صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إعراب القرآن لابن سيده |
و{أنزلناه} و{مبارك} صفتان لكتاب أو خبران عن هذا على مذهب من يجيز تعداد الأخبار. وإن لم يكن في معنى خبر واحد. (4/96)
{ ُ ِأَن تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} {أن تقولوا} مفعول من أجله فقدره الكوفيون لئلا تقولوا ولأجل أن لا تقولوا وقدره البصريون كراهة {أن تقولوا} والعامل في كلا المذهبين {أنزلناه} محذوفة يدل عليها قوله قبل {أنزلناه}، ولا يجوز أن يكون العامل {أنزلناه} هذه الملفوظة بها للفاصل بينهما وهو {مبارك} الذي هو وصف لكتاب أو خبر عن هذا فهو أجنبي من العامل والمعمول. وظاهر كلام ابن عطية أن العامل فيه {أنزلناه} الملفوظ بها. وقيل: {أن تقولوا} مفعول والعامل فيه {واتقوا} أي {واتقوا أن تقولوا} لأنه لا حجة لكم فيه.
{ ُ ِوَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ} وإن هنا هي المخففة من الثقيلة. وقال الكوفيون: إن نافية واللام بمعنى إلا والتقدير وما كنا عن دراستهم إلا غافلين. وقال قطرب: في مثل هذا التركيب إن بمعنى قد واللام زائدة وليس هذا الخلاف مقصوراً على ما في هذه الآية، بل هو جار في شخصيات هذا التركيب وتقريره في علم النحو. وقال الزمخشري: {وإن كنا} هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل {وإن كنا عن دراستهم} غافلين على أن الهاء ضمير؛ انتهى. وما ذهب إليه من أن أصله {وإن كنا} والهاء ضمير الشأن يلزم منه أن إن المخففة من الثقيلة عاملة في مضمر محذوف حالة التخفيف كما قال النحويون في أن المخففة من الثقيلة والذي نص الناس عليه أن إن المخففة من الثقيلة إذا لزمت اللام في أحد الجزأين بعدها أو في أحد معمولي الفعل الناسخ الذي يليها، إنها مهملة لا تعمل في ظاهر ولا مضمر لا مثبت ولا محذوف فهذا الذي ذهب إليه مخالف للنصوص وليست إذا وليها الناسخ داخلة في الأصل على ضمير شأن البتة.
و{عن دراستهم} متعلق بقوله: {لغافلين} وهذا يدل على بطلان مذهب الكوفيين في دعواهم أن اللام بمعنى إلا ولا يجوز أن يعمل ما بعد إلا فيما قبلها، وكذلك اللام التي بمعناها ولهم أن يجعلوا عنها متعلقاً بمحذوف ويدل أيضاً على أن اللام لام ابتداء لزمت للفرق، فجاء أن يتقدم معمولها عليها لما وقعت في غير ما هو لها أصل كما جاز ذلك في أن زيداً طعامك لأكل حيث وقعت في غير ما هو لها أصل ولم يجز ذلك فيها إذا وقعت فيما هو لها أصل وهو دخولها على المبتدأ. (4/97)
{ ُ ِفَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} والفاء في قوله: {فقد جاءكم} على ما قدره الزمخشري وغيره جواب شرط محذوف. قال الزمخشري: والمعنى إن صدقتم فيما كنتم تعدجون من أنفسكم.
{ ُ ِفَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف؛ انتهى.
{لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَنِهَا خَيْرًا} وقال الزمخشري: {آمنت من قبل} صفة لقوله: {نفساً} وقوله: {أو كسبت في إيمانها خيراً} عطف على {آمنت}.
وانتصب يوم تأتي بقوله: {لا ينفع} وفيه دليل على تقدّم معمول الفعل المنفي بلا على لا خلافاً لمن منع. وقرأ زهير القروي {يوم يأتي} بالرفع والخبر {لا ينفع} والعائد محذوف أي لا ينفع فيه وإن لم يكن صفة وجاز الفصل بالفاعل بين الموصوف وصفته لأنه ليس بأجنبي إذ قد اشترك الموصوف الذي هو المفعول والفاعل في العامل، فعلى هذا يجوز ضرب هنداً غلامها التميمية ومن جعل الجملة حالاً أبعد ومن جعلها مستأنفة فهو أبعد.
{ ُ ِمَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} وأنت عشراً وإن مفرده مؤنث والتقدير فله عشر حسنات أمثالها ونظيره في التذكير مررت بثلاثة نسابات راعى الموصوف المحذوف أي بثلاثة رجال نسابات. وقيل: أنث عشراً وإن كان مضافاً إلى ما مفرده مذكر لإضافة أمثال إلى مؤنث وهو ضمير الحسنة كقوله: {يلتقطه بعض السيارة} قاله أبو عليّ وغيره. (4/98)
وقرىء أمثالها بالرفع على النعت لعشر.
{ ُ ِدِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} وانتصب {ديناً} على إضمار عرفني لدلالة هداني عليه أو بإضمار هداني أو بإضمار اتبعوا وألزموا، على أنه مصدر لهداني على المعنى كأنه قال: اهتداء أو على البدل من إلى صراط على الموضع لأنه يقال: هديت القوم الطريق. قال الله تعالى: {ويهديك صراطاً مستقيماً}. وقرأ الكوفيون وابن عامر قيماً وتقدم توجيهه في أوائل سورة النساء. وقرأ باقي السبعة قيماً كسيد وملة بدل من قوله: {ديناً} و{حنيفاً} تقدم إعرابه في قوله: {بل ملة إبراهيم حنيفاً} في سورة البقرة. وقال ابن عطية: و{حنيفاً} نصب على الحال من إبراهيم.
سورة الأعراف (5/1)
مائتان وخمس آيات مكية
كم اسم بسيط لا مركّب من كاف التشبيه وما الاستفهامية حذف ألفها لدخول حرف الجرّ عليها وسكنت كما قالوا لم تركيباً لا ينفكّ كما ركبت في كأين مع أي وتأتي استفهاميّة وخبريّة وكثيراً ما جاءت الخبرية في القرآن ولم يأتِ تمييزها في القرآن إلا مجروراً بمن وأحكامها في نوعيها مذكورة في كتب النحو. القيلولة نوم نصف النهار وهي القائلة قاله الليث، وقال الأزهري الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحرّ ولم يكن نوم، وقال الفرّاء: قال: يقيل قيلولة وقيلاً وقائلة ومقيلاً استراح وسط النهار. العيش الحياة عاش يعيش عيشاً ومعاشاً وعيشةً ومعيشة ومعيشاً. قال رؤبة:
إليك أشكو شدّة المعيش
وجهد أيام نتفن ريشي غوى يغوي غيّاً وغوايةً فسد عليه أمره وفسد هو في نفسه ومنه غوى الفصيل أكثر من شرب لبن أمّه حتى فسد جوفه وأشرف على الهلاك، وقيل أصله الهلاك ومنه فسوف يلقون غيّاًالمص * كِتَبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ * فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَتِنَا يَظْلِمُونَ * وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِى الأٌّرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن (5/2)
بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيَئَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّلِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَنُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ * فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأٌّرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ * يَبَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَرِى سَوْءَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ (5/3)
أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }. (5/4)
الشمائل جمع وهو جمع تكسير وجمعه في القلة على أشمل قال الشاعر:
يأتي لها من أيمن وأشمل
وشمال يطلق على اليد اليسرى وعلى ناحيتها، والشمائل أيضاً جمع شمال وهي الريح والشمائل أيضاً الأخلاق يقال هو حسن الشمائل. ذأمه عابه يذأمه ذأماً بسكون الهمزة ويجوز إبدالها ألفاً قال الشاعر:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة
فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها وفي المثل لن يعدم الحسناء ذأماً. وقيل: أردت أن تديمه فمدحته، وقال الليث ذأمته حقرته، وقال ابن قتيبة وابن الأنباري: ذأمه وذمّه، دحره أبعده وأقصاه دحوراً قال الشاعر:
دحرت بنني الحصيب إلى قديد
وقد كانوا ذوي أشَر وفخر وسوس تكلم كلا ما خفيا يكرّره والوسواس صوت الحلى شبه الهمس به وهو فعل لا يتعدّى إلى منصوب نحو ولولت ووعوع. قال ابن الأعرابي: رجل موسوس، بكسر الواو، ولا يقال: موسوَس بفتحها. وقال غيره: يقال موسوس له وموسوس إليه. وقال رؤبة يصف صياداً:
وسوس يدعو مخلصاً ربَّ الفلق
لمّا دنا الصيد دنا من الوهق يقول لما أحس بالصيد وأراد رميه وسوس في نفسه أيخطىء أم يصيب. قال الأزهري: وسوس وورور معناهما واحد، نصح بذل المجهود في تبيين الخير وهو ضد غش ويتعدى بنفه وباللام نصحْتُ زيداً ونصحتُ لزيد ويبعد أن يكون يتعدى لواحد بنفسه ولآخر بحرف الجرّ وأصله نصحت لزيد، من قولهم نصحت لزيد الثوب بمعنى خطته خلافاً لمن ذهب إلى ذلك. ذاق الشيء يذوقه ذوقاً مسه بلسانه أو بفمه ويطلق على الأكل. طفق، بكسر الفاء وفتحها، ويقال: طبق بالباء وهي بمعنى أخذ من أفعال المقاربة. خصف العل وضع جلداً على جلد وجمع بينهما بسير والخصف الخرز. الريش معروف وهو للطائر ويستعمل في معان يأتي ذكرها في تفسير المركبات واشتقوا منه قالوا راشه يريشه، وقيل الريش مصدر راش. النزع الإزالة والجذب بقوة.
{المص * كِتَبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } (5/5)
والظاهر أنّ الضمير في منهالمص * كِتَبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } عائد على الكتاب، وقيل على التبليغ الذي تضمنه المعنى. وقيل على التكذيب الذي دلّ عليه المعنى، وقيل على الإنزال، وقيل على الإنذار.
قال ابن عطية: وهذا التخصيص كله لا وجه له إذ اللفظ يعمّ جميع الجهات التي هي من سبب الكتاب ولأجله وذلك يستغرق التبليغ والإنذار وتعرّض المشركين وتكذيب المكذبين وغير ذلك {وفلا يكن في صدرك حرج منه} اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس إن فيه تقديماً وتأخيراً {ولتنذر} متعلق بأنزل انتهى. وكذا قال الحوفي والزمخشري أنّ اللام متعلقة بقوله {أنزل} وقاله قبلهم الفرّاء ولزم من قولهم أن يكون قوله: فلا يكن في صدرك حرج اعتراضاً بين العامل والمعمول. وقال ابن الأنباري: التقدير فلا يكن {في صدرك حرج منه كي تنذر به فجعله متعلقاً بما تعلّق به في صدرك وكذا علقه به صاحب النظم فعلى هذا لا تكون الجملة معترضة وجوّز الزمخشري وأبو البقاء الوجهين إلا أنّ الزمخشري قال: (فإن قلت): بم يتعلق قوله: لتنذر} (قلت): بانزل أي أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم ولذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجّعه اليقين على الإنذار لأنّ صاحب اليقين جَسور متوكّل على عصمته انتهى. فقوله أو بالنهي ظاهره أنه يتعلق بالنّهي فيكون متعلقاً بقوله فلا يكن كان عندهم في تعليق المجرور والعمل في الظرف فيه خلاف ومبناه على أنه هل تدلّ كان الناقصة على الحدث أم لا فمن قال إنها تدلّ على الحدث جوّز فيها ذلك، ومن قال إنها لا تدلّ عليه لم يجوّز ذلك، وأعرب الفرّاء وغير {المص} مبتدأ {وكتاب} خبره وأعرب أيضاً {كتاب} خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب {ذكري} هو مصدر ذكر بتخفيف الكاف وجوّزوا فيه أن يكون مرفوعاً عطف على كتاب أو خبر مبتدأ محذوف أي وهو ذكرى، والنصب على المدر على إضمار فعل معطوف على {لتنذر} أي وتذكر ذكرى أو على موضع {لتنذر لأن موضعه نصب فيكون إذ ذاك معطوفاً على المعنى كما عطفت الحال على موضع المجرور في قوله دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ويكون مفعولاً من أجله وكما تقول جئتك للإحسان وشوقاً إليك، والجرّ على موضع الناصبة (5/6)
لتنذر} المسنبك منها ومن الفعل مصدر التقدير لإنذارك به وذكري. (5/7)
وقال قوم: هو معطوف على الضمير من به وهو مذهب كوفيّ وتعاور النصب والجرّ هو على معنى وتذكير مصدر ذكر المشدّد.
{اتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }
والظاهر أنّ الضمير في من دونهاتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} عائد على {ربكم}. وقيل على ما وقيل على الكتاب والمعنى لا تعدلوا عنه إلى الكتب المنسوخة. وقيل أراد بالأولياء الشياطين شياطين الجنّ والإنس وإنهم الذين يحملون على عبادة الأوثان والأهواء والبدع ويضلّون عن دين الله. وقرأ الجحدري: ابتغوا من الإبتغاء. وقرأ مجاهد ومالك بن دينار. ولا تبتغوا من الابتغاء أيضاً والظاهر أنّ الخطاب هو لجميع الناس. وقال الطبري وحكاه: التقدير {قل اتبعوا} فحذف القول لدلالة الإنذار المتقدّم الذكر عليه وانتصب {قليلاً} على أنه نعت لمصدر محذوف {وما} زائدة أي يتذكرون تذكراً قليلاً أي حيث يتركون دين الله ويتّبعون غيره وأجاز الحوفي أن يكون نعتاً لمصدر محذوف والناصب له ولا تتّبعوا أي اتّباعاً قليلاً. وحكى ابن عطيّة عن الفارسيّ: إن {ما} موصولة بالفعل وهي مصدرية انتهى. وتمّم غيره هذا الإعراب بأنّ نصب قليلاً على أنه نعت لظرف محذوف أي زماناً قليلاً نذكّركم أخبر أنهم لا يدّعون الذكر إنما يعرض لهم في زمان قليل وما يذكرون في موضع رفع على أنه مبتدأ والظرف قبله في موضع الخبر وأبعد من ذهب إلى أن {ما} نافية. وقرأ حفص والإخوان {تذكرون} بتاء واحدة وتخفيف الذال، وقرأ ابن عامر {يتذكرون} بالياء والتاء وتخفيف الذال، وقرأ باقي السبعة بتاء الخطاب وتشديد الذال وقرأ أبو الدرداء وابن عباس وابن عامر في رواية بتاءين، وقرأ مجاهد
بياء وتشديد الذال. (5/8)
{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}
{كم} هنا خبرية التقدير وكثير من القرى أهلكناها وأعاد الضمير في أهلكناها على معنى كم وهي في موضع رفع بالابتداء وأهلكناها جملة في موضع الخبر وأجازوا أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل يفسّره أهلكناها تقديره وكم من قرية أهلكناها ولا بدّ في الآية من تقدير محذوف مضاف لقوله أو هم قائلون فمنهم من قدّره وكم من أهل قرية ومنهم من قدّره أهلكنا أهلها وينبغي أن يقدّر عند قوله {فجاءها} أي فجاء أهلها لمجيء الحال من أهلها بدليل أو هم قائلون لأنه يمكن إهلاك القرى بالخسف والهدم وغير ذلك فلا ضرورة تدعو إلى حذف المضاف قبل قوله {فجاءها}. وقرأ ابن أبي عبلة {وكم من قرية أهلكناهم فجاءهم} فيقدّر المضاف وكم من أهل قرية ولا بد من تقديره صفة للقرية محذوفة أي من قرية عاصية ويعقّب مجيء البأس وقوع الإهلاك لا يتصوّر فلا بدّ من تجوّز إما في الفعل بأن يراد به أردنا إهلاكها أو حكمنا بإهلاكها {فجاءها بأسنا} وأما أن يحتلف المدلولان بأن يكون المعنى أهلكناها بالخذلان وقلة التوفيق فجاءها بأسنا بعد ذلك وإما أن يكون التجوّز في الفاء بأن تكون بمعنى الواو وهو ضعيف أو تكون لترتيب القول فقط فكأنه أخبر عن قرى كثيرة أنه أهلكها ثم قال فكان من أمرها مجيء البأس.
