صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

« من ارتبط فرساً في سبيل الله ثم عالج علفه بيده ، كان له بكل حبة حسنة » .
وأخرج أحمد وابن أبي عاصم عن تميم رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من امرىء مسلم ينقي لفرسه شعيراً ثم يعلفه عليه الا كتب الله تعالى له بكل حبة حسنة » .
وأخرج ابن ماجة وابن أبي عاصم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يدخل الجنة سيء الملكة . قالوا : يا رسول الله ، أليس أخبرتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين وأيامى؟ قال : بلى ، فاكرموهم بكرامة أولادكم ، واطعموهم مما تأكلون . قالوا : فما ينفعنا في الدنيا؟ قال : فرس تربطه تقاتل عليه في سبيل الله ، ومملوك يكفيك فإذا كفاك فهو أخوك » .
وأخرج أبو عبدالله الحسين بن اسمعيل المحاملي عن سلمان رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من رجل مسلم إلا حق عليه أن يرتبط فرساً إذا أطاق ذلك » .
وأخرج ابن أبي عاصم عن سوادة بن الربيع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ارتبطوا الخيل ، فإن الخيل في نواصيها الخير » .
وأخرج ابن أبي عاصم عن ابن الحنظلية رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من ارتبط فرساً في سبيل الله ، كانت النفقة عليه كالمادِّ يده بصدقة لا يقطعها » .
وأخرج أبو طاهر المخلص عن ابن الحنظلية رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وصاحبها يعان عليها ، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها » .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن أبي عاصم والحاكم عن ابن الحنظلية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن المنفق على الخيل في سبيل الله ، كباسط يده بالصدقة لا يقبضها » .
وأخرج البخاري والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديق موعود الله كان شبعه وريه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة » .
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند كل سحر بدعوتين ، يقول : اللهم كما خوّلتني من خوّلتني من بني آدم فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه » .
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمي الأنثى من الخيل فرساً » .

(4/480)


وأخرج الطبراني عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من أطرق مسلماً فرساً فأعقب له الفرس ، كتب الله له أجر سبعين فرساً يحمل عليها في سبيل الله ، وإن لم تعقب له كان له كأجر سبعين فرساً يحمل عليه في سبيل الله » .
وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ما تعاطى الناس بينهم شيئاً قط أفضل من الطرق ، يطرق الرجل فرسه فيجري له أجره ، ويطرق الرجل فحله فيجري له أجره ، ويطرق الرجل كبشه فيجري له أجره « .
وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن معاوية بن خديج رضي الله عنه . أنه لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها خيولهم ، فمر معاوية بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرغ فرساً له ، فسلم عليه ووقف ثم قال : يا أبا ذر ، ما هذا الفرس؟ قال : فرس لي لا أراه إلا مستجاباً . قال : وهل تدعو الخيل وتجاب؟ قال : نعم ، ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول : رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده : اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده ، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب ، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً .
وأخرج أبو عبيدة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال » أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فرساً من جدس حي من اليمن ، فأعطاه رجلاً من الأنصار وقال : إذا نزلت فأنزل قريباً مني فإني أسار إلى صهيله ، ففقده ليلة فسأل عنه فقال : يا رسول الله ، إنا خصيناه . فقال : مثلت به يقولها ثلاثاً ، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، أعرافها ادفاؤها وأذنابها مذابها ، التمسوا نسلها وباهوا بصهيلها المشركين « .
وأخرج أبو عبيدة عن مكحول رضي الله عنه قال : » نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جز أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها وقال « أما أذنابها فمذابها ، وأما أعرافها فادفاؤها ، وأما نواصيها ففيها الخير » « .
وأخرج أبو نعيم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » لا تلهبوا أذناب الخيل ، ولا تجزوا أعرافها ونواصيها ، فإن البركة في نواصيها ، ودفاؤها في أعرافها ، وأذنابها مذابها « .
وأخرج أبو داود عن عتبة بن عبد الله السلمي رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها ، فأما أذنابها مذابها ، ومعارفها ادفاؤها ، ونواصيها معقود فيها الخير « .
وأخرج ابن سعد عن أبي واقد أنه بلغه » أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى فرسه فمسح وجهه بكم قميصه فقالوا : يا رسول الله أبقميصك؟ قال : إن جبريل عاتبني في الخيل « .

(4/481)


وأخرج أبو عبيدة من طريق يحيى بن سعيد عن شيخ من الأنصار « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بطرف ردائه وجه فرسه وقال : إني عتبت الليلة في اذلة الخيل » .
وأخرج أبو عبيدة عن عبدالله بن دينار رضي الله عنه قال « مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه فرسه بثوبه ، وقال : إن جبريل بات الليلة يعاتبني في اذلة الخيل » .
وأخرج أبو داود في المراسيل عن الوضين بن عطاء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها » .
وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أكرموا الخيل وجللوها » .
وأخرج الحسن بن عرفة عن مجاهد رضي الله عنه قال : « أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنساناً ضرب وجه فرسه ولعنه فقال » هذه مع تلك ، إلا أن تقاتل عليه في سبيل الله ، فجعل الرجل يقاتل عليه ويحمل إلى أن كبر وضعف وجعل يقول : اشهدوا اشهدوا « » .
وأخرج أبو نصر يوسف بن عمر القاضي في سننه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عين الفرس ربع ثمنه » .
وأخرج محمد بن يعقوب الخلي في كتاب الفروسية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ما من ليلة إلا ينزل ملك من السماء يحبس عن دواب الغزاة الكلال ، إلا دابة في عنقها جرس .
وأخرج ابن سعد وأبو داود والنسائي عن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكنافها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار ، وعليكم بكل كميت أغر محجل ، أو أشقر أغر محجل ، أو أدهم أغر محجل » .
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يمن الخيل في شقرها » .
وأخرج الواقدي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « خير الخيل الشقر ، وإلا فالأدهم أغر محجل ثلاث طليق اليمنى » .
وأخرج أبو عبيدة عن الشعبي رضي الله عنه في حديث رفعه أنه قال « التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى » .
وأخرج الحسن بن عرفة عن موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه قال : « جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » إني أريد أن أبتاع فرساً . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليك به كميتاً وأدهم أقراح ارثم محجل ثلاث طليق اليمنى « » .

(4/482)


وأخرج أبو عبيدة وابن أبي شيبة عن عطاء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن خير الخيل الحو » .
وأخرج ابن عرفة عن نافع بن جبير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « اليمن في الخيل في كل احوى احم » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل » . وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي قتادة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « خير الخيل الأدهم الأقرح المحجل الأرثم طلق اليد اليمنى ، فإن لم يكن ادهم فكميت على هذه النسبة » .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا أردت أن تغتزي فاشتر فرساً أدهم أغر محجلاً مطلق اليمنى ، فإنك تغنم وتسلم » .
وأخرج سعد والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه والطبراني وأبو الشيخ وابن منده والروياني في مسنده وابن مردويه وابن عساكر عن يزيد بن عبدالله بن عريب عن أبيه عن جده « عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في قوله { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } قال : » هم الجن ، ولا يخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق « » .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الهدى عن أبيه عمن حدثه « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم } قال : » هم الجن ، فمن ارتبط حصاناً من الخيل لم يتخلل منزله شيطان « » .
وأخرج ابن المنذر عن سليمان بن موسى رضي الله عنه في قوله { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } ولن يخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وآخرين من دونهم } يعني الشيطان لا يستطيع ناصية فرس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال « الخيل معقود في نواصيها الخير فلا يستطيعه شيطان أبداً » .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وآخرين من دونهم } قال : قريظة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم } قال : يعني المنافقين { الله يعلمهم } يقول : الله يعلم ما في قلوب المنافقين من النفاق الذي يسرون .

(4/483)


وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } قال : هؤلاء المنافقون لا تعلمونهم ، لأنهم معكم يقولون : لا إله إلا الله ويغزون معكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وآخرين من دونهم } قال : أهل فارس .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان رضي الله عنه في قوله { وآخرين من دونهم } قال : قال ابن اليمان رضي الله عنه : هم الشياطين التي في الدور .

(4/484)


وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإن جنحوا للسلم } قال : قريظة .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } قال : نزلت في بني قريظة ، نسختها { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم . . . } [ محمد : 35 ] إلى آخر الآية .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبزي رضي الله عنه « أن النبي كان يقرأ { وإن جنحوا للسلم } » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإن جنحوا للسلم } قال : الطاعة .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } قال : إن رضوا فارض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } يقول : إذا أرادوا الصلح فأرده .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما . أنه قرأ « وإن جنحوا للسلم » يعني بالخفض وهو الصلح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مبشر بن عبيد رضي الله عنهما أنه قرأ « وإن جنحوا للسلم » يعني بفتح السين يعني الصلح .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } قال : نسختها هذه الآية { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } [ التوبة : 29 ] إلى قوله { صاغرون } .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وإن جنحوا للسلم } أي الصلح { فاجنح لها } قال : كانت قبل براءة ، وكان النبي يوادع الناس إلى أجل ، فإما أن يسلموا وإما أن يقاتلهم ، ثم نسخ ذلك في براءة فقال { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] وقال : { قاتلوا المشركين كافة } [ التوبة : 36 ] نبذ إلى كل ذي عهد عهده ، وأمره أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ويسلموا ، وأن لا يقبلوا منهم إلا ذلك ، وكل عهد كان في هذه السورة وغيرها وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتواعدون به ، فإن براءة جاءت بنسخ ذلك ، فأمر بقتالهم قبلها على كل حال حتى يقولوا لا إله إلا الله .

