صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : أضواء البيان
المؤلف : محمد الأمين الشنقيطي
الناشر :
عدد الأجزاء : 10

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6)

قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ، { اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ } أي أشركوا معه شركاء يعبدونهم من دونه ، كما أوضح تعالى ذلك في قوله : { والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } [ الزمر : 3 ] وقوله تعالى : { والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 257 ] وقوله تعالى : { إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الله وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } [ الأعراف : 30 ] وقوله تعالى : { إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } [ آل عمران : 175 ] أي يخوفكم أولياءه . وقوله تعالى : { فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان } [ النساء : 76 ] الآية .
وقد وبخهم تعالى على اتخاذهم الشيطان وذريته أولياء من دونه تعالى في قوله : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً } [ الكهف : 50 ] .
وقد أمر جل وعلا باتباع هذا القرآن العظيم ، ناهياً عن اتباع الأولياء المتخذين من دونه تعالى ، في أول سورة الأعراف في قوله تعالى { اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [ الأعراف : 3 ] .
وقد علمت من الآيات المذكورة أن أولياء الكفار الذين اتخذوهم وعبدوهم من دون الله نوعان :
الأول منهما : الشياطين ، ومعنى عبادتهم للشيطان طاعتهم له فيما يزين لهم ، من الكفر والمعاصي ، فشركهم به شرك طاعة ، والآيات الدالة على عبادتهم للشياطين بالمعنى المذكور كثيرة كقوله تعالى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } [ يس : 60 ] الآية . وقوله تعالى عن إبراهيم { ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان } [ مريم : 44 ] الآية . وقوله تعالى : { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً } [ النساء : 117 ] أي وما يعبدون إلا شيطاناً مريدا . وقوله تعالى { قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } [ سبأ : 41 ] وقوله تعالى : { إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل : 100 ] وقوله تعالى { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] إلى غير ذلك من الآيات .
والنوع الثاني : هو الأوثان ، كما بين ذلك تعالى بقوله : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى } [ الزمر : 3 ] الآية .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : { الله حَفِيظٌ عَلَيْهِم } .
أي رقيب عليهم حافظ عليهم كل ما يعملونه من الكفر والمعاصي ، وفي أوله اتخاذهم الأولياء ، يعبدونهم من دون الله .
وفي الآية تهديد عظيم لكل مشرك .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } .
أي لست يا محمد ، بموكل عليهم تهدي من شئت هدايته منهم ، بل إنما أنت نذير فحسب ، وقد بلغت ونصحت .
والوكيل عليهم هو الله الذي يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء كما قال تعالى : { إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ والله على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل } [ هود : 12 ] . وقال تعالى : { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } [ يونس : 99100 ] وقال تعالى : { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض أَوْ سُلَّماً فِي السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } [ الأنعام : 35 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة .
وبما ذكرنا تعلم أن التحقيق في قوله تعالى : { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } ، وما جرى مجراه من الآيات ليس منسوخاً بآية السيف والعلم عند الله تعالى .

(7/147)


وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)

قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً } .
وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى : { لِتَكُونَ مِنَ المنذرين بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [ الشعراء : 194195 ] ، وفي الزمر في الكلام على قوله تعالى : { قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } [ الزمر : 28 ] وفي غير ذلك من المواضع .
قوله تعالى : { لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا } .
خص الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة إنذاره ، صلى الله عليه وسلم بأم القرى ومن حولها ، والمراد بأم القرى مكة حرسها الله .
ولكنه أوضح في آيات أخر أن إنذاره عام لجميع الثقلين كقوله تعالى : { قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } [ الأعراف : 158 ] وقوله تعالى : { تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } [ الفرقان : 1 ] وقوله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ } [ سبأ : 28 ] الآية . كما أوضحنا ذلك مراراً في هذا الكتاب المبارك .
وقد ذكرنا الجواب عن تخصيص أم القرى ومن حولها هنا وفي سورة الأنعام في قوله تعالى : { وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ } [ الأنعام : 92 ] الآية ، في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، فقلنا فيه : والجواب من وجهين .
الأول : أن المراد بقوله : { وَمَنْ حَوْلَهَا } [ الأنعام : 92 ] شامل لجميع الأرض ، كما رواه ابن جرير وغيره ، عن ابن عباس .
الوجه الثاني : أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً ، أن قوله { وَمَنْ حَوْلَهَا } [ الأنعام : 92 ] لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة حرسها الله ، كجزيرة العرب مثلاً ، فإن الآيات الأخر ، نصت على العموم كقوله { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } [ الفرقان : 1 ] وذكر بعض أفراد العام بحكم العام ، لا يخصصه عند عامة العلماء ، ولم يخالف فيه إلا أبو ثور .
وقد قدمنا ذلك واضحاً بأدلته في سورة المائدة ، فالآية على هذا القول كقوله { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين } [ الشعراء : 214 ] فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم ، كما هو واضح . والعلم عند الله تعالى اه منه .
قوله تعالى : { وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع لاَ رَيْبَ فِيه } .
تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين :
أحدهما : أن من حكم إيحائه تعالى ، إلى نبينا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العربي ، إنذار يوم الجمع ، فقوله تعالى : { وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع } معطوف على قوله : { لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى } أي لا بد أن تنذر أم القرى وأن تنذر يوم الجمع فحذف في الأول ، أحد المفعولين وحذف في الثاني أحدهما ، فكان ما أثبت في كل منهما ، دليلاً على ما حذف في الثاني ، ففي الأول حذف المفعول الثاني ، والتقدير « لتنذر أم القرى » أي أهل مكة ومن حولها ، عذاباً شديداً إن لم يؤمنوا ، وفي الثاني حذف المفعول الأول ، أي وتنذر الناس يوم الجمع وهو يوم القيامة أي تخوفهم مما فيه من الأهوال ، والأوجال ليستعدوا لذلك في دار الدنيا .
والثاني : أن يوم الجمع المذكور لا ريب فيه ، أي لا شك في وقوعه ، وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة ، جاءا موضحين في آيات أخر .

(7/148)


أما تخويفه الناس يوم القيامة ، فقد ذكر في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى : { واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } [ البقرة : 281 ] الآية . وقوله تعالى : { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة } [ غافر : 18 ] الآية . وقوله تعالى : { فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } [ المزمل : 1718 ] : وقوله تعالى : { أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين } [ المطففين : 46 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة .
وأما الثاني منهما : وهو كون يوم القيامة لا ريب فيه فقد جاء في مواضع أخركقوله تعالى : { الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ النساء : 87 ] وقوله { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } [ آل عمران : 25 ] وقوله تعالى : { وَأَنَّ الساعة آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا } [ الحج : 7 ] الآية . وقوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا الساعة } [ الجاثية : 32 ] الاية . إلى غير ذلك من الآيات .
وإنما سمي يوم القيامة يوم الجمع ، لأن الله يجمع فيه جميع الخلائق . والآيات الموضحة لهذا المعنى ، كثيرة كقوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } [ الواقعة : 4950 ] وقوله تعالى : { يَوْمُ الفصل جَمَعْنَاكُمْ والأولين } [ المرسلات : 38 ] . وقوله تعالى : { الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } [ النساء : 87 ] الآية . وقوله تعالى : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع ذَلِكَ يَوْمُ التغابن } [ التغابن : 9 ] وقوله تعالى : { ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } [ هود : 103 ] وقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [ آل عمران : 25 ] وقوله تعالى : { وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } [ الكهف : 47 ] .
وقد بين تعالى شمول ذلك الجمع لجميع الدواب والطير في قوله تعالى : { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [ الأنعام : 38 ] ، والآيات الدالة على الجمع المذكورة كثيرة .
قوله تعالى : { فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير } .
ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله خلق الخلق ، وجعل منهم فريقاً سعداء ، وهم أهل الجنة ، وفريقاً أشقياء وهم أصحاب السعير ، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى : { هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } [ التغابن : 2 ] وقوله تعالى : { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ } [ هود : 118119 ] أي ولذلك الاختلاف ، إلى المؤمن وكافر وشقي وسعيد ، خلقهم على الصحيح ، ونصوص الوحي الدالة على ذلك كثيرة جداً .
وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، وجه الجمع بين قوله : { ولذلك خَلَقَهُمْ } على التفسير المذكور ، وبين قوله { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ، وسنذكر ذلك إن شاء الله في سورة الذاريات .
وقد قدمنا معنى السعير بشواهده العربية في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى : { وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير } [ الحج : 4 ] ، والجنة في لغة العرب البستان .
ومنه قوله زهير بن أبي سلمى :
كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقي جنة سحقا
فقوله : جنة سحقا ، يعني بستاناً طويل النخل ، وفي اصطلاح الشرع هي دار الكرامة التي أعد الله لأوليائه يوم القيامة .
والفريق : الطائفة من الناس ، ويجوز تعدده إلى أكثر من اثنين ، ومنه قول نصيب :
فقال فريق القوم لا ، وفريقهم ... نعم وفريق قال ويحك ما ندري
والمسوغ للابتداء بالنكرة في قوله : فريق في الجنة ، أنه في معرض التفصيل .
ونظيره من كلام العرب قول امرئ القيس :
فلما دنوت تسديتها ... فثوب نسيت وثوب أجر

(7/149)


وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)

قوله تعالى : { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله } .
ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن ما اختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده ، لا إلى غيره ، جاء موضحاً في آيات كثيرة .
فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته قال في حكمه { ُوَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [ الكهف : 26 ] ، وفي قراءة ابن عامر من السبعة { ولا تشرك في حكمه أحداً } بصيغة النهي .
وقال في الإشراك به في عبادته : { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا } [ الكهف : 110 ] ، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله .
وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله ، والحرام هو ما حرمه الله ، والدين هو ما شرعه الله ، فكل تشريع من غيره باطل ، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه ، كفر بواح لا نزاع فيه .
وقد دل القرآن في آيات كثيرة ، على أنه لا حكم لغير الله ، وأن اتباع تشريع غيره كفر به ، فمن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ } [ يوسف : 40 ] ، وقوله تعالى : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } [ يوسف : 67 ] الآية . وقوله تعالى : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الحق وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } [ الأنعام : 57 ] وقوله : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون } [ المائدة : 44 ] ، وقوله تعالى : { وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [ الكهف : 26 ] ، وقوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى { لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 70 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة .
وقد قدمنا إيضاحها في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى : { وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [ الكهف : 26 ] .
وأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور كفر فهي كثيرة جداً ، كقوله تعالى : { إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل : 100 ] ، وقوله تعالى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] ، وقوله تعالى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } [ يس : 60 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً ، كما تقدم إيضاحه في الكهف .
مسألة
اعلم أن الله جل وعلا بين في آياته كثيرة ، صفات من يستحق أن يكون الحكم له ، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة ، التي سنوضحها الآن إن شاء الله ، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية ، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع .
سبحان الله وتعالى عن ذلك .
فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون ، فليتبع تشريعهم .
وإن ظهر يقيناً أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك ، فليقف بهم عند حدهم ، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية .
سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته ، أو حكمه أو ملكه .