وقال الفرّاء: إنّ الإهلاك هو مجيء البأس ومجيء البأس هو الإهلاك فلما تلازما لم يبالِ أيّهما قدّم في الرتبة، كما تقول شتمني فأساء وأساء فشتمني لأن الإساءة والشتم شيء واحد. وقيل: الفاء ليست للتعقيب وإنما هي للتفسير، كقوله: توضّأ فغسل كذا ثم كذا وانتصب بياناً على الحال وهو مصدر أي {فجاءها بأسنا} بائتين أو قائلين وأو هنا للتنويع أي جاء مرة ليلاً كقوم لوط ومرة وقت القيلولة كقوم شعيب وهذا فيه نشر لما لفّ في قوله {فجاءها} وخصّ مجيء البأس بهذين الوقتين لأنهما وقتان للسكون والدّعة والاستراحة فمجيء العذاب فيهما أقطع وأشقّ ولأنه يكون المجيء فيه على غفلة من المهلكين، فهو كالمجيء بغتةً وقوله {أو هم قائلون} جملة في موضع الحال ونصّ أصحابنا أنه إذ دخل على جملة الحال واو العطف فإنه لا يجوز دخول واو الحال عليها فلا يجوّز جاء زيد ماشياً أو وهو راكب. (5/9)
وقال الزمخشري: (فإن قلت): لا يقال جاء زيد هو فارس بغير واو فما بال قوله تعالى: {أو هم قائلون} (قلت): قدّر بعض النحويين الواو محذوفة ورده الزّجاج. وقال: لو قلت جاءني زيد راجلاً أو هو فارس أو جاءني زيد هو فارس لم يحتج فيه إلى واو لأنّ الذكر قد عاد إلى الأول والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حُذفت الواو استثقالاً لاجتماع حر في عطفه لأنّ واو الحال هي واو العطف استُعيرت للوصل فقولك جاء زيد راجلاً أو هو فارس كلام فصيح وارد على حدّة وأما جاءني زيد هو فارس فخبيث انتهى.
فأما بعض النحويين الذي اتهمه الزمخشري فهو الفرّاء، وأما قول الزّجاج في التمثيلين لم يحتج فيه إلى الواو لأنّ الذكر قد عاد إلى الأول ففيه إبهام وتعيينه لم يجز دخولها في المثال الأول ويجوز أن يدخل في المثال الثاني فانتفاء الاحتياج ليس على حدّ سواء لأنه في الأول لامتناع الدخول وفي الثاني لكثرة الدخول لا لامتناعه، وأما قول الزمخشري والصحيح إلى آخرها فتعليليه ليس بصحيح لأنّ واو الحال ليست حرف عطف فيلزم من ذكرها اجتماع حر في عطف لأنها لو كانت للعطف للزم أن يكون ما قبل الواو حالاً حتى يعطف حالاً على حال فمجيئها في ما لا يمكن أن يكون حالاً دليل على أنها ليست واو عطف ولا لحظ فيها معنى واو عطف تقول جاء زيد والشمس طالعة فجاء زيد ليس بحال فيعطف عليه جملة حالية وإنما هذه الواو مغايرة لواو العطف بكل حال وهي قسم من أقسام الواو كما تأتي للقسم وليست فيه للعطف إذا قلت والله ليخرجنّ وأما قوله: فخبيث فليس بخبيث وذلك أنه بناه على أن الجملة الإسمية إذا كان فيها ضمير ذي الحال فإنّ حذف الواو منها شاذ وتبع في ذلك الفرّاء وليس بشاذ بل هو كثير وقوعه في القرآن وفي كلام العرب نثرها ونظمها وهو أكثر من رمل بيرين ومها فلسطين وقد ذكرنا كثرة مجيء ذلك في شرح التسهيل وقد رجع عن هذا المذهب الزمخشري إلى مذهب الجماعة. (5/10)
{فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ }
ودعواهم اسم كان وإلا أن قالوا الخبر وأجازوا العكس والأول هو الذي يقتضي نصوص المتأخّرين أن لا يجوز إلا هو فيكون دعواهم الإسم و{إلا أن قالوا} الخبر لأنه إذا لم تكن قرينة لفظية ولا معنوية تبين الفاعل من المفعول وجب تقديم الفاعل وتأخير المفعول نحو: ضرب موسى عيسى وكان وأخواتها مشبّهة في عملها بالفعل الذي يتعدّى إلى واحد، فكما وجب ذلك فيه وجب ذلك في المشبّه به وهو كان ودعواهم وإلا أن قالوا لا يظهر فيهما لفظ يبين الإسم من الخبر ولا معنى فوجب أن يكون السابق هو الإسم واللاحق الخبر. (5/11)
وجمعت الموازين باعتبار الموزونات والميزان واحد، هذا قول الجمهور. وقال الحسن لكل أحد يوم القيامة ميزان على حدة وقد يعبّر عن الحسنات بالموازين فيكون ذلك على حذف مضاف أي من ثقلت كفّه موازينه أي موزوناته فيكون موازين جميع موزون لا جمع ميزان، وكذلك ومن خفّت كفّة حسناته و{الوزن}.
مبتدأ وخبره ظرف الزمان والتقدير والوزن كائن يوم أن نسألهم ونقّص عليهم وهو يوم القيامة و{الحقّ} صفة للوزون ويجوز أن يكون {يومئذ} ظرفاً للوزن معمولاً له و{الحقّ} خبر ويتعلّق {بآياتنا} بقوله {يظلمون} لتضمّنه معنى يكذّبون أو لأنها بمعنى يجحدون وجحد تعدّى بالباء قال: {وجحدوا بها} والظاهر أنّ هذا التقسيم هو بالنسبة للمؤمنين من أطاع ومن عصى وللكفّار فتوزن أعمال الكفار.
{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَتِنَا يَظْلِمُونَ * وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِى الأٌّرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }
والمعائش جمع معيشة ويحتمل أن يكون وزنها مفعلة ومفعلة بكسر العين وضمّها قالهما سيبويه. وقال الفرّاء: معيشة بفتح عين الكلمة والمعيشة ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما مما يتوصّل به إلى ذلك وهي في الأصل مصدر تنزّل منزلة الآلات. وقيل على حذف مضاف التقدير أسباب معايش كالزرع والحصد والتجارة وما يجري مجرى ذلك. (5/12)
وقرأ الجمهور: معايش بالياء وهو القياس لأنّ الياء في المفرد هي أصل لا زائدة فتهمز وإنما تهمز الزائدة نحو: صحائف في صحيفة، وقرأ الأعرج وزيد بن عليّ والأعمش وخارجة عن نافع وابن عامر في رواية: معائش بالهمزة وليس بالقياس لكنّهم رووه وهم ثقات فوجب قبوله وشذّ هذا الهمز، كما شذ في منابر جمع منارة وأصلها منورة وفي مصائب جمع مصيبة وأصلها مصوبة وكان القياس مناور ومصاوب. وقد قالوا مصاوب على الأصل كما قالوا في جمع مقامة مقاوم ومعونة معاون، وقال الزّجاج: جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ ولا أعلم لها وجهاً إلا التشبيه بصحيفة وصحائف ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة. وقال المازنيّ: أصل أخذ هذه القراءة عن نافع ولم يكن يدري ما العربية وكلام العرب التصحيح في نحو هذا انتهى. ولسنا متعبّدين بأقوال نحاة البصرة. وقال الفرّاء: ربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهّمون أنها فعلية فيشبّهون مفعلة بفعيلة انتهى. فهذا نقل من الفرّاء عن العرب أنهم ربما يهمزون هذا وشبهه وجاء به نقل القراءة الثقات ابن عامر وهو عربيّ صراح وقد أخذ القرآن عن عثمان قبل ظهور اللحن والأعرج وهو من كبار قرّاء التابعين وزيد بن عليّ وهو من الفصاحة والعلم بالمكان الذي قلّ أن يدانيه في ذلك أحد، والأعمش وهو من الضبط والإتقان والحفظ والثقة بمكان، ونافع وهو قد قرأ على سبعين من التابعين وهم من الفصاحة والضبط والثقة بالمحلّ الذي لا يجهل، فوجب قبول ما نقلوه إلينا ولا مبالاة بمخالفة نحاة البصرة في مثل هذا، وأما قول
المازنيّ أصل أخذ هذه القراءة عن نافع فليس بصحيح لأنها نقلت عن ابن عامر وعن الأعرج وزيد بن عليّ والأعمش وأما قوله إنّ نافعاً لم يكن يدري ما العربية فشهادة على النفي ولو فرضنا أنه لا يدري ما العربية وهي هذه الصناعة التي يتوصل بها إلى التكلم بلسان العرب فهو لا يلزمه ذلك إذ هو فصيح متكلم بالعربية ناقل للقراءة عن العرب الفصحاء وكثير من هؤلاء النحاة يسيئون الظنّ بالقرّاء ولا يجوز لهم وإعراب {قليلاً ما تشكرون} كإعراب {قليلاً ما تذكرون}. (5/13)
{وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ }
قلنا ما أن تكون فيه ثم بمعنى الواو فلم ترتّب ويكون الترتيب بين الخلق والتصوير أو تكون ثم في {ثم قلنا} للترتيب في الإخبار لا في الزمان وهذا أسهل محمل في الآية ومنهم من جعل {ثم} للترتيب في الزمان واختلفوا في الممخاطب، فقيل المراد به آدم وهو من إطلاق الجمع على الواحد، وقيل المراد به بنوه فعلى القول الأول يكون الخطاب في الجملتين لآدم لأنّ العرب تخاطب العظيم الواحد بخطاب الجمع، وقيل الخطاب في الأولى ئدم و4ي الانية ألذرّيته فتحصل المهلة بينهم {وثم} الثالثة لترتيب الأخبار، وروى هذا العوفي عن ابن عباس. وقيل: خلقناكم لآدم ثم صوّرناكم لبنيه يعني في صلبه عند أخذ الميثاق ثم قلنا فيكون الترتيب واقعاً على بابه وعلى القول الثاني وهو أنّ الخطاب لبني آدم، فقيل: الخطاب على ظاهره وإن اختلف محل الخلق والتصوير فروي الحرث عن ابن عباس خلقناكم في ظهر آدم ثم صوّرناكم في الأرحام، وقال ابن جبير عنه خلقناكم في أصلاب الرجل ثم ثوّرناكم في أرحام النساء، وقاله عكرمة وقتادة والضحّاك والأعمش، وقال ابن السائب خلقناكم نطفاً في أصلاب الرجال وترائب النساء ثم صوّرناكم عند اجتماع النطف في الأرحام، وقال معمّر بن راشد حاكياً عن بعض أهل العلم خلقناكم في بطون أمهاتكم وصوّرناكم فيها بعد الخلق شقّ السّمع والبصر {وثم} على هذه الأقوال في قوله {ثم قلنا} للترتيب في الأخبار، وقيل الخطاب لبني آدم إلا أنه على حذف مضاف التقدير ولقد خلقناكم أرواحكم ثم صوّرنا أجسامكم حكاه القاضي أبو يعلى في المعتمد ويكون {ثم} في {ثم قلنا} الترتيب الأخبار، وقيل التقدير ولقد خلقنا أباكم ثم صوّرنا أباكم ثم قلنا فثم على هذا للترتيب الزماني والمهلة على أصل وضعها، وقيل هو من تلوين الخطاب يخاطب العين ويراد به الغير فيكون الخطاب لبني آدم والمراد آدم كقوله {وإذ نجّيناكم من آل فرعون} {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون وإذ قتلتم نفساً} هو خطاب لمن كان بحضرة (5/14)
الرسول من بني إسرائيل والمراد أسلافهم. ومنه قول الشاعر: (5/15)
إذا افتخرت يوماً تميم بقوسها
وزادت على ما وطّدت من مناقب
فأنتم بذي قارٍ أمالت سيوفكم
عروش الذين استرهنوا قوس حاجب وقوله {لم يكن من السّاجدين} جملة لا موضع لها من الإعراب مؤكدة لمعنى ما أخرجه الاستثناء من نفي سجود إبليس كقوله {أبي واستكبر} بعد قوله {إلا إبليس} في البقرة.
الظاهر أنّ لا زائدة تفيد التوكيد والتحقيق كهي في قوله لئلا يعلم أي لأن يعلم وكأنه قيل ليتحقّق علم أهل الكتاب وما منعك أن تحقّق السجود وتلزمه نفسك إذ أمرتك ويدلّ على زيادتها قوله تعالى ما منعك أن تسجدقَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} وسقوطها في هذا دليل على زيادتها في {ألاّ تسجد} والمعنى أنه وبّخه وقرّعه على امتناعه من السجود وإن كان تعالى عالماً بما منعه من السجود وما استفهامية تدلّ على التوبيخ كما قلنا وأنشدوا على زيادة لا قول الشاعر:
أفعنك لا برق كأنّ وميضه
غاب يقسمه ضرام مثقب وقول الآخر:
أبي جوده لا البخل واستعجلت به
نعم من فتى لا يمنع الجود قائله وأقول لا حجّة في البيت الأول إذ يحتمل أن لا تكون فيه لا زائدة لاحتمال أن تكون عاطفة وحذف المعطوف والتقدير أفعنك لا عن غيرك وأما البيت الثاني فقال الزّجاج لا مفعولة والبخل بدل منها، وقال أبو عمرو بنُ العلاء: الرواية فيه لا البخل بخفض اللام جعلها مضافة إلى البخل لأنّ لا قد ينطق بها ولا تكون للبخل انتهى. وقد خرّجته أنا تخريجاً آخر وهو أن ينتصب البخل على أنه مفعول من أجله ولا مفعولة، وقال قوم: لا في أن لا تسجد ليست زائدة واختلفوا، فقيل يقدّر محذوف يصحّ معه المعنى وهو ما منعك فأحوجك أن لا تسجد، وقيل يحمل قوله ما منعك يصحّ معه النفي، فقيل معنى ما منعك من أمرك ومن قال لك أن لا تسجد.
{قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ } (5/16)
والضمير في منها لم يتقدّم له مفسر يعود عليه، فقيل: يعود على الجنة وكان إبليس من سكانها، وقيل: يعود على السماء، قال الزمخشري: فاهبط منها من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقرّ العاصين لمتكبرين من الثقلين، وقيل: يعود على الأرض فكأنه كان له ملكها أمره أن يهبط منها إلى جزائر البحار فسلطانه فيها فلا يدخل الأرض إلا كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها وهذا يحتاج إلى صحة نقل، وقيل: يعود على صورته التي كان فيها لأنه افتخر أنه من النار فشوّهب صورته بالإظلام وزوال إشراقه قاله أبو روق، وقيل: عائد على المدينة التي كان فيها ذكره الكرماني ويحتاج إلى تصحيح نقل، وقيل يعود على المنزلة والرّتبة الشريفة التي كان فيها في محل الاصطفاء والتقريب إلى محل الطّرد والتعذيب ومعنى فما يكون لك لا يصح لك أو لا يتم أو لا ينبغي بل التكبّر منهيّ عنه في كل موضع، وقيل: هو على حذف معطوف دلّ عليه المعنى التقدير فيها ولا في غيرها، وقيل المعنى ما للمتكبر أن يكون فيها وكرّر معنى الهبوط بقوله {فاخرج} لأنّ الهبوط منها خروج ولكنه أخبر بصغاره وذلّته وهو أنه جزاء على تكبّره قوبل بالضدّ مما اتّصف به وهو الصغار هو ضدّ التكبر والتكبر تفعل منه لأنه خلق كبيراً عظيماً ولكنه هو الذي تعاطى الكبر ومن كلام عمر ومن تكبّر وعدا طوره رهصه الله إلى الأرض.
