكثرة أنعمه وأياديه ، وإن لم يحمده الحامدون .

(3/268)


أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)

{ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } جملة من مبتدأ وخبر ، وقعت اعتراضاً : أو عطف الذين من بعدهم على قوم نوح . و { لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } اعتراض . والمعنى : أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون ، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : كذب النسابون ، يعني أنهم يدّعون علم الأنساب ، وقد نفي الله علمها عن العباد { فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل ، كقوله : { عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ } [ آل عمران : 119 ] أو ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه . أو وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره ، إقناطاً لهم من التصديق . ألا ترى إلى قوله : { فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } وهذا قول قوي . أو وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء : أطبقوا أفواهكم واسكتوا . أو ردّوها في أفواه الأنبياء يشيرون لهم إلى السكوت . أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون . وقيل : الأيدي ، جمع يد وهي النعمة بمعنى الأيادي ، أي : ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحي إليهم من الشرائع والآيات في أفواههم ، لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها ، فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوها [ إلى حيثُ جاءت ] منه على طريق المثل { مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } من الإيمان بالله . وقرىء : «تدعونا» بإدغام النون { مُرِيبٍ } موقع في الريبة أو ذي ريبة ، من أرابه ، وأراب الرجل ، وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر .

(3/269)


قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10)

{ أَفِى الله شَكٌّ } أدخلت همزة الإنكار على الظرف ، لأن الكلام ليس في الشك ، إنما هو في المشكوك فيه ، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وشهادتها عليه { يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } أي يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم أو يدعوكم لأجل المغفرة كقوله : دعوته لينصرني ، ودعوته ليأكل معي ، وقال :
دَعَوْتُ لِمَا نَابنِي مِسْوَرا ... فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرِ
فإن قلت : ما معنى التبعيض في قوله : من ذنوبكم؟ قلت : ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين ، كقوله : { واتقوه وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } [ نوح : 3 - 4 ] ، { ياقومنا أَجِيبُواْ دَاعِىَ الله وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذنوبكم } [ الأحقاف : 31 ] وقال في خطاب المؤمنين : { هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الصف : 10 ] إلى أن قال { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } [ الصف : 12 ] وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء ، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ، ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد ، وقيل : أريد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله ، بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها { وَيُؤَخّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى وقت قد سماه الله وبين مقداره ، يبلغكموه إن آمنتم ، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت { إِنْ أَنتُمْ } ما أنتم { إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } لا فضل بيننا وبينكم ، ولا فضل لكم علينا ، فلم تخصون بالنبوّة دوننا ، ولو أرسل الله إلى البشر رسلاً لجعلهم من جنس أفضل منهم وهم الملائكة { بسلطان مُّبِينٍ } بحجة بينة ، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات والحجج ، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتاً ولجاجاً .

(3/270)


قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)

{ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تسليم لقولهم ، وأنهم بشر مثلهم ، يعنون أنهم مثلهم في البشرية وحدها ، فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم ، ولكنهم لم يذكروا فضلهم تواضعاً منهم ، واقتصروا على قولهم { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } بالنبوّة ، لأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لاختصاصهم بها ، لخصائص فيهم قد استؤثروا بها على أبناء جنسهم { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أرادوا أن الإتيان بالآية التي اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا ، وما هو إلا أمر يتعلق بمشيئة الله { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل ، وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً وأمروها به ، كأنهم قالوا : ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وما يجري علينا منكم . ألا ترى إلى قوله : { وَمَا لَنَا أَن لا نَتَوَكَّلَ عَلَى الله } ومعناه : وأيّ عذر لنا في أن لا نتوكل عليه { وَقَدْ هَدَانَا } وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه ، وهو التوفيق لهداية كل واحد منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين ، فإن قلت : كيف كرّر الأمر بالتوكل؟ قلت : الأول لاستحداث التوكل ، وقوله : { فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } معناه فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم وقصدهم إلى أنفسهم على ما تقدّم .

(3/271)


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)

{ لَنُخْرِجَنَّكُمْ } ، { أَوْ لَتَعُودُنَّ } ليكونن أحد الأمرين لا محالة ، إما إخراجكم إما عودكم حالفين على ذلك . فإن قلت : كأنهم كانوا على ملتهم حتى يعودوا فيها . قلت : معاذ الله ، ولكن العود بمعنى الصيرورة ، وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية لا تكاد تسمعهم يستعملون صار ، ولكن عاد ، ما عدت أراه ، عاد لا يكلمني ، ما عاد لفلان مال . أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن به ، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد { لَنُهْلِكَنَّ الظالمين } حكاية تقتضي إضمار القول ، أو إجراء الإيجاء مجرى القول ، لأنه ضرب منه . وقرأ أبو حيوة : «ليهلكنّ» ، «وليسكننكم» بالياء اعتباراً لأوحى ، وأن لفظه لفظ الغيبة ، ونحوه قولك : أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن . والمراد بالأرض . أرض الظالمين وديارهم ، ونحوه { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها } [ الأعراف : 127 ] ، { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وديارهم } [ الأحزاب : 27 ] . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :
( 570 ) " من آذى جاره ورثه الله داره " ولقد عاينت هذا في مدة قريبة : كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا منها ويؤذيني فيه ، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته ، فنظرت يوماً إلى أبناء خالي يتردّدون فيها ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدّثتهم به ، وسجدنا شكراً لله { ذلك } إشارة إلى ما قضى به الله من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم ، أي ذلك الأمر حق { لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } موقفي وهو موقف الحساب ، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ، أو على إقحام المقام . وقيل : خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله . والمعنى أنّ ذلك حق للمتقين ، كقوله : { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } [ الأعراف : 128 ] .