(4/485)


وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإن يردوا أن يخدعوك } قال : قريظة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } قال : الأنصار .
وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه في قوله { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } الآية قال : نزلت في الأنصار .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } قال : هم الأنصار .
وأخرج ابن عساكرعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : مكتوب على العرش : لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ، محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي ، وذلك قوله { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } .
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الاخوان والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه . أن هذه الآية نزلت في المتحابين { لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب واللفظ له ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قرابة الرحم تقطع ، ومنة المنعم تكفر ، ولم نر مثل تقارب القلوب . يقول الله { لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } وذلك موجود في الشعر قال الشاعر :
إذا مت ذو القربى إليك برحمه ... فغشك واستغنى فليس بذي رحم
ولكن ذا القربى الذي ان دعوته ... أجاب : ومن يرمي العدوّ الذي ترمي
ومن ذلك قول القائل :
ولقد صحبت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصلوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذ المودّة أقرب الأسباب
قال البيهقي : هكذا وجدته موصولاً بقول ابن عباس رضي الله عنهما ، ولا أدري قوله وذلك موجود في الشعر من قوله أو من قبل من قبله من الرواة .
وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : النعمة تكفر ، والرحم يقطع ، وإن الله تعالى إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء ، ثم تلا { لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال : إذا لقي الرجل أخاه فصافحه ، تحاتت الذنوب بينهما كما ينثر الريح الورق . فقال رجل : إن هذا من العمل اليسير . فقال : ألم تسمع الله قال { لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } .
وأخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي قال : كتب إلي قتادة : إن يكن الدهر فرق بيننا فإن ألفة الله الذي ألف بين المسلمين قريب .

(4/486)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)

أخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أسلم عمر رضي الله عنه قال المشركون : قد انتصف القوم منا اليوم ، وأنزل الله { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة ، ثم إن عمر رضي الله عنه أسلم ، فصاروا أربعين فنزل { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ، ثم أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم عمر نزلت { يا أيها النبي حسبك الله . . . } الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : لما أسلم عمر رضي الله عنه ، أنزل الله في إسلامه { يا أيها النبي حسبك الله } .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن الزهري رضي الله عنه في قوله { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } قال : فقال : نزلت في الأنصار .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في قوله { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } قال : حسبك الله وحسبك من اتبعك .
وأخرج أبو محمد اسمعيل بن علي الحطبي في الأول من تحديثه من طريق طارق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أسلمت رابع أربعين ، فنزلت { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } .
وأخرج عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال : يقول : حسبك الله والمؤمنون .

(4/487)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)

أخرج البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق سفيان عن عمرو بن دينارعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزل { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً } فكتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ، وأن لا يفر عشرون من مائتين ، ثم نزلت { الآن خفف الله عنكم . . . } الآية . فكتب أن لا يفر مائة من مائتين قال سفيان : وقال ابن شبرمة رضي الله عنه : وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا ، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانا ثلاثة فهو في سعة من تركهم .
وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ، فجاء التخفيف { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم .
وأخرج اسحق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : افترض أن يقاتل كل رجل عشرة ، فثقل ذلك عليهم وشق عليهم ، فوضع عنهم ورد عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين ، فأنزل الله في ذلك { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } إلى آخر الآيات .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : افترض عليهم أن يقاتل كل رجل عشرة ، فثقل ذلك عليهم وشق عليهم ، فوضع عنهم ورد عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين ، فأنزل الله في ذلك { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } إلى آخر الآيات .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت هذه الآية { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } ثقلت على المسلمين فاعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ، ومائة ألفاً ، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى ، فقال { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً . . . } الآية . قال : فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم ، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحرزوا عنهم ، ثم عاتبهم في الأسارى وأخذ المغانم ولم يكن أحد قبله من الأنبياء عليهم السلام يأكل مغنماً من عدوّ هو لله .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن يكن منكم عشرون صابرون .

(4/488)


. . } الآية . قال : ففرض عليهم أن لا يفر رجل من عشرة ولا قوم من عشرة أمثالهم ، فجهد الناس ذلك وشق عليهم ، فنزلت الآية { الآن خفف الله عنكم } إلى قوله { ألفين } ففرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين ولا قوم من مثليهم ، ونقص من الصبر بقدر ما تخفف عنهم من العدة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { إن يكن منكم عشرون . . . } الآية . قال : كان يوم بدر ، جعل الله على المسلمين أن يقاتل الرجل الواحد منهم عشرة من المشركين لقطع دابرهم ، فلما هزم الله المشركين وقطع دابرهم خفف على المسلمين بعد ذلك ، فنزلت { الآن خفف الله عنكم } يعني بعد قتال بدر .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } قال : نزلت في أهل بدر ، شدد عليهم فجاءت الرخصة بعد .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال : هذا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر جعل الله كل رجل منهم يقاتل عشرة من الكفار ، فضجوا من ذلك فجعل على كل رجل منهم قتال رجلين تخفيف من الله عز وجل .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمير رضي الله عنهما في قوله { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } قال : نزلت فينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن عدي والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً } رفع » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي . أنه قرأ { وعلم أن فيكم ضعفاً } .
وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه قرأ { وعلم أن فيكم ضعفاً } وقرأ كل شيء في القرآن ضعف » .

(4/489)


مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)

أخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { أن يكون له أسرى } » .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال : « استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال : إن الله أمكنكم منهم ، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، اضرب أعناقهم؟ فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس . فقام عمر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، اضرب أعناقهم؟ فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم عاد فقال مثل ذلك ، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء . فعفا عنهم وقبل منهم الفداء ، فنزل { لولا كتاب من الله سبق } [ الأنفال : 68 ] الآية « .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في الآية قال » استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، قد أعطاك الظفر ونصرك عليهم ففادهم ، فيكون عوناً لأصحابك ، واستشار عمر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، أضرب أعناقهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحمكما الله . . . !ما أشبهكما باثنين مضيا قبلكما : نوح وإبراهيم ، أما نوح فقال { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } [ نوح : الآية 26 ] وأما إبراهيم فإنه يقول { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } [ إبراهيم : 36 ] « .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : » لما كان يوم بدر جيء بالأسارى فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم . وقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله ، كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فأضرب أعناقهم . وقال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه : أنظروا وادياً كثير الحطب فاضرمه عليهم ناراً . فقال العباس رضي الله عنه وهو يسمع ما يقول : قطعت رحمك . فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئاً فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه؟ وقال أناس : يأخذ بقول عمر رضي الله عنه؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } [ إبراهيم : 36 ] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام قال { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال { رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً } [ نوح : 26 ] ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال { ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } [ يونس : 88 ] أنتم عالة ، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق . فقال عبدالله رضي الله عنه : يا رسول الله ، الا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإِسلام ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليّ الحجارة مني في ذلك اليوم ، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا سهيل بن بيضاء ، فأنزل الله تعالى { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } إلى آخر الآيتين « .

(4/490)


وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : فضل عمر رضي الله عنه عن الناس بأربع : بذكره الأسارى يوم بدر فأمر بقتلهم فأنزل الله { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } ، وبذكره الحجاب ، أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت زينب رضي الله عنها : وإنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟ فأنزل الله { وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب } [ الأحزاب : 53 ] ، ودعوة نبي الله اللهم أيد الإِسلام بعمر ، ورأيه في أبي بكر رضي عنه كان أول الناس بايعه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، استبق قومك وخذ الفداء . وقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله ، اقتلهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو اجتمعتما ما عصيتكما ، فأنزل الله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } الآية » .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأسارى يوم بدر « إن شئتم فاقتلوهم وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم ، فكان آخر السبعين ثابت بن قيس رضي الله عنه استشهد يوم اليمامة » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال « نزل جبريل عليه السلام على النبي يوم بدر فقال : إن ربك يخبرك إن شئت أن تقتل هؤلاء الأسارى وان شئت أن تفادي بهم ويقتل من أصحابك مثلهم ، فاستشار أصحابه ، فقالوا : نفاديهم فنقوى بهم ويكرم الله بالشهادة من يشاء » .