{قَالَ أَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ }
الضمير في يبعثون عائد على ما دلّ عليه المعنى إذ ليس في اللفظ ما يعود عليه وحكمة استنظاره وإن كان ذلك سبب للغواية والفتنة إنّ في ذلك ابتلاء تالعباد بمخالفته وطواعيته وما يترتب على ذلك من إعظام الثّواب بالمخالفة وإدامة العقاب بالطواعيّة وأجابه تعالى بأنه من المنظرين أي من المؤخرين ولم يأتِ هنا بغاية للانتظار وجاء مغياً في الحجر وفي ص بقوله {إلى يوم الوقت المعلوم} ويأتي تفسيره في الحجر إن شاء الله، ومعنى من المنظرين من الطائفة التي تأخّرت أعمارها كثيراً حتى جاءت آجالها على اختلاف أوقاتها فقد شمل تلك الطائفة انظار وإن لم يكونوا أحياء مدة الدهر، وقيل من المنظرين جمع كثير مثل قوم يونس. (5/17)
{قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ }
الظاهر أن الباء للقسم وما مصدرية ولذلك تلقيت الالية بقوله: لأقعدن، قال الزمخشري وإنما أقسم بالإغواء لأنّه كان تكليفاً من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد، فكان جديراً أن يقسم به انتهى، وقيل: الباء للسبب أي بسبب إغوائك إياي وعبر ابن عطية عنها بأن يراد بها معنى المجازاة قال: كما تقول فبإكرامك لي يا زيد لأكرمنك قال وهذا أليق بالقصة، قال الزمخشري، (فإن قلت): بم تعلقت الباء فإن تعليقها بلأقعدن تصد عنه لام القسم لا تقول والله بزيد لأمرن (قلتلله تعلقت بفعل القسم المحذوف تقديره {فبما أغويتني} أقسم بالله {لأقعدن} أي بسبب إغوائك أقسم انتهى، وما ذكره من أن اللام تصدّ عن تعلّق الباء بلأقعدن ليس حكماً مجمعاً عليه بل في ذلك خلاف، وقيل: ما استفهامية كأنه استفهم عن السبب الذي أغواه وقال بأي شيء أغويتني ثم ابتدأه مقسماً فقال: لأقعدنّ لهم وضعف بإثبات الألف في ما الاستفهامية، وذلك شاذّ أو ضرورة نحو قولهم عما تسأل فهذا شاذّ والضرورة كقوله:
على ما قام يشتني لئيم
قالو وانتصب {صراطك} على إسقاط على قاله الزجاج، وشبه بقول العرب ضرب زيد الظهر والبطن أي على الظهر والبطن وإسقاط حرف الجرّ لا ينقاس في مثل هذا لا يقال قعدت الخشبة تريد قعدت على الخشبة قالوا أو على الظرف كما قال الشّاعر فيه. (5/18)
كما عسل الطريق الثعلب
وهذا أيضاً تخريج فيه ضعف لأنّ {صراطك} ظرف مكان مختص وكذلك الطريق فلا يتعدّى إليه الفعل إلا بواسطة في، وما جاء خلاف ذلك شاذّ أو ضرورة وعلى الضرورة أنشدوا:
كما عسل الطريق الثعلب
وما ذهب إليه أبو الحسين بن الذرّاوة من أنّ الصراط والطريق ظرف مبهم لا مختص ردّه عليه أهل العربية، والأولى أن يُضمّن {لأقعدنّ} معنى ما يتعدّى بنفسه فينتصب الصّراط على أنه مفعول به والتقدير لألزمنّ بقعودي صراطك المستقيم.
{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِرِينَ }
وقال الزمخشري: (فإن قلت): كيف قيل من بين أيديهم ومن خلفهم بحرف الابتداء و{عن أيمانهم وعن شمائلهم} بحرف المجاوزة، (قلت): المفعول فيه عدى إليه الفعل تعديته إلى المفعول به كما اختلفت حروف التعدية في ذلك اختلفت في هذا وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه وعن شماله وعلى شماله قلنا معنى على يمينه أنه يمكن من جهة اليمين تمكن المستعلى من المستعلي عليه ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره كما ذكرنا في فعال ونحوه من المفعول به قولهم رميت عن القوس وعلى القوس ومن القوس لأنّ السّهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها فكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل ومن بين يديه ومن خلفه لأنن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول جئته من الليل تريد بعض الليل انتهى، وهو كلام لا بأس به، وأقول إنما خصّ بين الأيدي والخلف بحرف الابتداء الذي هو أمكن في الإتيان لأنهما أغلب ما يجيء العدو منهما فينال فرصته وقدم بين الأيدي على الخلف لأنها الجهة التي تدلّ على إقدام العدوّ وبسالته في مواجهة قرنه غير خائف منه والخلف من جهة غدر ومخاتلة وجهالة القرن بمن يغتاله ويتطلب غرّته وغفلته وخصّ الأيمان والشمائل الحرف الذي يدل على المجاوزة لأنهما ليستا بأغلب ما يأتي منهما العدوّ وإنما يتجاوز إتيانه إلى الجهة التي هي أغلب في ذلك وقدمت الأيمان على الشمائل لأنها الجهة التي هي القوية في ملاقاة العدوّ، وبالأيمان البطش والدفع فالقرن الذي يأتي من جهتها أبسل وأشجع إذ جاء من الجهة التي هي أقوى في الدفع والشمائل جهة ليست في القوة والدفع كالأيمان. (5/19)
وهذه الجملة المنفية يحتمل أن تكون داخلة في خبر القسم معطوفة على جوابه ويحتمل أن تكون استئناف إخبار لي مقسماً عليه أخبر أنّ سعايته وإتيانه إيّاهم من جميع الوجوه يفعل ذلك وهو هذا الإخبار منه كان على سبيل التظني لقوله {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} أو على سبيل العلم قولان وسبيل العلم إما رؤيته ذلك في اللوح المحفوظ أو استفادته من قوله {وقليل من عبادي الشكور} أو من الملائكة بإخبار الله لهم أو بقولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها} أو بإغواء آدم وذريته أضعف منه أو يكون قوى ابن آدم تسعة عشر قوة. (5/20)
الجمهور على أنّ الضمير عائد على الجنة والخلاف فيه كالخلاف في فاهبط منهاقَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا} وهذه ثلاث أوامر أمر بالهبوط مطلقاً، وأمر بالخروج مخبراً أنه ذو صغار، وأمر بالخروج مقيداً بالذمّ والطرد، وقال قتادة: {مذؤوماً} لعيناً، وقال الكلبي: ملوماً، وقال مجاهد: منفيّاً، وقيل: ممقوتاً و{مدحوراً} مبعداً من رحمة الله أو من الخير أو من الجنة أو من التوفيق أو من خواصّ المؤمنين أقوال متقاربة، وقرأ الزهري وأبو جعفر والأعمش: مذوماً بضم الذال من غير همز فتحتمل هذه القراءة وجهين أحدهما، وهو الأظهر، أن تكون من ذأم المهموز سهل الهمزة وحذفها وألقى حركتها على الذّال والثاني أن يكون من ذام غير المهموز يذيم كباع يبيع فأبدل الواو بياء كما قالوا في مكيل مكول، وانتصب {مدحوراً} على أنه حال ثانية على من جوّز ذلك أو حال من الضمير في {مذؤوماً} أو صفة لقوله {مذؤوماً}.
{قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ }
قرأ الجمهور لمن بفتح اللام الابتداء ومن موصولة و{لأملأنّ} جواب قسم محذوف بعد من تبعك وذلك القسم المحذوف وجوابه في موضع خبر من الموصولة، وقرأ الجحدري وعصمة عن أبي بكر عن عاصم {لمن تبعك منهم} بكسر اللام واختلفوا في تخريجها، فقال ابن عطية: المعنى لأجل من تبعك منهم {لأملأُّنّ} انتهى، فظاهر هذا التقدير أنّ اللام تتعلق بلأملأن ويمتنع ذلك على قول الجمهور أن ما بعد لام القسم لا يعمل فيما قبله، وقال الزمخشري بمعنى لمن تبعك منهم الوعيد وهو قوله {لأملأنّ جهنم منكم أجمعين} على أنّ {لأملأن} في محل الابتداء و{لمن تبعك} خبره انتهى فإن أراد ظاهر كلامه فهو خطأ على مذهب البصريين لأنّ قوله {لأملأنّ} جملة هي جواب قسم محذوف فمن حيث كونها جملة فقط لا يجوز أن تكون مبتدأة ومن حيث كونها جواباً للقسم يمتنع أيضاً لأنها إذ ذاك من هذه اليثية لا موضع لها من الإعراب ومن حيث كونها مبتدأة لها موضع من الإعراب ولا يجوز أن تكون الجملة لها موضع ولا موضع لها بحال لأنه يلزم أن تكون في موضع رفع لا في موضع رفع داخلاً عليها عامل غير داخل وذلك لا يتصور، وقال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي: اللام متعلقة من الذأم والدّحر ومعناه أخرج بهاتين الصفتين لأجل أتباعك ذكر ذلك في كتاب اللوامح في شواذ القراآت ومعنى {منكم منك وممن تبعك فغلب الخطاب على الغيبة كما تقول أنت وإخوتك أكرمكم. (5/21)
ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الجرة فتكونا من الظالمين. أي وقلنا يا آدم وتقدّم تفسير هذه الآية في البقرة. إلا أن هنا فكلا من حيث شئتما وفي البقرة وكلا منها رغداً حيث شئتما}، قالوا: وجاءت على أحد محاملها وهو أن يكون الثاني بعد الأول وحذف رغداً هنا على سبيل الاختصار وأثبت هناك لأنّ تلك مدنية وهذه مكية فوُفّي المعنى هناك باللفظ.
{ لله
والظاهر أنّ اللام لام كي قصد إبداء سوآتهما وتنحطّ مرتبتهما بذلك ويسوؤهما بكشف ما ينبغي ستره ولا يجتنبان نهى الله فيكونن هو وهما سواء في المخالفة هو أمر بالسجود فأبى، وهما نهيا فلم ينتهيا، وقال قوم: إنها لام الصيرورة لأنه لم يكن له علم بهذه العقوبة المخصوصة فيقصدها. (5/22)
وقرأ الجمهور ووريفَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَنُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ }، وقرأ عبد الله أوري بإبدال الواو همزة وهو بدل جائز، وقرأ ابن وثاب ما وري بواو مضمومة من غير واو بعدها على وزن كسى، وقرأ مجاهد والحسن من سوّتهما بالإفراد وتسهيل الهمزة بإبدالها واواً وإدغام الواو فيها، وقرأ الحسن أيضاً وأبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصّاح من سوّاتهما بتسيهل الهمزة وتشديد الواو، وقرىء من سواتهما بواو واحدة وحذف الهمزة ووجهه أنه حذفها وألقى حركتها على الواو فمن قرأ بالجمع فهو من وضع الجمع موضع التثنية كراهة اجتماع مثلين ومن قرأ بالإفراد فمن وضعه موضع التثنية ويحتمل أن يكون الجمع على أصل وضعه باعتبار أنّ كل عورة هي الدّبر والفرْج وذلك أربعة: فهي جمع وإلا أن تكونا ملكين استثناء مفرّغ من المفعول من أجله أي ما نهاكما ربّكما لشيء إلا كراهة أن تكونا ملكين ويقدره الكوفيّون إلا أن تكونا وإضمار الاسم وهو كراهة أحسن من إضمار الحرف وهو لا.
{
والمقاسمة مفاعلة تقتضي المشاركة في الفعل فتقسم لصاحبك ويقسم لك تقول قاسمت فلاناً خالفته وتقاسما تحالفاً وأما هنا فمعنى وقاسمهما أقسم لهما لأنّ اليمين لم يشاركاه فيها. وهو كقول الشاعر:
وقاسمهما بالله جهداً لأنتم
ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها وفاعل قد يأتي بمعنى أفعل نحو باعدت الشيء وأبعدته، وقال ابن عطية وقاسمهما أي حلف لهما وهي مفاعلة إذ قبول المحلوف له وإقباله على معنى اليمين كالقسم وتقريره وإن كان بادي الرأي يعني أنها من واحد، وقال الزمخشري: كأنه قال لهما أقسم لكما أني لمن الناصحين وقالا له أتقسم بالله إنك لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمة بينهم أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها أو أخرج قسم إبليس على وزن المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم انتهى، وقرىء وقاسمهما بالله ولكماوَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ} متعلّق بمحذوف تقديره ناصح لكما أو أعني أو بالناصحين على أنّ أل موصولة وتسومح في الظرف والمجرور ما لا يتسامح في غيرهما أو على أنّ أل لتعريف الجنس لا موصولة أوجه مقولة. (5/23)
وقال الأزهري: لهذه الكلمة أصلان أحدهما أنّ الرجل يدلي دلوه في البئر ليأخذ المائ فلا يجد فيها ماء، وضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه فيقال: دلاّه أي أطمعه الثاني جرأهما على أكل الشجرة والأصل فيه دللهما من الدّال والدّلالة وهما الجراءة انتهى، فأبدل من المضاعف الأخير حرف علة، كما قالوا: تظنيت وأصله تظننت.
والأولى أن يعود الضمير في عليهمافَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} على عورتيهما كأنه قيل {يخصفان} على سوآتهما من ورق الجنة، وعاد بضمير الاثنين لأن الجمع يراد به اثنان ولا يجوز أن يعود الضمير على آدم وحواء لأنه تقرر في علم العربية أنه لا يتعدى فعل الظاهر والمضمر المتصل إلى المضمر المتصل المنصوب لفظاً أو محلاًّ في غير باب ظنّ وفقد وعلم ووجد لا يجوز زيد ضربه ولا ضربه زيد ولا زيد مر به زيد فلو جعلنا الضمير في {عليهما} عائداً على آدم وحواء للزم من ذلك تعدّى يخصف إلى الضمير المنصوب محلاً وقد رفع الضمير المتصل وهو الألف في يخصفان فإن أخذ ذلك على حذف مضاف مراد جاز ذلك وتقديره يخصفان على بدنيهما، قال ابن عباس: الورق الذي خصفا منه ورق الزيتون، وقيل: ورق شجر التين، وقيل: ورق الموز ولم يثبت تعيينها لا في القرآن ولا في حديث صحيح، وقرأ أبو السّمال {وطفقا} بفتح الفاء، وقرأ الزهري {يخصفان} من أخصف فيحتمل أن يكون أفعل بمعنى فعل ويحتمل أن تكون الهمزة للتعدية من خصف أي يخصفان أنفسهما، وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وابن وثاب {يخصفان} بفتح الياء وكسر الخاء والصاد وشدّها، وقرأ الحسن فيما روى عنه محبوب كذلك إلا أنه فتح الخاء، ورويت عن ابن بريدة وعن يعقوب، وقرىء {يخصفان} بالتشديد من خصف على وزن فعل، وقرأ عبد الله بن يزيد {يخصفان} بضمّ الياء والخاء وتشديد الصاد وكسرها وتقرير هذه القراآت في علم العربية. (5/24)
{وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوّ مبين} لما كان وقت الهناء شرّف بالتصريح باسمه في النداء فقيل ويا آدم اسكن وحين كان وقت العتاب أخبر أنه ناداه ولم يصرّح باسمه.