(7/150)


فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا : { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله } ، ثم قال مبيناً صفات من له الحكم { وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ذَلِكُمُ الله رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الشورى : 10 - 12 ] .
فهل فى الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية ، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور ، ويتوكل عليه ، وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما ، على غير مثال سابق ، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجاً ، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين } [ الأنعام : 143 ] الآية ، وأنه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير } وأنه { لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض } ، وأنه هو الذي { يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر } أي يضيقه على من يشاء وهو { بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم ، ولا تقبلوا تشريعاً من كافر خسيس حقير جاهل .
ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [ النساء : 59 ] فقوله فيها : { فَرُدُّوهُ إِلَى الله } كقوله في هذه { فَحُكْمُهُ إِلَى الله } .
وقد عجب نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قوله : { فَرُدُّوهُ إِلَى الله } من الذين يدعون الإيمان مع أنهم يريدون المحاكمة ، إلى من لم يتصف بصفات من له الحكم ، المعبر عنه في الآيات بالطاغوت ، وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت ، وذلك في قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } [ النساء : 60 ] .
فالكفر بالطاغوت ، الذي صرح الله بأنه أمرهم به في هذه الآية ، شرط في الإيمان كما بينه تعالى في قوله : { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } [ البقرة : 256 ] .
فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى ، ومن لم يستمسك بها فهو مترد مع الهالكين .
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : { لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [ الكهف : 26 ] .
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟
وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟
سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً؟
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى :

(7/151)


{ وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ لاَ إله إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 88 ] .
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد؟ وأن كل شيء هالك إلا وجهه؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟
تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته .
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فالحكم للَّهِ العلي الكبير } [ غافر : 12 ]
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين النظم الشيطانية ، من يستحق أن يوصف في أعظم كتاب سماوي ، بأنه العلي الكبير؟
سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك .
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : { وَهُوَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ القصص : 70 ] { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُون وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ القصص : 70 - 73 ] .
فهل في مشرعي القوانين الوضعية ، من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الأولى والآخرة ، وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبيناً بذلك كمال قدرته ، وعظمة إنعامه على خلقه .
سبحان خالق السماوات والأرض ، جل وعلا أن يكون له شريك في حكمه أو عبادته ، أو ملكه .
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلك الدين القيم ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ يوسف : 40 ] .
فهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإله المعبود وحده ، وأن عبادته وحده هي الدين القيم؟
سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
ومنها قوله تعالى : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } [ يوسف : 67 ] .
فهل فيهم من يستحق أن يتوكل عليه ، وتفوض الأمور إليه؟
ومنها قوله تعالى : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ المائدة : 49 - 50 ] .
فهل في أولئك المشرعين من يستحق أن يوصف بأن حكمه بما أنزل الله وأنه مخالف لاتباع الهوى؟ وأن من تولى عنه أصابه الله ببعض ذنوبه؟ لأن الذنوب لا يؤاخذ بجميعها إلا في الآخرة؟ وأنه لا حكم أحسن من حكمه لقوم يوقنون؟
سبحان ربنا وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله .

(7/152)


ومنها قوله تعالى : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الحق وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } [ الأنعام : 57 ] .
فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق ، وأنه خير الفاصلين؟
ومنها قوله تعالى : { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بالحق فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً } [ الأنعام : 114 - 115 ] الآية .
فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي أنزل هذا الكتاب مفصلاً ، الذي يشهد أهل الكتاب أنه منزل من ربك بالحق ، وبأنه تمت كلماته صدقاً وعدلاً أي صدقاً في الأخبار ، وعدلاً في الأحكام ، وأنه لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم؟
سبحان ربنا ما أعظمه وما أجل شأنه .
ومنها قوله تعالى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ } [ يونس : 59 ] .
فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق ، وأنه لا يمكن أن يكون تحليل ولا تحريم إلا بإذنه؟ لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم؟
سبحانه جل وعلا أن يكون له شريك في التحليل والتحريم .
ومنها قوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون } [ المائدة : 44 ] .
فهل فيهم من يستحق الوصف بذلك؟
سبحان ربنا وتعالى عن ذلك .
ومنها قوله تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ على الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النحل : 116 - 117 ] .
فقد أوضحت الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب ، لأجل أن يفتروه على الله ، وأنهم لا يفلحون وأنهم يمتعون قليلاً ثم يعذبون العذاب الأليم ، وذلك واضح في بعد صفاتهم من صفات من له أن يحلل ويحرم .
ومنها قوله تعالى : { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } [ الأنعام : 150 ] الآية .
فقوله : { هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ } صيغة تعجيز ، فهم عاجزون عن بيان مستند التحريم . وذلك واضح في أن غير الله لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم . ولما كان التشريع وجميع الأحكام ، شرعية كانت أو كونية قدرية ، من خصائص الربوبية . كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا ، وأشركه مع الله .
والآيات الدالة على هذا كثيرة ، وقد قدمناها مراراً وسنعيد ما فيه كفاية ، فمن ذلك وهو من أوضحه وأصرحه ، أنه في زمن النبى صلى الله عليه وسلم وقعت مناظرة بين حزب الرحمن ، وحزب الشيطان ، في حكم من أحكام التحريم والتحليل وحزب الرحمن يتبعون تشريع الرحمن ، في وحيه في تحريمه ، وحزب الشيطان يتبعون وحي الشيطان في تحليله .

(7/153)


وقد حكم الله بينهما وأفتى فيما تنازعوا فيه فتوى سماوية قرآنية تتلى في سورة الأنعام .
وذلك أن الشيطان لما أوحى إلى أوليائه فقال لهم في وحيه : سلوا محمداً عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابوهم أن الله هو الذي قتلها .
فقالوا : الميتة إذاً ذبيحة الله ، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام؟ مع أنكم تقولون إنما ذبحتموه بأيديكم حلال ، فأنتم إذا أحسن من الله وأحل ذبيحة .
فأنزل الله بإجماع من يعتد به من أهل العلم قوله تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } [ الأنعام : 121 ] يعني الميتة أي وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } [ الأنعام : 121 ] والضمير عائد إلى الأكل المفهوم من قوله : { وَلاَ تَأْكُلُواْ } وقوله : { لَفِسْقٌ } أي خروج عن طاعة الله ، واتباع لتشريع الشيطان : { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } [ الأنعام : 121 ] . أي بقولهم : ما ذبحتموه حلال وما ذبحه الله حرام ، فأنتم إذاً أحسن من الله ، وأحل تذكية ، ثم بين الفتوى السماوية من رب العالمين ، في الحكم بين الفريقين في قوله تعالى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] فهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله .
وهذه الآية الكريمة مثل بها بعض علماء العربية لحذف اللام الموطئة للقسم ، والدليل على اللام الموطئة المحذوفة عدم اقتران جملة إنكم لمشركون بالفاء ، لأنه لو كان شرطاً لم يسبقه قسم لقيل : فإنكم لمشركون على حد قوله في الخلاصة :
واقرن بفا حتما جواباً لو جعل ... شرطاً لإن أو غيرها لم ينجعل
وهو مذهب سيبويه ، وهو الصحيح ، وحذف الفاء في مثل ذلك من ضرورة الشعر .
وما زعمه بعضهم من أنه يجوز مطلقاً ، وأن ذلك دلت عليه آيتان من كتاب الله .
إحداهما قوله تعالى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 121 ] .
والثانية قوله تعالى : { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى : 30 ] بحذف الفاء في قراءة نافع وابن عامر من السبعة خلاف التحقيق .
بل المسوغ لحذف الفاء في آية : { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } تقدير القسم المحذوف قبل الشرط المدلول عليه بحذف الفاء على حد قوله في الخلاصة :
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أحرت فهو ملتزم
وعليه : فجملة إنكم لمشركون جواب القسم المقدر ، وجواب الشرط محذوف فلا دليل في الآية لحذف الفاء المذكور .
والمسوغ له في آية { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى : 30 ] أن ما في قراءة نافع وابن عامر موصولة كما جزم به غير واحد من المحققين ، أي والذي أصابكم من مصيبة كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم .
وأما على قراءة الجمهور : فما موصولة أيضاً ، ودخول الفاء في خبر الموصول جائز كما أن عدمه جائز فكلتا القراءتين جارية على أمر جائز .

(7/154)


ومثال دخول الفاء في خبر الموصول قوله تعالى : { الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة : 274 ] وهو كثير في القرآن وقال بعضهم : إن ما في قراءة الجمهور شرطية ، وعليه فاقتران الجزاء بالفاء واجب أما على قراءة نافع وابن عامر ، فهي موصولة ليس إلا كما هو التحقيق إن شاء الله .
وكون ما شرطية على قراءة وموصولة على قراءة لا إشكال فيه . لما قدمنا من أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين .
ومن الآيات الدالة على نحو ما دلت عليه آية الأنعام المذكورة قوله تعالى : { إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل : 100 ] ، فصرح بتوليهم للشيطان أي باتباع ما يزين لهم من الكفر والمعاصي مخالفاً لما جاءت به الرسل ، ثم صرح بأن ذلك إشراك به في قوله تعالى : { والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل : 100 ] وصرح أن الطاعة في ذلك الذي يشرعه الشيطان لهم ويزينه عبادة للشيطان .
ومعلوم أن من عبد الشيطان فقد أشرك بالرحمن قال تعالى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً } [ يس : 60 - 62 ] ، ويدخل فيهم متبعوا نظام الشيطان دخولاً أولياً { أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } [ يس : 62 ] .
ثم بين المصير الأخير لمن كان يعبد الشيطان في دار الدنيا ، في قوله تعالى : { هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [ يس : 63 - 65 ] وقال تعالى : عن نبيه إبراهيم { ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً } [ مريم : 44 ] فقوله : لا تعبد الشيطان : أي باتباع ما يشرعه من الكفر والمعاصي ، مخالفاً لما شرعه الله .
وقال تعالى : { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً } [ النساء : 117 ] فقوله : { وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً } يعني ما يعبدون إلا شيطاناً مريداً .
وقوله تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } [ سبأ : 40 - 41 ] .
فقوله تعالى : { بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم ، من الكفر والمعاصي على أصح التفسيرين .
والشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به كما صرح بذلك وتبرأ منهم في الآخرة ، كما نص الله عليه في سورة إبراهيم في قوله تعالى : { وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } [ إبراهيم : 22 ] إلى قوله { إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } [ إبراهيم : 22 ] فقد اعترف بأنهم كانوا مشركين به من قبل أي في دار الدنيا ، ولم يكفر بشركهم ذلك إلا يوم القيامة .
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي بينا في الحديث لما سأله عدي بن حاتم رضي الله عنه عن قوله :

