صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو قال : قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن بريدة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا » .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود قال : لا يزل الرجل في فسحة من دينه ما نقيت كفه من الدم ، فإذا أغمس يده في الدم الحرام نزع حياؤه .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل ، فيقول : يا رب هذا قتلني . قال : لمَ قتلته؟ فيقول لتكون العزة لك . فيقول : فإنها لي . ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول : يا رب قتلني هذا . فيقول الله : لمَ قتلت هذا؟ فيقول : قتلته لتكون العزة لفلان . فيقول : إنها ليست له ، بؤ بإثمه » .
وأخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو بن شرحبيل . موقوفاً .
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال : يجلس المقتول يوم القيامة ، فإذا مر الذي قتله قام فأخذه ، فينطلق فيقول : يا رب سله لمَ قتلني؟ فيقول : فيم قتلته؟ فيقول : أمرني فلان ، فيعذب القاتل والآمر .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهم الله جميعاً في النار » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن البراء بن عازب . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن ، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال : « قتل بالمدينة قتيل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم من قتله ، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : أيها الناس قتل قتيل وأنا فيكم ولا نعلم من قتله ، ولو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل امرئ لعذبهم الله إلا أن يفعل ما يشاء » .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن جندب البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم ، أن يهرقه كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه » .
وأخرج الأصبهاني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(3/199)


« لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً ، فإذا أصاب دماً حراماً بلح » .
وأخرج الأصبهاني عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبَّهم الله على مناخرهم في النار ، وأن الله حرم الجنة على القاتل والآمر » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن رجل من الصحابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قسمت النار سبعين جزءاً . للآمر تسعة وستين ، وللقاتل جزءاً » .
وأخرج البيهقي عن محمد بن عجلان قال : كنت بالإسكندرية فحضرت رجلاً الوفاة لم نرَ من خلق الله أحداً كان أخشى لله منه ، فكنا نلقنه فيقبل كلما لقناه من سبحان الله والحمد لله ، فإذا جاءت لا إله إلا الله أبى ، فقلنا له : ما رأينا من خلق الله أحداً كان أخشى لله منك ، فنلقنك فتلقن حتى إذا جاءت لا إله إلا الله أبيت؟! قال : إنه حيل بيني وبينها ، وذلك أني قتلت نفساً في شبيبتي .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن عقبة بن عامر . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من عبد يلقى الله لا يشرك به شيئاً لم يتند بدم حرام إلا أدخل الجنة ، من أي أبواب الجنة شاء » .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري قال : كنت جالساً عند سالم بن عبد الله في نفر من أهل المدينة ، فقال رجل : ضرب الأمير آنفاً رجلاً أسواطاً فمات . فقال سالم : عاب الله على موسى عليه السلام في نفس كافر قتلها .
وأخرج البيهقي عن شهر بن حوشب . أن أعرابياً أتى أبا ذر فقال : إنه قتل حاج بيت الله ظالماً فهل له من مخرج؟ فقال له أبو ذر : ويحك . . . ! أحي والداك؟ قال : لا . قال : فأحدهما؟ قال : لا . قال : لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك ، وما أجد لك مخرجاً إلا في إحدى ثلاث . قال : وما هن؟ قال : هل تستطيع أن تحييه كما قتلته؟ قال : لا والله! قال : فهل تستطيع أن لا تموت؟ قال : لا والله ما من الموت بد ، فما الثالثة؟ قال : هل تستطيع أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء؟ فقام الرجل وله صراخ ، فلقيه أبو هريرة فسأله فقال : ويحك . . . ! حيان والداك؟ قال : لا . قال : لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك ، ولكن اغز في سبيل الله وتَعَرَّضْ للشهادة فعسى .

(3/200)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له فقال : السلام عليكم . فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } إلى قوله { عرض الحياة الدنيا } قال : تلك الغنيمة . قال : قرأ ابن عباس { السلام } .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : « مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له ، فسلم عليهم ، فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوّذ منا ، فعمدوا له فقتلوه ، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم . . . } الآية » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال « بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أضم ، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم الحرث بن ربعي أبو قتادة ، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم ، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له ، معه متيع له وقطب من لبن ، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه ، فقتله وأخذ بعيره ومتاعه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر ، نزل فينا القرآن { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا . . . } الآية » .
وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي حدرد الأسلمي عن أبيه نحوه ، وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أقتلته بعدما قال : آمنت بالله؟!فنزل القرآن » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثاً ، فلقيهم عامر بن الأضبط ، فحياهم بتحية الإسلام ، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية ، فرماه محلم بسهم فقتله ، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء محلم في بردين ، فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال : لا غفر الله لك . فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه ، فلفظته الأرض ، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكروا ذلك له فقال : إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم ، ثم طرحوه في جبل وألقوا عليه الحجارة ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم .

(3/201)


. . } الآية « .
واخرج البزار والدارقطني في الأفراد والطبراني عن ابن عباس قال » بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود ، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . فأهوى إليه المقداد فقتله . فقال له رجل من أصحابه : أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟! والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : يا رسول الله إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد . فقال : ادعوا إليَّ المقداد ، فقال : يا مقداد أقتلت رجلاً يقول لا إله إلا الله ، فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله } إلى قوله { كذلك كنتم من قبل } قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فاظهر إيمانه فقتلته ، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر قال : أنزلت هذه الآية { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } في مرداس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : » كان الرجل يتكلم بالإسلام ، ويؤمن بالله والرسول ، ويكون في قومه ، فإذا جاءت سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها حيه - يعني قومه - وأمام الرجل لا يخاف المؤمنين من أجل أنه على دينهم ، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام ، فيقولون : لست مؤمناً وقد ألقى السلم فيقتلونه ، فقال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } إلى { تبتغون عرض الحياة الدنيا } يعني تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجدتم معه ، وذلك عرض الحياة الدنيا فإن عندي مغانم كثيرة ، والتمسوا من فضل الله . وهو رجل اسمه مرداس خلى قومه هاربين من خيل بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليها رجل من بني ليث اسمه قليب حتى إذا وصلت الخيل سلّم عليهم فقتلوه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بديته ، ورد إليهم ماله ، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } قال : هذا الحديث في شأن مرداس ، رجل من غطفان ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك ، وبه ناس من غطفان ، وكان مرداس منهم .

(3/202)


ففر أصحابه فقال مرداس : إني مؤمن وعلى متبعكم . فصبحته الخيل غدوة ، فلما لقوه سلم عليهم مرداس ، فتلقاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه ، وأخذوا ما كان معه من متاع ، فأنزل الله في شأنه { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } لأن تحية المسلمين السلام ، بها يتعارفون ، وبها يحيي بعضهم بعضاً .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله . . . } الآية . قال « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة ، فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنم له وجمل أحمر ، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة ، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل إليهم فقال : السلام عليكم ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خير ويسأل عنه أصحابه ، فلما رجعوا لم يسألهم عنه ، فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقولون : يا رسول الله لو رأيت أسامة ولقيه رجل فقال الرجل : لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم ، فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال : كيف أنت ولا إله إلا الله؟ فقال : يا رسول الله إنما قالها متعوذاً تعوذ بها . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه . . . ! فأنزل الله خبر هذا ، وأخبر إنما قتله من أجل جمله وغنمه ، فذلك حين يقول { تبتغون عرض الحياة الدنيا } فلما بلغ { فمن الله عليكم } يقول : فتاب الله عليكم ، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل ، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه » .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الحسن « أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون ، فلقوا أناساً من العدو فحملوا عليهم فهزموهم ، فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاع ، فلما غشيه بالسنان قال : إني مسلم ، إني مسلم . فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقاتل : أقتلته بعد أن قال إني مسلم؟! يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً . قال : أفلا شققت عن قلبه؟ قال : لمَ يا رسول الله؟ قال : لتعلم أصادق هو أو كاذب! قال : وكنت عالم ذلك يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما كان يعبر عنه لسانه ، إنما كان يعبر عنه لسانه . قال : فما لبث القاتل أن مات ، فحفر له أصحابه ، فأصبح وقد وضعته الأرض ، ثم عادوا فحفروا له ، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره . قال الحسن : فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كم دفناه ، مرتين أو ثلاثة ، كل ذلك لا تقبله الأرض ، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا } أهل الإسلام إلى آخر الآية . قال الحسن : أما والله ما ذاك أن تكون الأرض تجن من هو شر منه ، ولكن وعظ الله القوم أن لا يعودوا » .

(3/203)


وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } قال : « بلغني أن رجلاً من المسلمين أغار على رجل من المشركين ، فحمل عليه فقال له المشرك : إني مسلم أشهد أن لا إله إلا الله ، فقتله المسلم بعد أن قالها ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال للذي قتله : أقتله وقد قال لا إله إلا الله؟! فقال وهو يعتذر : يا نبي الله إنما قال متعوّذاً وليس كذلك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فهلا شققت عن قلبه! ثم مات قاتل الرجل فقبر ، فلفظته الأرض ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يقبروه ، ثم لفظته حتى فعل ذلك به ثلاث مرات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران . قال معمر : وقال بعضهم : إن الأرض تقبل من هو شر منه ، ولكن الله جعله لكم عبرة » .
وأخرج ابن جرير من طريق أبي الضحى عن مسروق . أن قوماً من المسلمين لقوا رجلاً من المشركين ومعه غنيمة له ، فقال : السلام عليكم ، إني مؤمن . فظنوا أنه يتعوّذ بذلك فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فأنزل الله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا } تلك الغنيمة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : « خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمروا برجل فيه غنيمة له ، فقال : إني مسالم . فقتله ابن الأسود ، فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا } قال : الغنيمة » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء ، فذكر من قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد ، ونزل القرآن { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } فقرأ .