(4/491)


وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس من أسارى بدر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ملكان من الملائكة أحدهما أحلى من الشهد والآخر أمر من الصبر ، ونبيان من الأنبياء أحدهما أحلى على قومه من الشهد والآخر أمر على قومه من الصبر ، فإما النبيان فنوح قال { رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً } [ نوح : 26 ] ، وأما الآخر فإبراهيم إذ قال { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } [ إبراهيم : 36 ] ، وأما الملكان فجبريل وميكائيل ، هذا صاحب الشدة وهذا صاحب اللين . ومثلهما في أمتي ، أبو بكر وعمر » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : ألا أخبركما بمثليكما في الملائكة ومثليكما في الأنبياء ، مثلك يا أبا بكر في الملائكة كمثل ميكائيل ينزل بالرحمة ، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } [ إبراهيم : 36 ] ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله ، ومثلك في الأنبياء مثل نوح قال { رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً } [ نوح : 26 ] » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عمر رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار أبو بكر رضي الله عنه فقال : قومك وعشيرتك ، فخل سبيلهم ، فاستشار عمر رضي الله عنه فقال : اقتلهم . ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى . . . } الآية . فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه فقال : كاد أن يصيبنا في خلافك شر » .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال « لما أسر الأسارى يوم بدر ، أسر العباس فيمن أسر ، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لم أنم الليلة من أجل عمي العباس ، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه ، فقال له عمر : فآتيهم؟ قال : نعم . فأتى عمر رضي الله عنه الأنصار فقال لهم : ارسلوا العباس . فقالوا : لا والله لا نرسله . فقال لهم عمر رضي الله عنه : فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا؟ قالوا : فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا فخذه . فأخذه عمر رضي الله عنه ، فلما صار في يده قال له : يا عباس ، أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب ، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك . قال : فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : عشيرتك فأرسلهم ، فاستشار عمر رضي الله عنه فقال : اقتلهم . ففاداهم رسول الله ، فأنزل الله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } الآية » .

(4/492)


وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل يوم بدر صبراً إلا ثلاثة . عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحرث ، وطعمة بن عدي ، وكان النضر أسره المقداد » .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال « اختلف الناس في أسارى بدر ، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : فادهم . وقال عمر رضي الله عنه : اقتلهم . قال قائل : أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهدم الإِسلام ويأمره أبو بكر بالفداء . . . ! وقال قائل : لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمره بقتلهم . . . ! فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها قبل أن تحل لهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس قبلكم ، كان النبي وأصحابه إذا غنموا جمعوها ونزلت نار من السماء فأهلكتها ، فأنزل الله هذه الآية { لولا كتاب من الله سبق . . . } إلى آخر الآيتين » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله { لولا كتاب من الله سبق } قال : يقول لولا أنه سبق في علمي أني سأحل المغانم { لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } قال : وكان العباس بن عبد المطلب يقول : أعطاني الله هذه الآية { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } [ الأنفال : 70 ] وأعطاني بما أخذ مني أربعين أوقية أربعين عبداً .
وأخرج إسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } يعني غنائم بدر قبل أن يحلها لهم يقول : لولا أني أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم عذاب عظيم .

(4/493)


وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } قال : ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم ، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى { فإمَّا منَّا بعد وإما فداء } [ محمد : 4 ] فجعل الله النبي والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم ، وإن شاءوا استعبدوهم ، وإن شاءوا فادوهم ، وفي قوله { لولا كتاب من الله سبق } يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم { لمسكم فيما أخذتم } من الأسارى { عذاب عظيم ، فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً } قال : وكان الله تعالى قد كتب في أم الكتاب المغانم والأسارى حلالاً لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ولم يكن أحله لأمة قبلهم ، وأخذوا المغانم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل إليهم في ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { حتى يثخن في الأرض } يقول : حتى يظهروا على الأرض .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : الإِثخان هو القتل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } قال : نزلت الرخصة بعد ، إنْ شئتَ فمنّ وإنْ شئتَ ففاد .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { تريدون عرض الدنيا } قال : أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء ، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { تريدون عرض الدنيا } يعني الخراج .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال : ليس أحد يعمل عملاً يريد به وجه الله يأخذ عليه شيئاً من عرض الدنيا إلا كان حظه منه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : لو لم يكن لنا ذنوب نخاف على أنفسنا منها إلا حبنا للدنيا لخشينا على أنفسنا ، إن الله يقول { تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة } أريدوا ما أراد الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لولا كتاب من الله سبق } قال : سبق لهم المغفرة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { لولا كتاب من الله سبق } قال : سبق لأهل بدر من السعادة { لمسكم فيما أخذتم } قال : من الفداء { عذاب عظيم } .

(4/494)


وأخرج النسائي وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { لولا كتاب من الله سبق } قال : سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا المعصية .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن خيثمة رضي الله عنه قال : كان سعد رضي الله عنه جالساً ذات يوم وعنده نفر من أصحابه إذ ذكر رجلاً فنالوا منه ، فقال : مهلاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنا أذنبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذنباً ، فأنزل الله { لولا كتاب من الله سبق } قال : فكنا نرى أنها رحمة من الله سبقت لنا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لولا كتاب من الله سبق } قال : في أنه لا يعذب أحداً حتى يبين له ويتقدم إليه .
وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون » .
وأخرج أحمد وابن المنذر عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي ، ونصرت بالرعب فيرعب العدوّ وهو مني مسيرة شهر ، وقال لي : سل تعطه . فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من لقي الله لا يشرك به شيئاً ، وأحلت لأمتي الغنائم » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لم تكن الغنائم تحل لأحد كان قبلنا ، فطيبها الله لنا لما علم الله من ضعفنا » ، فأنزل الله فيما سبق من كتابه إحلال الغنائم { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } فقالوا : والله يا رسول الله ، لا نأخذ لهم قليلاً ولا كثيراً حتى نعلم أحلال هو أم حرام؟ فطيبه الله لهم ، فأنزل الله تعالى { فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم } فلما أحل الله لهم فداهم وأموالهم . قال الأسارى : ما لنا عند الله من خير قد قتلنا وأسرنا ، فأنزل الله يبشرهم { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } [ الأنفال : 70 ] إلى قوله { والله عليم حكيم } [ الأنفال : 71 ] .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كانت الغنائم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمم ، إذا أصابوا منه جعلوه في القربان وحرم الله عليهم أن يأكلوا منها قليلاً أو كثيراً ، حرم ذلك على كل نبي وعلى أمته ، فكانوا لا يأكلون منه ولا يغلون منه ولا يأخذون منه قليلاً ولا كثيراً إلا عذبهم الله عليه ، وكان الله حرمه عليهم تحريماً شديداً فلم يحله لنبي إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، قد كان سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال ، فذلك قوله يوم بدر في أخذه الفداء من الأسارى { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } .

(4/495)


وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس رضي الله عنهما ، لما رغبوا في الفداء أنزلت { ما كان لنبي . . . } إلى قوله { لولا كتاب من الله سبق } الآية . قال : سبق من الله رحمته لمن شهد بدراً ، فتجاوز الله عنهم وأحلها لهم .

(4/496)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)

أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت « لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم . بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة لها في فداء زوجها ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق رقة شديدة ، وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها؟ وقال العباس رضي الله عنه : إني كنت مسلماً يا رسول الله . قال : الله أعلم بإسلامك ، فإن تكن كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث ، وعقيل بن أبي طالب ، وحليفك عتبة بن عمر ، وقال : ما ذاك عندي يا رسول الله . قال : فأين الذي دفنت أنت وأم الفضل؟ فقلت لها : إن أصبت فإن هذا المال لبني . فقال : والله يا رسول الله إن هذا لشيء ما علمه غيري وغيرها ، فاحسب لي ما أحببتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال : افعل . ففدي نفسه وابني أخويه وحليفه ، ونزلت { قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم } فأعطاني مكان العشرين أوقية في الإِسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال نصرت به مع ما أرجو من مغفرة الله » .
وأخرج ابن سعد والحاكم وصححه عن أبي موسى « أن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً أكثر منه فنثر على حصير ، وجاء الناس فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم وما كان يومئذ عدد ولا وزن ، فجاء العباس فقال : يا رسول الله ، إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ، أعطني من هذا المال ، فقال : خذ ، فحثى في قميصه ثم ذهب ينصرف فلم يستطع ، فرفع رأسه وقال : يا رسول الله ، أرفع علي . فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : أما أخذ ما وعد الله فقد نجز ولا أدري الأخرى { قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم } هذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع في المغفرة » .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أسر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر سبعين من قريش منهم العباس وعقيل ، فجعل عليهم الفداء أربعين أوقية من ذهب ، وجعل على العباس مائة أوقية ، وعلى عقيل ثمانين أوقية ، فقال العباس رضي الله عنه : لقد تركتني فقير قريش ما بقيت؟ فأنزل الله { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } حين ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامي وسألته أن يقاسمني بالعشرين أوقية التي أخذت مني ، فعوّضني الله منها عشرين عبداً كلهم تاجر يضرب بمالي مع ما أرجو من رحمة الله ومغفرته .

(4/497)


وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان العباس رضي الله عنه قد أسر يوم بدر ، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب فقال حين نزلت { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } ، لقد أعطاني خصلتين ما أحب أن لي بهما الدنيا ، إني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية فأعطاني الله أربعين عبداً ، وإني أرجو المغفرة التي وعدنا الله .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { قل لمن في أيديكم من الأسرى } قال : عباس وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول الله ، فنزل { إن يعلم الله في قلوبكم خيراً } أي إيماناً وتصديقاً يخلف لكم خيراً مما أصبت منكم ، ويغفر لكم الشرك الذي كنتم عليه ، فكان عباس يقول : ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن لي ما في الدنيا من شيء ، فلقد أعطاني الله خيراً مما أخذ مني مائة ضعف ، وأرجو أن يكون غفر لي .
وأخرج ابن سعد وابن عساكرعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى . . . } الآية . قال : نزلت في الأسارى يوم بدر ، منهم العباس بن عبد المطلب ، ونوفل بن الحرث ، وعقيل بن أبي طالب رضي الله عنهم .