وقيل: النداء لآدم على الحقيقة ولم يرو قط أنّ الله كلم حواء والنداء هو دعاء الشّخص باسمه العلم أو بنوعه أو بوصفه ولم يصرّح هنا بشيء من ذلك والجملة معمولة لقول محذوف أي قائلاً: ألم أنهكما وهو استفهام معناه العتاب على ما صدر منهما. (5/25)
قيل: ألم أنهكما عن تلكما فأشير إلى الشجرة باللفظ الدّال على البعد والإنذار بالخروج منها {وأقلّ لكما} إشارة إلى قوله تعالى: {فقلنا يا آدم إنّ هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}.
{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ }
ولنكوننّ جواب قسم محذوف قبل {إن} كقوله {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ} التقدير والله إن لم يغفر لنا وأكثر ما تأتي إنّ هذه ولام التوطئة قبلها كقوله {لئن لم ينته}.
{قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون}. هذا كالتفسير لقوله {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} أي بالحياة إلى حين الموت ولذلك جاء قال بغير واو العطف إذ الأكثر في لسان العرب إذا لم تكن الجملة تفسيرية أو كالتفسيرية أن تعطف على الجملة قبلها فتقول قال فلان كذا، وقال كذا وتقول زيد قائم وعمرو قاعد ويقل في كلامهم قال فلان كذا قال كذا وكذلك يقل زيد قائم عمرو قاعد وهنا جاء {قال اهبطوا} الآية {قال فيها تحيون} لما كانت كالتفسير لما قبلها وتمم هنا المقصود بالتنبيه علي البعث والنشور بقوله {ومنها تخرجون} أي إلى المجازاة بالثواب والعقاب وهذا كقوله {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}. وقرأ الأخوان وابن ذكوان {تخرجون} مبنياً للفاعل هنا وفي الجاثية والزخرف وأوّل الروم وعن ابن ذكوان في أوّل الروم خلاف، وقرأ باقي السّبعة مبنياً للمفعول.
{يَبَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَرِى سَوْءَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } (5/26)
وعطف الريش على {لباساً} يقتضي المغايرة وأنه قسيم للباس لا قسم منه، وقرأ عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسلمي وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء وزر بن حبيش وعاصم في رواية وأبو عمرو في رواية ورياشا، فقيل: هما مصدران بمعنى واحد راشه الله يريشه ريشاً ورياشاً أنعم عليه، وقال الزمخشري: جمع ريش كشعب وشعاب، وقال الزّجاج: هما اللباس، وقال الفرّاء: هما ما يستر من ثياب ومال كما يقال لبس ولباس، وقال معبد الجهني: الرياش المعاش، وقال ابن الأعرابي: الريش الأكل والشرب والرياش المال المستفاد، وقيل: الريش ما بطن والرياش ما ظهر.
وقرأ الصاحبان والكسائي: {ولباس التقوى} بالنصب عطفاً على المنصوب قبله، وقرأ باقي السّبعة بالرفع، فقيل هو على إضمار مبتدأ محذوف أي وهو لباس التقوى قاله الزّجاج {وذلك خير} على هذا مبتدأ وخبر وأجاز أبو البقاء أن يكون {ولباس} مبتدأ وخبره محذوف تقديره ولباس التّقوى ساتر عوراتكم، وهذا ليس بشيء والظاهر أنه مبتدأ ثانٍ {وخير خبره} والجملة خبر عن {ولباس التقوى} والرابط اسم الإشارة وهو أحد الروابط الخمس المتفق عليها في ربط الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ إذا لم يكن إياه، وقيل: ذلك بدل من لباس، وقيل: عطف بيان، وقيل: صفة وخبر {ولباس} هو {خير}، وقال الحوفي: وأنا أرى أن لا يكون ذلك نعتاً للباس التقوى لأنّ الأسماء المبهمة أعرف مما فيه الألف واللام وما أضيف إلى الألف واللام وسبيل النعت أن يكون مساوياً للمنعوت أو أقلّ منه تعريفاً فإن كان قد تقدّم قول أحدٍ به فهو سهو وأجاز الحوفي أن يكون ذلك فصلاً لا موضع له من الإعراب ويكون {خير} خبراً لقوله {ولباس التقوى} فجعل اسم الإشارة فصلاً كالمضمر ولا أعلم أحداً قال بهذا وأما قوله فإن كان قد تقدّم قول أحد به فهو سهو فقد ذكره ابن عطية وقال: هو أنبل الأقوال ذكره أبو علي في الحجة انتهى؛ وأجازه أيضاً أبو البقاء وما ذكره الحوفي هو الصواب على أشهر الأقوال في ترتيب المعارف، وقرأ عبد الله وأبيّ ولباس التقوى خير بإسقاط ذلك فهو مبتدأ وخبر. (5/27)
وينزع حال من الضمير في أخرجيَبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَآ إِنَّهُ} أو من {أبويكم} لأنّ الجملة فيها ضمير الشيطان وضمير الأبوين فلو كان بدل ينزع نازعاً تعين الأول لأنه إذ ذاك لوجوز الثاني لكان وصفاً جرى على غير من هوله فكان يجب إبراز الضمير وذلك على مذهب البصريين وينزع حكاية أمر قد وقع لأنّ نزع اللباس عنهما كان قبل الإخراج ونسب النزع إلى الشيطان لما كان متسبباً فيه. (5/28)
{يَبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }
والظاهر أن الضمير في أنه عائد على الشيطان، وقال الزمخشري: والضمير في {أنه} ضمير الشأن والحديث انتهى، ولا ضرورة تدعو إلى هذا {وقبيله} معطوف على الضمير المستكن في {يراكم} ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أو معطوفاً على موضع اسم إن على مذهب من يجيز ذلك، وقرأ اليزيدي {وقبيله} بنصب اللام عطفا على اسم إنّ إن كان الضمير يعود على اليطان {وقبيله} مفعول معه أي مع قبيله، وقرىء شاذاً من حيث لا ترونه بإفراد الضمير فيحتمل أن يكون عائداً على الشيطان {وقبيله} إجراء له مجرى اسم الإشارة فيكون كقوله:
فيها خطوط من سواد وبلق
كأنه في الجلد توليع البهق أي كان ذلك ويحتمل أن يكون عاد الضمير على الشيطان وحده لكونه رأسهم وكبيرهم وهم له تبع وهو المفرد بالنّهي أولاً.
{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ * يَبَنِى ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (5/29)
بدأ الشيء أنشأه واخترعه، الجمل الحيوان المعروف وجمعه جمال وأجمل ولا يسمّى جملاً حتى يبلغ أربع سنين والجمل حبل السفينة ولغاته تأتي في المركبات. سمّ الخياط ثقبه وتضم سين سم وتفتح وتكسر، وكل ثقب في أنف أو أذن أو غير ذلك، فالعرب تسميه سماً والخياط وهما آلتان كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع. الغل الحقد والإحنة الخفية في النفس وجمعها غلال ومنه الغلول أخذ في خفاء. نعم حرف يكون تصديقاً لإثبات محض أو لما تضمّنه استفهام وكسر عينها لغة لقريش وإبدال عينها بالحاء لغة ووقوعها جواباً بعد نفي يراد به التقرير نادر. الأعراف جمع عرف وهو المرتفع من الأرض. قال الشاعر:
كل كناز لحمه يناف
كالجبل الموفى على الأعراف وقال الشماخ:
فظلت بأعراف تعادي كأنها
رماح نحاها وجهة الرمح راكز ومنه عرف الفرس وعرف الديك لعللوّهما. الستة رتبة من العدد معروفة وأصلها سدسة فأبدلوا من السين تاء ولزم الإبدال ثم أدغموا الدّال في التاء بعد إبدال الدّال بالتاء ولزم الإدغام وتصغيره سديس وسديسة. الحثّ الإعجال حثثت فلاناً فأحثثت قاله الليث وقال: فهو حثيث ومحثوث {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين}. وأقيموا معطوف على ما ينحل إليه المصدر الذي هو القسط أي بأن أقسطوا وأقيموا وكما ينحل المصدر لأن والفعل الماضي نحو عجبت من قيام زيد وخرج أي من أن قام وخرج وأن والمضارع نحو:
للبس عباءتي وتقرّ عيني (5/30)
أي لأن ألبس عباءة وتقر عيني كذلك ينحل لأن وفعل الأمر ألا ترى أنّ أن توصل بفعل الأمر نحو كتبت إليه بأن فم كما توصل بالماضي والمضارع بخلاف ما المصدرية فإنها لا توصل بفعل الأمر وبخلاف كي إذا لم تكن حرفاً وكانت مصدرية فإنها توصل بالمضارع فقط ولما أشكل هذا التخريج جعل الزمخشري {وأقيموا} على تقدير وقل فقال: أقيموا فيحتمل قوله وقل أقيموا أن يكون {أقيموا} معمولاً لهذا الفعل الملفوظ به، ويحتمل أن يكون قوله {وأقيموا} معطوفاً على {أمر ربي بالقسط} فيكون معمولاً لقل الملفوظ بها أولاً وقدّرها ليبيّن أنها معطوفة عليها وعلى ما خرّجناه نحن يكون في خبر معمول أمر، وقيل: {وأقيموا} معطوف على أمر محذوف تقديره فأقبلوا وأقيموا، {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ} {فريقاً} نصب على الحال وفريقاً عطف عليه والجملة من {هدى} ومن {حقّ} في موضع الصفة لما قبله وقد حذف الضمير من جملة الصفة أي هداهم، وجوّز أبو البقاء أن يكون {فريقاً} مفعول {هدى} {وفريقاً} مفعول أضل مضمرة والجملتان الفعليتان حال، وهدى على إضمار قد أي تعودون قد هدى فريقاً وأضلّ فريقاً، وعلى المعنى الأوّل يحسن الوقف على {تعودون ويكون فريقاً} مفعولاً بهدى ويكون {وفريقاً} منصوباً بإضمار فعل يفسّر قوله {حقّ عليهم الضلالة}، وانتصاب قوله تعالى {وفريقاً} بفعل يفسره ما بعده كأنه قيل وخذل فريقاً حقّ عليهم الضلالة انتهى؛ وهي تقادير على مذهب الاعتزال. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }
والزينة فعلة من التزين وهو اسم ما يُتجمل به من ثياب وغيرها كقوله وازّينت أي بالنبات.
قرأ قتادة قل هي لمن آمن، وقرأ نافع {خالصة} بالرفع، وقرأ باقي السبعة بالنصب فأما النصب فعلى الحال والتقدير {قل هي} مستقرّة {للذين آمنوا} في حال خلوصها لهم يوم القيامة وهي حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبراً لهي و{في الحياة} متعلق بآمنوا ويصير المعنى قل هي خالصة يوم القيامة لمن آمن في الدّنيا ولا يعني بيوم القيامة وقت الحساب وخلوصها كونهم لا يعاقبون عليها وإلى هذا المعنى يشير تفسير ابن جبير، وجوّزوا فيه أن يكون خبراً بعد خبر والخبر الأوّل هو {للذين آمنوا} و{في الحياة الدّنيا} متعلق بما تعلق به للذين وهو الكون المطلق. (5/31)
وقال أبو عليّ في الحجة ويصح أن يعلق قوله {في الحياة الدنيا} بقوله {حرم ولا يصح أن يتعلق بقوله أخرج لعباده} ويجوز ذلك وإن فصل بين الصلة والموصول بقوله {هي للذين آمنوا} لأنّ ذلك كلام يشدّ القصة وليس بأجنبي منها جدّاً كما جاز ذلك في قوله {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلّة} فقوله: {وترهقهم ذلّة} معطوف على {كسبوا} داخل في الصلاة والتعلّق بأخرج هو قول الأخفش، ويصحّ أن يتعلق بقوله {والطيّبات} ويصح أن يتعلق بقوله {من الرّزق} انتهى. وتقادير أبي عليّ والأخفش فيها تفكيك للكلام وسلوك به غير ما تقتضيه الفصاحة، وهي تقادير أعجمية بعيدة عن البلاغة لا تناسب في كتاب الله بل لو قدّرت في شعر الشنفري ما ناسب والنحاة الصّرف غير الأدباء بمعزل عن إدراك الفصاحة وأما تشبيه ذلك بقوله {والذين كسبوا} فليس ما قاله بمتعيّن فيه بل ولا ظاهر بل قوله {جزاء سيئة بمثلها} هو خبر عن النهي أي جزاء سيئة منهم بمثلها وحذف منهم لدلالة المعنى عليه كما حذف من قولهم السّمن منوان درهم أي منوان منه وقوله {وترهقهم ذلة} معطوف على {جزاء سيئة بمثلها} وسيأتي توضيح هذا بأكثر في موضعه إن شاء الله تعالى.
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } (5/32)
وأفرد الأجل لأنه اسم جنس أو لتقارب أعمال أهل كل عصر أو لكون التقدير لكل واحد من أمة، وقال ابن عطية لفظ عنى به الجزء القليل من الزمان والمراد جمع أجزائه انتهى، والمضارع المنفي بلا إذا وقع في الظاهر جواباً لإذا يجوز أن يتلقى بفاء الجزاء ويجوز أن لا يتلقى بها وينبغي أن يعتقد أنّ بين الفاء والفعل مبتدأ محذوفاً وتكون الجملة إذ ذاك إسميّة والجملة الإسمية إذا وقعت جواباً لإذا فلا بد فيها من الفاء أو إذا الفجائية، قال بعضهم: ودخلت الفاء على إذا حيث وقع إلا في يونس لأنها عطفت جملة على جملة بينهما اتصال وتعقيب فكان الموضع موضع الفاء وما في يونس يأتي في موضعه إن شاء الله انتهى، وقال الحوفي ولا يستقدمون معطوف على {لا يستأخرون} انتهى، وهذا لا يمكن لأنّ إذا شرطيّة فالذي يترتب عليها إنما هو مستقبل ولا يترتب على مجيء الأجل في المستقبل إلا مستقبل وذلك يتصور في انتفاء الاستئخار لا في انتفاء الاستقدام لأنّ الاستقدام سابق على مجيء الأجل في الاستقبال فيصير نظير قولك إذا قمت في المستقبل لم يتقدّم قيامك في الماضي ومعلوم أنه إذا قام في المستقبل لم يتقدّم قيامه هذا في الماضي وهذا شبيه بقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى
ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا ومعلوم أن الشيء إذا كان جائياً إليه لا يسبقه والذي تخرج عليه الآية أن قوله {ولا يستقدمون} منقطع من الجواب على سبيل استئناف إخبار أي وهم لا يستقدمون الأجل أي لا يسبقونه وصار معنى الآية أنهم لا يسبقون الأجل ولا يتأخرون عنه.