(3/204)


. . حتى بلغ إلى قوله { إن الله كان بما تعلمون خبيراً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } قال : راعي غنم لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه وأخذوا ما معه ، ولم يقبلوا منه السلام عليكم إني مؤمن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } قال : حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله لست مؤمناً كما حرم عليهم الميتة ، فهو آمن على ماله ودمه ، فلا تردوا عليه قوله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي رجاء والحسن . أنهما كانا يقرآن « ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم » بكسر السين .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد وأبي عبد الرحمن السلمي . أنهما كانا يقرآن { لمن ألقى إليكم السلام } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { كذلك كنتم من قبل } قال : تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه . وفي لفظ : تكتمون إيمانكم من المشركين { فمنّ الله عليكم } فأظهر الإسلام ، فاعلنتم إيمانكم { فتبينوا } قال : وعيد من الله مرتين .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { كذلك كنتم من قبل } قال : كنتم كفاراً حتى منّ الله عليكم بالإسلام وهداكم له .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق { كذلك كنتم من قبل } لم تكونوا مؤمنين .
وأخرج عبد بن حميد عن النعمان بن سالم أنه كان يقول : نزلت في رجل من هذيل .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { فتبينوا } بالياء .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أسامة قال : « بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ، فصبحنا الحرقات من جهينة ، فأدركت رجلاً فقال : لا إله إلا الله فطعنته ، فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » قال لا إله إلا الله وقتلته؟! قلت : يا رسول الله إنما قالها فرقاً من السلاح . قال : ألا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا . . ! فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يؤمئذ « » .
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن برقان قال : حدثنا الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال : « بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أسامة بن زيد على جيش . قال أسامة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلت أحدثه فقلت : فلما انهزم القوم أدركت رجلاً فأهويت إليه بالرمح ، فقال : لا إله إلا الله فطعنته فقتلته . فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ويحك يا أسامة . . ! فكيف لك بلا إله إلا الله؟ ويحك يا أسامة . . ! فكيف لك بلا إله إلا الله؟ فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته واستقبلت الإسلام يومئذ جديداً ، فلا والله أقاتل أحداً قال لا إله إلا الله بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم » .

(3/205)


وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : قال أسامة بن زيد : لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً . فقال سعد بن مالك : وأنا - والله - لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً . فقال لهما رجل : ألم يقل الله { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } [ البقرة : 193 ] فقالا : قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن عقبة بن مالك الليثي قال : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، فغارت على قوم ، فأتبعه رجل من السرية شاهراً فقال الشاذ من القوم : إني مسلم ، فلم ينظر فيما قال فضربه فقتله ، فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال فيه قولاً شديداً ، فبلغ القاتل . فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل : والله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل . فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس ، وأخذ في خطبته ثم قال أيضاً : يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل . فأعرض عنه وعمن قبله من الناس ، وأخذ في خطبته ثم لم يصبر فقال الثالثة : والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل . فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه فقال : إن الله أبى عليّ لمن قتل مؤمناً ثلاث مراراً » .
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن المقداد بن الأسود قال : قلت « يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين بضربتين فقطع يدي ، فلما علوته بالسيف قال : لا إله إلا الله أضربه أم أدعه؟ قال : بل دعه . قلت : قطع يدي! قال : إن ضربته بعد أن قالها فهو مثلك قبل أن تقتله ، وأنت مثله قبل أن يقولها » .
وأخرج الطبراني عن جندب البجلي قال « إني لعند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه بشير من سريته ، فأخبره بالنصر الذي نصر الله سريته ، وبفتح الله الذي فتح لهم . قال : يا رسول الله بينا نحن نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى ، إذ لحقت رجلاً بالسيف ، فلما خشي أن السيف واقعه ، وهو يسعى ويقول : إني مسلم ، إني مسلم . قال : فقتلته . . . ؟ فقال : يا رسول الله إنما تعوّذ . فقال : فهلا شققت عن قلبه فنظرت أصادق هو أم كاذب؟! فقال : لو شققت عن قلبه ما كان علمي هل قلبه إلا مضغة من لحم! قال : لا ما في قلبه تعلم ولا لسانه صدقت قال : يا رسول الله استغفر لي . قال : لا أستغفر لك . فمات ذلك الرجل ، فدفنوه فأصبح على وجه الأرض ، ثم دفنوه فأصبح على وجه الأرض ثلاث مرات ، فلما رأوا ذلك استحيوا وخزوا مما لقي ، فاحتملوه فألقوه في شعب من تلك الشعاب » .

(3/206)


لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)

أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبغوي في معجمه والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال : لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ادع فلاناً . وفي لفظ : ادع زيداً ، فجاء ومعه الدواة واللوح والكتف ، فقال : اكتب { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ، فقال : يا رسول الله إني ضرير؟! فنزلت مكانها { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله } » .
وأخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي من طريق ابن شهاب قال : « حدثني سهل بن سعد الساعدي أن مروان بن الحكم أخبره : أن زيد بن ثابت أخبره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها عليّ فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفخذه على فخذي ، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي ، ثم سري عنه ، فأنزل الله { غير أولي الضرر } قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح قال : وفي هذا الحديث رواية رجل من الصحابة وهو سهل بن سعد عن رجل من التابعين وهو مروان بن الحكم ، لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وأبو داود وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني والحاكم وصححه من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت قال : « كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة ، فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سري عنه : فقال : اكتب . فكتبت في كتف { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } إلى آخر الآية . فقال ابن أم مكتوم - وكان رجلاً أعمى - لما سمع فضل المجاهدين : يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي ، فوجدت ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ يا زيد . فقرأت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب { غير أولي الضرر .

(3/207)


. . } الآية . قال زيد : أنزلها الله وحدها فألحقتها ، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف « .
وأخرج ابن فهر في كتاب فضائل مالك وابن عساكر من طريق عبد الله بن رافع قال : قدم هارون الرشيد المدينة ، فوجه البرمكي إلى مالك وقال له : احمل إليّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك . فقال للبرمكي : أقرئه السلام وقل له : إن العلم يزار ولا يزور ، وإن العلم يؤتى ولا يأتي . فرجع البرمكي إلى هارون فقال له : يا أمير المؤمنين يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك فخالفك ، اعزم عليه حتى يأتيك ، فإذا بمالك قد دخل وليس معه كتاب ، وأتاه مسلماً فقال : يا أمير المؤمنين إن الله جعلك في هذا الموضع لعلمك فلا تكن أنت أوّل من يضع العلم فيضعك الله ، ولقد رأيت من ليس في حسبك ولا بيتك يعز هذا العلم ويجله فأنت أحرى أن تعز وتجل علم ابن عمك ، ولم يزل يعدد عليه من ذلك حتى بكى هارون ثم قال أخبرني الزهري عن خارجة بن زيد قال : قال زيد بن ثابت : » كنت أكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في كتف { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون } وابن أم مكتوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قد أنزل الله في فضل الجهاد ما أنزل ، وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أدري . . . قال زيد بن ثابت : وقلمي رطب ما جف حتى غشي النبي صلى الله عليه وسلم الوحي ، ووقع فخذه على فخذي حتى كادت تدق من ثقل الوحي ، ثم جلى عنه فقال لي : اكتب يا زيد { غير أولي الضرر } في أمير المؤمنين حرف واحد بعث به جبريل والملائكة عليهم السلام من مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلا ينبغي لي أن أعزه وأجله . . . ؟! « .
وأخرج الترمذي وحسنه النسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق مقسم عن ابن عباس » أنه قال { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } عن بدر والخارجين إلى بدر ، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش ، وابن أم مكتوم : انا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة ، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر { فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً } درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس .

(3/208)


أنه قال { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } عن بدر والخارجين إليها .
وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات عن زيد بن أرقم قال : « لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } جاء ابن أم مكتوم فقال : يا رسول الله أما لي من رخصة؟ قال : لا . قال : اللهم إني ضرير فرخِّص لي . فأنزل الله { غير أولي الضرر } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابتها » .
وأخرج عبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن حبان والطبراني عن الفلتان بن عاصم قال « كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل عليه ، وكان إذا أنزل عليه دام بصره ، مفتوحة عيناه ، وفرغ سمعه وقلبه ، لما يأتيه من الله قال : فكنا نعرف ذلك منه . فقال للكاتب : اكتب { لا يستوي القاعدون والمجاهدون في سبيل الله } فقام الأعمى فقال : يا رسول الله ما ذنبنا؟ فأنزل الله ، فقلنا للأعمى : إنه ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فخاف أن يكون ينزل عليه شيء في أمره ، فبقي قائماً يقول : أعوذ بغضب رسول الله فقال للكاتب : اكتب { غير أولي الضرر } » .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس « { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فسمع بذلك عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » يا رسول الله قد أنزل الله في الجهاد ما قد علمت ، وأنا رجل ضرير البصر لا أستطيع الجهاد فهل لي من رخصة عند الله إن قعدت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أمرت في شأنك بشيء ، وما أدري هل يكون لك ولأصحابك من رخصة . فقال ابن أم مكتوم : اللهم إني أنشدك بصري . فأنزل الله { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } « .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي من طريق أبي نضرة عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض وأوجاع ، فأنزل الله عذرهم من السماء .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال : نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم { غير أولي الضرر } لقد رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شداد قال » لما نزلت هذه الآية { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } قام ابن أم مكتوم فقال : يا رسول الله إني ضرير كما ترى؟ فأنزل الله { غير أولي الضرر } « .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : » ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أم مكتوم : يا نبي الله عذري؟ فأنزل الله { غير أولي الضرر } « .