(4/498)


وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)

أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإن يريدوا خيانتك } إن كان قولهم كذباً { فقد خانوا الله من قبل } فقد كفروا وقاتلوك فأمنك منهم .

(4/499)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } قال : إن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث منازل . منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة ، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم ، وفي قوله { والذين آووا ونصروا } وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة وشهروا السيوف على من كذب وجحد ، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض ، وفي قوله { والذين آمنوا ولم يهاجروا } قال : كانوا يتوارثون بينهم إذا توفي المؤمن المهاجر بالولاية في الدين ، وكان الذي آمن لم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر ، فبوأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم ، وهي الولاية التي قال الله { ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } وكان حقاً على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قوتلوا ، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق ، ولا نصر لهم عليهم إلا على العدو الذي لا ميثاق لهم ، ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك : أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين آمنوا ولم يهاجروا ، فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيباً مفروضاً لقوله { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم } [ الأنفال : 75 ] .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار ، فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة وبين عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء ، وبين الزبير بن العوّام وعبد الله بن مسعود وبين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع . وقال لسائر أصحابه : تآخوا وهذا أخي - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه - قال : فأقام المسلمون على ذلك حتى نزلت سورة الأنفال ، وكان مما شدد الله به عقد نبيه صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا } إلى قوله { لهم مغفرة ورزق كريم } فأحكم الله تعالى بهذه الآيات العقد الذي عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، يتوارث الذين تآخوا دون من كان مقيماً بمكة من ذوي الأرحام والقرابات ، فمكث الناس على ذلك العقد ما شاء الله ، ثم أنزل الله الآية الأخرى فنسخت ما كان قبلها فقال { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام } والقرابات ورجع كل رجل إلى نسبه ورحمه ، وانقطعت تلك الوراثة .

(4/500)


وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } يعني في الميراث ، جعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون الأرحام { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء } ما لكم من ميراثهم شيء { حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين } يعني إن استنصر الأعراب المسلمون المهاجرين والأنصار على عدولهم فعليهم أن ينصروهم { إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } فكانوا يعلمون على ذلك حتى أنزل الله تعالى هذه الآية { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } فنسخت التي قبلها وصارت المواريث لذوي الأرحام .
وأخرج أبو عبيدة وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } قال : كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن ولا يرث الأعرابي المهاجر ، فنسختها هذه الآية { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { والذين آمنوا ولم يهاجروا } قال : كان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا المهاجر يرث الأعرابي حتى فتحت مكة ودخل الناس في الدين أفواجاً ، فأنزل الله { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } قال : نزلت هذه الآية فتوارثت المسلمون بالهجرة ، فكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر المسلم شيئاً حتى نسخ ذلك بعد في سورة [ الأحزاب : 6 ] { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين } فخلط الله بعضهم ببعض وصارت المواريث بالملل .
وأخرج أحمد ومسلم عن بريدة رضي الله عنه قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش ، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ، وقال : اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ، إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال ، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم . ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فأقبل منهم ، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين واعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين ، فإن أبوا واختاروا دارهم فاعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية ، فإن آتوا فأقبل منهم وكف عنهم ، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم » .

(5/1)


وأخرج أحمد وابو داود والنسائي والحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : نهى المسلمون عن أهل ميثاقهم فوالله لأخوك المسلم أعظم عليك حرمة وحقاً والله أعلم .

(5/2)


وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق أبي مالك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رجل من المسلمين لنورثن ذوي القربى منا من المشركين ، فنزلت { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } قال : نزلت في مواريث مشركي أهل العرب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } يعني في المواريث { إلا تفعلوه } يقول : أن لا تأخذوا في المواريث بما أمرتكم به .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة ، والطلقاء من قريش ، والعتقاء من ثقيف ، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة » .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يتوارث أهل ملتين ، ولا يرث مسلم كافراً ، ولا كافر مسلماً ، ثم قرأ { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا جاءكم من ترضون أمانته وخلقه فانكحوه كائناً ما كان ، فإن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير » .

(5/3)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)

أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم توفي على أربعة منازل . مؤمن مهاجر ، والأنصار ، وأعرابي مؤمن لم يهاجر ، إن استنصره النبي نصره ، وإن تركه فهو إذن له ، وإن استنصر النبي صلى الله عليه وسلم كان حقاً عليه أن ينصره ، وذلك { استنصروكم في الدين فعليكم النصر } [ الأنفال : 72 ] ، والرابعة التابعين بإحسان » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه . مثله .
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن الزبير بن العوّام قال : أنزل الله فينا خاصة معشر قريش والأنصار { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة ، قدمنا ولا أموال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإِخوان فواخيناهم وتوارثنا ، فآخى أبو بكر رضي الله عنه خارجة بن زيد ، وآخى عمر رضي الله عنه فلاناً ، وآخى عثمان رضي الله عنه رجلاً من بني زريق بن سعد الزرقي . قال الزبير : وواخيت أنا كعب بن مالك ، ووارثونا ووارثناهم فلما كان يوم أحد قيل لي ، قتل أخوك كعب بن مالك فجئته فانتقلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما نرى ، فوالله يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة ، فرجعنا إلى مواريثنا .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن الزبير أنه كتب إلى شريح القاضي : إنما نزلت هذه الآية أن الرجل كان يعاقد الرجل يقول : ترثني وأرثك ، فنزلت { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } فلما نزلت ترك ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما . أنه قيل له : أن ابن مسعود رضي الله عنه لا يورث الموالي دون الأرحام ، ويقول : إن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله . فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هيهات هيهات . أين ذهب ، إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب ، فنزلت { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } يعني أنه يورث المولى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } قال : نسخت هذه الآية ما كان قبلها من مواريث العقد والحلف والمواريث بالهجرة ، وصارت لذوي الأرحام قال : والابن أولى من الأخ ، والأخ أولى من الأخت ، والأخت أولى من ابن الأخ ، وابن الأخ أولى من العم ، والعم أولى من ابن العم ، وابن العم أولى من الخال ، وليس للخال ولا العمة ولا الخالة من الميراث نصيب في قول زيد ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي ثلثي المال للعمة والثلث للخالة إذا لم يكن له وارث ، وكان علي وابن مسعود يردان ما فضل من الميراث على ذوي الأرحام على قدر سهمانهم غير الزوج والمرأة .

(5/4)


وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال : كان لا يرث الأعرابي المهاجر حتى أنزل الله { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : توارثت المسلمون لما قدموا المدينة بالهجرة ، ثم نسخ ذلك فقال { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } .
وأخرج الطيالسي والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنما قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب .

(5/5)


بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد وغيرهم ، أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج ، ثم قال « إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك ، فأرسل أبا بكر رضي الله عنه وعلياً رضي الله عنه فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها وبالموسم كله ، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات ، عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الأوّل ، ثم عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا » .
وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال « لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه ليقرأها على أهل مكة ، ثم دعاني فقال لي : أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه ، ورجع أبو بكر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ قال : لا ، ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال « بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله عنه ، ثم دعاه فقال : لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي ، فدعا علياً فأعطاه إياه » .
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى أهل مكة ، ثم بعث علياً رضي الله عنه على أثره فأخذها منه ، فكأن أبا بكر رضي الله عنه وجد في نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر أنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه بأربع : لا يطوفن بالبيت عريان ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده ، وإن الله ورسوله بريء من المشركين » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال « كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه بأربع .

(5/6)


لا يطوف بالبيت عريان ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده ، وأن الله ورسوله بريء من المشركين « .
وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال » كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة ، فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أمره أو أجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله ، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك « .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه » أن أبا بكر رضي الله عنه أمره أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر فقال أبو هريرة : ثم اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه ، أمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر رضي الله عنه على الموسم كما هو ، أو قال : على هيئته « . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر رضي الله عنه على الحج ، ثم أرسل علياً رضي الله عنه ببراءة على أثره ، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم المقبل ، ثم خرج فتوفي ، فولي أبو بكر رضي الله عنه فاستعمل عمر رضي الله عنه على الحج ، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه من قابل ثم مات ، ثم ولي عمر رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج ، ثم كان يحج بعد ذلك هو حتى مات ، ثم ولي عثمان رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج ، ثم كان يحج حتى قتل « .
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : » بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه يؤدي عنه براءة ، فلما أرسله بعث إلى علي رضي الله عنه فقال : يا علي إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت ، فحمله على ناقته العضباء فسار حتى لحق بأبي بكر رضي الله عنه فأخذ منه براءة ، فأتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزل فيه شيء ، فلما أتاه قال : ما لي يا رسول الله؟! قال « خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض ، غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني » « .

(5/7)


وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع رضي الله عنه قال « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى الموسم ، فأتى جبريل عليه السلام فقال : إنه لن يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك ، فبعث علياً رضي الله عنه على أثره حتى لحقه بين مكة والمدينة ، فأخذها فقرأها على الناس في الموسم » .
وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال « بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذن بمنى : أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن معنا علي رضي الله عنه في أهل منى يوم النحر ببراءة : أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان » .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ، ثم أتبعه علياً رضي الله عنه وأمره أن ينادي بها ، فانطلقا فحجا فقام علي رضي الله عنه في أيام التشريق فنادى { أن الله بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ولا يَحُجَّنَّ بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن . فكان علي رضي الله عنه ينادي بها » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن المنذر والنحاس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن زيد بن تبيع رضي الله عنه قال : سألنا علياً رضي الله عنه بأي شيء بعثت مع أبي بكر رضي الله عنه في الحج؟ قال : بعثت بأربع . لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامه هذا ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر .
وأخرج إسحق بن راهويه والدارمي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر رضي الله عنه « أن النبي بعث أبا بكر على الحج ، ثم أرسل علياً رضي الله عنه ببراءة .

(5/8)


فقرأها على الناس في موقف الحج حتى ختمها « .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال » بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الناس سنة تسع وكتب له سنن الحج ، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بآيات من براءة فأمره أن يؤذن بمكة وبمنى وعرفة وبالمشاعر كلها : بأنه برئت ذمة رسوله من كل مشرك حج بعد العام ، أو طاف بالبيت عريان ، وأجل من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد أربعة أشهر ، وسار علي رضي الله عنه على راحلته في الناس كلهم يقرأ عليهم القرآن { براءة من الله ورسوله } وقرأ عليهم { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } [ الأعراف : 31 ] الآية « .
وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال » بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ببراءة ، فقلت : يا رسول الله تبعثني وأنا غلام حديث السن ، واسأل عن القضاء ولا أدري ما أجيب؟ قال : ما بد من أن تذهب بها أو أذهب بها . قلت : إن كان لا بد فأنا أذهب . قال : انطلق فأن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك ، ثم قال : انطلق فاقرأها على الناس « .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { براءة من الله ورسوله . . . } الآية . قال : حدَّ الله للذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاؤوا ، وحد أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ الحرم خمسين ليلة ، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإِسلام ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق ، وإن ذهب الشرط الأوّل { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } [ التوبة : 4 ] يعني أهل مكة .
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان لقوم عهود فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤجلهم أربعة أشهر يسيحون فيها ولا عهد لهم بعد ما وأبطل ما بعدها ، وكان قوم لا عهود لهم فأجلهم خمسين يوماً ، عشرين من ذي الحجة والمحرم كله ، فذلك قوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] قال : ولم يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحداً .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { براءة من الله ورسوله } قال : برىء إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهودهم كما ذكر الله عزَّ وجلَّ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس عن الزهري رضي الله عنه { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } قال : نزلت في شوّال فهي الأربعة أشهر شوّال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم .

(5/9)


وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وأذان من الله ورسوله } قال : هو إعلام من الله ورسوله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن حكيم بن حميد رضي الله عنه قال : قال لي علي بن الحسين : أن لعلي في كتاب الله اسماً ولكن لا يعرفونه . قلت : ما هو؟ قال : ألم تسمع قول الله { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر } هو والله الأذان .
وأخرج الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال : « سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر؟ فقال » يوم النحر « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال : يوم الحج الأكبر يوم النحر .
وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن علي رضي الله عنه قال « أربع حفظتهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . إن الصلاة الوسطى العصر ، وإن الحج الأكبر يوم النحر ، وإن أدبار السجود الركعتان بعد المغرب ، وإن أدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر » .
وأخرج الترمذي وابن مردويه عن عمرو بن الأحوص رضي الله عنه . أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ قال « أي يوم أحرم ، أي يوم أحرم ، أي يوم أحرم؟ فقال الناس : يوم الحج الأكبر يا رسول الله » .
وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن قرط قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أعظم الأيام عند الله أيام النحر يوم القر » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال « يوم الأضحى هذا يوم الحج الأكبر » .
وأخرج البخاري تعليقاً وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال : أي يوم هذا؟ قالوا : يوم النحر . قال : هذا يوم الحج الأكبر » .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بعثني أبو بكر رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ويوم الحج الأكبر يوم النحر ، والحج الأكبر الحج ، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر ، فنبذ أبو بكر رضي الله عنه إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك ، وأنزل الله تعالى

(5/10)


{ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } [ التوبة : 28 ] الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس قال : الحج الأكبر يوم النحر .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن المغيرة بن شعبة . أنه خطب يوم الأضحى فقال : اليوم النحر ، واليوم الحج الأكبر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال : الحج الأكبر : يوم النحر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : الحجر الأكبر : يوم النحر .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : الحج الأكبر : يوم النحر يوضع فيه الشعر ، ويراق فيه الدم ، وتحل فيه الحرم .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس » .
وأخرج ابن مردويه عن سمرة رضي الله عنه في قوله { يوم الحج الأكبر } قال : كان عام حج فيه المسلمون والمشركون في ثلاثة أيام ، واليهود والنصارى في ثلاثة أيام ، فاتفق حج المسلمين والمشركين واليهود والنصارى في ستة أيام .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عون رضي الله عنه قال : سألت محمداً عن يوم الحج الأكبر؟ قال : كان يوم وافق فيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج أهل الملل .
وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زمن الفتح : إنه عام الحج الأكبر . قال : اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ثلاثة أيام متتابعات ، فاجتمع حج المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات ، ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض كذلك قبل العام ، ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة » .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه . أنه سئل عن الحج الأكبر؟ فقال : ما لكم وللحج الأكبر؟ ذاك عام حج فيه أبو بكر رضي الله عنه ، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس ، واجتمع فيه المسلمون والمشركون فلذلك سمي الحج الأكبر ، ووافق عيد اليهود والنصارى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر ، ألم تر أن الإِمام يخطب فيه .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة : هذا يوم الحج الأكبر » .

(5/11)


وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : الحج الأكبر يوم عرفة .
وأخرج ابن جرير عن أبي الصهباء البكري قال : سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن يوم الحج الأكبر؟ فقال : يوم عرفة .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر ، يوم المباهاة يباهي الله ملائكته في السماء بأهل الأرض ، يقول « جاؤوني شعثاً غبرا ، آمنوا بي ولم يروني وعزتي لأغفرن لهم » .
وأخرج ابن جرير عن معقل بن داود قال سمعت ابن الزبير يقول يوم عرفة : هذا يوم الحج الأكبر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي . أنه سئل هذا الحج الأكبر فما الحج الأصغر؟ قال : عمرة في رمضان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي إسحق رضي الله عنه قال : سألت عبد الله بن شداد رضي الله عنه عن الحج الأكبر فقال : الحج الأكبر يوم النحر ، والحج الأصغر العمرة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال : كان يقال : العمرة هي الحجة الصغرى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبو خيوة رضي الله عنه في قوله { أن الله بريء من المشركين ورسوله } قال : برىء رسوله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتاب الوقف والابتداء وابن عساكر في تاريخه عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال : قدم اعرابي في زمان عمر رضي الله عنه فقال : من يُقرئني ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فاقرأه رجل فقال { أن الله بريء من المشركين ورسوله } بالجر فقال الأعرابي : أقد برىء الله من رسوله؟ إن يكن الله برىء من رسوله فأنا أبرأ منه . فبلغ عمر مقالة الأعرابي ، فدعاه فقال : يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن ، فسألت من يقرئني؟ فاقرأني هذه سورة براءة . فقال { أن الله بريء من المشركين ورسوله } فقلت : إن يكن الله برىء من رسوله فأنا أبرأ منه . فقال عمر رضي الله عنه : ليس هكذا يا أعرابي . قال : فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال { أن الله بريء من المشركين ورسولُهُ } فقال الأعرابي : وأنا والله أبرأ مما ما برىء الله ورسوله منه . فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرىء الناس إلا عالم باللغة ، وأمر أبا الأسود رضي الله عنه فوضع النحو .
وأخرج ابن الأنباري عن عباد المهلبي قال : سمع أبو الأسود الدؤلي رجلاً يقرأ { أن الله بريء من المشركين ورسوله } بالجر فقال : لا أظنني يسعني إلا أن أضع شيئاً يصلح به لحن هذا أو كلاماً هذا معناه .
أما قوله تعالى : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن مسهر قال : سئل سفيان بن عينية عن البشارة أتكون في المكروه؟ قال : ألم تسمع قوله تعالى { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } .

(5/12)


إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إلا الذين عاهدتم من المشركين } قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية ، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر ، فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم هذا إلى مدتهم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن عباد بن جعفر في قوله { إلا الذين عاهدتم من المشركين } قال : هم بنو خزيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ثم لم ينقصوكم شيئاً . . } الآية . قال : فإن نقض المشركون عهدهم وظاهروا عدوّاً فلا عهد لهم ، وإن أوفوا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يظاهروا عليه فقد أمر أن يؤدي إليهم عهدهم ويفي به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } قال : كان لبني مدلج وخزاعة عهد ، فهو الذي قال الله { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { إلا الذين عاهدتم من المشركين } قال : هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج حيان من بني كنانة ، كانوا حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة من بني تبيع { ثم لم ينقصوكم شيئاً } ثم لم ينقضوا عهدكم بغدر { ولم يظاهروا } عدوّكم عليكم { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } يقول : أجلهم الذي شرطتم لهم { إن الله يحب المتقين } يقول : الذين يتقون الله تعالى فيما حرم عليهم فيفون بالعهد : قال : فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحد .

(5/13)


فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } قال : هي الأربعة عشرون من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وشهر ربيع الأول ، وعشرون من شهر ربيع الآخر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } قال : عشر من ذي القعدة ، وذي الحجة ، والمحرم ، سبعون ليلة .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } قال : هي الأربعة التي قال { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } [ براءة : 2 ] .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم . . . } الآية . قال : كان عهد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش أربعة أشهر بعد يوم النحر ، كانت تلك بقية مدتهم ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا مضى هذا الأجل أن يقاتلهم في الحل والحرم وعند البيت ، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال : كل آية في كتاب الله تعالى فيها ميثاق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين ، وكل عهد ومدة نسخها سورة براءة { خذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { واحصروهم } قال : ضيِّقوا عليهم { واقعدوا لهم كل مرصد } قال : لا تتركوهم يضربون في البلاد ولا يخرجون التجارة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال : الرباط في كتاب الله تعالى { واقعدوا لهم كل مرصد } .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ثم نسخ واستثنى فقال { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } وقال { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } [ التوبة : 6 ] .
أما قوله تعالى : { فإن تابوا } الآية .
أخرج ابن ماجة ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع بن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من فارق الدنيا على الإِخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له ، وأقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فارقها والله عنه راض » ، قال أنس رضي الله عنه : وهو دين الله الذي جاءت به الرسل ، وبلغوه عن ربهم من قبل هوج الأحاديث واختلاف الأهواء . قال أنس : وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى في آخر ما أنزل { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } قال : توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم .

(5/14)


وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } قال : حرمت هذه دماء أهل القبلة .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } قال : فإنما الناس ثلاثة نفر . مسلم عليه الزكاة ، ومشرك عليه الجزية ، وصاحب حرب يأتمن بتجارته إذا أعطى عشر ماله .
وأخرج الحاكم وصححه عن مصعب بن عبد الرحمن عن أبيه رضي الله عنه قال : افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة ، ثم ارتحل غدوة وروحة ، ثم نزل ثم هجر ، ثم قال « أيها الناس إني لكم فرط ، وإني أوصيكم بعترتي خيراً موعدكم الحوض ، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلاً مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتلهم وليسبين ذراريهم ، فرأى الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما ، فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال : هذا » .
وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن الربيع الظفري رضي الله عنه - وكانت له صحبة - قال « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل من أشجع تؤخذ صدقته ، فجاءه الرسول فرده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه » .

(5/15)


وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ثم أبلغه مأمنه } قال : إن لم يوافقه ما يقضي عليه ، ويجتريه فأبلغه مأمنه ، وليس هذا بمنسوخ .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } قال : أمر من أراد ذلك أن يأمنه ، فإن قبل فذاك وإلا خلى عنه حتى يأتي منه ، وأمر أن ينفق عليهم على حالهم ذلك .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { حتى يسمع كلام الله } أي كتاب الله .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال : ثم استثنى فنسخ منها فقال { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } وهو كلامك بالقرآن فأمنه { ثم أبلغه مأمنه } يقول : حتى يبلغ مأمنه من بلاده .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة رضي الله عنه قال : كان الرجل يجيء إذا سمع كلام الله وأقرَّ به وأسلم . فذاك الذي دعي إليه ، وإن أنكر ولم يقر به فرد إلى مأمنه ، ثم نسخ ذلك فقال { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } [ التوبة : 5 ] .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } قال : قريش .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنهما في قوله { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } قال : هؤلاء قريش .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهده أناس من المشركين وعاهد أيضاً أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة ، عاهدهم عند المسجد الحرام وجعل مدتهم أربعة أشهر ، وهم الذين ذكر الله { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } يقول : ما وفوا لكم بالعهد فوفوا لهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } قال : هم بنو خزيمة بن فلان .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } قال : هو يوم الحديبية { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } قال : فلم يستقيموا ونقضوا عهدكم أعانوا بني بكر حلفاء قريش على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم .

(5/16)


كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال { الإِل } الله عز وجل .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة قال : الإِل : الله .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ { إلاًّ ولا ذمة } قال : الإِل القرابة ، والذمة العهد . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر وهو يقول :
جزى الله ألا كان بيني وبينهم ... جزاء ظلوم لا يؤخر عاجلاً
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن ميمون بن مهران رضي الله عنه . أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رضي الله عنهما : أخبرني عن قول الله تعالى { لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة } قال : الرحم ، وقال فيه حسان بن ثابت :
لعمرك أن الك من قريش ... كال السقب من رال النعام
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأكثرهم فاسقون } قال : ذم الله تعالى أكثر الناس .

(5/17)


اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً } قال : أبو سفيان بن حرب ، اطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم .

(5/18)


فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } يقول : إن تركوا اللات والعزى ، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فاخوانكم في الدين .

(5/19)


وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإن نكثوا أيمانهم } قال : عهدهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم } يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم فقاتلوهم انهم أئمة الكفر .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أئمة الكفر } قال : أبو سفيان بن حرب ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وهم الذين نكثوا عهد الله تعالى وهمّوا باخراج الرسول من مكة .
وأخرج ابن عساكر عن مالك بن أنس رضي الله عنه . مثله .
وأخرج ابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فقاتلوا أئمة الكفر } قال : أبو سفيان .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { فقاتلوا أئمة الكفر } قال : رؤوس قريش .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله { فقاتلوا أئمة الكفر } قال : أبو سفيان بن حرب منهم .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه { فقاتلوا أئمة الكفر } قال : الديلم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه أنهم ذكروا عنده هذه الآية فقال : ما قوتل أهل هذه الآية بعد .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن زيد بن وهب رضي الله عنه في قوله { فقاتلوا أئمة الكفر } قال : كنا عند حذيفة رضي الله عنه فقال : ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين إلا أربعة . فقال اعرابي : إنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تخبروننا بأمور لا ندري ما هي ، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون اعلاقنا؟! قال : أولئك الفساق ، أجل لم يبق منهم إلا أربعة ، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه . أنه كان في عهد أبي بكر رضي الله عنه في الناس حين وجههم إلى الشام ، فقال : إنكم ستجدون قوماً محلوقة رؤوسهم فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف ، فوالله لئن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم ، وذلك بأن الله تعالى يقول { قاتلوا أئمة الكفر } .
وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة رضي الله عنه { لا أيمان لهم } قال : لا عهود لهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمَّار رضي الله عنه { لا أيمان لهم } لا عهود لهم .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : والله ما قوتل أهل هذه الآية منذ أنزلت { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم . . . } الآية .
وأخرج ابن مردويه عن مصعب بن سعد قال : مرَّ سعد رضي الله عنه برجل من الخوارج فقال الخارجي لسعد : هذا من أئمة الكفر . فقال سعد رضي الله عنه : كذبت ، أنا قاتلت أئمته .

(5/20)


أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم } قال : قتال قريش حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وهمهم باخراج الرسول ، زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام السابع للحديبية ، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوه منها فذلك همهم باخراجه ، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قالت قريش لخزاعة : عميتمونا عن اخراجه؟ فقاتلوهم فقتلوا منهم رجالاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال : نزلت في خزاعة { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين } من خزاعة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ويشف صدور قوم مؤمنين } قال : خزاعة حلفاء رسول صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { ويشف صدور قوم مؤمنين } قال : هم خزاعة يشفي صدورهم من بني بكر { ويذهب غيظ قلوبهم } قال : هذا حين قتلهم بنو بكر وأعانهم قريش .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { ويذهب غيظ قلوبهم } قال : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في خزاعة حين جعلوا يقتلون بني بكر بمكة .
وأخرج ابن اسحق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور بن خرمة قالا « كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش : إن من شاء أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه ، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه ، فتواثبت خزاعة فقالوا : ندخل في عقد محمد وعهده ، وتواثبت بنو بكر فقالوا : ندخل في عقد قريش وعهدهم ، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهراً ، ثم إن بني بكر الذي كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له الوتير قريب من مكة ، فقالت قريش : ما يعلم بنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا الليل وما يرانا أحد ، فاعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وركب عمرو بن سالم عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيات أنشده اياها : »
اللهمَّ إني ناشد محمداً ... خلف أبينا وأبيه إلا تلدا
كنا والداً وكنت ولداً ... ثَمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر رسول الله نصراً عندا ... وادعُ عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... إن شئتم حسنا فوجهه بدر بدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... ان قريشاً اخلفوك موعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وزعموا أن ليس تدعو احدا
فهم أذل وأقل عددا ... قد جعلوا لي بكداء رصدا
هم بيوتنا بالهجير هجدا ... وقتلونا ركَّعا وسجَّدا

(5/21)


« فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت يا عمرو بن سالم ، فما برح حتى مرت غمامة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاد وكتمهم مخرجه ، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم » .

(5/22)


أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { أم حسبتم أن تتركوا ولمَّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم } قال : أبى أن يدعهم دون التمحيص .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الوليجة : البطانة من غير دينهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وليجة } أي حنانة .