(7/155)


{ اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً } [ التوبة : 31 ] كيف اتخذوهم أرباباً؟ وأجابه صلى الله عليه وسلم « أنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم ، وبذلك الاتباع اتخذوهم أرباباً » .
ومن أصرح الأدلة في هذا أن الكفار إذا أحلوا شيئاً ، يعلمون أن الله حرمه وحرموا شيئاً يعلمون أن الله أحله ، فإنهم يزدادون كفراً جديداً بذلك ، مع كفرهم الأول ، وذلك في قوله تعالى : { إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر } [ التوبة : 37 ] إلى قوله : { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } [ البقرة : 264 ] .
وعلى كل حال فلا شك أن كل من أطاع غير الله ، في تشريع مخالف لما شرعه الله ، فقد أشرك به مع الله كما يدل لذلك قوله : { وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ } [ الأنعام : 137 ] فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد .
وقوله تعالى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله } [ الشورى : 21 ] فقد سمى تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء ، ومما يزيد ذلك إيضاحاً ، أن ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة ، من أنه يقول للذين كانوا يشركون به في دار الدنيا ، إني كفرت بما أشركتمون من قبل ، أن ذلك الإشراك المذكور ليس فيه شيء زائد على أنه دعاهم إلى طاعته فاستجابوا له كما صرح بذلك في قوله تعالى عنه : { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي } [ إبراهيم : 22 ] الآية ، وهو واضح كما ترى .

(7/156)


فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)

قوله تعالى : { فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } .
قوله تعالى : { فَاطِرُ السماوات والأرض } تقدم تفسيره في أول سورة فاطر .
وقوله : { جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً } .
أي خلق لكم أزواجاً من أنفسكم كما قدمنا الكلام عليه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : { والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً } [ النحل : 72 ] وبينا أن المراد بالأزواج الإناث كما يوضحه قوله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَة } [ الروم : 21 ] الآية . وقوله تعالى : { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى } [ النجم : 45 - 46 ] وقوله : { فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى } [ القيامة : 39 ] وقوله تعالى : { والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى } [ الليل : 1 - 3 ] الآية . وقوله في آدم : { ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ النساء : 1 ] الآية . وقوله تعالى فيه أيضاً : { هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ الأعراف : 189 ] الآية . وقوله تعالى فيه أيضاً : { خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ الزمر : 6 ] الآية .
وقوله تعالى : { وَمِنَ الأنعام أَزْواجا } هي الثمانية المذكورة في قوله تعالى : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين } [ الأنعام : 143 ] الآية . وفي قوله : { خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [ الزمر : 6 ] وهي ذكور الضأن والمعز والإبل والبقر وإناثها ، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى : { والأنعام والحرث } [ آل عمران : 14 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } الظاهر أن ضمير الخطاب في قوله { يذرؤكم } شامل للآدميين والأنعام ، وتغليب الآدميين على الأنعام في ضمير المخاطبين في قوله : يذرؤكم واضح لا إشكال فيه .
والتحقيق إن شاء الله أن الضمير في قوله : « فيه » راجع إلى ما ذكر من الذكور والإناث ، من بني آدم والأنعام في قوله تعالى : { جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجا } [ الشورى : 11 ] سواء قلنا إن المعنى : أنه جعل للآدميين إناثاً من أنفسهم أي من جنسهم ، وجعل للأنعام أيضاً إناثاً كذلك ، أو قلنا إن المراد بالأزواج الذكور والإناث منهما معاً .
وإذا كان ذلك كذلك ، فمعنى الآية الكريمة يذرؤكم أي يخلقكم ويبثكم وينشركم فيه ، أي فيما ذكر من الذكور والإناث ، أي في ضمنه ، عن طريق التناسل كما هو معروف .
ويوضح ذلك في قوله تعالى : { اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } [ النساء : 1 ] فقوله تعالى : { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } يوضح معنى قوله : { يَذْرَؤُكُمْ فِيه } .
فإن قيل : ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله يذرؤكم فيه ، مع أنه على ما ذكرتم ، عائد إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام؟
فالجواب : أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، رجوع الضمير أو الإشارة بصيغة الإفراد إلى مثنى أو مجموع باعتبار ما ذكر مثلاً .

(7/157)


ومثاله في الضمير : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ } [ الأنعام : 46 ] الآية ، فالضمير في قوله : به مفرد مع أنه راجع إلى السمع والأبصار والقلوب .
فقوله : { يأتيكم به } أي بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم ، ومن هذا المعنى قول رؤبة بن العجاج :
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأن في الجلد توليع البهق
فقوله : كأنه أي ما ذكر من خطوط من سواد وبلق .
ومثاله في الإشارة { لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } [ البقرة : 68 ] أي بين ذلك المذكور ، من فارض وبكر ، وقول عبد الله بن الزبعري السهمي :
إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل
أي كلا ذلك المذكور من الخير والشر .
وقول من قال ، إن الضمير في قوله فيه راجع إلى الرحم ، وقول من قال راجع إلى البطن ، ومن قال راجع إلى الجعل المفهوم من جعل وقول من قال : راجع إلى التدبير ، ونحو ذلك من الأقوال خلاف الصواب .
والتحقيق إن شاء الله هو ما ذكرنا والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير } .
وقد قدمنا الكلام عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى : { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } [ الأعراف : 54 ] .

(7/158)


لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)

قوله تعالى : { لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر } .
مقاليد السموات والأرض هي مفاتيحهما .
وهو جمع لا واحد له من لفظه ، فمفردها إقليد ، وجمعها مقاليد على غير قياس .
والإقليد المفتاح . وقيل : واحدها مقليد ، وهو قول غير معروف في اللغة .
وكونه جل وعلا { لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض } أي مفاتيحهما كناية عن كونه جل وعلا هو وحده المالك لخزائن السماوات والأرض لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها .
وقد ذكر جل وعلا مثل هذا في سورة الزمر في قوله تعالى : {
1649;للَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض } [ الزمر : 62 - 63 ] الآية .
وما دلت عليه آية الشورى هذه وآية الزمر المذكورتان من أنه جل وعلا هو مالك خزائن السماوات والأرض ، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى : { وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السماوات والأرض ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ } [ المنافقون : 7 ] وقوله تعالى : { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر : 21 ] .
وبين في مواضع أخر أن خزائن رحمته لا يمكن أن تكون لغيره ، كقوله تعالى : { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العزيز الوهاب } [ ص : 9 ] وقوله تعالى { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المسيطرون } [ الطور : 37 ] وقوله تعالى { قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق وَكَانَ الإنسان قَتُورا } [ الإسراء : 100 ] .
وقوله في هذه الآية الكريمة { يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر } جاء معناه موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } [ سبأ : 39 ] الآية . وقوله تعالى { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ سبأ : 36 ] وقوله تعالى { الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا } [ الرعد : 26 ] الآية . وقوله تعالى : { والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق } [ النحل : 71 ] الآية . وقوله تعالى : { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا } [ الزخرف : 32 ] الآية . وقوله تعالى { يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا } [ النساء : 135 ] الآية . وقوله تعالى { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله } [ الطلاق : 7 ] الآية . وقوله تعالى : { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُه } أي ضيق عليه رزقه لقلته . وكذلك قوله { يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِر } في الآيات المذكورة .
أي يبسط الرزق لمن يشاء بسطه له ويقدر ، أي يضيق الرزق على من يشاء تضييقه عليه كما أوضحناه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى { فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْه } [ الأنبياء : 87 ] .
وقد بين جل وعلا في بعض الآيات حكمة تضييقه للرزق على من ضيقه عليه .
وذكر أن من حكم ذلك أن بسط الرزق للإنسان ، قد يحمله على البغي والطغيان كقوله تعالى { وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ } [ الشورى : 27 ] ، وقوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى } [ العلق : 6 - 7 ] .

(7/159)


شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)

قوله تعالى : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين } .
قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [ الأحزاب : 7 ] الآية .
قوله تعالى : { وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ }
الضمير في قوله : راجع إلى الدين في قوله : أن أقيموا الدين .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الافتراق في الدين ، جاء مبيناً في غير هذا الموضع ، وقد بين تعالى أنه وصى خلقه بذلك ، فمن الآيات الدالة على ذلك ، قوله تعالى { واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } [ آل عمران : 103 ] الآية . وقوله تعالى : { وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ الأنعام : 153 ] وقد بين تعالى في بعض المواضع أن بعض الناس لا يجتنبون هذا النهي ، وعددهم على ذلك كقوله تعالى : { إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [ الأنعام : 159 ] لأن قوله { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء } إلى قوله { يَفْعَلُونَ } فيه تهديد عظيم لهم .
وقوله تعالى في سورة { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } [ المؤمنون : 1 ] { وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ } [ المؤمنون : 52 - 54 ] .
فقوله { وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي إن هذه شريعتكم شريعة واحدة ودينكم دين واحد ، وربكم واحد فلا تتفرقوا في الدين .
وقوله جل وعلا : { فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً } دليل على أنهم لم يجتنبوا ما نهوا عنه من ذلك .
وقوله تعالى : { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ } فيه تهديد لهم ووعيد عظيم على ذلك . ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء : { إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ } [ الأنبياء : 92 - 93 ] فقوله تعالى : { كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُون } فيه ايضاً تهديد لهم ووعيد على ذلك وقد أوضحنا تفسير هذه الآيات في آخر سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى { إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } [ الإنبياء : 92 ] الآية .
وقد جاء في الحديث المشهور « افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافتراق النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة ، وافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة ، وأن الناجية منها واحدة ، وهي التي كانت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه » .
قوله تعالى : { كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } .
بين جل وعلا أنه كبر على المشركين أي شق عليهم وعظم ما يدعوهم إليه صلى الله عليه وسلم من عبادة الله تعالى وحده ، وطاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه ، ولعظم ذلك ومشقته عليهم ، كانوا يكرهون ما أنزل الله ويجتهدون في عدم سماعه لشدة كراهتهم له ، بل يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم آيات ربهم لشدة بغضهم وكراهتهم لها .