(3/209)


وأخرج ابن جرير عن سعيد قال « نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين . . . والمجاهدين في سبيل الله } فقال رجل أعمى : يا نبي الله فإني أحب الجهاد ولا أستطيع أن أجاهد . فنزلت { غير أولي الضرر } » .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال « لما نزلت هذه الآية قال ابن أم مكتوم : يا رسول الله إني أعمى ولا أطيق الجهاد . فأنزل الله فيه { غير أولي الضرر } » .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير من طريق زياد بن فياض عن أبي عبد الرحمن قال : لما نزلت { لا يستوي القاعدون } قال عمرو بن أم مكتوم : يا رب ابتليتني فكيف أصنع؟ فنزلت { غير أولي الضرر } .
وأخرج ابن سعد وابن المنذر من طريق ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال : لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } قال ابن أم مكتوم : أي رب أين عذري ، أي رب أين عذري؟ فنزلت { غير أولي الضرر } فوضعت بينها وبين الأخرى ، فكان بعد ذلك يغزو ويقول : ادفعوا إلي اللواء ، وأقيموني بين الصفين فإني لن أفر .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال : نزلت في ابن أم مكتوم أربع آيات { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } ونزل فيه { ليس على الأعمى حرج } [ النور : 61 ] ونزل فيه { فإنها لا تعمى الأبصار . . . } [ الحج : 46 ] الآية . ونزل فيه { عبس وتولى } [ عبس : 1 ] فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأدناه وقربه وقال : « أنت الذي عاتبني فيك ربي » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : لا يستوي في الفضل القاعد عن العدو والمجاهد درجة يعني فضيلة { وكلا } يعني المجاهد والقاعد المعذور { وفضل الله المجاهدين على القاعدين } الذين لا عذر لهم { أجراً عظيماً درجات } يعني فضائل { وكان الله غفوراً رحيماً } بفضل سبعين درجة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { غير أولي الضرر } قال : أهل العذر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } قال : على أهل الضرر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { وكلاً وعد الله الحسنى } أي الجنة والله يؤتي كل ذي فضل فضله .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة } قال : على القاعدين من المؤمنين { غير أولي الضرر } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { درجات منه ومغفرة ورحمة } قال : كان يقال : الإسلام درجة ، والهجرة درجة في الإسلام ، والجهاد في الهجرة درجة ، والقتل في الجهاد درجة .

(3/210)


وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال : سألت ابن زيد عن قول الله تعالى { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه } الدرجات هي السبع لتي ذكرها في سورة براءة { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } [ التوبة : 120 ] فقرأ حتى بلغ { أحسن ما كانوا يعملون } [ التوبة : 121 ] قال : هذه السبع درجات؟ قال : كان أول شيء فكانت درجة الجهاد مجملة ، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه ، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفضيل أخرج منها ولم يكن له منها إلا النفقة فقرأ { لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } [ التوبة : 120 ] وقال : ليس هذا لصاحب النفقة ، ثم قرأ { ولا ينفقون نفقة } قال : وهذه نفقة القاعد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن محيريز في قوله { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات } قال : الدرجات سبعون درجة ، ما بين الدرجتين عدو الجواد المضمر سبعون سنة .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي محلز في قوله { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات } قال : بلغني أنها سبعون درجة ، بين كل درجتين سبعون عاماً للجواد المضمر .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله { درجات منه ومغفرة ورحمة } قال : ذكر لنا أن معاذ بن جبل كان يقول : إن للقتيل في سبيل الله ست خصال من خير : أول دفعة من دمه يكفر بها عنه ذنوبه ، ويحلى عليه حلة الإيمان ، ثم يفوز من العذاب ، ثم يأمن من الفزع الأكبر ، ثم يسكن الجنة ، ويزوج من الحور العين .
وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض » .
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم عن أبي سعيد . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من رضي بالله ربا ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، وجبت له الجنة . فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها عليّ يا رسول الله . فأعادها عليه ثم قال : وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض . قال : وما هي يا رسول الله؟ قال : الجهاد في سبيل الله » .

(3/211)


وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة . فقال رجل : يا رسول الله وما الدرجة؟ قال : أما أنها ليست بعتبة أمك ، ما بين الدرجتين مائة عام » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبادة بن الصامت . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عن يزيد بن أبي مالك قال : كان يقال : الجنة مائة درجة ، بين كل درجتين كما بين السماء إلى الأرض ، فيهن الياقوت والخيل ، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد .

(3/212)


إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)

أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس . أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيأتي السهم يرمي به ، فيصيب أحدهم فيقتله ، أو يضرب فيقتل . فأنزل الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة اسلموا ، وكانوا يستخفون بالإسلام ، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر ، فأصيب بعضهم وقتل بعض ، فقال المسلمون : قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم ، فنزلت هذه الآية { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } إلى آخر الآية . قال : فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية وأنه لا عذر لهم فخرجوا ، فلحقهم المشركون فاعطوهم الفتنة ، فأنزلت فيهم هذه الآية { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } [ العنكبوت : 10 ] إلى آخر الآية . فكتب المسلمون إليهم بذلك ، فحزنوا وأيسوا من كل خير ، فنزلت فيهم { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } [ النحل : 110 ] فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا ، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن عكرمة في قوله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم } إلى قوله { وساءت مصيراً } قال : نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الأسود ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبي العاص بن منية بن الحجاج ، وعلي بن أمية بن خلف . قال : لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة ، خرجوا معهم بشبان كارهين ، كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد ، فقتلوا ببدر كفاراً ورجعوا عن الإسلام ، وهم هؤلاء الذين سميناهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق في قوله { إن الذين توفاهم الملائكة } قال : هم خمسة فتية من قريش : علي بن أمية ، وأبو قيس بن الفاكه ، وزمعة بن الأسود ، وأبو العاصي بن منية بن الحجاج . قال : ونسيت الخامس .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : هم قوم تخلفوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا أن يخرجوا معه ، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ضربت الملائكة وجهه ودبره .

(3/213)


وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : كان قوم بمكة قد أسلموا ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا ، فأنزل الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } إلى قوله { إلا المستضعفين } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : هم أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فلم يخرجوا معه إلى المدينة ، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر ، فأصيبوا يوم بدر فيمن أصيب . فأنزل الله فيهم هذه الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : لما أسر العباس ، وعقيل ، ونوفل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « افد نفسك وابن أخيك . قال : يا رسول الله ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال : يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم ثم تلا عليه هذه الآية { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً } » فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر { إلا المستضعفين } الذين { لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } حيلة في المال ، والسبيل الطريق . قال ابن عباس : كنت أنا منهم من الولدان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : حدثت أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلموا بالإسلام من أهل مكة ، فخرجوا مع عدو الله أبي جهل ، فقتلوا يوم بدر فاعتذروا بغير عذر ، فأبى الله أن يقبل منهم ، وقوله { إلا المستضعفين } قال : أناس من أهل مكة عذرهم الله فاستثناهم . قال : وكان ابن عباس يقول : كنت أنا وأمي من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية : نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء ، في كفار قريش .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال « لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهروا ونبع الإيمان نبع النفاق معه فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال فقالوا : يا رسول الله لولا أنا نخاف هؤلاء القوم يعذبونا ، ويفعلون ويفعلون لأسلمنا ، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، فكانوا يقولون ذلك له ، فلما كان يوم بدر قام المشركون فقالوا : لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره ، واستبحنا ماله . فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي صلى الله عليه وسلم معهم ، فقتلت طائفة منهم وأسرت طائفة ، قال : فأما الذين قتلوا فهم الذين قال الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية كلها { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } وتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم { أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً } ثم عذر الله أهل الصدق فقال { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } يتوجهون له لو خرجوا لهلكوا { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } اقامتهم بين ظهري المشركين .

(3/214)


وقال الذين أسروا : يا رسول الله انك تعلم انا كنا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، وأن هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفاً؟ فقال الله { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم } [ الأنفال : 70 ] صنيعكم الذي صنعتم خروجكم مع المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم . { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل } [ الأنفال : 71 ] خرجوا مع المشركين فأمكن منهم « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين . أنا من الولدان ، وأمي من النساء .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه تلا { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } قال : كنت أنا وأمي ممن عذر الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة : » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانو يدعو في دبر كل صلاة : اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين ، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً « .
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : » بينا النبي ي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال : سمع الله لمن حمده . ثم قال قبل أن يسجد : اللهم نج عياش بن أبي ربيعة ، اللهم نج سلمة بن هشام ، اللهم نج الوليد بن الوليد ، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف « .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { إلا المستضعفين } يعني الشيخ الكبير ، والعجوز ، والجواري الصغار ، والغلمان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن يحيى قال : » مكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع ، وكان يقول في قنوته : اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وعياش بن أبي ربيعة ، والعاصي بن هشام ، والمستضعفين من المؤمنين بمكة الذين { لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } « .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال { الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } إلى قوله { وساءت مصيراً } قال : كانوا قوماً من المسلمين بمكة ، فخرجوا مع قومهم من المشركين في قتال ، فقتلوا معهم ، فنزلت هذه الآية { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان } فعذر الله أهل العذر منهم ، وهلك من لا عذر له قال ابن عباس : وكنت أنا وأمي ممن كان له عذر .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { لا يستطيعون حيلة } قوة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { لا يستطيعون حيلة } قال : نهوضاً إلى المدينة { ولا يهتدون سبيلاً } طريقاً إلى المدينة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { ولا يهتدون سبيلاً } طريقاً إلى المدينة . والله تعالى أعلم .

(3/215)


وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { مراغماً كثيراً وسعة } قال : المراغم التحول من أرض إلى أرض . والسعة الرزق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { مراغماً } قال : متزحزحاً عما يكره .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { مراغماً } قال : منفسحاً بلغة هذيل . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :
واترك أرض جهرة إن عندي ... رجاء في المراغم والتعادي
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : المراغم المهاجر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ، مراغماً قال : مبتغى للمعيشة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر مراغماً قال منفسحاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة } قال : متحولاً من الضلالة إلى الهدى ، ومن العيلة إلى الغنى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { وسعة } قال : ورخاء .
وأخرج عن ابن القاسم قال : سئل مالك عن قول الله { وسعة } ؟! قال : سعة البلاء .
وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال : خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً فقال لأهله : احملوني فاخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزل الوحي { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال : كان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر ، وكان مريضاً فقال لأهله : أخرجوني من مكة فإني أجد الحر . فقالوا أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو طريق المدينة ، فخرجوا به فمات على ميلين من مكة ، فنزلت هذه الآية { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت } .
وأخرج أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين عن عامر الشعبي قال : سألت ابن عباس عن قوله تعالى { ومن يخرج من بيته مهاجراً . . . } الآية . قال : نزلت في أكثم بن صيفي قلت : فأين الليثي؟ قال : هذا قبل الليثي بزمان ، وهي خاصة عامة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير . أن رجلاً من خزاعة كان بمكة فمرض ، وهو ضمرة بن العيص ، أو العيص بن ضمرة بن زنباع ، فلما أمروا بالهجرة كان مريضاً ، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ، ففرشوا له وحملوه وانطلقوا به متوجهاً إلى المدينة ، فلما كان بالتنعيم مات ، فنزل { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } .

(3/216)


وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة ، فلما نزلت { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة } [ النساء : 98 ] فقال : إني لغني ، وإني لذو حيلة . فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأدركه الموت بالتنعيم ، فنزلت هذه الآية { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله } .
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت هذه الآية { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } [ النساء : 95 ] رخَّص فيها لقوم من المسلمين ممن بمكة من أهل الضرر حتى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين ، ورخص لأهل الضرر حتى نزلت { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [ النساء : 97 ] إلى قوله { وساءت مصيراً } [ النساء : 97 ] قالوا : هذه موجبة حتى نزلت { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً } [ النساء : 98 ] فقال ضمرة بن العيص أحد بني ليث وكان مصاب البصر : إني لذو حيلة لي مال فاحملوني ، فخرج وهو مريض ، فأدركه الموت عند التنعيم ، فدفن عند مسجد التنعيم ، فنزلت فيه هذه الآية { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال لما أنزل الله هؤلاء الآيات ورجل من المؤمنين يقال له ضمره ، ولفظ عبد سبرة بمكة ، قال : والله إن لي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد منها ، وإني لأهتدي إلى المدينة ، فقال لأهله : أخرجوني - وهو مريض يومئذ - فلما جاوز الحرم قبضه الله فمات ، فأنزل الله { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من وجه آخر عن قتادة قال : لما نزلت { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [ النساء : 97 ] قال رجل من المسلمين يومئذ وهومريض : والله ما لي من عذر ، إني لدليل بالطريق ، وإني لموسر فاحملوني ، فحملوه فأدركه الموت بالطريق ، فنزل فيه { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : لما أنزل الله { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [ النساء : 97 ] الآيتين . قال رجل من بني ضمرة - وكان مريضاً - أخرجوني إلى الروح ، فأخرجوه حتى إذا كان بالحصحاص مات ، فنزل فيه { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله . . . } الآية . وأخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر قوله { ومن يخرج من بيته . . . } الآية . قال : نزلت في رجل من خزاعة .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : لما سمع - هذه يعني { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم . . . }

(3/217)


[ النساء : 97 ] الآية - ضمرة بن جندب الضمري قال لأهله - وكان وجعاً - : أرحلوا راحلتي فإن الأخشبين قد غماني - يعني جبلي مكة - لعلّي أن أخرج فيصيبني روح ، فقعد على راحلته ثم توجه نحو المدينة فمات في الطريق ، فأنزل الله { ومن يخرج من بيته مهاجراً } الآية . وأما حين توجه إلى المدينة فإنه قال : اللهم إني مهاجر إليك وإلى رسولك .
وأخرج سنيد وابن جرير عن عكرمة قال : لما نزلت { إن الذين توفاهم الملائكة . . . } [ النساء : 97 ] الآية . قال ضمرة بن جندب الجندعي : اللهم أبلغت المعذرة والحجة ، ولا معذرة لي ولا حجة . ثم خرج وهو شيخ كبير فمات ببعض الطريق ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مات قبل أن يهاجر ، فلا ندري أعلى أم لا؟ فنزلت { ومن يخرج من بيته . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال : لما أنزل الله في الذين قتلوا مع مشركي قريش ببدر { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [ النساء : 97 ] الآية . سمع بما أنزل الله فيهم رجل من بني ليث كان على دين النبي صلى الله عليه وسلم مقيماً بمكة ، وكان ممن عذر الله ، كان شيخاً كبيراً ، فقال لأهله : ما أنا ببائت الليلة بمكة . فخرجوا به حتى إذا بلغ التنعيم من طريق المدينة أدركه الموت ، فنزل فيه { ومن يخرج من بيته } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال : نزلت في رجل من بني ليث أحد بني جندع .
وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، أن جندع بن ضمرة الجندعي كان بمكة ، فمرض فقال لبنيه : أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها . فقالوا إلى أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة يريد الهجرة؟ فخرجوا به فلما بلغوا اضاة بني غفار مات ، فأنزل الله فيه { ومن يخرج من بيته . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : هاجر رجل من بني كنانة يريد النبي صلى الله عليه وسلم ، فمات في الطريق ، فسخر به قوم واستهزؤوا به ، وقالوا : لا هو بلغ الذي يريد ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويدفن . فنزل القرآن { ومن يخرج من بيته } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : خرج رجل من مكة بعد ما أسلم وهو يريد النبي وأصحابه فأدركه الموت في الطريق فمات ، فقالوا : ما أدرك هذا من شيء . فأنزل الله { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام قال : هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة ، فنهشته حية في الطريق فمات ، فنزلت فيه { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً } .

(3/218)


قال الزبير : وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة ، فما أحزنني شيء حزني لوفاته حين بلغني ، لأنه قلَّ أن هاجر أحدٌ من قريش إلا ومعه بعض أهله أو ذي رحمه ، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ، ولا أرجو غيره .
وأخرج ابن سعد عن المغيرة بن عبد الرحمن الخزاعي عن أبيه قال : خرج خالد بن حزام مهاجراً إلى أرض الحبشة في المرة الثانية ، فنهش في الطريق فمات قبل أن يدخل أرض الحبشة ، فنزلت فيه { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب . أن أهل المدينة يقولون : من خرج فاصلاً وجب سهمه ، وتأولوا قوله تعالى { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله } يعني من مات ممن خرج إلى الغزو بعد انفصاله من منزله قبل أن يشهد الوقعة ، فله سهمه من المغنم .
وأخرج ابن سعد وأحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عتيك « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله - وأين المجاهدون في سبيل الله - فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله ، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله ، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله - يعني بحتف أنفه على فراشه ، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومن قتل قعصاً فقد استوجب الجنة » .
وأخرج أبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة ، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ، ومن خرج غازياً في سبيل الله كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة » .

(3/219)


وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة والطحاوي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان « عن يعلى بن أمية قال » سألت عمر بن الخطاب قلت : { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر : عجبت مما عجبت منه! فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي حنظلة قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال : ركعتان . فقلت : فأين قوله تعالى { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ونحن آمنون؟ فقال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي في سننه عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسد . أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر ، أنا لا نجدها في كتاب الله ، إنما نجد ذكر صلاة الخوف؟! فقال ابن عمر : يا ابن أخي إن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً ، فإنما نفعل كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن حارثة بن وهب الخزاعي قال « صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى ، أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين » .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال : « صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ، ركعتين » .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال : سافرت إلى مكة فكنت أصلي ركعتين ، فلقيني قراء من أهل هذه الناحية فقالوا : كيف تصلي؟ قلت ركعتين! قالوا أَسُنَّةٌ أو قرآن؟! قلت : كل سُنَّةٍ وقرآن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين . قالوا إنه كان في حرب! قلت : قال الله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون } [ الفتح : 27 ] وقال { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } فقرأ حتى بلغ { فإذا اطمأننتم } [ النساء : 102 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال : « صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ، ركعتين » .

(3/220)


وأخرج ابن جرير عن علي قال « سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ثم انقطع الوحي ، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم ، فصلى الظهر فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم ، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم : إن لهم مثلها أخرى في أثرها ، فأنزل الله بين الصلاتين { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } إلى قوله { إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً } فنزلت صلاة الخوف » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : قال رجل « يا رسول الله إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين فأمره أن يصلي ركعتين » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ { فاقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ولا يقرأ { إن خفتم } وهي في مصحف عثمان { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } .
وأخرج ابن جرير من طريق عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق قال : سمعت أبي يقول « سمعت عائشة تقول : في السفر أتموا صلاتكم . فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر ركعتين؟ فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب ، وكان يخاف هل تخافون أنتم؟! » .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال « قلت لعطاء أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم الصلاة في السفر؟ قال : عائشة ، وسعد بن أبي وقاص » .
وأخرج ابن جرير عن أمية بن عبد الله « أنه قال لعبد الله بن عمر : أنا نجد في كتاب الله قصر الصلاة في الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر؟ فقال عبد الله : إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملاً عملنا به » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } قال : « أنزلت يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان ، فتوافقوا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعاً ، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معاً جمعاً ، فهم به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم ، فأنزل الله { فلتقم طائفة منهم معك } [ النساء : 102 ] فصلى العصر ، فصف أصحابه صفين ، ثم كبر بهم جميعاً ، ثم سجد الأولون لسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم كبر بهم وركعوا جميعاً ، فتقدم الصف الآخر واستأخر الصف المقدم ، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة ، وقصر العصر إلى ركعتين » .