(3/272)


وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)

{ واستفتحوا } واستنصروا الله على أعدائهم { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح } [ الأنفال : 19 ] أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة ، كقوله تعالى : { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } [ الأعراف : 89 ] وهو معطوف على { أوحي إليهم } وقرىء : «واستفتحوا» بلفظ الأمر . وعطفه على { لتهلكنّ } أي : أوحى إليهم ربهم وقال لهم لنهلكنّ وقال لهم استفتحوا { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } معناه فنصروا وظفروا وأفلحوا ، وخاب كل جبار عنيد ، وهم قومهم . وقيل : واستفتح الكفار على الرسل ، ظنا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل ، وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه { مِّن وَرَآئِهِ } من بين يديه . قال :
عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ ... يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
وهذا وصف حاله وهو في الدنيا ، لأنه مرصد لجهنم ، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف ، فإن قلت : علام عطف { ويسقى } ؟ قلت : على محذوف تقديره : من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقي من ماء صديد ، كأنه أشد عذابها فخصص بالذكر مع قوله : { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } . فإن قلت : ما وجه قوله تعالى { مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ } ؟ قلت : صديد عطف بيان لماء ، قال : { ويسقى مِن مَّآءٍ } فأبهمه إبهاماً ثم بينه بقوله { صَدِيدٍ } وهو ما يسيل من جلود أهل النار { يَتَجَرَّعُهُ } يتكلف جرعه { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } دخل كاد للمبالغة . يعني : ولا يقارب أن يسيغه ، فكيف تكون الإساغة ، كقوله : { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } [ النور : 40 ] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ } كأنّ أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به من جميع الجهات ، تفظيعاً لما يصيبه من الآلام . وقيل : { مِّن كُلِّ مَكَانٍ } من جسده حتى من إبهام رجله . وقيل : من أصل كل شعرة { وَمِن وَرَآئِهِ } ومن بين يديه { عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشدّ مما قبله وأغلظ . وعن الفضيل : هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد . ويحتمل أن يكون أهل مكة قد استفتحوا أي استمطروا - والفتح المطر - في سني القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسقوا ، فذكر سبحانه ذلك ، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء آخر ، وهو صديد أهل النار . واستفتحوا - على هذا التفسير - : كلام مستأنف منقطع عن حديث الرسل وأممهم .

(3/273)


مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)

هو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه ، تقديره : وفيما يقص عليك { مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله : { أعمالهم كَرَمَادٍ } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم؟ فقيل : أعمالهم كرماد . ويجوز أن يكون المعنى : مثل أعمال الذين كفروا بربهم . أو هذه الجملة خبراً للمبتدأ ، أي صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد ، كقولك صفة زيد عرضه مصون وما له مبذول ، أو يكون أعمالهم بدلاً من { مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ } على تقدير : مثل أعمالهم ، وكرماد : الخبر وقرىء : «الرياح» { فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } جعل العصف لليوم ، وهو لما فيه ، وهو الريح أو الرياح ، كقولك : يوم ماطر وليلة ساكرة . وإنما السكور لريحها وقرىء : «في يوم عاصف» ، بالإضافة وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم ، من صلة الأرحام وعتق الرقاب ، وفداء الأسارى ، وعقر الإبل للأضياف ، وإغاثة الملهوفين ، والإجازة ، وغير ذلك من صنائعهم ، شبهها في حبوطها وذهابها هباء منثوراً لبنائها على غير أساس من معرفة الله والإيمان به ، وكونها لوجهه : برماد طيرته الريح العاصف { لاَّ يَقْدِرُونَ } يوم القيامة { مِمَّا كَسَبُواْ } من أعمالهم { على شَىْءٍ } أي لا يرون له أثراً من ثواب ، كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء { ذلك هُوَ الضلال البعيد } إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب { بالحق } بالحكمة والغرض الصحيح والأمر العظيم ، ولم يخلقها عبثاً ولا شهوة .

(3/274)


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)

وقرىء : «خالق السموات والأرض» { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم ، إعلاماً منه باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم ، يقدر على الشيء وجنس ضده { وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ } بمتعذر ، بل هو هين عليه يسير ، لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ، فإذا خلص له الداعي إلى شيء وانتفى الصارف ، تكوّن من غير توقف : كتحريك أصبعك إذا دعاك إليه داع ولم يعترض دونه صارف ، وهذه الآيات بيان لإبعادهم في الضلال وعظيم خطئهم في الكفر بالله ، لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يعبد ، ويخاف عقابه ويرجىثوابه في دار الجزاء .