(7/160)


والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة في كتاب الله ، وفيها بيان أن ذلك هو عادة الكافرين مع جميع الرسل من عهد نوح إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم .
فقد بين تعالى مشقة ذلك على قوم نوح وكبره عليهم في مواضع من كتابه كقوله تعالى : { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } [ يونس : 71 ] الآية . وقوله تعالى عن نوح { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ واستغشوا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ واستكبروا استكبارا } [ نوح : 7 ] .
فقوله تعالى { جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ واستغشوا ثِيَابَهُمْ } يدل دلالة واضحة على شدة بغضهم وكراهتهم لما يدعوهم إليه نوح ، فهو واضح في أنهم كبر عليهم ما يدعوهم إليه من توحيد الله والإيمان به .
وقد بين الله تعالى مثل ذلك في الكفار الذين كذبوا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم في آيات من كتابه كقوله تعالى { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر يَكَادُونَ يَسْطُونَ بالذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا } [ الحج : 72 ] فقوله تعالى : { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر } الآية . يدل دلالة واضحة ، على شدة بغضهم وكراهيتهم لسماع تلك الآيات .
وكقوله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ } [ فصلت : 26 ] الآية . وقوله تعالى في الزخرف . { لَقَدْ جِئْنَاكُم بالحق ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } [ الزخرف : 78 ] ، وقوله تعالى في قد أفلح المؤمنون { أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } [ المؤمنون : 70 ] وقوله تعالى في القتال { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } [ محمد صلى الله عليه وسلم : 9 ] ، وقوله تعالى : { تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الجاثية : 6 - 8 ] وقوله تعالى : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ لقمان : 7 ] ، وقوله تعالى : { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } [ فصلت : 5 ] الآية . والآيات بمثل ذلك كثيرة .
واعلم أن هؤلاء الذين يكرهون ما أنزل الله ، يجب على كل مسلم أن يحذر كل الحذر من أن يطيعهم في بعض أمرهم ، لأن ذلك يستلزم نتائج سيئة متناهية في السوء ، كما أوضح تعالى ذلك في قوله : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ وأملى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتبعوا مَآ أَسْخَطَ الله وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ }

(7/161)


[ محمد صلى الله عليه وسلم : 24 - 28 ] فعلى كل مسلم أن يحذر ثم يحذر ثم يحذر كل الحذر ، من أن يقول للذين كفروا ، الذين يكرهون ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ، لأن ذلك يسبب له ما ذكره الله في الآيات المذكورة ، ويكفيه زجراً وردعاً عن ذلك قول ربه تعالى { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُم } [ محمد صلى الله عليه وسلم : 27 ] إلى قوله { فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم } [ محمد صلى الله عليه وسلم : 28 ] .
قوله تعالى : { الله يجتبي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } .
الاجتباء في اللغة العربية معناه الاختيار والاصطفاء .
وقد دلت هذه الآية الكريمة على أنه تعالى يجتبى من خلقه من يشاء اجتباءه .
وقد بين في مواضع أخر بعض من شاء اجتباءه من خلقه ، فبين أن منهم المؤمنين من هذه الأمة في قوله تعالى : { ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وافعلوا الخير } [ الحج : 77 ] إلى قوله : { هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] . وقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا } [ فاطر : 32 ] الآية .
وبين في موضع آخر أن منهم آدم وهو قوله تعالى : { ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى } [ طه : 122 ] . وذكر أن منهم إبراهيم في قوله : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً } [ النحل : 120 ] إلى قوله { شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجتباه } [ النحل : 121 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اجتباء بعض الخلق بالتعيين .
وقوله تعالى : { ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } أي من سبق في علمه أنه ينيب إلى الله أي يرجع إلى ما يرضيه ، من الإيمان والطاعة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الرعد { إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } [ الرعد : 27 ] .

(7/162)


فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)

قوله تعالى : { وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ }
تقدمت الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى { وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُم } [ البقرة : 136 ] .

(7/163)


اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)

قوله تعالى : { الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان } .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي أنزل الكتاب في حال كونه متلبساً بالحق الذي هو ضد الباطل ، وقوله : { الكتاب } اسم جنس مراد به جميع الكتب السماوية .
وقد أوضحنا في سورة الحج أن المفرد الذي هو اسم الجنس يطلق مراداً به الجمع ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك مع الشواهد العربية .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { والميزان } يعني أن الله جل وعلا هو الذي أنزل الميزان ، والمراد به العدل والإنصاف .
وقال بعض أهل العلم : الميزان في الآية : هو آلة الوزن المعروفة .
ومما يؤيد ذلك أن الميزان مفعال ، والمفعال قياسي في اسم الآلة .
وعلى التفسير الأول وهو أن الميزان العدل والإنصاف ، فالميزان الذي هو آلة الوزن المعروفة داخل فيه ، لأن إقامة الوزن بالقسط من العدل والإنصاف .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب والميزان أوضحه في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الحديد { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط } [ الحديد : 25 ] .
فصرح تعالى بأنه أنزل مع رسله الكتاب والميزان لأجل أن يقوم الناس بالقسط ، وهو العدل والإنصاف . وكقوله تعالى في سورة الرحمن { والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان } [ الرحمن : 7 - 9 ] .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر لي والله تعالى أعلم : أن الميزان في سورة الشورى وسورة الحديد هو العدل والإنصاف ، كما قاله غير واحد من المفسرين .
وأن الميزان في سورة الرحمن هو الميزان المعروف أعني آلة الوزن التي يوزن بها بعض المبيعات .
ومما يدل على ذلك أنه في سورة الشورى وسورة الحديد عبر بإنزال الميزان لا بوضعه ، وقال في سورة الشورى { الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان } [ الشورى : 17 ] وقال في الحديد : { وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان } [ الحديد : 25 ] .
وأما في سورة الرحمن فقد عبر بالوضع لا الإنزال ، قال { والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان } [ الرحمن : 7 ] ثم أتبع ذلك بما يدل على أن المراد به آلة الوزن المعروفة ، وذلك في قوله : { وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان } [ الرحمن : 9 ] لأن الميزان الذي نهوا عن إخساره هو أخو المكيال ، كما قال تعالى { أَوْفُواْ الكيل وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ } [ الشعراء : 181 - 183 ] . وقال تعالى { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } [ المطففين : 1 - 3 ] . وقال تعالى عن نبيه شعيب : { وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } [ هود : 84 ] الآية . وقال تعالى عنه أيضاً { قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان } [ الأعراف : 85 ] الآية . وقال تعالى في سورة الأنعام :

(7/164)


{ وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [ الأنعام : 152 ] وقال تعالى في سورة بني إسرائيل { وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [ الإسراء : 35 ] .
فإن قيل : قد اخترتم أن المراد بالميزان في سورة الشورى وسورة الحديد ، هو العدل والإنصاف ، وأن المراد بالميزان في سورة الرحمن هو آلة الوزن المعروفة ، وذكرتم نظائر ذلك من الآيات القرآنية ، وعلى هذا الذي اخترتم يشكل الفرق بين الكتاب والميزان ، لأن الكتب السماوية كلها عدل وإنصاف .
فالجواب من وجهين :
الأول منهما هو ما قدمنا مراراً من أن الشيء الواحد إذا عبر عنه بصفتين مختلفتين جاز عطفه على نفسه تنزيلاً للتغاير بين الصفات منزلة التغاير في الذوات ، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى { سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى والذي أَخْرَجَ المرعى } [ الأعلى : 1 - 4 ] فالموصوف واحد والصفات مختلفة ، وقد ساغ العطف لتغاير الصفات . ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر :
إلى الملك القرم وابن الهما ... م وليث الكتيبة في المزدحم
وأما الوجه الثاني :
فهو ما أشار إليه العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين ، من المغايرة في الجملة بين الكتاب والميزان .
وإيضاح ذلك : أن المراد بالكتاب هو العدل والإنصاف المصرح به في الكتب السماوية .
وأما الميزان : فيصدق بالعدل والإنصاف الذي لم يصرح به في الكتب السماوية ، ولكنه معلوم مما صرح به فيها .
فالتأفيف في قوله تعالى { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ } [ الإسراء : 23 ] ، من الكتاب لأنه مصرح به في الكتاب ، ومنع ضرب الوالدين مثلاً المدلول عليه بالنهي على التأفيف من الميزان ، أي من العدل والإنصاف الذي أنزله الله مع رسله .
وقبول شهادة العدلين في الرجعة والطلاق المنصوص في قوله تعالى : { وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ } [ الطلاق : 2 ] من الكتاب الذي أنزله الله ، لأنه مصرح به فيه .
وقبول شهادة أربعة عدول في ذلك من الميزان الذي أنزله الله مع رسله .
وتحريم أكل مال اليتيم المذكور في قوله { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] الآية من الكتاب .
وتحريم إغراق مال اليتيم وإحراقه ، المعروف من ذلك من الميزان ، الذي أنزله الله مع رسله .
وجلد القاذف الذكر للمحصنة الأنثى ثمانين جلدة ورد شهادته ، والحكم بفسقه المنصوص في قوله تعالى { والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً } [ النور : 4 ] إلى قوله { إِلاَّ الذين تَابُوا } [ النور : 5 ] الآية من الكتاب الذي أنزله الله .
وعقوبة القاذف الذكر لذكر مثله ، والأنثى القاذفة للذكر أو لأنثى بمثل تلك العقوبة المنصوصة في القرآن من الميزان المذكور .
وحلية المرأة التي كانت مبتوتة ، بسبب نكاح زوج ثان وطلاقه لها بعد الدخول المنصوص في قوله تعالى { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ } [ البقرة : 230 ] أي فإن طلقها الزوج الثاني ، بعد الدخول وذوق العسيلة فلا جناح عليهما أي لا جناح على المرأة التي كانت مبتوتة والزوج الذي كانت حراماً عليه ، أن يتراجعا بعد نكاح الثاني وطلاقه لها ، من الكتاب الذي أنزل الله .

(7/165)


وأما إن مات الزوج الثاني بعد أن دخل بها وكان موته قبل أن يطلقها ، فحليتها للأول الذي كانت حراماً عليه ، من الميزان الذي أنزله الله مع رسله .
وقد اشرنا إلى كلام ابن القيم المذكور ، وأكثرنا من الأمثلة لذلك في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على قوله تعالى { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث } [ الأنبياء : 78 ] الآية .
قوله تعالى : { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } .
قد قدمنا الآيات الموضحة له ، في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [ النحل : 1 ] الآية . وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى : { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً } [ الأحزاب : 63 ] وفي سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى : { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة } [ غافر : 18 ] الآية .