(3/221)


وأخرج عبد الرزاق عن طاوس في قوله { أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } قال : قصرها من الخوف والقتال الصلاة في كل وجه راكباً وماشياً قال : فأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هذه الركعتان ، وصلاة الناس في السفر ركعتين فليس بقصر ، هو وقاؤها .
وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار في قوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } قال : إنما ذلك إذا أخافوا الذين كفروا ، وسن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ركعتين ، وليس بقصر ولكنها وفاء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام ، والتقصير لا يحل إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة ، والتقصير ركعة ، يقوم الإمام ويقوم معه طائفتان ، طائفة خلفه وطائفة يوازون العدو ، فيصلي بمن معه ركعة ، ويمشون إليهم على أدبارهم حتى يقوموا في مقام أصحابهم ، وتلك المشية القهقرى ، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة ، ثم يجلس الإمام فيسلم ، فيقومون فيصلون لأنفسهم ركعة ، ثم يرجعون إلى صفهم ، ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعته شيئاً تجزئه ركعة الإمام ، فيكون للإمام ركعتان ولهم ركعة ، فذلك قول الله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } [ النساء : 102 ] إلى قوله { وخذوا حذركم } [ النساء : 102 ] .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { أن يفتنكم الذين كفروا } قال : بالعذاب والجهل بلغة هوزان . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
كل امرئ من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سماك الحنفي قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتان تمام غير قصر ، إنما القصر صلاة المخافة . قلت : وما صلاة المخافة؟ قال : يصلي الإمام بطائفة ركعة ، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء وهؤلاء إلى مكان هؤلاء ، فيصلي بهم ركعة ، فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة ركعة .
وأخرج مالك وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت : « فرضت الصلاة ركعتين في السفر والحضر ، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عائشة قالت : « فرضت الصلاة على النبي بمكة ركعتين ركعتين ، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعاً ، وأقرت صلاة السفر ركعتين » .
وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن عائشة قالت « فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب فرضت ثلاثاً ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة الأولى ، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر ، والصبح لأنها تطول فيها القراءة » .

(3/222)


وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا أهل مكة! لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان » .
وأخرج الشافعي والبيهقي عن عطاء بن أبي رباح . أن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس . أنه سئل أتقصر إلى عرفة؟ فقال : لا ، ولكن إلى عسفان ، وإلى جدة ، وإلى الطائف .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والنحاس عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وإذا ضربتم في الأرض } الآية . قال : قصر الصلاة - إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة - أن تكبر الله وتخفض رأسك إيماء راكباً كنت أو ماشياً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } قال : ذاك عند القتال ، يصلي الرجل الراكب تكبيرة من حيث كان وجهه .

(3/223)


وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي عياش الزرقي قال « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان ، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة ، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ، ثم قالوا : يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم ، فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } فحضرت ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا السلاح وصففنا خلفه صفين ، ثم ركع فركعنا جميعاً ، ثم سجد بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، ثم ركع فركعوا جميعاً ، ثم رفع فرفعوا جميعاً ، ثم سجد الصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ، ثم سلم عليهم ثم انصرف . قال : فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين . مرة بعسفان ، ومرة بأرض بني سليم » .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان فقال المشركون : إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر ، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة ، وإن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي بهم ، وتقوم طائفة أخرى وراءهم { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ثم يأتي الآخرون ويصلون معه ركعة واحدة ، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ، فيكون لهم ركعة ركعة ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد الفقير قال : سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ قال الركعتان في السفر تمام ، إنما القصر واحدة عند القتال ، بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذ أقيمت الصلاة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصفت طائفة وطائفة وجوهها قبل العدو ، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم ، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فسلم وسلم الذين خلفه وسلم أولئك ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة ، ثم قرأ { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } .

(3/224)


وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سليمان اليشكري « أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل؟ فقال جابر بن عبد الله : » وغير قريش آتية من الشام حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد . قال : نعم . قال : هل تخافني؟ قال : لا . قال : فمن يمنعك مني؟ قال : الله يمنعني منك . قال : فسل السيف ، ثم تهدده وأوعده ، ثم نادى بالرحيل ، وأخذ السلاح ، ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم ، فصلى بالذين يلونه ركعتين ، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم ، فقاموا في مصاف أصحابهم ، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ، ثم سلم . فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان يومئذ ، فأنزل الله في إقصار الصلاة ، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه في قوله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } قال » هي صلاة الخوف ، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مقبلة على العدو ، ثم انصرفت الطائفة التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو ، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى ، ثم سلم بهم ، ثم قامت طائفة فصلوا ركعة ركعة « .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني » عن ابن عباس في قوله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } فهذا في الصلاة عند الخوف ، يقوم الإمام ويقوم معه طائفة منهم ، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو ، فيصلي الإمام بمن معه ركعة ثم يجلس على هيئته ، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس ، ثم ينصرفون فيقفون موقفهم ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية ثم يسلم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ، فهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة « .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بذي قرد ، فصف الناس صفين ، صفاً خلفه وصفاً موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا « .
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف ، قال سفيان : فذكر مثل حديث ابن عباس « .

(3/225)


وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن ثعلبة بن زهدم قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة : أنا فقام حذيفة فصف الناس خلفه وصفاً موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ، ثم انصرف هؤلاء مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا .
وأخرج أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بذات الرقاع ، فصدع الناس صدعتين . فصفت طائفة وراءه ، وقامت طائفة وجاه العدو ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرت الطائفة خلفه ، ثم ركع وركعوا وسجد وسجدوا ، ثم رفع رأسه فرفعوا ، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وسجدوا لأنفسهم سجدة ثانية ، ثم قاموا ، ثم نكصوا على أعقابهم يمشون القهقهرى حتى قاموا من ورائهم ، وأقبلت الطائفة الأخرى فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم ، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدته الثانية فسجدوا معه ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعته وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية ، ثم قامت الطائفتان جميعاً ، فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فركع بهم ركعة فركعوا جميعاً ، ثم سجد فسجدوا جميعاً ، ثم رفع رأسه ورفعوا معه ، كل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً جداً ، لا يألوا أن يخفف ما استطاع ، ثم سلم فسلموا ، ثم قام وقد شركه الناس في صلاته كلها » .
وأخرج الحاكم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أنه قال « وطائفة من خلفه ، وطائفة من وراء الطائفة التي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قعود ، وجوههم كلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكبرت الطائفتان ، فركع فركعت الطائفة التي خلفه والآخرون قعود ، ثم سجد فسجدوا أيضاً والآخرون قعود ، ثم قاموا ونكصوا خلفه حتى كانوا مكان أصحابهم قعوداً ، وأتت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة وسجدتين ، ثم سلم والآخرون قعود ، ثم سلم فقامت الطائفتان كلتاهما فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين ركعة وسجدتين » .
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من طريق صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف « أن طائفة صفت معه وطائفة تجاه العدو ، فصلة بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا وصلوا تجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم » .

(3/226)


وأخرج عبد بن حميد والدارقطني عن أبي بكرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الحوف ، فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم فتأخروا ، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتان ثم سلم ، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ، وللمسلمين ركعتان ركعتان » .
وأخرج الدارقطني والحاكم عن أبي بكرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم في الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات ، ثم انصرف وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاثاً فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ست ركعات ، وللقوم ثلاث ثلاث » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والدارقطني عن ابن مسعود قال « صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفين ، صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف مستقبل العدو ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ، وجاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبلوا هؤلاء العدو ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم ، فقام هؤلاء إلى مقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا » .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق عروة من مروان « أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة : نعم . قال مروان : متى؟ قال : عام غزوة نجد ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة صلاة العصر ، فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر الكل ، ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي خلفه ، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت الطائفة التي معه وذهبوا إلى العدو فقابلوهم ، وأقبلت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هو ثم قاموا ، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى وركعوا معه وسجدوا معه ، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن معه ، ثم كان السلام فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعاً ، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ، ولكل واحدة من الطائفتين ركعة ركعة » .
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الخوف ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمنا خلفه صفين ، فكبر وركع وركعنا جميعاً الصفان كلاهما ، ثم رفع رأسه ، ثم خر ساجداً وسجد الصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم ، فلما فرغ من سجوده وقام خر الصف المؤخر سجوداً فسجدوا سجدتين ثم قاموا ، فتأخر الصف المقدم الذي يليه وتقدم الصف المؤخر فركع وركعوا جميعاً ، وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه وثبت الآخرون قياماً يحرسون إخوانهم ، فلما قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خر الصف المؤخر سجوداً ، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم « .

(3/227)


وأخرج الدارقطني عن جابر « أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان محاصراً بني محارب بنخل ، ثم نودي في الناس أن الصلاة جامعة ، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتين ، طائفة مقبلة على العدو يتحدثون وصلى بطائفة ركعتين ، ثم سلم فانصرفوا فكانوا مكان إخوانهم ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ولكل طائفة ركعتان » .
وأخرج البزار وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له فلقي المشركين بعسفان ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه ، قال بعضهم لبعض : لو حملتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم . فقال قائل منهم : إن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم ، فاصبروا حتى تحضر فنحمل عليهم جملة . فأنزل الله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } إلى آخر الآية . وأعلمه بما ائتمر به المشركون ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة ، جعل المسلمين خلفه صفين ، فكبر فكبروا معه جميعاً ، ثم ركع وركعوا معه جميعاً ، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه ، ثم قام الذين خلفهم مقبلون على العدو ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقام ، سجد الصف الثاني ثم أقاموا ، وتأخر الصف الذين يلونه وتقدم الآخرون ، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما ركع ركعوا معه جميعاً ، ثم رفع فرفعوا معه ، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه ، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سجوده وقعد ، قعد الذين يلونه وسجد الصف المؤخر ثو قعدوا ، فسجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليهم جميعاً ، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض قالوا : لقد أخبروا بما أردنا » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية الرياحي « أن أبا موسى الأشعري كان بالدار من أصبهان وما بهم يومئذ كبير خوف ، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فجعلهم صفين .