(3/275)


وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)

{ وَبَرَزُواْ للَّهِ } ويبرزون يوم القيامة . وإنما جيء به بلفظ الماضي ، لأنّ ما أخبر به عزّ وعلا لصدقه كأنه قد كان ووجد ، ونحوه : { وَنَادَى أصحاب الجنة } [ الأعراف : 44 ] ، { ونادى أصحاب النار } [ الأعراف : 50 ] ونظائر له . ومعنى بروزهم لله - والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له - أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ، ويظنون أن ذلك خاف على الله ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أنّ الله لا يخفى عليه خافية . أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه . فإن قلت : لما كتب { الضعفؤا } بواو قبل الهمزة؟ قلت : كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو . ونظيره { علمؤا بَنِى إسراءيل } [ الشعراء : 197 ] والضعفاء : الأتباع والعوام والذين استكبروا : ساداتهم وكبراؤهم ، الذين استتبعوهم واستغووهم وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم { تَبَعًا } تابعين : جمع تابع على تبع ، كقولهم : خادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع . والتبع : الأتباع ، يقال : تبعه تبعاً . فإن قلت : أي فرق بين من في { مّنْ عَذَابِ الله } وبينه في { مِن شَىْء } ؟ قلت : الأولى للتبيين ، والثانية للتبعيض ، كأنه قيل : هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله . ويجوز أن تكونا للتبعيض معاً ، بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ، أي : بعض بعض عذاب الله فإن قلت : فما معنى قوله : { لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ } ؟ قلت : الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخا لهم وعتاباً على استتباعهم واستغوائهم . وقولهم : { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا } من باب التبكيت؛ لأنهم قد علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم ، فأجابوهم معتذرين عما كان منهم إليهم : بأن الله لو هداهم إلى الإيمان لهدوهم ولم يضلوهم ، إما موركين الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله ، كما حكى الله عنهم وقالوا { لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا } [ الأنعام : 148 ] ، { لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } [ النحل : 35 ] يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا . ويدل عليه قوله حكاية عن المنافقين { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَىْء } [ المجادلة : 18 ] . وإما أن يكون المعنى : لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان . وقيل : معناه لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم ، أي : لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة { سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا } مستويان علينا الجزع والصبر . والهمزة وأم للتسوية . ونحوه : { فاصبروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم } [ الطور : 16 ] وروي أنهم يقولون : تعالوا نجزع ، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم ، فيقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون كذلك ثم يقولون : سواء علينا .

(3/276)


فإن قلت : كيف اتصل قوله سواء علينا بما قبله؟ اتصاله من حيث أنّ عتابهم لهم كان جزعاً مما هم فيه ، فقالوا : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ، يريدون أنفسهم وإياهم ، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها ، يقولون : ما هذا الجزع والتوبيخ ، ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر والأمر من ذلك أطمّ . أو لما قالوا لو هدانا الله طريق النجاة لأغنينا عنكم وأنجيناكم ، أتبعوه الإقناط من النجاة فقالوا : { مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } أي منجى ومهرب ، جزعنا أم صبرنا ، ويجوز أن يكون من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً ، كأنه قيل : قالوا جميعاً سواء علينا ، كقوله : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أخنه } [ يوسف : 52 ] والمحيص يكون مصدراً كالمغيب والمشيب . ومكاناً كالمبيت والمصيف . ويقال : حاص عنه وجاض ، بمعنى واحد .

(3/277)


وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)

{ لَمَّا قُضِىَ الأمر } لما قطع الأمر وفرغ منه ، وهو الحساب ، وتصادر الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار . وروي أنّ الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في الأشقياء من الجنّ والإنس فيقول ذلك { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق } وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم { وَوَعَدتُّكُمْ } خلاف ذلك { فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان } من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها { إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني ، وليس الدعاء من جنس السلطان ، ولكنه كقولك : ما تحيتهم إلا الضرب . { فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم ، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم ، وهذا دليل على أنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه ، وليس من الله إلا التمكين ، ولا من الشيطان إلا التزيين . ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال : فلا تلوموني ولا أنفسكم ، فإنّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه . فإن قلت : قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به . قلت : لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره ، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام : ألا ترى إلى قوله : { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } كيف أتى فيه بالحق والصدق ، وفي قوله : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان } وهو مثل قول الله تعالى : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } [ الحجر : 42 ] ، { مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه . والإصراخ : الإغاثة . وقرىء : «بمصرخي» بكسر الياء وهي ضعيفة ، واستشهدوا لها ببيت مجهول :
قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ يَاتَا في ... قَالَتْ لَهُ مَا أنْتَ بِالمَرْضِي
وكأنه قدّر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة ، فحرّكها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين ، ولكنه غير صحيح ، لأنَّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة ، حيث قبلها ألف في نحو عصاي ، فما بالها وقبلها ياء؟ فإن قلت : جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام ، فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن ، فحرّكت بالكسر على الأصل . قلت : هذا قياس حسن ، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات . «ما» في { بِمَا أشركتموني } مصدرية ، و { مِن قَبْلُ } متعلقة بأشركتموني ، يعني : كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم ، أي في الدنيا ، كقوله تعالى : { وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } [ فاطر : 14 ] ومعنى كفره بإشراكهم إياه : تبرؤه منه واستنكاره له ، كقوله تعالى : { إِنَّا بُرَءاء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ }

(3/278)


[ الممتحنة : 4 ] وقيل : { مِن قَبْلُ } يتعلق بكفرت . وما موصولة ، أي : كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل ، تقول : شركت زيداً ، فإذا نقلت بالهمزة قلت : أشركنيه فلان ، أي : جعلني له شريكاً . ونحو «ما» هذه «ما» في قولهم : سبحان ما سخركنّ لنا . ومعنى إشراكهم الشيطان بالله : طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وغيرها ، وهذا آخر قول إبليس ، وقوله : { إِنَّ الظالمين } قول الله عزّ وجلّ ، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس ، وإنما حكى الله عز وعلا ما سيقوله في ذلك الوقت ، ليكون لطفاً للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بدّ لهم من الوصول إليه ، وأن يتصوّروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول الشيطان فيه ما يقول ، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجهم . وقرىء : «فلا يلوموني» ، بالياء على طريقة الالتفات ، كقوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس : 22 ] .

(3/279)


وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)

وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد : «وأدخل الذين آمنوا» على فعل المتكلم ، بمعنى : وأدخل أنا وهذا دليل على أنه من قول الله ، لا من قول إبليس { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } متعلق بأدخل ، أي : أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره . فإن قلت : فبم يتعلق في القراءة الأخرى ، وقولك : وأدخلهم أنا بإذن ربهم ، كلام غير ملتئم؟ قلت : الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله : { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } بما بعده ، أي { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام } بإذن ربهم ، يعني : أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم .

(3/280)


أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)

قرىء : «ألم تر» ساكنة الراء ، كما قرىء : «من يتق» ، وفيه ضعف { ضَرَبَ الله مَثَلاً } اعتمد مثلاً ووضعه . و { كَلِمَةً طَيّبَةً } نصب بمضمر ، أي : جعل كلمة طيبة { كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } وهو تفسير لقوله : { ضَرَبَ الله مَثَلاً } كقولك : شرّف الأمير زيداً : كساه حلة ، وحمله على فرس . ويجوز أن ينتصب { مثل الذين } و { كَلِمةًَ } بضرب ، أي : ضرب كلمة طيبة مثلاً ، بمعنى جعلها مثلاً ثم قال : { كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } على أنها خبر مبتدأ محذوف ، بمعنى هي كشجرة طيبة { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } يعني في الأرض ضارب بعروقه فيها { وَفَرْعُهَا } وأعلاها ورأسها { فِى السماء } ويجوز أن يريد : وفروعها ، على الاكتفاء بلفظ الجنس . وقرأ أنس بن مالك «كشجرة طيبة ثابت» أصلها فإن قلت : أيّ فرق بين القراءتين؟ قلت : قراءة الجماعة أقوى معنى؛ لأنّ في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة ، وإذا قلت : مررت برجل أبوه قائم ، فهو أقوى معنى من قولك : مررت برجل قائم أبوه؛ لأنّ المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل . والكلمة الطيبة : كلمة التوحيد . وقيل : كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة . وعن ابن عباس : شهادة أن لا إله إلا الله . وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار ، كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمّان وغير ذلك وعن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم :
( 571 ) " إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي " فوقع الناس في شجر البوادي ، وكنت صبياً ، فوقع في قلبي أنها النخلة ، فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم . وروي : فمنعني مكان عمر واستحييت ، فقال لي عمر : يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحبّ إليّ من حمر النعم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا إنها النخلة "
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : شجرة في الجنة وقوله : { فِى السماء } معناه في جهة العلوّ والصعود ، ولم يرد المظلة ، كقولك في الجبل : طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها { بِإِذْنِ رَبّهَا } بتيسير خالقها وتكوينه { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني .

(3/281)


وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)

{ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } كمثل شجرة خبيثة ، أي : صفتها كصفتها . وقرىء : «ومثل كلمة» بالنصب ، عطفاً على كلمة طيبة ، والكلمة الخبيثة : كلمة الشرك . وقيل : كل كلمة قبيحة . وأمّا الشجرة الخبيثة فكل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث ونحو ذلك . وقوله : { اجتثت مِن فَوْقِ الأرض } في مقابلة قوله : { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [ إبراهيم : 24 ] ومعنى { اجتثت } استؤصلت ، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها { مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } أي استقرار . يقال : قرّ الشيء قراراً ، كقولك : ثبت ثباتاً شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة ، فهو داحض غير ثابت والذي لا يبقى إنما يضمحل عن قريب لبطلانه ، من قولهم : الباطل لجلج . وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء : ما تقول في كلمة خبيثة؟ فقال : ما أعلم لها في الأرض مستقراً ، ولا في السماء مصعداً ، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة .

(3/282)


يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)

{ القول الثابت } الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه ، فاعتقده واطمأنت إليه نفسه ، وتثبيتهم به في الدنيا : أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا ، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود ، والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد ، وكما ثبت جرجيس وشمسون وغيرهما . وتثبيتهم في الآخرة . أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم ، لم يتلعثموا ولم يبهتوا ، ولم تحيرهم أهوال الحشر . وقيل معناه الثبات عند سؤال القبر . وعن البراء ابن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( 572 ) ذكر قبض روح المؤمن فقال « ثم يعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له : من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد ، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله : » يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت « { وَيُضِلُّ الله الظالمين } الذين لم يتمسكوا بحجة في دينهم ، وإنما اقتصروا على تقليد كبارهم وشيوخهم ، كما قلد المشركون آباءهم فقالوا : { إِنَّا وَجَدْنآ ءابآءَنَا } [ الزخرف : 22 - 23 ] وإضلالهم في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أوّل شيء ، وهم في الآخرة أضل وأذل { وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآء } أي ما توجبه الحكمة؛ لأن مشيئة الله تابعة للحكمة ، من تثبيت المؤمنين وتأييدهم ، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم ، ومن إضلال الظالمين وخذلانهم ، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم .

(3/283)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)

{ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله } أي شكر نعمة الله { كُفْراً } لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفراً ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً ، ونحوه : { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } [ الواقعة : 82 ] أي شكر رزقكم حيث وضعتم التكذيب موضعه . ووجه آخر : وهو أنهم بدلوا نفس النعمة كفراً على أنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر ، حاصلاً لهم الكفر بدل النعمة . وهم أهل مكة : أسكنهم الله حرمه ، وجعلهم قوّام بيته ، وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم . أو أصابهم الله بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين ، فكفروا نعمته ، فضربهم بالقحط سبع سنين ، فحصل لهم الكفر بدل النعمة ، كذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر وقد ذهبت عنهم النعمة وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم ، وعن عمر رضي الله عنه : هم الأفجران من قريش : بنو المغيرة وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر . وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين . وقيل : هم متنصرة العرب : جبلة بن الأيهم وأصحابه { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ } ممن تابعهم على الكفر { دَارَ البوار } دار الهلاك . وعطف { جَهَنَّمَ } على دار البوار عطف بيان قرىء : «ليضلوا» بفتح الياء وضمها . فإن قلت : الضلال والإضلال لم يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد فما معنى اللام قلت : لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد ، كما كان الإكرام في قولك : جئتك لتكرمني ، نتيجة المجيء ، دخلته اللام وإن لم يكن غرضاً ، على طريق التشبيه والتقريب { تَمَتَّعُواْ } إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر ، وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه ، مأمورون به ، قد أمرهم آمر مطاع لا يسعهم أن يخالفوه ولا يملكون لأنفسهم أمراً دونه ، وهو أمر الشهوة . والمعنى : إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } ويجوز أن يراد الخذلان والتخلية ونحوه { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار } [ الزمر : 8 ] .

(3/284)


قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)

المقول محذوف ، لأن جواب { قُل } يدل عليه ، وتقديره { قُل لّعِبَادِىَ الذين ءامَنُواْ } أقيموا الصلاة وأنفقوا { يُقِيمُواْ الصلاوة وَيُنْفِقُواْ } وجوزوا أن يكون يقيموا وينفقوا ، بمعنى : ليقيموا ولينفقوا ، ويكون هذا هو المقول ، قالوا : وإنما جاز حذف اللام ، لأنّ الأمر الذي هو { قُل } عوض منه ، ولو قيل : يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام ، لم يجز فإن قلت : علام انتصب { سِرّا وَعَلاَنِيَةً } ؟ قلت : على الحال ، أي : ذوي سرّ وعلانية ، بمعنى : مسرين ومعلنين . أو على الظرف ، أي وقتي سر وعلانية ، أو على المصدر ، أي : إنفاق سر وإنفاق علانية ، [ و ] المعنى : إخفاء المتطوع به من الصدقات والإعلان بالواجب . والخلال : المخالة . فإن قلت : كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال } قلت : من قبل أنّ الناس يخرجون أموالهم في عقود المعاوضات ، فيعطون بدلاً ليأخذوا مثله ، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أمثالها أو خيراً منها . وأمّا الإنفاق لوجه الله خالصاً كقوله تعالى : { وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تَجْزِى إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الاعلى } [ الليل : 19-20 ] فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص ، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في يوم لا بيع فيه ولا خلال ، أي : لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة ، ولا بما ينفقون به أموالهم من المعاوضات والمكارمات ، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله ، وقرىء : «لا بيع فيه ولا خلالُ» بالرفع .