(7/166)


يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18)

قوله تعالى : { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق } .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل :
الأولى : أن الكفار الذين لا يؤمنون بالساعة ، يستعجلون بها أي يطلبون تعجيلها عليهم ، لشدة إنكارهم لها .
والثانية : أن المؤمنين مشفقون منها ، أي خائفون منها .
والثالثة : أنهم يعلمون أنها الحق ، أي أن قيامها ووقوعها حق لا شك فيه .
وكل هذه المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في غير هذا الموضع .
أما استعجالهم لها فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } [ الرعد : 6 ] وفي غير ذلك من المواضع .
وأما المسألة الثانية : التي هي إشفاق المؤمنين وخوفهم من الساعة ، فقد ذكره في مواضع أخر كقوله تعالى { الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ } [ الأنبياء : 49 ] وقوله تعالى { يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار } [ النور : 37 ] وقوله تعالى { يُوفُونَ بالنذر وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } [ الإنسان : 7 ] .
وأما المسألة الثالثة : وهي علمهم أن الساعة حق ، فقد دلت عليه الآيات المصرحة بأنها لا ريب فيها ، لأنها تتضمن نفي الريب فيها من المؤمنين .
والريب : الشك كقوله تعالى عن الراسخين في العلم : { رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } [ آل عمران : 9 ] الآية . وقوله تعالى { الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ النساء : 87 ] الآية : وقوله تعالى { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } [ آل عمران : 25 ] الآية . وقوله تعالى : { وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ الشورى : 7 ] الآية . وقوله تعالى { ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّهُ يُحْيِي الموتى وَأَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الساعة آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور } [ الحج : 6 - 7 ] إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : { أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَي الساعة لَفِي ضَلاَلَ بَعِيدٍ } .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى { بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً } [ الفرقان : 11 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { يُمَارُونَ } ، مضارع مارى ، يماري ، مراء ومماراة ، إذا خاصم وجادل .
ومنه قوله تعالى { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً } [ الكهف : 22 ] .
وقوله { لَفِي ضَلاَلَ بَعِيدٍ } أي بعيد عن الحق والصواب .
وقد قدمنا معاني الضلال في القرآن واللغة العربية ، مع الشواهد في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى { قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين } [ الشعراء : 20 ] وفي مواضع أخر من هذا الكتاب المبارك .

(7/167)


ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)

قوله تعالى : { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى } .
قد بينا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى : { وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً } [ هود : 29 ] الآية . أن جميع الرسل عليهم الصلوات والسلام ، لا يأخذون أجراً على التبليغ ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك .
وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، وجه الجمع بين تلك الآيات ، وآية شورى هذه فقلنا فيه :
اعلم أولاً أن في قوله تعالى { إِلاَّ المودة فِي القربى } أربعة أقوال :
الأول : ورواه الشعبي وغيره عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم كما نقله عنهم ابن جرير وغيره ، أن معنى الآية { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى } [ الشورى : 23 ] أي إلا أن تودوني في قرابتي التي بيني وبينكم ، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس ، كما تمنعون كل من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم ، وكان صلى الله عليه وسلم له في كل بطن من قريش رحم ، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ لأنه مبذول لكل أحد ، لأن كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس .
وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجراً على التبليغ لأن لم يؤمن .
وإذا كان لا يسأل أجراً إلا هذا الذي ليس بأجر تحقق أنه لا يسأل أجراً كقول النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
ومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم .
وهذا القول هو الصحيح في الآية ، واختاره ابن جرير ، وعليه فلا إشكال .
الثاني : أن معنى الآية { إِلاَّ المودة فِي القربى } [ الشورى : 23 ] أي لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم ، ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وعلي بن الحسينن وعليه فلا إشكال أيضاً .
لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم ، وأحرى قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] وفي الحديث « مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد إذا اصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » وقال صلى الله عليه وسلم « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » والأحاديث في مثل هذا كثيرة جداً .
وإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين ، تبين أنه غير عوض عن التبليغ .
وقال بعض العلماء : الاستثناء منقطع على كلا القولين ، وعليه فلا إشكال .
فمعناه على القول الأول { لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا } لكن أذكركم قرابتي فيكم .
وعلى الثاني : لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني فيهم .
القول الثالث : وبه قال الحسن إلا المودة في القربى أي إلا أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح ، وعليه فلا إشكال .

(7/168)


لأن التقرب إلى الله ليس أجراً على التبليغ .
القول الرابع : إلا المودة في القربى ، أي إلا أن تتوددوا إلى قراباتكم وتصلوا أرحامكم ، ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن قاسم وعليه أيضاً فلا إشكال .
لأن صلة الإنسان رحمه ليست أجراً على التبليغ ، فقد علمت الصحيح في تفسير الآية وظهر لك رفع الإشكال على جميع الأقوال .
وأما القول بأن قوله تعالى : { إِلاَّ المودة فِي القربى } [ الشورى : 23 ] منسوخ بقوله تعالى : { قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم } [ سبأ : 47 ] فهو ضعيف ، والعلم عند الله تعالى . انتهى منه .
وقد علمت مما ذكرنا فيه أن القول الأول هو الصحيح في معنى الآية .
مع أن كثيراً من الناس يظنون أن القول الثاني هو معنى الآية ، فيحسبون أن معنى { إِلاَّ المودة فِي القربى } إلا أن تودوني في أهل قرابتي .
وممن ظن ذلك محمد السَجَّاد حيث قال لقاتله يوم الجمل : أذكركم حم يعني سورة الشورى هذه ، ومراده أنه من أهل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلزم حفظه فيهم ، لأن الله تعالى قال في حم هذه { إِلاَّ المودة فِي القربى } [ الشورى : 23 ] فهو يريد المعنى المذكور ، يظنه هو المراد بالآية ، ولذا قال قاتله في ذلك :
يُذّكِّرني حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَل لا تَلاَ حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
وقد ذكرنا هذا البيت والأبيات التي قبله في أول سورة هود ، وذكرنا أن البخاري ذكر البيت المذكور في سورة المؤمن ، وذكرنا الخلاف في قائل الأبيات الذي قتل محمداً السجاد بين طلحة بن عبيد الله يوم الجمل ، هل هو شريح بن أبي أوفَى العبسي كما قال البخاري ، أو الأشتر النخعي ، أو عصام بن مقشعر ، أو مدلج بن كعب السعدي ، أو كعب بن مدلج .
وممن ظن أن معنى الآية هو ما ظنه محمد السجاد المذكور الكميت في قوله في أهل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأولها منا تقي ومعرب
والتحقيق إن شاء الله أن معنى الآية هو القول الأول { إِلاَّ المودة فِي القربى } أي إلا أن تودوني في قرابتي فيكم وتحفظوني فيها ، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس ، كما هو شأن أهل القرابات .
قوله تعالى : { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } .
الاقتراف معناه الاكتساب ، أي من يعمل حسنة من الحسنات ، ويكتسبها نزد له فيها حسناً ، أي نضاعفها له .
فمضاعفة الحسنات هي الزيادة في حسنها ، وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى { وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 40 ] وقوله تعالى : { مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [ الأنعام : 160 ] وقوله تعالى : { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً } [ البقرة : 245 ] وقوله تعالى { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } [ المزمل : 20 ] فكونه خيراً وأعظم أجراً زيادة في حسنه ، كما لا يخفى إلى غير ذلك من الآيات :

(7/169)


وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)

قوله تعالى : { وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } .
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن السيئات . وقد جاء ذلك موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى : { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } [ التوبة : 104 ] وقوله تعالى : { ياأيها الذين آمَنُواْ توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } [ التحريم : 8 ] الآية . وقوله تعالى : { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } [ آل عمران : 135 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقد قدمنا معنى التوبة وأركانها وإزالة ما في أركانها من الإشكال ، في سورة النور في الكلام على قوله تعالى { وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ النور : 31 ] .

(7/170)


وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)

قوله تعالى : { ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ } .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه ينزل ما يشاء تنزيله من الأرزاق وغيرها بقدر ، أي بمقدار معلوم عنده جل وعلا ، وهو جل وعلا أعلم بالحكمة والمصلحة في مقدار كل ما ينزله . وقد أوضح هذا في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى : { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر : 21 ] وقوله تعالى : { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } [ الرعد : 8 ] إلى غير ذلك من الآيات .

(7/171)


وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31)

قوله تعالى : { وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض } الآية .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النور في الكلام على قوله تعالى : { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَأْوَاهُمُ النار } [ النور : 57 ] الآية .

(7/172)


وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32)

قوله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام } .
قوله : ومن آياته أي من علاماته الدالة على قدرته واستحقاقه للعبادة وحده ، الجواري وهي السفن واحدتها جارية ، ومنه قوله تعالى : { إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية } [ الحاقة : 11 ] يعني سفينة نوح ، وسميت جارية لأنها تجري في البحر .
وقوله { كالأعلام } أي كالجبال ، شبه السفن بالجبال لعظمها .
وعن مجاهد أن الأعلام القصور ، وعن الخليل : أن كل مرتفع تسمية العرب علماً ، وجمع العلم أعلام .
وهذا الذي ذكره الخليل معروف في اللغة ، ومنه قول الخنساء ترثي أخاها صخراً :
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن جريان السفن في البحر ، من آياته تعالى الدالة على كمال قدرته ، جاء موضحاً في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى { وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إلى حِينٍ } [ يس : 41 - 44 ] وقوله تعالى { فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } [ العنبكوت : 15 ] وقوله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس } [ البقرة : 164 ] إلى قوله { لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [ البقرة : 164 ] الآية . وقوله تعالى في سورة النحل : { وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [ النحل : 14 ] الآية . وقوله في فاطر : { وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِه } [ فاطر : 12 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .
وقرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو « الجواري » بياء ساكنة بعد الراء في الوصل فقط ، دون الوقف وقرأه ابن كثير بالياء المذكور في الوصل والوقف معاً ، وقرأه الباقون الجوار بحذف الياء في الوصل والوقف معاً .