{يَبَنِى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
هذا الخطاب لبني آدم. قيل: هو في الأول، وقيل: هو مراعى به وقت الإنزال وجاء بصورة الاستقبال لتقوى الإشارة بصحّة النبوة إلى محمد وما في إمّا تأكيد، قال ابن عطية وإذا لم يكن ما لم يجز دخول النون الثقيلة انتهى، وبعض النحويين يجيز ذلك وجواب الشرط {فمن اتقى} فيحتمل أن تكون من شرطيّة وجوابه {فلا خوف} وتكون هذه الجملة الشرطية مستقلة بجواب الشرط الأوّل من جهة اللفظ ويحتمل أن تكون من موصولة فتكون هذه الجملة والتي بعدها من قوله {والذين كذّبوا} مجموعهما هو جواب الشرط وكأنه قصد بالكلام التقسيم وجعل القسمان جواباً للشّرط أي {إما يأتينكم}. (5/33)
{وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِئَايَتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَبِ حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ }
تقدّم الكلام على حتى إذا في الأوائل الأنعام، ووقع في التحرير {حتى} هنا ليس بغاية بل هي ابتداء وجر والجملة بعدها في موضع جرّ وهذا وهم بل معناها هنا الغاية والخلاف فيها إذا كانت حرف ابتداء أهي حرف جر والجملة بعدها في موضع جرّ وتتعلق بما قبلها كما تتعلق حروف الجرّ أم ليست حرف جر ولا تتعلق بما قبلها تعلّق حروف الجر من حيث المعنى لا من حيث الإعراب قولان: الأوّل لابن درستويه والزّجاج، والثاني للجمهور وإذا كانت حرف ابتداء فهي للغاية ألا تراها في قول الشاعر:
سريت بهم حتى تكلّ مطيهم
وحتى الجياد ما يقدن بارسان وقول الآخر:
فما زالت القتلى تمجّ دماءها
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
تفيد الغاية لأن المعنى أنه مد همهم في السير إلى كلال المطي والجياد ومجت الدماء إلى تغيير ماء دجلة. قال الزمخشري: وهي حتى التي يبتدأ بعدها الكلام انتهى، وقال الحوفي وحتى غاية متعلقة بيناً لهم فيحتمل قوله أن يريد التعلق الصّناعي وأن يريد التعلق المعنوي و{يتوفونهم} في موضع الحال وكتبت {أينما} متّصلة وكان قياسه كتابتها بالانفصال لأن ما موصولة كهي في {أنّ ما توعدون لآت} إذ التقدير أين الآلهة التي كنتم تعبدون؟ (5/34)
ويحتمل {وشهدوا} أن يكون مقطوعاً على {قالوا} فيكون من جملة جواب السؤال ويحتمل أن يكون استئناف إخبار من الله تعالى بإقرارهم على أنفسهم بالكفر ولا تعارض بين هذا وبين قوله {والله ربّنا ما كنا مشركين} لاحتمال ذلك من طوائف مختلفة أو في أوقات وجواب سؤالهم ليس مطابقاً من جهة اللفظ لأنه سؤال عن مكان، وأجيب بفعل وهو مطابق من جهة المعنى إذ تقدير السؤال ما فعل معبودوكم من دون الله معكم {قالوا ضلّوا عنا}.
{قَالَ ادْخُلُواْ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِى النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لاٍّولَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ }
أي يقول الله لهم أي لكفار العرب وهم المفترون الكذب والمكذبون بالآيات وذلك يوم القيامة وعبر بالماضي لتحقّق وقوعه وقوله ذلك على لسان الملائكة ويتعلق في أمم في الظاهر بادخلوا والمعنى في جملة {أمم} ويحتمل أن يتعلق بمحذوف فيكون في موضع الحال و{قد خلت من قبلكم} أي تقدّمتكم في الحياة الدنيا أو تقدّمتكم أي تقدّم ذخولها في النار وقدّم الجنّ لأنهم الأصل في الإغواء والإضلال ودلّ ذلك على أنّ عصاة الجنّ يدخلون النار، وفي النار متعلق بخلت على أنّ المعنى تقدّم دخولها أو بمحذوف وهو صفة لأمم أي في أمم سابقة في الزمان كائنة من الجنّ والإنس كائنة في النار أو بادخلوا على تقدير أن تكون في بمعنى مع وقد قاله بعض المفسرين فاختلف مدلول في إذ الأولى تفيد الصحبة والثانية تفيد الظّرفية وإذا اختلف مدلول الحرف جاز أن يتعلق اللفظان بفعل واحد ويكون إذ ذاك {ادخلوا} قد تعدّى إلى الظرف المختص بفي وهو الأصل وإن كان قد تعدّى في موضع آخر بنفسه لا بوساطة في كقوله {وقيل ادخلا النار} {ادخلوا أبواب جهنم} ويجوز أن تكون في باقية على مدلولها من الظرفية و{في النار} كذلك ويتعلّقان بلفظ {ادخلوا} وذلك على أن يكون {في النار} بدل اشتمال كقوله {قتل أصحاب الأخدود النار} ويجوز أن يتعدّى الفعل إلى حرفي جرّ بمعنى واحد على طريقة البدل. (5/35)
{قَالَ ادْخُلُواْ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِى النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لاٍّولَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ }
حتى غاية لما قبلها والمعنى أنهم يدخلون فوجاً ففوجاً لاعناً بعضهم بعضاً إلى انتهاء تداركهم وتلاحقهم في النار واجتماعهم فيها.
وقرأ مجاهد بقطع الألف وسكون الدّال وفتح الراء بمعنى أدرك بعضهم بعضاً، وقرأ حميد أدركوا بضمّ الهمزة وكسر الرّاء أي ادخلوا في إدْراكها، وقال مكي في قراءة مجاهد: إنها ادّركوا بشدّ الدال المفتوحة وفتح الرّاء قال وأصلها ادتركوا وزنها افتعلوا، وقرأ ابن مسعود والأعمش تداركوا ورويت عن أبي عمر انتهى، وقال أبو البقاء، وقرىء إذا {ادّاركوا} بألف واحدة ساكنة والدّال بعدها مشدّدة وهو جمع بين ساكنين وجاز في المنفصل كما جاز في المتصل، وقد قال: بعضهم اثنا عشر بإثبات الألف وسكون العين انتهى ويعني بقوله كما جاز في المتصل نحو الضالين وجان. (5/36)
وأخرى هنا بمعنى آخرة مؤنّث آخر فمقابل أوّل لا مؤنث له آخر بمعنى غير لقوله {وزر أخرى} واللام في {لأولاهم} لام السبب أي لأجل أولاهم لأنّ خطابهم مع الله لا معهم.
{وَقَالَتْ أُولَهُمْ لاٌّخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ }
أي قالت الطائفة المتبوعة للطائفة المتبعة واللام في لأخراهم لام التبليغ نحو قلت لك اصنع كذا لأن الخطاب هو مع أخراهم بخلاف اللام أي في {لأولاهم} فإنها كما وقال مجاهد: معنى {من فضل} من التخفيف لما قال الله {لكل ضعف} قالت الأولى للأخرى لم تبلغوا أملاً بأنّ عذابكم أخفّ من عذابنا ولا فضلتم بالإسعاف انتهى، والفاء في {فما} قال الزمخشري: عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسّلفة {لكلّ ضعف} والذي يظهر أنّ المعنى انتفاء كون فضل عليهم من السّفلة في الدّنيا بسبب اتباعهم إياهم وموافقتهم لهم في الكفر أي اتباعكم إيانا وعدم اتباعكم سواء لأنكم كنتم في الدّنيا أقل عندنا من أن يكون لكم علينا فضل باتباعكم بل كفرتم اختياراً لا إنّا حملناكم على ذلك إجباراً وأنّ قوله {فما} معطوف على جملة محذوفة بعد القول دلّ عليها ما سبق من الكلام والتقدير قالت أولاهم لأخراهم ما دعاؤكم الله بأنّا أضللناكم وسؤالكم ما سألتم فما كان لكم علينا من فضل بضلالكم وأن قوله {فذوقوا العذاب} من كلام الأولى خطاباً للأخرى على سبيل التشفي منهم وأنّ ذوق العذاب هو بما كسبت من الآثام لا بسبب دعواكم أنا أضللناكم، وقيل: {فذوقوا} من خطاب الله لجميعهم. (5/37)
{لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الظَّلِمِينَ }
والتنوين في غواش تنوين صرف أو تنوين عوض قولان وتنوين عوض من الياء أو من الحركة قولان كل ذلك مقرّر في علم النحو، وقرىء {غواش} بالرفع كقراءة عبد الله {وله الجوار المنشئات}.
{وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ }
والذين الجملة من {لا نكلف نفساً} منهم أو الجملة من {أولئك} وما بعده وتكون جملة {لا نكلّف} اعتراضاً بين المبتدأ والخبر، وفائدته أنه لما ذكر قوله وعملوا الصالحات نبه على أن ذلك العمل وسعهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أنّ الجنة مع عظم مجالها يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة، وقال الزمخشري: جملة معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع العظيم بما هو من الواسع وهو الإمكان الواسع غير الضّيق من الإيمان والعمل الصالح انتهى، وفيه دسيسة الاعتزال، { تجري حال قاله الحوفي قال: والعامل فيه {نزعنا}، وقال أبو البقاء: حال والعامل فيها معنى الإضافة وكلا القولين لا يصح لأن {تجري} ليس من صفات الفاعل الذي هو ضمير {نزعنا} ولا صفات المفعول الذي هو {ما في صدورهم} ولأن معنى الإضافة لا يعمل إلا إذا كانت إضافة يمكن للمضاف أن يعمل إذا جرّد من الإضافة رفعاً أو نصباً فيما بعده والظاهر أنه خبر مستأنف عن صفة حالهم. (5/38)
{وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأٌّنْهَرُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
قال أبو البقاء: وما كنا الواو للحال ويجوز أن تكون مستأنفة انتهى، والثاني: أظهر. وقرأ ابن عامر ما كنا بغير واو وكذا هي في مصاحف أهل الشام وهي على هذا جملة موضحة للأولى ومن أجاز فيها الحال مع الواو ينبغي أن يجيزها دونها، والذي تقتضيه أصول العربية أنّ جواب {لولا} محذوف لدلالة ما قبله عليه أي {لولا أن هدانا الله} ما كنا لنهتدي أو لضللنا لأنّ {لولا} للتعليق فهي في ذلك كأدوات الشرط على أنّ بعض الناس خرج قوله {لولا أن رأى برهان ربّه} على أنه جواب تقدم وهو قوله {وهم بها} وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، وهذا على مذهب جمهور البصريين في منع تقديم جواب الشرط. (5/39)
{وَنَادَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّلِمِينَ }
وأن يحتمل أن تكون المخففة من الثقيلة أي ونودوا بأنه {تلكم الجنة} واسمها ضمير الشأن يحذف إذا خفّفت ويحتمل أن تكون {أن} مفسرة لوجود شرطها وهما أن يكون قبلها جملة في معنى القول وبعدها جملة وكأنه قيل: {تلكم الجنة}.
قال ابن عطية {تلكم} إشارة إلى غائبة فإما لأنهم كانوا وعدوا بها في الدنيا فالإشارة إلى تلك أي {تلكم} هذه {الجنة} وحذفت هذه وإما قبل أن يدخلوها وإما بعد الدخول وهم مجتمعون في موضع منها فكل غائب عن منزله انتهى، وفي كتاب التحرير {وتلكم} إشارة إلى غائب وإنما قال هنا {تلكم} لأنهم وعدوا بها في الدنيا فلأجل الوعد جرى الخطاب بكلمة العهد قوله صلى الله عليه وسلّمللصديق في الاستخبار عن عائشة كيف تيكم للعهد السابق انتهى، و{الجنة} جوّزوا فيها أن تكون خبراً لتلكم و{أورثتموها} حال كقوله {فتلك بيوتهم خاوية}. قال أبو البقاء: حال من {الجنة} والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة ولا يجوز أن تكون حالاً من تلك للفصل بينهما بالخبر ولكون المبتدأ لا يعمل في الحال انتهى، وفي العامل في الحال في مثل هذا زيد قائماً خلاف في النحو وأن يكون نعتاً وبدلاً و{أورثتموها} الخبر أدغم النحويان وحمزة وهشام الثاء في التاء وأظهرها باقي السبعة. (5/40)
عبر بالماضي عن المستقبل لتحقّق وقوعه وهذا النداء فيه تقريع وتوبيخ وتوقيف على مآل الفريقين وزيادة في كرب أهل النار.
وأتى في إخبار أهل الجنة ما وعدناوَنَادَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ} بذكر المفعول وفي قصة أهل النار {ما وعد} ولم يذكر مفعول {وعد} لأنّ أهل الجنة مستبشرون بحصول موعودهم فذكروا ما وعدهم الله مضافاً إليهم ولم يذكروا حين سألوا أهل الجنة متعلق {وعد} باسم الخطاب فيقولوا: ما {وعدكم} ليشمل كل موعود من عذاب أهل النار ونعيم أهل الجنة.
ويحتمل أن يكون حذف المفعول الذي للخطاب لدلالة ما قبله عليه وتقديره {فهل وجدتم ما وعد ربكم}، وقرأ ابن وثاب والأعمش والكسائي {نعم} بكسر العين، ويحتمل أن تكون تفسيريّة وأن تكون مصدرية مخففة من أن الثقيلة وإذا ولى المخففة فعل متصرف غير دعاء فصل بينهما بقد في الأجود كقوله: {أن قد وجدنا}. (5/41)
{وَنَادَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّلِمِينَ }
بينهم يحتمل أن يكون معمولاً لأذّن ويحتمل أن يكون صفة لمؤذن فالعامل فيه محذوف، وقرأ الأخوان وابن عامر والبزي أن لعنة الله بتثقيل {أنّ} ونصب {لعنة} وعصمة عن الأعمش إنّ بكسر الهمزة والتثقيل ونصب {لعنة} على إضمار القول أو إجراء أذن مجرى قال، وقرأ باق السبعة أن يفتح الهمزة خفيفة النون ورفع {لعنة} على الابتداء وأن مخففة من الثقيلة أو مفسرة.
{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأٌّعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَن سَلَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ }
أنّ سلام يحتمل أن {أن} تكون تفسرية ومخففة من الثقيلة ولم يدخلوها حال من المفعول أي ناداهم وهم في هذه الحال يعني أهل الجنة وهم يطمعون جملة خبريّة لا موضع لها من الإعراب أي نادوا أهل الجنة غير داخليها ثم أخبر أنهم طامعون في دخولها قال معناه أبو البقاء، وقيل: المعنى ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة بالسلام وهم قد دخلوا الجنة وأهل الأعراف لم يدخلوها فيكون قوله {لم يدخلوها} حالاً من ضمير ونادوا العائد على أهل الأعراف فقط وهذا تأويل ابن مسعود وقتادة والسدّي وغيرهم، وقيل: {وهم يطمعون} حال من ضمير الفاعل في {يدخلوها} والمعنى لم يدخلوها في حال طمع لها بل كانوا في حال يأس وخوف لكن عمّهم عفو الله. (5/42)
وقال الزمخشري: (فإن قلت): ما محل قوله {لم يدخلوها وهم يطمعون}؟ (قلت): لا محل له لأنه استئناف كأنّ سائلاً سأل عن أصحاب الأعراف فقيل له {لم يدخلوها وهم يطمعون} يعني أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة فلم يدخلوها لكونهم محبوسين وهم يطمعون لم ييأسوا ويجوز أن يكون له محل بأن يقع صفة انتهى، وهذا توجيه ضعيف للفصل بين الموصوف وصفته بجملة ونادوا وليست جملة اعتراض وقرأ ابن النحوي وهم طامعون، وقرأ إياد بن لقيط وهم ساخطون، وقرأ الأعمش وإذا قلبت {أبصارهم} والضمير في أبصارهم عائد على رجال الأعراف يسلّمون على أهل الجنّة وإذا نظروا إلى أهل النّار دعوا الله في التخلّص منها قاله ابن عباس وجماعة، وقال أبو مجلز: الضمير لأهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد {وما أغنى} استفهام توبيخ وتقريع، وقيل: نافية و{ما} في و{ما كنتم} مصدريّة أي وكونكم تستكبرون وقرأت فرقة تستكثرون بالثاء مثلثة من الكثرة.