(3/285)


اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)

{ الله } مبتدأ ، و { الذى خَلَقَ } خبره ، و { مِنَ الثمرات } بيان للرزق ، أي : أخرج به رزقاً هو ثمرات . ويجوز أن يكون { مِنَ الثمرات } مفعول أخرج ، و { رِزْقاً } حالاً من المفعول ، أو نصباً على المصدر من أخرج ، لأنه في معنى رزق { بِأَمْرِهِ } بقوله كن { دآئِبَينَ } يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات ، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات { وَسَخَّر لَكُمُ الَّيْلَ والنَّهَارَ } يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم { وءاتاكم مِّن كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ } من للتبعيض ، أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه ، نظراً في مصالحكم . وقرىء : «من كلّ» بالتنوين ، وما سألتموه نفي ومحله النصب على الحال أي : آتاكم من جميع ذلك غير سائليه ، ويجوز أن تكون { مَا } موصولة ، على : وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أَحوالكم ومعايشكم إلا به ، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال { لاَ تُحْصُوهَا } لا تحصروها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها ، هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال . وأمّا التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله { لَظَلُومٌ } يظلم النعمة بإغفال شكرها { كَفَّارٌ } شديد الكفران لها . وقيل ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع . والإنسان للجنس ، فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه .

(3/286)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)

{ هذا البلد } يعني البلد الحرام ، زاده الله أمناً ، وكفاه كل باغ وظالم ، وأجاب فيه دعوة خليله إبراهيم عليه السلام { ءَامِناً } ذا أمن . فإن قلت : أي فرق بين قوله : { اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } [ البقرة : 126 ] وبين قوله : { اجعل هذا البلد ءَامِنًا } ؟ قلت : قد سأل في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون ، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن ، كأنه قال : هو بلد مخوف ، فاجعله آمناً { واجنبنى } وقرىء : «وأجنبني» ، وفيه ثلاث لغات : جنبه الشر ، وجنبه ، وأجنبه؛ فأهل الحجاز يقولون : جنبني شره بالتشديد ، وأهل نجد جنبني وأجنبني ، والمعنى : ثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها { وَبَنِىَّ } أراد بنيه من صلبه وسئل ابن عيينة : كيف عبدت العرب الأصنام؟ فقال : ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنماً ، واحتج بقوله : { واجنبني وبني } { أَن نَّعْبُدَ الأصنام } إنما كانت أنصاب حجارة لكل قوم ، قالوا : البيت حجر ، فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت ، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ، فاستحب أن يقال : طاف بالبيت ، ولا يقال : دار بالبيت { إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } فأعوذ بك أن تعصمني وبنيَّ من ذلك ، وإنما جعلن مضلات؛ لأنّ الناس ضلوا بسببهنّ ، فكأنهنّ أضللنهم ، كما تقول : فتنتهم الدنيا وغرّتهم ، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها { فَمَن تَبِعَنِى } على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي { فَإِنَّهُ مِنِّى } أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته لي ، وكذلك قوله :
( 573 ) " من غشنا فليس منا " أي ليس بعض المؤمنين ، على أنّ الغش ليس من أفعالهم وأوصافهم { وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تغفر له ما سلف منه من عصياني إذا بدا له فيه واستحدث الطاعة لي . وقيل : معناه ومن عصاني فيما دون الشرك .

(3/287)


رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

{ مِن ذُرّيَّتِى } بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه { بِوَادٍ } هو وادي مكة { غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } لا يكون فيه شيء من زرع قط ، كقوله : { قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } [ الزمر : 28 ] بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج ، ما فيه إلا الاستقامة لا غير . وقيل للبيت المحرم ، لأنّ الله حرم التعرض له والتهاون به ، وجعل ما حوله حرماً لمكانه ، أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار ، كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب ، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها ، أو لأنه حرّم على الطوفان أي منع منه ، كما سُمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه { لِيُقِيمُواْ الصلاة } اللام متعلقة بأسكنت ، أي : ما أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق ، إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك ، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع ، مستسعدين بجوارك الكريم ، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك ، والطواف به ، والركوع والسجود حوله ، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك { أَفْئِدَةً مِّنَ الناس } أفئدة من أفئدة الناس ، ومن للتبعيض ، ويدل عليه ما روي عن مجاهد : لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم ، وقيل : لو لم يقل { مِّنَ } لازدحموا عليه حتى الروم والترك والهند ويجوز أن يكون { مِّنَ } للابتداء ، كقولك : القلب مني سقيم ، تريد قلبي ، فكأنه قيل : أفئدة ناس ، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير أفئدة ، لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة . وقرىء : «آفدة» ، بوزن عاقدة . وفيه وجهان ، أحدهما : أن يكون من القلب كقولك : آدر ، في أدؤر . والثاني : أن يكون اسم فاعلة من أفدت الرحلة إذا عجلت ، أي جماعة أو جماعات يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم . وقرىء : «أفدة» ، وفيه وجهان : أن تطرح الهمزة للتخفيف ، وإن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين . وأن يكون من أفد { تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً من قوله :
يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِىَّ الأَجْدَلِ ... وقرىء : «تُهْوَى إليهم» ، على البناء للمفعول ، من هوى إليه وأهواه غيره . وتهوى إليهم ، من هوى يهوي إذا أحب ، ضمن معنى تنزع فعدّى تعديته { وارزقهم مّنَ الثمرات } مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها ، بأن تجلب إليهم من البلاد { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في واد يباب ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء لا جرم أن الله عز وجلّ أجاب دعوته فجعله حرماً آمناً تجبى إليه . ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه ، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثماراً ، وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع ، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد ، وليس ذلك من آياته بعجيب ، متعنا الله بسكنى حرمه ، ووفقنا لشكر نعمه ، وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم عليه السلام ، ورزقنا طرفاً من سلامة ذلك القلب السليم .

