صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : أيسر التفاسير
المؤلف : أبو بكر الجزائري
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)

البَسْملة
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
شرح الكلمات :
البسملة : قول العبد : بسم الله الرحمن الرحيم .
الاسم : لفظ جُعل علامة على مُسَمَّى يعرف به ويتميّز عن غيره .
{ الله } : إسم علم على ذات الربّ تبارك وتعالى يُعرف به .
{ الرحمن } : اسم من أسماء الله تعالى مشتق من الرحمة دال على كثرتها فيه تعالى .
{ الرحيم } : إسم وصفة لله تعالى مشتق من الرحمة ومعناه ذو الرحمة بعباده المفيضها عليهم في الدنيا والآخرة .
معنى البسملة :
ابتدىء قراءتى متبركا باسم الله الرحمن الرحيم مستعينا به عز وجل .
حكم البسملة :
مشروع للعبد مطلوبٌ منه أن يُبَسْمِل عند قراءة كل سورة من كتاب الله تعالى الا عند قراءة سورة التوبة فإنه لا يبسمل وان كان فى الصلاة المفروضة يبسمل سراً إن كانت الصلاة جهرية .
ويسن للعبد أن يقول باسم الله . عند الأكل والشرب ، ولبس الثوب . وعند دخول المسجد والخروج منه ، وعند الركوب . وعند كل أمر ذى بال .
كما يجب عليه أن يقول بسم الله والله أكبر عند الذبح والنحر .
الَحْمدُ لله رب العَالمِينَ
شرح الكلمات :
{ الحمد } : الوصف بالجميل ، والثناء به على المحمود ذى الفضائل والفواضل كالمدح والشكر .
{ لله } : اللام حرف جر ومعناها الاستحقاق أى أن الله مستحق لجميع المحامد والله علم على ذات الرب تبارك وتعالى .
{ الرب } : السيد المالك المصلح المعبود بحق جل جلاله .
{ العالمين } : جمع عالم وهو كل ما سوى الله تعالى ، كعالم الملائكة وعالم الجن وعالم الانس وعالم الحيوان ، وعالم النبات .
معنى الآية :
يخبر تعالى أن جميع أنواع المحامد من صفات الجلال والكمال هى له وحده دون من سواه؛ إذ هو رب كل شىء وخالقه ومالكه .
وأن علينا أن نحمده ونثنى عليه بذلك .

(1/1)


الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)

{ الرحمن الرحيم }
تقدم شرح هاتين الكلمتين في البسملة . وأنهما اسمان وصف بهما اسم الجلالة « الله » فى قوله : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ثناءً على الله تعالى لاستحقاقه الحمد كلّه .

(1/2)


مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)

{ مَالِكِ يَوْم الدِّينِ }
شرح الكلمات :
{ مَالِك } : المالك : صاحب الملك المتصرف كيف يشاء .
{ مَلِكِ } : الملك ذو السلطان الآمر الناهى المعطى المانع بلا ممانع ولا منازع .
{ يومَ الدين } : يوم الجزاء وهو يوم القيامة حيث يجزى الله كل نفس ما كسبت
معنى الآية :
تمجيد لله تعالى بأنه المالك لكل ما فى يوم القيامة حيث لا تملك نفس لنفس شيئاً والملكُ الذى لا مَلِكَ يوم القيامة سواه .
هداية الآيات :
فى هذه الآيات الثلاث من الهداية ما يلى :
1- أن الله تعالى يحب الحمد فلذا حمد تعالى نفسه وأمر عباده به .
2- أن المدح يكون لمقتضٍ . وإلا فهو باطل وزور فالله تعالى لما حمد نفسه ذكر مقتضى الحمد وهو كونه ربّ العالمين والرحمن الرحيم ومالك يوم الدين .

(1/3)


إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

{ إياك نعبد وإياك نستعين }
شرح الكلمات :
{ إياك } : ضمير نصب يخاطب به الواحد .
{ نعبد } : نطيع ما غاية الذل لك والتعظيم والحب
{ نستعين } : نطلب عونك لنا على طاعتك
معنى الآية :
علَّمنا الله تعالى كيف نتوسل إليه فى قبولدعائنا فقال احمدا الله واثنوا عليه ومجدوه ، والتزموا له بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به وتستعينوه ولا تستعينوا بغيره .
هداية الآية :
من هداية هذه الآية ما يلي :
1- آداب الدعاء حيث يقدم السائل بين يدى دعائه حمد الله والثناء عليه وتمجيده . وزادت السنة الصلاة على النبىّ [ صلى الله عليه وسلم ] ، ثم يسأل حاجته فإنه يستجاب له .
2- أن لا يعبد غير ربه . وأن لا يستعينه إلاّ هو سبحانه وتعالى .

(1/4)


اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)

{ اهْدِنا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ }
شرح الكلمات :
{ إهدنا } : أرشدنا وأدم هدايتنا
{ الصراط } : الطريق الموصل إلى رضاك وجنّتك وهو الإسلام لك
{ المستقيم } : الذى لا ميل فيه عن الحق ولا زيغ عن الهدى .
معنى الآية :
بتعليم من الله تعالى يقول العبد فى جملة إخوانه المؤمنين سائلا ربّه بعد أن توسل إليه بحمده والثناء عليه وتمجيده ، ومعاهدته أن لا يَعْبدَ هو واخوانه المؤمنون إلا هو ، وان لا يستعينوا إلا به . يسألونه أن يُديم هدايتهم للإسلام حتى لا ينقطعوا عنه .
من هداية الآية :
الترغيب فى دعاء الله والتضرع إليه وفى الحديث الدعاء هو العبادة .

(1/5)


صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

{ صرَاطَ الذينَ أنْعَمتَ عَلَيهِم }
شرح الكلمات :
{ الصراط } : تقدم بيانه .
{ الذين أنعمت عليهم } : هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، وكل من أنعم الله عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفته ، ومعرفة محابه ، ومساخطه ، والتوفيق لفعل المحاب وترك المكاره .
معنى الآية :
لما سأل المؤمن له ولاخوانه الهداية الى الصراط المستقيم ، وكان الصراط مجملاً بيّنه بقوله صراط الذين أنعمت عليهم وهو المنهج القويم المفضى بالعبد إلى رضوان الله تعالى والجنة وهو الاسلام القائم على الإيمان والعلم والعمل مع اجتناب الشرك والمعاصى .
هداية الآية : من هداية الآية ما يلى :
1- الاعتراف بالنعمة .
2- طلب حسن القدوة .
{ غير المَغْضُوبِ عَلَيهَمْ ولاَ الضَّالِّينَ }
شرح الكلمات :
{ غير } : لفظ يستثنى به كإلاّ .
{ المغضوب عليهم } : من غضب الله تعالى عليهم لكفرهم وافسادهم فى الأرض كاليهود .
{ الضالين } : من اخطأوا طريق الحق فعبدوا الله بما لم يرعه كالنصارى .
معنى الآية :
لما سأل المؤمن ربَّه الصراط المستقيم وبينه بأنه صراط من أنعم عليهم بنعمة الإيمان والعلم والعمل . ومبالغة فى طلب الهداية إلى الحق ، وخوفاً من الغواية استثنى كلاً من طريق المغضوب عليهم ، والضالين .
هداية الآية :
من هداية الآية :
الترغيب في سلوك سبيل الصالحين : والترهيب من سلوك سبيل الغوين .
[ تنبيه أول ] : كلمة آمين ليست من الفاتحة : ويستحب أن يقولها الإمام إذا قرأ الفاتحة يمد بها صوته ويقولها المأموم ، والمنفرد كذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمن الإِمام فأمنوا أي قولوا آمين بمعنى اللهم استجب دعاءنا ، ويستحب الجهر بها؛ لحديث ابن ماجة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين حتى يسمعها أهل الصف الأول فيترج بها المسجد .
[ تنبيه ثان ] : قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من الصلاة ، أمَّا المنفرد والإِمام فلا خلاف في ذلك ، وأمَّا المأموم فإن الجمهور من الفقهاء على أنه يسن له قراءة ويكون مخصصاً لعموم حدث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب .

(1/6)


الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

{ شرح الكلمة } :
{ آلم } : هذه من الحروف المقطعة تكتب آلم . وتقرأ هكذا :
ألِفْ لام مِّيمْ . والسور المفتتحة بالحروف المقطعة تسع وعشرون سورة أولها البقرة هذه وآخرها القلم « ن » ومنها الأحادية مثل ص . وق ، ون ، ومنا الثنائية مثل طه ، ويس ، وحم ، ومنها الثلاثية والرباعية والخماسية ولم يثبت فى تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وكونها من المتشابه الذى استأنثر الله تعالى بعلمه إلى الصواب ولذا يقال فيها : آلم : الله أعلم بمراده بذلك .
وقد استخرج منها بعض أهل العلم فائدتين : الأولى أنه لما كان الشمركون يمنعون سماع القرآن مخافة أن يؤثر فى نفوس السامعين كان النطق بهذه الحروف حم .
طس . ق . كهيعص وهو منطق غريب عنهم يستميلهم إلى سماع القرآن فيسمعون فيتأثرون وينجذبون فيؤمنون ويسمعون وكفى بهذه الفائدة من فائدة .
والثانية لما انكر المركون كون القرآن كلام الله أوحاه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كانت هذه الحروف بمثابة المتحدِّى لهم كأنها تقول لهم : ان هذا القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف فألفوا انتم مثله . ويشهد بهذه الفائدة ذكر لفظ القرآن بعدها غالباً نحو { الم ذلك الكتاب } . { الر تلك آيات الكتاب } { طس تلك آيات القرآن } كأنها تقول : إنه من مثل هذه الحروف تألف القرآن فألفوا أنتم نظيره فإن عجزتم فسلموا أنه كلام الله ووحيه وآمنوا به تفلحوا .
{ ذلِكَ الكِتبُ لاَ ريْبَ فيهِ هْدىً للمُتَّقِينَ }
شرح الكلمات :
{ ذلك } : هذا ، وانما عُدل عن لفظ هذا إلى ذلك . لما تفيده الإِشارة بلام البعد من علو المنزلة وارتفاع القدر والشأن .
{ الكتاب } : القرآن الكريم الذى يقرأه رسول الله صلى الله علي وسلم على الناس .
{ لا ريب } : لا شك فى أنه وحى الله وكلامه أوحاه إلى رسوله .
{ فيه هدىً } : دلالةٌ على الطريق الموصل إلى السعادة والكمال في الدارين .
{ للمتقين } : المتقين أي عذاب الله بطاعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه .
معنى الآية :
يخبر تعالى أن ما أنزله على عبده ورسوله من قرآن يمثل كتاباً فخماً عظيماً لا يحتمل الشك ولا يتطرق إليه احتمال كونه غير وحى الله وكتابه بحال ، وذلك لإعجازه ، وما يحمله من هدى ونور لأهل الايمان والتقوى يهتدون بهما الى سبيل السلام والسعادة والكمال .
هداية الآية :
من هداية الآية :
1- تقوية الإيمان بالله تعالى وكتابه ورسوله ، الحث على طلب الهداية من الكتاب الكريم .
2- بيان فضيلة التقوى وأهلها .
الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون .
والذين يؤمنون بما أنزل إليك ، وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون .
أولئك على هدىً من ربهم ، واولئك هم المفلحون .
شرح الجمل :
{ يؤمنون بالغيب } : يصدقون تصديقاً جازماً لكل ما هو غيب لا يدرك بالحواس كالربّ تبارك وتعال ذاتاً وصفاتٍ والملائكة والبعث ، والجنة ، ونعيمها والنار وعذابها .

(1/7)


{ ويقيمون الصلاة } : يُديمون أداء الصلوات الخمس فى أوقاتها مع مراعاة شرائطها وأركانها وسننها ونوافلها الراتبة وغيرها .
ومما رزقناهم ينفقون : من بعض ما آتاهم الله من مال ينفقون وذلك باخراجهم لزكاة أموالهم وبانفاقهم على أنفسهم وأزواجهم وأولادهم ووالديهم وتصدقهم على الفقراء والمساكين .
{ يؤمنون بما أنزل إليك } : يصدقون بالوحى الذى أنزل إليك ايها الرسول وهو الكتاب والسنة .
{ وما أنزل من قبلك } : ويصدقون بما أنزل الله تعالى من كتب على الرسل من قبلك كالتوراة والانجيل والزبور .
{ أولئك على هدى من ربهم } : الإشارة إلى أصحاب الصفات الخمس السابقة والإخبار عنهم بأنهم بما هداهم الله تعلى إليه من الايمان وصالح الأعمال هم متمكنون من الاستقامة على منهج الله المفضي بهم إلى الفلاح .
{ واولئك هم المفلوحون } : الإِشارة الى أصحاب الهداية الكاملة والاخبار عنهم بأنهم هم المفلحون الجديرون بالفوز الى هو دخول الجنة بعد النجاة من النار .
معنى الآيات :
ذكر تعالى فى هذه الآيات الثلاث صفات المتقين من الإِيمان بالغيب واقام الصلاة وايتاء الزكاة ، والايمان بما أنزل الله من كتب والايمان بالدار الآخرة وأخبر عنهم بأنهم لذلك هم على أتم هداية من ربهم ، وانهم هم الفائزون فى الدنيا بالطهر والطمأنينة وفى الآخرة بدخول الجنة بعد النجاة من النار .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
دعوة المؤمنين وترغيبهم فى الاتصاف بصفات أهل الهداية والفلاح ، ليسلكوا سلوكهم فيهتدوا ويفلحوا فى دنياهم وأخراهم .

(1/8)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

شرح الكلمات :
{ كفروا } : الكفر : لُغة التغطية والجحود ، وشرعاً التكذيب بالله وبما جاءت به رسلُه عنه كلا أو بعضا .
{ سواء } : بمعنى مُسْتَوٍ انذارهم وعدمه ، إذ لا فائدة منه لحكم الله بعدم هدايتهم .
{ أأنذرتهم } : الإنذار : التخويف بعاقبة الكفر والظلم والفساد .
{ ختم الله } : طبع إذا الختم وزالطبع واحد وهو وضع الخاتم أو الطابع على الظرف حتى لا يعلم ما فيه ، ولا يتوصل إليه فيبدل أو يغير .
{ الغشاوة } : الغطاء يغشَّى به ما يراد منع وصول الشىء إليه .
{ العذاب } : الألم يزيد لعذوبة الحياة ولذتها .
مناسبة الآيتين لما قبلهما ومعناهما :
لما ذكر أهل الإِيمان والتقوى والهداية والفلاح ذكر بعدهم أهل الكفر والضلال والخسران فقال : { إن الذين كفروا } إلخ فأخبر بعدم استعدادهم للإِيمان حتى استوى إنذارهم وعدمه وذلك ملضى سنة الله فيهم بالطبع على قلوبهم على لا تفقه ، وعلى آذانهم حتى لا تسمع ، وَيَجعلِ الغشاوة على أعينهم حتى لا تبصر ، وذلك نتيجة مكابرتهم وعنادهم وإصرارهم على الكفر . وبذلك استوجبوا العذاب العظيم فحكم به عليهم . وهذا حكم الله تعالى فى أهل العناد والمكابرة والإصرار فى كل زمان ومكان .
هداية الآيتين
من هداية الآيتين :
1- بيان سنة الله تعالى فى أهل العناد والمكابرة والإِصرار بأن يحرمهم لله تعالى الهداية وذلك بتعطيل حواسهم حتى لا ينتفعوا بها فلا يؤمنوا ولا يهتدوا .
2- التحذير من الإصرار على الكفر والظلم والفساد الموجب للعذاب العظيم .