(7/173)


وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)

قوله تعالى : { والذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش } الآية .
قرأ هذا الحرف حمزة والكسائي ( كبير الإثم ) ، بكسر الباء بعدها ياء ساكنة وراء على صيغة الإفراد .
وقرأه الباقون بفتح الباء بعدها ألف فهمزة مكسورة قبل الراء على صيغة الجمع .
وقوله { والذين } : في محل جر عطفاً على قوله : { وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [ الشورى : 36 ] أي وخير وأبقى أيضاً للذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش .
والفواحش جمع فاحشة . والتحقيق إن شاء الله أن الفواحش من جملة الكبائر .
والأظهر أنها من أشنعها ، لأن الفاحشة في اللغة : وهي الخصلة المتناهية في القبح ، وكل متشدد في شيء مبالغ فيه فهو فاحش فيه .
ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته .
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
فقوله : الفاحش أي المبالغ في البخل المتناهي فيه .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من وعده تعالى الصادق للذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش بما عنده لهم من الثواب الذي هو خير وأبقى ، جاء موضحاً في غير هذا الموضع ، فبين تعالى في سورة النساء أن من ذلك تكفيره تعالى عنهم سيئاتهم ، وإدخالهم المدخل الكريم وهو الجنة في قوله تعالى { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } [ النساء : 31 ] ، وبين في سورة النجم أنهم باجتنابهم كبائر الإثم والفواحش ، يصدق عليهم اسم المحسنين ووعدهم على ذلك بالحسنى .
والأظهر أنها الجنة ، ويدل له حديث « الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم » في تفسير قوله تعالى : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَة } [ يونس : 26 ] كما قدمناه .
وآية النجم المذكورة هي قوله تعالى { وَيِجْزِيَ الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى } [ النجم : 31 ] ثم بين المراد بالذين أحسنوا في قوله { الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة } [ النجم : 32 ] .
وأظهر الأقوال في قوله : إلا اللمم ، أن المراد باللمم صغائر الذنوب ، ومن أوضح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْه } [ النساء : 31 ] الآية . فدلت على أن اجتناب الكبائر سبب لغفران الصغائر ، وخير ما يفسر به القرآن ، القرآن .
ويدل لهذا حديث ابن عباس الثابت في الصحيح : قال ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمني وتشتهي والفرج يُصَدِّقُ ذلك أو يكذبه » .
وعلى هذا القول فالاستثناء في قوله إلا اللمم منقطع ، لأن اللمم الذي هو الصغائر على هذا القول لا يدخل في الكبائر والفواحش ، وقد قدمنا تحقيق المقام في الاستثناء المنقطع . في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى

(7/174)


{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَما } [ مريم : 62 ] .
وقالت جماعة من أهل العلم : الاستثناء متصل فالواو عليه ، فمعنى إلا اللمم : إلا أن يلم بفاحشة مرة ثم يجتنبها ولا يعود لها بعد ذلك .
واستدلوا لذلك بقول الراجز :
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما
وروى هذا البيت ابن جرير والترمذي وغيرهما مرفوعاً . وفي صحته مرفوعاً نظر .
وقال بعض العلماء . المراد باللمم ما سلف منهم من الكفر والمعاصي ، قبل الدخول في الإسلام ولا يخفى بعده .
وأظهر الأقوال هو ما قدمنا لدلالة آية النساء المذكورة عليه ، وحديث ابن عباس المتفق عليه .
واعلم أن كبائر الإثم ليست محدودة في عدد معين ، وقد جاء تعيين بعضها كالسبع الموبقات أي المهلكات لعظمها ، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة « أنها الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » وقد جاءت روايات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعيين بعض الكبائر « كعقوق الوالدين واستحلال حرمة بيت الله الحرام والرجوع إلى البادية بعد الهجرة وشرب الخمر واليمين الغموس والسرقة ومنع فضل الماء ومنع فضل الكلأ وشهادة الزور » .
وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن ابن مسعود « أن أكبر الكبائر الإشراك بالله الذي خلق الخلق ثم قتل الرجل ولده خشية أن يطعم معه ، ثم زناه بحليلة جاره » وفي بعضها أيضاً « أن من الكبائر تسبب الرجل في سب والديه » ، وفي بعضها أيضاً « أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفرا » وذلك يدل على أنهما من الكبائر .
وفي بعض الروايات « أن من كبائر الوقوع في عرض المسلم ، والسبتين بالسبة » .
وفي بعض الرويات « أن منها جمع الصلاتين من غير عذر » .
وفي بعضها « أن منها اليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله » ويدل عليهما قوله تعالى : { إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون } [ يوسف : 87 ] . وقوله { أفَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } [ الأعراف : 99 ] .
وفي بعضها « أن منها سوء الظن بالله » ويدل له قوله تعالى { وَيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظَنَّ السوء عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً } [ الفتح : 6 ] .
وفي بعضها « أن منها الإضرار في الوصية » .
وفي بعضها أن منها الغلول ، ويدل له قوله تعالى : { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } [ آل عمران : 161 ] . وقدمنا معنى الغلول في سورة الأنفال ، وذكرنا حكم الغال .
وفي بعضها « أن من أهل الكبائر الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً » ويدل له قوله تعالى : { أولئك لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخرة وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

(7/175)


[ آل عمران : 77 ] ولم نذكر أسانيد هذه الروايات ونصوص متونها خوف الإطالة ، وأسانيد بعضها لا تخلو من نظر لكنها لا يكاد يخلو شيء منها عن بعض الشواهد الصحيحة ، من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
واعلم أن أهل العلم اختلفوا في حد الكبيرة .
فقال بعضهم : هي كل ذنب استوجب حداً من حدود الله .
وقال بعضهم : هي كل ذنب جاء الوعيد عليه بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب .
واختار بعض المتأخرين حد الكبيرة بأنها هي كل ذنب دل على عدم اكتراث صاحبه بالدين .
وعن ابن عباس : أن الكبائر أقرب إلى السبعين منها إلى السبع . وعنه أيضاً أنها أقرب إلى سبعمائة منها إلى سبع .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : التحقيق أنها لا تنحصر في سبع ، وأن ما دل عليه من الأحاديث على أنها سبع لا يقتضى انحصارها في ذلك العدد ، لأنه إنما دل على نفي غير السبع بالمفهوم ، وهو مفهوم لقب ، والحق عدم اعتباره .
ولو قلنا إنه مفهوم عدد لكان غير معتبر أيضاً ، لأن زيادة الكبائر على السبع مدلول عليها بالمنطوق .
وقد جاء منها في الصحيح عدد أكثر من سبع ، والمنطوق مقدم على المفهوم ، مع أن مفهوم العدد ليس من أقوى المفاهيم .
والأظهر عندي في ضابط الكبيرة أنها كل ذنب اقترن بما يدل على أنه أعظم من مطلق المعصية سواء كان ذلك الوعيد عليه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب ، أو كان وجوب الحد فيه ، أو غير ذلك مما يدل على تغليظ التحريم وتوكيده .
مع أن بعض أهل العلم قال : إن كل ذنب كبيرة . وقوله تعالى : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } [ النساء : 31 ] الآية . وقوله : { إِلاَّ اللمم } [ النجم : 32 ] يدل على عدم المساواة ، وأن بعض المعاصي كبائر . وبعضها صغائر ، والمعروف عند أهل العلم : أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ، والعلم عند الله تعالى .

(7/176)


وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)

قوله تعالى : { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [ النحل : 126 ] الآية . وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى : { فَبَشِّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [ الزمر : 17 - 18 ] الآية .

(7/177)


وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)

قوله تعالى : { وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في الكلام على آية النحل وآية الزمر المذكورتين آنفاً .

(7/178)


وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)

قوله تعالى : { وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } الآية .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى { فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَل } [ الأعراف : 53 ] .

(7/179)


وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)

قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : { يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } [ النحل : 2 ] الآية .
قوله تعالى : { مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا } .
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : { مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان } . يبين الله جل وعلا فيه مِنَّتِهِ على هذا النبي الكريم ، بأنه علمه هذا القرآن العظيم ولم يكن يعلمه قبل ذلك ، وعلمه تفاصيل دين الإسلام ولم يكن يعلمها قبل ذلك .
فقوله : ما كنت تدري ما الكتاب : أي ما كنت تعلم ما هو هذا الكتاب الذي هو القرآن العظيم ، حتى علمتكه ، وما كنت تدري ما الإيمان الذي هو تفاصيل هذا الدين الإسلامي ، حتى علمتكه .
ومعلوم أن الحق الذي لا شك فيه الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان شامل للقول والعمل مع الاعتقاد .
وذلك ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة ، منها : حديث وفد عبد القيس المشهور ، ومنها حديث : « من قام رمضان إيماناً واحتساباً » الحديث ، فسمى فيه قيام رمضان إيماناً ، وحديث « الإيمان بضع وسبعون شعبة » ، وفي بعض رواياته « بضع وستون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » .
والأحاديث بمثل ذلك كثيرة ويكفي في ذلك ما أورده البيهقي في شعب الإيمان فهو صلوات الله وسلامه عليه ما كان يعرف تفاصيل الصلوات المكتوبة وأوقاتها ولا صوم رمضان ، وما يجوز فيه وما لا يجوز ولم يكن يعرف تفاصيل الزكاة ولا ما تجب فيه ولا قدر النصاب وقدر الواجب فيه ولا تفاصيل الحج ونحو ذلك ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : { وَلاَ الإيمان } .
وما ذكره هنا من أنه لم يكن يعلم هذه الأمور حتى علمه إياها بأن أوحى إليه هذا النور العظيم الذي هو كتاب الله ، جاء في غير هذا الموضع كقوله تعالى : { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } [ النساء : 113 ] الآية . وقوله جل وعلا { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين } [ يوسف : 3 ] .
فقوله في آية يوسف هذه : { وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين } [ يوسف : 3 ] كقوله هنا { مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان } [ الشورى : 52 ] وقوله تعالى : { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى } [ الضحى : 7 ] على أصح التفسيرات كما قدمناه في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى : { قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين } [ الشعراء : 20 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : { ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ } ، الضمير في قوله : جعلناه راجع إلى القرآن العظيم المذكور في قوله : { رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] وقوله : { مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب } أي ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نوراً نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا .

(7/180)


وسمي القرآن نوراً ، لأنه يضيء الحق ويزيل ظلمات الجهل والشك والشرك .
وما ذكره هنا من أن هذا القرآن نور ، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الناس قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } [ النساء : 174 ] .
وقوله تعالى { واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ } [ الأعراف : 157 ] وقوله تعالى : { قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ المائدة : 15 - 16 ] وقوله تعالى : { فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والنور الذي أَنزَلْنَا } [ التغابن : 8 ] .
وما دلت عليه هذه الآيات الكريمة من كون هذا القرآن نوراً يدل على أنه هو الذي يكشف ظلمات الجهل ، ويظهر في ضوئه الحق ، ويتميز عن الباطل ويميز به بين الهدى والضلال والحسن والقبيح .
فيجب على كل مسلم أن يستضيء بنوره ، فيعتقد عقائده ، ويحل حلاله ، ويحرم حرامه ويمتثل أوامره ويجتنب ما نهى عنه ويعتبر بقصصه وأمثاله .
والسنة كلها داخلة في العمل به ، لقوله تعالى : { وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] .
قوله تعالى : { وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } . الصراط المستقيم ، قد بينه تعالى في قوله : { اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين } [ الفاتحة : 6 - 7 ] .
وقوله في هذه الآية الكريمة { عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتهدي } الآية ، قد بينا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُم } [ فصلت : 17 ] الآية ، وبينا هناك وجه الجمع بين قوله تعالى : { وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم } [ الشورى : 52 ] مع قوله { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } [ القصص : 56 ] .
والصراط في لغة العرب : الطريق الواضح ، والمستقيم . الذي لا اعوجاج فيه ، ومنه قول جرير :
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم

(7/181)


صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)

قوله تعالى : { أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور } .
ما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الأمور كلها تصير إلى الله ، أي ترجع إليه وحده لا إلى غيره . جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى : { وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ } [ هود : 123 ] وقوله تعالى : { وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وإلى الله تُرْجَعُ الأمور كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس } [ آل عمران : 109 - 110 ] إلى غير ذلك من الآيات .

(7/182)


حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)

قوله تعالى : { حموالكتاب المبين إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } الآية .
قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود .
وقوله تعالى { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى : { لِتَكُونَ مِنَ المنذرين بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [ الشعراء : 194 - 195 ] وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى : { قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَج } [ الزمر : 28 ] الآية .

(7/183)


فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)

قوله تعالى : { فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ومضى مَثَلُ الأولين } .
الضمير في قوله منهم عائد إلى القوم المسرفين ، المخاطبين بقوله : { أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } [ الزخرف : 5 ] ، وفيه ما يسميه علماء البلاغة بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة .
وقوله { أَشَدَّ مِنْهُم } مفعول به لأهلكنا ، وأصله نعت لمحذوف ، والتقدير : فأهلكنا قوماً أشد منهم بطشاً ، على حد قوله في الخلاصة :
وما من المنعوت والنعت عُقِلْ ... يجوز حذفه وفي النعت يَقِل
وقوله بطشاً : تمييز محول من الفاعل على حد قوله في الخلاصة :
والفاعل المعنى انصبن بأفعَلاَ ... مفضِّلاً كأنت أعلا منزِلاَ
والبطش : أصله الأخذ بعنف وشدة .
والمعنى : فأهلكنا قوماً أشد بطشاً من كفار مكة الذين كذبوا نبينا بسبب تذكيبهم رسلهم فليحذر الكفار الذين كذبوك أن نهلكهم بسبب ذلك كما أهلكنا الذين كانوا أشد منهم بطشاً ، أي أكثر منهم عَدداً وعُدداً وجلداً .
فعلى الأضعف الأقل أن يتعظ بإهلاك الأقوى الأكثر .
وقوله في هذه الآية الكريمة : { ومضى مَثَلُ الأولين } أي صفتهم التي هي إهلاكهم المستأصل ، بسبب تكذيبهم الرسل .
وقول من قال : { مَثَلُ الأولين } أي عقوبتهم وسنتهم راجع في المعنى إلى ذلك .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، بأن الله أهلك من هم أقوى منهم ، ليحذروا أن يفعل بهم مثل ما فعل بأولئك ، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الأرض وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } [ الروم : 9 ] الآية . وقوله تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ كانوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرض } [ غافر : 82 ] الآية . وقوله تعالى : { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً } [ الأنعام : 6 ] إلى قوله تعالى : { فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } [ الأنعام : 6 ] الآية . وقوله تعالى : { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } [ سبأ : 45 ] . وقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ وكانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً } [ فاطر : 44 ] .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { ومضى مَثَلُ الأولين } ما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد كفار مكة الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، بصفته إهلاكهم وسنته فيهم التي هي العقوبة وعذاب الاستئصال ، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى : { فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً استكبارا فِي الأرض وَمَكْرَ السيىء وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً }

(7/184)


[ فاطر : 42 - 43 ] وقوله تعالى : { فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّةَ الله التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون } [ غافر : 83 - 85 ] وقوله تعالى : { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين } [ الكهف : 55 ] الآية . وقوله تعالى : { فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِين } [ الزخرف : 55 - 56 ] .
وقد قدمنا بعض الآيات الدالة على هذا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى : { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ } [ المائدة : 32 ] الآية .

(7/185)


وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)

قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم } .
وقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة بني إسرائيل ، في الكلام على وقوله تعالى : { إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [ الإسراء : 9 ] .

(7/186)


الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10)

قوله تعالى : { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } .
قرأ هذا الحرف ، عاصم وحمزة والكسائي { مهدا } بفتح الميم وسكون الهاء وقرأه باقي السبعة { مِهَاداً } بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف ومعناهما واحد وهو الفراش .
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه جعل الأرض لبني آدم مهداً أي فراشاً وأنه جعل لهم فيها سبلاً أي طرقاً ليمشوا فيها ويسلكوها ، فيصلوا بها من قطر إلى قطر . وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة ، من كونه تعالى جعل الأرض فراشاً لبني آدم وجعل لهم فيها الطرق ، لينفذوا من قطر إلى قطر ، جاء موضحاً في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى : { والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } [ نوح : 19 - 20 ] ، وكقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } [ الأنبياء : 31 ] .
وذكر كون الأرض فراشاً لبني آدم في آيات كثيرة كقوله تعالى : { والأرض فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الماهدون } [ الذاريات : 48 ] وقوله تعالى : { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً والسماء بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } [ البقرة : 22 ] . وقوله تعالى : { الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسمآء بِنَآءً } [ غافر : 64 ] الآية .
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : { وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [ النحل : 15 ] .

(7/187)


وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11)

قوله تعالى : { والذي نَزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } .
ما تضمنته هذه الآية الكريمة من دلالة إحياء الأرض بعد موتها على خروج الناس من قبورهم أحياء بعد الموت ، في قوله تعالى : { كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } جاء موضحاً في آيات كثيرة قد قدمناها في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى : { وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } [ البقرة : 22 ] مع بقية براهين البعث في القرآن . وأوضحنا ذلك أيضاً في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : { هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ } [ النحل : 10 ] ، وفي غير ذلك من المواضع ، وأحلنا على ذلك مراراً كثيرة في هذا الكتاب المبارك .
وقد قدمنا في سورة الفرقان معنى الإنشاء والنشور وما في ذلك من اللغات مع الشواهد العربية .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : { بِقَدَرٍ } .
قال بعض العلماء : أي بقدر سابق وقضاء .
وقال بعض العلماء : أي بمقدار يكون به إصلاح البشر فلم يكثر الماء جداً فيكون طوفاناً فيهلكهم ، ولم يجعله قليلاً دون قدر الكفاية ، بل نزله بقدر الكفاية من غير مضرة ، كما قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } [ المؤمنون : 18 ] . وقال تعالى : { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر : 21 ] إلى قوله { وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } [ الحجر : 22 ] .

(7/188)


وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)

قوله تعالى : { والذي خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا } .
الأزواج الأصناف ، والزوج تطلقه العرب على الصنف .
وقد بين تعالى أن الأزواج المذكورة هنا تشمل أصناف النبات وبني آدم وما لا يعلمه إلا الله .
قال تعالى : { سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُون } [ يس : 36 ] .
وقال تعالى : { وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شتى } [ طه : 53 ] وقال تعالى : { فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [ الحج : 5 ] أي من كل صنف حسن من أصناف النبات .
وقال تعالى : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } [ لقمان : 10 ] . ومن إطلاق الأزواج على الأصناف في القرآن قوله تعالى : { وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } [ ص : 58 ] . وقوله تعالى : { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُم } [ طه : 131 ] .
وقد قدمنا طرفاً من ذلك في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى { احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُم } [ الصافات : 22 ] الآية .
قوله تعالى : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ } .
قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة المؤمن ، في الكلام على قوله تعالى { الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا } [ غافر : 79 ] الآية . وضمير المفرد المذكر الغائب في قوله : { لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ } ، وقوله : { إِذَا استويتم عَلَيْهِ } راجع إلى لفظ ما في قوله : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ } .
قوله تعالى : { وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } .
يعني جل وعلا أنه جعل لبني آدم ما يركبونه من الفلك التي هي السفن ، ومن الأنعام ليستوو أي يرتفعوا معتدلين على ظهوره ثم يذكروا في قلوبهم نعمة ربهم عليهم بتلك المركوبات ثم يقولوا بألسنتهم مع تفهم معنى ما يقولون { سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِين } [ الزخرف : 13 ] .
وقوله : « سبحان » قد قدمنا في أول سورة بني إسرائيل معناه ، بإيضاح وأنه يدل على تنزيه الله جل وعلا أكمل التنزيه وأتمه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله والإشارة في قوله { هذا } راجعة إلى لفظ { مَا } من قوله : { مَا تَرْكَبُونَ } وجمع الظهور نظراً إلى معنى { مَا } ، لأن معناها عام شامل لكل ما تشمله صلتها ولفظها مفرد ، فالجمع في الآية باعتبار معناها ، والإفراد باعتبار لفظها .
وقوله : { الذي سَخَّرَ لَنَا هذا } أي الذي ذلل لنا هذا الذي هو ما نركبه من الأنعام والسفن لأن الأنعام لو لم يذللها الله لهم لما قدروا عليها ولا يخفى أن الجمل أقوى من الرجل ، وكذلك البحر لو لم يذلله لهم ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا على شيء من ذلك .
وقوله تعالى : { وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } أي مطيقين .