(3/228)


طائفة معها السلاح مقبلة على عدوّها وطائفة وراءها ، فصلى بالذين يلونه ركعة ، ثم نكصوا على أدبارهم حتى أقاموا مقام الآخرين ، وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم ، فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة فسلم بعضهم على بعض ، فتمت للإمام ركعتان في جماعة وللناس ركعة ركعة « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد قال » كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ورآه المشركون يركع ويسجد ائتمروا أن يغيروا عليه ، فلما حضرت العصر صف الناس خلفه صفين فكبر وكبروا جميعاً ، وركع وركعوا جميعاً ، وسجد وسجد الصف الذين يلونه ، وقام الصف الثاني الذين بسلاحهم مقبلين على العدوّ بوجوههم ، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه سجد الصف الثاني ، فلما رفعوا رؤوسهم ركع وركعوا جميعاً وسجد وسجد الصف الذين يلونه ، وقام الصف الثاني بسلاحهم مقبلين على العدو بوجوههم ، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه سجد الصف الثاني قال مجاهد : فكان تكبيرهم وركوعهم وتسليمه عليهم سواء ، وتصافوا في السجود ، قال مجاهد : فلم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف قبل يومه ولا بعده « .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال » صليت صلاة الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنه صلاها ثلاثاً « .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال » صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر قبل أن تنزل صلاة الخوف ، فتلهف المشركون أن لا يكونوا حملوا عليه فقال لهم رجل : فإن لهم صلاة قبل مغيربان الشمس هي أحب إليهم من أنفسهم ، فقالوا : لو قد صلوا بعد لحملنا عليهم ، فأرصدوا ذلك ، فنزلت صلاة الخوف ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بصلاة العصر « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق أبي الزبير عن جابر قال » كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقينا المشركين بنخل فكانوا بيننا وبين القبلة ، فلما حضرت صلاة الظهر صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع ، فلما فرغنا تآمر المشركون فقالوا لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون فقال بعضهم : فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن ، وهي أحب إليهم من أبناءهم ، فإذا صلوا فميلوا عليهم . فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وعلمه كيف يصلي ، فلما حضرت العصر قام نبي الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدو ، وقمنا خلفه صفين ، وكبَّر نبي الله صلى الله عليه وسلم وكَبَّرنا جميعاً ، ثم ذكر نحوه « .

(3/229)


وأخرج البزار عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف « أمر الناس فأخذوا السلاح عليهم ، فقامت طائفة من ورائه مستقبلي العدوّ ، وجاءت طائفة فصلوا معه فصلى بهم ركعة ، ثم قاموا إلى الطائفة التي لم تصل ، وأقبلت الطائفة التي لم تصل معه فقاموا خلفه ، فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم سلم عليهم ، فلما سلم قام الذين قبل العدو فكبروا جميعاً ، وركعوا ركعة وسجدتين بعدما سلم » .
وأخرج أحمد عن جابر قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات قبل صلاة الخوف وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة « .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } إلى قوله { فليصلوا معك } فإنه كانت تأخذ طائفة منهم السلاح فيقبلون على العدوّ ، والطائفة الأخرى يصلون مع الإمام ركعة ، ثم يأخذون أسلحتهم فيستقبلون العدوّ ، ويرجع أصحابهم فيصلون مع الإمام ركعة ، فيكون للإمام ركعتان ولسائر الناس ركعة واحدة ، ثم يقضون ركعة أخرى ، وهذا تمام من الصلاة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فإذا سجدوا } يقول : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك ففرغت من سجودها { فليكونوا من ورائكم } يقول : فليصبروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم ، مصافي العدوّ المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصل معك ، ولم تدخل معك في صلاتك .
وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى } قال : نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في الآية قال : رخص في وضع السلاح عند ذلك وأمرهم أن يأخذوا حذرهم . وفي قوله { عذاباً مهيناً } قال : يعني بالمهين الهوان . وفي قوله { فإذا قضيتم الصلاة } قال : صلاة الخوف { فاذكروا الله } قال : باللسان { فإذا اطمأننتم } يقول : إذا استقررتم وأمنتم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم } قال : بالليل والنهار ، في البر والبحر ، في السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود . أنه بلغه : أن قوماً يذكرون الله قياماً ، فأتاهم فقال : ما هذا؟! قالوا : سمعنا الله يقول { فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم } فقال : إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائماً صلى قاعداً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { فإذا اطمأننتم } قال : إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة { فأقيموا الصلاة } قال : أتموها .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { فإذا اطمأننتم } يقول : إذا اطمأننتم في أمصاركم فأتموا الصلاة .

(3/230)


وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { فإذا اطمأننتم } يقول : فإذا أمنتم { فأقيموا الصلاة } يقول : أتموها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { فإذا اطمأننتم } يقول : فإذا أمنتم { فأقيموا الصلاة } يقول : أتموها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { فإذا اطمأننتم } أقمتم في أمصاركم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية { فإذا اطمأننتم } يعني إذا نزل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { فإذا اطمأننتم } قال : بعد الخوف .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } قال : إذا اطمأننتم فصلوا الصلاة ، لا تصلها راكباً ولا ماشياً ولا قاعداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } يعني مفروضاً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : الموقوت . الواجب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { كتاباً موقوتاً } قال : مفروضاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { كتاباً موقوتاً } قال : فرضاً واجباً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن { كتاباً موقوتاً } قال : كتاباً واجباً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } قال : قال ابن مسعود : إن للصلاة وقتاً كوقت الحج .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } قال : منجماً ، كلما مضى نجم جاء نجم آخر . يقول : كلما مضى وقت جاء وقت آخر .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة والحاكم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أمني جبريل عند البيت مرتين ، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك ، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين غاب الشفق ، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم ، وصلى بي من الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله ، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم ، وصلى بي العشاء ثلث الليل ، وصلى بي الفجر فأسفر ، ثم التفت إلي فقال : يا محمد هذا الوقت وقت النبيين قبلك ، الوقت ما بين هذين الوقتين » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن للصلاة أولاً وآخراً ، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس ، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر ، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقت العصر ، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس ، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس ، وإن آخر وقتها حين يغيب الشفق ، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الشفق ، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل ، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر ، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس » .

(3/231)


وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولا تهنوا } قال : ولا تضعفوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { ولا تهنوا في ابتغاء القوم } قال : لا تضعفوا في طلب القوم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { إن تكونوا تألمون } قال : توجعون { وترجون من الله ما لا يرجون } قال : ترجون الخير .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية يقول : لا تضعفوا في طلب القوم ، فإنكم إن تكونوا تتوجعون فإنهم يتوجعون كما تتوجعون ، ويرجون من الأجر والثواب ما لا يرجون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : لا تضعفوا في طلب القوم ، إن تكونوا تتوجعون من الجراحات فإنهم يتوجعون كما تتوجعون { وترجون من الله } يعني الحياة والرزق والشهادة والظفر في الدينا .

(3/232)


إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)

أخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن قتادة بن النعمان قال : كان أهل بيت منا يقال لهم : بنو أبيرق . بشر ، وبشير ، ومبشر ، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ينحله بعض العرب ، ثم يقول : قال فلان كذا وكذا ، قال فلان كذا وكذا ، وإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث فقال : أو كلما قال الرجال قصيدة أضحوا فقالوا : ابن الأبيرق قالها .
وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام ، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير ، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الرزمك ابتاع الرجل منها فخص بها بنفسه ، وأما العيال فإنما طعامهم الشعير ، فقدمت ضافطة الشام فابتاع عمي رفاعة بن زرد جملاً من الرزمك ، فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما ، فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلاح ، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه ، فنقبت مشربتنا ، فذهب بطعامنا وسلاحنا قال : فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة ، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم . قال : وقد كان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار - والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام ، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه ، ثم أتى بني أبيرق وقال : أنا أسرق ، فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتتبين هذه السرقة . قالوا : إليك عنا أيها الرجل - فوالله - ما أنت بصاحبها ، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها . فقال لي عمي : يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له؟ .
« قال قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء ، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له ، وأخذوا سلاحه وطعامه ، فليردوا علينا سلاحنا ، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأنظر في ذلك ، فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك ، واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا ، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت . قال قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته . فقال : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت؟ »

(3/233)


قال قتادة : فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الله المستعان . . . فلم نلبث أن نزل القرآن { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً } لبني أبيرق { واستغفر الله } أي مما قلت لقتادة { إن الله كان غفوراً رحيماً ، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } إلى قوله { ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } أي أنهم لو استغفروا الله لغفر لهم { ومن يكسب إثماً } إلى قوله { فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً } قولهم للبيد { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك } يعني أسير بن عروة وأصحابه إلى قوله { فسيؤتيه أجراً عظيماً } .
فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة . قال قتادة : فلما أتيت عمي بالسلاح - وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية ، وكنت أرى إسلامه مدخولاً - فلما أتيته بالسلاح قال : يا ابن أخي هو في سبيل الله ، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً ، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين ، فنزل على سلافة بنت سعد ، فأنزل الله { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى } [ النساء : 115 ] إلى قوله { ضلالاً بعيداً } [ النساء : 116 ] فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر ، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ، ثم خرجت فرمت به في الأبطح ، ثم قالت أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير « .
وأخرج ابن سعد عن محمود بن لبيد قال : » عدا بشير بن الحارث على علية رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان الظفري فنقبها من ظهرها وأخذ طعاماً له ودرعين بأداتهما ، فأتى قتادة بن النعمان النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فدعا بشيراً فسأله ، فأنكر ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلاً من أهل الدار ذا حسب ونسب ، فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد بن سهل قوله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } إلى قوله { ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } يعني بشير بن أبيرق { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً } يعني لبيد بن سهل حين رماه بنو أبيرق بالسرقة ، فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتداً كافراً ، فنزل على سلافة بنت سعد بن الشهيد ، فجعل يقع في النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين ، فنزل القرآن فيه ، وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع من الهجرة « .

(3/234)


وأخرج ابن سعد من وجه آخر عن محمود بن لبيد قال : كان أسير بن عروة رجلاً منطيقاً ظريفاً بليغاً حلواً ، فسمع بما قال قتادة بن النعمان في بني أبيرق للنبي صلى الله عليه وسلم ، حين اتهمهم بنقب علية عمه وأخذ طعامه والدرعين ، فأتى أسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة جمعهم من قومه ، فقال : « إن قتادة وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل حسب ونسب وصلاح ، يؤنبونهم بالقبيح ، ويقولون لهم ما لا ينبغي بغير ثبت ولا بينة ، فوضع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء ثم انصرف ، فأقبل بعد ذلك قتادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكلمه ، فجبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهاً شديداً منكراً ، وقال : » بئسما صنعت ، وبئسما مشيت فيه . فقام قتادة وهو يقول : لوددت أني خرجت من أهلي ومالي ، وأني لم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمرهم ، وما أنا بعائد في شيء من ذلك . فأنزل الله على نبيه في شأنهم { إنا أنزلنا إليك الكتاب } إلى قوله { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يعني أسير بن عروة وأصحابه { إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً } « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } إلى قوله { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله } فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق درعه من حديد التي سرق ، وقال أصحابه من المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم : اعذره في الناس بلسانك ، ورموا بالدرع رجلاً من يهود بريئاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق ، وفيما هم به نبي صلى الله عليه وسلم من عذره ، فبين الله شأن طعمة بن أبيرق ، ووعظ نبيه صلى الله عليه وسلم ، وحذره أن يكون للخائنين خصيماً ، وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار ، ثم أحد بني ظفر سرق درعاً لعمه كانت وديعة عندهم ، ثم قدمها على يهودي كان يغشاهم ، يقال له زيد بن السمين ، فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يهتف ، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر ، جاءوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم ، وكان نبي الله قد هم بعذره حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل ، فقال { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } إلى قوله { يرم به بريئاً } وكان طعمة قذف بها بريئاً ، فلما بين الله شأن طعمة نافق ولحق بالمشركين ، فأنزل الله في شأنه

(3/235)


{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين . . . } [ النساء : 115 ] الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : « إن نفراً من الأنصار غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته ، فسرقت درع لأحدهم ، فأظن بها رجلاً من الأنصار ، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن طعمة بن أبيرق سرق درعي . فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته : إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله إن صاحبنا بريء ، وإن سارق الدرع فلان ، وقد أحطنا بذلك علماً ، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس ، وجادل عنه فإنه إن لا يعصمه الله بك يهلك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس ، فأنزل الله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } يقول : بما أنزل الله إليك إلى قوله { خواناً أثيماً } ثم قال للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً { يستخفون من الناس } إلى قوله { وكيلاً } يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين ، ثم قال { ومن يكسب خطيئة . . . } الآية . يعني السارق والذين جادلوا عن السارق » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : « كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم طرحه على يهودي ، فقال اليهودي : والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت عليّ . وكان الرجل الذي سرق له جيران يبرئونه ويطرحونه على اليهودي ، ويقولون : يا رسول الله إن هذا اليهودي خبيث يكفر بالله وبما جئت به ، حتى مال عليه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض القول ، فعاتبه الله في ذلك فقال { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً ، واستغفر الله } بما قلت لهذا اليهودي { إن الله كان غفوراً رحيماً } ثم أقبل على جيرانه فقال { ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم } إلى قوله { وكيلاً } ثم عرض التوبة فقال { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ، ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه } فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً } وإن كان مشركاً { فقد احتمل بهتاناً } إلى قوله { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى } قال : أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له وخرج إلى المشركين بمكة ، فنقب بيتاً يسرقه ، فهدمه الله عليه فقتله .

(3/236)


وأخرج ابن المنذر عن الحسن « أن رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اخْتَانَ درعاً من حديد ، فلما خشي أن توجد عنده ألقاها في بيت جار له من اليهود وقال : تزعمون إني اختنت الدرع - فوالله - لقد أنبئت أنها عند اليهودي ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجاء أصحابه يعذرونه ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره حين لم يجد عليه بينة ، ووجدوا الدرع في بيت اليهودي ، وأبى الله إلا العدل ، فأنزل الله على نبيه { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } إلى قوله { أمن يكون عليهم وكيلاً } فعرض الله بالتوبة لو قبلها إلى قوله { ثم يرم به بريئاً } اليهودي ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { ولولا فضل الله عليك ورحمته } إلى قوله { وكان فضل الله عليك عظيماً } فأبرئ اليهودي ، وأخبر بصاحب الدرع قال : قد افتضحت الآن في المسلمين ، وعلموا أني صاحب الدرع ما لي اقامة ببلد ، فتراغم فلحق بالمشركين ، فأنزل الله { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى } [ النساء : 115 ] إلى قوله { ضلالاً بعيداًَ } [ النساء : 116 ] » . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } قال : بما أوحى الله إليك ، نزلت في طعمة بن أبيرق ، استودعه رجل من اليهود درعاً ، فانطلق بها إلى داره ، فحفر لها اليهودي ثم دفنها ، فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها ، فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها ، فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال : انطلقوا معي فإني أعرف موضع الدرع ، فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في بيت أبي مليك الأنصاري ، فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها ، وقع به طعمة وأناس من قومه فسبوه قال : أتخوِّنوني . . . ؟ فانطلقوا يطلبونها في داره ، فأشرفوا على دار أبي مليك فإذا هم بالدرع ، وقال طعمة : أخذها أبو مليك وجادلت الأنصار دون طعمة ، وقال لهم : انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقولوا له ينضح عني ويكذب حجة اليهودي ، فإني إن أكذب كذب على أهل المدينة اليهودي ، فأتاه أناس من الأنصار فقالوا : يا رسول الله جادل عن طعمة وأكذب اليهودي . فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ، فأنزل الله عليه { ولا تكن للخائنين خصيماً } إلى قوله { أثيماً } ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه فقال { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } إلى قوله { وكيلاً } ثم دعا إلى التوبة فقال { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه } إلى قوله { رحيماً } ثم ذكر قوله حين قال أخذها أبو مليك ، فقال { ومن يكسب إثماً } إلى قوله { مبيناً } ثم ذكر الأنصار وأتيانها إياه أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه فقال : { لهمت طائفة منهم أن يضلوك } ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة فقال :

(3/237)


{ لا خير في كثير من نجواهم } [ النساء : 114 ] فلما فضح الله طعمة بالقرآن بالمدينة هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه ، ونزل على الحجاج بن علاط السلمي ، فنقب بيت الحجاج ، فأراد أن يسرقه ، فسمع الحجاج خشخشته في بيته وقعقعة جلود كانت عنده ، فنظر فإذا هو بطعمة فقال : ضيفي وابن عمي فأردت أن تسرقني؟ فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافراً ، وأنزل الله فيه { ومن يشاقق الرسول } [ النساء : 115 ] إلى { وساءت مصيراً } [ النساء : 115 ] . وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : استودع رجل من الأنصار طعمة بن أبيرق مشربة له فيها درع فغاب ، فلما قدم الأنصاري فتح مشربته فلم يجد الدرع ، فسأل عنها طعمة بن أبيرق فرمى بها رجلاً من اليهود يقال له زيد بن السمين ، فتعلق صاحب الدرع بطعمة في درعه ، فلما رأى ذلك قومه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلموه ليدرأ عنه ، فهم بذلك ، فأنزل الله { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس } إلى قوله { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يعني طعمة بن أبيرق وقومه { ها أنتم هؤلاء جادلتم } إلى قوله { يكون عليهم وكيلاً } محمد صلى الله عليه وسلم وقوم طعمة { ثم يرم به بريئاً } يعني زيد بن السمين { فقد احتمل بهتاناً } طعمة بن أبيرق { ولولا فضل الله عليك ورحمته } لمحمد صلى الله عليه وسلم { لهمت طائفة } قوم طعمة { لا خير في كثير } [ النساء : 114 ] الآية للناس عامة { ومن يشاقق الرسول } [ النساء : 115 ] قال : لما أنزل القرآن في طعمة بن أبيرق لحق بقريش ورجع في دينه ، ثم عدا على مشربة للحجاج بن علاط البهري فنقبها ، فسقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه من مكة ، فخرج فلقي ركباً من قضاعة ، فعرض لهم فقال : ابن سبيل منقطع به . فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق ، فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات . فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله { إن الله لا يغفر أن يُشْرَك به } [ النساء : 116 ] .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار ، استودع درعاً فجحدها صاحبها ، فلحق به رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب له قومه وأتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : خوّنوا صاحبنا وهو أمين مسلم ، فأعذره يا نبي الله وازجر عنه ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فعذره وكذب عنه وهو يرى أنه بريء وأنه مكذوب عليه ، فأنزل الله بيان ذلك فقال { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } إلى قوله { أمن يكون عليهم وكيلاً } فبين خيانته فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتد عن الإسلام ، فنزل فيه

(3/238)


{ ومن يشاقق الرسول } [ النساء : 115 ] إلى قوله { وساءت مصيراً } [ النساء : 115 ] . وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية العوفي « أن رجلاً يقال له طعمة بن أبيرق سرق درعاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فألقاها في بيت رجل ، ثم قال لأصحاب له : انطلقوا فاعذروني عند النبي صلى الله عليه وسلم فإن الدرع قد وجد في بيت فلان . فانطلقوا يعذرونه عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً } قال : بهتانه قذفه الرجل » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } قال : اختان رجل من الأنصار عمّاً له درعاً فقذف بها يهودياً كان يغشاهم ، فجادل الرجل قومه ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره ثم لحق بدار الشرك ، فنزلت فيه { ومن يشاقق الرسول . . . } [ النساء : 115 ] الآية .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إياكم والرأي ، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { لتحكم بين الناس بما أراك الله } ولم يقل بما رأيت .
وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار . أن رجلاً قال لعمر { بما أراك الله } قال : مه ، إنما هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي { لتحكم بين الناس بما أراك الله } قال : الذي أراه في كتابه .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مالك بن أنس عن ربيعة قال : إن الله أنزل القرآن وترك فيه موضعاً للسُّنة ، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة وترك فيها موضعاً للرأي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال : قال لي مالك : الحكم الذي يحكم به بين الناس على وجهين ، فالذي يحكم بالقرآن والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصواب ، والحكم يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شيء فلعله أن يوفق . قال : وثالث التكلف لما لا يعلم ، فما أشبه ذلك أن لا يوفق .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { لتحكم بين الناس بما أراك الله } قال : بما بين الله لك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر { لتحكم بين الناس بما أراك الله } قال : بالبينات والشهود .
وأخرج عبد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً قال « من صلى صلاة عند الناس لا يصلي مثلها إذا خلا فهي استهانة استهان بها ربه ، ثم تلا هذه الآية { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم } » .

(3/239)


وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة مثله ، وزاد ، ولا يستحيي أن يكون الناس أعظم عنده من الله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رزين { إذ يبيتون } قال : إذ يؤلفون ما لا يرضى من القول .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله } قال : أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته ، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً ثم استغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال .
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه ، وإذا أصاب البول شيئاً منه قرضه بالمقراض ، فقال رجل : لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً فقال ابن مسعود : ما آتاكم الله خير مما آتاهم ، جعل لكم الماء طهوراً وقال { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال : من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر غفر له { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } . { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول . . } [ النساء : 64 ] الآية .
وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت قال : جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل ، فسألته عن امرأة فجرت فحبلت ولما ولدت قتلت ولدها فقال : ما لها إلا النار . فانصرفت وهي تبكي ، فدعاها ثم قال : ما أرى أمرك إلا أحد أمرين { من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } فمسحت عينها ثم مضت .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن مردويه عن علي قال : سمعت أبا بكر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن وضوءه ، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له ، لأن الله يقول { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } » .
وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه « عن أبي الدرداء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس وجلسنا حوله ، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما يكون عليه ، وأنه قام فترك نعليه ، فأخذت ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته ، فقال : » إنه أتاني آت من ربي فقال : إنه { من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } فأردت أن أبشر أصحابي . قال أبو الدرداء : وكانت قد شقت على الناس التي قبلها { من يعمل سوءاً يجز به } [ النساء : 123 ] فقلت : يا رسول الله وإن زنى وإن سرق ثم استغفر ربه غفر الله له؟ قال : نعم . قلت : الثانية . . . قال : نعم . قلت : الثالثة . . . قال : نعم . على رغم أنف عويمر « .

(3/240)


وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين { ثم يرم به بريئاً } قال : يهودياً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وعلمك ما لم تكن تعلم } قال : علَّمه الله بيان الدنيا والآخرة . بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه .
وأخرج عن الضحاك قال : علمه الخير والشر . والله أعلم .

(3/241)


لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)

أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد أسلم في قوله { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } من جاءك يناجيك في هذا فاقبل مناجاته ، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت عنه ذاك لا تناجيه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { إلا من أمر بصدقة أو معروف } قال : المعروف القرض .
وأخرج الترمذي وابن ماجه وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي الدنيا في الصمت وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد بن حنيش قال : دخلنا على سفيان الثوري نعوده ومعنا سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان : أعد عليَّ الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح . قال : حدثتني أم صالح بنت صالح ، عن صفية بنت شيبة ، عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر ، أو ذكر الله عز وجل » فقال محمد بن يزيد : ما أشد هذا الحديث! فقال سفيان : وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة ، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم صلى الله عليه وسلم ، أما سمعت الله يقول { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } فهذا هو بعينه ، أو ما سمعت الله يقول { يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً } [ النبأ : 38 ] فهو هذا بعينه ، أو ما سمعت الله يقول { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } [ العصر : السورة كلها ] فهو هذا بعينه .
وأخرج مسلم والبيهقي عن ابن شريح الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت » .
وأخرج البخاري والبيهقي عن سهل بن سعد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة » .
وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي عن سهل بن سعد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان : الفم والفرج » .
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي « عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت : يا رسول الله مرني بأمر أعتصم به في الإسلام؟ قال : » قل آمنت بالله ثم استقم . قلت : يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ قال : هذا ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه « » .

(3/242)


وأخرج البيهقي « عن أبي عمرو والشيباني قال : حدثني صاحب هذه الدار - يعني عبد الله بن مسعود - قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال : الصلاة على ميقاتها . قلت : ثم ماذا يا رسول الله؟ قال : بر الوالدين . قلت : ثم ماذا يا رسول الله؟ قال : أن يسلم الناس من لسانك . قال : ثم سكت ، ولو استزدته لزادني » .
وأخرج الترمذي والبيهقي « عن عقبة بن عامر قال : قلت يا نبي الله ما النجاة؟ قال : » أملك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك « » .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي الدينا في الصمت والبيهقي « عن أسود بن أبي أصرم المحاربي قال : قلت يا رسول الله أوصني . قال : » هل تملك لسانك؟ قلت : فما أملك إذا لم أملك لساني . قال : فهل تملك يدك؟ قلت : فما أملك إذا لم أملك يدي! قال : فلا تقل بلسانك إلا معروفاً ولا تبسط يدك إلا إلى خير « » .
وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار : « رحم الله امرأً تكلم فغنم أو سكت فسلم » .
وأخرج البيهقي عن الحسن قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « رحم الله عبداً تكلم فغنم أو سكت فسلم » .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود . أنه أتى على الصفا فقال : يا لسان قل خيراً تغنم أو اصمت تسلم من قبل أن تندم ، قالوا : يا أبا عبد الرحمن هذا شيء تقوله أو سمعته؟ قال : لا ، بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه » .
وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن سعيد بن جبير قال : رأيت ابن عباس آخذاً بثمرة لسانه وهو يقول : يا لساناه قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم قبل أن تندم . فقال له رجل : ما لي أراك آخذاً بثمرة لسانك تقول كذا وكذا؟! قال : إنه بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو عن شيء أحنق منه على لسانه .
وأخرج أبو يعلى والبيهقي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سره أن يسلم فليلزم الصمت » .
وأخرج البيهقي عن أنس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي أبا ذر فقال ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال : بلى يا رسول الله . قال : عليك بحسن الخلق وطول الصمت ، والذي نفس محمد بيده ما عمل الخلائق بمثلهما » .

(3/243)


وأخرج البيهقي « عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله أوصني . قال : أوصيك بتقوى الله ، فإنه أزين لأمرك كله . قلت : زدني . . . قال : عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض . قلت : زدني . . . قال : عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك . قلت : زدني . . . قال : إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه . قلت : زدني . . . قال : قل الحق ولو كان مرًّا . قلت : زدني . . . قال : لا تخف في الله لومة لائم . قلت : زدني . . . قال : ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك » .
وأخرج البيهقي عن ركب المصري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله » .
وأخرج الترمذي والبيقهي عن أبي سعيد الخدري رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أصبح ابن آدم فإن كل شيء من الجسد يكفر اللسان يقول : ننشدك الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت أعوججنا » .
وأخرج أحمد في الزهد والنسائي والبيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه . أن عمر بن الخطاب اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه قال : ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ قال : إن هذا الذي أوردني الموارد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ليس شيء من الجسد إلا يشكو ذرب اللسان على حدته » .
وأخرج البيهقي عن أبي جحيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال : فسكتوا ، فلم يجبه أحد . قال : هو حفظ اللسان » .
وأخرج البيهقي عن عمران بن الحصين « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : مقام الرجل بالصمت أفضل من عبادة ستين سنة » .
وأخرج البيهقي « عن معاذ بن جبل قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فأصاب الناس ريح فتقطعوا ، فضربت ببصري فإذا أنا أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : لأغتنمن خلوته اليوم ، فدنوت منه فقلت : يا رسول الله أخبرني بعمل يقربني - أو قال - يدخلني الجنة ، ويباعدني من النار؟ قال : لقد سألت عن عظيم ، وأنه ليسير على من يسره الله عليه ، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤتي الزكاة المفروضة ، وتحج البيت ، وتصوم رمضان ، وإن شئت أنبأتك بأبواب الخير . قلت : أجل يا رسول الله . قال : الصوم جنة ، والصدقة تكفر الخطيئة ، وقيام العبد في جوف الليل يبتغي به وجه الله ، ثم قرأ الآية { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } [ ألم السجدة : 16 ] ثم قال : إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه . قلت أجل يا رسول الله . قال : أما رأس الأمر فالإسلام ، وأما عموده فالصلاة ، وأما ذروة سنامه فالجهاد ، وإن شئت أنبأتك بأملك الناس من ذلك كله . قلت : ما هو يا رسول الله؟ فأشار بإصبعه إلى فيك . فقلت : وإنا لَنُؤَاخَذَ بكل ما نتكلم به؟! فقال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يُكِبُّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم ، وهل تتكلم إلا ما عليك أو لك؟! » .

(3/244)


وأخرج البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال : إن من قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها ، أتذكرون أن عليكم حافظين { كراماً كاتبين } [ الانفطار : 11 ] { عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ ق : 18 ] أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته .
وأخرج ابن سعد عن أنس بن مالك قال : لا يتقي الله عبد حتى يخزن من لسانه .
وأخرج أحمد عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه » .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي الدرداء قال : ما في المؤمن بضعة أحب إلى الله من لسانه ، به يدخله الجنة ، وما في الكافر بضعة أبغض إلى الله من لسانه ، به يدخله النار .
وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لا تنطق فيما لا يعنيك ، وأخزن لسانك كما تخزن درهمك .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان الفارسي قال : أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً في معصية الله .
وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال : أكثر الناس خطايا أكثرهم خوضاً في الباطل .
وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال : والذي لا إله غيره ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان .
وأخرج ابن عدي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : الرجل يرضي امرأته ، وفي الحرب ، وفي صلح بين الناس » .
وأخرج البيهقي عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الكذب لا يصلح إلا في ثلاث : الحرب فإنها خدعة ، والرجل يرضي امرأته ، والرجل يصلح بين اثنين » .
وأخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : الرجل يكذب لامرأته لترضى عنه ، أو إصلاح بين الناس ، أو يكذب في الحرب » .

(3/245)