(5/23)


مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } وقال { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله } فنفي المشركين من المسجد يقول : من وحَّد الله وآمن بما أنزل الله { وأقام الصلاة } يعني الصلوات الخمس { ولم يخش إلا الله } يقول : لم يعبد إلا الله { فعسى أولئك } يقول : أولئك هم المهتدون كقوله لنبيه { عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً } [ الاسراء : 79 ] يقول : إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً وهي الشفاعة ، وكل عسى في القرآن فهي واجبة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه أنه قرأ « ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله » قال : إنما هو مسجد واحد .
وأخرج ابن المنذر عن حماد قال : سمعت عبد الله بن كثيِّر يقرأ هذا الحروف « ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله . . . ، إنما يعمر مسجد الله » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان ، قال الله { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله وباليوم الآخر } » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ويأتي المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله . قال الله { إنما يعمر مساجد الله } الآية .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله سبحانه يقول : إني لأهمُّ بأهل الأرض عذاباً ، فإذا نظرت إلى عُمّار بيوتي ، والمتحابين فيّ ، والمستغفرين بالأسحار ، صرفت عنهم » .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن معمر عن رجل من قريش يرفع الحديث قال : يقول الله تبارك وتعالى « إن أحب عبادي إليّ الذين يتحابون فيّ ، والذين يعمرون مساجدي ، والذين يستغفرون بالأسحار ، أولئك الذين إذا أردت بخلقي عذاباً ذكرتهم فصرفت عذابي عن خلقي » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبزار وحسنه والطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كتب إلى سلمان : يا أخي ، ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « المسجد بيت كل تقي » ، وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة ، والجواز إلى الصراط إلى رضوان الرب .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة رضي الله عنه قال : كان يقال : ما زي المسلم إلا في ثلاث : في مسجد يعمره ، أو بيت يكنه ، أو ابتغاء رزق من فضل ربه .

(5/24)


وأخرج أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي في جزئه المشهور بنسخة أبي مسهر عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال : المساجد مجالس الكرام .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن للمساجد أوتاد ، الملائكة جلساؤهم ، إن غابوا يفتقدونهم ، وإن مرضوا عادوهم ، وإن كانوا في حاجة أعانوهم ، ثم قال : جليس المسجد على ثلاث خصال : أخ مستفاد ، أو كلمة محكمة ، أو رحمة منتظرة » .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن بيوت الله في الأرض المساجد ، وإن حقاً على الله أن يكرم الزائر » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في شعب الايمان عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال : أخبرنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن المساجد بيوت الله في الأرض ، وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها .
وأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا عاهة من السماء أنزلت صرفت عن عُمار المساجد » .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : إن للمساجد أوتاداً هم عُمارها ، وإن لهم جلساء من الملائكة تفتقدهم الملائكة إذا غابوا ، فإن كانوا مرضى عادوهم ، وإن كانوا في حاجة أعانوهم .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من ألف المسجد ألفه الله » .
وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال : سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخاً مستفاداً في الله ، وعلماً مستظرفاً ، وكلمة تدعوه إلى الهدى ، وكلمة تصرفه عن الردى ، ويترك الذنوب حياء وخشية أو نعمة أو رحمة منتظرة » .
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر الله ، وحق على المزور أن يكرم الزائر » . وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان موقوفاً .
وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « بشر المشائين في ظلم الليالي بالنور التام يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

(5/25)


« من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نوراً يوم القيامة » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة ، يفزع الناس ولا يفزعون » . وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الغدوّ والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مغفل رضي الله عنه قال : كنا نتحدث أن المسجد حصن حصين من الشيطان .
وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : المساجد بيوت الله في الأرض ، تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض .
وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً أوسع منه في الجنة » .
وأخرج أحمد والطبراني عن بشر بن حيان قال : جاء واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ونحن نبني مسجدنا ، فوقف علينا فسلم ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من بنى مسجداً يصلي فيه بنى الله له بيتاً في الجنة أفضل منه » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبزار عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتاً في الجنة » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من بنى مسجداً لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتاً في الجنة » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من بنى بيتاً يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتاً في الجنة من در وياقوت » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من بنى مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من بنى مسجداً يذكر اسم الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ابنوا المساجد واتخذوها حمى » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أمرنا أن نبني المساجد جماً والمدائن شرفاً .

(5/26)


وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : نهينا أن نصلي في مسجد مشرف .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال : إنما كانت المساجد جماً ، وإنما شرف الناس حديثاً من الدهر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان يقال : ليأتين على الناس زمان يبنون المساجد يتباهون بها ، ولا يعرفونها إلا قليلاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن الأصم رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما أمرت بتشييد المساجد » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لتزخرفن مساجدكم كما زخرفت اليهود والنصارى مساجدهم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رضي الله عنه قال : إذا زخرفتم مساجدكم ، وحليتم مصاحفكم ، فالدمار عليكم .
وأخرج الطبراني في مسند الشاميين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من علق قنديلاً في مسجد صلى عليه سبعون ألف ملك ، واستغفر له ما دام ذلك القنديل يقد » .
وأخرج سليم الرازي في الترغيب عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه » .
وأخرج أبو بكر الشافعي رضي الله عنه في رباعيته والطبراني عن أبي قرصافة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها . وسمعته يقول : اخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين ، وسمعته يقول : من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة . فقالوا : يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطرق؟ فقال : وهذه المساجد التي تبنى في الطرق » .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال « مررت مع النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة ، فرأى قبة من لبن فقال : لمن هذه؟ قلت : لفلان . فقال : إن كلَّ بناء كلَّ على صاحبه يوم القيامة إلا ما كان من مسجد ، ثم مر فلم يرها قال : ما فعلت القبة؟ قلت : بلغ صاحبها ما قلت ، فهدمها فقال : رحمه الله » .
وأخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال : يقول الله « إني لأهمّ بعذاب أهل الأرض ، فإذا نظرت إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإِسلام سكن غضبي » .

(5/27)


أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)

أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم ، ما أبالي ان لا أعمل لله عملاً بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج . وقال آخر : بل عمارة المسجد الحرام . وقال آخر : بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم . فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيته فيما اختلفتم فيه ، فانزل الله { أجعلتم سقاية الحاج } إلى قوله { والله لا يهدي القوم الظالمين } .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أجعلتم سقاية الحاج . . . } الآية . وذلك أن المشركين قالوا : عمارة بيت الله ، وقيام على السقاية ، خير ممن آمن وجاهد . فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره ، فذكر الله استكبارهم واعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين { قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون . مستكبرين به سامراً تهجرون } [ المؤمنون : 67 ] . يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم . وقال ( به سامراً ) كانوا به يسمرون ويهجون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ، فخير الإِيمان بالله والجهاد مع نبي الله صلى الله عليه وسلم على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية ، ولم يكن ينفعهم عند الله تعالى مع الشرك به وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه ، قال الله { لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين } يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة ، فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئاً .
وأخرح ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال العباس رضي الله عنه حين أسر يوم بدر : إن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنت نعمر المسجد الحرام ، ونسقي الحاج ، ونفك العاني ، فأنزل الله { أجعلتم سقاية الحاج . . . } الآية . يعني أن ذلك كان في الشرك ، فلا أقبل ما كان في الشرك .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام . . . } الآية . قال : نزلت في علي بن أبي طالب والعباس رضي الله عنه .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية { أجعلتم سقاية الحاج } في العباس وعلي رضي الله عنهما تكلما في ذلك .
وأخرج ابن مردويه عن الشعبي رضي الله عنه قال : كانت بين علي والعباس رضي الله عنهما منازعة فقال العباس لعلي رضي الله عنه : أنا عم النبي صلى الله عليه وسلم وأنت ابن عمه ، وإلي سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، فأنزل الله { أجعلتم سقاية الحاج .

(5/28)


. . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عبيدة رضي الله عنه قال : قال علي رضي الله عنه للعباس : لو هاجرت إلى المدينة . قال : أوَلست في أفضل من الهجرة؟ ألست أسقي الحاج ، وأعمر المسجد الحرام؟ فنزلت هذه الآية يعني قوله { أعظم درجة عند الله } قال : فجعل الله للمدينة فضل درجة على مكة .
وأخرج الفريابي عن ابن سيرين قال : قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكة فقال للعباس رضي الله عنه : أي عم الا تهاجر ، ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أعمر المسجد الحرام ، وأحجب البيت . فأنزل الله { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام . . . } الآية . وقال لقوم قد سماهم : ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا : نقيم مع اخواننا وعشائرنا ومساكننا ، فأنزل الله تعالى { قل إن كان آباؤكم } [ التوبة : 24 ] الآية كلها .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : افتخر طلحة بن شيبة ، والعباس ، وعلي بن أبي طالب ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت معي مفتاحه . وقال العباس رضي الله عنه : أنا صاحب السقاية والقائم عليها : فقال علي رضي الله عنه : ما أدري ما تقولون : لقد صليت إلى القبلة قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد ، فأنزل الله { أجعلتم سقاية الحاج . . . } الآية كلها .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال : أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك ، فقال العباس : أما - والله - لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونفك العاني ، ونحجب البيت ، ونسقي الحاج ، فأنزل الله { أجعلتم سقاية الحاج } الآية .
وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال : قعد العباس وشيبة صاحب البيت يفتخران ، فقال له العباس رضي الله عنه : أنا أشرف منك ، أنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصي أبيه ، وساقي الحجيج . فقال شيبة : أنا أشرف منك ، أنا أمين الله على بيته وخازنه ، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟ فاطلع عليهما عليّ رضي الله عنه فأخبراه بما قالا . فقال علي رضي الله عنه : أنا أشرف منكما ، أنا أوّل من آمن وهاجر : فانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه . فما أجابهم بشيء ، فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام ، فأرسل إليهم فقرأ عليهم { أجعلتم سقاية الحاج } إلى آخر العشر .