(1/9)


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

شرح الكلمات :
{ ومن الناس } : من بعض الناس
{ من يقول آمنا بالله } : صدقنا بالله وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه .
{ وباليوم الآخر } : صدقنا بالبعث والجزاء يوم القيامة .
{ يخادعون الله } : بإظهارهم الإيما ن واخفائهم الكفر .
{ وما يخدعون الا أنفسهم } : إذ عاقبة خداعهم تعود عليهم لا على الله ولا على رسوله ولا على المؤمنين .
{ وما يشعرون } : لا يعلمون أن عاقبة خداعهم عائدة عليهم .
{ فى قلوبهم مرض } : فى قلوبهم شك ونفاق والم الخوف من افتضاح أمرهم والضرب على أيديهم .
{ فزادهم الله مرضا } : شكاً ونفاقاً والماً وخوفاً حسب سنة الله فى أن السيئة لا تعقب إلاّ سيئة .
{ عذاب أليم } : موجع شديد الوقع على النفس .
مناسبة الآية لما قبلها وبيان معناها :
لما ذكر تعالى المؤمنين الكاملين في ايمانهم وذكر مقابلهم وهم الكافرون البالغون فى الكفر منتهاه ذكر المنافقين وهم المؤمنون فى الظاهر الكافرون فى الباطن . وهم شر من الكافرين البالغين فى الكفر أشده .
أخبر تعالى أن فريقاً من الناس وهم المنافقون يدعون الايمان بألسنتهم ويضمرون الكفر فى قلوبهم . يخادعون الله والمؤمنين بهذا النفاق . ولما كانت عاقبة خداعهم عائدة عليهم .
كانوا بذلك خادعين أنفسهم لا غيرهم ولكنهم لا يعلمون ذلك ولا يدرون به .
كما أخبر تعالى أن فى قلوبهم مرضا وهو الك والنفاق الخوف ، وأن زادهم مرضا عقوبة لهم فى الدنيا وتوعدهم بالعذاب الأليم فى الآخرة بسبب كذبهم وكفرهم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
التحذير من الكذب والنفاق والخداع ، وأن عاقبة الخداع تعود على صاحبها كما أن السيئة لا يتولد عنها إلا سيئة مثلها .

(1/10)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

شرح الكلمات :
{ الفساد فى الأرض } : الكفر وارتكاب المعاصى فيها .
{ الإِصلاح فى الأرض } : يكون بالإِيمان الصحيح والعمل الصالح ، وترك الشرك والمعاصى .
{ لا يشعرون } : لا يدرون ولا يعلمون .
{ السفهاء } : جمع سفيه : خفيف العقل لا يحسن التصرف والتدبير .
معنى الآيات :
يخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا قال لهم أحد المؤمنين لا تفسدوا فى الأرض بالنفاق وموالاة اليهود والكافرين ردوا عليه قائلين : إنما نحن مصلحون فى زعمهم فأبطل الله تعالى هذا الزعم وقرر أنهم هم وحدهم المفسدون لا من عرضوا بهم من المؤمنين ، إلا أنهم لا يعلمون ذلك لاستيلاء الكفر على قلوبهم . كما أخبر تعالى عنهم بأنهم إذا قال لهم أحد المؤمنين أصدقوا فى ايمانكم وآمنوا إيمان فلان وفلان مثل عبد الله بن سلام ردوا قائلين : أنؤمن إيمان السفهاء الذين لا رد لهم ولا بصيرة فرد الله تعالى عليهم دعواهم وأثبت السفه لهم ونفاه عن المؤمنين الصادقين ووصفهم بالجهل وعدم العلم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- ذم الادعاء الكاذب وهو لا يكون غالباً إلا من صفات المنافقين .
2- الإِصلاح فى الأرض يكون بالعمل بطاعة الله ورسوله ، والافساد فيها يكون بمعصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
3- العاملون بالفساد فى الأرض يبررون دائما إفسادهم بأنه إصلاح وليس بإفساد .

(1/11)


وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

شرح الكلمات
{ لَقُوا } : اللقاء : والملاقاة : المواجهة وجهاً لوجه .
{ آمنوا } : الايمان الشرعى : التصديق بالل وبكل ما جاء به رسول الله عن الله ، وأهله هم المؤمنون بحق .
{ خلوا } : الخلُو بالشيىء : الانفراد به .
{ شياطينهم } : الشيطان كل بعيد عن الخير قريب من الشر يفسد ولا يصلح من انسان أو جان والمراد بهم هنا رؤساؤهم فى الشر والفساد .
{ مستهزئون } : الاستهزاء : الاستخفاف والاستسخار بالمرء .
{ الطغيان } : مجاوزة الحد فى الأمر والاسراف فيه .
{ الْعَمَه } : للقلب كالعمى للبصر : عدم الرؤية وما ينتج عنه من الحيرة والضلال { اشتروا } : استبدلوا بالهدى الضلالة اى تركوا الإيمان وأخذوا الكفر .
{ تجارتهم } : التجارة : دفع رأس مال لشراء ما يربح إذا باعه ، والمنافقون هنا دفعوا رأس مالهم وهو الإِيمان لشراء الكفر آملين أن يربحوا عزاً وغنى فى الدنيا فخسروا ولم يربحوا إذ ذُلوا وعذبوا وافتقروا بكفرهم .
{ المهتدى } : السالك سبيلاً قاصدة تصل به إلى ما يريده فى أقرب وقت وبلا عناء والضال خلاف المهتدى وهو السالك سبيلا غير قاصدة فلا تصل به إلى مراده حتى يهلك قبل الوصول .
معنى الآيات :
ما زالت الآيات تخبرُ عن المنافقين وتصف أحواله إذا أخبر تعالى عنهم في الآية الأولى أنهم لنفاقهم وخبثهم إذا لقوا الذين آمنوا فى مكان ما أخبروهم بأنهم مؤمنون بالله والرسول وما جاء به من الدين ، وإذا انفردوا برؤسائهم فى الفتنة والضلالة فلاموهم ، عما ادّعوه من الإِيمان قالوا لهم إنا معكم على دنيكم وَمَا آمنا أبداً . وإنما أظهرنا الإِيمان استهزاءً وسخرية بمحمد وأصحابه .
كما أخبر فى الآية الثانية أنه تعالى يستهزىء بهم معالمة لهم بالمثل جزاء وفاقاً ويزيدهم حسب سنته فى أن السيئة تلد سيئة فى طغيانهم لتزداد حيرتهم واضطراب نفوسهم ولال عقولهم . كما أخبر فى الآية أن أولئك البعداء فى لضلال قد استبدلوا الايمان بالكفر ولإِخلاص بالنفاق فلذلك لا تربح تجارتهم ولا يهتدون الى سبيل ربح أو نُجْح محال .
هداية الآيات
من هداية الآيات :
1- التنديد بالمنافقين والتحذير من سلوكهم في مُلاَقَاتِهِمْ هذا بوجه وهذا بوجه آخر وفى الحديث : شراركم ذو الوجهين .
2- إن من الناس شياطين يدعون الى الكفر والمعاصى ، ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف .
3- بيان نقم الله ، وانزالها بأعدائه عز وجل .

(1/12)


مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

شرح الكلمات :
{ مثلهم } : صفتهم وحالهم .
{ استوقد } : أوقد ناراً .
{ صمٌ ، بكم عميٌ } : لا يسمعون ولا ينطقون ولا يبصرون .
{ الصيّب } : المطر .
{ الظلمات } : ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر .
{ الرعد } : الصوت القاصف يُسمع حال تراكم السحاب ونزول المطر .
{ البرق } : ما يلمع من نور حال تراكم السحاب ونزول المطر .
{ الصواعق } : جمع صاعقة : نار هائلة تنزل اثناء قصف الرعد ولمعان البرق يصيب الله تعالى بها من يشاء .
{ حَذَرَ الموت } : توقيا للموت
{ محيط } : المحيط المكتنف للشيء من جميع جهاته .
{ يكاد } : يقرب .
{ يخطف } : يأخذه بسرعة .
{ أبصارهم } : جمع بصر وهو العين المبصرة .
معنى الآيات :
مثل هؤلاء المنافقين فيما يظهرون من الايمان مع ما هم مبطنون من الكفر كمثل من أوقد ناراً للاستضاءة بها فلما أضاءت لهم منا حولهم وانتفعوا بها أدنى انتفاع ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات لا يبصرون . لأنهم بإيمانهم الظاهر صانوا دماءهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم من القتل والسبي وبما يضمرون من الكفر اذا ماتوا عليه يدخلون النار فيخسرون كل شىء حتى أنفسهم هذا المثل تمضنته الآية الأولى ( 17 ) وأما الآية الثانية ( 18 ) فهى إخبار عن أولئك المنافقين بأنهم قد فقدوا كل استعداد للاهتداء فلا آذانهم تسمع صوت الحق ولا ألسنتهم تنطق به ولا أعينهم تبصر آثاره وذلك لتوغلهم فى الفساد فلذا هم لا يرجعون عن الكفر إلى الايمان بحال من الأحوال . واما الآية الثالثة والرابعة ( 19 ) ( 20 ) فهما تتضمنان مثلا آخر لهؤلاء المنافقين . وصورة المثل العجيبة والمنطقية على حالهم هى مَطر غزير فى ظلمات مصحوب برعد قاصف وبرق خاطف وهم فى وسطه مذعورون خائفون يسدون آذانهم بأنامل أصابعهم حتى لا يسمعون صوت الصواعق حذراً أن تنخلع قلوبهم فيموتوا ، ولم يجدوا مفراً ولا مهرباً لأن الله تعالى محيط بهم هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن البرق لشدته وسرعته يكاد يخطف أبصارهم فيعمون ، فإذا أضاء لهم البرق الطريق مشوا فى ضوئه واذا انقطع ضوء البرق وقفوا حيراى خائفين ، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم لأنه تعالى على كل شىء قدير هذه حال اولئك المنافقين والقرآن ينزل بذكر الكفر وهو ظلمات وبذكر الوعيد وهو كالصواعق والرعد وبالحجج والبينات وهى كالبرق فى قوة الاضاءة ، وهم خائفون أن ينزل القرآن بكشفهم وازاحة الستار عنهم فيؤخذوا ، فإذا نزل بآية لا تشير إليهم ولا تتعرض بهم مشوا فى إيمانهم الظاهر . وإذا نزل بآيات فيها التنديد بباطلهم وما هم عليه وقفوا حائرين لا يتقدمون ولا يتأخرون ولو شاء الله أخذ أسماعهم وأبصارهم لفعل لأنهم لذلك أهل وهو على كل شىء قدير :
هداية الآيات :
من هداية هذه الآيات ما يلى :
1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعانى إلى الأذهان .
2- خيبة سعى أهل الباطل وسوء عاقبة أمرهم .
3- القرآن تحيا به القلوب كما تحيا الأرض بماء المطر .
4- شر الكفار المنافقون .

(1/13)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

شرح الكلمات :
{ الناس } : لفظ جمع لا مفرد له من لفظه ، واحده إنسان .
{ اعبدوا } : أطيعوا بالإيمان والامتثال للأمر والنهى مع غاية الحب لله والتعظيم .
{ ربكم } : خالقكم ومالك أمركم وإلهكم الحق .
{ خلقكم } : أوجدكم من العدم بتقدير عظيم .
{ تتقون } : تتخذون وقاية تحفظكم من الله ، وذلك بالإيمان والعمل الصالح بعد ترك الشرك والمعاصى .
{ فراشا } : وطاء للجلوس عليها والنوم فوقها .
{ بناءً } : مَبْنيّة للجلوس عليها والنوم فوقها .
{ الثمرات } : جمع ثمرة وهو ما تخرجه الأرض من حبوب وخضر وتخرجه الأِجار من فواكه .
{ رزقا لكم } : قوتا لكم تقتاتون به فتحفظ حياتكم إلى أجلها .
{ أنداداً } : جمع ندّ : النظير والمثيل تعبدونه دون الله أو مع الله تضادون به الرب تبارك وتعالى .
المناسبة ومعنى الآيتين :
وَجْه المناسبة أنه تعالى لما ذكر المؤمنين المفلحين ، والكافرين الخاسرين ذكر المنافقين وهم بين المؤمنين الصادقين والكافرين الخاسرين ثم على طريقة الالتفات نادى الجميع بعنوان الناس ليكون نداء عاما للبشرية جمعاء فى كل مكان وزمان وأمرهم بعبادته ليقوا أنفسهم من الخسران . معرفاً لهم نفسه ليعرفوه بصفات الجلال والكمال فيكون ذلك أَدعى لاستجابتهم له فيعبدونه عبادة تنجيهم من عذابه وتكسبهم رضاه وجنته ، وختم نداءه لهم بتنبيههم عن اتخاذ شركاء له يعبدونهم معه مع علمهم أنهم لا يستحقون العبادة لعجزهم عن نفعهم أو ضرهم .
هداية الآيتين
1- وجوب عبادة الله تعالى ، اذ هى عله الحياة كلها .
2- وجوب معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته .
3- تحريم الشرك صغيره وكبيره ظاهره وخفيه .

(1/14)


وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)

شرح الكلمات
{ الريب } : الشك مع اضطراب النفس وقلقها .
{ عبدنا } : محمد صلى الله عليه وسلم .
{ من مثله } : مثل القرآن ومثل محمد فى أمّيته .
{ شهداءكم } : أنصاركم . وآلهتكم التى تدعون انها تشهد لكم عند الله وتشفع .
{ وقودها } : ما تتقد به وتشتعل وهو الكفار والأصنام المعبودة مع الله عز وجل .
{ أعدت } : هيئت وأحضرت .
{ الكافرين } : الاحدين لحق الله تعالى فى العبادة له وحده المكذبين برسوله وشرعه .
مناسبة الآية ومعناها :
لما قرر تعالى فى الآية السابقة أصل الدين وهو التوحيد الذى هو عبادة الله تعالى وحده قرر في هذه الآية أصل الدين الثانى وهو نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وذلك من طريق برهانى وهو ان كنتم فى شك من القرآن الى أنزلناه على عبدنا رسولنا محمد فاتوا بسورة من مثل سوره أو من رجل أمى مثل عبدنا فى أميته فإن لم تأتوا لعجزكم فقوا أنفسكم من النار بالإيمان بالوحى الإِلهى وعبادة الله تعالى بما شرع فيه .
{ هداية الآية } :
{ من هداية الآية } :
1- تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإثبات نزول القرآن عليه .
2- تأكد عجز البشر عن الاتيان بسورة مثل سور القرآن الكريم لمرور ألف سنة وأربعمائة وست سنين والتحدى قائم ولم يأتوا بسورة مثل سور القرآن لقوله تعالى { ولن تفعلوا } .
3- النار تتقى بالايمان والعمل الصالح وفى الحديث الصحيح ، « اتقوا النار ولو بشق تمرة » .