(3/288)


رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)

النداء المكرر دليل التضرع واللجأ إلى الله تعالى { إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } تعلم السرَّ كما تعلم العلن علماً لا تفاوت فيه ، لأنّ غيباً من الغيوب لا يحتجب عنك . والمعنى : أنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا منا ، وأنت أرحم بنا وأنصح لنا منا بأنفسنا ولها ، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب ، وإنما ندعوك إظهاراً للعبودية لك ، وتخشعاً لعظمتك ، وتذللا لعزتك ، وافتقاراً إلى ما عندك ، واستعجالاً لنيل أياديك ، وولهاً إلى رحمتك ، وكما يتملق العبد بين يدي سيده ، رغبة في إصابة معروفه ، مع توفر السيد على حسن الملكة . وعن بعضهم : أنه رفع حاجته إلى كريم فأبطأ عليه النجح ، فأراد أن يذكره فقال : مثلك لا يذكر استقصاراً ولا توهما للغفلة عن حوائج السائلين ، ولكن ذا الحاجة لا تدعه حاجته أن لا يتكلم فيها . وقيل : ما تخفي من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة ، وما نعلن من البكاء والدعاء . وقيل : ما نخفي من كآبة الافتراق ، وما نعلن : يريد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع : إلى من تكلنا؟ قال : إلى الله أكلكم . قالت : الله أمرك بهذا؟ قال : نعم . قالت : إذن لا نخشى ، تركتنا إلى كاف { وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَىْءٍ } من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام ، كقوله : { وكذلك يَفْعَلُونَ } [ النمل : 34 ] أو من كلام إبراهيم ، يعني : وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان . «ومن» للاستغراق ، كأنه قيل : وما يخفى عليه شيء ما . { عَلَى } في قوله : { عَلَى الكبر } بمعنى مع كقوله :
إنِّي عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ كِبَرِى ... أَعْلَمُ مِنْ حَيْثُ تُؤْكَلُ الْكَتِفُ
وهو في موضع الحال ، معناه : وهب لي وأنا كبير وفي حال الكبر . روي أنّ إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة ، وولد له إسحاق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة ، وقد روي أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين . وإسحاق لتسعين . وعن سعيد بن جبير : لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة ، وإنما ذكر حال الكبر لأنّ المنة بهبة الولد فيها أعظم ، من حيث أنها حال وقوع اليأس من الولادة . والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجلّ النعم وأحلاها في نفس الظافر ، ولأنّ الولادة في تلك السنّ العالية كانت آية لإبراهيم { إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدعاء } كان قد دعا ربه وسأله الولد ، فقال : رب هب لي من الصالحين ، فشكر لله ما أكرمه به من إجابته فإن قلت : الله تعالى يسمع كل دعاء ، أجابه أو لم يجبه . قلت : هو من قولك : سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ومنه : سمع الله لمن حمده وفي الحديث .
( 574 ) " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن " فإن قلت : ما هذه الإضافة إضافة السميع إلى الدعاء؟ قلت : إضافة الصفة إلى مفعولها ، وأصله لسميع الدعاء . وقد ذكر سيبويه فعيلاً في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل ، كقولك : هذا ضروب زيداً ، وضراب أخاه ، ومنحار إبله ، وحذر أموراً ، ورحيم أباه ويجوز أن يكون من إضافة فعيل إلى فاعله ، ويجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي . والمراد سماع الله .

(3/289)


رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)