(5/29)


وأخرج أبو الشيخ عن أبي حمزة السعدي أنه قرأ { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام } .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { أجعلتم سقاية الحاج } قال : أرادوا أن يدعوا السقاية والحجابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تدعوها فإن لكم فيها خيراً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه قال : اشرب من سقاية العباس فانها من السنة . ولفظ ابن أبي شيبة : فإنه من تمام الحج .
وأخرج البخاري والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما « ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى ، فقال للعباس : يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها ، فقال : اسقني . فقال : يا رسول الله انهم يجعلون أيديهم فيه . فقال : اسقني . فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال : اعملوا فإنكم على عمل صالح ، لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه ، وأشار إلى عاتقه » .
وأخرج أحمد عن أبي محذورة رضي الله عنه قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان لنا ولموالينا ، والسقاية لنبي هاشم ، والحجابة لبني عبد الدار .
وأخرج ابن سعد عن علي رضي الله عنه قال « قلت للعباس رضي الله عنه : سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نأتيك بماء لم تمسه الأيدي؟ قال : بلى ، فاسقوني فسقوه ، ثم أتى زمزم فقال : استقوا لي منها دلواً ، فأخرجوا منها دلواً فمضمض منه ثم مجه فيه ، ثم قال : أعيدوه ثم قال : إنكم على عمل صالح ، ثم قال : لولا أن تغلبوا عليه لنزلت فنزعت معكم » .
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن تمام قال : جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال : أرأيت ما تسقون الناس من نبيذ هذا الزبيب ، أسنة تبغونها أم تجدون هذا أهون عليكم من البن والعسل؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما : « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى العباس وهو يسقي الناس فقال » اسقني . فدعا العباس بعساس من نبيذ ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم عساً منها فشرب ، ثم قال : أحسنتم هكذا فاصنعوا . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فما يسرني أن سقايتها جرت عليَّ لبناً وعسلا مكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحسنتم هكذا فافعلوا « » .
وأخرج ابن سعد عن مجاهد رضي الله عنه قال : اشرب من سقاية آل العباس فإنها من السنة « .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في قوله { أجعلتم سقاية الحاج؟ } قال : زمزم .

(5/30)


وأخرج عبد الرزاق في المصنف والأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي في الدلائل عن الزهري رضي الله عنه قال : أول ما ذكر من عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن قريشاً خرجت من الحرم فارّة من أصحاب الفيل وهو غلام شاب فقال : والله لا أخرج من حرم الله أبتغي العز في غيره . فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش فقال :
اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك ... لا يغلبن صليبهم وضلالهم عدواً محالك
فلم يزل ثابتاً في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه ، فرجعت قريش وقد عظم فيها لصبره وتعظيمه محارم الله ، فبينما هو في ذلك وقد ولد له أكبر بنيه ، فأدرك - وهو الحارث بن عبد المطلب - فأتي عبد المطلب في المنام فقيل له : احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم ، فاستيقظ فقال : اللهمَّ بيِّن لي . فأتي في النام مرة أخرى فقيل : احفرتكم بين الفرث والدم في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبل الأنصاب الحمر . فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات ، فنحرت بقرة بالجزورة فانفلتت من جازرها تحمي نفسها حتى غلب عليها الموت في المسجد في موضع زمزم ، فجزرت تلك البقرة من مكانها حتى احتمل لحمها فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث ، فبحث عن قرية النمل فقام عبد المطلب فحفر هناك ، فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب : ما هذا الصنيع إنما لم نكن نرميك بالجهل لم تحفر في مسجدنا؟! فقال عبد المطلب : إني لحافر هذا البئر ومجاهد من صدني عنها . فطفق هو وولده الحارث وليس له ولد يومئذ غيره ، فسفه عليهما يومئذ ناس من قريش فنازعوها وقاتلوهما ، وتناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من عتق نسبه وصدقه واجتهاده في دينهم .
حتى إذا أمكن الحفر واشتد عليه الأذى ، نذر أن وفي له عشرة من الولدان ينحر أحدهم ، ثم حفر حتى أدرك سيوفاً دفنت في زمزم حين دفنت ، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالوا : يا عبد المطلب أجدنا مما وجدت . فقال عبد المطلب : هذه السيوف لبيت الله . فحفر حتى انبط الماء في التراب وفجرها حتى لا تنزف وبنى عليها حوضاً ، فطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشربه الحاج ، فيكسره أناس حسدة من قريش فيصلحه عبد المطلب حين يصبح .
فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه ، فأريَ في المنام فقيل له : قل اللهمَّ لا أحلها المغتسل ولكن هي للشاربين حل وبل ثم كفيتهم . فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد ، فنادى بالذي أرى ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش إلا رمى في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته ، ثم تزوّج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط .

(5/31)


فقال : اللهمَّ إني كنت نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم فأصيب بذلك من شئت . فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد الله ، وكان أحب ولده إليه فقال عبد المطلب : اللهم هو أحب إليك أم مائة من الابل؟ ثم أقرع بينه وبين المائة من الإِبل فطارت القرعة على المائة من الإِبل ، فنحرها عبد المطلب .
وأخرج الأزرقي والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال عبد المطلب : إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال : أحفر طيبة . قلت : وما طيبة؟ فذهب عني ، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت به ، فجاءني فقال : احفر زمزم . فقلت : وما زمزم؟ قال : لا تنزف ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم عند قرية النمل . قال : فلما أبان له شأنها ودل على موضعها وعرف أن قد صدق غدا بمعول ومعه ابنه الحارث ليس له يومئذ غيره فحفر ، فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه فقالوا : يا عبد المطلب إنها بئر إسمعيل ، وإن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها؟ فقال : ما أنا بفاعل ، إن هذا الأمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم . قالوا : فأنصفنا فإنَّا غير تاركيك حتى نحاكمك . قال : فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم . قالوا : كاهنة من سعد هذيل . قال : نعم - وكانت باشراف الشام - فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف ، وركب من كل ركب من قريش نفر - والأرض إذ ذاك مفاوز - فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة ، فاستسقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا : إنا في مفازة نخشى فيها على أنفسنا مثل ما أصابكم .
فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال : ماذا ترون؟ قالوا : ما رأينا الا تبع لرأيك فمرنا ما شئت . قال : فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه لما بكم الآن من القوة ، كلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً . قالوا : سمعنا ما أردت . فقام كل رجل منهم يحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً ، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه : والله إن إلقاءنا بأيدينا لعجز ما نبتغي لأنفسنا حيلة ، عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارحلوا ، فارتحلوا حتى فرغوا ومن معهم من قريش ينظرون إليهم وما هم فاعلون ، فقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها ، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب ، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشربوا واستقوا حتى ملأوا سقيتهم ، ثم دعا القبائل التي معه من قريش فقال : هلم الماء قد سقانا الله تعالى فاشربوا واستقوا .

(5/32)


فقالت القبائل التي نازعته : قد - والله - قضى الله لك يا عبد المطلب علينا ، والله لا نخاصمك في زمزم . فارجع إلى سقايتك راشداً . فرجع ورجعوا معه ولم يمضوا إلى الكاهنة ، وخلوا بينه وبين زمزم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وعمر بن شبة والفاكهاني في تاريخ مكة والطبراني في الأوسط وابن عدي والبيهقي في سننه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ماء زمزم لما شرب له » .
وأخرج المستغفري في الطب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ماء زمزم لما شرب له ، من شربه لمرض شفاه الله ، أو جوع أشبعه الله ، أو لحاجة قضاها الله » .
وأخرج الدينوري في المجالسة عن الحميدي - وهو شيخ البخاري رضي الله عنهما - قال : كنا عند ابن عينية فحدثنا بحديث ماء زمزم لما شرب له ، فقام رجل من المجلس ثم عاد فقال : يا أبا محمد ليس الحديث الذي قد حدثتنا في زمزم صحيحاً . فقال : بلى . فقال الرجل : فإني شربت الآن دلواً من زمزم على أن تحدثني بمائة حديث . فقال سفيان رضي الله عنه : اقعد فقعد . فحدثه بمائة حديث .
وأخرج الفاكهاني في تاريخ مكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال : حج معاوية رضي الله عنه وحججنا معه ، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين ، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال : يا غلام انزع لي منها دلواً . فنزع له دلواً يشرب وصب على وجهه ، وخرج وهو يقول : ماء زمزم لما شرب له .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ماء زمزم لما شرب له » .
وأخرج الحافظ أبو الوليد بن الدباغ رضي الله عنه في فوائده والبيهقي والخطيب في تاريخه عن سويد بن سعيد رضي الله عنه قال : رأيت ابن المبارك رضي الله عنه أتى زمزم ، فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال : اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ماء زمزم لما شرب له » وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة . ثم شربه .
وأخرج الحكيم الترمذي من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ماء زمزم لما شرب له »

(5/33)