{أهؤلاء الذين أقستم لا ينالهم الله برحمته ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} الظاهر أنّ هذا من جملة مقول أهل الأعراف وتكون الإشارة إلى أهل الجنة الذين كان الرؤساء يستهينون بهم ويحقّرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم في الدنيا وكانوا يقسمون بالله تعالى لا يدخلهم الجنة قاله الزمخشري وذكره ابن عطية عن بعض المتأوّلين، قال: الإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة والمخاطبون هم أهل الأعراف والذين خوطبوا أهل النار. (5/43)
وقرأ عكرمة دخلوا إخباراً بفعل ماض، وقرأ طلحة وابن وثاب والنخعي {ادخلوا} خيراً مبنيًّا للمفعول وعلى هاتين القراءتين يكون قوله {لا خوف عليكم} على تقدير مقولاً لهم لا خوف عليكم.
{وَنَادَى أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ }
يجوز أن يراد وألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون أفيضوا ضمن معنى ألقوا {علينا من الماء أو مما رزقكم الله} فيصحّ العطف العطف ويحتمل وهو الظاهر من كلامه أن يكون أضمن فعلاً بعد {أو} يصل إلى {مما رزقكم} وهو ألقوا وهما مذهبان للنحاة فيما عطف على شيء بحرف عطف والفعل لا يصل إليه والصحيح منهما التضمين لا الإضمار على ما قرّرناه في علم العربية ومعنى التحريم هنا المنع كما قال:
حرام على عينيّ أن تطعما الكرى
وإخبارهم بذلك هو عن أمر الله.
{الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِئَايَتِنَا يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ جِئْنَهُمْ بِكِتَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }
وما كانوا معطوف على ما نسوا وما فيهما مصدرية ويظهر أنّ الكاف في {كما} للتعليل.
{ولقد جئناهم بكتاب فصّلناه على هدى ورحمة لقوم يؤمنون} الضمير في {ولقد جئناهم} عائد على من تقدم ذكره ويكون الكتاب على هذا جنساً أي {بكتاب} إلهي إذ الضمير عام في الكفار، وقال يحيى بن سلام الضمير لمكذبي محمد صلى الله عليه وسلّموهو ابتداء كلام وتمّ الكلام عند قوله {يجحدون} والكتاب هو القرآن. (5/44)
و{فصّلناه} صفة لكتاب وعلى علم الظاهر أنه حال من فاعل {فصلناه} وقيل التقدير مشتملاً على علم فيكون حالاً من المفعول وانتصب {هدى ورحمة} على الحال، وقيل مفعول من أجله، وقرىء بالرفع أي هو {هدى ورحمة}، وقرأ زيد بن عليّ هدى ورحمة بالخفض على البدل من كتاب أو النعت وعلى النعت لكتاب خرّجه الكسائي والفرّاء رحمهما الله.
قال الزمخشري: ما يؤول إليه من تبيين صدقه وظهور صحته ما نطق به من الوعد الوعيد والتأويل مادته همزة وواوولام من آل يؤول، وقال الخطابي: أوّلت الشيء رددته إلى أوّله فاللفظة مأخوذة من الأول انتهى وهو خطأ لاختلاف المادتين.
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }
وقرأ الجمهور أو نرد برفع الدال فنعمل بنصب اللام عطف جملة قعلية على جملة اسمية وتقدّمهما استفهام فانتصب الجوابان أي هل شفعاء لنا فيشفعوا لنا في الخلاص من العذاب أو هل نرد إلى الدّنيا فنعمل عملاً صالحاً، وقرأ الحسن: فيما نقل الزمخشري بنصب الدال ورفع اللام، وقرأ الحسن فيما نقل ابن عطية وغيره برفعهما عطف {فنعمل} على {نرد}، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة بنصبهما فنصب {أو نرد} عطفاً على {فيشفعوا لنا} جواباً على جواب فيكون الشفعاء في أحد أمرين إما في الخلاص من العذاب وإما في الرّد إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح وتكون الشفاعة قد انسحبت على الردّ أو الخلاص و{فنعمل} عطف على فنرد ويحتمل أن يكون {أو نرد} من باب لألزمنك أو تقضيني حقي على تقدير من قدّر ذلك حتى تقضيني حقي أو كي تقضيني حقي فجعل اللزوم مغياً بقضاء حقه أو معلولاً له لقضاء حقه وتكون الشفاعة إذ ذاك في الرد فقط وأما على تقدير سيبويه ألا إني لألزمنك إلا أن تقضيني فليس يظهر أنّ معنى {أو} معنى إلا هنا يصير المعنى هل تشفع لنا شفعاء إلا أن نرد وهذا استثناء غير ظاهر. (5/45)
ربكم خطاب عام للمؤمن والكافر، وروى بكار بن إن ربكم اللهإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَمَوَتِ وَالأٌّرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} بنصب الهاء عطف بيان والظاهر أنه {خلق السموات والأرض في ستة أيام} وعلى هذا الظاهر فسّر معظم الناس.
هما مفعولان لان التضعيف والهمزة معديان، وقرأ بالتضعيف الأخوان وأبو بكر وبإسكان الغين باقي السبعة وبفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام حميد بن قيس كذا قال عنه أبو عمرو الداني، وقال أبو الفتح عثمان بن جني عن حميد بنصب الليليُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} ورفع {النهار}، قال ابن عطية وأبو الفتح أثبت انتهى وهذا الذي قال من أنّ أبا الفتح أثبت كلام لا يصح إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات فضلاً عن النحاة الذين ليسوا مقرئي ولا رووا القرآن عن أحد ولا روي عنهم القرآن هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النّقل وعدم التجاسر ووفور الخط من العربية فقد رأيت له كتاباً في كلا وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير دلا على إطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه رحمه الله والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى لأنّ ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ الليل في قراءتهم وإن كان منصوباً هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيره مفعولاً ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى لأن المنصوبين تعدّى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في ملكت زيداً عمراً إذ رتبة التقديم هي الموضّحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى والجملة من يطلبه حال من الفاعل من حيث المعنى وهو الليل إذ هو المحدث عنه قبل التعدية وتقديره حاثاً ويجوز أن حالاً من النهار وتقديره محثوثاً ويجوز أن ينتصب نعتاً لمصدر محذوف أي طلباً حثيثاً أي حاثاً أو محثاً ونسبة الطلب إلى الليل مجازفة. (5/46)
{والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} انتصب {مسخرات} على الحال من المجموع أي وخلق الشمس، وقرأ ابن عامر بالرفع في الأربعة على الابتداء والخبر، وقرأ أبان بن ثعلب برفع {والنجوم مسخّرات} فقط على الابتداء والخبر ومعنى {بأمره} بمشيئته وتصريفه وهو متعلق بمسخرات. (5/47)
والأمر مصدر من أمر.
وقال الزّجاج: المعنى اعبدوا وانتصب تضرّعاً وخفيةأَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأٌّمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ * ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأٌّرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } على الحال أي متضرّعين ومخفين أو ذوي تضرّع واختفاء في دعائكم.
{إنه لا يحب المعتدين} وقرأ ابن أبي عبلة إن الله جعل مكان المضمر المظهر وهذا اللفظ عام.
فبدأ أوّلاً بأفعال الجوارح ثم ثانياً بأفعال القلوب وانتصب خوفاً وطمعاًوَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} على انهما مصدران في موضع الحال أو انتصاب المفعول له وعطف أحدهما على الآخر يقتضي أن يكون الخوف والرجاء متساويين ليكونا للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامة فإن انفرد أحدهما هلك الإنسان.
فالرحمة في هذه الأقوال بدل عن مذكر. وقيل: التذكير على طريق النسب أي ذات قرب، وقيل: قريب نعت لمذكر محذوف أي شيء قريب، وقيل: قريب مشبّه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول نحو خضيب وجريح كما شبه فعيل به فقيل شيئاً من أحكامه فقيل في جمعه قعلاء كأسير وأسراء وقتيل وقتلاء كما قالوا: رحيم ورحماء وعليم وعلماء، وقيل هو مصدر جاء على فعيل كالضغيث وهو صوت الأرنب والنقيق وإذا كان مصدر أصح أن يخبر به عن المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع بنفط المصدر، وقيل لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي قاله الجوهري، وهذا ليس بجيد إلا مع تقديم الفعل أما إذا تأخر فلا يجوز إلا التأنيث تقول الشمس طالعة ولا يجوز طالع إلا في ضرورة الشعر بخلاف التقديم فيجوز أطالعه الشمس وأطالع الشمس كما يجوز طلعت الشمس وطلع الشمس ولا يجوز طلع إلا في الشّعر، وقيل: فعيل هنا بمعنى المفعول أي مقربة فيصير من باب كفّ خضيب وعين كحيل قاله الكرماني، وليس بجيد لأن ما ورد من ذلك إنما هو من الثلاثي غير المزيد وهذا بمعنى مقربة فهو من الثلاثي المزيد ومع ذلك فهو لا ينقاس، وقال الفرّاء إذا استعمل في النسب والقرابة فهو مع المؤنث بتاء ولا بدّ تقول هذه قريبة فلان وإذا استعملت في قرب المسافة أو الزمن فقد تجيء مع المؤنث بتاء وقد تجيء بغير تاء تقول دارك مني قريب وفلانة منا قريب، ومنه هذا وقول الشاعر: (5/48)
عشية لا عفراء منك قريبة
فتدنو ولا عفراء منك بعد فجمع في هذا البيت بين الوجهين، قال ابن عطية: هذا قول الفرّاء في كتابه وقد مرّ في كتب بعض المفسرين مغيراً انتهى، وردّ الزّجاج وقال هذا على الفراء هذا خطأ لأنّ سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما وقال من احتج له هذا كلام العرب، قال تعالى: وما يدريك لعلّ الساعة تكون قريباًإِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}. وقال الشاعر:
له الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم
قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا وقال أبو عبيدة {قريب} في الآية ليس بصفة للرحمة وإنما هو ظرف لها وموضع فتجيء هكذا في المؤنث والاثنين والجمع وكذلك بعيد فإن جعلوها صفة بمعنى مقتربة قالوا قريبة وقريبتان وقريبات. قال علي بن سليمان وهذا خطأ ولو كان كما قال لكان قريب منصوباً كما تقول إنّ زيداً قريباً منك انتهى وليس بخطأ لأنه يكون قد اتسع في الظرف فاستعمله غير ظرف كما تقول هند خلقك وفاطمة أمامك بالرّفع إذا اتسعت في الخلف والأمام وإنما يلزم النصب إذا بقيتا على الظّرفية ولم يتسع فيهما وقد أجازوا أنّ قريباً منك زيد على أن يكون قريباً اسم إنّ وزيد الخبر فاتسع في قريب واستعمل اسما لا منصوباً على الظّرف والظاهر عدم تقييد قرب الرحمة من المحسن بزمان بل هي قريب منه مطلقاً وذكر الطبري أنه وقت مفارقة الأرواح للأجساد تنالهم الرحمة. (5/49)
ثمود اسم قبيلة سميت باسم أبيها ويأتي ذكره في التفسير إن شاء الله. النّاقة الأنثى من الجمال وألفها منقلبة عن الواو وجمعها في القلة أنوق وأنيق وفيه القلب والإبدال وفي الكثرة نياق ونوق واستنوق الجمل إذا صار يشبه الناقة.
قال الأزهري العقر عند العرب كشف عرقوب البعير، ولما كان سبباً للنحر أطلق العقر على النحو إطلاقاً لاسم السبب على المسبب وإن لم يكن هناك قطع للعرقوب. قال امرؤ القيس:
ويوم عقرت للعذارى مطيّتي
فيا عجباً من كورها المتحمّل وقال غيره والعقر بمعنى الجرح. قال:
تقول وقد مال الغبيط بنا معاً
عقرت بعيري يا امرؤ القيس فانزل عنا يعتو عتوّاً استكبر.
الرجفة الطامّة التي يرجف لها الإنسان أي يتزعزع ويطرب ويتعد ومنه ترجف بوادره وأصل الرّجف الاضطراب، رجفت الأرض والبحر رجاف لاضطرابه، وأرجف الناس بالشر خاضوا فيه واضطربوا، ومنه الأراجيف ورجف بهم الجبل. قال الشاعر:
ولما رأيت الحج قد حان وقته
وظلت جمال القوم بالحي ترجف الجثوم اللصوق بالأرض على الصدر مع قبض السّاقين كما يرقد الأرنب والطير. غبر بقي. قال أبو ذؤيب: (5/50)
فغبرت بعدهم بعيش ناضب
وإخال أني لاحق مستبقع هذا الشمهور في اللغة ومنه غبر الحيض. قال أبو بكر الهذلي:
ومبرّأ من كل غبر حيضة
وفساد مرضعة وداء معضل وغبر اللبن في الضّرع بقيته وحكى أهل اللغة غبر بمعنى مضى، قال الأعشى:
غض بما ألقى المواسي له
من أمّه في الزمن الغابر وبمعنى غاب ومنه عبر عنا زماناً أي غاب قاله الزجاج، وقال أبو عبيدة غبر عمر دهراً طويلاً حتى هرم، المطر معروف. وقال أبو عبيدة يقال في الرّحمة مطر وفي العذاب أمطر وهذا معارض بقوله هذا عارض ممطرناوَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ * لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلائ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَلتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي
الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ * وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ * قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَلتِ رَبِّى وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ ءَالآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَدِلُونَنِي فِى أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤكُمُ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ * وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ (5/51)
مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءَالآءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأٌّرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلائ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِى ءَامَنتُمْ بِهِ كَفِرُونَ * فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ * وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَلَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأٌّرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَلاَ} فإنهم لم يريدوا إلا الرّحمة وكلاهما متعدّ يقال (5/52)
مطرتهم السماء وأمطرتهم شعيب اسم نبيّ وسيأتي ذكر نسبه في التفسير إن شاء الله. (5/53)
انتظمت هاتان الآيتان محصلتين المبدأ والمعاد وجعل الخبر موصولا في أن ربكم الله الذي وفي وهو الذيوَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} دلالة على كون ذلك معهوداً عند السامع مفروغاً من تحقّق النسبة فيه والعلم به ولم يأتِ التركيب إنّ ربكم خلق ولا وهو يرسل الرياح وقرأ الرّياح نشراً جمعين وبضم الشين جمع ناشر على النسب أي ذات نشر من الطي كلابن وتامر وقالوا نازل ونزل وشارف وشرف وهو جمع نادر في فاعل أو نشور من الحياة أو جمع نشور كصبور وصبر وهو جمع مقيس لا جمع نشور بمعنى منشور خلافاً لمن أجاز ذلك لأنّ فعولاً كركوب بمعنى مركوب لا ينقاس ومع كونه لا ينقاس لا يجمع على فعل الحسن والسلمي وأبو رجاء واختلف عنهم والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى بن عمر وأبو يحيى وأبو نوفل الأعرابيان ونافع وأبو عمرو، وقرأ كذلك جمعاً إلا أنهم سكّنوا الشين تخفيفاً من الضم كرسل عبد الله وابن عباس وزر وابن وثاب والنخعي وطلحة بن مصرف والأعمش ومسروق وابن عامر، وقرأ نشراً بفتح النون والشين مسروق فيما حكى عنه أبو الفتح وه اسم جمع كغيب ونشىء في غائبة وناشئة، وقرأ ابن كثير الرّيح مفرداً نشراً بالنون وضمّها وضمّ الشين فاحتمل نشراً أن يكون جمعاً حالاً من المفرد لأنه أريد به الجنس كقولهم: العرب هم البيض واحتمل أن يكون مفرداً كناقة سرح، وقرأ حمزة والكسائي نشراً بفتح النون وسكون الشين مصدراً كنشر خلاف طوى أو كنشر بمعنى حيي من قولهم أنشر الله الموتى فنشروا أي حيوا. قال الشاعر:
حتى يقول الناس مما رأوا
يا عجباً للميت الناشر وقرأ {الرياح} جمعاً ابن عباس والسّلمي وابن أبي عبلة {بشراً} بضم الباء والشين ورويت عن عاصم وهو جمع بشيرةٍ كنذيرة ونذر، وقرأ عاصم كذلك إلا أنه سكن الشين تخفيفاً من الضم، وقرأ السلمي أيضاً {بشراً} بفتح الباء وسكون الشين وهو مصدر بشر المخفف ورويت عن عاصم، وقرأ ابن السميقع وابن قطيب بشرى بألف مقصورة كرجعى وهو مصدر فهذه ثماني قراءات أربعة في النون وأربع في الباء فمن قرأ بالباء جمعاً أو مصدراً بألف التأنيث ففي موضع الحال من المفعول أو مصدراً بغير ألف التأنيث فيحتمل ذلك ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل ومن قرأ بالنون جمعاً أو سام جمع فحال من المفعول أو مصدراً فيحتمل أن يكون حالاً من الفاعل وأن كون حالاً من المفعول أو مصدراً ليرسل من المعنى لأنّ إرسالها هو إطلاقها وهو بمعنى النّشر فكأنه قيل ينشر الرياح نشراً ووصف الريح بالنشر بأحد معنيين بخلاف الطي وبالحياة قال أبو عبيدة: في النشر أنها المتفرقة في الوجوه، وقال الشاعر في وصف الرّيح بالإحياء والموت: (5/54)
وهبّت له ريح الجنوب وأحييت
له ريدة يحيي المياه نسيمها والرّيدة والمريد أنه الرّيح. وقال الآخر:
إني لأرجو أن تموت الرّيح
فأقعد اليوم وأستريح ومعنى {بين يدي رحمته} أمام نعمته وهو المطر الذي هو من أجلّ النعم وأحسنها أثراً والتعيين عن إمام الرحمة بقوله {بين يدي} من مجاز الاستعارة إذ الحقيقة هو ما بين يدي الإنسان من الإحرام وقال الكرماني: قال هنا {يرسل} لأنّ قبل ذلك {وادعوه خوفاً وطمعاً} فهماً في المستقبل فناسبه المستقبل وفي الفرقان وفاطر {أرسل} لأن قبله {ألم ترَ إلى ربك كيف مدّ الظل} وبعده {وهو الذي مرح} وكذا في الروم {ومن آياته أن يرسل} ليوافق ما قبله من المستقبل وفي فاطر قبله {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة} وذلك ماضٍ فناسبه الماضي انتهى ملخصاً.