(7/189)


والعرب تقول : أقرن الرجل للأمر وأقرنه إذا كان مطيقاً له كفؤاً للقيام به من قولهم : أقرنت الدابة للدابة ، بمعنى أنك إذا قرنتهما في حبل قدرت على مقاومتها ، ولم تكن أضعف منها ، فتجرها لأن الضعيف إذا لز في القرن أي الحبل ، مع القوي جره ولم يقدر على مقاومته ، كما قال جرير :
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وهذا المعنى معروف في كلام العرب ، ومنه قول عمرو بن معد يكرب وقد أنشده قطرب لهذا المعنى :
لقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا
وقوله ابن هرمة :
وأقرنت ما حملتني ولقلما ... يطاق احتمال الصدياد عدو الهجر
وقول الآخر :
ركبتم صعبتي أشراً وحيفاً ... ولستم للصعاب بمقرنينا
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن ما ذكر من السفن والأنعام لو لم يذلله الله لهم لما أقرنوا له ولما أطاقوه جاء مبيناً في آيات أخر . قال تعالى في ركوب الفلك : { وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } [ يس : 41 - 42 ] . وقال تعالى : { وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّا } [ النحل : 14 ] الآية . وقال تعالى : { الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [ الجاثية : 12 ] الآية . وقال تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِيَ فِي البحر بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار } [ إبراهيم : 32 ] الآية . وقال تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس } [ البقرة : 164 ] الآية . وقال تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض والفلك تَجْرِي فِي البحر بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ الحج : 65 ] الآية ، والآيات بمثل ذلك كثيرة .
وقال تعالى في تسخير الأنعام : { وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } [ يس : 72 ] وقال تعالى : { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر كذلك سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المحسنين } [ الحج : 36 - 37 ] إلى غير ذلك من الآيات .

(7/190)


وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15)

قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } .
قال بعض العلماء { جُزْءًا } أي عدلاً ونظيراً ، يعني الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله .
وقال بعض العلماء : { جُزْءًا } أي ولداً .
وقال بعض العلماء : { جُزْءًا } يعني البنات .
وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية : أن الجزء النصيب ، واستشهد على ذلك بآية الأنعام . أعني قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا } [ الأنعام : 136 ] الآية .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر أن قول ابن كثير هذا رحمه الله غير صواب في الآية .
لأن المجعول لله في آية الأنعام ، هو النصيب مما ذرأ من الحرث والأنعام ، والمجعول له في آية الزخرف هذه ، جزء من عباده لا مما ذرأ من الحرث والأنعام .
وبين الأمرين فرق واضح كما ترى .
وأن قول قتادة ومن وافقه : إن المراد بالجزء العدل والنظير الذي هو الشريك غير صواب أيضاً .
لأن إطلاق الجزء على النظير ليس بمعروف في كلام العرب .
أما كون المراد بالجزء في الآية الولد ، وكون المراد بالولد خصوص الإناث ، فهذا هو التحقيق في الآية .
وإطلاق الجزء على الولد يوجه بأمرين :
أحدهما : ما ذكره بعض علماء العربية من أن العرب تطلق الجزء مراداً به البنات ، ويقولون : أجزأت المرأة إذا ولدت البنات ، وامرأة مجزئة أي تلد البنات ، قالوا ومنه قول الشاعر :
إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب ... قد تجزئ الحرة المذكار أحياناً
وقول الآخر :
زوجتها من بنات الأوس مجزئة ... للعوسج اللدن في أبياتها زجل
وأنكر الزمخشري هذه اللغة قائلاً إنها كذب وافتراء على العرب .
قال في الكشاف في الكلام على هذه الآية الكريمة : ومن بدع التفاسير ، تفسير الجزء بالإناث وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث ، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث منحول ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة ثم صنعوا بيتاً وبيتاً :
*إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب* ... زوجتها من بنات الأوس مجزئة ا ه . منه بلفظه .
وقال ابن منظور في اللسان : وفي التنزيل العزيز : { وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } [ الزخرف : 15 ] . قال أبو إسحاق يعني به الذين جعلوا الملائكة بنات الله تعالى وتقدس عما افتروا ، قال : وقد أنشدت بيتاً يدل على أن معنى جزءاً معنى الإناث قال : ولا أدري البيت هو قديم أم مصنوع؟
*إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب* ... والمعنى في قوله : { وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } [ الزخرف : 15 ] أي جعلوا نصيب الله من الولد الإناث ، قال ولم أجده في شعر قديم ولا رواه عن العرب الثقات ، وأجزأت المرأة ولدت الإناث ، وأنشد أبو حنيفة :
*زوجتها من بنات الأوس مجزئة* ... انتهى الغرض من كلام صاحب اللسان .

(7/191)


وظاهر كلامه هذا الذي نقله عن الزجاج أن قولهم : أجزأت المرأة إذا ولدت الإناث معروف ، ولذا ذكره وذكر البيت الذي أنشده له أبو حنيفة كالمسلم له .
والوجه الثاني : وهو التحقيق إن شاء الله أن المراد بالجزء في الآية الولد ، وأنه أطلق عليه اسم الجزء ، لأن الفرع كأنه جزء من أصله والولد كأنه بضعة من الوالد كما لا يخفى .
وأما كون المراد بالولد المعبر عنه بالجزء في الآية خصوص الإناث فقرينة السياق دالة عليه دلالة واضحة ، لأن جعل الجزء المذكور لله من عباده هو بعينه الذي أنكره الله إنكاراً شديداً وقرع مرتكبه تقريعاً شديداً في قوله تعالى بعده { أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بالبنين وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً } [ الزخرف : 16 - 17 ] إلى قوله : { وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ } [ الزخرف : 18 ] .
وقرأ هذا الحرف شعبة عن عاصم { جُزْءًا } بضم الزاي وباقي السبعة بإسكانها وحمزة عند الوقف يسقط الهمزة ، بنقل حركتها إلى الزاي مع حذف التنوين للوقف .

(7/192)


أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)

قوله تعالى : { أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بالبنين } .
أم هنا بمعنى استفهام الإنكار ، فالكفار لما قالوا : الملائكة بنات الله أنكر الله عليهم أشد الإنكار ، موبخاً لهم أشد التوبيخ ، حيث افتروا عليه الولد ، ثم جعلوا له أنقص الولدين وأحقرهما وهو الأنثى كما قال هنا : { أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات } وهي النصيب الأدنى من الأولاد ، وأصفاكم أنتم ، أي خصكم وآثركم بالبنين الذين هم النصيب الأعلى من الأولاد .
وإنكار هذا عليهم وتوبيخهم عليه جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله هنا { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً } [ الزخرف : 17 ] يعني الأنثى ، كما أوضحه بقوله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ } [ النحل : 58 ] يعني فكيف تجعلون لله الإناث وأنتم لو بشر الواحد منكم بأن امرأته ولدت أنثى لظل وجهه مسوداً يعني من الكآبة وهو كظيم أي ممتلئ حزناً وغماً ، وكقوله تعالى هنا { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ } [ الزخرف : 18 ] ففيه إنكار شديد وتقريع عظيم لهم بأنهم مع افترائهم عليه جل وعلا الولد جعلوا له أنقص الولدين الذي لنقصه الخلقي ، ينشأ في الحلية من الحلي والحلل وأنواع الزينة ، من صغره إلى كبره ليجبر بتلك الزينة نقصه الخلقي الطبيعي ، وهو في الخصام غير مبين ، لأن الأنثى غالباً لا تقدر على القيام بحجتها ولا الدفاع عن نفسها .
وقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية غاية الإيضاح في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى : { إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم } [ الإسراء : 9 ] وكقوله تعالى : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } [ النحل : 57 ] . وقوله تعالى : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } [ النحل : 62 ] . وقوله تعالى : { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً } [ الإسراء : 40 ] وقوله تعالى { أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى } [ النجم : 21 - 22 ] . وقوله تعالى : { فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى البنات على البنين مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ الصافات : 149 - 157 ] .
وقد قدمنا كثيراً من الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } [ النحل : 57 ] ووجه التعبير عن الأنثى بما ضرب مثلاً لله في قوله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً } [ الزخرف : 17 ] الآية ظاهر ، لأن البنات المزعومة يلزم ادعاءها أن تكون من جنس من نسبت إليه ، لأن الوالد والولد من جنس واحد ، وكلاهما يشبه الآخر في صفاته .

(7/193)


وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)

قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } .
قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر { عند الرحمن } بسكون النون وفتح الدال ظرف كقوله تعالى : { إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } [ الأعراف : 206 ] ، وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي { الذين هم عباد الرحمن } بكسر العين وباء موحدة بعدها ألف وضم الدال جمع عبد كقوله : { وعباد الرحمن } الآية .
وقوله { أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } . قرأه عامة السبعة غير نافع أشهدوا بهمزة واحدة مع فتح الشين ، وقرأه نافع أأشهد . بهمزتين الأولى مفتوحة محققة ، والثانية مضمومة مسهلة بين بين وقالوا يجعل بين الهمزتين ألف الإدخال على إحدى الروايتين .
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربع مسائل :
الأولى : أن الكفار افتروا على الملائكة أنهم إناث زاعمين أنهم بنات الله .
الثانية : أنه وبخهم على ذلك توبيخاً شديداً وأنكر عليهم ذلك في قوله : { أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } يعني هل حضروا خلق الله لهم فعاينوهم إناثاً .
الثالثة : أن شهادتهم الكاذبة بذلك ستكتب عليهم .
الرابعة : أنهم يسألون عنها يوم القيامة .
وهذه المسائل الأربع التي تضمنتها هذه الآية الكريمة ، جاءت موضحة في غير هذا الموضع .
أما الأولى منها . وهي كونهم اعتقدوا الملائكة إناثاً ، فقد ذكرها تعالى في مواضع من كتابه كقوله تعالى { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيما } [ الإسراء : 40 ] . وكقوله تعالى : { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى } [ النجم : 27 ] الآية ، وقوله تعالى { فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثاً } [ الصافات : 149 - 150 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات .
وأما المسألة الثانية : وهي سؤاله تعالى لهم على وجه الإنكار والتوبيخ والتقريع هل شهدوا خلق الملائكة وحضروه ، حتى علموا أنهم خلقوا إناثاً فقد ذكرهما في قوله تعالى : { أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ } [ الصافات : 150 ] وبين تعالى أنه لم يشهد الكفار خلق شيء في قوله : { مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ } [ الكهف : 51 ] الآية .
وأما المسألة الثالثة : التي هي كون شهادتهم بذلك الكفر ستكتب عليهم ، فقد ذكرها تعالى في مواضع من كتابه كقوله تعالى : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [ الإنفطار : 10 - 12 ] وقوله تعالى : { هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الجاثية : 29 ] ، وقوله تعالى : { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بلى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } [ الزخرف : 80 ] ، وقوله تعالى : { إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } [ يونس : 21 ] وقوله تعالى : { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقرأ كَتَابَكَ } [ الإسراء : 13 - 14 ] الآية . وقوله تعالى : { سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً } [ مريم : 79 ] .
وأما المسألة الرابعة : وهي كونهم يسألون عن ذلك الافتراء والكفر ، فقد ذكرها تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [ العنكبوت : 13 ] وقوله تعالى : { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الحجر : 92 - 93 ] ، وقوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } [ الزخرف : 44 ] وقوله تعالى : { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } [ النحل : 56 ] إلى غير ذلك من الآيات .

(7/194)