(1/15)


وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

شرح الكلمات :
{ بشر } : التبشير : الإِخبار السَّار وذلك يكون بالمحبوب للنفس .
{ تجرى من تحتها } : تجرى الأنهار من خلال أشجارها وقصورها والأنهار هى أنهار الماء وأنهار اللبن وأنهار الخمر وأنهار العسل .
{ وأتوا به متشابهاً } : أعطوا الثمار وقدم لهم يشبه بعضه بعضاً فى اللون مختلف فى الطعم .
{ مطهّرة } : من دم الحيض والنفاس وسائر المعائب والنقائص .
{ خالدون } : باقون فيها لا يخرجون منها أبداً .
المناسبة والمعنى :
لما ذكر تعالى النار وأهلها ناسب أن يذكر الجنة وأهلها ليتم الترهيب والترغيب وهما أداة الهداية والإصلاح .
فى هذه الآية الكريمة أمر الله تعالى رسوله أن يبشر المؤمنين المستقيمين بما رزقهم من جنات من تحتها الأنهار لهم فيها أزواج مطهرات نقيات من كل أذى وقذر وهم فيها خالدون . كما أخبر عنهم بأنهم إذا قدم لهم أنواع الثمار المختلفون قالوا هذا الذى رزقنا مثله فى الدنيا . كما أخبر تعالى أنهم اوتوه متشابها فى اللون غير متشابه فى الطعم زيادة فى حسنه وكماله . وعظيم الالتذاذ به .
هداية الآية :
من هداية الآية :
1- فضل الايمان والعمل الصالح إذ بهما كان النعيم المذكور فى الآية لأصحابهما .
2- تشويق المؤمنين الى دار السلام ، وما فيها من نعيم مقيم ليزدادوا رغبة فيهما وعملا لها .
بفعل الخيرات وترك المنكرات .

(1/16)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

شرح الكلمات :
{ لا يستحيى } : لا يمنعه الحياء من ضرب الأمثال وإن صغرت كالبعوضة أو أصغر منها كجناحها .
{ أن يضرب مثلاً } : أن يجعل شيئاً مثلا لآخر يكشف عن صفته وحاله فى القبح أو الحسن
{ ما بعوضة } : ما نكرة بمعنى شىء أيّ شىء كان يجعله مثلاً ، أو زائدة . وبعوضة المفعول الثانى . البعوضة واحدة البعوض وهو صغار البق .
{ الحق } : الواجب الثبوت الذى يحيل العقل عدم وجوده .
{ الفاسقون } : الفسق الخروج عن الطاعة ، والفاسقون : هم التاركون لأمر الله تعالى بالايمان والعمل الصالح ، وبترك الشرك والمعاصى .
{ ينقضون } : النقض الحلّ بعد الإبرام .
{ عهد الله } : ما عهد به إلى الناس من الإيمان والطاعة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
{ من بعد ميثاقه } من بعد إبراهمه وتوثيقه بالحلف أو الإِشهاد عليه .
{ يقطعون ما أمر الله به أن يوصل } : من إدامة الإِيمان والتوحيد والطاعة وصلة الأرحام .
{ يفسدون في الأرض } : الإفساد فى الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصى .
{ الخاسرون } : الكاملون فى الخسران بحث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة .
سبب النزول والمعانى
لما ضرب الله تعالى المثلين السابقين النارى والمائى قال المنافقون : الله أعلى وأجل أن يضرب هذا المثل فانزل الله تعالى رداً عليهم قوله { إن الله لا يستحى } الآية .
فأخبر تعالى أن لا يمنعه الاستحياء ان يجعل مثلا بعوضة فما دونها فضلا عما هو أكبر . وان الناس حيال ما يضرب الله من أمثال قسمان مؤمنون فيعلمون أنه الحق من ربهم . وكافرون : فينكرونها ويقولون كالمعترضين : ماذا أراد الله بهذا مثلا!؟ .
كما أخبر تعالى أن ما يضرب من مثل يهدى به كثيراً من الناس ويضل به كثيرا ، وانه لا يضل به إلا الفاسقين الذين وصفهم بقوله : { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ان يوصل ، ويفسدون فى الأرض } . وحكم عليهم بالخسران التام يوم القيامة فقال : { أُولئكَ هُمْ الخَاسِرُون }
هداية الآية
من هداية الآيتين ما يلي :
1- أن الحياء لا ينبغى أن يمنع من فعل المعروف وقوله والأمر به .
2- يستحسن ضرب الأمثال لتقريب المعانى الى الاذهان .
3- اذا أنزل الله خيراً من هدى وغيره ويزداد به المؤمنون هدى وخيراً ، ويزداد به الكافرون ضلالاً وشرا ، وذك لاستعداد الفريقين النفسى المختلف .
4- التحذير من الفسق وما يستتبعه من نقض العهد ، وقطع الخير ، ومنع المعروف .

(1/17)


كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

شرح الكلمات :
{ كيف تكفرون بالله } : الاستفهام هنا للتعجب مع التقريع والتوبيخ . لعدم وجود مقتض للكفر .
{ وكنتم أمواتاً فأحياكم } : هذا برهان على بطلان كفرهم ، إذ كيف يكفر العبد ربه وهو الذى خلقه بعد أن لم يك شيئا .
{ ثم يميتكم ثم يحييكم } : إن إماتة الحى واحياء الميت كلاهما دال على وجود الرب تعالى وقدرته .
{ ثم إليه ترجعون } : يريد بعد الحياة الثانية وهو البعث الآخر .
{ خلق لكم ما في الأرض جميعاً } : أى أوجد ما أوجده من خيرات الأرض كل ذلك لأجلكم كي تنتفعوا به فى حياتكم .
{ ثم استوى الى السماء } : علا وارتفع قهرا لها فكونها سبع سماوات .
{ فسواهن } : أتمّ خلقهن سبع سماوات تامات .
{ وهو بكل شىء عليم } : إخبار بإحاطة علمه تعالى بكل شىء ، وتدليل على قدرته وعلمه ووجوب عبادته .
معنى الآيتين :
ما زال الخطاب مع الكافرين الذين سبق وصفهم بأخس الصفات وأسوأ الأحوال حيث قال لهم على طريقة الالتفات موبخاً مقرعاً ، { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم } الآية .
وذكر من أدلة وُجوده وكرمه . ما يصبح الكفر به من أقبح الأمور وصاحبه من احط الخلائق وأسوأهم حالا ومالا . فمن أدلة وجوده الاحياء بعد الموت والإِماتة بعد الإِحياء ومن أدلة كرمه وقدرته أن خلق الناس فى الأرض جميعا لتوقف حياتهم عليه وخلق السموات السبع ، وهو مع ذلك كله علمه محيط بكل شىء سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه .
هداية الآيتين :
من هداية الآيتين :
1- إنكار الكفر بالله تعالى .
2- إقامة البرهان على وجود الله وقدرته ورحمته .
3- حلّية كل ما فى الأرض من مطاعم ومشارب وملابس ومراكب الا ما حرمه الدليل الخاصر من الكتاب أو السنة لقوله : { خلق لكم ما في الأرض جميعا } .

(1/18)


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

شرح الكلمات :
{ الملائكة } : جمع مَلأْك ويخفف فيقال مَلَك وهم خلق من عالم الغيب أخبر النبى صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى خلقهم من نور .
{ الخليفة } : من يخلف غيره ، والمراد به هنا آدم عليه السلام .
{ يفسد فيها } : الافساد فى الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصى .
{ يسفك } : يسيل الدماء بالقَتْلِ وَالجَرْحِ .
{ نسبح بحمدك } : نقول سبحان الله وبحمده . والتسبيح : التنزيه عما لا يليق بالله تعالى .
{ ونقدس لك } : فننزهك عما لا يليق بك . والتقديس : التطهير والبعد عما لا ينبغى . واللام فى لك زائدة لتقوية المعنى إذ فعل قدس يتعدى بنفسه يقال قدّسَه .
معنى الآية
يأمر تعالى رسوله أن يذكر قوله للملائكة انى جاعل فى الأرض خليفة يخلفه فى إجراء أحكامه فى الأرض ، وان الملائكة تساءلت متخوفة من أن يكون هذا الخليفة ممن يسفك الدماء ويفسد فى الأرض بالكفر والمعاصى قياساً على خلق من الجن حصل منهم ما تخوفوه .
فأعلمهم ربهم أنه يعلم من الْحِكم والمصالح ما لا يعلمون .
والمراد من هذا التذكير : المزيد من ذكر الأدلة الدالة على جود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته الموجبة للايمان به تعالى ولعبادته دون غيره .
هداية الآية
من هداية الآية :
1- سؤال من لا يعلم غيره ممن يعلم .
2- عدم انتهار السائل وإجابته أو صرفه بلطف .
3- معرفة بدء الخلق .
4- شرف آدم وفضله .

(1/19)


وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

شرح الكلمات :
{ آدم } : نبىّ الله أبو البشر عليه السلام .
{ الأسماء } : أسماء الأجناس كلها كالماء والنبات والحيوان والانسان .
{ عرضهم } : عرض المسميات أمامهم ، ولما كان بينهم العقلاء غلب جانبهم ، وإلا لقال عرضها
{ أنبئونى } : أخبرونى .
{ هؤلاء } : المعروضين عليهم من سائر المخلوقات .
{ سبحانك } : تنزيها لك وتقديساً .
{ غيب السموات } : ما غاب عن الأنظار فى السموات والأرض .
{ تبدون } : تظهرون من قولهم { أتجعل فيها من يُفسد فيها } الآية .
{ تكتمون } : تبطنون وتخفون يريد ما أضمره إبليس من مخالفة أمر الله تعالى وعدم طاعته .
{ الحكيم } : الحكيم الذى يضع كل شىء فى موضعه ، ولا يفعل ولا يترك الا لحكمه .
معنى الآيات :
يخبر تعالى فى معرض مظاهر قدرته وعلمه وحمته لعبادته دون سواه أنه علم آدم اسماء الموجودات كلها ، ثم عرض الموجودات على الملائكة وقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فى دعوى أنكم أكرم المخلوقات وأعلمهم فعجزوا وأَعْلَنُوا اعْتِرَافَهُم بذلك وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ثم قال تعالى لآدم أنبئهم بأسماء تلك المخلوقات المعروضة فأنبأهم بأسمائهم واحداً واحداً حتى القصعة والقُصَيْعة . . وهنا ظهر شرف آدم عليهم ، وَعَتَبَ عليهم ربهم بقوله : { ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- بيان قدرة الله تعالى حيث علم آدم أسماء المخلوقات كلها فعلمها .
2- شرف العلم وفضل العالم على الجاهل .
3- فضيلة الاعتراف بالعجز والقصور .
4- جواز العتاب على من ادعى دعوى هو غير متأهل لها .

(1/20)


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

شرح الكلمات :
{ اسجدوا } : السجود هو وضع الجبهة والأنف على الأرض ، وقد يكون بانحناء الرأس دون وضعه على الأرض لكن مع تذلل وخضوع .
{ إبليس } : قيل كان اسمه الحارث ولما تكبر عن طاعة الله أبلسه الله أى أيأسه من كل خير ومسخه شيطاناً
{ أبى } : امتنع ورفض السجود لآدم .
{ استكبر } : تعاظم فى نفسه فمنعه الاستكبار والحسد من الطاعة بالسجود لآدم .
{ الكافرين } : جمع كافر . من كذب بالله تعالى أو كذب بشىء من آياته أو بواحد من رسله أو أنكر طاعته .
معنى الآية :
يذكّر تعالى عبادَه بعلمه وحكمته وإفضاله عليهم بقوله : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . . . } سجود تحية وإكرام فسجدوا إلا إبليس تعاظم فى نفسه وامتنع عن السجود الذى هو طاعة الله ، وتحية آدم . تكبراً وحسداً لآدم فى شرفه فكان بامتناعه عن طاعة الله من الكافرين الفاسقين عن أمر الله ، الأمر الذى استوجب ابلاسه وطرده .
هداية الآية :
{ من هداية الآية } :
1- التذكير بإفضال الله الأمر الذى يوجب الشكر ويرغب فيه .
2- التحذير من الكبر والحسد حيث كانا سبب ابلاس الشيطان ، وامتناع اليهود من قبول الاسلام .
3- تقرير عداوة ابليس ، والتنبيه الى انه عدوّ عداوته أبداً .
4- التنبيه الى أن من المعاصى ما يكون كفراً أو يقود الى الكفر .

(1/21)


وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

شرح الكلمات :
{ رغداً } : العيش الهنيّ الواسع يقال له الرَّغَد .
{ الشجرة } : شجرة من أشجار الجنة وجائز أن تكون كرماً أو تيناً أو غيرهما وما دام الله تعالى لم يعين نوعها فلا ينبغى السؤال عنها .
{ الظالمين } : لأنفسهما بارتكاب ما نهى الله تعالى عنه .
{ فأزلهما } : أوقعهما في الزلل ، وهو مخالفتهما لنهى الله تعالى لهما عن الأكل من الشجرة
{ مستقر } : المستقر : مكان الاستقرار والاقامة .
{ إلى حين } : الحين : الوقت مطلقا قد يقصر أو يطول والمراد به نهاية الحياة .
{ فتلقى آدم } : أخذ آدم ما ألقى الله تعالى إليه من كلمات التوبة .
{ كلمات } : هى قوله تعالى : { ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } { فتاب عليه } : وفقه للتوبة فتاب وقبل توبته ، لأنه تعالى تواب رحيم .
معنى الآيات :
فى الآية الأولى يخبر تعالى عن إكرامه لآدم وزوجه حواء حيث أباح لهما جنته يسكنانها ويأكلان من نعيمها ما شاءا إلا شجرة واحدة فقد نهاهما عن قربها والأكل من ثمرها حتى لا يكونا من الظالمين .
وفى الآية الثانية اخبر تعالى أن الشيطان أوقع آدم وزوجه فى الخطيئة حيث زين لهما الأكل من الشجرة فأكلا منها فبدت لهما سَوْءَاتُهُمها فلم يصبحا أهلا للبقاء فى الجنة فأهبطا الى الأ { ض مع عدوهما إبليس ليعيسوا بها بضعهم لبضعض عدو إلى نهاية الحياة .
وفى الآية الثالثة يخبر تعالى أن آدم تلقى كلمات التوبة من ربه تعالى وهى : { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } فقالاها توبة فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم .
هداية الآية :
1- كرامة آدم وذريته على ربهم تعالى .
2- شؤم المعصية وآرها فى تحويل النعمة إلى نقمة .
3- عداوة الشيطان للإنسان ووجوب معرفة ذلك لاتقاء وسوسته .
4- وجوب التوبة من الذنب وهى الاستغفار بعد الاعتراف بالذنب وتركه والندم على فعله .