{ وَمِن ذُرّيَّتِى } وبعض ذرّيتي ، عطفاً على المنصوب في اجعلني ، وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذرّيته كفار ، وذلك قوله : { اَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] . { وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ } أي عبادتي { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ مريم : 48 ] في قراءة أبيّ «ولأبويّ» . وقرأ سعيد بن جبير : «ولو الدي» ، على الإفراد ، يعني أباه ، وقرأ الحسن بن علي رضي الله عنهما : «ولولديّ» يعني إسماعيل وإسحاق . وقرىء : «لولدي» بضم الواو . والولد بمعنى الولد ، كالعدم والعدم . وقيل : جمع ولد ، كأسد في أسد . وفي بعض المصاحف : ولذرّيتي . فإن قلت : كيف جاز له أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين؟ قلت : هو من مجوّزات العقل لا يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف . وقيل : أراد بوالديه آدم وحواء وقيل : بشرط الإسلام . ويأباه قوله { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لاِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [ الممتحنة : 4 ] لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفاراً صحيحاً لا مقال فيه ، فكيف يستثني الاستغفار الصحيح من جملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم { يَوْمَ يَقُومُ الحساب } أي يثبت ، وهو مستعار من قيام القائم على الرجل ، والدليل عليه قولهم : قامت الحرب على ساقها . ونحوه قولهم : ترجلت الشمس : إذا أشرقت وثبت ضوؤها ، كأنها قامت على رجل . ويجوز أن يسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً ، أو يكون مثل { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] وعن مجاهد : قد استجاب الله له فيما سأل ، فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته ، وجعل البلد آمناً ، ورزق أهله من الثمرات . وجعله إماماً ، وجعل في ذريته من يقيم الصلاة ، وأراه مناسكه ، وتاب عليه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كانت الطائف من أرض فلسطين ، فلما قال إبراهيم { ربنا إني أسكنت } الآية [ إبراهيم : 37 ] ، رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقاً للحرم .

(3/290)


وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)

فإن قلت : يتعالى الله عن السهو والغفلة ، فكيف يحسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الناس به غافلاً حتى قيل { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا } ؟ قلت : إن كان خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان . أحدهما التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً ، كقوله : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] ، { وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } [ الشعراء : 213 ] ، كما جاء في الأمر { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } [ النساء : 136 ] والثاني : أنّ المراد بالنهي عن حسبانه غافلاً ، الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون ، لا يخفى عليه منه شيء ، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [ البقرة : 283 ] يريد الوعيد . ويجوز أن يراد : ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم ، المحاسب على النقير والقطمير ، وإن كان خطابا لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلاً ، لجهله بصفاته ، فلا سؤال فيه ، وعن ابن عيينة : تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، فقيل له من قال هذا؟ فغضب وقال : إنما قاله من علمه وقرىء : «يؤخرهم» بالنون والياء { تَشْخَصُ فِيهِ الابصار } أي أبصارهم لا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى { مُهْطِعِينَ } مسرعين إلى الداعي . وقيل : الإهطاع أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف { مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } رافعيها { لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم ، أي : لا يطرفون ، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان . أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم . الهواء : الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ، فوصف به فقيل : قلب فلان هواء إذا كان جباناً لا قوّة في قلبه ولا جرأة . ويقال للأحمق أيضاً : قلبه هواء . قال زهير :
مِنَ الظُّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ ... لأنّ النعام مثل في الجبن والحمق . وقال حسان :
فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ ... وعن ابن جريج { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوآءُ } صفر من الخير خاوية منه ، وقال أبو عبيدة : جوف لا عقول لهم .

(3/291)


وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)

{ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } مفعول ثان لأنذر وهو يوم القيامة . ومعنى { أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } ردّنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحدّ من الزمان قريب ، نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك . أو أريد باليوم : يوم هلاكهم بالعذاب العاجل ، أو يوم موتهم معذبين بشدّة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى ، وأنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب ، كقوله : { لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ } [ المنافقون : 10 ] { أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ } على إرادة القول ، وفيه وجهان : أن يقولوا ذلك بطرا وأشراً ، ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه ، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأمّلوا بعيداً و { مَا لَكُمْ } جواب القسم ، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله { أَقْسَمْتُمْ } ولو حكى لفظ المقسمين لقيل : ما لنا { مّن زَوَالٍ } والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء ، وقيل : لا تنتقلون إلى دار أخرى يعني كفرهم بالبعث ، كقوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } [ النحل : 38 ] يقال : سكن الدار وسكن فيها . ومنه قوله تعالى : { وَسَكَنتُمْ فِى مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } لأنّ السكنى من السكون الذي هو اللبث ، والأصل تعدّيه بفي ، كقولك : قرّ في الدار وغنى فيها وأقام فيها ، ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل : سكن الدار كما قيل : تبوأها وأوطنها . ويجوز أن يكون : سكنوا من السكون ، أي : قرّوا فيها واطمأنوا طيبي النفوس ، سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد ، لا يحدّثونها بما لقي الأوّلون من أيام الله وكيف كان عاقبة ظلمهم ، فيعتبروا ويرتدعوا { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ } بالإخبار والمشاهدة { كَيْفَ } أهلكناهم وانتقمنا منهم . وقرىء : «ونبين لكم» ، بالنون { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال } أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم ، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم { وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } لا يخلو إمّا أن يكون مضافاً إلى الفاعل كالأوّل ، على معنى : ومكتوب عند الله مكرهم ، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه ، أو يكون مضافاً إلى المفعول على معنى : { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } الذي يمكرهم به ، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون { وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال } وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة ، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته ، أي : وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال ، معداً لذلك ، وقد جعلت إن نافية واللام مؤكدة لها ، كقوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة : 143 ] والمعنى : ومحال أن تزول الجبال بمكرهم ، على أنّ الجبال مثل لآيات الله وشرائعه ، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً .

(3/292)