والسحاب اسم جنس بينه وبين مفرده تاء التأنيث فيذكر كقوله والسحاب المسخرحَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} كقوله {يزجي سحاباً ثم يؤلّف بينه} ويؤنث ويوصف ويخبر عنه بالجمع كقوله {وينشئ السّحاب الثّقال} وكقوله {والنّحل باسقات} وثقله بالماء الذي فيه ونسب السّوق إليه تعالى بنون العظمة التفاتاً لما فيه من عظيم المنة وذكر الضمير في {سقناه} رعياً للفظ كما قلنا إنه يذكر. (5/55)
واللام في {لبلد} عندي لام التبليغ كقولك قلت لك، وقال الزمخشري: لأجل بلد فجعل اللام لام العلة ولا يظهر فرق بين قولك سقت لك مالاً فإنّ الأوّل معناه أوصلته لك وأبلغته والثاني لا يلزم منه وصوله إليه بل قد يكون الذي وصل له المال غير الذي علّل به السوق ألا ترى إلى صحة قول القائل لأجل زيد سقت لك مالك.
{فأنزلنا به الماء} الظاهر أن الباء ظرفية والضمير عائد على بلد ميت أي فانزلنا فيه الماء وهو أقرب مذكور ويحسن عوده إليه فلا يجعل لأبعد مذكور، وقيل الباء سببيّة والضمير عائد على السحاب. وقيل عائد على المصدر المفهوم من سقناه فالتقدير بالسّحاب أو بالسّوق والثالث ضعيف لأنه عائد على غير مذكور مع وجود المذكور وصلاحيته للعود عليه. وقيل: عائد على السحاب والباء بمعنى من أي فأنزلنا منه الماء كقوله {يشرب بها عباد الله} أي منها وهذا ليس بجيد لأنه تضمين من الحروف.
{فأخرجنا به من كل الثمرات الخلاف في به} كالخلاف السابق في به. وقيل: الأول عائد على السحاب والثاني على البلد عدل عن كناية إلى كناية من غير فاصل كقوله: {الشيطان سوّل لهم وأملى لهم} وفاعل أملى لهم الله تعالى.
وفي الكلام حال محذوفة أي يخرج نباته وافياً حسناً وحذفت لفهم المعنى ولدلالة والبلد الطيبوَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} عليها ولمقابلتها بقوله {إلا نكداً} ولدلالة {بإذن ربه} لأنّ ما أذن الله في إخراجه لا يكون إلا على أحسن حال {بإذن ربه} في موضع الحال وخصّ خروج نبات الطيّب بقوله {بإذن ربه} على سبيل المدح له والتشريف ونسبة الىسناد الشريفة الطيبة إليه تعالى وإن كان كلا النباتين يخرج بإذنه تعالى ومعنى {بإذن ربه} بتيسيره وحذف من الجملة الثانية الموصوف أيضاً والتقدير والبلد الذي خبث لدلالة {والبلد الطيب} عليه فكلّ من الجملتين فيه حذف وغاير بين الموصولين فصاحة وتفنّناً ففي الأولى قال: {الطيّب} وفي الثانية قال: {الذي خبث} وكان إبراز الصّلة هنا فعلاً بخلاف الأوّل لتعادل اللفظ يكون ذلك كلمتين الكلمتين في قوله {والبلد الطيّب} والطيب والخبيث متقابلان في القرآن كثيراً {قل لا يستوي الخبيث والطيّب} و{ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث أنفقوا من طيبات ما كسبتم ولا تيمموا الخبيث} إلى غير ذلك والفاعل في {لا يخرج} عائد على {الذي خبث} وقد قلنا إنه صفة لموصوف محذوف والبلد لا يخرج فيكون على حذف مضاف إما من الأوّل أي ونبات الذي خبث أو من الثاني أي لا يخرج نباته فلما حذف استكنّ الضمير الذي كان مجروراً لأنه فاعل، وقيل هاتان الجملتان قصد بهما التمثيل، فقال ابن عباس وقتادة مثال لروح المؤمن يرجع إلى جسده سهلاً طيّباً كما خرج إذا مات ولروح الكافر لا يرجع إلا بالنّكد كما خرج إذ مات انتهى، فيكون هذا راجعاً من حيث المعنى إلى قوله {كذلك نخرج الموتى} أي على هذين الوصفين. (5/56)
وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر {يخرج نباته} مبنياً للمفعول، وقرأ ابن القعقاع {نكداً} بفتح الكاف، قال الزّجاج: وهي قراءة أهل المدينة، وقرأ ابن مصرّف بسكونها وهما مصدران، أي ذا نكد وكون نبات الذي خبث محصوراً خروجه على حالة النكد مبالغة شديدة في كونه لا يكون إلا هكذا ولا يمكن أن توجد {إلا نكداً} وهي إشارة إلى من استقر فيه وصف الخبيث يبعد عنه النزوع إلى الخير. (5/57)
لقد أرسلنا استئناف كلام دون واو وفي هود والمؤمنون ولقد بواو العطف، لأنه أول من صنعها عطف في السورتين انتهى واللام جواب قسم محذوف أكدّ تعالى هذا الإخبار بالقسم، قال الزمخشري: فإن قلت): ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إا مع قد وقل عنهم قوله:
حلفت لها بالله حلفة فاجر
لناموا (قلت): إنما كان ذلك لأنّ الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنّة لمعنى التوقّع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم انتهى، وبعض أصحابنا يقول إذا أقسم على جملة مصدرة بماضٍ مثبت متصرف وكان قريباً من زمان الحال أثبت مع اللام بفد الدالّة على التقريب من زمن الحال ولم تأتِ بقد بل باللام وحدها إن لم يرد التقريب، قال ابن عباس: أرسلنالَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} بعثنا وقال غيره حملناه رسالة يؤدّيها فعلى هذا تكون الرسالة متضمنة للبعث وهنا فقال بفاء العطف وكذا في المؤمنون في قصّة عاد وصالح وشعيب هنا قال بغير فاء والأصل الفاء وحذفت في القصتين توسّعاً. واكتفاءً بالرّبط المعنوي وفي قصة نوح في هوذ {إني لكم} على إضمار القول أي فقال إني وفي ندائه قومه تنبيه لهم لما يلقيه إليهم واستعطاف وتذكير بأنهم قومه فالمناسب أن لا يخالفوه ومعمول القول جملة الأمر بعبادة الله وحده ورفض آلهتهم المسمّاة ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً وغيرها والجملة المنبهة على الوصف الدّاعي إلى عبادة الله وهو انفراده بالألوهية المرجو إحسانه المحذور انتقامه دون آلهتهم ولم تأتِ بحرف عطف لأنها بيان وتفسير لعلّة اختصاصه تعالى بأن يعبد، وقرأ ابن وثاب والأعمش وأبو جعفر والكسائي غيره بالجرّ على لفظ {إله} بدلاً أو نعتاً، وقرأ باقي السّبعة غيره بالرفع عطفاً على موضع {من إله} لأنّ من زائدة بدلاً أو نعتاً، وقرأ عيسى بن عمر غيره بالنصب على الاستثناء والجرّ والرفع أفصح {ومن إله} مبتدأ و{لكم} في موضع الخبر، وقيل: الخبر محذوف أي في الوجود و{لكم} تبيين وتخصيص. (5/58)
ومعنى في ضلال مبينقَالَ الْمَلائ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ} أي في ذهاب عن طريق الصواب وجهالة بما تسلك بينة واضحة وجاءت جملة الجواب مؤكدة بأن وباللام وفي للوعاء فكان الضلال جاء ظرفاً له وهو فيه ولم يأتِ ضالاً ولا ذا ضلال. (5/59)
أبلغكمقَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَلتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } استئناف على سبيل البيان بكونه رسولاً أو جملة في موضع الصفة لرسول ملحوظاً فيه كونه خبراً لضمير متكلم كما تقول أنا رجل آمر معروف فتراعي لفظ أنا ويجوز يأمر بالمعروف فيراعى لفظ رجل والأكثر مراعاة ضمير المتكلم والمخاطب فيعود الضمير ضمير متكلم أو مخاطب قال تعالى: {بل أنتم قوم تفتنون} بالتاء ولو قرئ بالياء لكان عربيّاً مراعاة للفظ {قوم} لأنه غائب، وقرأ أبو عمرو {أبلغكم} هنا في الموضعين وفي الأحقاف بالتخفيف وباقي السبعة بالتشديد والهمزة والتضعيف للتعدية فيه.
قال الزمخشري: الواو للعطف والمعطوف محذوف كأنه قيل أو كذبتم وعجبتم أن جاءكم انتهى، وهو كلام مخالف لكلام سيبويه والنّحاة لأنّهم يقولون: إنّ الواو لعطف ما بعدها على ما قبلها من الكلام ولا حذف هناك وكأنّ الأصل وأعجبتم لكنه اعتنى بهمزة الاستفهام فقدّمت على حروف العطف لأنّ الاستفهام له صدر الكلام وقد تقدّم الكلام معه في نظير هذه المسألة وقد رجع هو عن هذا إلى قول الجماعة والذكر الوعظ أو الوحي أو المعجز أو كتاب معجز أو البيان أقوال والأولى أن يكون قوله على رجلأَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فيه إضمار أي على لسلن رجل كما قال {ما وعدتنا على رسلك}، وقيل: {على} بمعنى مع، وقيل: لا حذف ولا تضمين في الحرف بل قوله {على رجل} هو على ظاهره لأن {جاءكم} بمعنى نزل إليكم. (5/60)
يتعلق في الفلكفَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} بما يتعلق به الظرف الواقع صلة أي والذين استقروا معه في الفلك ويحتمل أن يتعلق بأنجيناه أي أنجيناهم في السّفينة من الطّوفان وعلى هذا يحتمل أن تكون في {سببية} أي بالفلك كقوله «دخلت النار في هرة» أي بسبب هرة و{عمين} من عمي القلب أي غير مستبصرين ويدل على ثبوت هذا الوصف كونه جاء على وزن فعل ولو قصد الحذف لجاء على فاعل كما جاء ضائق في ضيق وثاقل في ثقيل إذا قصد به حدوث الضّيق والثقل قال ابن عباس عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد، وقال معاذ النحوي: رجل عم في أمره لا يبصره وأعمي في البصر. قال:
ما في غد عم ولكنني عن علم
وقد يكون العمى والأعمى كالخضر والأخضر، وقال الليث: رجل عم إذا كان أعمى القلب.
عاد اسم الحي ولذلك صرفه وبعضهم جعله اسماً للقبيلة فمنعه الصرف قال الشاعر:
لو شهدت عاد في زمان عاد (5/61)
لانتزها مبارك الجلاد سميت القبيلة باسم أبيهم وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام وهود قال شيخنا أبو الحسن الآبدي النحوي: المعروف أنّ هوداً عربي والذي يظهر من كلام سيبويه لما عده مع نوح ولوط وهما عجميان أنه عجمي عنده انتهى، وذكر الشريف النسّابة أبو البركات الجواني أنّ يَعرُب بن قحطان بن هود هو الذي زعمت يمن أنه أول من تكلم بالعربية ونزل أرض اليمن فهو أبو اليمن كلها وأنّ العرب إنما سميت عرباً به انتهى فعلى هذا لا يكون هود عربيّاً وهود هو ابن عابر بن شالح بن ارفخشد بن سام بن نوح وأخاهموَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} معطوف على نوحاً ومعناه واحداً منهم.
إذوَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} ظرف في قول الحوفي فيكون مفعول {اذكروا} محذوفاً أي واذكروا آلاء الله عليكم وقت كذا والعامل في {إذا} ما تضمنه النعم من الفعل وفي قول الزمخشري {إذ} مفعول به وهو منصوب باذكروا أي اذكروا وقت جعلكم.
وتعليق رجاء الفلاح على مجرّد الذّكر لا يظهر فيحتاج إلى تقدير محذوف يترتب عليه رجاء الفلاح وتقديره والله أعلم فاذكروا آلاء اللهفَاذْكُرُواْ ءَالآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وإفراده بالعبادة ألا ترى إلى قوله {أجئتنا لنعبد الله وحده}.
بقوله قد وقعقَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} على حقيقته من المضي وإن كان العذاب فيكون من جعل الماضي موضع المستقبل لتحقّق وقوعه.
والجملة من قوله ما نزلمَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ} في موضع الصفة والمعنى أنه ليس لكم بذلك حجة ولا برهان وجاء هنا {نزل} وفي مكان غيره أنزل وكلاهما فصيح والتعدية بالتضعيف والهمزة سواء.