(1/22)


قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)

شرح الكلمات :
{ اهبطوا منها جميعا } : إنزلوا من الجنة الى الأرض لتعيشوا فيها متعادني .
{ فإما يأتينكم منى هدى } : إن يجيئكم من ربكم هدىً : شرع ضمنه كِتابٌ وبينه رسولٌ .
{ فمن اتبع هداى } : أخذ بشرعي فلم يخالفه ولم يحد عنه .
{ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } : جواب شرط فمن ابتع هداى ، ومعناه إتباع الهدى يفضي بالعبد الى ان لا يخاف ولا يحزن لا فى الدنيا ولا فى الآخرة .
{ كفروا وكذبوا } : كفروا : جحدوا شرع الله ، وكذبوا رسوله .
{ أصحاب النار } : أهلها الذين لا يفارقونها بحيث لا يخرجون منها معنى الآيتين :
يخبر تعالى أنه أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط إلى الأرض بعد أن وسوس الشيطان لهما فأكلا من الشجرة ، وأعلمهم أنه إن أتاهم منه هدى فاتبعوه ولم يحيدوا عنه بأمنوا ويسعدوا فلن يخافوا ولن يحزنوا ، وتوعد من كفر به وكذب رسوله فلم يؤمن ولم يعمل صالحاً بالخلود فى النار .
هداية الآيتين :
من هداية الآيتين :
1- المعصية تسبب الشقاء والحرمان . 2- العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يسبب الأمن والإسعاد ، والإعراض عنهما يسبب الخوف والحزن والشقاء والحرمان .
3- الكفر والكذيب جزاء صاحبهما الخلود فى النار .

(1/23)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

شرح الكلمات : { بنو إسرائيل } : اسرائيل هو يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام وبنوه هم
اليهود ، لأنهم يعودون فى أصولهم الى أولاد يعقوب الأنثى عشر .
{ النعمة } : النعمة هنا اسم جنس بمعنى النعم ، ونعم الله تعالى على بنى اسرائيل
كثيرة ستمر ألإرادها فى الآيات القرآنية الآتية .
{ أوفوا بعهدى } : الوفاء بالعهد اتمامه وعهد الله عليهم أن يبينّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا به
{ أوف بعهدكم } : أتم لكم عهدكم بإدخالكم الجنة بعد إكرامكم فى الدنيا وعزكم فيها .
{ وإياى فارهبون } : اخشونى ولا تخشوا غيرى .
{ آمنوا بما أنزلت } : القرآن الكريم .
{ ولا تشتروا بآياتي } : لا تعتاضوا عن بيان الحق فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم .
{ ثمناً قليلاً } : متاع الحياة الدنيا .
{ وإياى فاتقون } : واتقونى وحدى فى كتمانكم الحق وجحدكم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن أنزل بكم نقمتى .
{ ولا تلبسوا الحق بالباطل } : أى لا تخلطوا الحق بالباطل حتى يعلم فيعمل به ، وذلك قولهم : محمد نبىّ ولكن مبعوث إلى العرب لا إلى بنى إسرائيل .
{ واركعوا مع الراكعين } : الركوع الشرعى : انحنا الظهر فى امتداد واعتدال مع وضع الكفين على الركبتين والمراد بها هنا : الخضوع لله والإسلام له عز وجل .
مناسبة الآيات ومعناها :
لما كان السياق في الآيات السابقة فى شأن آدم وتكريمه ، وسجود الملائكة له وامتناع إبليس لكِبْره . وحسده وكان هذا معلوماً لليهود لأنهم أهل كتاب ناسب أن يخاطب الله تعالى بني إسرائيل مذكراً إياهم بما يجب عليهم من الإِيمان والاستقامة . فناداهم بعنوان بُنوتهم لإِسرائيل عليه السلام فأمرهم ونهاهم ، أمرهم بذكر نعمته عليهم ليشكروه تعالى بطاعته فيؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الهدى وأمرهم بالوفاء بما أخذ عليهم من عهد لينجز لهم ما وعدهم ، وأمرهم أن يرهبوه ولا يرهبوا غيره من خلقه وأمرهم أن يؤمنوا بالقرآن الكريم . وان لا يكونوا أول من يكفر به . ونهاهم عن الاعتياض عن بيان الحق في أمر الإِيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ثمناً قليلا من متاع الحياة الدنيا وأمرهم بتقواه فى ذلك وحذرهم ان هم كتموا الحق ان ينزل بهم عذابه . ونهاهم عن خلط الحق بالباطل دفعاً للحق وبعدا عنه حتى لا يؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم بإقام الصلاة وايتاء الزكاة الاذعان لله تعلى بقبول الاسلام والدخول فيه كسائر المسلمين .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- وجوب ذكر النعم لشكر الله تعالى عليها .
2- وجوب الوفاء بالعهد لا سيما ما عاهد عليه العبد ربه تعالى
3- ووب بيان الحق وحُرمة كتمانه .
4- حرمة خلط الحق بالباطل تضليلا للناس وصرفهم عنه كقول اليهود : محمد نبىّ ولكن للعرب خاصة حتى لا يؤمن به يهود .

(1/24)


أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

شرح الكلمات :
{ البر } : البر لفظ جامع لكل خير . والمراد هنا : الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والدخول فى الاسلام .
{ النسيان } : مقابل الذكر ، وهو هنا الترك .
{ تلاوة الكتاب } : قراءته ، والكتاب هنا التوراه التى بأيدى اليهود .
{ العقل } : قوة باطنية يميز بها المرء بين النافع والضار ، والصالح والفاسد
{ الاستعانة } : طلب العون للقدر على القول والعمل .
{ الصبر } : حبس النفس على ما تكره .
{ الخشوع } : حضور القلب وسكون الجوارح ، والمراد هنا الخضوع لله والطاعة لأمره ونهيه .
{ يظنون } : يوقنون .
{ ملاقوا ربهم } : بالموت ، راجعون إليه يوم القيامة .
معنى الآيتين :
ينعى الحق تبارك وتعالى فى الآية الأولى على علماء بنى اسرائيل أمرهم بعض العرب بالإِيمان بالإسلام ونبيه ، ويتركون أنفسهم فلا يأمرونها بذلك والحال أنهم يقرأون التوراة ، وفيها بعث النبى محمد بالإِيمان به واتباعه ويقرعهم موبخاً لهم بقوله : أفلا تعقلون ، إذ العاقل يسبق الى الخير ثم يدعو إليه .
وفى الآيتين الثانية والثالثة يرشد الله تعالى بنى اسرائيل الى الاستعانة بالصبر والصلاة حتى يقدروا على مواجهة الحقيقة والتصريح بها وهى الإيمان بمحمد الدخول في دينه ، ثم يعلمهم أن هذه المواجهة صعبه شاقة على النفس لا يقدر عليها الا المخبتون لربم الموقنون بلقاء الله ، والرجوع إليه .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- قبح السلوك من يأمر غيره بالخير ولا يفعله .
2- السيئة قبيحة وكونها من عالم أشد قبحا .
3- مشروعية الاستعانة على صعاب الأمور وشاقها بالصبر والصلاة ، إذْ كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع الى الصلاة .
4- فضلية الخشوع لله والتطامن له ، وذكر الموت ، والرجوع إلى الله تعالى للحساب والجزاء .

(1/25)


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

شرح الكلمات :
{ يا بنى إسرائيل } : تقدم شرح هذه الجملة .
{ فضلتكم على العالمين } : آتاهم من النعم الدينية والدنيوية ما لم يؤت غيرهم من الناس وذلك على عهد موسى عليه السلام وفى أزمنة صلاحهم واستقامتهم .
{ اتقوا يوماً } : المراد باليوم يوم القيامة بدليل ما وصف به . واتقاؤه هو اتقاء ما يقع فيه من الاهوال والعذاب . وذلك بالايمان والعمل الصالح .
{ لا تجزى نفس } : لا تغنى نفس عن نس أخرى أى غنىً . ما دامت كافرة .
{ ولا يقبل منها شفاعة } : هذه النفس الكافرة اذ هى التى لا تنفعها شفاعة الشافعين .
{ ولا يؤخذ منها عدل } : على فرض أنها تقدَّمت بِعَدْلٍ وهو الفداء فإنه لا يؤخذ منها .
{ ولا هم ينصرون } : بدفع العذاب عنهم .
معنى الآيتين :
ينادى الله سبحانه وتعالى بنى إسرائيل مطالباً إياهم بذكر نعمه عليهم ليشكروها بالإِيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقبول ما جاء به من الدين الحق وهو الإسلام . محذراً إياهم من عذاب يوم القيامة ، آمراً باتقائه بالايمان وصالح الأعمال . لأنه يوم عظيم لا تقبل فيه شفاعة لِكَافِرٍ ، ولا يؤخذ منه عدل أي فداء ، ولا ينصره بدفع العذاب عَنْهُ أحد .
هداية الآيتين :
من هداية الآيتين :
1- وجوب ذكر النعم لتشكر بحمد الله وطاعته .
2- وجوب اتقاء عذاب يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح بعد ترك الشرك والمعاصى
3- تقرير أن الشفاعة لا تكون لنفس كافرة . وأنّ الفداء يوم القيامة لا يقبل أبداً .

(1/26)


وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)

شرح الكلمات :
{ النجاة } : الخلاص من الهلكة ، كالخلاص من الغرق ، والخلاص من العذاب .
{ آل فرعون } : أتباع فرعون . وفرعون ملك مصر على عهد موسى عليه السلام
{ يسومونكم سوء العذاب } : يبغونك سوء العذاب وهو أشده وأفظعه ويذيقونكم إياه
{ يستحيون نساءكم } : يتركون ذبح البنات ليكبرن للخدمة ، ويذبحون الأولاد خوفاً منهم إذا كبروا .
{ بلاء عظيم } : ابتلاء وامتحان شديد لا يطاق .
{ فرقنا بكم البحر } : صيرناه فرقتين ، وما بَيْنَهُمَا يَبس لا ماء فيه لتسلكوه فتنجوا والبحر هو بحر القلزم ( الأحمر )
{ اتخذتم العجل } : عجل من ذهب صاغه لهم السامرى ودعاه الى عبادته فعبدوه أكثرهم ، وذلك فى غيبة موسى عنهم .
{ الشكر } : اظهار النعمة بالاعتراف بها وحمد الله تعالى عليها وصرفها فى مضاته .
{ الكتاب والفرقان } : الكتاب : التوراة ، والفرقان : المعجزات التى فرق الله تعالى بها بين الحق والباطل .
{ تهتدون } : إلى معرفة الحق فى كل شئونكم من أمور الدين والدنيا .
معنى الآيات :
تضمنت هذه الآيات الخمس أربع نعم عظمى انعم الله بها على بنى اسرائيل وهى التى امرهم بذكرها ليشكروه عليها بالايمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الاسلام .
فالنعمة الأولى : انجاؤهم من فرعون وآله بتخليصهم من حكمهم الظالم وما كانوا يصيبونه عليهم من ألوان العذاب . من ذلك : ذبح الذكور من أولادهم وترك البنات لاستخدامهن فى المنازل كرقيقات .
والثانية : فلق البحر لهم وإغراق عدوهم بعد نجاتهم وهم ينظرون .
والثالثة : عفوه تعالى عن أكبر زلة زلوها وجريمة اقترفوها وهى اتخاذهم عجلاً صناعياً الهاً وعبادتهم له . فعفا تعالى عنه ولم يؤاخذهم بالعذاب لعلة أن يشكروه تعالى بعبادته وحده دون سواه .
والرابعة : ما أكرم به نبيهم موسى عليه السلام من التوراة التى فيها الهدى والنور والمعجزات التى أبطلت باطل فرعون ، وأحقت دعوة الحق التى جاء بها موسى عليه السلام .
هذه النعم هى محتوى الآيات الخمس ، ومعرفتها معرفة لمعانى الآيات فى الجملة اللهم الا جملة { وفى ذلكم بلاء من بركم عظيم } فى الآية الأولى فانها : اخبار بأن الذى حصل لبنى اسرائيل من عذاب على أيدى فرعون وملئه انما كان امتحاناً من الله واختباراً عظيما لهم . كما أن الآية الثالثة فيها ذكر مواعدة الله تعالى لموسى بعد نجاة بنى اسرائيل أربعين ليلة وهى القعدة وعشر الحجة ليعطيه التوراه يحكم بها بنى اسرائيل فحدث فى غيابه ان جمع السامرى حلى لنساء بني إسرائيل وصنع منه عجلاً ودعاهم الى عبادته فعبدوه فاستوجبوا العذاب إلا أن الله منّ عليهم بالعفو ليشكروه .
هداية هذه الآيات :
من هداية هذه الآيات :
1- ذكر النعم يحمل على شكرها ، والشكر هو الغية من ذكر النعمة .
2- أن الله تعالى يبتلى عباده لحكم عالية فلا يجوز الاعتراض على الله تعالى فيما يبتلى به عباده .
3- الشرك ظلم لأنه وضع العبادة فى غير موضعها .
4- إرسال وإنزال الكتب الحكمة فيهما هداية الناس إلى معرفة ربهم وطريقة التقرب إليه ليعبدوه فيكملوا ويسعدوا فى الحياتين .

(1/27)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

شرح الكلمات :
{ ظلم النفس } : تدسيتها بسّيئة الجريمة .
{ باتخاذكم العجل } : بجعلكم العلك الذى صاغه السامرى من حلّى نسائكم إلهاً عبدتموه
{ البارىء } : الخالق عز وجل
{ فاقتلوا انفسكم } : أمرهم أن يقتل من لم يعب العجل من عبدَة منهم وجعل ذلك توبتهم ففعلوا فتاب عليهم بقبول توبتهم .
{ نرى الله جهرة } : نراه عياناً .
{ الصاعقة } : نار محرقة كالتى تكون مع السحب والأمطار والرعود
{ بعناكم } : أحييناكم بعد موتكم .
{ المن والسلوى } : المنّ : مادة لزجة حُلْوَةٌ كالعسل ، والسلوى : طائر يقال له السُّمانى
{ الطيبات } : الحلال
المناسبة ومعنى الآيات :
لما ذكّر الله تعالى اليهود بما أنعم على أسلافهم مطالباً إياهم بشكرها فيؤمنوا برسوله . ذكرهم هنا ببعض ذنوب اسلافهم ليتعظوا فيؤمنوا فذكرهم بحادثة اتخاذهم العجل إلهاً وعبادتهم له . وذلك بعد نجاتهم من آل فرعون وذهاب موسى لمناجاة الله تعالى ، وتركه هارون خليفة له فيهم ، فصنع السامرى لهم عجلاً من ذهب وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه فأطاعه أكثرهم وعبدوا العجل فكانا مرتدين بذلك فجعل الله توبتهم من ردتهم ان يقتل من لم يعبد العجل من عبده فقتلوا منهم سبعين ألفاً فكان ذلك توبتهم فتاب الله عليهم انه هو التواب الرحيم كما ذكرهم بحادثة أخرى وهى انه لما عبدوا العجل وكانت ردة اختار موسى بامر الله تعالى منهم سبعين رجلاً من خيارهم ممن لم يتورطوا فى جريمة عبادة العجل ، وذهب بهم الى جبل الطور ليعتذروا الى ربهم سبحانه وتعالى من عبادة إخوانهم العجل ، فلما وصلوا قالوا لموسى اطلب لنا ربك أن يُسمعنا كلامه فأسمعهم قوله : إنى أنا الله لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض مصر بيدٍ شديدة فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى . ولما أعلمهم موسى بأن الله تعالى جعل توبتهم بقتلهم أنفسهم ، قالوا : لن نؤمن لك أى لن نتابعك على قولك فيما ذكرت من توبتنا بقتل بعضنا بعضا حتى نرى الله جهرة وكان هذا منهم ذنباً عظيماً لتكذيبهم رسولهم فغضب الله عليهم فأنزل عليهم صاعقة فأهلكتهم فماتوا واحدا واحدا وهم ينظرون ثم أحياهم تعالى بعد يوم وليلة ، وذلك ليشكروه بعبادته وحده دون سواه كما ذكرهم بنعمة أخرى وهى اكرامه لهم وانعامه عليهم بتظليل الغمام عليهم ، وإنزال المنّ والسلوى أيام حادثة التيه فى صحراء سيناء وفى قوله تعالى : { وما ظلمناهم } إشارة الى ان محنة التيه كانت عقوبة لهم على تركهم الجهاد وجرأتهم على نبيّهم اذ قالوا له : { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون } . وما ظلمهم فى محنة التيه ، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- عبادة المؤمن غير الله وهو يعلم أنها عبادة لغير الله تعتبر ردة منه وشركاً .
2- مشروعية قتال المرتدين ، وفى الحديث : « من بدّل دينه فاقتلوه » ، ولكن بعد استتابته .
3- علة الحياة كلها شكر الله تعالى بعبادته وحده .
4- الحلال ، من المطاعم والمشارب وغيرها ، ما أحله الله والحرام ما حرمه الله عز وجل .

(1/28)


وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

شرح الكلمات :
{ القرية } : مدينة القدس .
{ رغداً } : عيشاً واسعاً هنيئاً . { سجّداً } : رُكّعا متطامنين لله خاضعين شكراً لله على نجاتهم من التيه .
{ حِطّة } : حِطّة : فِعْلَةٌ مثل ردة وحدة من رددت وحددت ، أمرهم أن يقولوا حِطة بمعنى احطط عنا خطايانا ورفع ( حِطةٌ ) على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره : دخولنا الباب سجداً حِطةٌ لذنوبنا .
{ نغفر } : نمحو ونستر .
{ خطاياكم } : الخطايا جمع خطيئة : الذنب يقترفه العبد .
{ فبدل } : غيروا القول الذى قيل لهم قولوه وهو حِطة فقالوا : حبَّة في شَعْرة .
{ رجزاً } : وباء الطاعون .
{ يفسقون } : يخرجون عن طاعة الله ورسوله إليهم ، وهو يوشع عليه السلام .
معنى الآيتين :
تضمنت الآية الأولى تذكير اليهود بحادثة عظيمة حدثت لأسلافهم تجلت فيها نعمة الله على بنى اسرائيل وهى حال تستوجب الشكر ، وذلك أنه لما انتهت مدة التيه وكان قد مات كل من موسى وهارون وخلفهما فى بنى اسرائيل فتى موسى يوشع بن نون وغزا بهم العمالقة وفتح الله تعالى عليه بلاد القدس أمرهم الله تعالى أمرٍ إكرام وإنعام فقال ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً . واشكروا لى هذا الإِنعام بان تدخلوا باب المدينة راكعين متطامنين قائلين . دخولنا الباب سجداً حطةٌ لذنُوبنا التى اقترفناها بنكولنا عن الجهاد على عهد موسى وهارون . نثبكم بمغفرة ذنوبكم ونزيد المحسنين منكم ثواباً كما تضمنت الآية الثانية حادثة أخرى تجلت فيها حقيقة سوء طباع اليهود وكثرة رعوناتهم وذلك بتغييرهم الفعل الى أمروا به والقول الى قيل لهم فدخلوا الباب زاحفين على أستاههم قائلين : حبة فى شعيرة!! ومن ثم انتقم الله منهم فأنزل على الظالمين منهم طاعوناً أفنى منهم خلقاً كثيراًجزاء فسقهم عن أمر الله عز وجل . وكان فيما ذكر عظة لليهو لو كانوا يتعظون .
هدية الآيتين :
من هداية الآيتين :
1- تذكير الأبناء بأيام الآباء للعظة والاعتبار .
2- ترك الجهاد إذا وجب يسبب للامة الذل والخسران .
3- التحذير من عاقبة الظلم والفسق والتمرد على أوامر الشارع .
4- حرمة تأويل النصوص الشرعية للخروج بها عن مراد الشارع منها .
5- فضيلة الاحسان فى القول والعمل .

(1/29)


وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

شرح الكلمات :
{ استسقى } : طلب لهم من الله السقيا أى الماء للشرب وغيره .
{ بعصاك الحجر } : عصا موصى التى كانت معه منذ خرج من بلاد مدين . وهل هى من شجر الجنة هبط بها آدم كذا قيل والله أعلم . والحجر هو حجر مربع الشكل من نوع الكذَّان رخو كالمدر . وهل هو الذى فر بثوب موسى فى حادثة معروفة ذا قيل او هو حجر من سائر الأحجار؟ والله أعلم .
{ فانفجرت } : الانفجار : الانفلاق فانفجرت : انفلقت من العصا العيون
{ مشربهم } : ما رزق الله به العباد من سائر الأغذية .
{ ولا تعثوا } : العَثَيّ والعِثِيّ : أكبر الفساد وفعله عِثي كرضي يعثي كيرضي وعثا يعثوا كعدا يعدو .
{ مفسدين } : الافساد : العلم بغير طاعة الله ورسوله فى كل مجالات الحياة .
{ البقل } : وجمعه البقول سائر أنواع الخضر كالجزر والخردل والبطاطس ونحوها .
{ القثاء } : الخيار والقته ونحوها .
{ الفُوم } : الفوم : الحِنطة وقيل الثوم لذكر البصل بعده .
{ اتستبدلون } : الاستبدال ترك شىء وأخذ آخر بدلا عنه .
{ ادنى } : اقل صلاحاً وخيريه ومنافع كاستبدال المن والسلوى بالفوم والبقل
{ مصراً } : مدينة من المدن قيل لهم هذا وهم فى التيه كالتعجيز لهم والتحدى لأنهم نكلوا عن قتال الجبارين فاصيبوا بالتيه وحرموا خيرات مدينة القدس وفلسطين .
{ ضربت عليهم الذلة } : احاطت بهم ولازمتهم الذلة وهى الصغار والاحتقار .
والمسكنة : والمسكنة وهى الفقر والمهانة
{ باءوا بغضب } : رجعوا من طول عملهم وكثرة كسبهم بغضب الله وسخطه عليهم وبئس ما رجعوا به .
{ ذلك بأنهم } : ذلك اشارة الى ما أصابهم . من الذلة والمسكنة والغضب وبأنهم أى بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وعصيانهم ، فالباء سببية .
{ الاعتداء } : مجاوزة الحق الى الباطل ، والمعروف إلى المنكر . والعدل الى الظلم .
معنى الآيتين :
يُذكرْ الله تعالى اليهود المعاصرين لنزول القرآن بالمدينة النبوية بأياديه فى أسلافهم وأيامه عز ول فيهم وفى الآية الأولى رقم ذكرهم بأنهم لما عطشوا فى التيه استسقى موسى ربه فسقاهم بأمر خارق للعادة ليكون لهم ذلك آية ليلزموا الايمان والطاعة وهو أن يضرب موسى عليه السلام بعصاه الحجر فيتفجر الماء منه اثنى عشر موضعاً كل موضع يمثل عيناً يشرب منها سبط من أسباطهم الاثنى عشر حتى لا يتزاحموا فيتضرروا أكرمهم الله بهذه النعمة ، ونهاهم عن الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي .
وفى الآية الثانية ذكرهم بسوء أخلاق كانت فى سلفهم منها عدم الصبر ، والتعنت وسوء التدبير والجهالة بالخير ، والرعونة وغيرها . وهذا ظاهر فى قولهم يا موسى بدل يا بنى الله او رسول الله لن نصبر على طعام واحد . وقولهم أدع لنا ربك بدل ادع الله لنا أو ادع لنا ربنا عز وجل . وفى مللهم اللحم والعسل وطلبهم الفوم والبصل بدلا عنهما وفى قول موسى عليه السلام أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ما يقرر ذلك ذكرهم بالعاقبة المرة التي كانت لهم نتيجة كفرهم بآيات الله وقتلهم الانبياء ، واعتدائهم وعصيانهم ، وهى أن ضرب الله تعالى عليهم الذلة والمسكنة وغضب عليهم .

(1/30)


كل هذا وغيره مما ذكَّر الله تعالى اليهود به فى كتابه من أجل أن يذكروا فيتظوا ويشكروا فيؤمنوا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويدخلوا فى دينه فيكملوا ويسعدوا بعد ان ينجوا مما حق بهم من الذلة والمسكنة والغضب فى الدنيا ، ومن عذاب النار يوم القيامة .
هداية الآيتين :
{ من هداية الآيتين } :
1- استحسان الوعظ والتذكير بنعم الله تعالى ونقمه فى الناس .
2- مطالبة ذى النعمة بشكرها ، وذلك بطاعة الله تعالى بفعل أوامره . وترك نواهيه .
3- ذم الأخلاق السيئة والتنديد بأهلها للعظة والاعتبار .
4- التنديد بكبائر الذنوب كالكفر وقتل النفس بغير الحق لا سيما قتل الأنبياء أو خلفائهم وهم العلماء الآمرون بالعدل فى الأمة .

(1/31)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

شرح الكلمات :
{ الذين آمنوا } : هم المسلمون آمنوا بالله ووحدوه وآمنوا برسوله واتبعوه .
{ الذين هادوا } : هم اليهود سُموا يهوداً لقولهم : انا هدنا اليك اى تبنا ورجعنا .
{ النصارى } : الصليبيون سموا نصارى إما لأنهم يتناصرون أو لنزول مريم بولدها عيسى قرية الناصرة ، والواحد نصران أو نصرانى وهو الشائع على الألسنة .
{ الصابئون } : امة كانت بالموصل يقولون لا إله إلا الله . ويقرأون الزبور . ليسوا يهودا ولا نصارى واحدهم صابيء ، ولذا كانت قريش تقول لمن قال لا إله الا الله صابيء أى مائل عن دين آبائه الى دين جديد وحَدَ فيه الله تعالى .
مناسبة الآية ومعناها :
لما كانت الآية فى سياق دعوة اليهود إلى الاسلام ناسب أن يعلموا أن النِّسَبَ لا قيمة لها وانما العبرة بالإِيمان الصحيح والعمل الصالح المزكى للروح البشرية والمطهرة لها فلذا المسلمون واليهود والنصارى والصابئون وغيرهم كالمجوس وسائر أهل الأديان من آمن منهم بالله واليوم الآخر حق الإِيمان وعمل صالحاً مما شرع الله تعالى من عبادات فلا خوف عليهم بعد توبتهم ولا حزن ينتابهم عند موتهم من أجل ما تكروا من الدنيا ، إذ الآخرة خير وأبقى .
والإِيمان الصحيح لا يتم لأحد إلا بالايمان بالنبى الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم والعمل الصالح لا يكون إلا بما جاء به النبى الخاتم فى كتابه وما أوحى إليه ، إذ بشريعته نسخ الله سائر الشرائع قبله وبالنسخ بطل مفعولها فهى لا تزكى النفس ولا تطهرها . والسعادة الأخروية متوقفة على زكاة النفس وطهارتها .
هداية الآية :
من هداية الآية :
1- العبرة بالحقائق لا بالألفاظ فالمنافق إذا قال هو مؤمن أو مسلم ، ولم يؤمن بقلبه ولم يسلم بجوارحه لا تغنى النسبة عنه شيئاً ، واليهودي والنصرانى والصابىء وكل ذى دين نسبته إلى دين قد نسخ وبطل العمل بما فيه فأصبح لا يزكى النفس ، هذه النسبة لا تنفعه ، وانما الذى ينفع الايمان الصحيح والعمل الصالح .
2- أهل الإِيمان الصحيح والاستقامة على رع الله الق مبشرون بنفي الخوف عنهم والحزن وإذا انتفى الخوف حصل الأمن واذا انتفى الحزن حصل السرور والفرح وتلك السعادة .

(1/32)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

شرح الكلمات :
{ الميثاق } : العهد المؤكد باليمين .
{ الطور } : جبل أو هو الجبل الذى ناجى الله تعالى عليه موسى عليه اسلام .
{ بقوة } : بجد وحزم وعزم
{ توليتم } : رجعتم عما التزمتم القيامة به من العمل بما فى التوراة .
{ اعتدوا فى السبت } : تجاوزوا الحدَّ فيه حيث حرم عليهم الصيد فيه فصادوا
{ قردة } : القردة جمع قرد حيوان معروف مسخ الله تعالى المعتدين فى السبت على نحوه
{ خاسئين } : مبعدين عن الخير ذليلين مهانين .
{ نكالاً } : عقبة شديدة تمنع من رآها أو علمها من فعل ما كانت سبباً فيه .
{ لما بين يديها وما خلفها } : لا بين يدى العقوبة من الناس ، ولمن يأتى بعدهم .
{ وموعظة للمتقين } : يتعظون بها فلا يقدمون على معاصى الله عز وجل .
معنى الآيات :
يذكر الحق عز وجل اليهود بما كان لاسلافهم من أحداث لعلهم يعتبرون فيذكرهم بحادثة امتناعهم من تحمل العمل بالتوراة واصرارهم على ذلك حتى رفع الله تعالى فوقهم جبلاً فأصبح كالظلة فوق رؤسهم حينئذ أذعنوا غير أنهم تراجعوا بعد ذلك ولم يفوا بما التزموا به فاستوجبوا الخسران لولا رحمة الله بهم .
كما يذكرهم بجريمة كانت لبعض أسلافهم وهى أنه تعالى حرم عليهم الصيد يوم السبت فاحتالت طائفة منهم على الشرع واصطادوا فنكل الله تعالى بهم فمسخهم قردة ، وجعلهم عظة وعبرة للمعتبرين .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- وجوب الوفاء باعهود والمواثيق .
2- يجب أخذ أحكام الشرع بحزم ، وذكرها وعدم نسيانها أو تناسيها .
3- لا تتم التقوى لعبد إلا إذا أخذ أحكام الشرع بحزم وعزم .
4- حرمة الاحتيال لإِباحة المحرّم وسوء عاقبة المحتالين المعتدين .

(1/33)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)

شرح الكلمات :
{ البقرة } : واحدة البقر والذكر ثور والانثى بقرة .
{ الذبح } : قطع الودجين والمارن .
{ الهزؤ } : السخرية واللعب .
{ الجاهل } : الذى يقول او يفعل مالا ينبغي قوله أو فعله .
{ الفارض } : المسنة ، والبكر الصغيرة التى لم تلد بعد . والعوان : النّصَفُ وسط بين المسنة والصغيرة .
{ فاقع } : يقال : أصفر فاقع شديدة الصفرة كأحمر قانىء وأبيض ناصع .
{ الذلول } : الرّيّضة التى زالت صعوبتها فاصبحت سهلة منقادة .
{ تثير الأرض } : تقبلها بالمحراث فيثور غبارها بمعنى أنها لم تستعمل فى الحرث ولا فى سقاية الزرع أى لم يُسن عليها ، وذلك لصغرها .
{ مسلّمة } : سليمة من العيوب كالعور والعرج .
{ لا شية فيها } : الشية العلامة أي لا يوجد فيها لون غير لونها من سواد أو بياض .
معنى الآيات :
واذكر يا رسولنا لهؤلاء اليهود عيباً آخر من عيوب أسلافهم الذي يَعْتزُّونَ بهم وهو سوء سلوكهم مع أنبيائهم فيكون توبيخاً لهم لعلهم يرجعون عن غيهم فيؤمنوا بك وبما جئت به من الهدى ودين الحق . اذكر لهم قصة الرجل الذى قتله ابن أخيه استعجالا لإِرثه ثم ألقاه تعمية فى حى غير الحى الذي هو منه ، ولما اختلفوا فى القاتل قالوا نذهب الى موسى يدعو لنا ربه ليبين لنا من هو القاتل فجاءوه فقال لهم ان الله تعالى يأمركم ان تذبحوا بقرة من أجل ان يضربوا القتيل بجزء منها فينطق مبيناً من قتله فلما قال لهم ذلك قالوا أتتخذنا هزؤاً فوصفوا نبى الله بالسخرية واللعب وهذا ذنب قبيح وما زالوا يسألونه عن البقرة ويتشددون حتى شدد الله تعالى عليهم الأمر الذى كادوا معه لا يذبحون مع أنهم لو تناولوا بقرة من عرض الشارع وذبحوها لكفتهم . ولكن شددوا فشدد الله عليهم فعثروا على البقرة المطلوبة بعد جهد جهيد وغالى فيها صاحبها فباعها منهم بملء جلدها ذهباً .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- بيان ما كان عليه قوم موسى من بنى اسرائيل من العجرفة وسوء الأخلاق ليتجنب مثلها المسلمون .
2- حرمة الاعتراض على الشارع ووجوب تسليم أمره أو نهيه ولو لم تعرف فائدة الأمر والنهى وعلتها .
3- الندب الى الأخذ بالمتيسر وكراهة التشدد فى الأمور .
4- بيان فائدة الاستثناء بقوله إن شاء الله ، إذ لو لم يقل اليهود ان شاء الله لمهتدون ما كانوا ليهتدوا إلى معرفة البقرة المطلوبة .
5- ينبغي تحاشي الكلمات التى قد يفهم منها نتقاص الأنبياء مثل قولهم الآن جئت بالحق ، اذ مفهومه أنه ما جاءهم بالحق إلا فى هذه المرة من عدة مرات سبقت!!

(1/34)


وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

شرح الكلمات :
{ نفساً } : نفس الرجل الذى قتله وارثه واستعجالا للإرث .
{ ادارأتم فيها } : تدافعتم أمر قتلها كل قبيل يقول قتلها القبيل الآخر .
{ ما تكتمون } : من أمر القاتل ستراً عليه دفعاً للعقوبة الفضيحة .
{ ببعضها } : ببعض أجزاء البقرة كلسانها أو رجلها مثلا .
معنى الآيات :
يقول تعالى لليهود موبخاً لهم اذكروا إذ قتل أحد أسلافكم قريبه ليرثه فاختصم فى شأن القتل كل جماعة تنفي أن يكون القاتل منها ، والحال أن الله تعالى مظهر ما تكتمونه لا محالة إحقاقاً للحق وفضيحة للقاتلين فأمركم أن تضربوا القتيل ببعض أجزاء البقرة فيحيا ويخبر عن قاتله ففعلتم وأحيا الله القتيل وأخبر بقاتله فقتل به فأرادكم الله تعالى بهذه القصة آية من آياته الدالة على حلمه علمه وقدرته وكان المفروض أن تعقلوا عن الله آياته فتكملوا فى إيمانكم وأخلاقكم وطاعتكم ، ولكن بدل هذا قست قلوبكم وتحجرت وأصبحت أشد قساوة من الحجارة فهى لا ترق ولا تلين ولا تخشع على عكس الحجارة إذ منها ما تتفجر منه العيون ، ومنها ما يلين فيهبط من خشية الله كما اندك جبل الطور لما تجلى له الرب تعالى ، وكما اضطرب أُحُد تحت قدمى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . ثم توعدكم الرب تعالى بأنه ليس بغافل عما تعملون من الذنوب والآثام وسيجزيكم به جزاء عادلا إن لم تتوبوا إليه وتنيبوا .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- صدق نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتقريرها أمام اليهود إذ يخبرهم بأمور جرت لأسلافهم لم يكن يعلمها غيرهم وذلك إقامة للحجة عليهم .
2- الكشف عن نفسيان اليهود وانهم يتوارثون الرعونات والمكر والخداع .
3- اليهود من أقسى البشر قلوباً الى اليوم ، اذ كل عام يرمون البشرية بقاصمة الظهر وهم ضاحكون .
4- من علامات الشقاء قساوة القلوب ، وفى الحديث : « من لا يرحم لا يرحم » .

(1/35)


أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)

شرح الكلمات :
{ افتطمعون } : الهمزة للانكار الاستبعادى ، والطمع تعلق النفس بالشيء رغبة فيه
{ يؤمنون لكم } : يُتابعون على دينكم ( الإسلام )
{ كلام الله } : فى كتبه كالتوراة والإِنجيل والقرآن .
{ يحرفونه } : التحريف الميل بالكم على وجه لا يدل على معناه كما قالوا في نعت الرسول صلى الله عليه وسلم فى التوراة : اكحل العينين ربعة جعد الشعر حسن الوجه قالوا : طويل ازرق العينين سبط العشر .
اذا لقوا الذين آمنوا : إذا لقي منافقوا اليهود المؤمنين قالوا آمنا بنبيكم ودينكم
{ أتحدثونهم } : الهمزة للاستفهام الانكارى ، وتحديثهم إخبار المؤمنين بنعوت التى فى التوراة .
{ بما فتح الله عليكم } : إذا خلا منافقوا اليهود برؤسائهم أنكروا عليهم اخبارهم المؤمنين بنعوت النبى صلى الله عليه وسلم فى التوراة ، وهو مما فتح لله به عليهم ولم يعلمه غيرهم .
{ ليحاجوكم به } : يقولون لهم لا تخبروا المؤمنين بما خصكم الهل به من العلم حتى لا يحتجوا عليكم به فيغلبوكم وتقوم الحجة عليكم فيعذبكم الله .
{ أميون } : الأمي : المنسوب إلى أمه ما زال فى حجر أمه لم يفارقه فلذا هو لم يتعلم الكتابة والقراءة .
{ أمانى } : الآمانى جمع أمنية وهى إمّا ما يتمناه المرء فى نفسه من شىء يريد الحصول عليه ، وإما القراءة من تمنى الكتاب اذا قرأه .
معنى الآيات :
ينكر تعالى على المؤمنين طمعهم فى إيمان اليهود لهم بنبيهم ودينهم ، ويذكر وجه استبعاده بما عرف به اليهود سلفاً وخلفاً من الغش والاحتيال بتحريف الكلام وتبديله تعمية وتضليلا حتى لا يُهتدى الى وه الحق فيه ومن كان هذا حاله يبعد جداً تخلصه من النفاق والكذب وكتمان الحق { وإِذا لَقُوا الذين آمنوا قالوا آمنا } وهم كاذبون واذا خلا بعضهم ببعض أنكروا على أنفسهم ما فَاه به بعضهم للمسلمين من صدق نبوة الرسول وصحة دينه متعللين بأن مثل هذا الاعتراف يؤدى احتجاج المسلمين به عليهم وغلبهم فى الحجة وسبحان الله كيف فسد ذوق القوم وساء القوم وساء فهمهم حتى ظنوا ان ما يخفونه يمكن اخفاؤه على الله قال تعالى فى التنديد بهذا الموقف الشائن { أولا يعلمون ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ؟
ومن جَهْلِ بعضهم بما فى التوراة وعدم العلم بما فيها من الحق والهدى والنور ما دل عليه قوله تعالى : { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ } أي إلاَّ مُجرَّد قراءة فقط أما إدراك المعانى الموجبة لمعرفة الحق والإِيمان به واتباعه فليس لهم فيها نصيب ، وما يقولونه ويتفوهون به لم يَعْدُ الْخَرْصَ والظَّنُّ الكاذِبَ .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- أن ابعد الناس عن قبول الحق والاذعان له اليهود .
2- قبح إنكار الحق بعد معرفته .
3- قبح الجهل بالله وبصفاته العلا وأسمائه الحسنى .
4- ما كل من يقرأ الكتاب يفهم معانية فضلا عن معرفة حكمه وأسراره وواقع أكثر المسلمين اليوم شاهد على هذا فإن حفظة القرآن منهم من لا يعرفون معانيه فضلا عن غير الحافظين له .

(1/36)


فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

شرح الكلمات :
{ ويل } : الويل : كلمة تقال لمن وقع فى هلكة أو عذاب .
{ الكتاب } : ما يكتبه علماء اليهود من أباطيل وينسبونه الى الله تعالى ليتوصلوا به الى أغراض دَنِيَّةِ من متاع الدنيا القليل .
{ من عند الله } : ينسبون ما كتبوه بأيديهم الى التوراه بوصفها كتاب الله ووحيه الى موسى عليه السلام .
{ يكسبون } : الكسب يكون فى الخير ، وهو هنا فى الشر فيكون من باب التهكم بهم .
{ أياماً معدودة } : أربعين يوماً وهذا من كذبهم وتضليلهم للعوام منهم ليصرفوهم عن الاسلام .
{ أتخذتم عند الله عهداً } : الهمزة للاستفهام الانكارى ، والعهد : الوعد المؤكد .
{ سيّئة } : هذه سيئة الكفر والكذب على الله تعالى .
{ أحاطت به } : الإِحاطة بالشيء : الالتفاف به والدوران عليه .
{ خطيئته } : الخطيئة واحدة الخطايا وهى الذنوب عامة .
{ الخلود } : البقاء الدائم الى لا تحول معه ولا ارتحال .
معنى الآيات :
يتوعد الرب تبارك وتعالى بالعذاب الأليم أولئك المضللين من اليهود الذين يحرفون كلام الله ، ويكتبون أموراً من الباطل وينسبونها الى الله تعالى ليتوصلوا بها الى أغراض دنيوية سافلة .
وينكر عليهم بتجحهم الفارغ بأنهم لا يعذبون بالنار مهما كانت ذنوبهم ما داموا على ملة اليهود إلا أربعين يوما ثم يخرجون ، وجائز أن يتم هذا لو كان هناك عهد من الله تعالى قطعه لهم به ولكن أين العهد؟ إنما هو لادعاء لكاذب فقط ثم يقرر العليم الحكيم سبحانه وتعالى حكمه فى مصير الإنسان بدخول النار أو الجنة ذلك الحكم القائم على العدل والرحمة البعير عن التأثر بالأنساب والأحساب فيقول بلى ، ليس الأمر كما تدعون ، وإنما هى الخطايا والحسنات فمن كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فخَبّثتْ نفسَه ولوّثتها فهذا لا يُلائم خبث نفسه إلا النار ، ومن آمن وعمل صالحاً فزكى بالإِيمان والعمل الصالح نفسه وطهرها فإنه لا يلائم طهارةَ روحه وزكاة نفسه إلا الجنة دار النعيم . أما الحسب والنسب والادعاءات الكاذبة فلا تأثير لها البتة .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- التحذير الشديد من الفتاوى الباطلة التى تحرم ما أحل الله أو تحلل ما حرم ليتوصل صاحبها الى غرض دنيوي كمال ، أو حظوة لدى ذي سلطان .
2- إبطال الإِنتفاع بالنّسب والإِنتساب ، وتقرير أن سعادة الإِنسان كشقائه مردهما في السعادة إلى الإِيمان والعمل الصالح . وفي الشقاوة إلى الشرك والمعاصي .
3- التنبيه على خَطَرِ الذنوب صغيرها وكبيرها ، وإلى العمل على تكفيرها بالتوبة والعمل الصالح قبل أن تحوط بالنفس فتحجبها عن التوبة والعياذ بالله .

(1/37)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

شرح الكلمات :
{ الميثاق } : العهد المؤكد باليمين .
{ حسناً } : حسن القول : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمخاطبة باللين ، والكلم الطيب الخالي من البذاءة والفحش .
{ توليتم } : رجعتم عما التزمتم به مصممين على أن لا تتوبوا .
{ سفك الدماء } : إراقتها وصبها بالقتل والجراحات .
{ تطاهرون } : قرىء تظّاهرون ، وتظاهرون بتاء واحدة ومعناه تتعاونون .
{ بالإِثم والعدوان } : الإِثم : الضار الموجب للعقوبة ، والعدوان الظلم .
{ أسارى } : جمع أسير : من أخذ في الحرب .
{ الخزي } : الذل والمهانة .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في تذكير اليهود بما كان لأسلافهم من خير وغيره والمراد هدايتهم لو كانوا يهتدون ، فقد ذكرهم في الآية ( 83 ) بما أخذ الله تعالى عليهم في التوراة من عهود ومواثيق على أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا في عبادته سواه . وأن يحسنوا للوالدين ولذى القربى واليتامى والمساكين وأن يقولوا للناس الحسن من القول ويقيمو الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وندّد بصنيعهم حيث ينقض هذا العهد والميثاق أكثرهم ولم يفوا به وفي الآية الثانية ( 84 ) ذكرهم بميثاق خاص أخذه عليهم في التوراة أيضاً وهو الإِسرائيلي لا يقتل الإِسرائيلي ولا يخرجه من داره بغياً وعدواناً عليه ، وإذا وقع في الأسر وجب فكاكه بكل وسيلة ولا يجوز تركه أسيرا بحال ، أخذ عليهم بهذا ميثاقاً غليظاً وأقروا به وشهدوا عليه وفي الآية الثالثة ( 85 ) وبّخهم على عدم وفائهم بما التزموا به حيث صار اليهودي يقتل اليهودي ويخرجه من داره بغياً وعدواناً عليه . وفي نفس الوقت إن أتاهم يهودي أسيراً فََدَوهُ بالغالي والرخيص ، فندد الله تعالى بصنيعهم هذا الذي هو إهما لواجب وقيامٌ بآخر تبعاً لأهوائهم فكانوا كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ومن هنا توعدهم بخزي الدنيا وعذاب الآخرة . وفي الآية الرابع ( 86 ) أخبر أنهم بصنيعهم ذلك اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فكان جزاؤهم عذاب الآخرة حيث لا يخفف عنهم ولا ينصرون فيه بدفعه عنهم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- مشروعية تذكير الناس ووعظهم بما يكون سبباً لهدايتهم .
2- وجوب عبادة الله وتوحيده فيها .
3- وجوب الإِحسان إلى الوالدين ولذوي القربى واليتامى والمساكين .
4- وجوب معاملة الناس بحسن الأدب .
5- تعرض أمة الإِسلام لخزي الدنيا وعذاب الآخرة بتطبيقها بعض أحكام الشريعة وإهمالها البعض الآخر .
6- كفر من يتخير أحكام الشرع فيعمل ما يوافق مصالحه وهواه ، ويهمل ما لا يوافق .
7- كفر من لا يقيم دين الله إعراضاً عنه وعدم مبالاة به .

(1/38)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)

شرح الكلمات :
{ موسى } : موسى بن عمران نبي مرسل إلى بني إسرائيل .
{ الكتاب } : التوراة .
{ قفينا } : أرسلناهم يَقْفُو بعضهم بعضاً أي واحداً بعدَ واحد .
{ الرسل } : جمع رسول : ذكر من بني آدم أوحي إليه بشرع وأمر بتبلغيه .
{ البينات } : المعجزات وآيات الله في الإِنجيل .
{ روح القدس } : جبيريل عليه السلام .
{ غلفٌ } : عليها غلاف يمنعها من الفهم لما تدعونا إليه ، أو هي أوعية للعلم فلا نحتاج معها إلى أن نتعلم عنك .
{ كتاب من عند الله } : القرآن الكريم .
{ يستفتحون } : يطلبون الفتح أي النصر .
{ بئسما } : بئس كلمة ذَمّ ، ضدها نِعْمَ فإنها للمدح .
{ بغياً } : حسداً وظلماً .
{ باءوا بغضب } : رجعوا والغضب ضد الرضا ، ومن غضب الله عليه أبعده ومن رضي عنه قربه وأدناه .
{ مهين } : عذاب فيه إهانة وصغار وذلك للمعذب به .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في ذكر إنعام الله تعالى على بني إسرائيل ، وذكر معايبهم وبيان مثالبهم لعل ذكر الإِنعام يحملهم على الشكر فيؤمنوا ، وذكر المعايب يحملهم على الإِصلاح والتوبة فيتوبوا ويصلحوا ففي الآية ( 87 ) يذكر تعالى منته بإعطاء موسى التوراة وإرسال الرسل بعده بعضهم على أثر بعض ، وبإعطاء عيسى البينات وتأييده بروح القدس جبريل عليه السلام ومع هذا فإنهم لم يستقيموا بل كانوا يقتلون الأنبياء ويكذبونهم فوبخهم الله تعالى على ذلك قوله : { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون } . وفى الآية الثانية ( 88 ) يذكر تعالى تبجحهم بالعلم واستغناءهم به ، ويبطل دعواهم ويثب علة ذلك وهي أن الله لعنهم بكفرهم فلذا هم لا يؤمنون وفي الآية الثالثة ( 89 ) يذكر تعالى كفرهم بالقرآن ونبيّه بعد أن كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يقولون للعرب إن نبياً قد أظل زمانه وسوف نؤمن به ونقاتلكم معه وننتصر عليكم فلما جاءهم ، عرفوا كفروا به فلعنه الله عليهم لأنهم كافرون . وفى الآية الرابعة ( 89 ) يقبّح الله تعالى سلوكهم حيث باعوا أنفسهم رخيصة ، باعوها بالكفر فلم يؤمنوا بالقرآن ونبيّه حسداً أن يكون في العرب نبي يوحى إليه ورسول يطاع ويتبع ، فجعوا من طول رحلتهم في الضلال بغضب عظيم سببه كفرهم بعيسى ، وبغضب عظيم سببه كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ومع الغشب العذاب المهين في الدنيا والآخرة .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- واجب النعمة الشكر ، وواجب الذنب التوبة .
2- قبح رد الحق لعدم موافقته لهوى النفس . 3- فظاعة جريمة القتل والتكذيب بالحق .
4-سوء عاقبة التبجح بالعلم وإدعاء عدم الحاجة إلى المزيد منه .
5- ذم الحسد وأنه أخو البغي وعاقبتهما الحرمان والخراب .
6- شر ما يخاف منه سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى .

(1/39)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

شرح الكلمات :
{ بما أنزل الله } : من القرآن .
{ بما أنزل علينا } : التوراة .
{ وهو الحق مصدقاً } : القرآن الكريم مقرر لأصول الأديان الإِلهية كالتوحيد .
{ البيانات } : المعجزات .
{ اخذتم العجل } : يريد إلهاً عبدتموه في غيبة موسى عليه السلام .
{ وأشربوا في قلوبهم العجل } : أي حب العجل الذي عبدوه بدعوة السامري لهم بذلك .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في بني إسرائيل وتقريعهم على سوء أفعالهم ففي الآية الأولى ( 191 ) يخبر تعالى أن اليهود إذا دعوا إلى الإِيمان بالقرآن يدّعون أنهم في غير حاجة إلى إيمان جديد بحجة أنهم مؤمنون من قبل بما أنزل الله تعالى في التوراة وبهذا يكفرون بغير التوراة وهو القرآن مع أن القرآن حق والدليل أنه مصدق لما معهم من حق في التوراة ثم أمر اله رسوله أن يبطل دعواهم موبخاً إياهم بقوله : { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } إذ قتل الأنبياء يتنافى مع الإِيمان تمام المنافاة .
وفي الآية الثالثة ( 93 ) يذكِّر تعالى اليهود بما أخذه على أسلافهم من عهد وميثاق بالعمل بما جاء في التوراة عندما رفع الطور فوق رؤوسهم تهديداً لهم غير أنهم لم يفوا بما عاهدوا عليه كأنهم قالوا سمعنا وعصينا ، فعبدوا العدل وأشربوا حبه في قلوبهم بسبب كفرهم ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقبّح ما ادّعوه من أن إيمانهم هو الذي أمرهم بقتل الأنبياء وعبادة العجل ، والتمرد والعصيان .
هداية الآيات :
1- مشروعية توبيخ أهل الجرائم على جرائمهم إذا أظهروها .
2- جرأة اليهود على قتل الأنبياء والمصلحين من الناس .
3- وجوب أخذ أمور الشرع بالحزم والعزم والقوة .
4- الإِيمان الحق لا يأمر صاحبه إلا بالمعروف ، والإِيمان الباطل المزيف يأمر صاحبه بالمنكر .

(1/40)


قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)

شرح الكلمات :
{ الدر الآخرة } : المراد منها نعيهما وما أعد الله تعالى فيها لأوليائه .
{ خالصة } : خاصة لا يدخلها أحد سواكم .
{ تمنوا الموت } : تمنّوه في نفوسكم واطلبوه بألسنتكم فإن من كانت له الدار الآخرة لا خير له في بقائه في الدنيا .
{ إن كنتم صادقين } : أي في دعوى أن نعيم الآخرة خاص بكم لا يشارككم فيه غيركم .
{ حياة } : التنكير فيها لتعم كل حياة ولو كانت ذميمة .
{ يودّ } : يحب
{ الذين أشركوا } : هم غير أهل الكتاب من سائر الكفار .
{ بمزحزحه } : بمبعده من العذاب .
{ أن يعمر } : تعميره ألف سنة .
{ جبريل } : روح القدس الموكل بالوحي يتنزل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ نزّله على قلبك } : نزل جبريل القرآن على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ مصدقاً لما بين يديه } : القرآن مصدق لما في الكتب السابقة من نعت الرسول صلى الله عليه وسلم والبشارة به ومن التوحيد ووجوب الاسلام لله تعالى .
ميكال : ميكال وميكائيل . ملك من أعاظم الملائكة وقيل معناه عبيد الله .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم فى الرد على اليهود وإبطال حججهم الواهية ففي الآية الأولى ( 94 ) أمر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم مباهلاً إياهم : إن كانت الدار الآخرة خالصة لكم لا يدخل الجنة معكم أحد فتمنوا الموت لتدخلوا الجنة وتستريحوا من عناء الدنيا ومكابلة العيش فيها فإن لم تتمنوا ظهر كذبكم وثبت كفركم وأنكم أصحاب النار ، وفعلاً ما تمنوا الموت ولو تمنوه لماتوا عن آخرهم .
وفي الآية الثانية ( 95 ) أخبر تعالى أن اليهود لن يتمنوا الموت أبداً وذلك بسبب ما قدموه من الذنوب والخطايا العظام الموجبة لهم عذاب النار بأنهم مجرمون ظلمة والله عليم بالظالمين وسيجزيهم بظلمهم إن حكيم عليم .
وفي الآية الثالث ( 96 ) يخبر الله تعالى أن اليهود أحرص الناس على الحياة حتى من المشركين الذين يود الواحد منهم أن يعيش ألف سنة ، فكيف يتمنون الموت إذاً وهم على هذا الحال من الحرص على الحياة ، وذلك لعلمهم بسوء مصيرهم إن هم ماتوا . كما يخبر أن الكافر لا ينجيه من العذاب طول العمر ولو عاش أكثر من ألف سنة ، ثم هدد الله تعالى اليهود وتوعدهم بقوله { والله بصير بما يعملون } من الشر والفساد وسيجزيهم به .
وفي الآية الرابعة ( 97 ) يأمر تعالى رسوله أن يرد على اليهود قولهم : لو كان الملك الذى بأتيك بالوحي مكيائيل لآمنا بك ، ولكن لما كان جبريل فجبريل عدونا لأنه ينزل بالعذاب ، بقوله : { قل من كان عدوا لجبريل } فليمت غيظاً وحنقاً فإن جبريل هوالذي ينزل بالقرآن بإِذن ربه على قلب رسوله مصدقاً -القرآن- لما سبقه من الكتب وهدى يهتدى به وبشى يبشر به المؤمنون الصالحون .
وفي الآية الخامسة ( 98 ) يخبر تعالى أن من يعاديه عز وجل ويعادي أولياءه من الملائكة والرسل وبخاصة جبريل فإنه كافر ، والله عدو له ولسائر الكافرين .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- صحة الإِسلام ، وبطلان اليهودية ، وذلك لفشل اليهود في المباهلة بتمني الموت .
2- المؤمن الصالح يفضل لموت على الحياة لما يرجوه منالراحة والسعادة بعد الموت .
3- صدق القرآن فيما أخبر به عم اليهود من حرصهم على الحياة ولو كانت رخيصة ذميمة إذ هذا أمر مشاهد منهم إلى اليوم .
4- عداوة الله تعالى للكافرين . ولذا وجب على المؤمن معاداة أهل الكفر لمعاداتهم الله ، ومعاداة الله تعالى لهم .

(1/41)


وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

شرح الكلمات :
{ آيات بينات } : هي آيات القرآن الكريم الواضحة فيما تدل عليه من معان .
{ يكفر بها } : يجحد بكونها كتاب الله ووحيه الى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم .
{ الفاسقون } : الخارجون عما يجب أن يكونوا عليه من الإِيمان بالله والإِسلام له ظاهراً وباطناً .
{ أو كلما عاهدوا } : الهمزة للإِستفهام الإِنكاري والواو عاطفة على تقديره أكفروا بالقرآن ونبيه وكلما عاهدوا الخ . .
{ العهد } : الوعد الملزم .
{ نبذه } : طرحه وألقاه غير آبه به ولا ملتفت إليه .
{ رسول } : التنكير للتعظيم والرسول هو محمد صلى الله عليه وسم ، ومن قبله عيسى عليه السلام .
{ لما معهم } : من نعتِ الرسول صلى الله عليه وسلم وتقرير نبوته ، وسائر أصول دينه الإِسلام .
{ كتاب الله } : أي أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه لمنافاته لما هم معروفون عليه من الكفر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كأنهم لا يعلمون مع أنهم يعلمون حق العلم .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته والرد على اليهود وإظهار ما هم عليه من الفسق والكفر والظلم ففي الآية الأولى ( 99 ) يرد تعالى على قول ابن صوريا اليهودي للرسول صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشىء بقوله : { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون } كالأعور بن صوريا اليهودي وفي الآية الثانية ( 100 ) ينكر الحق سبحانه وتعالى على اليهود كفرهم ونبذهم للعهود والمواثيق وليسجل عليهم عدم إيمان أكثرهم بقوله : { بل أكثرهم لا يؤمنون } . وفي الآية الثالثة ( 101 ) ينعى البارىء عز وجل على العلماء اليهود نبذهم للتوراة لما رأو فيها من تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتها فقال : { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- الفسق العام ينتج الكفر ، إن العبد إذا فسق وواصل الفسق عن أوامر الله ورسوله سيؤدي به ذلك إلى أن ينكرما حرم الله وما أوجب فيكفر لذلك والعياذ بالله .
2- اليهود لا يلتزمون بوعد ولا يفون بعهد ، فيجب أن لا يوثف في عهودهم أبداً .
3- التوراة أحد كتب الله عز وجل المنزلة أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام .
4- قبح جريمة من تنكَّر للحق بعد معرفته ، وصبح وكأنه جاهل به .

(1/42)


وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)

شرح الكلمات :
{ ما تتلوا الشياطين } : الذي تتبعه وتقول به الشياطين من كلمات السحر .
{ على ملك سليمان } : على عهد ملك سليمان ووقت حكمه .
{ الشياطين } : جمع شيطان وهو من خبث وتمرد ولم يبق فيه قابلية للخير .
{ السحر } : هو كل ما لطف مأخذه وخفي سببه مما له تأثير على أعين الناس أو نفوسهم أو أبدانهم .
{ هاروت وماروت } : ملكان وجدا للفتنة .
{ فلا تكفر } : لا تتعلمْ منا السحر لتضر به فتكفرْ بذلك .
{ بين المرء وزوجه } : بين الرجل وامرأته .
{ اشتراه } : اشترى السحر بتعلمه والعمل به .
{ الخلاق } : النصيب والحظ .
{ ما شروا } : ما باعوا به أنفسهم .
{ لمثوبة } : ثواب وجزاء .
معنى الآيتين :
ما زال السياق الكريم في بيان ما عليه اليهود من الشر والفساد ففي الآية الأولى ( 102 ) يخبر تعالى أن اليهود لما نبذوا التوراة لتقريرها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتأكيدها لصحة دينه اتبعوا الأباطيل والترهات التي جمعها شياطين الإِنس والجن في صورة رُقىً وعزائم وكانوا يحدثون بها ، ويدّعون أنها من عهد سليمان بن داود عليهما السلام وأنها هي التى كان سليمان يحكم بها الإِنس والجن ، ولازم هذا أن سليمان لم يكن رسولاً ولا نبياً وإنما كان ساحراً كافراً فلذا نفى الله تعالى عنه ذلك بوقوله : { وما كفر سليمان } وأثبته للشياطين فقال : { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } . كما يعلمونهم ما أُلهِمَهُ الملكان هاروت وماروت ببابل العراق من ضروب السحر وفنونه وهنا أخبرنا تعالى عن ملكى الفتنة أنهما يقولان لمن جاءهما يريد تعلم السحر : إنما نحن فتنة فلا تكفر بتعلمك السحر وهذا القول منهما يفهم منه بوضوح أن أقوال الساحر وأعماله التي يؤثر بها على الناس منها ما هو كفر في حكم الله وشرعه قطعاً .
كما أخبر تعالى في هذه الآية أن ما يتعلمه الناس من الملكين إنما يتعلمونه ليفرقوا بين الرجل وامرأته ، وأن ما يحدث به من ضرر هو حاصل بإذن الله تعالى حسب سنته في الأسباب والمسببات ، ولو شاء الله أن يوجد مانعاً يمنع من حصول الأمر بالضرر لفعل وهو على كل شىء قدير . فبهذا متعلموا السحر بسائر أنواعه إنما هم يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم . وفي آخر الآية يقرر تعالى علم اليهود بكفر الساحر ومتعلم السحر ومتعاطيه حيث أخبر تعالى أنهم لا نصيب لهم في الآخرة من النعيم المقيم فيها فلذا هم كفار قطعاً . وأخيراً يقبح تعالى ما باع به اليهود أنفسهم ، ويسجل عليهم الجهل بنفي العلم إذ قال تعالى : { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } .
وفي الآية الثانية ( 103 ) يفتح تعالى على اليهود باب التوبة فيعرض عليهم الإِيمان والتقوى فيقول : { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } .
هداية الآيتين :
من هداية الآيتين :
1- الاعراض عن الكتاب والسنة لتحريمهما الشر والفساد والظلم يفتح أمام المعرضين أبواب الباطل من القوانين الوضعية ، والبدع الدينية ، والضلالات العقلية قال تعال :

(1/43)


{ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ( سبيل السّعادة والكمال ) ويحسبون أنهم مهتدون } 2- كفر الساحر وحرمة تعلم السحر ، وحرمة استعماله .
3- الله تعالى خالق الخير وَالضَّيْرِ ولا ضرر ولا نفع إلا بإذنه فيجب الرجوع إليه في جلب النفع ، ودفع الضر بدعائه والضراعة إليه .
4- العلم المبهم كالظَّن الذي لا يقين معه لا يغير من نفسية صاحبه شيئاً فلا يحمله على فعل خير ولا على ترك شر بخلاف الرسوخ في العلم فإن صاحبه يكون لديه من صادق الرغبة وعظيم الرهبة ما يدفعه إلى الإِيمان والتقوى ويجنبه الشرك المعاصي . وهذا ظاهر في نفي الله تعالى العلم عن اليهود فى هاتين الآيتين .

(1/44)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

شرح الكلمات :
{ راعنا } : أمهلنا وانظرنا حتى نعى ما نقول .
{ انظرنا } : أملهنا حتى نفهم ما تقول ونحفظ .
{ الكافرين } : الجاحدين المكذبين لله ورسوله المستهزئين بهما أو بأحدهما .
{ أليم } : كثير الألم شديد الإِيجاع .
{ من أهل الكتاب ولا المشركين } : اليهود والنصارى والوثنيين من العرب وغيرهم .
{ من خير من ربكم } : من الوحي الإِلهي المشتمل على التشريع المتضمن لكل أنواع الهداية وطرق الإسعاد والإِكمال في الدارين .
{ الفضل } : ما كان من الخير غير محتاج إليه صاحبه ، والله عز وجل هو صاحب الفضل إذ كل ما يمن به ويعطيه عباده من الخير هو في غنى عنه ولا حاجة به إليه أبداً .
معنى الآيتين :
أما الآية ألأولى ( 104 ) فقد أمر الله تعالى المؤمنين أن يُراعوا الأدبْ في مخاطبة نبيّهم صلى الله عليه وسلم تجنباً للكملات المشبوهة ككلمة راعنا ، إذ قد تكون من الرعونة ، ولم تدل عليه صيغة المفاعلة إذ كأنهم يقولون راعنا نُرَاعِكَ ، وهذا لا يليق أن يخاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم .
وأرشدهم تعالى إلى كلمة سليمة من كل شبهة تنافي الأدب وهي انظرنا ، وأمرهم أن يسمعوا لنبيّهم إذا خاطبهم حتى لا يضطروا إلى مراجعته؛ إذ الاسْتِهْزَاءُ بالرسول والخسرة منه ومخاطبته بما يفهم الاستخفاف بحقه وعلوّ شأنه وعظيم منزلته كفر بواح .
وفي الآية الثانية ( 105 ) أخبر تعالى عباده المؤمنين بأن الكفرين من أهل الكتاب ومن غيرهم من المشركين الوثنيين لا يحبون أن يُنزل عليكم من خير من ربكم وساء كان قرآنُاً يحمل أسمى الآداب وأعظم الشرائع وأهدى سبل السعادة والكمال ، أو كان غير ذلك من سائر أنواع الخيرات ، وذلك حسداً منهم للمؤمنين كما أخبرهم أنه تعالى يختص برحمته من يشاء من عباده فحسد الكافرين لكم لا يمنع فضل الله عليكم ورحمته بكم متى أرادكم بذلك .
هداية الآيتين :
من هداية الأيتين :
1- وجوب التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخاطبته بعدم استعمال أي لفظة قد تفهم غير الإِجلال والإِكبار له صلى الله عليه وسلم .
2- وجوب السماع لرسول الله بامتثال أمره واجتناب نهيه ، وعند مخاطبته لمن أكرمهم الله تعالى بمعايشته والوجود معه .
3- التحذير من الكافرين كتابيين أو مشركين لأنهم أعداء حسدة للمؤمنين فلا يحل الركون إليهم والإِطمئنان إلى أقوالهم وأفعالهم ، إذ الريبة لا تفاقهم .

(1/45)


مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)

شرح الكلمات :
{ ننسخ } : نبدّل أو نزيل .
{ من آية } : من آيات القرآن : جملة كلمات تحمل معنى صحيحاً كالتحريم أو التحليل ، أو الإِباحة .
{ ننسها } : نمحها من قلب النبي صلى الله عليه وسلم .
{ ألم تعلم } : الاستفهام للتقرير .
{ وليّ } : حافظ يحفظكم بتولي أموركم .
{ نصير } : ناصر يدفع عنكم المكروه .
{ أم تريدون } : بل أتريدون ، إذ أم هنا للإِضراب الانتقالي فهي بمعنى بل والهمزة ، وما سئله موسى هو قول بني إسرائيل له : { أرنا الله جهرة } { سواء السبيل } : وسط الطريق الآمن من الخروج عن الطريق .
معنى الآيات :
يخبر تعالى راداً على الطاعِنين فى تشريعه الحكيم الذين قالوا إن محمداً يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غداً أنه تعالى ما ينسخ من آية تحمل حكماً شاقاً علىلمسلمين إلى حكم أخف كنسخ الثبوت لعشرة في قتال الكافرين إلى الثبوت إلى إثنين . أو حكماً خفيفاً إلى شقا زيادة في الأجر كنسخ يوم عاشوراء بصايم رمضان ، أو حكماً خفيفاً إلى حكم خفيف مثله كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، أو حكماً إلى غير حكم آخر كنسخ صدقة من أراد أن يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الحكم رفع ولم يشرع حكم آخر بدالً عنه ، او نسخ الآية بإزالتها من التلاوة ويبقى حكمها كآية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله فقد نسخ اللفظ من التلاوة وبقي الحكم . أو بنسخ الآية وحكمها . وهذا معنى قوله أو ننسها وهي قراءة نافع ، فقد ثبت أن قرآناً نزل وقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه ثم نسخه الله تعالى لفظاً ومعنى فمحاه من القلوب بالمرة فلم يقدر على قراءته أحد . وهذا مظهر من مظاهر القدرة الإِلهية الدال عليه قوله : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } ، وهو أيضاً مظهر من مظاهر التصرف الحكيم الدال عليه قوله : { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض } فهو تعالى يتصرف فينسخ ويبقي ويأتي بخير مما نسخ أو بمثلهة بحسب حاجة الأمة ومتطلبات حياتها الروحية والمادية . فسبحان من إله قدير حكيم : ينسي ما يشاء وينسخ ما يريد .
أما قوله تعالى في آية ( 108 ) : { أم تريدون أن تسألوا رسولكم } ، فهو توبيخ لمن طالب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمور ليس في مكنته ، وإعلام بأن من يجري على أسلوب التعنت وسوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم قد يصاب بزيغ القلب فيكفر ، دلّ على هذا قوله تعالى : { ومن يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضل سواء السبيل } .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- ثبوت النسخ في القرآن الكريم ، كما هو ثابت في السنة ، وهما أصل التشريع ولا نسخ في قياس ولا إجماع .
2- رأفة الله تعالى بالمؤمنين في نسخ الأحكام وتبديلها بما هو نافع لهم في دنياهم وآخرتهم .
3- ووب التسليم لله والرض بأحكامه ، وعدم الاعتراض عليه تعالى .
4- ذم التنطع في الدين وطرح الأسئلة المحرجة والتحذير من ذلك .

(1/46)


وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)

شرح الكلمات :
{ ودّ } : أحبّ .
{ أهل الكتاب } : اليهود والنصارى .
{ حسداً } : الحسد تمني زوال النعمة على من هي به .
{ تبين لهم الحق } : عرفوا أن محمداً رسول الله وأنَّ دينه هو الدين الحق .
{ فاعفوا واصفحوا } : لا تؤاخذوهم ولا تلوموهم ، إذ العفو ترك العقاب والصفح الإِعراض عن المذنب .
{ حتى يأتي الله بأمره } : أي الإِذن بقتالهم والمراد بهم يهود المدينة وهم بو قينقاع وبنو النضير ، وبنو قريظة .
{ وأقيموا الصلاة } : أقامة الصلاة أداؤها في أوقاتها مستوفاة الشروط والأركان والسنن .
{ وآتوا الزكاة } : أعطوا زكاة أموالكم وافعلوا كل ما من شأنه يزكي أنفسكم من الطاعات .
معنى الآيتين :
في الآية الأولى ( 109 ) يخبر تعالى المؤمنين بنفسيّة كثير من أهل الكتاب وهي الرغبة الملحة ي أن يتخلى المسلمون عندينهم الحق ليصبحوا كافرين ومنشأ هذه الرغبة الحسد الناجم عن نفسية لا ترغب أن ترى المسلمين يعيشون في نور الإِيمان بدل ظلمات الكفر ، وعبد أن أعلم عباده المؤمنين بما يضمر لهم أعداؤهم ، أمرهم بالعفو والصفح لأن الوقت لم يحن بعد لقتالهم فإذا حان الوقت قاتلوهم وشفوا منهم صدورهم .
وفي الآية الثانية ( 110 ) أمر الله تعالى المؤمنين بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات تهذيباً لأخلاقهم وتزكية لنفوسهم وواعدهم بحسن العاقبة بقوله : { إن الله بما تعملون بصير } .
هداية الآيتين :
من هداية الآيتين :
1- اليهود والنصارى يعلمون أن الإِسلام حق وأن المسلمين على حق فحملهم ذلك على حسدهم ثم عداوتهم ، والعمل على تكفيرهم . . وهذه النفسية ما زالت طابع أهل الكتاب إزاء المسلمين إلى اليوم .
2- في الظرف الذي لم يكن مواتياً للجهاد على المسلمين أن يشتغلوا فيه بالإِعداد للجهاد ، وذلك بتهذيب الأخلاق والأرواح وتزكية النفوس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات إبقاء على طاقاتهم الروحية والبدنية إلى حين يؤذن لهم بالجهاد .
3- تقوية الشهور بمراقبة الله تعالى ليحسن العبد نيته وعمله .

(1/47)


وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)

شرح الكلمات :
{ الجنة } : داتر النعيم وتسمى دار السلام وهي فوق السماء السابعة .
{ هوداً } : صليبيين مسيحيين .
{ أمانيهم } : جملع أمنية ما يتمناه المرء بدون ما يعمل للفوز به ، فيكون غروراً .
{ البرهان } : الحجة الواضحة .
{ بلى } : حرف إجابة يأتي بعدع نفي مقرون باستفهام غالباً نحو قوله تعالى : { أليس الله بأحكم الحاكمين } بلى أي هو أحكم الحاكمين ، ولما أدعى اليهود والنصارى أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهودياً أو نصرانياً قال تعالى : بلى أي ليس الأمر كما تزعمون فلا يدخل الجنة يهودي ولا نصراني ولكن يدخلها من أسلم وجهه لله وهو محسن أي عبد آمن فصدق وعمل صالحاً فأحسن .
{ ليست على شيء } : أي من الدين الحق .
{ يتلون الكتاب } : أي التوراة والإِنجيل .
{ الذين من قبلهم } : هذا اللفظ صادق على مشركي العرب ، وعلى غيرهم من أمم جاهلة سبقت .
سبب نزول الآيتين ومعناهما :
لما جاء وفد نصارى نجران إلى المدينة التقى باليهود في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ولعدائهم السابق تَمَارَوْا فادعت اليهود أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهودياً ، وادعت النصارى أن الجنة لا يدخللها إلا من كان نصرانياً فرد الله تعالى عليه وأبطل دعواهم حيث طالبهم بالبرهان عليها فلم يقدروا وأثبت تعالى دخول الجنة لمن زكى نفسه بالإِيمان الصحيح والعمل الصالح فقال : { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن } يريد قلبه وجوارحه فآمن ووحد وعمل صالحاً فأحسن فهذا الذي يدخل الجنة وهي أجره على إيمانه وصالح أعماله ، فلا هو يخاف ولا يحزن .
هذا معنى الآيتين ألأولى ( 111 ) والثانية ( 112 ) وأما الآية الثالثة ( 113 ) فقد سجلت كفر كل من اليهود والنصارى ، بشهادتهم على بعضهم بعضاً فقد كفرّ اليهود النصارى بقولهم : إنهم ليسوا على شيء من الدين الحق الذي يعتد به ويؤبه له ، وكفرّ النصارى اليهود بقوله : ليست اليهود على شيء مع أنهم يقرأون التوراة والإِنجيل فلذا كان تكفيرهم لبعضهم البعض حقاً وصدقاً . ثم أخبر تعالى أن ما وقع فيه اليهود والنصارى وهم أهل كتاب من الكفر والضلال ققد وقع ليه أمم قبلهم دون علم منهم وذلك لجهلهم ، وأخبر تعالى أنه سيحكم بينهم يوم القيامة ويجزيهم بكفرهم وضلالهم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- إبطال تأثير النّسب في السعادة والشقاء ، وتقرير أن السعادة بدخول الجنة مردها إلى تزكية النفس بالإِيمان والعمل الصالح ، وإن الشقاوة بدخول النار مردها إلى الشرك ، وارتكاب الذنوب . فلا نسبه إلى يهودية أو نصرانية أو غيرهما تُغني عن صاحبها ، وإنما المغني بعد فضل الله ورحمته الإِيمان العلم الصالح بعد التخلي عن الشرك المعاصي .
2- كفر اليهود والنصارى وهو شر كفر لأنه كان على علم .
3- الإِسلام الصحيح القائم على أسسه الثلاثة الإِيمان والإِسلام والإِحسان هو سبيل النجاة من النار والفوز بالجنة .

(1/48)