وقرأ ابن وثاب والأعمش: وإلى ثمودوَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا} بكسر الدال والتنوين مصروفاً في جميع القرآن جعله اسم الحي والجمهور منعوه الصرف جعلوه اسم القبيلة. (5/62)
وكثر استعمال هذه الصفة استعمال الأسماء في القرآن فولّيت العوامل كقوله حتى جاءتهم البينة وقوله بالبينات والزبرقَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} والمعنى الآية البينة وبالآيات البينات فقارب أن تكون كالأبطح والأبرق إذ لا يكاد يصرح بالموصول معها وقوله {قد جاءتكم بينة من ربكم} كأنه جواب لقولهم {ائتنا بينة} تدلُ على صدقك وأنك مرسل إلينا و{من ربكم} متعلق بجاءتكم أو في موضع الصفة لآية على تقدير محذوف أي من آيات ربكم.
وانتصب آيةهَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً} على الحال والعامل فيها ها بما فيها من معنى التنبيه أو اسم الإشارة بما فيه من معنى الإشارة أو فعل مضمر تدّل عليه الجملة كأنه قيل انظر إليها في حال كونها آية أقوال ثلاثة ذكرت في علم النحو.
لما أضاف الناقة إلى الله أضاف محل إلى الله إذ الأرض وما أنبت فيها ملكه تعالى لا ملككم ولا إنباتكم وتأكلفَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ} جزم على جواب الأمر، وقرأ أبو جعفر في رواية {تأكل} بالرفع وموضعه حال.
وتتخذونتَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءَالآءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأٌّرْضِ مُفْسِدِينَ} حال أو تفسير لقوله {وبوأكم في الأرض} فلا موضع له من الإعراب فيتعدّى {تتخذون} إلى مفعول واحد، وقيل: يتعدى إلى اثنين والمجرور هو الثاني.
انتصب {بيوتاً} على أنها حال مقدّرة إذ لم تكن الجبال وقت النحت بيوتاً كقولك إبرِ لي هذه اليراعة قلماً وخَّط لي هذا قباء، وقيل: مفعول ثانٍ على تضمين {وتنحتون} معنى و{تتخذون}، وقيل: مفعول بتنحتون و{الجبال} نصب على إسقاط من أي من الجبال، وقرأ الأعمش {تعثوا} بكسر التاء لقولهم أنت تعلم وهي لغة و{مفسدين} حال مؤكدة. (5/63)
قرأ ابن عامر وقال الملأقَالَ الْمَلائ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} بواو عطف والجمهور قال بغير واو و{الذين استكبروا} وصف للملأ إما للتخصيص لأنّ من أشرافهم من آمن مثل جندع بن عمرو وإما للذم و{استكبروا} وطلبوا الهيبة لأنسهم وهو من الكبر فيكون استفعل للطلب وهو بابها أو تكون استفعل بمعنى قعل أي كبروا لكثرة المال والجاه فيكون مثل عجب واستعجب والذين {استضعفوا} أي استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم وهم العامة وهم أتباع الرّسل و{لمن} بدل من الذين استضعفوا والضمير في {منهم} إن عاد على المستضعفين كان بدل بعض من كلّ ويكون الذين استضعفوا قسمين مؤمنين وكافرين وإن عاد على {قومه} كان بدل كل من كلّ وكان الاستضعاف مقصوراً على المؤمنين وكان الذين استضعفوا قسماً واحداً ومن آمن مفسراً للمستضعفين من قومه واللام في {للذين} للتبليغ والجملة المقولة استفهام على جهة الاستهزاء والاستخفاف وفي قولهم {من ربه} اختصاص بصالح ولم يقولوا من ربنا ولا من ربكم.
والفاء في فأخذتهمفَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ * فَتَوَلَّى} للتعقيب فيمكن العطف بها على قولهم {فأتنا بما تعدنا} على تقدير قرب زمان الهلك من زمان طلب الإتيان بالوعد ولقرب ذلك كان العطف بالفاء ويمكن أن يقدر ما يصحّ العطف بالفاء عليه أي فواعدهم العذاب بعد ثلاث فانقضت {فأخذتهم الرّجفة}.
وأما فأهلكوا بالطاغية فالباء فيه للسببية أي أهلكوا بالفعلة الطاغية وهي الكفر أو عقر الناقة والطاغية من طغى إذا تجاوز الحدّ وغلب ومنه تسمية الملك والعاتي بالطاغية وقوله {إنا لما طغى الماء} وقال تعالى: {كذبت ثمود بطغواها} أي بسبب طغيانها حصل تكذيبهم ويمكن أن يراد بالطاغية الرّجفة أو الصّيحة لتجاوز كل منهما الحدّ. (5/64)
ظاهر العطف بالفاء أنّ التولي كان بعد هلاكهم ومشاهدة ما جرى عليهم.
انتصب لوطاًفَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ * وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَلَمِينَ } بإضمار وأرسلنا عطفاً على الأنبياء قبله و{إذ} معمولة {لأرسلنا} وجوز الزمخشري وابن عطية: نصبه بواذكر مضمرة زاد الزمخشري أنّ {إذ} بدل من لوط أي واذكر وقت قال لقومه، وقد تقدم الكلام على كون إذ تكون مفعولاً بها صريحاً لأذكر وأنّ ذلك تصرف فيها والاستفهام هو على جهة الإنكار والتوبيخ والتشنيع والتوقيف على هذا الفعل القبيح و{الفاحشة} هنا إتيان ذكران الآدميين في الادبار ولما كان هذا بالفعل معهوداً قبحه ومركوزاً في العقول فحشه أتى معرفاً بالألف واللام أو تكون أل فيه للجنس على سبيل المبالغة كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد العرب عن ذلك البعد التام وذلك بخلاف الزنا فإنه قال فيه: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} فأتى به منكراً أي فاحشة من الفواحش وكان كثير من العرب يفعله ولا يستنكرون من فعله ولا ذكره في أشعارهم والجملة المنفية تدّل على أنهم هم أول من فعل هذه الفعلة القبيحة وأنهم مبتكروها والمبالغة في {من أحد} حيث زيدت لتأكيد نفي الجنس وفي الإتيان بعموم العالمين جمعاً.
{وما سبقكم} جملة حالية من الفاعل أو من {الفاحشة} لأن في {سبقكم بها} ضميرهم وضميرها، وقال الزمخشري: هي جملة مستأنفة أنكر عليهم أولاً بقوله {أتأتون الفاحشة} ثم وبّخهم عليها فقال: أنتم أول من عملها أو على أنه جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا لم لا نأتيها فقال: {ما سبقكم بها أحد} فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به، وقال الزمخشري: والباء للتعدية من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله ومنه قوله عليه السلام «سبقك بها عكاشة» انتهى، ومعنى التعدية هنا قلق جداً لأنّ الباء المعدية في الفعل المتعدي إلى واحد هي بجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة وبيان ذلك أنك إذا قلت صككت الحجر بالحجر فمعناه أصككت الحجر الحجر أي جعلت الحجر يصك الحجر وكذلك دفعت زيداً بعمرو عن خالد معناه أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي جعلت زيداً يدفع عمراً عن خالد فللمفعول الأوّل تأثير في الثاني ولا يتأنّى هذا المعنى هنا إذ لا يصحّ أن يقدّر أسبقت زيداً الكرة أي جعلت زيداً يسبق الكرة إلا بمجاز متكلّف وهو أن تجعل ضربك للكرة أول جعل ضربة قد سبقها أي تقدّمها في الزمان فلم يجتمعا. (5/65)
هذا بيان لقوله أتأتون الفاحشةإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} وأتى هنا من قوله أتى المرأة غشيها وهو استفهام على جهة التوبيخ والإنكار، وقرأ نافع وحفص {إنكم} على الخبر المستأنف و{شهوة} مصدر في موضع الحال قاله الحوفي وابن عطية، وجوّزه الزمخشري وأبو البقاء أي مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين لقبحها أو مفعول من أجله قاله الزمخشري، وبدأ به أبو البقاء أي للاشتهاء لا حامل لكم على ذلك إلا مجرد الشهوة ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبهيمة وأنهم لا داعي لهم من جهة العقل كطلب النسل ونحوه و{من دون النساء} في موضع الحال أي منفردين عن النساء، وقال الحوفي: {من دون النساء} متعلّق بشهوة و{بل} هنا للخروج من قصة إلى قصة تنبئ بأنهم متجاوزو الحد في الاعتداء، وقيل إضراب عن تقريرهم وتوبيخهم والإنكار أو عن الإخبار عنهم بهذه المعصية الشنيعة إلى الحكم عليهم بالحال التي تنشأ عنها القبائح وتدعو إلى اتّباع الشهوات وهي الإسراف وهو الزيادة المفسدة لما كانت عادتهم الإسارف أسرفوا حتى في باب قضاء الشهوة وتجاوزوا المعتاد إلى غيره ونحوه {بل أنتهم قوم عادون}، وقيل إضراب عن محذوف تقديره ما عدلتم بل أنتهم، وقال الكرماني بل ردّ لجواب زعموا أن يكون لهم عذر أي لا عذر لكم ولا حجّة {بل أنتم} وجاء هنا {مسرفون} باسم الفاعل ليدّل على الثبوت ولموافقة ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأسماء وجاء في النمل {تجهلون} بالمضارع لتجدد فيهم ولموافقة ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأفعال. (5/66)
الضمير في أخرجوهموَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ} عائد على لوط ومن آمن به وقال ابن عطية: والضمير عائد على آل لوط وأهله وإن كان لم يجر لهم ذكر فإن المعنى يقتضيهم، وقرأ الحسن {جواب} بالرفع انتهى وهنا جاء العطف بالواو والمراد بها أحد محاملها الثلاث من التعقيب المعني في النمل في قوله تجهلون فما وفي العنكبوت {وتأتون في ناديكم المنكر} فما وكان التعقيب. (5/67)
يسمى هذا النوع في علم البيان التعريض بما يوهم الذم وهو مدح كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهنّ فلول من قراع الكتائب إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} {كانت من الغابرين} تفسيراً وتوكيداً لما تضمنه الاستثناء من كونها لم ينجها الله تعالى وقال أبو عبيدة: {إلا امرأته} اكتفى به أنها لم تنجُ ثم ابتدأ وصفها بعد ذلك بصفة لا تتعلق بها النجاة ولا الهلكة وهي أنها كانت ممن أسن وبقي من عصره إلى عصر غيره فكانت غابرة أي متقدّمة في السن كما قال: إلا عجوزاً في الغابرين إلى أن هلكت مع قومها انتهى، وجاء {من الغابرين} تغليباً للذكور على الإناث. وقال الزّجاج: من الغائبين عن النجاة فيكون توكيداً لما تضمنه الاشتثناء انتهى، و{كانت} بمعنى صارت أو كانت في علم الله أو باقية على ظاهرها من تقييد غبورها بالزمان الماضي أقوال.
والكيلفَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} مصدر كنى به عن الآلة التي يكال بها كقوله في هود {المكيال والميزان} فطابق قوله {والميزان} أو هو باق على المصدرية وأريد بالميزان المصدر كالميعاد لا الآلة فتطابقا أو أخذ الميزان على حذف مضاف أي ووزن الميزان والكيل على إرادة المكيال فتطابقا.
ولا تظهر الدلالة على أن المراد بالصراط سبيل الحق من قوله وتصدون عن سبيل اللهوَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} كما ذكر بل الظاهر التغابر لعموم كل صراط وخصوص سبيل الله فيكون {بكل صراط} حقيقة في الطرق و{سبيل الله} كجاز عن دين الله والباء في {بكل صراط} ظرفية نحو زيد بالبصرة أي في كل صراط وفي البصرة والجمل من قوله {توعدون وتصدون وتبغونها} أحوال أي موعدين وصادّين وباغين والإيعاد ذكر إنزال المضار بالموعد ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب من الشرّ لأن أوعد لا يكون إلا في الشر وإذا ذكر تعدى الفعل إليه بالباء. (5/68)
قال أبو منصور الجواليقي: إذا أرادوا أن يذكروا ما يهددوا به مع أوعدت جاؤوا بالباء فقالوا: أوعدته بالضرب ولا يقولون أعدته الضرب والصدّ يمكن أن يكون حقيقة في عدم التمكين من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه ويمكن أن يكون مجازاً عن الإيعاد من الصادّ بوجه ما أوعن وعد المصدود بالمنافع على تركه و{من آمن} مفعول بتصدون على إعمال الثاني ومفعول {توعدون} ضمير محذوف والضمير في {به} الظاهر أنه على {سبيل الله} وذكره لأن السبيل تذكر وتؤنث، وقيل عائد على الله، وقال الزمخشري: (فإن قلت): إلام يرجع الضمير في آمن به، (قلت): إلى كلّ صراط تقديره توعدون من آمن به وتصدون عنه فوضع الظاهر الذي هو سبيل ألله موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم دلالة على عظم ما يصدّون عنه انتهى وهذا تعسّف في الإعراب لا يليق بأن يحمل القرآن عليه لما فيه من التقديم والتأخير ووضع الظاهر موضع المضمر من غير حاجة إلى ذلك وعود الضمير على أبعد مذكور مع إمكان عوده على أقرب مذكور الإمكان السائغ الحسن الراجح وجعل {من آمن} منصوباً بتوعدون فيصير من إعمال الأوّل وهو قليل. (5/69)
وقد قال النحاة أنه لم يرد في القرآن لقلته ولو كان من إعمال الأول للزم ذكر الضمير في الفعل الثاني وكان يكون التركيب {وتصدونه} أو وتصدونهم إذ هذا الضمير لا يجوز حذفه على قول الأكثرين إلا ضرورة على قول بعض النحاة يحذف في قليل من الكلام ويدّل على {من آمن} منصوب بتصدون الآية الأخرى وهي قوله: {قل يا أهل الكتاب لمَ تصدون عن سبيل الله من آمن} ولا يحذف مثل هذا الضمير إلا في شعر وأجاز بعضهم حذفه على قلة مع هذه التكليفات المضافة إلى ذلك فكان جديراً بالمنع لما في ذلك من التعقيد البعيد عن الفصاحة وأجاز ابن عطية أن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للرد عن شعيب وهذا بعيد لأن القائل {ولا تقعدوا} وهو شعيب فكان يكون التركيب من آمن بي ولا يسوغ هنا أن يكون التفافاً لو قلت: يا هند أنا أقول لك لا تهيني من أكرمه تريد من أكرمني لم يصحّ وتقدم تفسير مثل قوله {وتبغونها عوجاً} في آل عمران. (5/70)
قال الزمخشري إذوَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} مفعول به غير ظرف أي {واذكروا} على جهة الشكر وقت كونكم {قليلاً} عددكم {فكثرتم} الله ووفر عددكم انتهى؛ وذكر غيره أنه منصوب على الظرف فلا يمكن أن يعمل فيه {واذكروا} لاستقبال اذكروا وكون {إذ} ظرفاً لما مضى والقلّة والتكثير هنا بالنسبة إلى الأشخاص أو إلى الفقر والغنى أو إلى قصر الأعمار وطولها أقوال ثلاثة أظهرها الأول. قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا، وقال الزمخشري: إذ كنتم أقلة أذلّة فأعزّكم بكثرة العدد والعدد انتهى ولا ضرورة تدعو إلى حذف صفة وهي أذلّة ولا إلى تحميل قوله {فكثرتم} معنى بالعدد ألا ترى أنّ القلة لا تستلزم الذلّة ولا الكثرة تستلزم العزّ، وقال الشاعر:
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا
فقلت لها إنّ الكرام قليل وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا